١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
89
Tafseer
الرازي
تفسير : وهذا الكلام يحتمل وجوهاً. أحدها: أنه وقع التحدي بكل القرآن كما في هذه الآية، ووقع التحدي أيضاً بعشر سور منه كما في قوله تعالى: { أية : فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } تفسير : [هود: 13] ووقع التحدي بالسورة الواحدة كما في قوله تعالى: { أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } تفسير : [البقرة: 23] ووقع التحدي بكلام من سورة واحدة كما في قوله: { أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ } تفسير : [الطور: 34] فقوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ } يحتمل أن يكون المراد منه التحدي كما شرحناه، ثم أنهم مع ظهور عجزهم في جميع هذه المراتب بقوا مصرين على كفرهم. وثانيها: أن يكون المراد من قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ } أنا أخبرناهم بأن الذين بقوا مصرين على الكفر مثل قوم نوح وعاد وثمود كيف ابتلاهم بأنواع البلاء وشرحنا هذه الطريقة مراراً وأطواراً ثم إن هؤلاء الأقوام يعني أهل مكة لم ينتفعوا بهذا البيان بل بقوا مصرين على الكفر. وثالثها: أن يكون المراد أنه تعالى ذكر دلائل التوحيد ونفي الشركاء والأضداد في هذا القرآن مراراً كثيرة، وذكر شبهات منكري النبوة والمعاد مراراً وأطواراً، وأجاب عنها ثم أردفها بذكر الدلائل القاطعة على صحة النبوة والمعاد، ثم إن هؤلاء الكفار لم ينتفعوا بسماعها بل بقوا مصرين على الشرك وإنكار النبوة. يريد (أبى) أكثر أهل مكة {إِلاَّ كُفُورًا } أي جحودا للحق، وذلك أنهم أنكروا ما لا حاجة إلى إظهاره، فإن قيل كيف جاز: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } ولا يجوز أن يقال ضربت إلا زيداً، قلنا لفظ أبى يفيد النفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفورا.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي وجهنا القول فيه بكل مثل يجب به الاعتبار؛ من الآيات والعبر والترغيب والترهيب، والأوامر والنواهي وأقاصيص الأوّلين، والجنة والنار والقيامة. {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} يريد أهل مكة، بيّن لهم الحقّ وفتح لهم وأمهلهم حتي تبيّن لهم أنه الحق، فأبوا إلا الكفر وقت تبيّن الحق. قال المهدويّ: ولا حجة للقدريّ في قولهم: لا يقال أبى إلا لمن أبى فعل ما هو قادر عليه؛ لأن الكافر وإن كان غير قادر على الإيمان بحكم الله عليه بالإعراض عنه وطبعه على قلبه، فقد كان قادراً وقت الفسحة والمهلة على طلب الحق وتمييزه من الباطل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } بيَّنَّا {لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ } صفة لمحذوف أي (مثلاً من جنس كل مَثَل ليتعظوا) {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ } أي أهل مكة {إِلاَّ كُفُورًا } جحوداً للحق.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية تنبه على فضل الله في القرآن على العالم، وتوبيخ للكفار منهم على قبيح فعلهم، وتصريف القول هو ترديد البيان عن المعنى، وقرأ الجمهور "صرّفنا" بتشديد الراء، وقرأ الحسن "صرَفنا" بفتح الراء خفيفة، وقوله {من كل مثل} يجوز أن تكون {من} لابتداء الغاية، ويكون المفعول بـ {صرفنا} مقدراً تقديره "ولقد صرفنا في هذا القرآن التنبيه والعبر من كل مثل ضربناه"، ويجوز أن تكون مؤكدة زائدة، التقدير "ولقد صرفنا كل مثل"، وهذا كقوله تعالى: {أية : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} تفسير : [البقرة: 125]. وقوله {فأبى} عبارة عن تكسب الكفار الكفر وإعراضهم عن الإيمان، وفي العبارة يأبى تغليظ، والكفر بالخلق والاختراع هو من فعل الله تعالى، وبالتكسب والدؤوب هو من الإنسان، و {كفوراً} مصدر كالخروج، وقوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك} الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "حتى تُفجّر"، وقرأ عاصم وحمزة الكسائي حتى "تَفجُر" بفتح التاء وضم الجيم، وفي القرآن {أية : فانفجرت} تفسير : [البقرة: 60]، وانفجر مطاوع فجر فهذا مما يقوي القراءة الثانية، وأما الأولى فتقتضي المبالغة في التفجير. و"الينبوع" الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير، وطلبت قريش هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وإياها عنوا بـ {الأرض}، وإنما يراد بإطلاق لفظة {الأرض} هنا الأرض التي يكون فيها المعنى المتكلم فيه، كقوله {أية : أو ينفوا من الأرض} تفسير : [المائدة: 33] فإنما يريد من أرض تصرفهم وقطعهم السبل ومعاشهم، وكذلك أيضاً اقتراحهم الجنة إنما هو بمكة لامتناع ذلك فيها، وإلا ففي سائر البلاد كان ذلك يمكنه وإنما طلبوه بأمر إلهي في ذلك الموضع الجدب، وقرأ الجمهور "جنة"، وقرأ "حبة" المهدوي، وقوله {فتفجّر}. تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، كغلقت الأبواب، و {خلالها} ظرف، ومعناه أثناءها وفي داخلها، وروي في قول هذه المقالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث طويل، مقتضاه حديث : أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وعبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث وغيرهم من مشيخة قريش وسادتها، اجتمعوا عليه فعرضوا عليه أن يملكوه إن أراد الملك، أو يجمعوا له كثيراً من المال إن أراد الغنى، أو يطبوه إن كان به داء ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك إلى الله، وقال "إنما جئتكم عند الله بأمر فيه صلاح دينكم ودنياكم، فإن سمعتم وأطعتم فحسن، وإلا صبرت لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم بما شاء"، فقالوا له حينئذ فإن كان ما تزعمه حقاً ففجر ينبوعاً ونؤمن لك، ولتكن لك جنة إلى غير ذلك مما كلفوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا كله إلى الله، ولا يلزمني هذا ولا غيره، وإنما أنا مستسلم لأمر الله"تفسير : ، هذا هو معنى الحديث. وفي الألفاظ اختلاف وروايات متشعبة يطول سوق جميعها، فاختصرت لذلك. وقوله تعالى: {أو تسقط السماء} الآية، قرأ الجمهور "أو تُسقط" بضم التاء، "السماءَ" نصب، وقرأ مجاهد "أو تَسقط السماءُ" برفع "السماءُ" وإسناد الفعل إليها، وقوله {كما زعمت} إشارة إلى ما تلي عليهم قبل ذلك في قوله عز وجل {أية : إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} تفسير : [سبأ: 9]، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي "كسْفاً" بسكون السين إلا في الروم، فإنهم حركوها، ومعناه قطعاً واحداً، قال مجاهد: السماء جميعاً وتقول العرب: كسفت الثوب ونحوه قطعته، فـ "الكسَف" بفتح السين المصدر، والكسف الشيء المقطوع، قال الزجاج: المعنى أو تسقط السماء علينا قطعاً، واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته. قال القاضي أبو محمد: وليس بمعروف في دواوين اللغة كسف بمعنى غطى، وإنما هو بمعنى قطع، وكأن كسوف الشمس والقمر قطع منهما، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر "كسَفاً" بفتح السين أي قطعاً جمع كسفه، وقوله {قبيلاً} قيل معناه مقابلة وعياناً، وقيل معناه ضامناً وزعيماً بتصديقك، ومنه القبالة وهي الضمان والقبيل، والمتقبل الضامن، وقيل معناه نوعاً وجنساً لا نظير له عندنا، وقرأ الأعرج "قبلاً" وقيل بمعنى المقابلة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي رددنا وكررنا من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه. وقيل: معناه من كل وجه من العبر والأحكام والوعد والوعيد والقصص وغيره {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} أي جحوداً. قوله سبحانه وتعالى {وقالوا لن نؤمن لك} أي لن نصدقك {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} لما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه معجزات أخر وبينات، ولزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتغالون باقتراح الآيات، فقالوا: لن نؤمن لك. روى عكرمة عن ابن عباس"حديث : أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البختري بن هشام والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل، ونبيهاً ومنبهاً ابني الحجاج اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إليّ محمداً فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بدء، وكان حريصاً يحب رشدهم حتى جلس إليهم فقالوا: "يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك. لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، ما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت تريد الشرف سودناك علينا وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئي تراه قد غلب عليك لا تستطيع رده بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه ونعذر فيك وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم، ولا للشرف عليكم ولا للملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن ترده عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم فقالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منّا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد أضيق بلاداً ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا ويفجر لنا فيها الأنهار كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صدقوك صدقناك. فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: ما بهذا بعثت فقد بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه فهو حظكم وإن تردوه أصبر لأمر الله تعالى. قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل لنا ربك أن يبعث ملكاً يصدقك، وسله أن يجعل لك جنات وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يعينك بها على ما تريد، فإنك بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه فقال: ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً. قالوا: فأسقط السماء كما زعمت إن ربك إن شاء فعل. فقال: ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم""تفسير : . وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلاً فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبدالله بن أبي أمية، هو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً يعرفون بها منزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تجعل ما تخوفهم به من العذاب، فلم تفعل فوالله ما أؤمن لك أبداً حتى تتخذ إلى السماء مرقى ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها فتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً من مباعدتهم فأنزل الله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض} يعني أرض مكة {ينبوعاً} أي عيوناً أو {أو تكون لك جنة من نخيل وعنب} أي بستان فيه نخيل وعنب {فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً} أي تشقيقاً {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} أي قطعاً {أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً} قال ابن عباس: كفيلاً أي يكفلون بما تقول. وقيل هو جمع القبيلة أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة، يشهدون لك بصحة ما تقول. وقيل: معناه تراهم مقابلة عياناً {أو يكون لك بيت من زخرف} أي من ذهب وأصله الزينة {أو ترقى} أي تصعد {في السماء ولن نؤمن لرقيك} أي لأجل رقيك {حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه} أمرنا فيه باتباعك وهذا قول عبد الله بن أبي أمية {قل} أي قل يا محمد {سبحان ربي} أمره بتنزيهه وتمجيده وفيه معنى التعجب {هل كنت إلا بشراً رسولاً} أي كسائر الرسل لأممهم وكان الرسل لا يؤتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات، فليس أمر الآيات إليهم إنما هو إلى الله تعالى، ولو أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل ولكن لا ينزل الآيات على ما اقترحه البشر وما أنا إلا بشر، وليس ما سألتم في طرق البشر واعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله، مثل القرآن وانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه وما أشبهها من الآيات، وليست بدون ما اقترحوه بل هي أعظم مما اقترحوه والقوم عامتهم كانوا متعنتين ولم يكن قصدهم طلب الدليل ليؤمنوا فرد الله تعالى عليهم سؤالهم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} الآية. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا}: مفعول محذوف، وقيل: "مِنْ" زائدة في "مِنْ كلِّ مَثلٍ" وهو المفعول، قاله ابن عطية، وهو مذهب الكوفيين و الأخفش. وقرأ الحسن: "صَرَفْنَا" بتخفيف الراء، وتقدَّم نظيره. فصل في ذكر الوجوه المحتملة في هذا الكلام هذا الكلام يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه وقع التحدِّي بكلِّ القرآن؛ كما في هذه الآية، ووقع التحدِّي بسورة واحدة؛ كما في قوله: {أية : فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} تفسير : [الطور: 34] فقوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} يحتمل أن يكون المراد منه التحدِّي؛ كما شرحناه، ثم إنهم مع ظهور عجزهم عن جميع هذه المراتب، صاروا مصرِّين على كفرهم. وثانيها: أن يكون المراد من "من كُلِّ مثلٍ": أنَّا أخبرناهم بأنَّ الذين بقوا مصرِّين على الكفر؛ مثل قوم نوحٍ، وعادٍ، وثمود - ابتلاهم الله بأنواع البلاء - وشرحنا هذه الطريقة مراراً - ثم إنَّ هؤلاء الأقوام - يعني أهل مكَّة - لم ينتفعوا بهذا البيان، بل أصرُّوا على الكفر. وثالثها: أن يكون المراد من "مِنْ كلِّ مثلٍ": مِنْ كلِّ وجهٍ من العبر، والأحكام والوعد، والوعيد، وغيرها. ورابعها: أن يكون المراد ذكر دلائل التوحيد، ونفي الشركاء في هذا لقرآن مراراً كثيرة، وذكر شبهات منكري النبوَّة، والمعاد؛ وأجاب عنها، ثمَّ أردفها بذكر الدَّلائل القاطعة على صحَّة النبوة، والمعاد، ثم إنَّ هؤلاء الكفَّار لم ينتفعوا بسماعها، بل بقوا مصرِّين على الشِّرك، وإنكار النُّبوَّة. قوله: "إلاَّ كُفوراً" مفعول به، وهو استثناءٌ مفرَّغ؛ لأنَّه في قوة: لم يفعلوا إلاَّ الكفور. والمعنى: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} يعني: أهل مكَّة، {إِلاَّ كُفُوراً} أي: جحوداً للحقِّ. فإن قيل: كيف جاز: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} ولا يجوز أن يقال: ضربتُ إلا زيداً؟. فالجواب: إنَّ لفظة: "أبَى" تفيد النَّفي؛ كأنه قيل: فلم يؤمنوا إلاَّ كفوراً. قوله: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} الآية. قرأ الكوفيُّون ["تَفْجُرَ"] بفتح التَّاء، وسكون الفاء، وضم الجيم خفيفة، مضارع "فَجَرَ" واختاره أبو حاتم؛ قالوا: لأنّ الينبوع واحدٌ، والباقون، بضمِّ التاء، وفتح الفاء، وكسر الجيم شديدة، مضارع "فجَّر"، للتكثير، ولم يختلفوا في الثانية: أنَّها بالتثقيل للتصريح بمصدرها، وقرأ الأعمش "تُفْجِرَ" بضمِّ التاء، وسكون الفاء، وكسر الجيم خفيفة، مضارع "أفْجرَ" بمعنى "فَجرَ" فليس التضعيفُ، ولا الهمزة معدِّيينِ. فمن ثقَّل، أراد كثيرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحداً، فلكثرة الانفجار فيه يحسن أن يثقَّل؛ كما تقول: ضرَّب زيدٌ، إذا كثر الضَّربُ منه؛ لكثرة فعله، وإن كان الفاعل واحداً، ومن خفَّف؛ فلأن الينبوع واحدٌ. و "يَنْبُوعاً" مفعول به، ووزنه "يَفعُولٌ"؛ لأنه من النَّبعِ، واليَنبُوعُ: العين تفور من الأرض. فصل فيما يثبت صدق النبوة اعلم أنَّه تعالى لمَّا بيَّن بالدليل كون القرآن معجزاً، وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم، فحينئذٍ: تمَّ الدليل على كونه نبيًّا صدقاً؛ لأنَّا نقول: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ادَّعى النبوة، وأظهر المعجزة على وفق دعواه، وكلُّ من كان كذلك، كان نبيًّا صادقاً؛ فهذا يدلُّ على أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم صادقٌ، وليس من شرط كونه نبيًّا صادقاً تَواترُ المعجزات الكثيرة، وتواليها؛ لأنَّا لو فتحنا هذا الباب، للزم ألاَّ ينقطع فيه، وكلما أتى الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - بمعجز، اقترحوا عليه معجزاً آخر، ولا ينتهي الأمر فيه إلى حدِّ ينقطع عنده عناد المعاندين؛ لأنَّه تعالى حكى عن الكفَّار: أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزاً، التمسُوا من الرسُول - عليه الصلاة والسلام - ستَّة أنواعٍ من المعجزات الباهرات، كما روى عكرمة، عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - حديث : أنَّ رؤساء أهل مكَّة، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوسٌ عند الكعبة، فقالوا: يا محمد، إنَّ أرض مكَّة ضيقةٌ، فسير جبالها؛ لننتفع فيها، وفجِّر لنا ينبوعاً، أي: نهراً، وعيوناً نزرع فيها، فقال: "لا أقدر عليه". فقال قائلٌ منهم: أو يكون لك جنّة من نخيل وعنبٍ فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، فقال: "لا أقْدرُ عَليْهِ" فقيل: أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ، أي: من ذهبٍ، فيُغْنِيكَ عَنَّا، فقال: "لا أقدِرُ عَليْهِ" فقيل له: أما تَسْتطِيعُ أن تَأتي قوْمكَ بِمَأ يسْألُونكَ؟ فقال: لا أسْتطِيعُ، فقالوا: فإذا كنت لا تَسْتطِيعُ الخير، فاسْتطعِ الشَّر، فأرسل السَّماء؛ كما زَعمْتَ، عَليْنَا كِسَفاً . تفسير : قرأ العامة "تُسْقِطَ" بإسناد الفعل للمخاطب، و "السَّماء" مفعول بها، ومجاهد على إسناده إلى "السَّماء" فرفعها به. وقرأ نافع، و ابن عامرٍ، وعاصم "كِسَفاً" هنا، بفتح السِّين، وفعل ذلك حفصٌ في الشعراء [الآية: 187] وفي سبأ [الآية: 9]، والباقون يسكنونها في المواضع الثلاثة، وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم [الآية: 48]؛ بلا خلافٍ، وهشام عنه الوجهان، والباقون بفتحها. فمن فتح السين، جعله جمع كسفةٍ؛ نحو: قِطعَةٍ وقِطَع، وكِسْرةٍ وكِسرٍ، ومن سكَّن، جعله جمع كسفة أيضاً على حدِّ: سِدْرةٍ وسِدْرٍ، وقِمْحَةٍ وقِمَحٍ. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين: أحدهما: أنه جمعٌ على "فَعَلٍ" بفتح العين، وإنما سكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة، حيث يقدر فيه غيرها، فكيف بالحرف الصحيح؟. قال: والثاني: أنه "فَعْلٌ" بمعنى "مَفْعُولٍ"؛ كـ "الطحْن" بمعنى "مَطْحُون"؛ فصار في السكون ثلاثة أوجهٍ. وأصل الكسفِ: القطع، يقال: كسَفْتُ الثَّوبَ قطعته؛ وفي الحديث في قصَّة سليمان مع الصَّافناتِ الجياد: أنه "حديث : كَسَفَ عَراقِيبهَا"تفسير : ، أي: قطعها. فصل في معنى الكسف قال اللَّيثُ: الكسف: قطع العرقوب، قال الفرَّاء: وسمعتُ أعرابيًّا يقول لبزَّاز: أعطني كسفةً، وقال الزجاج: "كَسفَ الشيء بمعنى غطَّاهُ"، قيل: ولا يعرفُ هذا لغيره. وانتصابه على الحال في القراءتين فإن جعلناه جمعاً، كان على حذفِ مضاف، أي: ذات كسفٍ، وإن جعلناه "فِعْلاً" بمعنى "مَفعُول" لم يحتج إلى تقدير، وحينئذ: فإن قيل لِمَ لمْ يُؤنَّث؟ فالجواب: لأنَّ تأنيثه أعني: السَّماء غير حقيقيٍّ، أو بأنها في معنى السَّقف. قوله: "كَمَا زعَمْتَ": نعت لمصدر محذوف، أي: إسقاطاً مثل مزعومك؛ كذا قدَّره أبو البقاء. فصل في المراد بالآية قال عكرمة: {كَمَا زَعَمْتَ}، يا محمد: أنَّك نبيٌّ، "فأسْقِط" السماء علينا كسفاً. وقيل: كما زعمت أن ربَّك إن شاء فعل، وقيل: المراد قوله: {أية : أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} تفسير : [الإسراء: 68]. فقيل: اجعل السَّماء قطعاً متفرقة؛ كالحاصب، وأسقطها علينا. قوله: {أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً}. القَبِيلُ: بمعنى: المقابل؛ كالعشير، بمعنى: المُعاشِر. وقال ابن عباس: فوجاً بعد فوجٍ. وقال الليث: كلُّ جندٍ من الجنِّ والإنسِ قبيلٌ، وقيل: كفيلاً، أي ضامناً. قال الزجاج: يقال: قبلتُ به أقبل؛ كما يقال: كفلت به أكفل، وعلى هذا: فهو واحدٌ أريد به الجمعُ؛ كقوله: {أية : وَحَسُنَ أُوْلَـٰئِكَ رَفِيقاً} تفسير : [النساء: 69]، وقال أبو عليِّ: معناه المعاينة؛ كقوله تعالى: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا} تفسير : [الفرقان: 21]. قوله: "قَبِيلاً" [حالٌ من "الله، والمَلائِكَةِ" أو من أحدهما، والآخر محذوفة حاله، أي: بالله قبيلاً، والملائكة قبيلاً؛] كقوله: [الطويل] شعر : 3465-............. كُنْتُ مِنهُ ووالِدي بَرِيئاً............... تفسير : وكقوله: [الطويل] شعر : 3466-........................ فَإنِّي وقيَّارٌ بِهَا لغَرِيبُ تفسير : ذكره الزمخشريُّ، هذا إذا جعلنا "قَبِيلاً" بمعنى كفيلاً، أي: "ضَامِناً" أو بمعنى "معاينة" كما قاله الفارسي، وإن جعلناه بمعنى "جَماعَة" كان حالاً من "المَلائِكَة". وقرأ الأعرج "قِبَلاً" من المقابلة. قوله {أَوْ تَرْقَىٰ}: فعل مضارع [منصوبٌ] تقديراً؛ لأنه معطوفٌ على "تَفْجُرَ"، أي: أو حتَّى ترْقَى في السَّماء، [أي:] في معارجها، والرقيُّ: الصعود، يقال: رَقِيَ، بالكسر، يرقى، بالفتح، رقيًّا على فعولٍ، والأصل: "رُقُوي" فأدغم بعد قلب الواو ياء، ورقياً بزنة ضربٍ، قال الراجز: [الرجز] شعر : 3467- أنْتَ الَّذي كَلَّفتَنِي رقْيَ الدَّرجْ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرجْ تفسير : قوله تعالى: {نَّقْرَؤُهُ} يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون نعتاً لـ "كتاباً". والثاني: أن يكون حالاً مِنْ "نَا" في "عَليْنَا"؛ قاله أبو البقاء، وهي حال مقدرة؛ لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله، لا في حال إنزاله. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: لمّا قال المشركون: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُر لَنَا} الآيات، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معهُ عبدُ الله بن أميَّة، وهو ابنُ عمَّته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا محمد، عرض عليك قومُك ما عرضُوا، فلم تقبلهُ منهم، ثمَّ سألوكَ لأنفسهم أموراً يعرفون بها منزلتك من الله تعالى، فلم تفعل، ثمَّ سألوك أن تعجِّل ما تُخوِّفهم به، فلم تفعل، فوالله لا أومن بك حتَّى تتَّخذ إلى السَّماء سلَّماً ترقى فيه، وأنا أنظر حتَّى تأتيها، وتنزل بنُسخةٍ منشورةٍ، ومعك نفرٌ من الملائكةِ يشهدون لك بما تقولُ. وأيم الله، لو فعلت ذلك، لظننتُ أنِّي لا أصدِّقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسل حزيناً لما يرى من مباعدتهم. ثم قال تعالى: قل، يا محمد: {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} أمره بتنزيهه، وتمجيده، أي: أنَّه لو أراد أن ينزل ما طلبوا، فلعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر. واعلم أنَّه تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآياتِ والمعجزات ما يغني عن هذا كلِّه مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير العيون من بين الأصابع، وما أشبهها، والقوم عامَّتهم كانوا متعنِّتين، لم يكن قصدهم طلب الدَّليل؛ ليؤمنوا، فردَّ الله عليهم سؤالهم. قوله: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} قرأ ابن كثير، وابن عامرٍ "قال" فعلاً ماضياً؛ إخباراً عن الرسول - عليه الصلاة والسلام - بذلك، والباقون "قُلْ" على الأمر أمراً منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وهي مرسومة في مصاحف المكيين والشاميين: "قال" بألف، وفي مصاحف غيرهم "قل" بدونها، فكل وافق مصحفه. قوله: {إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} يجوز أن يكون "بَشَراً" خبر "كُنْتُ" و "رَسُولاً" صفته، ويجوز أن يكون "رَسُولاً" هو الخبر، و "بَشَراً" حال مقدمة عليه. فصل في استدلالهم بهذه الآية استدلُّوا بهذه الآية على أن المجيء على الله والذهاب محالٌ؛ لأنَّ كلمة "سبحان" للتنزيه عمَّا لا ينبغي. فقوله: {سُبْحَانَ رَبِّي}: تنزيه لله تعالى عن شيءٍ لا يليقُ به، وذلك تنزيهٌ الله عما نسب إليه ممَّا تقدَّم ذكره، وليس فيما تقدَّم ذكره شيء مما لا يليقُ بالله إلا قولهم: أو تأتي بالله، فدلَّ على أنَّ قوله: "سُبحانَ ربِّي" تنزيهٌ لله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في الإتيان، والمجيء؛ فدلَّ ذلك على فساد قول المشبهة. فإن قالوا: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في اقتراح الأشياء؟. فالجواب: أنَّ القوم لم يتحكَّموا على الله، وإنما قالوا للرسول: إن كنت نبيًّا صادقاً، فاطلب من الله أن يشرِّفك بهذه المعجزات، فالقوم إنَّما تحكَّموا على الرسول صلى الله عليه وسلم لا على الله، فلا يليقُ حمل قوله: {سُبْحَانَ رَبِّي} على هذا المعنى، فيجب حمله على قولهم {أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ}. فصل في تقرير هذا الجواب اعلم أنَّ تقرير هذا الجواب: أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنَّكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء، أو طلبتم منِّي أن أطلب من الله إظهارها على يديَّ؛ لتدلَّ لكم على كوني رسولاً حقًّا من عند الله. والأول باطلٌ؛ لأنِّي بشر، والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء. والثاني أيضاً: باطل؛ لأنِّي قد أتيتكم بمعجزة واحدة، وهي القرآن، فطلب هذه المعجزات طلبٌ لما لا حاجة إليه، وكان طلبها يجري مجرى التعنُّت والتحكُّم، وأنا عبدٌ مأمورٌ ليس لي أن أتحكَّم على الله؛ فسقط هذا السؤال؛ فثبت كونُ قوله: {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} جواباً كافياً في هذا الباب.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} كررنا وردّدنا على أنحاءٍ مختلفةٍ توجب زيادةَ تقريرٍ وبـيان ووَكادةِ رسوخٍ واطمئنان {لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ} المنعوتِ بما ذكر من النعوت الفاضلة {مِن كُلّ مَثَلٍ} من كل معنى بديعٍ هو الحسنُ والغرابةُ واستجلابُ النفسِ كالمَثَل ليتلقَّوْه بالقبول {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} أوثر الإظهارُ على الإضمار تأكيداً وتوضيحاً {إِلاَّ كُفُورًا} أي إلا جُحوداً، وإنما صح الاستثناءُ من الموجبُ مع أنه لا يصِح ضربتُ إلا زيداً لأنه متأوّل بالنفي كأنه قيل: ما قَبِل أكثرُهم إلا كفوراً، وفيه من المبالغة ما ليس في أبَوْا الإيمانَ لأن فيه دِلالةً على أنهم لم يرضَوا بخَصلة سوى الكفورِ من الإيمان والتوقفِ في الأمر ونحو ذلك وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبةَ الإباءِ. {وَقَالُواْ} عند ظهور عجزهم ووضوحِ مغلوبـيّتِهم بالإعجاز التنزيليّ وغيرِه من المعجزات الباهرةِ متعللين بما لا يمكن في العادة وجودُه ولا تقتضي الحكمةُ وقوعَه من الأمور كما هو دَيدَنُ المبهوتِ المحجوج {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ} وقرىء بالتشديد {لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ} أرضِ مكة {يَنْبُوعًا} عيناً لا ينضُب ماؤُها، يفعولٌ من نبع الماءُ كيعْبوب من عبّ الماءَ إذا زحَر. {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ} أي بستانٌ تسترُ أشجارُه ما تحتها من العَرْصة {مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ ٱلأَنْهَـٰرَ} أي تجريها بقوة {خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا} كثيراً، والمرادُ إما إجراءُ الأنهارِ خلالها عند سقْيها أو إدامةُ إجرائِها كما ينبىء عنه الفاءُ لا ابتداؤه {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} جمع كِسْفة كقطعة وقِطَع لفظاً ومعنى، وقرىء بالسكون كسِدْرة وسِدْر وهي حالٌ من السماء والكاف في كما في محل النصبِ على أنه صفةُ مصدرٍ محذوف أي إسقاطاً مماثلاً لما زعمتَ يعنُون بذلك قولَه تعالى: {أية : أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء} تفسير : [سبأ: 9]. {أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ قَبِيلاً} أي مقابلاً كالعشير والمعاشِر أو كفيلاً يشهد بصِحة ما تدعيه، وهو حالٌ من الجلالة وحالُ الملائكةِ محذوفةٌ لدِلالتها عليها أي والملائكةِ قُبَلأَ كما حذف الخبرُ في قوله: [الطويل] شعر : [فمن يَكُ أمسى بالمدينة رَحْلُهُ] فإني وقيّارٌ بها لغريبُ تفسير : أو جماعةً فيكون حالاً من الملائكة.
القشيري
تفسير : لا شيءَ أَحْظَى عند الأحباب من كتاب الأحباب، فهو شفاء من داء الضنى، وضياء لأسرارهم عند اشتداد البَلاَ، وفي معناه أنشدوا: شعر : وكتبك حولي لا تفارق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد صرفنا} اى بالله قد رددنا وكررنا بوجوه مختلفة توجب زيادة تقرير وبيان ووكادة رسوخ واطمئنان {للناس فى هذا القرآن} المنعوت بالنعوت الفاضلة {من كل مثل} من كل معنى بديع هو كالمثل فى الغرابة والحسن واستجلاب النفس ليتلقوه بالقبول {فابى اكثر الناس الا كفورا} جحودا وانكارا للحق وانما جاز الاستثناء من الموجب مع انه لا يصح ضربت الا زيد لانه متأول بالنفى مثل لم يرد ولم يرض وما قبل وما اختار. وفى الآية فوائد. منها ان القرآن العظيم اجل النعم واعظمها فوجب على كل عالم وحافظ ان يقوم بشكره ويحافظ على اداء حقوقه قبل ان يخرج الامر من يده. وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان اول ما تفقدون من دينكم الامانة وآخر ما تفقدون الصلاة وليصلين قوم ولا دين لهم وان هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شئ فقال رجل كيف ذلك وقد اثبتناه فى قلوبنا واثبتناه فى مصحافنا نعلم ابناءنا ويعلم ابناؤنا ابناءهم فقال يسرى عليه ليلا فيصبح الناس منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما فى القلوب. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث نزل له دوى حول العرش كدوى النحل فيقول الرب تعالى مالك فيقول يا رب اتلى ولا يعمل بى اتلى ولا يعمل بى وفى الحديث"حديث : ثلاثة هم الغرباء فى الدنيا القرآن فى جوف الظالم والرجل الصالح فى قوم سوء والمصحف فى بيت لا يقرأ منه"تفسير : قال الشيخ سعدى شعر : علم جندانكه بيشتر خوانى جون عمل نيست نادانى نه محقق بود نه دانشمند جار بايى برو كتاب جند آن تهى مغزرا جه علم وخبر كه برو هيزمست ويا دفتر تفسير : وقال شعر : عالم اندرميان جاهل را مثلى كفته اند صديقان شاهدى درميان كورانست مصحفى درسيان زنديقان تفسير : ومنها انه ليس فى استعداد الانسان ولا فى مخلوق غيره ان يأتى بكلام جامع مثل كلام الله تعالى له عبارة فى غاية الجزالة والفصاحة واشارة فىغاية الدقة والحذاقة ولطائف فى غاية اللطف والنظافة وحقائق فى غاية الحقية والنزاهة. قال جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنهما عبارة القرآن للعوام والاشارة للخواص واللطائف للاولياء والحقائق للانبياء: وفى المثنوى شعر : خوش بيان كرد آن حكيم غزنوى بهر محجوبان مثال معنوى كه زقرآن كرنه بيند غير قال اين عجب نبود ز اصحاب ضلال كز شعاع آفتاب بر زنور غير كرمى مى نيابد جشم كور تو زقرآن اى بسر ظاهر مبين ديو آدم را نبيند جز كه طين ظاهر قرآن جو شخص آدميست كه نقوشش ظاهر وجانش خفيست تفسير : اعلم ان القرآن غير مخلوق لانه صفة الله تعالى وصفاته باسرها ازلية غير مخلوقة. قال ابو حنيفة رحمه الله فمن قال انها مخلوقة او وقف فيها او شك فيها فهو كافر بالله وما ذكر من الوجوه الدالة على حدوث اللفظ فهو غير المتنازع فيه عند الاشعرية والمنصورية ايضا كمن قال بان كلامه تعالى حرف وصوت يقومان بذاته ومع ذلك قديم واعجب من هذا قولهم الجلد والعلاقة قديمان ايضا. وفى الفتوحات المكية قدس الله سر مصدرها ان المفهوم من كون القرآن حروفا امران الامر الواحد يسمى قولا وكلاما ولفظا والامر الآخر يسمى كتابة ورقما وخطا والقرآن يخط فله حروف الرقم وينطق به فله حروف اللفظ فهل يرجع كونه حروفا منطوقا بها لكلام الله الذى هو صفته او للمترجم عنه. فاعلم انه قد اخبرنا نبيه صلى الله عليه وسلم انه سبحانه يتجلى فى يوم القيامة بصورة مختلفة فيعرف وينكر فمن كان حقيقته تقبل التجلى لا يبعد ان يكون الكلام بالحروف المتلفظ بها المسماة كلاما لبعض تلك الصور كما يليق بجلاله وكما تقول تجلى فى صورة كما يليق بجلاله كذلك تقول تكلم بحرف وصوت كما يليق بجلاله وقال رضى الله عنه بعد كلام طويل فاذا تحققت ما قررناه يثبت ان كلام الله هو هذا المتلو المسموع المتلفظ به المسمى قرآنا وتوراة وزبور وانجيلا انتهى. قال بعضهم كلام الله عين المتكلم فى رتبة ومعنى قائم به فى اخرى كالكلام النفسى وانه مركب من الحروف ومتعين بها فى عالمى المثال والحسن يحسبهما. ومنها ان اكثر الناس لا يعرفون قدر النعم الالهية ولا يتنبهون للتنبيهات الربانية فواحد من الالف للجنة وبعث الباقى الى النار وهم الجهلاء الذين اعرضوا عن الحق وتعلمه: وفى المثنوى شعر : بند كفتن باجهول خوابناك تخم افكندن بوددرشوره خاك جاك حمق وجهل نبذيرد رفو تخم حكمت كم دهش اى بندكو
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} كرّرنا فى الفاظٍ مختلفةٍ وعباراتٍ متوافقةٍ ومتخالفةٍ {لِلنَّاسِ} لانتفاعهم وتذكّرهم {فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} جملة القرآن او قرآن ولاية علىّ (ع) كما اشير اليه فى الخبر {مِن كُلِّ مَثَلٍ} اى من كلّ حكايةٍ وقصّةٍ من حكايات الاخيار والاشرار الّتى صارت امثالاً واسماراً يعنى كرّرنا شيئاً من تلك الحكايات فى عباراتٍ مختلفةٍ مثل ذكر حكاية موسى (ع) مع فرعون ومع قومه ومع خضرٍ (ع) فمفعول صرّفنا محذوف، ولفظة من فى كلّ مثل للتّبعيض فانّ المذكور فى القرآن ليس الاّ بعضاً من كلّ حكاية اجمالاً، ولفظة كلّ للمبالغة فانّ المذكور ليس من كلّ الحكايات والامثال {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} من الاعتبار بها والاستدلال بها على آلهتنا او على صدق نبوّتك او على صدقك فى ولاية علىٍّ (ع) {إِلاَّ كُفُوراً} بالله او بنبوّتك او بولاية علىّ (ع) وفى الخبر انّما نزل جبرئيل (ع) فأبى اكثر الناس بولاية علىّ (ع) الاّ كفوراً.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} كررنا بوجوه مختلفة زيادة فى التقرير والبيان أو بينا. {لِلنَّاسِ} ليتعظوا. {فِى هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلٍّ مَثَلٍ} أى مثلا من جنس كل مثل والمراد بالمثل المعنى الذى هو كالمثل فى غرابته ووقوعه فى النفس موقعاً راسخاً ومن ذلك العبرة والأَحكام والوعد والوعيد والقصص وغير ذلك. {فَأَبَى أكْثَرُ النَّاسِ} أهل مكة. {إِلاَّ كُفُوراً} جحوداً للحق وإِنما صح هنا الاستثناء المفرغ معن أنه لم يتقدم حرف النفى مثل لا وإلا فعل النفى كليس لأَن الإِباء منع والمنع نفى كما قال الشاعر: شعر : تغير إِلا النوء والوتد
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} أى كررنا، والمفعول به محذوف، أى صرفنا البينات والعِبَر {لِلنَّاسِ} مطلقًا أو أهل مكة. {فِى هذَا القُرْآنِ} أو المفعول محذوف منعوت بقوله: {مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} أى أنواعًا ثابتة من كل معنى شبيه بالغرابة والوقوع فى النفس للمثل، والمراد المواعظ والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والاستدلال على ما يحق اعتقاده، وما يحق العمل به، ويبطل الباطل ليتعظوا ويذعنوا. {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ} مطلقًا أو أكثر أهل مكة {إِلاّ كُفُورًا} بالحق عناداً إذ لم يقدروا على الإتيان بمثله، وفى أبى معنى النفى فساغ التفريغ كأنه قيل فما فعلوا إلا كفُوراً، ويتقوى أن المراد أهل مكة بقوله: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ} نذعن بالإيمان {لَكَ} إلخ لأن قائلى ذلك أهل مكة والعطف على أبى إِلخ. وهذا مما أداهم إليه عجزهم عن الإتيان بمثله. {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ} أرض مكة {يَنْبُوعًا} عينًا ماؤها كثير لا يزول، ولذلك كان اللافظ بوزن بفعول من النبع كيعيوب من عب الماء إِذا كثر وماج. اجتمع نفر منهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والأسود ابن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وعبد الله بن أبى أمية، وأمية بن خلف وغيرهم عند الكعبة، عند غروب الشمس، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إن جئت بهذا الحدث أى القرآن تبتغى به مالا جمعنا لك ما تكون به أغنانا، أو شرفًا سودناك علينا، أو ملكاً ملَّكناك علينا، أو غلب عليك جنى سعينا بأموالنا لنزيله بالطب. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا شئ من ذلك، لكن بعثنى الله رسولا إليكم، وأنزل علىَّ كتابًا، وأمرنى أن أكون بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم، فإِن تقبلوا منى فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علىَّ أصبر لأمر الله عز وجل حتى يحكم الله بينى وبينكم ". تفسير : فقالوا: يا محمد إن كنت صادقاً فسل الله يُسيِّر عنَّا هذه الجبال المضيقة علينا، ويبسط أرضنا، ويفجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق نحرث ونغرس عليها، ويبعث علينا من آبائنا من مضى، وليكن منهم قصىّ فإنه كان شيخاً صدوقًا فنسألهم، فإن صدَّقوك صدقنا، وإلا فاسأل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك، وأن يجعل لك جنانًا وقصوراً وكنوزاً من ذهب أو فضة تعينك على معاشك فقال: حديث : ما بعثت بهذا . تفسير : وقالوا: إن كنت لا تستطيع الخير لك ولا لقومك فاستطع الشر، وأسقط علينا السماء كِسَفًا، فإن ربَّك إن شاء فعل وأخْبر ربَّك بما قُلْنا لك وأخبرنا بما أجابك به، ولن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلاً، يشهدون لك. وقال عبد الله بن أبى أمية، وهو ابن عمته صلى الله عليه وسلم عاتكة: لا أومن لك حتى تتخذ سُلَّمًا إلى السماء ترقَى فيه، ونحن ننظر فتأتى بكتاب ونفر أربعة من الملائكة يشهدون لك، وايم الله لو فعلت لا أجزم بتصديقك. فانصرف صلى الله عليه وسلم حزينًا لبُعدهم عن الهدى، فسلاه الله عز وجل فى هذه الشرط الستة بقوله: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا}.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} كررنا ورددنا على أساليب مختلفة توجب زيادة تقرير ورسوخ {لِلنَّاسِ} أهل مكة وغيرهم كما هو الظاهر {فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ} المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة {مِن كُلّ مَثَلٍ} من كل معنى بديع هو في الحسن والغرابة واستجلاب النفوس كالمثل. ومفعول {صَرَّفْنَا} على ما استظهره أبو حيان محذوف أي البيان وقدره البينات والعبر. و(من) لابتداء الغاية وجوز ابن عطية أن تكون سيف خطيب فكل هو المفعول وهذا مبني على مذهب الكوفيين والأخفش لأنهم يجوزون زيادة (من) في الإيجاب دون جمهور البصريين. وقرأ الحسن {صرفنا} بتخفيف الراء وقراءة الجمهور أبلغ، وأياً ما كان فالمراد فعلنا ذلك للناس ليذعنوا ويتلقوه بالقبول. {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} أي جحوداً وفسر به لثبوت الصدق بأصل / الإعجاز. والمراد بالناس المذكورون أولاً. وأوثر الإظهار على الإضمار تأكيداً وتوضيحاً. والمراد بالأكثر قيل: من كان في عهده صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب. واستظهر في «البحر» أنهم أهل مكة بدليل أن الضمائر الآتية لهم ونصب {كَفُورًا} على أنه مفعول أبـى. والاستثناء مفرغ وصح ذلك هنا مع أنه مشروط بتقدم النفي فلا يصح ضربت إلا زيداً لأن أبـي قريب من معنى النفي فهو مؤول به فكأنه قيل ما قبل أكثرهم إلا كفوراً وفيه من المبالغة ما ليس في أبوا الإيمان لأن فيه زيادة على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى الكفر من الإيمان والتوقف في الأمر ونحو ذلك وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء. وإنما لم يجز ذلك في الإثبات لفساد المعنى إذ لا قرينة على تقدير أمر خاص والعموم لا يصح إذ لا يمكن في المثال أن تضرب كل أحد إلا زيداً فإن صح العموم في مثال جاز التفريغ في غير تأويل بنفي فيجوز صليت إلا يوم كذا إذ يجوز أن تصلي كل يوم غيره، وجوز أن تكون الآية من هذا القبيل بأن يكون المراد أبوا كل شيء فيما اقترحوه إلا كفوراً.
ابن عاشور
تفسير : لما تحدى الله بلغاء المشركين بالإعجاز تطاول عليهم بذكر فضائل القرآن على ما سواه من الكلام، مدمجاً في ذلك النعي عليهم إذ حرموا أنفسهم الانتفاع بما في القرآن من كل مثَل. وذكرت هنا ناحية من نواحي إعجازه، وهي ما اشتمل عليه من أنواع الأمثال. وتقدم ذكر المثل عند قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما}تفسير : في سورة [البقرة: 26]. ويجوز أن يراد بالمثل الحال أي من كل حال حسن من المعاني يجدر أن يمثل به ويشبه ما يزاد بيانه في نوعه. فجملة {ولقد صرفنا} معطوفة على جملة {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} مشاركة لها في حكمها المتقدم بيانه زيادة في الامتنان والتعجيز. وتأكيدها بلام القسم وحرف التحقيق لرد أفكار المشركين أنه من عند الله، فمورد التأكيد هو فعل {صرفنا} الدال على أنه من عند الله. والتصريف تقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا}تفسير : [الإسراء: 41]. وزيد في هذه الآية قيد {للناس} دون الآية السابقة لأن هذه الآية واردة في مقام التحدي والإعجاز، فكان الناس مقصودين به قصداً أصلياً مؤمنهم وكافرهم بخلاف الآية المتقدمة فإنها في مقام توبيخ المشركين خاصة فكانوا معلومين كما تقدم. ووجه تقديم أحد المتعلقين بفعل {صرفنا} على الآخر: أن ذكر الناس أهم في هذا المقام لأجل كون الكلام مسوقاً لتحديهم والحجة عليهم، وإن كان ذكر القرآن أهم بالأصالة إلا أن الاعتبارات الطارئة تُقدّم في الكلام البليغ على الاعتبارات الأصلية، أن الاعتبارات الأصلية لتقررها في النفوس تصير متعارَفة فتكون الاعتبارات الطارئة أعز منالاً. ومن هذا باب تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر. والأظهر كون التعريف في {الناس} للعموم كما يقتضيه قوله: {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً}. وذكر في هذه الآية متعلق التصريف بقوله: {من كل مثل} بخلاف الآية السابقة، لأن ذكر ذلك أدخل في الإعجاز، فإن كثرة أغراض الكلام أشد تعجيزاً لمن يروم معارضته عن أن يأتي بمثله، إذ قد يقدر بليغ من البلغاء على غرض من الأغراض ولا يقدر على غرض آخر، فعجزهم عن معارضة سورة من القرآن مع كثرة أغراضه عجز بيِّن من جهتين، لأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله ولو في بعض الأغراض، كما أشار إليه قوله تعالى في سورة [البقرة: 23] {أية : فأتوا بسورة من مثله}تفسير : فإن (من) للتبعيض وتنوين (مثل) للتعظيم والتشريف، أي من كل مثل شريف. والمراد: شرفه في المقصود من التمثيل. و (من) في قوله: {من كل مثل}. للتبعيض، و (كل) تفيد العموم، فالقرآن مشتمل على أبعاض من جميع أنواع المثل. وحذف مفعول {أبى} للقرينة، أي أبى العمل به. وفي قوله: {إلا كفوراً} تأكيد الشيء بما يشبه ضده، أي تأكيد في صورة النقص، لما فيه من الإطماع بأن إبايتهم غير مطردة، ثم يأتي المستثنى مؤكداً لمعنى المستثنى منه، إذ الكفور أخص من المفعول الذي حذف للقرينة. وهو استثناء مُفرغ لما في فعل {أبى} من معنى النفي الذي هو شرط الاستثناء المفرغ لأن المدار على معنى النفي، مثل الاستثناء من الاستفهام المستعمل في النفي كقوله: {أية : هل كنت إلا بشراً رسولاً }تفسير : [الإسراء: 93]. والكُفور بضم الكاف المجحود، أي جحدوا بما في القرآن من هدى وعاندوا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنِ} (89) - وَلَقَدْ رَدَّدْنَا القَوْلَ فِيهِ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكَرَّرْنَا الآيَاتِ وَالعِبَرَ، وَالتَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ وَالأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ، وَأَقَاصِيصَ الأَوَّلِينَ لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ، وَلِيَتَّعِظُوا بِهَا، فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاّ كُفْراً وَجُحُوداً وَإِنْكَاراً لِلْحَقِّ، وَإِعْرَاضاً عَنْهُ. صَرَّفْنَا - رَدَّدْنَا القَوْلَ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ. مِن كُلِّ مَثَلٍ - مِنْ كُلِّ مَعْنًى غَرِيبٍ حَسَنٍ بَدِيعٍ. فَأَبَى - فَلَمْ يَرْضَ. كُفُوراً - جُحُوداً لِلْحَقِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : التصريف: هو التحويل والتنويع بأساليب مختلفة لزيادة البيان، والمراد أن القرآن الكريم لا يعالج القضايا بأسلوب رتيب جامد، بل يُحوِّل الكلام بين أساليب متعددة؛ لأنه يخاطب طباعاً متعددة، ويتعرض أيضاً لموضوعات متعددة ومعاني مختلفة، فلا بُدَّ أن يصرف الأسلوب ويَقلِبه على أكثر من وجه، فالذي لا يفهم هذه يفهم هذه، فيعرض المعنى الواحد بأساليب متعددة وأمثال مختلفة. ونأخذ مثالاً على ذلك قضية القمة، وهي الألوهية ووحدانية الله تعالى، فنرى القرآن يعرضها في معارض مختلفة هكذا: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ..}تفسير : [الأنبياء: 22]. أي: في السماء والأرض. وهذا الأسلوب قد لا يفهمه غير العربي؛ لأنه يفتقد الملَكَة اللغوية التي يتلقّى بها كلام الله، وقد يعترض فيقول: (إلا) أداة استثناء. فالمعنى: لو كان فيهما آلهة خارج منهم الله لَفَسدتَا، فلو كانت هناك آلهة ومعهم الله فهذه لا تجوز؛ لأنها مشاركة، لكنها تفيد أن الله تعالى موجود، وإنْ كان معه آخرون، والمنطق في هذه الحالة يقول: لو كان في السماء والأرض آلهة ومعهم الله لا تفسد. لكن الحقيقة أن {إِلاَّ} هنا ليس للاستثناء، بل هي اسم بمعنى (غير). فالمعنى إذن: لو كان فيهما آلهة غير الله لَفسدَتا. ثم يعرضها بأسلوب آخر، فيقول تعالى: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..}تفسير : [المؤمنون: 91]. فالحق تبارك وتعالى مُنزّه عن الولد والشريك، إذ لو كان معه إله آخر لَذهبَ كل إله بما خلق، واختصّ نفسه بمنطقة معينة، ولعلا بعضُهم على بعض، فإن أرادوا إبراز شيء للوجود، فأيّهما يبرزه؟ إنْ قدر على إبراز واحد فالآخر عاجز، وإنْ لم يقدر عليه واحد بمفرده، فهما عاجزان لا يصلحان للألوهية. ثم يعرض نفس القضية بأسلوب آخر، فيقول: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 42]. أي: إنْ كان مع الله آلهة كما يدَّعي المشركون لَذهَب هؤلاء الآلهة إلى ذي العرش يُعاتبونه أو يُؤدِّبونه، أو يُعاقبونه؛ لأنه انفرد بالملْك من دونهم. وبأسلوب آخر يقول تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [آل عمران: 18]. ولم يَأْتِ مَنْ ينازعه هذه المكانة، أو يدَّعيها لنفسه، إذن: فقد ثبتتْ له هذه القضية إلى أنْ يُوجَد معارض، فالمختلف فيه يتفق عليه إنْ لم يظهر له معارض. وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً، ولله المثل الأعلى: هَبْ أن جماعة انصرفوا من مجلس، ثم وجد صاحب البيت حافظة نقود في مكان مجلسهم فعرضها عليهم، فلم يدَّعها أحد لنفسه إلا رجل واحد قال: هي لي، أيشكُّ صاحب البيت أنها له؟ نرى هذا التصريف أيضاً في أسلوب القرآن في مسألة ادعاء أن لله تعالى ولداً، تعالى الله عَمَّا يقول المبطلون عُلُواً كبيراً، فيعرضها القرآن هكذا: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [التوبة: 30] فيردُّ القرآن هذا الزعْم بقوله تعالى: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ ..}تفسير : [الأنعام: 101]. وفي موضع آخر يعرض المسألة هكذا: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ}تفسير : [النحل: 57]. أي: فإن كنتم تريدون مقاسمة الخالق سبحانه، فهل يليق أنْ تأخذوا أنتم البنين؛ لأنهم المفضلون حَسْب زعمكم، وتتركون له تعالى البنات: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}تفسير : [النجم: 21-22] أي: قسمة جائرة. وهكذا يُصرِّف القرآن أسلوبه، ويُحوّله ليقنع به جميع العقول؛ ليناسب كل الطباع. وتمتاز لغة العرب بالمثل والحكمة؛ لذلك كان من التصريف في أسلوب القرآن استخدام المثل، وهو تعبير مُوجَز، يحمل المعاني الكثيرة وتتعشق لفظه، وتقوله كما هو دون تغيير إذا جاءت مناسبته. فإذا أرسلتَ أحداً في مهمة أو جماعة، فيمكنك حين عودتهم تقول لهم مستفهماً: (ماذا وراءكِ يا عصام؟) هكذا بصيغة المؤنثة المفردة، لأن المثل قيل هكذا، حيث أرسل أحدهم امرأة تسمى عصام لتخطب له إحدى النساء وحينما أقبلت عليه خاطبها بهذه العبارة، فصارت مثلاً. وكما تقول لصاحبك الذي يتعالى عليك: (إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً) إذن: المثل يمتاز بأنه يثبت على لفظه الأول ولا يتغير عنه. أما الحكمة فهي: قول شارد يقوله كل واحد، وهو كلام يقلُّ لفظه، ويجِلُّ معناه. كما تقول: "رُبَّ أخ لك لم تَلِدْهُ أمك". "لا تُعلِّم العَوانُ الخِمْرة". "إن المنبتَّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى" أي: أن الذي يُجهِد دابته في السير لن يصل إلى ما يريد؛ لأنها ستنقطع به ولا تُوصِّله. ومن الحكمة هذه الأبيات الشعرية التي صارت حكمة متداولة: شعر : وَمَنْ يكُ ذا فَمٍ مُــرٍّ مَريضٍ يَجِدْ مُرّاً بِهِ المَاءَ الزُّلاَلاَ تفسير : وقوله: شعر : وَأَتْعَس النَّاسِ حَظَّاً مَنْ تكونُ لَه نَفْسُ الملُوكِ وحالاتُ المسَاكين تفسير : وهَبْ أن ولدك أهمل دروسه طوال العام وعند الامتحان أخذ يجدّ ويَجْتهد ويُرهِق نفسه، هنا يمكنك أن تقول له: (قبل الرماء تُملأُ الكنائن) والكنانة هي المخلاة التي تُوضَع بها السهام، وهذه لا بُدَّ أنْ يُعِدّها الصياد قبل صَيْده لا وقت الصيد. إذن: لأهمية المثل في لغة العرب جعله القرآن لَوْناً أسلوبياً، وأداةٍ للإقناعٍ، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..}تفسير : [البقرة: 26]. لأن الله تعالى يخاطب بالقرآن عقولاً مختلفة وطبائع متعددة؛ لذلك لا يستحي أن يضرب المثل بأحقر مخلوقاته لِيُقنِعَ الجميع كُلاً بما يناسبه. وقوله: {فَمَا فَوْقَهَا} قد يقول قائل: ولماذا قال {فَمَا فَوْقَهَا}، فالعجيب هنا مسألة الصِّغَر؟ نقول: المراد بما فوقها. أي: في المعنى المراد، وهو الصِّغر. أي: ما فوقها في الصِّغر لا أكبر منها. ثم يأتي بالمعنى في صورة أخرى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}تفسير : [الحج: 73]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 41]. إذن: يُصرِّف الله الأمثال ويُحوِّلها ليأخذ كل طَبْع ما يناسبه وما يقتنع به، وليس القرآن على وتيرة واحدة أو مزيج واحد يعطي للجميع. بل يُشخّص الداءات ويُحلِّلها ويعالجها بما يناسبها؛ لذلك يأتي الأسلوب مختلفاً. وهذه المسألة واضحة في الحديث النبوي الشريف، حيث كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم السؤال الواحد، وتأتي الإجابة مختلفة من شخص لآخر، فقد سُئِل صلى الله عليه وسلم كثيراً: "حديث : ما أفضل الأعمال يا رسول الله؟ فقال للسائل: "الصلاة لوقتها". وقال لآخر: "بر الوالدين" وقال لآخر: "أنْ تلقىَ أخاك بوجه طَلْق" ". تفسير : وهكذا جاءت الإجابة مختلفة من شخص لآخر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يراعي حال سائله، ويحاول أنْ يعالج نقطة الضعف فيه، فالأمر ليس (أكلشيه) ثابتاً يعطيه للجميع، بل هي مراعاة الأحوال والطباع. ثم يقول تعالى: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} [الإسراء: 89]. نعرف أن (إلاّ) أداة استثناء، تُخرِج ما بعدها من حكم ما قبلها، كما تقول: جاء القوم إلا زيداً، ولو طبَّقْنَا هذه القاعدة على الآية لا يستقيم معناها، كما لو قلت: ضربت إلا زيدا، والآية أسلوب عربي فصيح. نقول: لأن معنى أبى: لم يقبل ولم يَرْضَ، فالمراد: لم يَرْضَ إلا الكفور، فلا بُدَّ للاستثناء المفرّغ أنْ يُسبق بنفي. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ} يعني وَجّهنَا وبيّنا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ } أي: نوعنا فيه المواعظ والأمثال، وثنينا فيه المعاني التي يضطر إليها العباد، لأجل أن يتذكروا ويتقوا، فلم يتذكر إلا القليل منهم، الذين سبقت لهم من الله سابقة السعادة، وأعانهم الله بتوفيقه، وأما أكثر الناس فأبوا إلا كفورًا لهذه النعمة التي هي أكبر من جميع النعم، وجعلوا يتعنتون عليه [باقتراح] آيات غير آياته، يخترعونها من تلقاء أنفسهم الظالمة الجاهلة. فيقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أتى بهذا القرآن المشتمل على كل برهان وآية: { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا } أي: أنهارًا جارية. { أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ } فتستغني بها عن المشي في الأسواق والذهاب والمجيء. { أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } أي: قطعًا من العذاب، { أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا } أي: جميعًا، أو مقابلة ومعاينة، يشهدون لك بما جئت به. { أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ } أي: مزخرف بالذهب وغيره { أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ } رقيًا حسيًا، { و } ومع هذا فـ { وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنزلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ }. ولما كانت هذه تعنتات وتعجيزات؛ وكلام أسفه الناس وأظلمهم، المتضمنة لرد الحق وسوء الأدب مع الله، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يأتي بالآيات، أمره الله أن ينزهه فقال: { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي } عما تقولون علوًا كبيرًا، وسبحانه أن تكون أحكامه وآياته تابعة لأهوائهم الفاسدة، وآرائهم الضالة. { هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا } ليس بيده شيء من الأمر. وهذا السبب الذي منع أكثر الناس من الإيمان، حيث كانت الرسل التي ترسل إليهم من جنسهم بشرًا. وهذا من رحمته بهم، أن أرسل إليهم بشرًا منهم، فإنهم لا يطيقون التلقي من الملائكة. فلو { كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ } يثبتون على رؤية الملائكة والتلقي عنهم؛ { لَنزلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا } ليمكنهم التلقي عنه. { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } فمن شهادته لرسوله ما أيده به من المعجزات، وما أنزل عليه من الآيات، ونصره على من عاداه وناوأه. فلو تقول عليه بعض الأقاويل، لأخذ منه باليمين، ثم لقطع منه الوتين، فإنه خبير بصير، لا تخفى عليه من أحوال العباد خافية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):