١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
90
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزاً وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم فحينئذ تم الدليل على كونه نبياً صادقاً لأنا نقول إن محمداً ادعى النبوة وظهر المعجزة على وفق دعواه وكل من كان كذلك فهو نبي صادق، فهذا يدل على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق وليس من شرط كونه نبياً صادقاً تواتر المعجزات الكثيرة وتواليها لأنا لو فتحنا هذا الباب للزم أن لا ينتهي الأمر فيه إلى مقطع وكلما أتى الرسول بمعجز اقترحوا عليه معجزاً آخر ولا ينتهي الأمر فيه إلى حد ينقطع عنده عناد المعاندين وتغلب الجاهلين لأنه تعالى حكى عن الكفار أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزاً التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ستة أنواع من المعجزات القاهرة كما حكى عن ابن عباس «أن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهم جلوس عند الكعبة فأتاهم فقالوا يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لننتفع فيها وفجر لنا فيها ينبوعاً أي نهراً وعيوناً نزرع فيها فقال لا أقدر عليه، فقال قائل منهم أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً فقال لا أقدر عليه، فقيل أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا فقال لا أقدر عليه، فقيل له أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك فقال لا أستطيع، قالوا فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أي قطعاً بالعذاب وقوله كما زعمت إشارة إلى قوله: { أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } تفسير : [الإنشقاق: 1]، { أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنفَطَرَتْ } تفسير : [الانفطار: 1] فقال عبد الله بن أمية المخزومي وأمه عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والذي يحلف به لا أومن بك حتى تشد سلماً فتصعد فيه ونحن ننظر إليك فتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة ثم بعد ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لاٰ» فهذا شرح هذه القصة كما رواها ابن عباس. المسألة الثانية: اعلم أنهم اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعاً من المعجزات أولها: قولهم {حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } قرأ عاصم وحمزة والكسائي تفجر بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة واختاره أبو حاتم قال لأن الينبوع واحد والباقون بالتشديد واختاره أبو عبيدة ولم يختلفوا في الثانية مشددة لأجل الأنهار، لأنها جمع يقال فجرت الماء فجراً وفجرته تفجيراً، فمن ثقل أراد به كثرة الأشجار من الينبوع وهو وإن كان واحداً فلكثرة الانفجار فيه يحسن أن يثقل كما تقول ضرب زيد إذا كثر الضرب منه فيكثر فعله وإن كان الفاعل واحداً ومن خفف فلأن الينبوع واحد، وقوله {ينبوعاً}، يعني: عيناً ينبع الماء منه، تقول نبع الماء ينبع نبعاً ونبوعاً ونبعاً ذكره الفراء، قال القوم أزل عنا جبال مكة، وفجر لنا الينبوع ليسهل علينا أمر الزراعة والحراثة. وثانيها: قولهم: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ ٱلأَنْهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا } والتقدير كأنهم قالوا هب أنك لا تفجر هذه الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك. وثالثها: قولهم: {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر كسفاً بفتح السين ها هنا وفي سائر القرآن بسكونها، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ها هنا، وفي الروم بفتح السين، وفي باقي القرآن بسكونها؛ وقرأ حفص في سائر القرآن بالفتح إلا في الروم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي في الروم بفتح السين، وفي سائر القرآن بسكون السين، قال الواحدي رحمه الله {كسفاً}، فيه وجهان من القراءة سكون السين وفتحها، قال أبو زيد يقال: كسفت الثوب أكسفه كسفاً إذا قطعته قطعاً، وقال الليث: الكسف، قطع العرقوب، والكسفة: القطعة، وقال الفراء: سمعت أعرابياً يقول لبزاز: أعطني كسفة: يريد قطعة، فمن قرأ بسكون السين احتمل قوله وجوهاً، أحدها: قال الفراء أن يكون جمع كسفة مثل: دمنة ودمن وسدرة وسدر. وثانيها: قال أبو علي: إذا كان المصدر الكسف، فالكسف الشيء المقطوع كما تقول في الطحن والطبخ السقي، ويؤكد هذا قوله: { أية : وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ ٱلسَّمَاء سَـٰقِطاً } تفسير : [الطور: 44]. وثالثها: قال الزجاج: من قرأ: {كسفاً} كأنه قال أو يسقطها طبقاً علينا واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته، وأما فتح السين فهو جمع كسفة مثل قطعة وقطع وسدرة وسدر، وهو نصب على الحال في القراءتين جميعاً كأنه قيل أو تسقط السماء علينا مقطعة. المسألة الثانية: قوله: {كَمَا زَعَمْتَ } فيه وجوه. الأول: قال عكرمة كما زعمت يا محمد أنك نبي فأسقط السماء علينا. والثاني: قال آخرون كما زعمت أن ربك إن شاء فعل. الثالث: يمكن أن يكون المراد ما ذكره الله تعالى في هذه السورة في قوله: { أية : أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } تفسير : [الإسراء: 68] فقيل اجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب وأسقطها علينا. ورابعها: قولهم: {أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ قَبِيلاً } وفي لفظ القبيل وجوه. الأول: القبيل بمعنى المقابل كالعشير بمعنى المعاشر، وهذا القول منهم يدل على جهلهم حيث لم يعلموا أنه لا يجوز عليه المقابلة ويقرب منه قوله: { أية : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً } تفسير : [الأنعام: 111]. والقول الثاني: ما قاله ابن عباس يريد فوجاً بعد فوج. قال الليث وكل جند من الجن والإنس قبيل وذكرنا ذلك في قوله: { أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ } تفسير : [الأعراف:27]. القول الثالث: إن قوله {قبيلاً} معناه ها هنا ضامناً وكفيلاً، قال الزجاج: يقال قبلت به أقبل كقولك كفلت به أكفل، وعلى هذا القول فهو واحد أريد به الجمع كقوله تعالى: { أية : وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } تفسير : [النساء: 69]. والقول الرابع: قال أبو علي معناه المعاينة والدليل عليه قوله تعالى: { أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } تفسير : [الفرقان: 21]. وخامسها: قولهم: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ } قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيت في قراءة عبد الله: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن ذَهَبَ } قال الزجاج: الزخرف الزينة يدل عليه قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ } تفسير : [يونس: 24] أي أخذت كمال زينتها ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب. وسادسها: قولهم: {أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَاء } قال الفراء: يقال رقيت وأنا أرقى رقي ورقيا وأنشد: شعر : أنت الذي كلفتني رقي الدرج على الكلال والمشيب والعرج تفسير : وقوله {في السماء} أي في معارج السماء فحذف المضاف، يقال رقي السلم ورقي الدرجة ثم قالوا: {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ } أي لن نؤمن لأجل رقيك: {حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا مّنَ ٱلسَّمَاء } فيه تصديقك قال عبد الله بن أمية: لن نؤمن حتى تضع على السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أن الأمر كما تقول. ولما حكى الله تعالى عن الكفار اقتراح هذه المعجزات قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } وفيه مباحث: المبحث الأول: أنه تعالى حكى من قول الكفار قولهم: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } إلى قوله: {قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبّى } [الإسراء:90-93] وكل ذلك كلام القوم وإنا لا نجد بين تلك الكلمات وبين سائر آيات القرآن تفاوتاً في النظم فصح بهذا صحة ما قاله الكفار لو نشاء لقلنا مثل هذا. والجواب: أن هذا القرآن قليل لا يظهر فيه التفاوت بين مراتب الفصاحة والبلاغة فزال هذا السؤال. البحث الثاني: هذه الآيات من أدل الدلائل على أن المجيء والذهاب على الله محال لأن كلمة سبحان للتنزيه عما لا ينبغي، وقوله {سبحان ربي} تنزيه لله تعالى عن شيء لا يليق به أو نسب إليه مما تقدم ذكره وليس فيما تقدم ذكره شيء لا يليق بالله إلا قولهم أو {تأتي بالله} فدل هذا على أن قوله: {سُبْحَـٰنَ رَبّى } تنزيه لله عن الإتيان والمجيء وذلك يدل على فساد قول المشبهة في أن الله تعالى يجيء ويذهب، فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى عن أن يتحكم عليه المتحكمون في اقتراح الأشياء؟ قلنا القوم لم يتحكموا على الله، وإنما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن كنت نبياً صادقاً فاطلب من الله أن يشرفك بهذه المعجزات فالقوم تحكموا على الرسول وما تحكموا على الله فلا يليق حمل قوله: {سُبْحَـٰنَ رَبّى } على هذا المعنى فوجب حمله على قولهم أو تأتي بالله. البحث الثالث: تقرير هذا الجواب أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء أو طلبتم مني أن أطلب من الله تعالى إظهارها على يدي لتدل على كوني رسولاً حقاً من عند الله. والأول باطل لأني بشر والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء والثاني أيضاً باطل لأني قد أتيتكم بمعجزة واحدة وهي القرآن والدلالة على كونها معجزة فطلب هذه المعجزات طلب لما لا حاجة إليه ولا ضرورة فكأن طلبها يجري مجرى التعنت والتحكم وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله فسقط هذا السؤال فثبت أن قوله: {قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } جواب كاف في هذا الباب، وحاصل الكلام أنه سبحانه بين بقوله: {سُبْحَـٰنَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } كونهم على الضلال في الإلهيات، وفي النبوات. أما في الإلهيات فيدل على ضلالهم قوله {سبحان ربي} أي سبحانه عن أن يكون له إتيان ومجيء وذهاب وأما في النبوات فيدل على ضلالهم قوله: {هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } وتقريره ما ذكرناه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} الآية نزلت في رؤساء قريش مثل عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي سفيان والنضر بن الحارث، وأبي جهل وعبد لله بن أبي أمية، وأمية بن خلف وأبي البختريّ، والوليد بن المغيرة وغيرهم. وذلك أنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن ولم يرضَوْا به معجزة، حديث : اجتمعوا ـ فيما ذكر ابن إسحاق وغيره ـ بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فآتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بدو، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً يحبّ رشدهم ويعزّ عليه عَنَتهم، حتى جلس إليهم فقالوا له: يا محمد! إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمتَ الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفّهت الأحلام وفرّقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا له. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا تراه قد غَلَب عليك ـ وكانوا يسمّون التابع من الجن رئياً ـ فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نُعذر فيك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بي ما تقولون ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلّغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقلّ ماء ولا أشدّ عيشاً منا، فسَلْ لنا ربَّك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيِّر عنا هذه الجبال التي قد ضيّقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليخرق لنا فيها أنهاراً كأنهار الشأم، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قُصي بن كلاب؛ فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول، أحقٌّ هو أم باطل، فإن صدّقوك وصنعت ما سألناك صدّقناك، وعرفنا به منزلتك من الله تعالى، وأنه بعثك رسولاً كما تقول. فقال لهم صلوات الله عليه وسلامه: ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله تعالى بما بعثني به وقد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك! سَلْ ربك أن يبعث معك مَلَكاً يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك، واسأله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عمّا نراك تبتغي؛ فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربّه هذا وما بعثت بهذا إليكم ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً ـ أو كما قال ـ فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظّكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا: فاسقط السماء علينا كسَفاً كما زعمت أن ربّك إن شاء فعل؛ فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله عز وجل إن شاء أن يفعله بكم فعل قالوا: يا محمد، أَفَما عَلم ربّك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدّم إليك فيعلمك بما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به. إنه قد بلغنا أنك إنما يعلّمك هذا رجل من اليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً. فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، هو لعاتكةَ بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل! ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل! ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل! ـ أو كما قال له ـ فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سُلَّماً، ثم تَرْقَى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصَكٍّ معه أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيْم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك! ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً آسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياهتفسير : ؛ كلّه لفظ ابن إسحاق. وذكر الواحديّ عن عكرمة عن ابن عباس: فأنزل الله تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} {يَنْبُوعاً} يعني العيون؛ عن مجاهد. وهي يفعول، من نَبَع ينبع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ «تفجر لنا» مخفّفة؛ واختاره أبو حاتم لأن الينبوع واحد. ولم يختلفوا في تفجّر الأنهار أنه مشدّد. قال أبو عبيد: والأولى مثلها. قال أبو حاتم: ليست مثلها؛ لأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار وهي جمع، والتشديد يدل على التكثير. أجيب بأن «ينبوعاً» وإن كان واحداً فالمراد به الجمع، كما قال مجاهد. الينبوع عين الماء، والجمع الينابيع. وقرأ قتادة «أو يكون لك جنة». {خِلالَهَا} أي وسطها. {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ} قراءة العامة. وقرأ مجاهد «أو يسقط السماء» على إسناد الفعل إلى السماء. {كِسَفاً} قطعاً؛ عن ابن عباس وغيره. والكِسَف (بفتح السين) جمع كسفة، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم. الباقون «كسفاً» بإسكان السين. قال الأخفش: من قرأ كسْفاً من السماء جعله واحداً، ومن قرأ كسفاً جعله جمعاً. قال المهدَويّ: ومن أسكن السين جاز أن يكون جمع كسفة وجاز أن يكون مصدراً؛ من كسفت الشيء إذا غطّيته. فكأنهم قالوا: أسقطها طبقاً علينا. وقال الجوهريّ: الكِسْفة القطعة من الشيء؛ يقال: أعطني كِسْفة من ثوبك، والجمع كِسْف وكِسَف. ويقال: الكِسْف والكِسْفة واحد. {أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} أي معاينة؛ عن قتادة وابن جريج. وقال الضحاك وابن عباس: كفيلاً. قال مقاتل: شهيداً. مجاهد: هو جمع القبيلة؛ أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة. وقيل: ضمناء يضمنون لنا إتيانك به. {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} أي من ذهب؛ عن ابن عباس وغيره. وأصله الزينة. والمزخرف المزين. وزخارف الماء طرائقه. وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزُّخرف حتى رأيته في قراءة ابن مسعود «بيت من ذهب» أي نحن لا ننقاد لك مع هذا الفقر الذي نرى. {أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي تصعد؛ يقال: رقيت في السلم أرقى رَقْياً ورُقِيّاً إذا صعدت. وارتقيت مثله. {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} أي من أجل رقيّك، وهو مصدر؛ نحو مضى يمضي مضياً، وهوى يهوي هوياً، كذلك رقى يرقى رقياً. {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} أي كتاباً من الله تعالى إلى كل رجل منا؛ كما قال تعالى: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً}تفسير : [المدثر:52]. {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} وقرأ أهل مكة والشام {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي قال ذلك تنزيهاً لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء وعن أن يعترض عليه في فعل. وقيل: هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم. الباقون «قل» على أمر؛ أي قل لهم يا محمد {هَلْ كُنتُ} أي ما أنا «إلاّ بشراً رسولاً» أتبع ما يوحى إليّ من ربّي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم أحداً من البشر أتى بهذه الآيات! وقال بعض الملحدين: ليس هذا جواباً مقنعاً، وغلطوا؛ لأنه أجابهم فقال: إنما أنا بشر لا أقدر على شيء مما سألتموني، وليس لي أن أتخيّر على ربي، ولم تكن الرسل قَبْلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوّتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أؤمن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري. وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس. وإنما التدبير إلى الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر قدم منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلاً من بني عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيهاً ومنبهاً ابني الحجاج السهميين، اجتمعوا، أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد، فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً، وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا، سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً، ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن: الرئي - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» تفسير : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً، فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلاداً، ولا أقل مالاً، ولا أشد عيشاً منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخاً صدوقاً، فنسألهم عما تقول: حق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك، وصدقوك، صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولاً كما تقول. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» تفسير : قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا، فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فإن تقبلوا ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» تفسير : قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك»تفسير : فقالوا: يا محمد أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلك أو تهلكنا، وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً، فلما قالوا ذلك، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله، فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من عذاب، فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي معك بصحيفة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لوفعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً؛ لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه، وهكذا رواه زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس، فذكر مثله سواء. وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشاداً، لأجيبوا إليه، ولكن علم أنهم إنما يطلبون ذلك كفراً وعناداً له، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: «حديث : بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة» تفسير : كما تقدم ذلك في حديثي ابن عباس والزبير بن العوام أيضاً عند قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} تفسير : [الإسراء: 59]. وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَـٰلَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً تَبَارَكَ ٱلَّذِىۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً } تفسير : [الفرقان: 7 - 11]. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا} الينبوع: العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عيناً معيناً في أرض الحجاز ههنا وههنا، وذلك سهل على الله تعالى يسير، لو شاء لفعله، ولأجابهم على جميع ما سألوه وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس: 96] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ} تفسير : الآية [الأنعام: 111 - 112]. وقوله تعالى: {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ} أي: إنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء وتهوي وتدلي أطرافها، فاجعل ذلك في الدنيا وأسقطها كسفاً، أي: قطعاً كقوله: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : الآية [الشعراء: 187]، وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا: {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} تفسير : [الشعراء: 187] فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم، وأما نبي الرحمة ونبي التوبة المبعوث رحمة للعالمين، فسأل إنظارهم وتأجيلهم؛ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً، وكذلك وقع؛ فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، حتى عبد الله بن أمية الذي تبع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ما قال، أسلم إسلاماً تاماً، وأناب إلى الله عز وجل. وقوله تعالى: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو الذهب، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود: أو يكون لك بيت من ذهب، {أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ} أي: تصعد في سلم، ونحن ننظر إليك، {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءُهُ} قال مجاهد: أي: مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة: هذا كتاب من الله لفلان، تصبح موضوعة عند رأسه. وقوله تعالى: {قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} أي: سبحانه وتعالى وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء، إن شاء أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم، أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله عز وجل. قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن اسحاق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عرض علي ربي عز وجل ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً - أو نحو ذلك - فإذا جعت، تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت، حمدتك وشكرتك» تفسير : ورواه الترمذي في الزهد عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وقال: هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ } عطف على «أَبَى» {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } عيناً ينبع منها الماء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجُر لنا من الأرض ينبوعاً} التفجير تشقيق الأرض لينبع الماء منها، ومنه سمي الفجر لأنه ينشق عن عمود الصبح، ومنه سمي الفجور لأنه شق الحق بالخروج إلى الفساد. الينبوع: العين التي ينبع منها الماء، قال قتادة ومجاهد: طلبوا عيوناً ببلدهم. {أو تكون لك جنةٌ من نخيلٍ وعنب} سألوا ذلك في بلد ليس ذلك فيه. {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} أي قطعاً. قرىء بتسكين السين وفتحها، فمن قرأ بالتسكين أراد السماء جميعها، ومن فتح السين جعل المراد به بعض السماء،وفي تأويل ذلك وجهان: أحدهما: يعني حيزاً، حكاه ابن الأنباري، ولعلهم أرادوا به مشاهدة ما فوق السماء. الثاني: يعني قطعاً، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. والعرب تقول. أعطني كسفة من هذا الثوب أي قطعة منه. ومن هذا الكسوف لانقطاع النور منه، وعلى الوجه الثاني لتغطيته بما يمنع من رؤيته. {أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني كل قبيلة على حدتها، قاله الحسن. الثاني: يعني مقابلة، نعاينهم ونراهم، قاله قتادة وابن جريج. الثالث: كفيلاً، والقبيل الكفيل، من قولهم تقبلت كذا أي تكفلت به، قاله ابن قتيبة. الرابع: مجتمعين، مأخوذ من قبائل الرأس لاجتماع بعضه إلى بعض ومنه سميت قبائل العرب لاجتماعها، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: {أو يكون لك بيت من زخرف} فيه وجهان: أحدهما: أن الزخرف النقوش، وهذا قول الحسن. الثاني: أنه الذهب، وهذا قول ابن عباس وقتادة، قال مجاهد: لم أكن أدري ما الزخرف حتى سمعنا في قراءة عبد الله: بيت من ذهب. وأصله من الزخرفة وهو تحسين الصورة، ومنه قوله تعالى {أية : حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت} تفسير : [يونس: 24]. والذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك نفر من قريش قال ابن عباس: هم عتبة ابن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان والأسود بن عبد المطلب بن أسد وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أمية والعاص بن وائل وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَفْجُر} تشقق، الفجر لانشقاقه عن عمود الصبح، والفجور شق الحق بالخروج إلى الفساد. {يَنبُوعاً} عينا تنبع منها الماء طلبوا الجنان والعيون ببلدهم إذ لم يكن ذلك ببلدهم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {تفجر} من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب. الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً {حتى تنزل} بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب. الآخرون بالتشديد {كسفاً} بفتح السين: أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان. الباقون بالإسكان {قال سبحان} بلفظ الماضي: ابن كثير وابن عامر الباقون {قل} على الأمر {هو المهتدي} بإثبات الياء في الحالين: سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل. الباقون بحذف الياء {ربي إذا} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {خبت زدناهم} بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل. {لقد علمت} بضم التاء، على التكلم: عليّ. الآخرون بالفتح على الخطاب {قل ادعو} بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس: الآخرون بضمها للإتباع {أو ادعوا} بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل. الباقون بالضم {أيامّاً} حمزة ورويس يقفان على {أيا} ثم يبتدئان {ما تدعوا} ويسمى هذا الوقف وقف البيان. الباقون على كلمة واحدة. الوقوف: {ينبوعاً} ه لا {تفجيراً} ه لا {قبيلاً} ه لا {في السماء} ط لابتداء النفي بعد طول القصة. وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: {ولن نؤمن لرقيك} من كلامهم {نقرؤه} ط {رسولاً} ه {رسولاً} ه {رسولاً} ه {وبينكم} ط {بصيراً} ه {المهتد} ج لعطف جملتي الشرط مع التضاد {من دونه} لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف {وصماً} ه {جهنم} ط {سعيراً} ه {جديداً} ه {لا ريب فيه} ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار {كفوراً} ه {الإنفاق} ط {قتوراً} ه {مسحوراً} ه {بصائر} ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل {مثبوراً} ه {جميعاً} ه لا للعطف {لفيفياً}، ط لانقطاع النظام والمعنى. {نزل} ط لابتداء النفي {ونذيراً}، احترازاً من إيهام العطف {تنزيلاً} ه {أولا تؤمنوا} ط {سجداً}، لا {لمفعولاً} ه {خشوعاً} ه {الرحمن} ط لتصدير الشرط {الحسنى} ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد. {سبيلاً} ه {تكبيراً} ه. التفسير: ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله سبحانه إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر. قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها. فقال: لا أقدر عليه. فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. فقال: لا أقدر عليه. فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا. فقال: لا أقدر عليه. فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً. فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا. فأنزل الله هذه الآيات. ولنشرع في تفسير اللغات. فقوله: {ينبوعاً} أي عيناً غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء. وقوله: {أو تكون لك جنة} معناه هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك. وقوله: {كما زعمت} إشارة إلى قوله سبحانه: {أية : إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} تفسير : [سبأ: 9] أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: {أية : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً} تفسير : [الإسراء: 68] أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا. وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا. وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل. قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع "كسفة" بالسكون كسدرة وسدر وسدر. وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون. واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته. وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين. ومعنى {قبيلاً} كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر. وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه تعالى لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: {أية : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} تفسير : [الفرقان: 21] وقال ابن عباس: أراد فوجاً بعد فوج. وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: {أية : إنه يراكم هو وقبيله} تفسير : [الأعراف: 27]. قوله: {بيت من زخرف} قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله "أو يكون لك بيت من ذهب". وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب. {أو ترقى في السماء} أي في معارجها فحذف المضاف. يقال: رقي في السلم وفي الدرجة. والمصدر "رقى" وأصله "فعول" كقعود {و} معنى {لن نؤمن لرقيك} لن نؤمن لك لأجل رقيك {حتى تنزل علينا كتاباً} من السماء فيه تصديقك. قال الرسول: متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم: {أو تأتي بالله} {سبحان ربي هل كنت} أي لست {إلا بشراً رسولاً} فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟ وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة. ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: {وما منع الناس أن يؤمنوا} أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد {إذ جاءهم الهدي} وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة {إلا أن قالوا} منكرين {أبعث الله بشراً رسولاً} ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون} على الأقدام كما يمشي الإنس {مطمئنين} ساكنين فيها {لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم. فكأنه اعتبر لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة. وجوز في الكشاف أن يكون قوله: {بشراً} و {ملكاً} منصوبين على الحال من {رسولاً} بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك. ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً: {قل كفى بالله} الآية. وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله تعالى له على الصدق. فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟ علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك. ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: {ومن يهد الله} الآية. وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر "الأعراف" وغيره. وقوه: {فهو المهتد} حمل على اللفظ وقوله: {فلن تجد} حمل على المعنى. والخطاب في {لن تجد} إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب. والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: {أية : يوم يسحبون في النار على وجوههم} تفسير : [القمر: 48] وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: "حديث : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم"تفسير : وقيل لابن عباس: قد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: {رأى المجرمون النار} {دعوا هنالك ثبوراً} {سمعوا لها} الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله: {عمياً وبكماً وصماً}؟ فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم. وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله تعالى لهم: {أية : اخسئووا فيها ولا تكلمون} تفسير : [المؤمنون: 108] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار. وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به {كلما خبت} أي سكن لهبها. خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها {زدناهم سعيراً} قال ابن قتيبة: أي تسعراً وهو التهلب. ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: {أية : لا يخفف عنهم العذاب} تفسير : [البقرة: 162] وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر. وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها. ثم يعيدها. وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم. ومما يدل على هذا التفسير قوله: {ذلك جزاؤهم} الآية. ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: {أو لم يروا} الآية. وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء. ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله: {أية : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} تفسير : [فاطر: 16] أي يبعثهم. وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال: {وجعل لهم} أي لبعثهم {أجلاً لا ريب فيه} قال جار الله: قوله: {وجعل} معطوف على قوله: {أو لم يروا} والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم. وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد. قال النحويون: كلمة "لو" حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره. والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات. وأيضاً إنها ههنا بمعنى "إن" الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين: فأضمر "تملك" إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به فـ {أنتم} فاعل الفعل المضمر {تملكون} تفسيره. وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني. لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: {خشية الإنفاق} أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم {وكان الإنسان قتوراً} أي بخيلاً شحيحاً، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق. وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة. ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب. وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا} بين الله تعالى أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها. ثم قال: {ولقد آتينا موسى تسع آيات} فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات. مكان الحجر والبحر والطور. وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم. فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا. أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة. وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "حديث : أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: "إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك"تفسير : قال الإمام فخر الدين الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع. وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللَّهم إلا أن يقال: النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة. قال بعد العلماء: أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بتسع وزاد واحدة تختص بهم. وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: "حديث : ولا تقذفوا محصنة"تفسير : وشك شعبة في أنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولا تقذفوا محصنة"تفسير : أو قال: "حديث : تولوا الفرار"تفسير : . وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم. إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه. هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة. والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق. أما قوله: {فاسأل بني إسرائيل} فالخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت. والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه. وقوله: {إذا جاءهم} يتعلق بـ {آتينا}. وينتصب بإضمار "اذكر"، أو هو للتعليل. والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم. ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله. وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء. وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر. ومن قرأ "علمت" بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك. ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} تفسير : [النمل: 14]. وقوله للآيات: {هؤلاء} كقوله: شعر : والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : ومعنى {بصائر} بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: {ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض} إلى أنها أفعال خالقة للعادة، وبقوله: {بصائر} إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين. ثم قارع موسى ظن فرعون بظنه فقال: {إني لأظنك يا فرعون مثبوراً} قال الفراء: أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم "ما ثبرك عن هذا" أي ما منعك وصرفك. وقال مجاهد وقتادة، أي هالكاً من الثبور الهلاك. ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة، ولهذا قال: {فأراد} أي فرعون {أن يستفزهم من الأرض} أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج. والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقاً لقوله: {أية : ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} تفسير : [فاطر: 34] ثم أخبر عن المعاد قائلاً {فإذا جاء وعد الآخرة} وهو قيام الساعة {جئنا بكم} يعني معشر المكلفين كلهم {لفيفاً} جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء. ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: {وبالحق أنزلناه} التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه. قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين. وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور. قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى "مع" كما في قولك "خرج بسلاحه" أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق. ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى "على" كما في قولك "نزلت بزيد" فيكون الحق عبارة عن محمد صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نزل به أي عليه {وما أرسلناك إلا مبشراً} بالجنة {ونذيراً} من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه. ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: {وقرآناً} وهو منصوب بفعل يفسره {فرقناه} أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً. وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب. وقال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً. فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام. وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى. ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: {لتقرأه على الناس على مكث} بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: {ونزلناه تنزيلاً} أي على حسب المصالح والحوادث. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول للمقترحين {آمنوا به أو لا تؤمنوا} وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان. قال جار الله: قوله: {إن الذين أوتوا العلم من قبله}إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن. قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام، وفي قوله: {يخرون للأذقان سجداً} دون أن يقول "يسجدون" مبالغة من وجهين: أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن. فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن. قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة. وقال غيره. المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله تعالى فربما سقط على الأرض مغشياً عليه. وثانيهما أنه لم يقل "يخرون على الأذقان" كما هو ظاهر وإنما قال {للأذقان} لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم. ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين {سبحان ربنا إن كان وعد ربنا} بإنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبنا {لمفعولاً} أي منجراً "وإن" مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله {ويزيدهم} أي القرآن {خشوعاً} لين قلب ورطوبة عين، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: {قل ادعوا} عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن. فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر. وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت. قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين. تقول: دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيداً و "أو" للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا {أياماً تدعوا} يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه "وما" صلة زيدت لتأكيد الإبهام. والضمير "في {فله} لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه. قوله: {فله الأسماء الحسنى}. لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان. ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر "الأعراف". ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: {ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل. مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه {ولا تجهر بصلاتك} فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم {ولا تخافت بها} فلا تسمع أصحابك {وابتغ بين ذلك} الذي ذكر من الجهر المخافتة {سبيلاً} وسطاً، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي. وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك. وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها. وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة ههنا الدعاء. وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: {أية : ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} تفسير : [الأعراف: 55] قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة. ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: {وقل الحمد لله} الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟ وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له ولي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته. وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه. أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر. قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه. ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال. ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر. قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني. فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء. ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة. ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم. التأويل: {وقالوا لن نؤمن لك} كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات. {أبعث الله بشراً رسولاً} تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة {مأواهم جهنم} الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها {زدناهم سعيراً} باشتعال طلب شهوة أخرى {تسع آيات بينات} قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك: {وبالحق أنزلناه} لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: {أية : واعتصموا بحبل الله جميعاً} تفسير : {آل عمران: 103] {وبالحق نزل} التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه {إن الذين أوتوا العلم من} قبل نزوله في الأزل {إذا يتلى عليهم} في الأزل عند خطاب {أية : ألست بربكم} تفسير : [الأعراف: 172] {يخرون للأذقان سجداً} للإجابة يقولون "بلى" {ويخرون للأذقان} في عالم الصورة يبكون. فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد. ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص {ولا تجهر بصلاتك} رياء وسمعة {ولا تخافت بها} أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة {وابتغ بين ذلك سبيلاً} بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله تعالى أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا...} الآية: روي في قول هذه المقالة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثٌ طويلٌ، مقتضاه: أنَّ عُتْبَة وشَيْبة ابْنَيْ ربيعَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبي أميَّةَ، والنَّضْرَ بْنَ الحَارِثِ وغيرهم من مَشْيَخَةِ قريشٍ وسادَاتِها، اجتمعوا عليه، فعرَضُوا عليه أنْ يملِّكوه إِن أراد المُلْك، أو يجمعوا له كثيراً من المالِ؛ إِن أراد الغنى ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم صلى الله عليه وسلم عند ذلك إِلى اللَّه، وقال: إِنما جئتُكُمْ بأمرٍ منَ اللَّهِ فيه صَلاحُ دنياكم ودِينِكُم، فإِن أطعتم، فَحَسَن، وإِلا صَبَرْتُ حتَّى يحكم اللَّه بيني وبينكم فقالوا له حينئذٍ: فإِن كان ما تَزْعُمُ حقًّا، ففجِّر لنا من الأرض ينبوعاً... الحديث بطوله، «واليَنْبُوع»: الماء النابع، {وخِلاَلَهَا} ظرف، ومعناه أثناءها وفي داخلها. وقوله: {كَمَا زَعَمْتَ} إِشارة إلى ما تلا عليهم قبل ذلك في قوله سبحانه: { أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ... } تفسير : الآية: [سبأ:9] «والكِسَفُ» الشيء المقطوع، وقال الزجَّاج المعنى: أو تسقط السماء علينا طبقاً، وقوله: {قَبِيلاً } قيل: معناه مقابلةً وعياناً، وقيل: معناه ضامناً وزعيماً بتصديقك؛ ومنه القبالة وهي الضمان، وقيل: معناه نوعاً وجنساً لا نظير له عندنا، {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ }، قال المفسِّرون: الزُّخْرُفُ الذَّهَب في هذا الموضع، {أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَاءِ}، أي: في الهواء علوًّا، ويحتمل أن يريد السماء المعروفَة، وهو أظهر. * ت *: وذكر * ع * هنا كلماتٍ الواجبُ طرحها، ولهذا أعرضْتُ عنها، و{تَرْقَىٰ } معناه تصعد، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبدُ اللَّهِ بْنُ أبي أميَّةِ، ويروى أن جماعتهم طلبَتْ هذه النْحوَ منه، فأمره عزَّ وجلَّ أن يقول: {سُبْحَانَ رَبِّي}، أي: تنزيهاً له من الإِتيان إِليكم مع الملائكةِ قبيلاً، ومن اقتراحِي أنا عليه هذه الأشياءَ، وهل أنا إِلا بشر، إِنما عليَّ البلاغ المبين فقطْ. وقوله: {مُطْمَئِنِّينَ }، أي: وادعين فيها مقيمين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، "حديث : أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ورجلا من بني عبد الدار وأبا البختري - أخا بني أسد - والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيهاً ومنبهاً ابني الحجاج السهميين، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه, فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو يظن أنهم قد بدا لهم في أمره بدء، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا: "يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذرك، وإنا والله... ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً؛ وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا؛ وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون... ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا فيئكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليَّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم.... فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة؛ وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منّا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً ولا أقل مالاً ولا أشد عيشاً منا، فاسأل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من قد مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخاً صدوقاً فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك، صدقناك وعرفنا به منزلتك من عند الله، وإنه بعثك رسولاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم. فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فإن لم تفعل لنا فخر لنفسك فاسأل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله أن يجعل لك جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي - فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه - حتى نعرف منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل.... ما أنا بالذي يسأل ربه هذا... وما بُعثتُ إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة؛ وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فانا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك. قالوا: يا محمد، قد علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك بما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً فقد أعذرنا إليك يا محمد أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً. فلما قالوا ذلك، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية فقال: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك عند الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب. فوالله ما أؤمن لك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من متابعتهم إياه"تفسير : . وأنزل عليه فيما قال له عبد الله بن أبي أمية: {وقالوا لن نؤمن لك ...} إلى قوله: {بشراً رسولاً} وأنزل عليه في قولهم لن نؤمن بالرحمن {أية : كذلك أرسلناك في أمة قد خلت ....} تفسير : [الرعد: 30] الآية. وأنزل عليه فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الجبال، وبعث من مضى من آبائهم الموتى {أية : ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ....} تفسير : [الرعد: 31] الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {وقالوا لن نؤمن لك} قال: نزلت في أخي أم سلمة، عبد الله بن أبي أمية. وأخرح ابن جرير عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه، أنه قرأ {حتى تفجر لنا} خفيفة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} أي ببلدنا هذا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {ينبوعاً} قال: عيوناً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: الينبوع، هو الذي يجري من العين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أو تكون لك جنة من نخيل وعنب} يقول: ضيعة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} قال: قطعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً} قال: عياناً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أو يكون لك بيت من زخرف} قال: من ذهب. وأخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو نعيم في الحلية، عن مجاهد رضي الله عنه قال: لم أكن أحسن ما الزخرف حتى سمعتها في قراءة عبد الله {أو يكون لك بيت من زخرف} قال: من ذهب. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: الزخرف، الذهب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه} قال: من عند رب العالمين إلى فلان بن فلان، يصبح عند كل رجل منا صحيفة عند رأسه موضوعة يقرؤها.
القشيري
تفسير : اقترحوا الآيات بعد إزاحة العِلَة وزوالِ الحاجة، فَرَكَضُوا في مضمارِ سوءِ الأدب، وحُرِموا الوُصْلة والقُربة. ولو أُجِيبوا إلى ما طلبوا ما ازدادوا إلا جُحْدَاً ونَكرَةٌ، وقد قيل: شعر : إنَّ الكريمَ إذا حباك بودِّه سَتَرَ القبيحَ وأظهر الإحسانا وكذا الملولُ إذا أراد قطيعةً مَلَّ الوصال وقال كان وكانا تفسير : {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}: قل يا محمد: سبحان ربي! مِنْ أين لي الإتيان بما سألتم من جهتي؟ فهل وَصْفِي إلا العبودية؟ وهل أنا إلا بَشَر؟ قال تعالى: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ}تفسير : [النساء: 172].
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} قال الامام الواحدى فى اسباب النزول روى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما حديث : ان عتبة وشيبة وابا سفيان والنضر بن الحارث وابا البخترى والوليد بن المغيرة وابا جهل وعبد الله بن ابى امية وامية بن خلف ورؤساء قريش اجتمعوا عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض ابعثوا الى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا اليه ان اشرف قومك اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم سريعا وهو يظن انه بدا لهم فى امره بداء وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عتبهم حتى جلس اليهم فقالوا يا محمد انا والله لا نعلم رجلا من العرب ادخل على قومه ما ادخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الاحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة وما بقى امر قبيح الا وقد جئته فيما بيننا وبينك فان كنت انما جئت بهذا تطلب به ما لا جعلنا لك من اموالنا ما تكون به اكثرنا ما لا وان كنت انما تطلب الشرف فينا سودناك علينا وان كنت تريد ملكا ملكناك علينا وان كان هذا الرىّ الذى يأتيك قد غلب عليك وكانوا يسمون التابع من الجن الرىّ بذلنا اموالنا فى طلب الطب لك حتى نبرئك منه او نعذر فيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما بى ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به لطلب اموالكم ولا للشرف فيكم ولا للملك عليكم ولكن الله بعثنى اليكم رسولا وانزل على كتابا وامرنى ان اكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم فان تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة وان تردوه على اصبر لامر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم" قالوا يا محمد فان كنت غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت انه ليس من الناس احد اضيق بلادا ولا اقل مالا ولا اشد عيشا منا فسل لنا ربك الذى بعثك بما بعثك فليسر عنا هذه الجبال التى قد ضيقت علينا او يبسط لنا بلادنا وليجر فيها انهارا كانهار الشام والعراق وليبعث لنا ما مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصى بن كلاب فانه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فان صنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله وانه بعثك رسولا كما تقول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما بهذا بعثت انما جئتكم من عد الله بما بعثنى به فقد بلغتكم ما ارسلت به فان تقبلوه فهو حظكم فى الدنيا والآخرة وان تردوه اصبر لامر الله" قالوا فان لم تفعل هذا فسل ربك ان يبعث ملكا يصدقك وسله ان يجعل لك جنات وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ويغنيك بها عما سواك فانك تقوم فى الاسواق وتلتمس المعاش فقال عليه السلام "ما انا بالذى يسأل ربه هذا وما بعثت اليكم بهذا ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا" قالوا سله ان يسقط علينا السماء كما زعمت ان ربك ان شاء فعل فقال عليه السلام "ذلك الى الله تعالى ان شاء فعل" وقال قائل منهم لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا وقام عبد الله بن ابى امية بن المغيرة المخزومى وهو ابن عاتكة بنت عبد المطلب ابن عمة النبى عليه السلام ثم اسلم بعد وحسن اسلامه فقال لا اومن بك ابدا حتى تتخذ الى السماء سلما وترقى فيه وانا انظر حتى تأتينا وتأتى بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك انك كما تقول فانصرف رسول الله عليه السلام الى اهله حزينا لما فاته من متابعة قومه لما رأى من مباعدتهم عنه تفسير : فانزل الله تعالى {وقالوا} اى مشركوا مكة ورؤساؤهم {لن نؤمن لك} لن نعترف لك يا محمد بنبوتك ورسالتك {حتى تفجر لنا} {تا وقتى كه روان سازى براى ما] {من الارض} ارض مكة {ينبوعا} [جشمه برآب كه هر كز كم نكردد] فالينبوع العين الكثيرة الماء ينبع ماؤها ولا يغور ولا ينقطع.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ "كسفًا"؛ بالتحريك: فهو جمع. ومن قرأ بالسكون: فمفرد. و {قبيلاً}: حال من "الله". وحذف حال الملائكة؛ لدلالة الأول عليه. و {أن يؤمنوا}: مفعول ثان لمنَع. و {إلا أن قالوا}: فاعل "منع". يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقالوا} أي: كفار قريش، عند ظهور عجزهم، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي، وغيره من المعجزات الباهرة، معلِّلين بما لا يمكن في العادة وجوده، ولا تقتضي الحكمة وقوعه، من الأمور الخارقة للعادة، كما هو ديدن المبهوت المحجوج، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في جمع من أشرافهم: إن مكة قليلة الماء، ففجر لنا فيها عينًا من ماء، وهو معنى قوله تعالى: {لن نُؤمن لك حتى تَفْجُرَ لنا من الأرض}؛ أرض مكة {يَنْبوعًا}؛ عينًا لا ينشف ماؤها. وينبوع: يفعول، من نبع الماء إذا خرج. {أو تكون لك جنَّةٌ} أي: بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة، {من نخيلٍ وعِنَبٍ فتفجرَ الأنهارَ} أي: تجريها بقوة، {خلالها}؛ في وسطها {تفجيرًا} كثيرًا، والمراد: إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها، أو إدامة إجرائها، كما ينبئ عنه "الفاء"، {أو تُسْقِطَ السماء كما زعمتَ علينا كِسَفًا}؛ قطعًا متعددة، أو قطعًا واحدًا، و {كما زعمت}: يعنون بذلك قوله تعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [سبأ: 9]، {أو تأتي بالله والملائكة قَبيلاً} أي: مقابلاً؛ نُعاينه جهرًا، أو ضامنًا وكفيلاً يشهد بصحة ما تدعيه، {أو يكون لك بيتٌ من زُخرفٍ} أي: ذهب. وقرئ به. وأصل الزخرفة: الزينة، {أو تَرْقَى في السماء} أي: في معارجها؛ فحذف المضاف. {ولن نُؤمن لرُقيك} أي: لأجل رُقيك فيها وحده {حتى تنزل} منها {علينا كتابًا} فيه تصديقك، {نقرؤه} نحن، من غير أن يتلقى من قبلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال عَبْدُ اللهِ بنُ أُميَّة لرسول صلى الله عليه وسلم - وكان ابن عمته -: لن أؤمن لكَ حَتَّى تتَّخذَ إلى السماء سُلَّمًا، ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتَّى تأتيها، وتأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنك كما تقول. هـ. ثم أسلم عبد الله بعد ذلك. ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج. ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات، ما زادهم ذلك إلا مكابرة. وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات، التي تخر لها صُم الجبال. قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: {قلْ}؛ تعجبًا من شدة شكيمتهم. وفي رواية "قال": {سبحان ربي }؛ تنزيهًا له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته. أو تنزيهًا لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها، من مِثل هذه الاقتراحات الشنيعة، التي تكاد السماوات يتفطرن منها، أو عن طلب ذلك، تنبيهًا على بطلان ما قالوه، {هل كنتُ إِلا بشرًا} لا مَلَكًا، حتى يتصور مني الرقي في السماء ونحوه، {رسولاً}؛ مأمورًا من قِبل ربي بتبليغ الرسالة، كسائر الرسل. وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم، حسبما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم بشيء منها. {وما مَنَعَ الناسَ} أي: الذين حكِيتْ أباطيلهم، {أنْ يُؤمنوا إِذ جاءهم الهُدى} أي: الوحي، وهو ظرف لمنع، أو يؤمنوا، أي: وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك، {إلا أن قالوا} أي: إلا قولهم: {أَبَعثَ اللهُ بشرًا رسولاً}، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر. وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم؛ فمنع بعضًا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع بهذا المقول منهم. وإنما عبَّر عنه بالقول؛ إيذانًا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير روية، ولا مصداق له في الخارج. وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر، مع أن لهم موانع شتى، إما لأنه معظمها، أو لأنه المانع بحسب الحال، أعني: عند سماع الجواب بقوله تعالى: {هل كنتُ إِلا بشرًا رسولاً}؛ إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية. {قلْ} لهم من قِبَلنا؛ تثبيتًا للحكمة، وتحقيقًا للحق المزيح للريب: {لو كان} أي: لو وُجد واستقر {في الأرض}؛ بدل البشر {ملائكةً يمشونَ مطمئنين} قارين ساكنين فيها، {لنزَّلنا عليهم من السماء مَلكًا رسولاً} يهديهم إلى الحق؛ لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه. وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة مع الملائكة؛ لأنها منوطة بالتناسُب والتجانس، فبعث الملائكة إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع. وإنما يبعث الملك إلى الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدة بالقوة القدسية، فيتلقون منهم ويُبلغون إلى البشر. {قل كفى بالله} وحده {شهيدًا} على أني أديتُ ما عليَّ من مواجب الرسالة، وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد. فهو شهيد {بيني وبينكم}، وكفى به شهيدًا، ولم يقل: بيننا؛ تحقيقًا للمفارقة، وإبانة للمباينة، {إِنه كان بعباده} من الرسل والمرسل إليهم، {خبيرًا بصيرًا}؛ محيطًا بظواهر أعمالهم وبواطنها، فيجازيهم على ذلك. وهو تعليل للكفاية. وفيه تسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتهديد للكفار، والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية، وسوء الظن بهم، إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة، وأيُّ كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقًا، وارتفعت عنهم الشكوك والأوهام، وصار شهود الحق عندهم ضروريًا، ووجود السِّوَى محالاً ضروريًا، فلا كرامة أعظم من هذه؟ وكلامنا مع العارفين، وأما الصالحون والعباد والزهاد فهم محتاجون إلى الكرامة؛ ليزداد إيقانهم، وتطمئن نفوسهم؛ إذ لم يرتفع عنهم الحجاب، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر. والهداية بيد الله تعالى: {َمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ...}
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ..} عيناً.
الأعقم
تفسير : {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} الآية نزلت في جماعة من قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وابي سفيان، والأسود بن اميَّة، والعاص بن الوليد والنضر بن الحارث، اجتمعوا عند الكعبة وقال بعضهم لبعض: ابعثوا الى محمد وكلموه وخاصموه، فبعثوا اليه أن اشراف قومك اجتمعوا لك، فبادر... انه بدا لهم في أمره وكان حريصاً على دعائهم، فقالوا: يا محمد انا دعوناك لنعذر اليك ما نعلم رجلاً أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فان كنت جئت بهذا تطلب مالاً أعطيناك، وان تطلب الشرف... فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما بذلك أمرت"، فقالوا: إذاً ليس أحد أضيق بلداً منَّا، فتسأل ربك يسيّر هذه الجبال ويجري الأنهار كأنهار الشام والعراق، وابعث لنا من مضى، وليكن فيهم قصي فانه شيخ صدوق، فنسأله عما تقول أحق أم باطل؟ فقال: "ما بهذا بعثت" فقالوا: سل ربك يبعث لنا ملكاً يصدقك ويجعل لنا جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب، فقال: "ما بهذا أمرت" فقالوا: فاسقط علينا السماء كما زعمت ان ربك ان شاء فعل ذلك، فقال: "ذلك الى الله تعالى" فقالوا: انا لن نؤمن {أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً} فقام (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم، وقال تعالى حاكياً عنهم: {فتفجر الأنهار خلالها} وسطها {تفجيراً} {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} أي قطعاً كما زعمت كما خوفتنا به، {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} مقابلة نعاينهم، وقيل: مجتمعين كما تجتمع القبائل {أو يكون لك بيت من زخرف} من ذهب، وقرأ ابن مسعود من ذهب شاذ {حتى تنزل علينا كتاباً} من السماء فيه تصديقك {قل} يا محمد {سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً} يعني لم يؤمنوا واعتلوا بان الرسول لا يكون من البشر وهذا جهل لأن الاعتبار بالمصالح لا يصح، ولأنه لو أتاهم ملك لكانوا يقولون أتانا من غير الجنس، {وما منع الناس أن يؤمنوا إذا جاءهم الهدى} أي الدلائل، وقيل: أراد القرآن {الا ان قالوا أبعث الله بشراً رسولاً} {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} ساكنين قاطنين {لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} منهم {قل} يا محمد لهم {كفى بالله شهيداً بيني وبينكم} بأني رسول اليكم، وقيل: يشهد له يوم القيامة {انه كان بعباده خبيراً بصيراً}.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا} عطف على أبى أكثر الناس إلا كفوراً. {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أى لن نخضع لك بالتصديق أو جاءوا باللام لأَن الإِيمان شئ يحبه وينفعه، أو اللام بمعنى الباء. {حَتَّى تَفْجُرَ} وقرأ الكوفيون ويعقوب بإِسكان الفاء وتخفيف الجيم وإِبقاء التاء مضمومة، والجيم مكسورة رأى حتى يخرج {لَنَا مِنَ الأَرْضِ} أرض مكة. {يَنبُوعاً} عيناً ينبع منها الماء ولا يفور أو ماء نابعاً وهو يفعول من نبع الماء كيعبوب من عب إِذا زخر لما أفحمهم بالقرآن الكريم وما انضم إِليه من المعجزات كانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه، أخذوا يتعللون باقتراح الآيات تعنتاً وعناداً لا طلباً للدليل، فرد الله عليهم سواء لهم من التعجيز وكون التبيان والإسقاط والإِتيان بالله والملائكة وكون بيت من زخرف به، والرقى فى السماء مع إِنزال كتاب منه مكتوب فيه أنك رسول كما تقول، وليس ذلك بأَعظم مما رأوا من الآيات بل ما رأوه أعظم، ولو جاءتهم كل آية لقالوا هذا سحر كما قال: ولو جاءتهم كل آية لا يؤمنوا بها، وقال: ولو نزلنا عليهم كتاباً.. الخ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ} عند ظهور عجزهم ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي وغيره من المعجزات الباهرة متعللين بما لا تقتضي الحكمة وقوعه من الأمور ولا توقف لثبوت المدعى عليه وبعضه من المحالات العقلية {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ} بالتخفيف من باب نصر المتعدي وبذلك قرأ الكوفيون أي تفتح، وقرأ باقي السبعة {تفجر} من فجر مشدداً والتضعيف للتكثير لا للتعدية. وقرأ الأعمش وعبد الله بن مسلم بن يسار {تفجر} من أفجر رباعياً وهي لغة في فجر {لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ} أي أرض مكة لقلة مياهها فالتعريف عهدي {يَنْبُوعًا} مفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا زخر وكثر موجه فالياء زائدة للمبالغة، والمراد عيناً لا ينضب ماؤها، وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أن الينبوع هو النهر الذي يجري من العين، والأول مروي عن مجاهد وكفى به.
ابن عاشور
تفسير : عطف جملة {وقالوا} على جملة {أية : فأبى أكثر الناس إلا كفورا }تفسير : [الإسراء: 89]، أي كفروا بالقرآن وطالبوا بمعجزات أخرى. وضمير الجمع عائد إلى أكثر الناس الذين أبوا إلا كفوراً، باعتبار صدور هذا القول بينهم وهم راضون به ومتمالئون عليه متى علموه، فلا يلزم أن يكون كل واحد منهم قال هذا القول كله بل يكون بعضهم قائلاً جميعه أو بعضهم قائلاً بعضه. ولما اشتمل قولهم على ضمائر الخطاب تعين أن بعضهم خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة إما في مقام واحد وإما في مقامات. وقد ذكر ابن إسحاق: أن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، وناساً معهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند الكعبة وبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم. فأسرع إليهم حرصاً على هداهم، فعاتبوه على تسفيه أحلامهم والطعن في دينهم. وعرضوا عليه ما يشاء من مال أو تسويد. وأجابهم بأنه رسول من الله إليهم لا يبتغي غير نصحهم، فلما رأوا منه الثبات انتقلوا إلى طلب بعض ما حكاه الله عنهم في هذه الآية. وروي أن الذي سأل ما حكي بقوله تعالى: {أو ترقى في السماء} إلى آخره، هو عبد الله بن أبي أمية المخزومي. وحكى الله امتناعم عن الإيمان بحرف (لن) المفيد للتأييد لأنهم كذلك قالوه. والمراد بالأرض: أرض مكة، فالتعريف للعهد. ووجه تخصيصها أن أرضها قليلة المياه بعيدة عن الجنات. والتفجير: مصدر فجر بالتشديد مبالغة في الفَجْر، وهو الشق باتساع. ومنه سمي فجر الصباح فجراً لأن الضوء يشق الظلمة شقاً طويلاً عريضاً، فالتفجير أشد من مطلق الفجر وهو تشقيق شديد باعتبار اتساعه. ولذلك ناسب الينبوع هنا والنهر في قوله تعالى: {أية : وفجرنا خلالها نهراً}تفسير : [الكهف: 33] وقوله: {فتفجر الأنهار}. وقرأه الجمهور ــــ بضم التاء وتشديد الجيم ــــ على أنه مضارع (فجر) المضاعف. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف ــــ بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة ــــ على أنه مضارع فجر كنصَر، فلا التفات فيها للمبالغة لأن الينبوع يدل على المقصود أو يعبر عن مختلف أقوالهم الدالة على التصميم في الامتناع. ومعنى {لن نؤمن لك} لن نصدقك أنك رسول الله إلينا. والإيمان: التصديق. يقال: آمنه، أي صدقه. وكثر أن يعدى إلى المفعول باللام، قال تعالى: {أية : وما أنت بمؤمن لنا }تفسير : [يوسف: 17] وقال:{أية : فآمن له لوط }تفسير : [العنكبوت: 26]. وهذه اللام من قبيل ما سماه في مغني اللبيب لام التبيين. وغفل عن التمثيل لها بهذه الآية ونحوها، فإن مجرور اللام بعد فعل {نؤمن} مفعول لا التباس له بالفاعل وإنما تذكر اللام لزيادة البيان والتوكيد. وقد يقال: إنها لدفع التباس مفعول فعل «آمن» بمعنى صدق بمفعول فعل (آمن) إذا جعله أميناً. وتقدم قوله تعالى؛ {أية : فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه}تفسير : في سورة [يونس: 83]. والينبوع: اسم للعين الكثيرة النبع التي لا ينضب ماؤها. وصيغة يفعول صيغة مبالغة غير قياسية، والينبوع مشتقة من مادة النبع؛ غير أن الأسماء الواردة على هذه الصيغة مختلفة، فبعضها ظاهر اشتقاقه كالينبوع والينبوت، وبعضها خفي كاليعبوب للفرس الكثير الجري. وقيل: اشتق من العَب المجازي. ومنه أسماء معربة جاء تعريبها على وزن يفعول مثل؛ يَكْسوم اسم قائد حبشي، ويرموك اسم نهر. وقد استقرى الحسن الصاغاني ما جاء من الكلمات في العربية على وزن يفعول في مختصر له مرتب على حروف المعجم. وقال السيوطي في المزهر: إن ابن دريد عقد له في «الجمهرة» باباً. والجنة، والنخيل، والعنب، والأنهار تقدمت في قوله: {أية : أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار}تفسير : في سورة [البقرة: 266]. وخصوا هذه الجنة بأن تكون له، لأن شأن الجنة أن تكون خاصة لملك واحد معين، فأروه أنهم لا يبتغون من هذا الاقتراح نفع أنفسهم ولكنهم يبتغون حصوله ولو كان لفائدة المقترح عليه. والمقترح هو تفجير الماء في الأرض القاحلة، وإنما ذكروا وجود الجنة تمهيداً لتفجير أنهار خلالها فكأنهم قالوا: حتى تفجر لنا ينبوعاً يسقي الناس كلهم، أو تفجر أنهاراً تسقي جنة واحدة تكون تلك الجنة وأنهارها لك. فنحن مقتنعون بحصول ذلك لا بغية الانتفاع منه. وهذا كقولهم: {أو يكون لك بيت من زخرف}. وذكر المفعول المطلق بقوله: {تفجيراً} للدلالة على التكثير لأن {تُفجر} قد كفى في الدلالة على المبالغة في الفَجْر، فتعين أن يكون الإتيان بمفعوله المطلق للمبالغة في العدد، كقوله تعالى:{أية : ونزلناه تنزيلاً}تفسير : [الإسراء: 106]، وهو المناسب لقوله: {خلالها}، لأن الجنة تتخللها شعب النهر لسقي الأشجار. فجمع الأنهار باعتبار تشعب ماء النهر إلى شعب عديدة. ويدل لهذا المعنى إجماع القراء على قراءة {فتفجر} هنا بالتشديد مع اختلافهم في الذي قبله. وهذا من لطائف معاني القراءات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي من أفانين إعجاز القرآن. وقولهم: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} انتقال من تحديه بخوارق فيها منافع لهم إلى تحديه بخوارق فيها مضرتهم، يريدون بذلك التوسيع عليه، أي فليأتهم بآية على ذلك ولو في مضرتهم. وهذا حكاية لقولهم كما قالوا. ولعلهم أرادوا به الإغراق في التعجيب من ذلك فجمعوا بين جعل الإسقاط لنفس السماء. وعززوا تعجيبهم بالجملة المعترضة وهي {كما زعمت} إنباء بأن ذلك لا يصدق به أحد. وعنوا به قوله تعالى: {أية : إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء }تفسير : [سبأ: 9] وبقوله: {أية : وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم} تفسير : [الطور: 44]، إذ هو تهديد لهم بأشراط الساعة وإشرافهم على الحساب. وجعلوا (من) في قوله تعالى: {أية : كسفاً من السماء}تفسير : [الطور: 44] تبعيضية، أي قطعة من الأجرام السماوية، فلذلك أبوا تعدية فعل {تسقط} إلى ذات السماء. واعلم أن هذا يقتضي أن تكون هاتان الآيتان أو إحداها نزلت قبل سورة الإسراء وليس ذلك بمستبعد. و «الكسف» ــــ بكسر الكاف وفتح السين ــــ جمع كسْفة، وهي القطعة من الشيء مثل سِدرة وسدر. وكذلك قرأه نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر. وقرأه الباقون ــــ بسكون السين ــــ بمعنى المفعول، أي المكسوف بمعنى المقطوع. والزعم: القول المستبعد أو المحال. والقبيل: الجماعة من جنس واحد. وهو منصوب على الحال من الملائكة، أي هم قبيل خاص غير معروف، كأنهم قالوا: أو تأتي بفريق من جنس الملائكة. والزخرف: الذهب. وإنما عدي {ترقى في السماء} بحرف (في) الظرفية للإشارة إلى أن الرقي تدرج في السماوات كمن يصعد في المرقاة والسلم. ثم تفننوا في الاقتراح فسألوه إن رقى أن يرسل إليهم بكتاب ينزل من السماء يقرؤونه، فيه شهادة بأنه بلغ السماء. قيل: قائل ذلك عبد الله بن أبي أمية، قال: حتى تأتينا بكتاب معه أربعة من الملائكة يشهدون لك. ولعلهم إنما أرادوا أن ينزل عليهم من السماء كتاباً كاملاً دفعة واحدة، فيكونوا قد ألحدوا بتنجيم القرآن، توهماً بأن تنجيمه لا يناسب كونه منزلاً من عند الله لأن التنجيم عندهم يقتضي التأمل والتصنع في تأليفه، ولذلك يكثر في القرآن بيان حكمة تنجيمه. واللام في قوله: {لرقيك} يجوز أن تكون لام التبيين. على أن «رقيك» مفعول {نؤمن} مثل قوله: {لن نؤمن لك} فيكون ادعاء الرقي منفياً عنه التصديق حتى ينزل عليهم كتاب. ويجوز أن تكون اللام لام العلة ومفعول {نؤمن} محذوفاً دل عليه قوله قبله: {لن نؤمن لك}. والتقدير: لن نصدقك لأجل رقيك هي تنزل علينا كتاباً. والمعنى: أنه لو رقى في السماء لكذبوا أعينهم حتى يرسل إليهم كتاباً يرونه نازلاً من السماء. وهذا تورك منهم وتهكم. ولما كان اقتراحهم اقتراح مُلاجّة وعناد أمره الله بأن يجيبهم بما يدل على التعجب من كلامهم بكلمة {سبحان ربي} التي تستعمل في التعجب كما تقدم في طالع هذه السورة، ثم بالاستفهام الإنكاري، وصيغة الحصر المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة قصراً إضافياً، أي لستُ رباً متصرفاً أخلق ما يطلب مني، فكيف آتي بالله والملائكة وكيف أخلق في الأرض ما لم يخلق فيها. وقرأ الجمهور {قل} بصيغة فعل الأمر. وقرأه ابن كثير، وابن عامر {قال} بألف بعد القاف بصيغة الماضي ــــ على أنه حكاية لجواب الرسول صلى الله عليه وسلم عن قولهم: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} على طريقة الالتفات.
الشنقيطي
تفسير : بين الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمة شدة عناد الكفار وتعنتهم، وكثرة اقتراحاتهم لأجل التعنت لا لطلب الحق. فذكر أنهم قالوا له صلى الله عليه وسلم: إنهم لن يؤمنوا له - أي لن يصدقوه - حتى يفجر لهم من الأرض ينبوعاً. وهو يفعول من نبع: أي ماء غزير. ومنه قوله تعالى: {أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الزمر:21] {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ} أي بستان من نخيل وعنب. فيفجر خلالها، أي وسطها أنهاراً من الماء، أو يسقط السماء عليهم كسفاً: أي قطعاً كما زعم. أي في قوله تعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [سبأ:9] الآية. أو يأتيهم بالله والملائكة قبيلاً: أي معاينة. قال قتادة وابن جريج" كقوله: {أية : لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا}تفسير : [الفرقان:21]. وقال بعض العلماء: قبيلاً: أي كفيلاً. من تقبله بكذا: إذا كفله به. والقبيل والكفيل والزعيم بمعنى واحد. وقال الزمخشري قبيلاً: بما تقول، شاهداً بصحته. وكون القبيل في هذه الآية بمعنى الكفيل مروي عن ابن عباس والضحاك. وقال مقاتل: {قبيلاً} شهيداً. وقال مجاهد: هو جمع قبيلة. أي تأتي بأصناف الملائكة. وعلى هذا القول فهو حال من الملائكة، أو يكون له بيت من زخرف: أي من ذهب: ومنه قوله "في الزخرف": {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ}تفسير : [الزخرف:33] إلى قوله {أية : وَزُخْرُفاً}تفسير : [الزخرف:35] أي ذهباً. أو يرقى في السماء: أي يصعد فيه، وإنهم لن يؤمنوا لرقيه: أي من أجل صعوده، حتى ينزل عليهم كتاباً يقرؤونه. وهذا التعنت والعناد العظيم الذي ذكره جل وعلا عن الكفار هنا بينه في مواضع أخر. وبين أنهم لو فعل الله ما اقترحوا ما آمنوا. لأن من سبق عليه الشقاء لا يؤمن. كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الأنعام:7]، وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأنعام:111]، وقوله: {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}تفسير : [الحجر:14-15]، وقوله: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأنعام:109]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [يونس:96-97]، والآيات بمثل هذا كثيرة. وقوله في هذه الآية {كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} أي كتاباً من الله إلى كل رجل منا. ويوضح هذا قوله تعالى "في المدثر": {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً}تفسير : [المدثر:52] كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنعام:124] الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} أي تنزيهاً لربي جل وعلا عن كل ما لا يليق به، ويدخل فيه تنزيهه عن العجز عن فعل ما اقترحتم. فهو قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، وأنا بشر أتبع ما يوحيه إليّ ربي. وبين هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا}تفسير : [الكهف:110]، وقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ}تفسير : [فصلت:6] الآية. وكقوله تعالى عن جميع الرسل: {أية : قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}تفسير : [إبراهيم:11] إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ {تَفْجُر} الأولى عاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء وإسكان الفاء وضم الجيم. والباقون بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مكسورة. واتفق الجميع على هذا في الثانية. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم {كِسَفاَ} بفتح السين والباقون بإسكانها. وقرأ أبو عمرو {نُنْزِل} بإسكان النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وشد الزاي.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 90- ولما ظهر إعجاز القرآن ولزمتهم الحُجة، اقترحوا الآيات والمعجزات، فعل المحجوج المبهوت المتحير، فقالوا: لن نؤمن حتى تفجر لنا من أرض مكة عيْناً لا ينقطع ماؤها. 91- أو يكون لك بمكة بستان من نخيل وعنب فتفجر الأنهار وسطه تفجيراً كثيراً. 92- أو تسقط السماء فوق رؤوسنا قطعاً كما زعمت أن الله توعدنا بذلك، أو تأتى بالله والملائكة نقابلهم معاينة ومواجهة. 93- أو يكون لك بيت من زخرف من ذهب، أو تصعد فى السماء ولن نصدقك فى هذه الحال إلا إذا جئتنا بكتاب من الله يقرر فيه صدقك نقرؤه، قل لهم: أنزه ربى عن أن يتحكم فيه أحد، أو يشاركه فى قدرته، ما كنت إلا بشراً كسائر الرسل، ولم يأتوا قومهم بآية إلا بإذن الله. 94- وما منع مشركى مكة أن يذعنوا للحق حين جاءهم الوحى مقروناً بالمعجزات إلا زعمهم جهلا منهم أن الله تعالى لا يبعث رسله من البشر بل من الملائكة. 95- قل - يا محمد - رداً عليهم: لو كان فى الأرض بدل البشر ملائكة يمشون فيها كالآدميين مستقرين فيها، لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا من جنسهم، ولكن الملائكة لا يكونون كالبشر، ولو كانوا لجاءوا فى صورة البشر. 96- وقل: إن أنكرتم رسالتى فكفى بالله حاكماً بينى وبينكم مقرراً صدق رسالتى إليكم، إنه كان بعباده عالماً بأحوالهم بصيراً بأفعالهم وهو مجازيهم عليها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ينبوعاً: عيناً لا ينضب ماؤها فهي دائمة الجريان. جنة: بستان كثير الأشجار. كسفاً: قطعاً جمع كسفة كقطعة. قبيلا: مقابلة لنراهم عياناً. من زخرف: من ذهب. ترقى: تصعد في السماء. مطمئنين: ساكنين في الأرض لا يبرحون منها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والبعث وتقرير ذلك. فقال تعالى مخبراً عن قيلهم لرسول الله وهم يجادلون في نبوته: فقالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي لن نتابعك على ما تدعو إليه من التوحيد والنبوة لك والبعث والجزاء لنا {حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} أي عيناً يجري ماؤها على وجه الأرض لا ينقطع {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ} أي بستان من نخيل وعنب، {فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا} أي خلال الأشجار تفجيراً، {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} أي قطعاً، {أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} أي مقابلة نراهم معاينة، {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} أي من ذهب تسكنه بيننا {أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي تصعد بسلم ذي درج في السماء، {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} إن أنت رقيت {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً} من عند الله {نَّقْرَؤُهُ} يأمرنا فيه بالإِيمان بك واتباعك! هذه ست طلبات كل واحدة اعتبروها آية متى شاهدوها زعموا أنهم يؤمنون، والله يعلم أنهم لا يؤمنون، فلذا لم يستجب لهم وقال لرسوله: قل يا محمد لهم: {سُبْحَانَ رَبِّي} متعجباً من طلباتهم {هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}؟! أي هل كنت غير بشر رسول؟ وإلا كيف يطلب مني هذا الذي طلبوا، إن ما تطلبونه لا يقدر عليه عبد مأمور مثلي، وإنما يقدر عليه رب عظيم قادر، يقول للشيء كن... فيكون! وأنا ما ادعيت ربوبية، وإنما أصرح دائماً بأني عبدالله ورسوله إليكم لأبلغكم رسالته بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه وتؤمنوا بالبعث الآخر وتعملوا له بالطاعات وترك المعاصي. وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي وما منع أهل مكة أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى على يد رسولهم {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} أي إلا قولهم {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}؟ منكرين على الله أن يبعث رسولاً من البشر! وقوله تعالى: {قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} أي قل يا رسولنا لهؤلاء المنكرين أن يكون الرسول بشراً، المتعجبين من ذلك، قل لهم: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ساكنين في الأرض لا يغادرونها لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً يهديهم بأمرنا ويعلمهم ما يطلب منهم فعله بإذننا لأنهم يفهمون عنه لرابطة الجنس بينهم والتفاهم الذي يتم لهم. ولذا بعثنا إليكم رسولاً من جنسكم تفهمون ما يقول لكم يقدر على إفهامكم والبيان لكم فكيف إذاً تنكرون الرسالة للبشر وهي أمر لا بد منه؟! هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم. 2- بيان شدة عناد مشركي قريش، وتصلبهم وتحزبهم إزاء دعوة التوحيد. 3- بيان سخف عقول المشركين برضاهم للألوهية بحجر وإنكارهم الرسالة للبشر! 4- تقرير أن التفاهم حسب سنة الله لا يتم إلا بين المتجانسين فإذا اختلفت الأجناس فلا تفاهم إلا أن يشاء الله فلا يتفاهم إنسان مع حيوان أو جان.
القطان
تفسير : الينبوع: النبع، عين الماء. كسفا: جمع كسفة كَقِطْعَة لفظا ومعنى. قبيلا: مقابلين، تأتي بهم عيانا. الزخرف: الزينة، الذهب. ترقى: تصعد. وقالوا في تَعنُّتِهم لن نؤمن لك يا محمد حتى تخرج لنا ماء من عين تفجّرها لا ينضب ماؤها. او يكون لك في مكة بستان من نخيل وعنب فتجرى الانهار وسطه، او تسقط السماء فوق رؤوسنا كما زعمتَ ان الله توعّدنا بذلك، او تأتي بالله والملائكة نقابلهم ونراهم مواجهة ليشهدوا على صحة ما تقول لنا. او يكون لك بيت مزخرف من ذهب، او تصعد في السماء. ولن نصدقك في هذا الحل الا اذا جئتنا بكتاب من الله يقرر فيه صدقك نقرؤه. قل لهم ايها الرسول: سبحان ربي ان يتحكم فيه احد، او يشاركه في قدرته، فهل انا الا بشر رسول من الذين يرسلهم بما يلائم احوالهم ويصلح شئونهم،وما منع مشركي مكة ان يؤمنوا لما جاءهم الرسول بالهدى الا زعمهم جهلاً منهم ان قالوا: كيف يبعث الله رسولا من البشر، قل لهم ايها الرسول: لو كان في الارض بدل البشر ملائكة يعيشون مستقرين فيها لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا من جنسهم، فان الحكمة الالهية اقتضت ان يرسل لكم جنس ما يناسبه من الرسل. قل: يكفي ان الله شاهد على صدق رسالتي اليكم، انه كان بعباده خبيرا يعلم احوالهم، بصيرا لاتخفى عليه منهم خافية. قراءات: قرأ الكوفيون ويعقوب: "تفجر" بفتح التاء وضم الجيم. والباقون: "تفجر" بضم التاء وفتح الفاء وكسر الجيم المشددة. قراءات: قرأ اهل المدينة وابن عامر وعاصم: "كسفا" بكسر الكاف وفتح السين. والباقون "كسفا" باسكان السين. وقرأ ابن كثير وابن عامر: "قال سبحان ربي" والباقون: "قل سبحان ربي".
د. أسعد حومد
تفسير : (90) - اجْتَمَعَ قَادَةُ قُرَيْشٍ عِنْدَ الكَعْبَةِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِيَأْتِيَهُمْ لِيُكَلِّمُوهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ جِئْتَنَا بِشَيءٍ فَرَّقْتَ بِهِ الجَمَاعَةَ، فَإِنْ كُنْتَ جِئْتَ تُرِيدُ الشَّرَفَ فِينَا، سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنا، وَإِنْ كَانَ مَا يَأْتِيكَ رِئْياً (أَيْ تَابِعاً) مِنَ الجِنِّ، جَعَلْنَا مِنَ المَالِ، وَطَلَبْنَا لَكَ الأطبَّاءَ حَتَّى تَشْفَى أَوْ نُعْذَرَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا بِهذا جِئْتُكُمْ، إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ رَسُولاً فَإِنْ تَسْمَعُوا مِنِّي، وَتَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ، فَهُوَ حَظُّكُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ تَردُّوهُ أَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وَبَينَكُمْ. ثُمَّ أَخَذُوا فِي الاقْتِرَاحِ عَلَيهِ تَعْجِيزاً وَتَعَنُّتاً: - فَاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ لِيُسَيِّرَ عَنْهُم الجِبَالَ التِي ضَيَّقَتْ عَلَيْهِمْ، وَلِيَبْسطَ لَهُمْ بِلاَدَهُمْ، وَلِيُفَجِّرَ فِيهَا أَنْهَاراً. - ثُمَّ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُو رَبَّهُ لِيَبْعَثَ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ لِيَشْهَدُوا عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ. - ثُمَّ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَبْعَثَ مَلكاً يُصَدِّقُهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ رَبُّهُ جَنَاتٍ وَبَسَاتِينَ وَكُنُوزاً وَقُصُوراً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. - ثُمَّ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ أَنْ يُسْقِطَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ كِسَفاً (أَيْ قِطَعاً) كَمَا زَعَمَ لَهُمْ أَنَّ رَبَّهُ إِنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يُؤْمِنُوا لَهُ إِلاَّ بِفِعْلِ مَا طَلَبُوهُ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ ذلِكَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ فَعَلَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ ابْنُ عَمَّتِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِي: وَاللهِ، لاَ أُؤْمِنُ بِكَ حَتَّى تَتَّخِذَ إِلى السَّمَاءِ سُلَّماً ثُمَّ تَرَقَى فِيهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ حَتَّى تَأْتِيَها، وَتَأْتِي مَعَكَ بِصَحِيفَةٍ مَنْشُورَةٍ وَمَعَكَ أَرْبَعَةٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ يَشْهَدُونَ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ كَمَا تَقُولُ، وَأَيْمُ اللهِ لَوْ فَعَلْتَ لَظَنَنْتُ أَنِّي لاَ أُصَدِّقُكَ. فَهُمْ أُنَاسٌ مُتَعَنِّتُونَ لاَ يَسْأَلُونَ اسْتِرْشَاداً، وَلَوْ كَانَ سُؤَالُهُمُ اسْتِرْشَاداً لأُجِيبُوا إِلَيْهِ، وَلكِنَّهُمْ يَسْأَلُونَ كُفْراً وَعِنَاداً، وَهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ حُدُوثَ مَا يَطْلُبُونَ. فَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ: إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا عَذَّبْتُهُمْ عَذاباً لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَلْ تَفْتَحُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ. تَفْجُرَ مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً - تَجْعَلَ عَيْنَ مَاءٍ تَجْرِي فِي الأَرْضِ لاَ يَنْضُبُ مَاؤُها.
الثعلبي
تفسير : {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً}. عكرمة عن ابن عبّاس "حديث : أن عتبة وشيبة إبني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحرث وأبا البحتري بن هشام، والاسود بن المطلب وزمعة ابن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيهاً ومنبهاً إبني الحجاج إجتمعوا أو من إجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة. فقال بعضهم لبعض: إبعثوا إلى محمّد وكلموه وخاصموه حتّى تعذروا فيه، فبُعث إليه أن أشراف قومك قد إجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو [يظن بأنه] بدا لهم في أمره بداءً، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم. فقالوا: يا محمّد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعنّت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلاّ وقد جئته فيما بيننا [وبينك]، وإن كنت إنما جئت بهذا الحدث تطلب به مالاً حظنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك به رأي قد غلب عليك فكانوا يسمون من الجن من يأتي الأنسان بالخير والشر فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتّى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مابي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم أطلب به أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليَّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فأن تقبلوا مني ما جئتكم فهو حظكم في الدنيا والآخرة وأن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتّى يحكم الله بيني وبينكم". فقالوا: يا محمّد وإن كنت غير قابل منا ماعرضنا عليك فقد علمت إنه ليس من الناس أحد أضيق بلاداً ولا أقل مالاً ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليُسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يبعث لنا فيهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولاً كما تقول. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتّى يحكم الله بيني وبينكم". قالوا: فإن لم تفعل هذا فخذ لنفسك فسل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك وسله فيجعل لك تيجان وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك فإذن نراك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "[ما أنا بفاعل] ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بُعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً". قالوا: فأسقط السماء [علينا كسفاً] كما زعمت أن ربك [إن] شاء فعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك ". تفسير : قالوا: قد بلغنا إنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنّا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً فقد أعذرنا إليك يا محمّد أما والله لا نتركك وما بلغت منا حتّى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائل منهم {أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً}. فلما قالوا ذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن محروم وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال له: يا محمّد عرض عليك ماعرضوا فلم تقبل منهم ثمّ سألوك لأنفسهم أمراً فليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثمّ سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أومن بك أبداً حتّى تتخذ إلى السماء سلماً ثمّ ترقى فيه وأنا أنظر حتّى تأتيها وتأتي بنسخة مصورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت ألاّ أصدقك، ثمّ انصرف وإنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبو جهل، حين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر قريش إن محمّد قد أتى إلا ماترون مَنْ عيّب ديننا وشتم آلهتنا وسفّه أحلامنا وسبّ آباءنا فإني أعاهد الله لأجلسنّ له عند الحجر قدر ما أطيق حمله وإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه. وإنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً لما فاته من متابعة قومه ولما رأى من مباعدتهم فأنزل الله تعالى { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ}. قال أهل الكوفة: (تفجر) خفيفة بفتح التاء وضم الجيم، وإختاره أبو حاتم لأن الينبوع واحد. [قرأ] الباقون بالتشديد على التفعيل، وإختاره أبو عبيد ولم يختلفوا في الثانية أنها مشددة لأجل الأنهار لأنها جمع، والتشديد يدل على التكثير من الأرض يعني أرض مكة ينبوعاً يعني عيوناً هو مفعول من نبع الماء. {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا} وسطها {تَفْجِيراً} [رقيقاً] {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} قرأ أكثر قراء العراق: بسكون السين أي قطعة أجمع كسفه وهو جمع الكثير، مثل تمرة وتمر وسدرة وسدر. تقول العرب: أعطني كسفة من هذا الثوب أي قطعة، ويقال: منه جاءنا ببريد كسف أي قطع خبز، وقيل: أراد جاثياً. وفتح الباقون السين، وهو القطع أيضاً جمع القليل للكسفة. {أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً}. قال ابن عبّاس: كفيلاً. الضحاك: ضامناً. مقاتل: شهيداً. مجاهد: جمع القبيلة أيّ بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة. قتادة: عياناً. الفراء: هو من قول العرب: لقيت فلاناً قبلاً وقبلا أي معاينة. {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} من ذهب وأصله الزينة. مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتّى رأيته في قراءة ابن مسعود: بيت من ذهب. {أَوْ تَرْقَىٰ} تصعد { فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} أيّ من أجل رقيك صعودك {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} أمرنا فيه بإتباعك {قُلْ} يا محمّد {سُبْحَانَ رَبِّي}. وقرأ أهل مكة والشام: {قال سبحان ربي} يعني محمد صلى الله عليه وسلم {هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} وليس ما سألتم في طوق البشر ولا قدرة الرسل {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} جهلاً منهم {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} وإن الأُولى في محل النصب والثانية في محل الرفع وفي الآية إختصار فتأويلها هلاَّ بعث الله ملكاً رسولاً فأجابهم الله تعالى { قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ} مستوطنين مقيمين {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} لأن الملائكة إنما تبعث إلى الملائكة ويراهم الملائكة {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} إنه رسوله إليكم {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} إلى قوله {أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} دونهم {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}. شيبان عن قتادة عن أنس: "حديث : إن رجلاً قال: يارسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلمإن الذي أمشاه على رجاله قادر أن يمشيه على وجهه [في النار] ". تفسير : وروى حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفاً مشاة وصنفاً ركبان وصنفاً يمشون على وجوههم". قيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك ". تفسير : {عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} إن قيل: وكيف وصف الله عزّ وجلّ هؤلاء يأتيهم يوم القيامة عمي وصم وبكم، وقال تعالى {أية : وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} تفسير : [الكهف: 53] فقال: {أية : سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} تفسير : [الفرقان: 12] وقال {أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} تفسير : [الفرقان: 13] والجواب عنه ماقال ابن عبّاس: عميّاً لايرون شيئاً يسرهم، بكماً لاينطقون بحجة، صماً لايسمعون شيئاً يسرهم. وقال الحسن: هذا حين [جاءتهم] الملائكة وحين يساقون إلى الموقف عُمي العيون وزرقها سود الوجوه إلى أن يدخلوا النار. مقاتل: هذا حين يقال لهم: إخسؤا فيها ولا تكلمون، فيصيرون بأجمعهم عمياً بكماً صماً لايرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك. وقيل: عمياً لايبصرون الهدى، وبكماً لاينطقون بخير، وصماً لايسمعون الحق. {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ} قال ابن عبّاس: [سكنت] مجاهد: [طفيت] قتادة: لانت وضعفت. {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} وقوداً {ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} فأجابهم الله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} في عظمها وشدتها وكثرة أجزائها وقوتها {قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} في صغرهم وضعفهم نظيره قوله {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] وقوله {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ} تفسير : [النازعات: 27] . {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً} أي وقتاً لعذابهم وهلاكهم {لاَّ رَيْبَ فِيهِ} إنه إليهم، وقيل: إن هذا جواب لقولهم أو يسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، وقيل: هو يوم القيامة، وقيل: هو الموت الذي يعاينونه {فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ} الكافرون {إِلاَّ كُفُوراً} جحوداً {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} أيّ أملاك ربي وأمواله وأراد بالرحمة هاهنا الرزق {إِذاً لأمْسَكْتُمْ} لبخلتم وحبستم {خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ} أي الفاقة، {وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} أي بخيلاً ممسكاً ضيقاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (لَنْ) تفيد تأبيد نَفْي الفعل في المستقبل، تقول: أنا لم أصنع هذا، ولن أصنعه. أي: في المستقبل. ومعلوم أن الإنسان ابن أغيار، لا يحكمه حال واحد بل هو مُتقلِّب بين أحوال شتى طوال حياته، والله تعالى وحده هو الذي لا يتغيّر، وما دام الإنسان ابنَ أغيار ويطرأ عليه حال بعد حال، فليس له أنْ يحكمَ على شيء حُكْماً قاطعاً في مستقبل هو لا يملكه، فالذي يملك الحكم القاطع هو الحق سبحانه الذي لا تتناوله الأغيار. لذلك فالإنسان مثلاً إذا صعد حتى القمة نخاف عليه الهبوط؛ لأنه من أهل الأغيار، ولا يدوم له حال، إذن: فماذا بعد القمة؟ وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: شعر : إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُهُ تَرقَّبْ زَوَالاً إذَا قِيل تَمّ تفسير : والعجيب أن الناس يتطلعون في نعمة الله إلى التمام، فيقول أحدهم: يا حبَّذا، لو حدث كذا لَتَمتْ هذه النعمة، وهم لا يدرون أن هذا النقص في النعمة سبب بقائها، فلو تَمَّتْ لك النعمة وأنت من أهل الأغيار، فماذا تنتظر إلا زوالها؟ فَلْيَرْضَ كلُّ صاحب نعمة بما فيها من نقص، فلعل هذا النقص يردُّ عنه عَيْن حاسد، أو حقد حاقد. فبعض الناس يرزقه الله بالأولاد ويُعينه على تربيتهم، ولحكمة يفشل أحدهم فيحزن لذلك ويألم أشد الألم، ويقول: لو أن هذا الولد .. وهو لا يدرك حكمة الله من وراء هذا النقص، وأنه حارسٌ للنعمة في الآخرين، وأنه التميمة التي تحميه وتردُّ عنه ما يكره. لذلك لما أراد المتنبي أن يمدح سيف الدولة قال له: شعر : شَخِصَ الأَنامُ إلى كَمَالِكَ فَاسْتَعِذْ مِنْ شَرِّ أَعْيُنِهِمْ بعَيْبٍ وَاحِد تفسير : أي: نظروا إليك معجبين بما فيك من كمال، فاعمل عملاً سيئاً واحداً يصد عنك شرَّ أعينهم. إذن: (لن) تفيد تأبيد النفي في المستقبل، وهذا أمر لا يملكه إلا مالك الأحداث سبحانه وتعالى، أمّا صاحب الأغيار فليس له ذلك، والذين آمنوا فيما بعد برسول الله ممَّنْ قالوا هذه المقولة: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} [الإسراء: 90]. نستطيع أن نقول لهم: لقد أوقعتْكم (لن) في الكذب؛ لأنكم أبَّدتُم نَفْي الإيمان، وها أنتم مؤمنون، ولم يُفجِّر لكم النبي ينبوعاً من الأرض. وعند فتح مكة وقف عكرمة بن أبي جهل وقال في الخَنْدَمَة ما قال، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً معتذراً وخرج محارباً مع خالد بن الوليد في اليرموك، وحين طُعِن الطعنة المميتة، وحمله خالد، فإذا به يقول له: أهذه ميتة تُرضِي عني رسول الله؟ إذن: مَنْ يقول كلمة عليه أن يكون قادراً على تنفيذها، مالكاً لزمامها، ضامناً لنفسه أَلاَّ يتغير، وأَلاَّ تتناوله الأغيار، ولا يملك ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. والمتدبّر لأسلوب القرآن في سورة (الكافرون) يجد هذه المسألة واضحة، حيث يقول تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ}تفسير : [الكافرون: 1-4]. هكذا نفتْ الآية عبادة كل منهما لإله الآخر في الزمن الحاضر، ثم يقول تعالى:{أية : وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ}تفسير : [الكافرون: 4-5] لينفي أيضاً احتمال العبادة في المستقبل، إذن: فليس في الآية تكرار، كما يرى بعض قِصَار النظر. ولك الآن أنْ تسألَ: كيف نفى القرآن الحدث في المستقبل؟ نقول: لأن المتكلّم هنا هو الحق سبحانه وتعالى الذي يملك الأحداث ولا تُغيِّره الأغيار، ولا تتسلط عليه، فحكم على المستقبل هذا الحكم القاطع وأبَّد النَّفي فيه. ثم يقول تعالى: {حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} [الإسراء: 90]. وفي آية أخرى قال: {أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً ..}تفسير : [القمر: 12]. فالتفجير: أن تعمل في الأرض عملية تُخرِج المستتر في باطنها على ظهرها، وعين الماء تُخرِج لك الماء من الأرض، وتأخذ منه حاجتك فلا ينقص؛ لأنها تعوض ما أُخِذ منها بقانون الاستطراق، وقد يحدث أن يغيض الماء فيها قليلاً. أما الينبوع فتراه يفيض باستمرار دون أن ينقص فيه منسوب الماء، كما في زمزم مثلاً، ولا شكَّ أن هذا المطلب منهم جاء نتيجة حرمانهم من الماء، وحاجتهم الشديدة إليه. ويذكر الحق سبحانه أنهم واصلوا حديثهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يَنْبُوعاً} [الآية: 90]. يعني: عيوناً. {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} يعني: السماءَ جميعاً. {أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} [الآية: 92]. يعني بكل قبيل على حدة، {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} يعني: ذهب {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} [الآية: 93] من رب العالمين إِلى فلان بن فلان، لكل رجل صحيفة تصبح عند رأْسه يقرؤها. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الآية: 97]. يقول: كلما أُطفئت أُوقدت.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى القرآن وما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة على صدق النبي الأمي، وتحداهم فظهر عجزهم بوضوح إعجازه، ذكر هنا نماذج عن تعنت الكفار وضلالهم باقتراح خوارق مادية غير القرآن العظيم، ثم ذكر قصة موسى وتكذيب فرعون له مع كثرة الخوارق والمعجزات التي ظهرت على يديه تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المشركين، ثم ختم السورة الكريمة بدلائل القدرة والوحدانية. اللغَة: {كِسَفاً} قِطَعاً جمع كِسْفَة كدمنة ودِمَن يقال: كسْفتُ الثوبَ أكسِفُه كِسَفاً إذا قطعته قطعاً قال الفراء: سمعت أعرابياً يقول للبزَّاز أعطني كِسْفةً يريد قطعة {قَبِيلاً} معاينةً {تَرْقَىٰ} تصعد {خَبَتْ} خبت النار: سكنَ لهبها، وخمدتْ: سكن جمرها، وهَمَدت: طفئت جملة {قَتُوراً} بخيلاً {مَثْبُوراً} الثبور: الهلاك يقال: ثَبَر اللهُ العدوَّ أهلكه {لَفِيفاً} اللفيف: الجمع من القوم من أخلاطٍ شتى قال الجوهري: اللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتّى يقال: جاء القوم بلَفِّهم ولفيفهم {مُكْثٍ} المُكْث: التطاول في المدة يقال مكَثَ إذا أَطال الإِقامة {تُخَافِتْ} خافت في الكلام أَسَرَّه بحيث لا يكاد يسمع أحد {الأَذْقَانِ} جمع ذّقَن وهو مجتمع اللَّحْيَين قال الشاعر: شعر : فخرّوا لأذقانِ الوجوه تنوشُهم سباعٌ من الطير العوادي وتنتف تفسير : سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس حديث : أن رؤساء قريش اجتمعوا عند الكعبة فقالوا: ابعثوا إلى محمد فكلِّموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه، فبعثوا إليه إنَّ أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك فجاءهم سريعاً - وكان حريصاً على رُشدهم - فقالوا يا محمد: إنّا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخلَ على قومه ما أدخلتَ على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبتَ الدين، وسفَّهتَ الأحلام، وفرَّقت الجماعة، فإن كنتَ إنما جئت بهذا لتطلب مالاً جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشَّرَف فينا سوَّدناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيا - أي تابعاً من الجنّ - بذلنا أموالنا في طلب الطِبِّ حتى نبرئك منه أو نُعذَر فيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئتكم أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا المُلك عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولاً فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم، فقالوا يا محمد إن كنت غير قابلٍ منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيقَ بلاداً، ولا أشدَّ عيشاً منا، فسل ربك يُسيّر لنا هذه الجبال، ويجري لنا أنهاراً، ويبعث من مضى من آبائنا حتى نسألهم أحقٌّ ما تقول؟ وسلْه أن يجعل لك جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة تغنيك عنا فأنزل الله {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً...} تفسير : الآية. ب - عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفيا بمكة، وكان إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإِذا سمع ذلك المشركون سبُّوا القرآن، ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله عز وجل لنبيه {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً}. التفسِير: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} لما تبيّن إعجاز القرآن ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعلَّلون باقتراح الآيات والخوارق والمعنى قال المشركون لن نصدِّقك يا محمد حتى تشقّق لنا من أرض مكة عيناً غزيرة لا ينقطع منها الماء {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ} أي يكون لك بستانٌ فيه أنواع النخيل والأعناب {فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً} أي تجعل الأنهار تتفجّر فيها وتسير وسطها بقوةٍ وغزارة {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} هذا هو الاقتراح الثالث أي تجعل السماء تتساقط علينا قِطَعاً كما كنتَ تخوّفنا وتزعم أن الله سيعذبنا إن لم نؤمن بك قال المفسرون: أشاروا إلى قوله تعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [سبأ: 9] {أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً} أي تُحضر لنا اللهَ وملائكته مقابلةً وعياناً فنراهم {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} أي يكون لك قصرٌ مشيَّد عظيم من ذهبٍ لا من حجر أو طين {أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} هذا هو الاقتراح السادس والأخير، وكلُّها تدل على سفهٍ وجهلٍ كبير، بسنة الله في خلقه وبحكمته وجلاله أي أو تصعد يا محمد إلى السماء بِسُلَّم ولن نصدّقك لمجرد صعودك حتى تعود ومعك كتاب من الله تعالى منشور أنك عبده ورسولُه نقرؤه بأنفسنا {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} أي قل لهم يا محمد تعجباً من فرط كفرهم وعنادهم: سبحانَ الله هل أنا إله حتى تطلبوا مني أمثال هذه المقترحات؟ ما أنا إلا رسولٌ من البشر بعثني الله إليكم فلم هذا الجحود والعناد؟! {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}؟ أي إن السبب الذي منع المشركين من الإِيمان بعد وضوح المعجزات هو استبعاد أن يبعث الله رسولاً إلى الخلق من البشر، فلماذا يكون بشراً ولا يكون ملكاً؟ وقد ردَّ تعالى عليهم بقوله {قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ} أي قل لهم يا محمد: لو كان أهل الأرض ملائكة يمشون على أقدامهم كما يمشي الناس ساكنين في الأرض مستقرين فيها {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} أي لنزلنا عليهم رسولاً من الملائكة ولكنَّ أهل الأرض بشرٌ فالرسول إليهم بشرٌ من جنسهم، إذْ جرت حكمة الله أن يرسل إلى كل قومٍ رسولاً من جنسهم ليمكنهم الفهم عنه ومخاطبته، وهذا تسفيهٌ وتجهيل لمنطق المشركين {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي كفى اللهُ شاهداً على صدقي {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} أي هو تعالى العالم بأحوال العباد وسيجازيهم عليها {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} أي من يهده الله إلى الحق فهو السعيد الرشيد {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} أي ومن يضلله الله عن الحق بسبب سوء اختياره فلن تجد لهم أنصاراً يعصمونهم من عذاب الله {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} أي يُسحبون يوم القيامة على وجوههم تجرُّهم الزبانية من أرجلهم إلى جهنم كما يُفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه {عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} أي يُحشرون حال كونهم عمياً وبكماً وصماً يعني فاقدي الحواس لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون ثم يردُّ الله إليهم أسماعهم وأبصارهم ونطقهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله عنهم،عن أنس حديث : قيل يا رسول الله: كيف يُحشر الناسُ على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم تفسير : {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} أي مستقرهم ومقامهم في جهنم كلما سكن لهبها وخمدت نارها زدناهم ناراً ملتهبة ووهجاً وجمراً {ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} أي ذلك العذاب جزاء كفرهم بآيات الله وتكذيبهم بالبعث والنشور وقولهم أئذا أصبحنا عظاماً نخرة، وذرات متفتتة سنُخلق ونبعث مرة ثانية؟ وقد ردَّ تعالى عليهم بقوله {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} أي أولم ير هؤلاء المشركون أن الله العظيم الجليل الذي خلق هذا الكون الهائل بسماواته وأرضه قادرٌ على إعادة جسد الإِنسان بعد فنائه؟ فإِن القادر على الإِحياء قادر على الإِعادة بطريق الأحرى قال في البحر: نبَّههم تعالى على عظيم قدرته وباهر حكمته بقوله {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} وهو استفهام إِنكارٍ وتوبيخ على استبعادهم الإِعادة، واحتجاجٌ عليهم بأنهم قد رأوا قدرة الله على خلق هذه الأجرام العظيمة التي بعضُ ما تحويه البشرُ، فكيف يقرون بخلق هذا المخلوق العظيم ثم ينكرون إعادته {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي جعل لهؤلاء المشركين موعداً محدَّداً لموتهم وبعثِهم، لا شك ولا ريب في مجيئه {فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً} أي أبى هؤلاء الكافرون الظالمون - مع وضوح الحق وسطوعه - إلا جحوداً وتمادياً في الكفر والضلال {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} أي قل يا محمد لهؤلاء المعاندين المكابرين، المقترحين للخوارق والمعجزات: لو كنتم تملكون خزائن رزق الله ونِعَمه التي أفاضها على العباد {إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ} أي إذاً لبخلتم به وامتنعتم عن الإِنفاق خوفاً من نفادها {وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} أي وكان الإِنسان شحيحاً مبالغاً في البخل قال ابن عباس {قَتُوراً} أي بخيلاً منوعاً وقال الزمخشري: ولقد بلغ هذا الوصف بالشُّحّ الغاية التي لا يبلغها الوهم. ثم ذكر تعالى أن كثرة الخوارق لا تُنشئ الإِيمان في القلوب الجاحدة، وها هو ذا موسى قد أُوتي تسع آيات بينات ثم كذَّب بها فرعون وملؤه فحلَّ بهم الهلاك جميعاً {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي والله لقد أعطينا موسى تسع آياتٍ واضحات الدلالة على نبوته وصحة ما جاء به من عند الله وهي "العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، وانفلاق البحر، والسنين" خمسٌ منها في سورة الأعراف {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ} تفسير : [الآية: 133] والباقي متفرقات {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ} أي فاسألْ يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون فإنهم يعلمونها مما لديهم في التوراة قال الرازي: وليس المطلوب من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً} أي إني لأظنك يا موسى قد سُحرت فتخبَّط عقلُك {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} أي قال له موسى توبيخاً وتبكيتاً: لقد تيقَّنت يا فرعون أن هذه الآيات التسع ما أنزلها إلا رب السماواتِ والأرض شاهدة على صدقي، تبصِّرُ الناس بقدرة الله وعظمته ولكنك مكابرٌ معاند {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} أي وإني لأعتقدك يا فرعون هالكاً خاسراً { فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي أراد فرعون أن يخرج موسى وقومه من أرض مصر {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً} أي فأغرقنا فرعون وجنده أجمعين في البحر {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} أي وقلنا لبني إسرائيل من بعد إغراق فرعون وجنده اسكنوا أرض مصر {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} أي فإذا جاء يوم القيامة جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر مختلطين فيكم المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، ثم نفصل بينكم ونميّز السعداء من الأشقياء، ثم عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة قدره فقال {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} أي وأنزلنا هذا القرآن متلبساً بالحقِّ، لا يعتريه شك أو ريب، فيه الحكم والمواعظ والأمثال التي اشتمل عليها القرآن وهكذا أُنزل من عند الله {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} أي وما أرسلناك يا محمد إلا مبشراً بالجنة لمن أطاع، ومنذراً بالنار لمن عصى {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} أي وقرآناً نزّلناه مفرقاً منجماً لتقرأه على الناس على تُؤدةٍ ومهل، ليكون حفظه أسهل، والوقوف على دقائقه أيسر {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} أي نزّلناه شيئاً بعد شيء على حسب الأحوال والمصالح {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} خطاب للمشركين الذين اقترحوا المعجزات على وجه التهديد والوعيد أي آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم به لا يزيده كمالاً، وتكذيبكم له لا يورثه نقصاً {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} أي العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة من صالحي أهل الكتاب إذا سمعوا القرآن تأثروا فخرّوا ساجدين للهِ رب العالمين، والجملة تعليل لما تقدم والمعنى: إن لم تؤمنوا به أنتم فقد آمن به من هو خير منكم وأعلم {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} أي يقولون تنزَّه الله عن إخلاف وعده إنه كان وعده كائناً لا محالة {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} أي ويخرُّون لناحية الأذقان ساجدين على وجوههم باكين عند استماع القرآن ويزيدهم تواضعاً لله قال الرازي: والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين وهو خرورهم للسجود وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} أي نادوا ربكم الجليل باسم {ٱللَّهَ} أو باسم {ٱلرَّحْمَـٰنَ} {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} أي بأي هذين الإسمين ناديتموه فهو حسن لأن أسماءه جميعها حسنى وهذان منها قال المفسرون: سببها أن الكفار سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو (يا الله، يا رحمن) فقالوا إن كان محمد ليأمرنا بدعاء إله واحدٍ وها هو يدعو إلهين فنزلت الآية مبينة أنهما لمسمَّى واحد {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} أي لا تجهر يا محمد بقراءتك في الصلاة فيسمعك المشركون فيسبوا القرآن ومن أنزله ولا تُسرَّ بقراءتك بحيث لا تسمع من خلفك {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} أي اقصد طريقاً وسطاً بين الجهر والمخافتة قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله فنزلت {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} أي الحمد لله الذي تنزَّه عن الولد {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ} أي ليس له شريك في ألوهيته {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ} أي ليس بذليل فيحتاج إلى الوليّ والنصير {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} أي عظِّمْ ربك عظمةً تامة واذكره بصفات العز والجلال، والعظمة والكمال، ختمت السورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ولد ولا شريك، وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير، وهو العلي الكبير. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام الإِنكاري {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}؟. 2- الالتفات من الغيبة إلى التكلم {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} اهتماماً بأمر الحشر. 3- الطباق بين {وَمَن يَهْدِ ... وَمَن يُضْلِلْ} وبين {مُبَشِّراً ... وَنَذِيراً} وبين {تَجْهَرْ ... وتُخَافِتْ}. 4- الجناس الناقص بين {مَسْحُوراً} و {مَثْبُوراً} لتغير بعض الحروف. 5- المقابلة اللطيفة {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} مقابل قولة فرعون {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً}. 6- السجع الرصين الذي يزيد في جمال الأسلوب مثل {فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً ... مُبَشِّراً وَنَذِيراً} ومثل {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً ... وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} معناه ماءٌ يَنْبَعُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ} [الإسراء: 90-91] الآية إلى قوله: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 93] يشير إلى أنهم أرباب الحس الحيواني يطلبون الإعجاز من ظاهر المحسوسات ما لهم بصيرة يبصرون بها شواهد الحق ودلالة النبوة، وإعجاز عالم المعاني بالولاية الروحانية والقوة الربانية؛ فيطلبون منه تزكية النفوس، وتصفية القلوب وتحلية الأرواح، وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب؛ لينبت منها نخيل المشاهدات أو أعناب المكاشفات في جنات المواصلات {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} [الإسراء: 93] أي: هو القادر على ملتمسكم، والحكيم بصلاحية الأحوال والأمور إن يشاء يبذل مسئولكم ويعطي مأمولكم {هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً} [الإسراء: 93] مثلكم {رَّسُولاً} [الإسراء: 93] من الله مبلغاً رسالته مؤدباً بآداب العبودية، مستسلماً لأحكام الربوبية. ثم أخبر عن أصل ضلالتهم أنه من غاية جهالتهم، بقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94] إشارة إلى أن أهل النسيان والغفلة الذين لم يبلغوا بعد مبلغ الإنسان الكامل ولا مبلغ الرجال البالغين، ومن {كَتَبَ} الله {أية : فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} تفسير : [المجادلة: 22] لا يعرفون الأنبياء والرسل، وما لهم عند الله من المقامات العلية والأحوال المرضية السنية، وما أنعم الله عليهم من القربات والكمالات مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يعدونهم من أبناء جنسهم ويحسبون أن الملائكة أعلى درجة منهم وأجل منهم منزلة عند الله، وأنهم عن معرفة رتبة الإنسان الكامل بمعزل والله جعله مسجوداً للملائكة المقربين لما أودع فيه من سر الخلافة، فيختارون الملائكة على الأنبياء كما {قَالُوۤاْ} [الإسراء: 94] متعجبين: {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94].
همام الصنعاني
تفسير : 1623- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً}: [الآية: 90]، قال: عيوناً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):