١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
88
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } تفسير : [البقرة: 23] بالغنا في بيان إعجاز القرآن، وللناس فيه قولان منهم من قال: القرآن معجز في نفسه، ومنهم من قال إنه ليس في نفسه معجزاً إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإثبات بمعارضته مع أن تلك الدواعي كانت قوية كانت هذه الصرفة معجزة والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول القرآن في نفسه إما أن يكون معجزاً أو لا يكون فإن كان معجزاً فقد حصل المطلوب، وإن لم يكن معجزاً بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة وما كان لهم عنها صارف ومانع. وعلى هذا التقدير كان الإتيان بمعارضته واجباً لازماً فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضاً للعادة فيكون معجزاً فهذا هو الطريق الذي نختاره في هذا الباب. المسألة الثانية: لقائل أن يقول هب أنه قد ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف عرفتم عجز الجن عن معارضته؟ وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال إن هذا الكلام نظم الجن ألقوه على محمد صلى الله عليه وسلم وخصوه به على سبيل السعي في إضلال الخلق فعلى هذا إنما تعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم إذا عرفتم أن محمداً صادق في قوله أنه ليس من كلام الجن بل هو من كلام الله تعالى فحينئذ يلزم الدور وليس لأحد أن يقول كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجن لأنا نقول إن هذه الآية دلت على وقوع التحدي مع الجن، وإنما يحسن هذا التحدي لو كانوا فصحاء بلغاء، ومتى كان الأمر كذلك كان الاحتمال المذكور قائماً. أجاب العلماء عن الأول بأن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً وعن الثاني أن ذلك لو وقع لوجب في حكمة الله أن يظهر ذلك التلبيس وحيث لم يظهر ذلك دل على عدمه وعلى أنه تعالى قد أجاب عن هذا السؤال بالأجوبة الشافية الكافية في آخر سورة الشعراء في قوله: { أية : هَلْ أُنَبّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 221، 222] وقد شرحنا هذه الأجوبة هناك فلا فائدة في الإعادة. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة الآية دالة على أن القرآن مخلوق لأن التحدي بالقديم وهذه المسألة قد ذكرناها أيضاً بالاستقصاء في سورة البقرة فلا فائدة في الإعادة.
القرطبي
تفسير : أي عوناً ونصيراً؛ مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه. نزلت حين قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا؛ فأكذبهم الله تعالى. وقد مضى القول في إعجاز القرآن في أوّل الكتاب. والحمد لله. و {لاَ يَأْتُونَ} جواب القسم في «لئن» وقد يجزم على إرادة الشرط. قال الشاعر:شعر : لئن كان ما حُدّثْتِهِ اليوم صادقاً أُقِم في نهار القَيْظ للشمس بادِيَا
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ } في الفصاحةِ والبلاغة {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } معيناً، نزل ردًّا لقولهم:{أية : لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذا } تفسير : [31:8] .
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ...} الآية: سببُ هذه الآية أنَّ جماعة من قريش قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: لَوْ جِئْتَنَا بآيةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هذا القرآن، فإِنا نَقْدِرُ نَحنُ عَلَى المَجِيءِ بمثله، فنزلَتْ هذه الآية المصرِّحة بالتعجيز لجميع الخلائق. قال * ص *: واللام في {لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ } اللام الموطِّئة للقسم، وهي الداخلة على الشرطِ، كقوله: { أية : لَئِنْ أُخْرِجُواْ } تفسير : [الحشر:12] { أية : ولَئِن قُوتِلُواْ } تفسير : [الحشر:12] والجوابُ بعدُ للقَسَمِ لتقدُّمه، إِذا لم يسبق ذو خبره لا للشرطِ، هذا مذهبُ البصريِّين خلافاً للفراء في إجازته الأَمرين، إِلا أنَّ الأكثر أنْ يجيء جواب قَسَمٍ، «والظهير» المعين. قال * ع *: وفهمت العرب الفصحاء بُخُلوصِ فهمها في مَيْزِ الكلامِ وَدُرْبتها به ما لا نفهمه نَحْنُ ولا كُلُّ من خالطته حضارةٌ، ففهموا العَجْزَ عنه ضرورةً ومشاهدةً، وعلمه الناس بعدهم استدلالاً ونظراً، ولكلٍّ حصل عِلْم قطعيٌّ، لكن ليس في مرتبةٍ واحدةٍ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان ونعيمان بن أُصَي ومجزئ بن عمر وسلام بن مشكم فقالوا: يا محمد، هذا الذي جئت به حق من عند الله؟ فانا لا نراه متناسقاً كما تتناسق التوراة. فقال لهم: أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله قالوا: انا نجيئك بمثل ما تأتي به. فأنزل الله {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن ...} الآية. قال: يقول: لو برزت الجن وأعانهم الإنس فتظاهروا، لم يأتوا بمثل هذا القرآن.
القشيري
تفسير : سائر الأنبياء معجزاتُهم باقيةٌ حُكْماً، ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - معجزته باقيةٌ عيناً، وهي القرآن الذي نتلوه، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِنْ خَلْفِه.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} للذين لا يعرفون جلالة قدر التنزيل بل يزعمون انه من كلام البشر {لئن اجتمعت الانس والجن} اى اتفقوا {على ان يأتوا} [بيارند} {بمثل هذا القرآن} فى البلاغة وكمال المعنى وحسن النظم والاخبار عن الغيب وفهم العرب العرباء وارباب البيان واهل التحقيق وتخصيص الثقلين بالذكر لان التحدى معهما لا مع الملائكة اذا المنكر لكونه من عند الله منهما لا من غيرهما والا فلا يقدر على اتيان مثله الا الله تعالى وحده. وفى عين الحياة لفظ الجن يتناول الملائكة وكل من لم يدركه حسن البصر لانهم مستورون عن البصر يقال جن بترسه اذا ستر به ولذا قيل للترس المجن. وفى بحر العلوم ذكر الانس والجن دون الملائكة اشارة الى ان من شأن الثقلين ان يجتمعوا على المحال بخلاف الملائكة اذ ليس من شأنهم لك {لا يأتون بمثله} بكلام مماثل له فى صفاته البديعة وهو جواب قسم محذوف دل عليه اللام الموطئة وساد مسد جزاء الشرط ولولاها لكان جوابها له بغير جزم لكون الشرط ماضيا. قال فى التأويلات النجمية وانما قال لا يأتون بمثله لانه ليس لكلام الله تعالى مثل اذ كلامه صفته وكما انه ليس لذاته مثل فكذلك ليس لصفاته مثل لانها قديمة قائمة بذاته تبارك وتعالى وصفات المخلوقات مخلوقة قابلة للتغير والفناء {ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} مظاهرا ومعاونا فى الاتيان بمثله اى لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض ولو كان الخ.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة {تفجر} بالتخفيف. الباقون بالتشديد، يقال: فجر يفجر بالتخفيف إِذا شق الأنهار، ومن شدد، فلقوله {أية : وفجّرنا خلالها نهراً}تفسير : اي مرة بعد مرة، ولقوله {فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً} فالتفجير لا يكون إِلا من فجر. في الآية الاولى، تحدي للخلق ان يأتوا بمثل هذا القرآن وأنهم يعجزون عن ذلك ولا يقدرون على معارضته، لأنه تعالى قال {قل} يا محمد لهؤلاء الكفار {لئن اجتمعت الإنس والجن} متعاونين متعاضدين {على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} في فصاحته وبلاغته ونظمه، على الوجه الذي هو عليه، من كونه في الطبقة العليا من البلاغة وعلى حد يشكل على السامعين ما بينهما من التفاوت، لما أتوا بمثله، ولعجزوا عنه {ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} اي معيناً، والمثلية التي تحدوا بالمعارضة بها معتادة بينهم، كمعارضة علقمه لامرىء القيس، ومعارضة الحرث ابن حلزة عمرو بن كلثوم، ومعارضة جرير الفرزدق. وما كان ذلك خافياً عليهم. ثم قال {ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل} وتصريفه إِياه هو توجيهه إِياه في معانٍ مختلفة. وقال الرماني: هو تصيير المعنى دائراً فيما كان من المعاني المختلفة. وذلك أنه لو أدير في المعاني المتفقة لم يعد ذلك تصريفاً، فالتصريف تصيير المعنى دائرا في الجهات المختلفة. وقوله {لا يأتون بمثله} انما رفعه لانه غلب جواب القسم على جواب (إن) لوقوعه في صدر الكلام، وقد يجوز أَن يجزم على جواب (إِن) إِلا أَن الرفع الوجه، وقال الاعشى: شعر : لئن منيت بنا عن غب معركة لا تلقنا من دماء القوم ننتقل تفسير : وقوله {فأبى أَكثر الناس إِلا كفوراً} معناه إِنما {صرّفنا في هذا القرآن من كل مثل} ليستدلوا به على كونه من قبل الله تعالى ومع ذلك يأبى أَكثر الناس إِلا الجحد به، وإِنكاره، فالكفور - ها هنا - هو الجحود للحق بالاستكبار. ويقولون مع ذلك {لن نؤمن لك} يا محمد {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} ومعناه حتى تشقق من الارض عيناً ينبع بالماء أَي يفور، فهو على وزن (مفعول) من (نبع)، يقال نبع الماء ينبع، فهو نابع، وجمعه ينابيع، وانما طلبوا عيوناً ببلدهم - في قول قتادة - والتفجير التشقيق عما يجري من ماء او ضياء، ومنه سمى الفجر، لانه ينشق عن عمود الصبح، ومنه الفجور، لأنه خروج الى الفساد لشق عمود الحق.
اطفيش
تفسير : {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ} ولم يذكر الملائكة لأَن إِتيانهم بمثل القرآن لا يخرجه عن كونه معجزة لقوتهم على الإِتيان بالمعجز ولهذا مدحهم بقوله جل وعلا: {أية : يسبحون الليل والنهار لا يفترون}، تفسير : أو لم يذكرهم لأَنهم وسائط فى إِتيانه أو ذكر الإنس والجن فقط لأَنهم الذين يكفرون به ويدعون أنه من كلام البشر. {عَلَى أن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ} فى الفصاحة والبلاغة {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} جواب القسم لتقدمه على الشرط بدون أن يسبقه ذو خبر وأجاز الفراء إِجابة الشرط مع تقدم القسم عليه ولو لم يتقدم ذو خبر، ويقول الأَكثر إِجابة القسم عند تقدمه وعلى مذهبه يجوز أن نقول إن قوله لا يأْتون جواب أن وكان مرفوعاً لأَن الشرط ماض. {وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} معيناً على الإِتيان بمثله مع ما فى الناس من العرب الخالصة وأرباب البيان والتحقيق، نزل ذلك لما قالت جماعة من قريش لو نشاء لقلنا مثل هذا فلو جئتنا بغيره آية، والعرب لفصاحتها وبلاغتها اطلعت على ما فاق القرآن به سائر الكلام من البلاغة والفصاحة، وغير العرب يطلع على ذلك استدلالا ونظراً وحصل علم قطعى بذلك للكل ليس متفاوتا ليس فى مرتبة واحدة، وتجد كثيراً من الناس بل أكثرهم لا يطلعون على ذلك وإن لقن لهم ظنوا أن سائر الكلام كذلك، والآية دليل على أن القرآن حادث مخلوق لأَنه لو كان قديماً لم يصح أن يتحداهم ويستعجزهم بالإِتيان بمثله، لأَن العجز إِنما يكون حيث تكون القدرة أو بالإِمكان لا حيث تستحيل والقديم يستحيل الإِتيان بمثله فلا مدخل فيه للعجز ولا للقدرة ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز لأَنه لا يوصف بالقدرة على المحال إلا أن يكابر القائلون بقدمه فيقولون الله قادر على المحال أو يقلبوا الحقيقة فيقولوا إنه لو كان مخلوقاً لأَتوا بمثله ورأس ما لهم المكابرة وقلب الحقائق، ويجوز أن يكون معنى الآية: قل لئن اجتمعت الإِنس على أن يأْتوا بمثله عبد ذهابه عنك لم يطيقوا فيكون تقريراً تقوله ثم لا تجد لك علينا به وكيلا.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ} يقدر القسم والله، أو وعزة الله لقوله وقل لا وعزتى إلا على ضرب من التأويل، بمعنى قل عنى وعزتى، أو قل لهم هذا المعنى معبراً عنه بما يليق، ولم يذكر الملائكة لأن الله جل وعلا لم يعطهم بلاغة الكلام، كما أعطاها الإنس والجن، ولأن المقام للتحدى على منكرى القرآن، وليس من شأنهم إنكاره، قيل: ولأنهم الوسائط فيه، والنازلون به، وهم على قلب ملَك واحد، لا مغايرة بينهم كما تغاير الثقلان بالإنكار والتصديق، ولأنه لم يقل أحد من الثقلين إنه كلام الملائكة. ولأن إتيان الملائكة بمثله لا يخرجه عن كونه معجزة لو أتوا به، لأنه صلى الله عليه وسلم يتحداهم أيضا بأنهم ملائكة من الله جاءونى به، فهلا جاءوكم به، وهم عاجزون كالإنس والجن، ويبعد أن يرادوا فى لفظ الجن كغيرهم من الجن، ولو أريدوا فى قوله عز وجل: "أية : وجعلوا بينه وبين الجِنَّة نسبًا" تفسير : [الصافات: 158]. {عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا القُرْآنِ} فصاحة وبلاغة {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ} متعلق بقوله: {ظَهِيرًا}، والعطف على محذوف أى لو لم يكن بعضهم لبعض ظهيراً، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ولا يضر التكرير، لأن مثله محذوف، ولا تقل الواو للحال، ومراد ظهيراً معيناً فى الإتيان بمثله، وفيهم العرب العرباء، وأرباب البيان واللسان، نزل ذلك ردًّا عليهم إذ قالوا: لو نشاء لقلنا هذا، كذبوا لا طاقة لهم بفصاحته وبلاغته، كما لا طاقة لهم فى إخباره بالغيوب، مع أنه مخلوق مثلهم، إذ لا دليل عقليا ولا نقليا على ثبوت الكلام النفسى، وأن القرآن هو الكلام النفسى القديم، وأن هذا المتلوّ ترجمته، وقد جعله الله من جنس كلامهم وقال لهم ائتوا بمثله. فتبين أنه حادث، كما لا إِشكال ودعوى أنه ترجمة عن الكلام النفسى، رجم بما لا يعلمون، والقديم لا يقال بإِعجازه، والإعجاز إِنما هو بالحادث، ويجوز أن تكون الآية تقريراً أيضا لقوله، ثم لا تجد إلخ على أن يؤلف مثله، لا على معنى أنه لا يرد نفس الذاهب.
الالوسي
تفسير : {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ} أي اتفقوا {عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ} المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة الشأن من البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى. وتخصيص الثقلين بالذكر لأن المنكر لكونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما والتحدي إنما كان معهما وإن كان النبـي صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الملك كما هو مبعوث إليهما لا لأن غيرهما قادر على المعارضة فإن الملائكة عليهم السلام على فرض تصديهم لها وحاشاهم إذ هم معصومون لا يفعلون إلا ما يؤمرون عاجزون كغيرهم {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} أي هذا القرآن وأوثر الإظهار على إيراد الضمير الراجع إلى المثل المذكور احترازاً عن أن يتوهم أن له مثلاً معيناً وإيذاناً بأن المراد نفي الإتيان بمثل ما أي لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات الجليلة الشأن وفيهم العرب العرباء أرباب البراعة والبيان. وقيل: المراد تعجيز الإنس وذكر الجن مبالغة في تعجيزهم لأنهم إذا عجزوا عن الإتيان بمثله ومعهم الجن القادرون على الأفعال المستغربة فهم عن الإتيان بمثله وحدهم أعجز وليس بذاك. وقيل: يجوز أن يراد من الجن ما يشمل الملائكة عليهم السلام وقد جاء إطلاق الجن على الملائكة كما في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158] نعم الأكثر استعماله في غير الملائكة عليهم السلام ولا يخفى أنه خلاف الظاهر. وزعم بعضهم أن الملائكة عليهم السلام حيث كانوا وسائط في إتيانه لا ينبغي إدراجهم إذ لا يلائمه حينئذ {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} وفيه أنه ليس المراد نفي الإتيان بمثله من عند الله تعالى في شيء ممن أسند إليهم الفعل. وجملة {لاَ يَأْتُونَ} جواب القسم الذي ينبىء عنه اللام الموطئة وساد مسد جزاء الشرط ولولاها لكان {لاَ يَأْتُونَ} جزاء الشرط وإن كان مرفوعاً بناءاً على القول بأن فعل الشرط إذا كان ماضياً يجوز الرفع في الجواب كما في قول زهير:شعر : وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم تفسير : لأن أداة الشرط إذا لم تؤثر في الشرط ظاهراً مع قربه جاز أن لا تؤثر في الجواب مع بعده، وهذا القول خلاف مذهب سيبويه ومذهب الكوفيين والمبرد كما فصل في موضعه، ولا يجوز عند البصريين مع وجود هذه اللام جعل المذكور جواب الشرط خلافاً للفراء، وأما قول الأعشى:شعر : لئن منيت بنا عن غب معركة لا تلفنا عن دماء الخلق تنتفل تفسير : فاللام ليست الموطئة بل هي زائدة على ما قيل فافهم. وحيت كان المراد بالاجتماع على الإتيان بمثل القرآن مطلق الاتفاق على ذلك سواء كان التصدي للمعارضة من كل واحد منهم على الانفراد أو من المجموع بأن يتألبوا على تلفيق كلام واحد بتلاحق الأفكار وتعاضد الأنظار قال سبحانه: {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} أي معيناً في تحقيق ما يتوخونه من الإتيان بمثله. والجملة عطف على مقدر أي لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم / لبعض ظهيراً ولو كان الخ؛ وهي في موضع الحال كالجملة المحذوفة. والمعنى لا يأتون بمثله على كل حال مفروض ولو في مثل هذه الحال المنافية لعدم الإتيان به فضلاً عن غيرها وفيه رد لليهود أو قريش في زعمهم الإتيان بمثله، فقد روي أن طائفة من الأولين قالوا: أخبرنا يا محمد بهذا الحق الذي جئت به أحق من عند الله تعالى فإنا لا نراه متناسقاً كتناسق التوراة فقال صلى الله عليه وسلم لهم: أما والله إنكم لتعرفونه أنه من عند الله تعالى قالوا: إنا نجيئك بمثل ما تأتي به فأنزل الله تعالى هذه الآية. وفيه رواية أن جماعة من قريش قالوا له صلى الله عليه وسلم: جئنا بآية غريبة غير هذا القرآن فإنا نحن نقدر على المجيء بمثله فنزلت، ولعل مرادهم بهذه الآية الغريبة ما تضمنه الآيات بعد وهي قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} تفسير : [الإسراء: 90] الخ وحينئذ قيل يمكن أن تكون هذه الآية مع الآيات الأخر رد لجميع ما عنوه بهذا الكلام إلا أنه ابتدأ برد قولهم: نحن نقدر الخ اهتماماً به فإن قولهم ذلك منشأ طلبهم الآية الغريبة. وفي «إرشاد العقل السليم» أن في هذه الآية حسم أطماعهم الفارغة في روم تبديل بعض آياته ببعض ولا مساغ لكونها تقريراً لما قبلها من قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 86] كما قيل لكن لا لما قيل من أن الإتيان بمثله أصعب من استرداد عينه ونفي الشيء إنما يقرره نفي ما دونه دون نفي ما فوقه لأن أصعبية الاسترداد بغير أمره تعالى من الإتيان المذكور مما لا شبهة فيه بل لأن الجملة القسمية ليست مسوقة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم بل إلى المكابرين من قبله عليه الصلاة والسلام انتهى. ومنه يعلم ما في قول بعضهم في وجه التقرير: إن عدم قدرة الثقلين على رده بعد إذهابه مساو لعدم قدرتهم على مثله لأن رده بعينه غير ممكن لعدم وصولهم إلى الله تعالى شأنه فلم يبق إلا رده بمثله فصرح بنفيه تقريراً له من النظر وعدم الجدوى. هذا واستدل صاحب «الكشاف» بإعجاز القرآن على حدوثه إذ لو كان قديماً لم يكن مقدوراً فلا يكون معجزاً كالمحال، وتعقبه في «الكشف» بأنه لا نزاع في حدوث النظم وإن تحاشى أهل السنة من إطلاق المخلوق عليه للإيهام وهو المعجز إنما النزاع في المعبر بهذه العبارة المعجزة وهو المسمى بالكلام النفسي فهو استدلال لا ينفعه، وذكر نحوه ابن المنير وقال صاحب «التقريب»: الجواب منع الملازمة إذ مصحح المقدورية الإمكان وهو حاصل لا الحدوث وأيضاً المعجز لفظه ولا يقال بقدمه والقديم كلام النفس ولا يقال بإعجازه وأيضاً سلمنا أن القديم لا يقدر البشر على عينه لكن لم لا يقدر على مثله، واختار العلامة الطيبـي هذا الأخير في الجواب. وقد ذكرنا في المقدمات من الكلام ما ينفعك في هذا المقام فتدبر والله تعالى ولي الأنعام ومسدد الأفهام.
ابن عاشور
تفسير : استئناف للزيادة في الامتنان. وهو استئناف بياني لمضمون جملة {أية : إن فضله كان عليك كبيراً }تفسير : [الإسراء: 87]. وافتتاحه ب (قل) للاهتمام به. وهذا تنويه بشرف القرآن فكان هذا التنويه امتناناً على الذين آمنوا به وهم الذين كان لهم شفاء ورحمة، وتحدياً بالعجز على الإتيان بمثله للذين أعرضوا عنه وهم الذين لا يزيدهم إلا خساراً. واللام موطئة للقسم. وجملة {لا يأتون بمثله} جواب القسم المحذوف. وجرد الجواب من اللام الغالب اقترانها بجواب القسم كراهية اجتماع لامين: لام القسم، ولام النافية. ومعنى الاجتماع: الاتفاق واتحاد الرأي، أي لو تواردت عقول الإنس والجن على أن يأتي كل واحد منهم بمثل هذا القرآن لما أتوا بمثله. فهو اجتماع الرأي لا اجتماع التعاون، كما تدل عليه المبالغة في قوله بعده: {ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}. وذكر الجن مع الإنس لقصد التعميم، كما يقال: «لو اجتمع أهل السماوات والأرض»، وأيضاً لأن المتحدِّين بإعجاز القرآن كانوا يزعمون أن الجن يقدرون على الأعمال العظيمة. والمراد بالمماثلة للقرآن: المماثلة في مجموع الفصاحة والبلاغة والمعاني والآداب والشرائع، وهي نواحي إعجاز القرآن اللفظي والعلمي. وجملة {لا يأتون} جواب القسم الموطَأ له باللام. وجواب (إن) الشرطيّة محذوف دل عليه جواب القسم. وجملة {ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} في موقع الحال من ضمير {لا يأتون}. و (لو) وصلية، وهي تفيد أن ما بعدها مظنة أن لا يشمله ما قبلها. وقد تقدم معناها عند قوله: {أية : ولو افتدى به}تفسير : قي سورة [آل عمران: 91]. والظهير: المعين. والمعنى: ولو تعاون الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله فكيف بهم إذا حاولوا ذلك متفرقين. وفائدة هذه الجملة تأكيد معنى الاجتماع المدلول بقوله: {لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} أنه اجتماع تظافر على عمل واحد ومقصد واحد. وهذه الآية مفحمة للمشركين في التحدي بإعجاز القرآن.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَّئِنِ} {ٱلْقُرْآنِ} (88) - وَقُلْ لِهؤلاءِ المُشْرِكِينَ مُتَحَدِّياً لَهُمْ: القُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ، وَلاَ يَمْلِكُ البَشَرُ مُحَاكَاتَهُ، وَلاَ يَمْلِكُ الإنْسُ وَالجِنُّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَلَوْ تَظَاهَرُوا وَتَعَاوَنُوا فِي ذَلِكَ. فَالقُرْآنُ لَيْسَ أَلْفَاظاً وَعِبَارَاتٍ يَسْتَطِيعُ المَخْلُوقُونَ مُحَاكَاتَهَا، وَإِنَّمَا هُوَ كَسَائِرِ مَا يُبْدِعُهُ اللهُ، يَعْجَزُ المَخْلُوقُونَ عَنْ صُنْعِهِ، وَمُحَاكَاتِهِ. ظَهِيراً - مُعِيناً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (قُلْ) لا يقولها الحق سبحانه بينه وبين رسوله، بل المراد: أعلنها يا محمد على الملأ، وأسمِعْ بها الناس جميعاً؛ لأن القضية قضية تَحَدٍّ للجميع. {لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ..} [الإسراء: 88] وهما الثَّقَلان اللذان يكونان أمة التكليف لما منحهما الله من نعمة الاختيار الذي هو منَاطُ التكليف. وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما جميعاً، وقد استمعت الجن إلى القرآن كما استمعت إليه البشر: {أية : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ..}تفسير : [الجن: 1-2]. والتحدِّي معناه الإتيان بآية معجزة يعجز عنها المعارض، لكن من جنس ما نبغ فيه المعارض، فلا يتحدّاهم بشيء لا عِلْم لهم به، ولا خبرة لهم فيه؛ لأنه لا معنى للتحدي في هذه الحالة ولا جدوى منه، كما لو تحدَّيْتَ إنساناً عادياً برفع الأثقال ولم يسبق له أن ارتاض هذه الرياضة، إنما تتحدَّى بها بطلاً معروفاً عنه ممارسة هذه العملية. لذلك جاءت كل معجزات الرسل من جنس ما نبغ فيه القوم ليكون التحدِّي في محلِّه، ولا يعترضون عليه بأنه خارج عن نطاق علمهم ومقدرتهم، فكانت معجزة موسى - عليه السلام - العصا واليد، وهي من جنس ما نبغ فيه قومه من السِّحْر، وجاءت معجزة عيسى - عليه السلام - إحياء الموتى بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص؛ لأن قومه نبغوا في الطب، وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم في البلاغة والفصاحة التي نبغ فيها العرب. وقد اقترح كفار مكة على رسول الله آيات معينة لإثبات صِدْق رسالته، لكن الآيات لا تُقترح على الله تعالى؛ لأنه سبحانه هو الذي يختار الآيات التي تناسب الطباع وتكون معجزة تثبت صِدْق رسوله، وقد اقترحوا على رسول الله آيات ومعجزاتٍ في مجالات لا عِلْم لهم بها، فكيف يتحدّاهم الله في مجال لا نبوغَ لهم فيه، وليس لهم دراية به؟ والحق سبحانه أنزل القرآن، وجعله المعجزة الوحيدة لصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وهو المعجزة الوحيدة لكل أمة الإسلام من لَدُن رسول الله إلى قيام الساعة. وهذا لا يمنع أن توجد معجزات كونية حدثتْ لرسول الله ليراها القوم الذين عاصروه، ومِثْل هذه المعجزات لا نطالب بها نحن، ولا نطالب بالإيمان بها، إلا إذا وردتْ من صادق معصوم؛ لأن الهدف من هذه المعجزات تثبيت الإيمان برسول الله في نفوس مَنْ شاهدوها، فنُبوع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وكَوْنُ الشجرة تسعى إليه والحيوان يُكلِّمه، فالمقصود بهذه المعجزات مَنْ شاهدها وعاصرها، لا مَنْ أتى بعد عصره صلى الله عليه وسلم. وفي القرآن خاصية تفرّد بها عن الكتب السابقة، حيث نزل جامعاً بين أمرين: أنه منهج سماوي يُنظِّم حركة الحياة، وهو في الوقت نفسه معجزة مصاحبة للمنهج لا تنفكّ عنه إلى قيام الساعة. أما الكتب السابقة فكانت تأتي بمنهج فقط، أما المعجزة فشيء آخر منفصل عن الكتاب، فمعجزة موسى العصا واليد وكتابه التوراة، ومعجزة عيسى إبراء الأكمه والأبرص، وكتابه الإنجيل، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد انفرد بأن تكون معجزته هي منهجه. لذلك لما طلب كفار مكة من رسول الله أنْ يُفسِح لهم جبال مكة، ويُوسِّع عليهم الأرض، وأنْ يُحيي لهم موتاهم ليشهدوا بصدقه، خاطبهم الحق سبحانه بقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ..}تفسير : [الرعد: 31]. أي: كان في القرآن غَنَاءٌ لكم عن كُلِّ هذه المسائل. وقد اعترض المستشرقون على هذه القضية، فقالوا: إنْ كانت الرسالة المحمدية للناس كافة، وجاءت معجزته في البلاغة والفصاحة ليتحدَّى بها قومه من العرب، فما لَوْنُ الإعجاز لغير العرب؟ نقول: أولاً: إذا كان العرب الذين ارتاضوا على الملَكَة العربية وأساليبها قد عجزوا أمام هذا التحدي، فغيرهم مِمَّنْ اتخذ العربية صناعة لا شكَّ أعجز. ثانياً: مَنْ قال إن المعجزة في القرآن في فصاحته وبلاغته فقط؟ لقد جاءت بلاغة القرآن وفصاحته للأمة المتلقِّية للدعوة الأولى، هؤلاء الذين سيحملون عِبْءَ الدعوة، ويَسِيحُون بها في شتى بقاع الأرض، فإذا ما انتشرت الدعوة كانت المعجزة للناس الآخرين من غير العرب شيئاً آخر. فالغيبيات التي يخبرنا بها، والكونيات التي يُحدّثنا عنها، والتي لم تكُنْ معلومة لأحد نجدها موافقة تماماً لما جاء به القرآن، وهو مُنزِّل على نبي أُميٍّ، وفي أُمة أُميّة غير مثقفة، فهذه كلها نواحي إعجاز للعرب ولغيرهم، وما زِلْنا حتى الآن نقف أمام آيات، وننتظر من العلم أنْ يكشفَ لنا عن معناها. وفي الماضي القريب توصّل العلم إلى أن الذرة أصغر شيء في الوجود، وقد ذكر القرآن الذرة في مثل قوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7-8]. وبتقدُّم وسائل البحث توصَّلوا إلى تفتيت الذرة أو شطرها، ووجدنا في الكون ما هو أقل من الذرة، فظنّ البعض أن هذه لا ذِكْر لها في القرآن، وظنوا أنهم تصيَّدوا على القرآن مأخذاً، ولو أمعنوا النظر في كتاب الله لوجدوا لهذا التطور العلمي رصيداً في كتاب الله حيث قال تعالى: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [يونس: 61]. والقرآن يقول {أَصْغَرَ} لا صغير، فلو فتَّتْنَا أجزاء الذرة لوجدنا لها رصيداً واحتياطاً في كتاب الله، أَلاَ ترى في ذلك إعجازاً؟ إذن: تحدَّاهم الحق سبحانه بقوله: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ..} [الإسراء: 88] وأُدخِل الجنّ في مجال التحدي؛ لأن العرب كانوا يعتقدون أن لكل شاعر نابغ، أو أديب مُفوَّه، أو عبقري عنده نبوغ بياني شيطاناً يلهمه، وهذه الشياطين تسكن وادياً عندهم يسمونه "وادي عَبْقَر"، لذلك لم يكتَف القرآن بتحديهم هم، بل تحدى أيضاً مَنْ يُلهمونهم، أو مَنْ ينسبونَ إليهم القوة في هذا الأمر. ثم يقول تعالى: {عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ..} [الإسراء: 88] فالتحدِّي أنْ يأتوا (بمثله) لأنه لا يمكن أنْ يأتوا به نفسه؛ لأنه نزل من عند الله وانتهى الأمر، فمستحيل أنْ يأتُوا به نفسه مرة أخرى؛ لأنْ الواقع لا يقع مرتين. إذن: المتصوَّر في مجال التحدي أنْ يأتوا بمثله، فلو قلت: هذا الشيء مثل هذا الشيء، فلا شَكَّ أن المشبّه به أقوى وأصدق من المشبه، ولا يرتقي المشبه ليكون هو المشبه به بل مثله، فإذا انتفى المثل فقد انتفى الأصل من باب أَوْلَى. فالحق سبحانه في قوله: {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ..} [الإسراء: 88] لا ينفي عنهم أن يأتُوا بقرآن، بل بمثل القرآن، فإذا كانوا لا يأتون بالصورة، فهل يقدرون على الأصل؟! ثم يقول تعالى زيادةً في التحدِّي: {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء: 88]. والظهير: هو المعاون والمساعد والمعين على الأمر، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}تفسير : [التحريم: 4]. لأنه قد يقول قائل: إن هذه المهمة لا يقوم بها فرد واحد، فقال لهم سبحانه: بل هاتوا كل ما لديكم من طاقات إبداعية وعبقريات بيانية، واستعينوا بما تزعمون من إلهام الجن، وتعاونوا جميعاً في سبيل هذا التحدّي، حتى إذا كان في أحدكم نقص أكمله الآخر. لكن، هل ظَلَّ التحدي قائماً على أنْ يأتُوا بمثل القرآن؟ المتتبع لهذا الموضوع في القرآن الكريم يجد الحق تبارك وتعالى يتنزَّل معهم في القدر المطلوب للتحدِّي، وهذا التنزُّل يدل على ارتقاء التحدِّي، فبعد أنْ تحدّاهم بأنْ يأتوا بمثل القرآن، تحدّاهم بعشْر سُور، ثم تحدّاهم بسورة واحدة، وكلما تنزل معهم درجة ارتقى بالتحدي، فلا شكَّ أن تحديهم بسورة واحدة أبلغ من تحديهم بمثل هذا القرآن. وهذا التنزُّل الذي يفيد الارتقاء كما نجمع مثلاً بين المتناقضات، فنقول: صعد إلى الهاوية، وانحدر إلى القمة. ومع هذا التنزُّل لم يستطيعوا الإتيان بمثل آية واحدة من كتاب الله. ويجب أن نلتفت إلى مغزى آخر من وراء هذا التحدّي، فليس الهدف منه تعجيز القوم، بل أن نثبت لهم السواسية بين الخَلْق، فالجميع أمام الإله الواحد سواء، وهذه هي القضية التي تُزعجهم وتقضّ مضاجعهم، والقرآن سيثبت لهم صِدْق محمد، وسيرفع من مكانته بين القوم، وهم الذين يحاولون إيذاءه ويُدبِّرون لقتله. ولذلك من غبائهم أن قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: فاعتراضهم ليس على القرآن في حَدِّ ذاته، بل على محمد الذي نزل القرآن عليه، فهم يحسدونه على هذه المكانة، كما قال تعالى: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [النساء: 54]. وسبحان الله، إذا كان الخَلْق يختلفون أمام رحمة الله في مسائل الدنيا التي لهم فيها أسباب وسَعْي واجتهاد، فكيف بالأمر الذي ليس في أيديهم؟ كيف يريدون التدخُّل فيه:{أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ..}تفسير : [الزخرف: 32]. ثم يتحدث الحق سبحانه عن طبيعة الأداء القرآني، فيقول: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم قال تعالى شاهداً أو دليلاً على ما قررناه لكلامه: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} [الإسراء: 88] أي: جامعاً لما ذكرناه {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ} [الإسراء: 88] من الإنس والجن {لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء: 88] أميناً وناصراً. ولفظ الجن يتناوله الملائكة وكل من لم يدركه حس البصر لأنهم مستورون عن البصر يقال: جن بترسه إذا استتر به؛ ولهذا قيل للترس المجنّ، وإنما قلنا للباقون بمثله؛ لأنه ليس لكلام الله مثل؛ لأنها قديمة قائمة بذاته تبارك وتعالى وصفات المخلوق مخلوقة قابلة للتغيير والفناء. ثم قال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} [الإسراء: 89] أي: وجهنا ودبرنا لمن نسي الطريق إلينا في معاني هذا القرآن وأسراره وإشاراته من كل طريقة وسبب وإرشاد يتعلق بالروح إلينا {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} [الإسراء: 89] الرجوع إلينا وما اختاروا {إِلاَّ كُفُورا} [الإسراء: 89] جحوداً أو إنكاراً أو إصراراً على كفران نعمة الدين والقرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا دليل قاطع، وبرهان ساطع، على صحة ما جاء به الرسول وصدقه، حيث تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لا يأتون بمثله، ولو تعاونوا كلهم على ذلك لم يقدروا عليه. ووقع كما أخبر الله، فإن دواعي أعدائه المكذبين به، متوفرة على رد ما جاء به بأي: وجه كان، وهم أهل اللسان والفصاحة، فلو كان عندهم أدنى تأهل وتمكن من ذلك لفعلوه. فعلم بذلك، أنهم أذعنوا غاية الإذعان، طوعًا وكرهًا، وعجزوا عن معارضته. وكيف يقدر المخلوق من تراب، الناقص من جميع الوجوه، الذي ليس له علم ولا قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب الأرض والسماوات، المطلع على سائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادًا، والأشجار كلها أقلام، لنفذ المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله. فكما أنه ليس أحد من المخلوقين مماثلا لله في أوصافه فكلامه من أوصافه، التي لا يماثله فيها أحد، فليس كمثله شيء، في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله تبارك وتعالى. فتبًا لمن اشتبه عليه كلام الخالق بكلام المخلوق، وزعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم افتراه على الله واختلقه من نفسه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):