١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
56
Tafseer
الرازي
تفسير : (القصة السادسة قصة إدريس عليه السلام) اعلم أن إدريس عليه السلام هو جد أبي نوح عليه السلام وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ قيل سمي إدريس لكثرة دراسته واسمه أخنوخ ووصفه الله تعالى بأمور: أحدها: أنه كان صديقاً. وثانيها: أنه كان نبياً وقد تقدم القول فيهما. وثالثها: قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } وفيه قولان: أحدهما: أنه من رفعة المنزلة كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: { أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } تفسير : [الشرح: 4] فإن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود. الثاني: أن المراد به الرفعة في المكان إلى موضع عال وهذا أولى، لأن الرفعة المقرونة بالمكان تكون رفعة في المكان لا في الدرجة ثم اختلفوا فقال بعضهم إن الله رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت، وقال آخرون: بل رفع إلى السماء وقبض روحه سأل ابن عباس رضي الله عنهما كعباً عن قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } قال: جاءه خليل له من الملائكة فسأله حتى يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة فإذا ملك الموت يقول بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، وأنا أقول كيف ذلك وهو في الأرض فالتفت إدريس فرآه ملك الموت فقبض روحه هناك. واعلم أن الله تعالى إنما مدحه بأن رفعه إلى السماء لأنه جرت العادة أن لا يرفع إليها إلا من كان عظيم القدر والمنزلة، ولذلك قال في حق الملائكة: { أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } تفسير : [الأنبياء: 19] وههنا آخر القصص.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً} إدريس عليه السلام أوّل من خط بالقلم، وأوّل من خاط الثياب ولبس المخيط، وأوّل من نظر في علم النجوم والحساب وسيرها. وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى. وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة كما في حديث أبي ذر. قال الزمخشري: وقيل سمي إدريسُ إدريسَ لكثرة درسه كتاب الله تعالى؛ وكان اسمه أخنوخ وهو غير صحيح؛ لأنه لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفاً، فامتناعه من الصرف دليل على العجمة؛ وكذلك إبليس أعجمي وليس من الإبلاس كما يزعمون؛ ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت؛ ومن لم يحقق ولم يتدرّب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات؛ ويجوز أن يكون معنى إدريس عليه السلام في تلك اللغة قريباً من ذلك فحسبه الراوي مشتقاً من الدرس. قال الثعلبي والغزنوي وغيرهما: وهو جدّ نوح وهو خطأ؛ وقد تقدّم في «الأعراف» بيانه. وكذا وقع في السيرة أن نوحاً عليه السلام بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون؛ والله تعالى أعلم. وكان أوّل من أعطي النبوّة من بني آدم، وخط بالقلم. ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم فالله أعلم. قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } قال أنس بن مالك وأبو سعيد الخدريّ وغيرهما: يعني السماء الرابعة. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقاله كعب الأحبار. وقال ابن عباس والضحاك: يعني السماء السادسة؛ ذكره المهدوي. قلت: ووقع في البخاري عن شرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، الحديث، وفيه: كل سماء فيها أنبياء ـ قد سماهم ـ منهم إدريس في الثانية. وهو وَهَمٌ، والصحيح أنه في السماء الرابعة؛ كذلك رواه ثابت البُنَانِيّ عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ذكره مسلم في الصحيح. وروى مالك بن صعصعة قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما عرج بي إلى السماء أتيت على إدريس في السماء الرابعة»تفسير : . خرجه مسلم أيضاً. وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس وكعب وغيرهما: حديث : أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب أنا مشيت يوماً فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خَفِّف عنه من ثقلها. يعني الملك الموكل بفلك الشمس؛ يقول إدريس: اللهم خَفِّف عنه من ثقلها واحمل عنه من حرها. فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس والظل ما لا يعرف، فقال: يا رب خلقتني لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه؟ فقال الله تعالى: «أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته» فقال: يا رب اجمع بيني وبينه، واجعل بيني وبينه خلة. فأذن الله له حتى أتى إدريس، وكان إدريس عليه السلام يسأله. فقال: أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي، فأزداد شكراً وعبادة. فقال الملك: لا يؤخر الله نفساً إِذا جاء أجلها؛ فقال للملك: قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي. قال: نعم. ثم حمله على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم قال لملك الموت: لي صديق من بني آدم تشّفع بي إليك لتؤخر أجله. فقال: ليس ذلك إليّ ولكن إن أحببت عِلمه أعلمته متى يموت. قال: «نعم» ثم نظر في ديوانه، فقال: إنك تسألني عن إنسان ما أراه يموت أبداً. قال: «وكيف»؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس. قال: فإني أتيتك وتركته هناك؛ قال: انطلق فما أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء. فرجع الملك فوجده ميتاً"تفسير : . وقال السدّي: إنه نام ذات يوم، واشتدّ عليه حرّ الشمس، فقام وهو منها في كرب؛ فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس حرها، وأعنه على ثقلها، فإنه يمارس ناراً حامية. فأصبح ملك الشمس وقد نصب له كرسي من نور، عنده سبعون ألف ملك عن يمينه، ومثلها عن يساره يخدمونه، ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه؛ فقال ملك الشمس: يا رب من أين لي هذا؟. قال: «حديث : دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس»تفسير : ثم ذكر نحو حديث كعب. قال فقال له ملك الشمس: أتريد حاجة؟ قال: نعم وددت أني لو رأيت الجنة. قال: فرفعه على جناحه، ثم طار به، فبينما هو في السماء الرابعة التقى بملك الموت ينظر في السماء، ينظر يميناً وشمالاً، فسلم عليه ملك الشمس، وقال: يا إدريس هذا ملك الموت فسلم عليه؛ فقال ملك الموت: سبحان الله! ولأي معنى رفعته هاهنا؟ قال: رفعته لأريه الجنة. قال: فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة. قلت: يا رب وأين إدريس من السماء الرابعة، فنزلت فإذا هو معك؛ فقبض روحه فرفعها إلى الجنة، ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة، فذلك قوله تعالى: «ورفعناه مكاناً علِياً». قال وهب بن منبه: كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه، فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربه في زيارته فأذن له، فأتاه في صورة آدمي، وكان إدريس عليه السلام يصوم النهار؛ فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل. ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس؛ وقال له: من أنت! قال: أنا ملك الموت؛ استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي؛ فقال: إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: أن تقبض روحي. فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه؛ فقبضه وردّه الله إليه بعد ساعة، وقال له ملك الموت: ما الفائدة في قبض روحك؟ قال: لأذوق كرب الموت فأكون له أشدّ استعداداً. ثم قال له إدريس بعد ساعة: إن لي إليك حاجة أخرى. قال: وما هي؟ قال: أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة والنار؛ فأذن الله تعالى له في رفعه إلى السموات، فرأى النار فصعق، فلما أفاق قال: أرني الجنة؛ فأدخله الجنة، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرّك. فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها. فبعث الله تعالى بينهما ملكاً حكماً، فقال: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [آل عمران: 185] وأنا ذقته، وقال: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] وقد وردتها؛ وقال: {أية : وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} تفسير : [الحجر: 48] فكيف أخرج؟ قال الله تبارك وتعالى لملك الموت: «حديث : بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج»تفسير : . فهو حي هنالك فذلك قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال النحاس: قول إدريس: «وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ» يجوز أن يكون الله أعلم هذا إدريس، ثم نزل القرآن به. قال وهب بن منبه: فإدريس تارة يرتع في الجنة، وتارة يعبد الله تعالى مع الملائكة في السماء.
البيضاوي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ} وهو سبط شيث وجد أبي نوح عليهم الصلاة والسلام، واسمه أخنوخ واشتقاق إدريس من الدرس يرده منع صرفه، نعم لا يبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريباً من ذلك فلقب به لكثرة درسه، إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب. {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً}.
ابن كثير
تفسير : ذكر إدريس عليه السلام بالثناء عليه بأنه كان صديقاً نبياً، وأن الله رفعه مكاناً علياً، وقد تقدم في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة. وقد روى ابن جرير ههنا أثراً غريباً عجيباً فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير ابن حازم عن سليمان الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعباً، وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله عز وجل لإدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} فقال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال له: إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هوذا على ظهري. قال ملك الموت: العجب، بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس: أنه سأل كعباً، فذكر نحو ما تقدم، غير أنه قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله، يعني: ملك الموت، كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل؟ وذكر باقيه، وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر، فنظر ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه، فإذا هو قد قبض عليه السلام، وهو لا يشعر به، ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس: أن إدريس كان خياطاً، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملاً منه، وذكر بقيته كالذي قبله أو نحوه. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: إدريس رفع، ولم يمت؛ كما رفع عيسى، وقال سفيان عن منصور عن مجاهد: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: السماء الرابعة، وقال العوفي عن ابن عباس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم. وقال الحسن وغيره في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: الجنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِدْرِيسَ } هو جدّ أبي نوح {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {.... وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} فيه قولان: أحدهما: أن إدريس رفع إلى السماء الرابعة، وهذا قول أنس بن مالك في حديث مرفوع، وأبي سعيد الخدري، وكعب، ومجاهد. الثاني: رفعه إلى السماء السادسة، قاله ابن عباس، والضحاك، وهو مرفوع في السماء. واختلفوا في موته فيها على قولين: أحدهما: أنه ميت فيها، قاله مقاتل وقيل أنه مات بين السماء الرابعة والخامسة. الثاني: أنه حيّ فيها لم يمت مثل عيسى. روى ابن إسحاق أن إدريس أول من أُعْطِي النبوة من ولد آدم وأول من خط بالقلم، وهو أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن آنوش بن شيث بن آدم. وحكى ابن الأزهر عن وهب بن منبه أن إدريس أول من اتخذ السلاح وجاهد في سبيل الله وسبى، ولبس الثياب وإنما كانوا يلبسون الجلود، وأول من وضع الأوزان والكيول، وأقام علم النجوم، والله أعلم.
ابن عطية
تفسير : {إدريس} عليه السلام هو من أجداد نوح عليه السلام، وهو أول نبي بعث الى أهل الأرض، فيما روي، من بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم وكان خياطاً، ووصفه الله بـ"الصدق" والوجه أن يحمل ذلك على العموم في الأحاديث والأعمال. قال ابن مسعود هو الياس بعث إلى قومه بأن يقولوا لا إله إلا الله. ويعملوا ما شاؤوا فأبوا فأهلكوا، والأشهر أنه لم يبعث بإهلاك أمة وإنما نبىء فقط واختلف الناس في قوله {ورفعناه مكاناً علياً}. فقال جماعة من العلماء هو رفع النبوءة والتشريف والمنزلة وهو في السماء كما سائر الأنبياء، وقالت فرقة: بل رفع الى السماء، قال ابن عباس: كان ذلك بأمر الله كما رفع عيسى وهنالك مات، وقال مجاهد إلا أنه قال: ولم يمت، وكذلك قال وهب وقال كعب الأحبار لابن عباس كان له خليل من الملائكة فحمله على على جناحه وصعد به حتى بلغ السماء الرابعة فلقي هنالك ملك الموت فقال له إنه قيل لي اهبط إلى السماء الرابعة فاقبض فيها روح {إدريس} وإني لأعجب كيف يكون هذا، فقال له الملك الصاعد هذا {إدريس} معي فقبض روحه وروي أن هذا كله كان في السماء السادسة قاله ابن عباس، وكذلك هي رتبته في حديث الإسراء في بعض الروايات وحديث أنس بن مالك وأبي هريرة في الإسراء يقتضي أنه في السماء الرابعة. وقوله تعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم} الإشارة بـ {أولئك} إلى من تقدم ذكره، وقوله {من ذرية آدم} يريد {إدريس} ونوحاً وممن حمل مع نوح إبراهيم عليه السلام، {ومن ذرية إبراهيم} وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ومن ذرية {إسرائيل} موسى وهارون وزكرياء ويحيى ومريم. وقوله {وممن هدينا} معناه وأولئك ممن هدينا، لأن هدى الله قد ناله غير هؤلاء. {واجتبينا} معناه اصطفينا واخترنا وكأنه من جبيت المال إذا جمعته ومنه جباية المال وكأن جابيه يصطفيه، وقرأ الجمهور "إذا تتلى" بالتاء من فوق وقرأ نافع وشيبة، وأبو جعفر "إذا يتلى " بالياء، و"الآيات" هنا الكتب المنزلة، و{سجداً} نصب على الحال لأن مبدأ السجود سجود، وقرأ عمر بن الخطاب والجمهور "بكياً" قالت فرقة: هو جمع باك كما يجمع عاث وجاث على عثيّ وجثي، وقال فرقة: هو مصدر بمعنى البكاء التقدير وبكوا {بكياً} واحتج الطبري ومكي لهذا القول بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه روي أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال "هذا السجود فأين البكي" يعني البكاء، واحتجاجهم بهذا فاسد لأنه يحتمل أن يريد عمر رضي الله عنه "فأين الباكون"، فلا حجة فيه لهذا وهذا الذي ذكروه عن عمر ذكره أبو حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ ابن مسعود ويحيى والأعمش "وبكياً" بكسر الباء وهو مصدر على هذه القراءة لا يحتمل غير ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِدْرِيسَ} أو من أعطي النبوة وأول من خط بالقلم.
البقاعي
تفسير : ولما كان إسماعيل عليه السلام قد رفع بالسكنى حياً إلى أعلى مكان في الأرض رتبة، وكان أول نبي رمى بالسهام، وكان إدريس عليه السلام - مع رفعته إلى المكان العلي - أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم النجوم والحساب، وخط بالقلم، وخاط الثياب ولبس الجبة وكان أغربهم قصة، وأعجبهم أمراً، وأقدمهم زمناً، ختم به هذه القصص تأييداً لهذا النبي الكريم، بما بين له من القصص التي هي أغرب مما أمر اليهود بالتعنت فيه، وإشارة إلى أن الله تعالى يؤتي أتباعه من علوم إدريس الأرضية والسماوية مما يستحق أن يحفظ بالخط ويودع بطون الكتب لضيق الصدور عن حفظه ما لم يؤته أمة من الأمم، وأنه يجمع شملهم، وترهيباً للمتعنتين بأنهم إن لم ينتهوا وضع فيهم السلاح كما فعل إدريس عليه السلام بكفار زمانه فقال: {واذكر في الكتاب} أي الجامع لكل ما يحتاج إليه من القصص المتقدمين والمتأخرين {إدريس} أي الذي هو أبعد ممن تعنت بهم اليهود زماناً، وأخفى منهم شأناً، وهو جد أبي نوح عليه السلام واسمه حنوخ بمهملة ونون وآخره معجمة {إنه كان صديقاً} أي صادقاً في أقواله وأفعاله، ومصدقاً بما أتاه عن الله من آياته على ألسنة الملائكة {نبياً *} ينبئه الله تعالى بما يوحيه إليه من الأمر العظيم، رفعة لقدره، فينبىء به الناس الذين أرسل إليهم {ورفعناه} جزاء منا له على تقواه وإحسانه، رفعة تليق بعظمتنا، فأحللناه {مكاناً علياً *} أي الجنة أو السماء الرابعة، وهي التي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بها ليلة الإسراء؛ قال ابن قتيبة في المعارف: وفي التوراة أن أخنوخ أحسن قدام الله فرفعه إليه - انتهى. وفي نسخة ترجمه التوراة وهي قديمة جداً وقابلتها مع بعض فضلاء الربانيين من اليهود وعلى ترجمة سعيد الفيومي بالمعنى وكان هو القارىء ما نصه: وكانت جميع حياة حنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنة، فأرضى حنوخ الله ففقد لأن الله غيبه، وفي نسخة أخرى: لأن الله قبله، وفي أخرى: لأن الله أخذه. وهو قريب مما قال ابن قتيبة، لأن أصل الكلام عبراني، وإنما نقله إلى العربي المترجمون، فكل ترجم على قدر فهمه من ذلك اللسان، ويؤيد أن المراد الجنة ما في مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي عن معجمي الطبراني - الأوسط والأصغر إن لم يكن موضوعاً: حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي ثنا حجاج بن محمد بن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن إدريس عليه السلام كان صديقاً لملك الموت فسأله أن يريه الجنة والنار، فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها، وكاد يغشى عليه فالتف عليه ملك الموت بجناحه، فقال ملك الموت: أليس قد رأيتها؟ قال: بلى! ولم أر كاليوم قط، ثم انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك الموت: انطلق! قد رأيتها، قال: إلى أين؟ قال ملك الموت: حيث كنت، قال إدريس: لا والله! لا أخرج منها بعد إذ دخلتها، فقيل لملك الموت: أليس أنت أدخلته إياها وأنه ليس لأحد دخلها أن يخرج منها . تفسير : وقال: لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، وقال الحافظ نور الدين: إبراهيم المصيصي متروك. قلت وفي لسان الميزان لتلميذه شيخنا حافظ العصر ابن حجر عن الذهبي أنه كذاب، وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث، أي يدلس تدليس التسوية. وفي تفسير البغوي عن وهب قريب من هذا، وفيه أنه سأل ملك الموت أن يقبض روحه ويردها إليه بعد ساعة، فأوحى الله إليه أن يفعل، وفيه أنه احتج في امتناعه من الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه، وأنه لا بد من ورود النار وقد وردها، وأنه ليس أحد يخرج من الجنة، فأوحى الله إلى ملك الموت: بإذني دخل الجنة - يعني: فخلِّ سبيله - فهو حي هناك. وفي تفسير البغوي أيضاً عن كعب وغيره أن إدريس عليه السلام مشى ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب! فكيف بمن يحملها؟ اللهم! خفف عنه من ثقلها، فخفف عنه فسأل ربه عن السبب فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة، فأتاه فسأله إدريس عليه السلام أن يسأل ملك الموت أن يؤخر أجله، فقال: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه، فرفع إدريس عليه السلام فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت وكلمه فقال: ليس ذلك إليّ، ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيتقدم في نفسه، قال: نعم! فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال: وكيف ذلك؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: فإني أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس - عليه السلام - شيء، فرجع الملك فوجده ميتاً. ومن جيد المناسبات أن إسماعيل وإدرس عليهما الصلاة والسلام اشتركا في البيان بالعلم واللسان، فإسماعيل عليه السلام أول من أجاد البيان باللسان، وإدريس عليه السلام أول من أعرب الخطاب بالكتاب، فقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : أول من فتق لسانه بهذه العربية إسماعيل عليه السلامتفسير : . ولأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام . تفسير : ولما انقضى كشف هذه الأخبار، العلية المقدار، الجليلة الأسرار، شرع سبحانه ينسب أهلها بأشرف نسبهم، ويذكر أمتن سببهم هزاً لمن وافقهم في النسب إلى الموافقة في السبب فقال: {أولئك} أي العالو الرتب، الشرفاء النسب {الذين أنعم الله} بما له من صفات الكمال التي بها أقام آدم عليه السلام وهم في ظهره، مع ما طبعه عليه من الأمور المتضادة حتى نجاه من مكر إبليس، ونجى بها نوحاً عليه السلام وهم في صلبه من ذلك الكرب العظيم، وإبراهيم عليه السلام وهم في قواه مع اضطرام النار وإطفاء السن وإصلاد العظم، وأعلى بها إسرائيل عليه السلام وبنيه في سوط الفراق وامتهان العبودية وانتهاك الاتهام حتى كان أبناؤه معدن الملوك والأنبياء، ومحل الأتقياء والأصفياء، إلى غير ذلك من جليل الأنبياء وعظيم الأصطفاء والاجتباء {عليهم} بما خصهم به من مزيد القرب إليه، وعظيم المنزلة لديه؛ وبين الموصول بقوله: {من النبيين} أي المصطفين للنبوة الذين أبنأهم الله بدقائق الحكم، ورفع محالهم بين الأمم، وأنبؤوا الناس بجلائل الكلم، وأمروهم بطاهر الشيم. ولما كانوا بعض بني آدم الذين تقدم أنا كرمناهم، قال إشارة إلى ما في ذلك من النعمة عليهم وهم يرونها: {من ذرية ءادم} صفينا أبي البشر الذي خلقه الله من التراب بيده، وأسجد له ملائكته، وإدريس أحقهم بذلك. ولما كان في إنجاء نوح عليه السلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا يخفى، نبه عليه بنون العظمة في قوله مشيراً إلى أعظم النعمة عليهم بالتبعيض، وإلى أن نبيهم من ذريته كما كان هو من ذرية إدريس عليه السلام الذي هو من ذرية آدم، فكما كان كل منهم رسولاً فكذلك هو وإبراهيم أقربهم إلى ذلك: {وممن حملنا مع نوح} صفينا أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل الأرض وإشراكهم، من خلص العباد، وأهل الرشاد، وجعلناه شكوراً، وإبراهيم أقربهم إلى ذلك {ومن ذرية إبراهيم} خليلنا الذي كان له في إعدام الأنداد ما اشتهر به من فضله بين العباد، وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك، ثم يعقوب {وإسراءيل} صفينا، وهم الباقون: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم بنت داود - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام - فكما كان هؤلاء رسلاً وهم من ذرية إبراهيم الذي هو من ذرية نوح فكذا نبيكم الذي هو من ذرية إسماعيل الذي هو من إبراهيم لصلبه وهو أول أولاده كما كان إسرائيل من ذريته، فالإرسال من ذرية من هو ابنه لصلبه أولى من الإرسال من ذرية من بينه وبينه واسطة، وإلا كان بنو إسرائيل أشرف منكم وأبوهم أشرف من أبيكم، فلا تردوا الكرامة، يا من يتنافسون في المفاخرة والزعامة {وممن هدينا} إلى أقوم الطرق {واجتبينا} أي فعلنا بهم فعل من يتخير الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من النعم ما يجل عن الوصف؛ وعطف الأوصاف بالواو إشارة إلى التمكن فيها. ولما ذكر ما حباهم به، ذكر ما تسبب عن ذلك فقال مستأنفاً {إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن} العام النعمة، فكيف بهم إذا أعلاهم جلال أو خصتهم رحمة من جلائل النعم، من فيض الجود والكرم، فسمعوا خصوص هذا القرآن { خروا سجداً} للمنعم عليهم تقرباً إليه، لما لهم من البصائر المنيرة في ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم {وبكياً *} خوفاً منه وشوقاً إليه، فوصفهم بسرعة الخشوع من ذكر الله الناشىء عن دوام الخضوع والناشىء عنه الإسراع بالسجود في حالة البكاء، وجعلهما حالتين بالعطف بالواو لعراقة المتحلي بهما في كل منهما عل انفراده، وعبر بالاسم في كل من السجود والبكاء، إشارة إلى أن خوفهم دائم كما أن خضوعهم دائم لعظمة الكبير الجليل، لأن تلك الحضرة لا تغيب عنهم أصلاً، وإن حصل غير البكاء فللتأنيس لمن أرسلوا إليه ليوصلوه إلى قريب من رتبتهم بحسن عشرتهم على تفاوت المراتب، وتباين المطالب، وحذف ذكر الأذقان لدلالتها - كما تقدم في سبحان - على نوع دهشة، فهي - وإن أعلت صاحبها عمن لم يبلغها - حالة دون مقام الراسخين في حضرة الجلال، لأنهم - مع كونهم في الذروة من مقام الخوف - في أعلى درجات الكمال من حضور الفكر وانشراح الصدر - لتلقي واردات الحق وإلقائها إلى الخلق، انظر إلى ثبات الصديق رضي الله عنه - لعلو مقامه عن غيره - عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه أوفاهم من المحبة مشرباً، وأصفاهم مورداً، وأوفرهم حزناً، وأكثرهم غماً وهماً، حتى أنه اعتراه لذلك مرض السل حتى مات به وجداً وأسفاً ومن هنا تعلم السر في إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الأنبجانية التي ألهت في الصلاة بأعلامها في الصلاة إلى أبي جهم لأنه رضي الله عنه ربما كان من أهل الجمع في الصلاة فلا يرى غيره سبحانه فناء عن كل فان بخلاف النبي فإنه لكماله متمكن في كل من مقامي الجمع والفرق في كل حالة ولهذا يرى من خلفه في الصلاة ولا يخفى عليه خشوعهم. ولما كان من المقاصد العظيمة تبكيت اليهود، لأنهم أهل الكتاب وعندهم من علوم الأنبياء ما ليس عند العرب وقد استرشدوهم واستنصحوهم، فقد كان أوجب الواجبات عليهم محض النصح لهم، فأبدى سبحانه من تبكيتهم ما تقدم إلى أن ختمه بأن جميع الأنبياء كانوا لله سجداً ولأمره خضعاً، عقب ذلك بتوبيخ هو أعظم داخل فيه وهو أشد مما تقدم لمن خاف الله ورسله فقال: {فخلف من بعدهم} أي في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعاً {خلف} هم في غاية الرداءة {أضاعوا الصلاة} الناهية عن الفحشاء والمنكر التي هي طهرة الأبدان، وعصمة الأديان، وأعظم الأعمال، بتركها أو تأخيرها عن وقتها والإخلال بحدودها، فكانوا لما سواها أضيع، فأظلمت قلوبهم فأعرضوا عن داعي العقل {واتبعوا} أي بغاية جهدهم {الشهوات} التي توجب العار في الدنيا والنار في الآخرة، فلا يقربها من يستحق أن يعد بين الرجال، من تغيير أحكام الكتاب وتبديل ما فيه مما تخالف الأهواء كالرجم في الزنا، وتحريم الرشى والربا، ونحو ذلك، وأعظمه كتم البشارة بالنبي العربي الذي هو من ولد إسماعيل {فسوف يلقون} أي يلابسون - وعدا لا خلف فيه بعد طول المهلة - جزاء فعلهم هذا {غيّاً *} أي شراً يتعقب ضلالاً عظيماً، فلا يزالون في عمى عن طريق الرشاد لا يستطيعون إليه سبيلاً، وهم على بصيرة من أنهم على خطأ وضلال، ولكنهم مقهورون على ذلك بما زين لهم منه حتى صارت لهم فيه أتم رغبة، وذلك أعظم الشر، ولم يزل سبحانه يستدرجهم بالنعم إلى أن قطعوا بالظفر والغلبة حتى أناخت بهم سطوات العزة، فأخذوا على غرة، ولا أنكأ من الأخذ على هذه الصفة بعد توطين النفس على الفوز، وهو من وادي قوله { أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً} تفسير : [الإسراء: 97] مع قوله {أسمع بهم وأبصر} وجزاء من كان هذا ديدنه في الدنيا والآخرة معروف لكل من له أدنى بصيرة أنه العار ثم النار، وأيضاً فإن من ضل أخطأ طريق الفلاح من الجنة وغيرها فخاب، ومن خاب فقد هلك؛ قال أبو علي الجبائي: والغي هو الخيبة في اللغة - انتهى. ويجوز أن يراد بالغي الهلاك، إما من قولهم - أغوية - وزن أثفية - أي مهلكة، وإما من تسمية الشيء باسم ما يلزمه.
السيوطي
تفسير : أخرج الحكم عن سمرة قال: كان إدريس أبيض طويلاً ضخم البطن عريض الصدر قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت إحدى عينيه أعظم من الأخرى، وكانت في صدره نكتة بيضاء من غير برص، فلما رأى الله من أهل الأرض ما رأى من جورهم واعتدائهم في أمر الله، رفعه الله إلى السماء السادسة، فهو حيث يقول {ورفعناه مكاناً علياً}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه، فأمرهم الله أن يقولوا لا إله إلا الله، ويعملوا بما شاء، فأبوا، فأهلكهم الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ورفعناه مكاناً علياً} قال: كان إدريس خياطاً. وكان لا يغرز إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل منه عملاً، فاستأذن ملك من الملائكة ربه، فقال يا رب ائذن لي فاهبط إلى إدريس. فأذن له، فأتى إدريس فسلم عليه، وقال: إني جئتك لأحدثك، فقال: كيف تحدثني وأنت ملك وأنا إنسان، ثم قال إدريس هل بينك وبين ملك الموت شيء؟ قال الملك: ذاك أخي من الملائكة، فقال: هل يستطيع أن ينسئني عند الموت؟ قال: أما أن يؤخر شيئاً أو يُقّدِّمَهُ فلا، ولكن سأكلمه لك، فيرفق بك عند الموت، فقال: اركب بين جناحي، فركب إدريس، فصعد إلى السماء العليا، فلقي ملك الموت إدريس بين جناحيه، فقال له الملك إن لي إليك حاجة، قال: علمت حاجتك، تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة، ولم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين، فمات إدريس بين جناحي الملك. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: سألت كعباً عن رفع إدريس {مكاناً علياً} فقال: كان عبداً تقياً رفع له من العمل الصالح ما رفع لأهل الأرض في زمانه، فعجب الملك الذي كان يصعد عليه عمله، فاستأذن ربه قال: رب، ائذن لي آتي عبدك هذا فأزوره، فأذن له، فنزل قال: يا إدريس، أبشرْ، فإنه رفع لك من العمل الصالح ما لا رفع لأهل الأرض، قال: وما علمك؟! قال إني ملك. قال: وإن كنت ملكاً؟ قال: فإني على الباب الذي يصعد عليه عملك. قال: أفلا تشفع إلى ملك الموت، فيؤخر من أجلي لأزداد شكراً وعبادة؟ قال الملك: {أية : ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها} تفسير : [المنافقون: 11] قال: قد علمت، ولكنه أطيب لنفسي، فحمله الملك على جناحه، فصعد به إلى السماء فقال: يا ملك الموت، هذا عبد تقي، نبي رفع له من العمل الصالح ما لا يرفع لأهل الأرض، وإني أعجبني ذلك، فاستأذنت ربي عليه، فلما بشرته بذلك، سألني لأشفع له إليك لتؤخر له من أجله؛ ليزداد شكراً وعبادة. قال: ومن هذا؟ قال: إدريس، فنظر في كتاب معه حتى مر باسمه، فقال: والله ما بقي من أجل إدريس شيء، فمحاه، فمات مكانه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {ورفعناه مكاناً علياً} قال: رفع إلى السماء السادسة فمات فيها. وأخرج الترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه، عن قتادة في قوله: {ورفعناه مكاناً علياً} قال: حدثنا أنس بن مالك، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {ورفعناه مكاناً علياً} قال: في السماء الرابعة "تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه، والربيع مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال: رفع إدريس كما رفع عيسى ولم يمت. وأخرج ابن أبي حاتم بسند حسن، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إدريس هو إلياس. وأخرج ابن المنذر، عن عمر مولى غفرة يرفع الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : "إن إدريس كان نبياً تقياً زكياً، وكان يقسم دهره على نصفين: ثلاثة أيام يعلم الناس الخير، وأربعة أيام يسيح في الأرض، ويعبد الله مجتهداً. وكان يصعد من عمله وحده إلى السماء من الخير مثل ما يصعد من جميع أعمال بني آدم، وإن ملك الموت أحبه في الله، فأتاه حين خرج للسياحة فقال له: يا نبي الله، إني أريد أن تأذن لي في صحبتك. فقال له إدريس - وهو لا يعرفه - إنك لن تقوى على صحبتي. قال: بلى، إني أرجو أن يقويني الله على ذلك، فخرج معه يومه ذلك حتى إذا كان من آخر النهار مر براعي غنم، فقال ملك الموت لإدريس: يا نبي الله، إنا لا ندري حيث نمسي، فلو أخذنا جفرة من هذه الغنم فأفطرنا عليها؟ فقال له إدريس: لا تعد إلى مثل هذا، تدعوني إلى أخذ ما ليس لنا، من حيث نمسي يأتي الله برزق! فلما أمسى أتاه الله بالرزق الذي كان يأتيه، فقال لملك الموت: تقدم فكل. فقال ملك الموت: لا والذي أكرمك بالنبوة ما أشتهي. فأكل إدريس وقاما جميعاً إلى الصلاة، ففتر إدريس وكل ومل ونعس، وملك الموت لا يفتر ولا يمل ولا ينعس، فعجب منه وقال: قد كنت أظن أني أقوى الناس على العبادة فهذا أقوى مني! فصغرت عنده عبادته عندما رأى منه. ثم أصبحا فساحاً، فلما كان آخر النهار مرا بحديقة عنب فقال ملك الموت لإدريس: يا نبي الله، لو أخذنا قطفاً من هذا العنب لأنا لا ندري حيث نمسي. فقال إدريس: ألم أنهك عن هذا وأنت حيث تمسي يأتينا الله برزق! فلما أمسى أتاه الله الرزق الذي كان يأتيه فأكل إدريس، فقال لملك الموت هلم فكل. فقال: لا والذي أكرمك بالنبوة يا نبي الله، لا أشتهي. فعجب! ثم قاما إلى الصلاة ففتر إدريس أيضاً، وكل ومل، وملك الموت لا يكلّ ولا يفتر ولا ينعس. فقال له عند ذلك إدريس: لا والذي نفسي بيده ما أنت من بني آدم! فقال له ملك الموت عنده ذلك: أجل لست من بني آدم. فقال له إدريس: فمن أنت؟ قال: أنا ملك الموت. فقال له إدريس: أمرتَ فيَّ بأمر؟ فقال له: لو أمرت فيك بأمر ما ناظرتك، ولكني أحبك في الله، وصحبتك له. فقال له إدريس: يا ملك الموت، إنك معي ثلاثة أيام بلياليها لم تقبض روح أحد من الخلق؟ قال: بلى والذي أكرمك بالنبوة يا نبي الله، إني معك من حين رأيت، وإني أقبض نفس من أمرت بقبض نفسه في مشارق الأرض ومغاربها، وما الدنيا عندي إلا بمنزلة المائدة بين يدي الرجل، يمد يده ليتناول منها ما شاء. فقال له إدريس: يا ملك الموت، أسألك بالذي أحببتني له وفيه ألا قضيت لي حاجة أسألكها؟ فقال له ملك الموت: سلني ما أحببت يا نبي الله. فقال: أحب أن تذيقني الموت، وتفرق بين روحي وجسدي حتى أجد طعم الموت، ثم ترد إلي روحي. فقال له ملك الموت - عليه السلام - : ما أقدر على ذلك، إلا أن استأذن فيه ربي، فقال له إدريس - عليه السلام - فاستأذنه في ذلك. فعرج ملك الموت إلى ربه، فأذن له، فقبض نفسه وفرق بين روحه وجسده، فلما سقط إدريس عليه السلام ميتاً، رد الله إليه روحه، وطفق يمسح وجهه وهو يقول: يا نبي الله، ما كنت أريد أن يكون هذا حظك من صحبتي! فلما أفاق، قال له ملك الموت: يا نبي الله، كيف وجدت؟ قال: يا ملك الموت، قد كنت أحدث وأسمع، فإذا هو أعظم مما كنت أحدث وأسمع! ثم قال: يا ملك الموت، أريد منك حاجة أخرى قال: وما هي؟ قال: تريني النار حتى أنظر إلى لمحة منها. فقال له ملك الموت: وما لك وللنار، إني لأرجو أن لا تراها، ولا تكون من أهلها، قال: بلى أريد ذلك؛ ليكون أشد لرهبتي وخوفي منها! فانطلق إلى باب من أبواب جهنم فنادى بعض خزنتها فأجابوه، وقالوا: من هذا؟ قال: أنا ملك الموت - فارتعدت فرائصهم - قالوا: أمرت فينا بأمر؟ فقال: لو أمرت فيكم بأمر ما ناظرتكم، ولكن نبي الله إدريس - عليه السلام - سألني أن تروه لمحة من النار. ففتحوا له قدر ثقب المخيط فأصابه من حرها ولهبها وزفيرها ما صعق! فقال ملك الموت: أغلقوا! فأغلقوا، فمسح ملك الموت وجهه وهو يقول: يا نبي الله، ما كنت أحب أن يكون هذا حظك من صحبتي. فلما أفاق قال له ملك الموت: يا نبي الله، كيف رأيت؟ قال: يا ملك الموت، كنت أحدث وأسمع، فإذا هو أعظم مما كنت أحدث وأسمع! فقال له: يا ملك الموت، قد بقيت لي حاجة أخرى لم يبق غيرها. قال: وما هي؟ قال: تريني لمحة من الجنة. قال له ملك الموت - عليه السلام: يا نبي الله أبشر! فإنك إن شاء الله من خيار أهلها، وأنها إن شاء الله مقيلك ومصيرك. فقال: يا ملك الموت، إني أحب أن أنظر إليها، ولعل ذلك أن يكون أشد لشوقي وحرصي وطلبي! فذهب به إلى باب من أبواب الجنة، فنادى بعض خزنتها فأجابوه، فقالوا: من هذا؟ قال: ملك الموت. فارتعدت فرائصهم، وقالوا: أمرت فينا بشيء؟ فقال: لو أمرت فيكم بشيء ما ناظرتكم، ولكن نبي الله إدريس - عليه السلام - سأل أن ينظر إلى لمحة من الجنة فافتحوا. فلما فتح أصابه من بردها وطيبها وريحانها ما أخذ بقلبه فقال: يا ملك الموت، إني أحب أن أدخل الجنة فآكل أكلة من ثمارها، وأشرب شربة من مائها، فلعل ذلك أن يكون أشد لطلبتي ورغبتي وحرصي. فقال: ادخل. فدخل فأكل من ثمارها، وشرب من مائها. فقال له ملك الموت، اخرج يا نبي الله، قد أصبت حاجتك حتى يردك الله مع الأنبياء يوم القيامة. فاحتضن بساق شجرة من شجر الجنة وقال: ما أنا بخارج منها، وإن شئت أن أخاصمك خاصمتك. فأوحى الله إلى ملك الموت، قاضه الخصومة. فقال له ملك الموت: ما الذي تخاصمني به يا نبي الله؟ فقال إدريس: قال الله تعالى {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] فقد ذقت الموت الذي كتبه الله على خلقه مرة واحدة. وقال الله: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً} [مريم: 71] وقد وردتها، أفأردها مرة بعد مرة؟ وإنما كتب الله ورودها على خلقه مرة واحدة، وقال لأهل الجنة: {وما هم منها بمخرجين} [الحجر: 48] أفأخرج من شيء ساقه الله إليّ؟ فأوحى الله إلى ملك الموت، خصمك عبدي إدريس، وعزتي وجلالي: إن في سابق علمي قبل أن أخلقه أنه لا موت عليه إلا الموتة التي ماتها، وأنه لا يرى جهنم إلا الورد الذي وردها، وأنه يدخل الجنة في الساعة التي دخلها، وأنه ليس بخارج منها، فدعه يا ملك الموت، فقد خصمك وإنه احتج عليك بحجة قوية. فلما قر قرار إدريس في الجنة، وألزمه الله دخولها قبل الخلائق، عجب الملائكة إلى ربهم فقالوا: ربنا خلقتنا قبل إدريس بكذا وكذا، ألف سنة، ولم نعصك طرفة عين، وإنما خلقت إدريس منذ أيام قلائل، فأدخلته الجنة قبلنا؟ فأوحى الله إليهم: يا ملائكتي، إنما خلقتكم لعبادتي وتسبيحي وذكري، وجعلت فيها لذتكم، ولم أجعل لكم لذة في مطعم ولا مشرب ولا في شيء سواها، وقوّيتكم عليها، وجعلت في الأرض الزينة والشهوات واللذات والمعاصي والمحارم، وإنه اجتنب ذلك كله من أجلي، وآثر هواي على هواه، ورضاي ومحبتي على رضاه ومحبته، فمن أراد منكم أن يدخل مدخل إدريس فليهبط إلى الأرض، فليعبدني بعبادة إدريس، ويعمل بعمل إدريس، فإن عمل مثل إدريس أدخله مدخل إدريس، وإن غير أو بدل استوجب مدخل الظالمين. فقالت الملائكة: ربنا لا نطلب ثواباً، ولا تصيبنا بعقاب، رضينا بمكاننا منك يا رب، وفضيلتك إيانا. وانتدب ثلاثة من الملائكة: هاروت وماروت، وملك آخر رضوا به، فأوحى الله إليهم: "أما إذا اجتمعتم على هذا فاحذروا إن نفعكم الحذر، فإني أنذركم، اعلموا أن أكبر الكبائر عندي أربع: - فما عملتم سواها غفرته لكم، وإن عملتموها لم أغفر لكم". قالوا وما هي؟ قال: أن لا تعبدوا صنماً ولا تسفكوا دماً ولا تشربوا خمراً ولا تطؤوا محرماً. فهبطوا إلى الأرض على ذلك، فكانوا في الأرض على مثل ما كان عليه إدريس: يقيمون أربعة أيام في سياحتهم، وثلاثة أيام يعلمون الناس الخير، ويدعونهم إلى عبادة الله تعالى وطاعته. حتى ابتلاهم الله بالزهرة، وكانت من أجمل النساء. فلما نظروا إليها افتتنوا بها - أراد الله ولما سبق عليهم في علمه مع خذلان الله إياهم - فنسوا ما تقدم إليهم، فسألوها نفسها. قالت لهم: نعم. ولكن لي زوج لا أقدر على ما تريدون مني إلا أن تقتلوه، وأكون لكم. فقال بعضهم لبعض: إنا قد أمرنا أن لا نسفك دماً، ولا نطأ محرماً، ولكن نفعل هذا مع هذا، ثم نتوب من هذا كله. فلما أحس الثالث بالفتنة، عصمه الله من ذلك كله بالسماء فدخلها فنجا، وأقام هاروت وماروت لما كتب عليهما، فنشدا على زوجها فقتلاه. فلما أراداها، قالت: لي صنم أعبده، وأنا أكره معصيته وخلافه، فإن أردتما، فاسجدا له سجدة واحدة. فدعتهما الفتنة إلى ذلك، فقال أحدهما لصاحبه: إنا قد أمرنا أن لا نسفك دماً ولا نطأ محرماً، ولكنا نفعله، ثم نتوب من جميعه، فسجدوا لذلك الصنم. فلما أراداها قالت لهما: قد بقيت لي حاجة أخرى قالا: وما هي؟ قالت: لي شراب لا يطيب لي من العيش إلا به. قالا: وما هو؟ قالت: الخمر. فدعتهما الفتنة إلى ذلك، فقال أحدهما لصاحبه: إنا قد أمرنا أن لا نشرب خمراً فقال الآخر: إنا قد أمرنا أن لا نسفك دماً، ولا نطأ محرماً، ولكنا نفعله، ثم نتوب من جميعه. فشربا الخمر. فلما أراداها قالت: قد بقيت لي حاجة أخرى. قالا: وما هي؟ قالت: تعلماني الذي تعرجان به إلى السماء. فعلماها إياه، فلما تكلمت به عرجت إلى السماء، فلما انتهت إلى السماء مسخت نجماً، فلما ابتليا بما ابتليا به، عرجا إلى السماء، فغلقت أبواب السماء دونهما، وقيل لهما أن السماء لا يدخلها خطاء، فلما منعا من دخول السماء، وعلما أنهما قد افتتنا وابتليا، عجا إلى الله بالدعاء والتضرع والإبتهال، فأوحى الله إليهما: حل عليكما سخطي، ووجبت فيما تعرضتما، واستوجبتما، وقد كنتما مع ملائكتي في طاعتي وعبادتي، حتى عصيتما فصرتما بذلك إلى ما صرتما إليه من معصيتي وخلاف أمري، فاختارا إن شئتما عذاب الدنيا وإن شئتما عذاب الآخرة. فعلما أن عذاب الدنيا وإن طال فمصيره إلى زوال، وأن عذاب الآخرة ليس له زوال ولا انقطاع، فاختارا عذاب الدنيا، فهما ببابل معلقين منكوسين مقرنين إلى يوم القيامة "تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند، عن بعض أصحابه قال: كان ملك الموت صديقاً لإدريس عليه السلام، فقال له إدريس يوماً: يا ملك الموت، قال: لبيك. قال: أمتني، فأرني كيف الموت؟ قال له ملك الموت: سبحان الله يا إدريس!، إنما يفر أهل السموات والأرض من الموت، وتسألني أن أريك كيف الموت؟ قال: إني أحب أن أراه، فلما ألح عليه قال له: يا إدريس، أنا عبد مملوك مثلك، وليس إليّ من الأمر شيء. قال: فصعد ملك الموت فقال: رب إن عبدك سألني أن أريه الموت كيف هو؟ قال الله له: فأمته. فقال له ملك الموت: يا إدريس، إنما يفر الخلق من الموت، قال: فأرني. فلما مات بقي ملك الموت لا يستطيع أن يرد نفسه إليه، فقال: يا رب، قد ترى ما إدريس فيه؟ فرد الله إليه روحه، فمكث ما شاء حياً، ثم قال يا ملك الموت: أدخلني الجنة فأنظر إليها؟ قال له: يا إدريس، إنما أنا عبد مملوك مثلك ليس إليّ من الأمر شيء، فألح عليه فقال ملك الموت: يا رب، إن عبدك إدريس قد ألح عليّ فسألني أن أدخله الجنة فيراها؟ وقد قلت له: إنما أنا عبد مثلك، وليس إليّ من الأمر شيء. قال الله: فأدخله الجنة قال: إن الله علم من إدريس ما لا أعلم أنا، فاحتمله ملك الموت فأدخله الجنة، فكان فيها ما شاء الله، فقال له ملك الموت: اخرج بنا. قال: لا. قال الله: {أية : أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى} تفسير : [الصافات: 58] وقال الله: {أية : وما هم منها بمخرجين} تفسير : [الحجرات: 48] وما أنا بخارج منها. قال ملك الموت: يا رب، قد تسمع ما يقول عبدك إدريس. قال الله له: صدق عبدي هو أعلم منك، فاخرج منها ودعه فيها. فقال الله: {ورفعناه مكاناً علياً}. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً، ورفعناه مكاناً علياً} [مريم: 57 - 58] قال: كان إدريس أول نبي بعثه الله في الأرض. وإنه كان يعمل فيرفع عمله مثل نصف أعمال الناس، ثم إن ملكاً من الملائكة أحبه فسأل الله أن يأذن له فيأتيه، فأذن له فأتاه فحدثه بكرامته على الله فقال: يا أيها الملك، أخبرني كم بقي من أجلي لعلي أجتهد لله في العمل. قال: يا إدريس، لا يعلم هذا إلا الله. قال: فهل تستطيع أن تصعد بي إلى السماء؟؛ فأنظر في ملك الله؛ فأجتهد لله في العمل. قال: لا. إلا أن تشفع، فتشفع فأمر به، فحمله تحت جناحيه فصعد به حتى إذا بلغ السماء السادسة، استقبل ملك الموت نازلاً من عند الله فقال: يا ملك الموت، أين تريد؟ قال: أقبض نفس إدريس. قال: وأين أمرت أن تقبض نفسه؟ قال: في السماء السادسة. فذهب الملك ينظر إلى إدريس، فإذا هو برجليه يخفقان قد مات، فوضعه في السماء السادسة.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: الصديق الذى لا يطلب الطريق الصدق من غيره ويكون له أن يطالب غيره بحقيقة الصدق. وقال الحسين: الصديق: الذى لا يجرى عليه كلفة فى شواهده لمشاهدة الحق فتولاه الحق فلا يرى شيئًا إلا من الحق. وقال: الصديق: الذى يكون مع الله فى حكم ما أوجب، ولا يكون على شره أثر من الأكوان ويكون وجدان الذات لم يشهده الحق غيره وهو أعمى عن الكون ويكون له مع الحق فستحمل به الواردات لا يذكر برؤية الكون غير الحق ولا يبدله الحق بالنظر إليه غيرة عليه.
القشيري
تفسير : الصِّدِّيق كثير الصدق، لا يشوب صدقه مَذْقٌ، ويكون قائماً بالحقِّ للحق، ولا يكون فيه نَفَسٌ لغير الله. {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}: درجة عظيمة في التربية لم يُسَاوِه فيها أَحَدٌ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً} اى اذكر ما كشفت لادريس من اسرار الملكوت وانوار الجبروت وطيرانه في الجنان وشهوده مشاهدة الرحمن قال ابو بكر الطمسَّانى الصديق الذى لا ----- الصدق من غيره ويكون له ان يطالب غيره بحقيقة الصدق ثم وصفهم جميعاً بانهم منعمون عليهم بالمعجزات الرفيعة والكرامات الشريفة والقرباتُ المداناة بقوله {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} ثم وصفهم مع ما انعم عليهم بالخشوع والخضوع والبكاء والوجود في السجود بعد ما اعطاهم الاصطفائية والاجتبائية والمعرفة والاصابة والحكمة والمشاهدة والشوق والمحبة انظر الى ذكر هياجانهم وشوقهم الى لقائه ووجدهم بقربه وحركاتهم في فى اجلاله عند نزول الأيات عليهم بقوله {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} ما اطيب لك البكاء وما احلى ذلك السجود بكافهم من رؤية عظمته وسجودهم من كشف عزته وحركاتهم من شدة شوقهم الى معان المشاهدات واسرار المداناة شعر : الا يا صبا بخدمتى هجت من نجد لقد زادنى مسراك وجدا على وجد بكل تداوينا فلم يشف ما بنا على ان قرب الدار خير من البعد تفسير : ثم ان الله سبحانه ذكر المخالفين عقب ذكر الانبياء والمرسلين وذمهم بروعاتهم عن سبل اهل السعادة واقتحامهم غايات اهل الضلالة بقوله {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ} لما استكبروا عن متابعة اهل الحق وادعوا بالدعاوى الباطلة سقطوا عن امين القوم واتجبوا بما رأوا من انفسهم من الترهات والطامات والمزخرفات والاباطيل من الخيالات والمحالات عن لطائف الطاعات ومقام المناجاة وحسن المراقبات ووقعوا فى ورطات الشهوات وصاروا أئمة الضلالات قال محمد بن حامد اولئك قوم حرموا تعظيم الانبياء والاولياء والصديقين فحجبهم الله من معرفته واصابتهم شقاوة تلك الحال فاضاعوا الصلاة التي هى محل وصلة العبد مع سيده ترسموا بها ولم يتحققوا فيها واتبعوا أراءهم واهواءهم فاصابهم الخذلان وحرموا بذلك السعادة واثر الشقاوة على العبيد هو جرمان بخدمة وتصغير من عظم الله حرمته.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذكر فى الكتاب ادريس} هو جد ابى نوح فان نوحا بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ وهو ادريس النبى عليه السلام ابن يرد بن مهلاييل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم ولد وآدم حى قبل ان يموت بمائة سنة كذا فى روضة الخطيب. وقال الكاشفى [درجامع الاصول آورده كه ادريس بصد سال بعد ازوفات آدم متولد شده] هو اول من وضع الميزان والمكيال واول من اتخذ السلاح وجاهد فى سبيل الله وسبى واسترق بنى قابيل واول من خط بالقلم ونظر فى علم الحساب والنجوم واول منى خاط الثياب وكانوا يلبسون الجلود واول من لبس ثوب القطن واشتقاقه من الدرس يمنعه صرفه نعم لا يبعد ان يكون فى تلك اللغة قريبا من ذلك فلقب به لكثرة دراسته اذ روى انه تعالى انزل عليه ثلاثين صحيفة {انه كان صديقا} ملازما للصدق فى جميع احواله {نبيا} خبر آخر لكان مخصص للاول اذ ليس كل صديق نبيا. قال عباس ان عطاء ادنى منازل المرسلين اعلى مراتب النبيين وادنى مراتب النبيين اعلى مرتب الصديقين وأدنى مراتب الصديقين اعلى مراتب المؤمنين.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {واذكر في الكتاب إِدريس} وهو سبط شيث، وجَدّ أبي نوح، فإنه نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس عليه السلام، واشتقاقه من الدرس؛ لكثرة دراسته لما أوحي إليه، وكثرة ذكره لله تعالى. رُوِيَ أنه كان خياطًا فكان لا يدخله الإبرة ولا يخرجها إلا بذكر الله. ورُوي أنه جاء إليه الشيطان يفتنه بفستق، فقال له: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في هذه الفُسْتقة؟ فقال له عليه السلام: (الله قادر على أن يدخل الدنيا كلها في سم هذه الإبرة، ونخس عينه)، ذكره السنوسي في شرح مقرأه. قال ابن وهب: إنه دعا قومه إلى لا إله إلا الله، فامتنعوا فهلكوا. وفي حديث أبي ذر: أنه رسول، وجمع بينه وبين حديث الشفاعة، وقولهم لنوح: إنك أول رسول، بأن تكون رسالته لقومه خاصة، كهود وصالح، وكذا آدم وشيث، فإنه أرسل لبنيه لتعليم الشرائع والإيمان، ولم يكونوا كفارًا، وخلفه في ذلك شيث، قال المحشي الفاسي: والأظهر عندي في نوح أنه أول رسول من أهل العزم، لا مطلقًا. قال ابن عطية: والأشهر أن إدريس عليه السلام لم يرسل، وإنما هو نبي فقط، وذهب إلى ذلك ابن بطال، ليسلم من المعارضة، وهي مدفوعة بما ذكرنا. هـ. فالمشهور أن إدريس رسول إلى قومه. رُوي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم والحساب، وخاط الثياب. قيل: وهو أول نبي بُعث إلى أهل الأرض. قال تعالى في وصفه: {إِنه كان صدِّيقًا نبيًّا}: خبران لكان، والثاني مخصص للأول؛ إذ ليس كل صديق نبي. {ورفعناه مكانًا عليًّا}، هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى. وقيل: علو الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا، كما قال تعالى في حق نبينا: {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} تفسير : [الشّرح: 4]، وقيل: الجنة، وقيل: السماء الرابعة، وهو الصحيح. رُوِيَ عن كعب وغيره في سبب رفعه أنه مشى ذات يوم في حاجته، فأصابه وهج الشمس وحرها، فقال: يا رب أنا مشيت يومًا، فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد! اللهمَّ خَفِّفْ عنه من ثقلها، واحمل عنه حرها، فلما أصبح الملَك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف، فقال: يا رب كلفتني بحمل الشمس، فما الذي قضيت فيه؟ فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أُخفف عنك حملها وحرّها فأجبته، قال: يا رب اجعل بيني وبينه خُلَّة، فأذن له، حتى أتى إدريس، فقال له إدريس: أخبرت أنك أكرم الملائكة عند مَلَك الموت، فاشفع لي ليؤخر أجلي، لأزداد شكرًا وعبادة، فقال له الملك: لا يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها، فقال: قد علمت ذلك، ولكنه أطيب لنفسي، قال: نعم، ثم حمله ملك الشمس على جناحه فرفعه إلى السماء. رُوي أنه مات هناك وردت إليه روحه بعد ساعة، فهو في السماء الرابعة حي. وهذه قصص الله أعلم بصحتها. وبالله التوفيق. الإشارة: ارتفاع المكان والشأن يكون على قدر صفاء الجنان، والإقبال على الكريم المنان، فبقدر التوجه والإقبال يكون الارتفاع والوصال. شعر : بقدر الكد تكسب المعالي وَمَنَ رَامَ العُلا سَهِرَ الليالي أتبغي العز ثم تنام ليلاً يَغُوصُ البحر منَ طلب اللآلي تفسير : قال بعضهم: من عامل الله على بساط الأنس: رفع، لا محالة، إلى حضرة القدس. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر مدحهم في الجملة.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) {اذكر في الكتاب} الذي هو القرآن {إدريس} واخبر انه كان كثير التصديق بالحق، وكان {نبياً} معظماً مبجلا مؤيداً بالمعجزات الباهرة. ثم أخبر تعالى أنه رفعه مكاناً علياً. قال انس بن مالك: رفعه الله الى السماء الرابعة. وروى ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وبه قال كعب ومجاهد: وابو سعيد الخدري. وقال ابن عباس والضحاك: رفعه الله الى السماء السادسة. واصل الرفع جعل الشيء في جهة العلو، وهي نقيض السفل، يقال: رفعه يرفعه رفعاً، فهو رافع وذاك مرفوع. والعلي العظيم العلوّ والعالي العظيم فيما يقدر به على الأمور، فلذلك وصف تعالى بأنه علي. والفرق بين العليّ والرفيع أن العلي قد يكون بمعنى الاقتدار وعلو المكان. و (الرفيع) من رفع المكان لا غير. ولذلك لا يوصف تعالى بأنه رفيع. وقوله {أية : رفيع الدرجات} تفسير : انما وصف الدرجات بأنها رفعية. وانما أخذ من علو معنى الصفة بالاقتدار، لأنها بمنزلة العالي المكان. ثم اخبر تعالى عن الانبياء الذين تقدم وصفهم فقال {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين} فان حملنا (من) على التبعيض لم تدل على أن من عداهم لم ينعم عليهم، بل لا يمتنع أن يكون انما افردهم بأنه انعم عليهم نعمة مخصوصة عظيمة رفعية، وإن كان غيرهم ايضاً قد أنعم عليهم بنعمة دونها. وإن حملنا (من) على انها لتبيين الصفة لم يكن فيه شبهة، لأن معنى الآية يكون اولئك الذين أنعم الله عليهم من جملة النبيين. وقوله {من ذرية آدم} [لان الله تعالى بعث رسلا ليسوا من ذرية آدم بل هم من الملائكة كما قال {أية : يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس} تفسير : وقوله {وممن حملنا} فى السفينة {مع نوح} أي ابوهم نوح وهو من ذرية آدم كما قال] {ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل} يعنى يعقوب {وممن هدينا} هم الى الطاعات فاهتدوا اليها واجتبيناهم اي اخترناهم واصطفيناهم {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن} اي أعلامه وادلته {خروا سجداً وبكياً} أي سجدوا له تعالى وبكوا، وبكى جمع باك ونصبهما على الحال، وتقديره: خروا ساجدين باكين. وبكي (فعول) ويجوز ان يكون جمع باك على (فعول). ويجوز ان يكون مصدراً بمعنى البكاء. قال الزجاج: لا يجوز النصب على المصدر، لانه عطف على قوله {سجداً}. وانما فرق ذكر نسبهم، وكلهم لآدم، ليبين مراتبهم فى شرف النسب، فكان لادريس شرف القرب من آدم، لأنه جدّ نوح. وكان ابراهيم من ذرية من حمل مع نوح، لأنه من ولد سام بن نوح. وكان اسماعيل واسحاق ويعقوب من ذرية ابراهيم، لما تباعدوا من آدم حصل لهم شرف ابراهيم، وكان موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من ذرية إسرائيل، لأن مريم من ذريته. وقيل انما وصف الله صفة هؤلاء الانبياء ليقتد بهم ويتبع اثارهم فى اعمال الخير ثم اخبر تعالى انه خلف من بعد المذكورين خلف. والخلف - بفتح اللام - يستعمل في الصالحين، وبتسكين اللام في الطالح قال لبيد: شعر : ذهب الذين يعاش فى اكنافهم وبقيت فى خلف كجلد الاجرب تفسير : وقال الفراء والزجاج: يستعمل كل واحد منهما في الآخر. وفى الآية دلالة على أن المراد بالخلف من لم يكن صالحاً، لانه قال {أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} وقال القرطي: تركوها. وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز: أخروها عن مواقيتها. وهو الذي رواه أصحابنا. وقال قوم خلف - بفتح اللام - إذا خلف من كان من أهله - وبسكون اللام - إذا كان من غير أهله. ثم قال تعالى {فسوف يلقون غياً} والغي الشر والخيبة - في قول ابن عباس وابن زيد - قال الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس امره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما تفسير : اي من يخب. وقال عبد الله بن مسعود: الغي واد في جهنم. وقيل معناه يلقون مجازاة غيهم. ثم استثنى من جملتهم من يتوب فيما بعد ويرجع الى الله ويؤمن به ويصدق أنبياءه، ويعمل الاعمال الصالحة من الواجبات والمندوبات، ويترك القبائح فان {أولئك يدخلون الجنة} من ضم الياء أراد أن الله يدخلهم الجنة بأن يأمرهم بدخولها، فضم لقوله {ولا يظلمون} ليتطابق اللفظان. ومن فتح الياء أراد أنهم يدخلون بأمر الله. والمعنيان واحد. وقوله {ولا يظلمون شيئاً} معناه لا يبخسون شيئاً من ثوابهم بل يوفر عليهم على التمام والوفاء.
الجنابذي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ} اسمه اخنوخ فى التّوراة وكان سبط شيثٍ (ع) وجدّ ابى نوحٍ (ع) وكان اوّل من خاط اللّباس وألهمه الله تعالى علم الحساب والهيئة والنّجوم، وقيل: سمّى ادريس لكثرة دراسته ولعلّه كان فى لغتهم بهذا المعنى والاّ فان كان عربيّاً مشتقّاً من الدّرس كان منصرفاً {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} بحسب الرّتبة او بحسب المكان كما ورد انّ الله تعالى رفعه حيّاً الى السّماء الرّابعة او السّادسة وهو حىّ او قبض روحه فى السّّماء الرّابعة.
اطفيش
تفسير : {وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إدْرِيسَ} هو خنوخ. وقيل: أخنوخ وهو سبط شيث. وجدّ نوح. قيل: هو إدريس بن فرد. وقيل: ابن نارد بن مهلاييل بن قينان بن نوش بن شيث بن آدم وأمه أشوة قيل: سمى إدريس لكثرة دارسته صفحه الثلاثين. قيل: وصحف آدم. وهو إفعيل من الدرس كذا قيل. واعترض بأنه لو كان إفعيلا من الدرس، وأنه سمى لكثرة الدرس لكان عربيا فلا يمنع الصرف لوجود العلمية وحدها. بل هو عجمى، وبذا منع الصرف. وكذا إبليس عجمى وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل من السرال كما زعم ابن السكيت. ومن لم يحقق ولم يتدرب الصناعة فكثرت منه أمثال هذه الهنات. نعم لا يبعد أن يكون معناه فى تلك اللغة قريبا من ذلك فلقب به لكثرة درسه فحسبه الراوى مشتقا من الدرس. وكان خياطا. وهو أول من خاط، وأول من خط بالقلم - على قول، وأول من لبس الثياب، وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلام وقاتل الكفار، وأول من نظر فى النجوم والحساب، وأول من ألقى السماد والعَذِرة فى الأرض للحرث. {إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} أى فى مكان علىٍّ وهو شرف النبوة والزلفى. وقال الحسن: الجنة ولا شئ أعلى منها. ولما أنشد النابغة الجعدى بحضرة رسول الله صلى عليه وسلم: شعر : بلغْنا السماء مجدُنا وسناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا تفسير : قال صلى الله عليه وسلم: إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة إن شاء الله أو قائل: إن شاء الله هو النبى صلى الله عليه وسلم. وقيل: فى السماء السابعة. وقيل: السادسة. وقيل: الرابعة: وهى رواية أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس فى الرابعة ليلة المعراج وهو حى فى أحد تلك المواضع إلى الآن. قال الثعلبى فى عرائس القرآن: سار يوما فى حاجة فأصابه حر الشمس. فقال: يا رب إنى مشيت يما فتأذيت بها فكيف بمن يحملها خمسمائة عام فى كل يوم! اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها يعنى الملَك الموكل بها. قلت: المشهور أن الملائكة لا مشقة عليهم فكأن إدريس لم يطلع على ذلك فلما أصبح الملَك وجد من خفة الشمس وزوال حرها ما لا يعرفه إلا الله فقال: يا رب خلفتنى لحمل الشمس فما لاذى قضيت فىَّ؟ قال: أمَا إن عبدى إدريس سألنى أن أخفف عنك ثقلها وحرها فأجبته - إذا قلنا لا يشق عليهم شئ فالإجابة جارية على مقتضى فهم إدريس -. فقال: يا رب أجمع بينى وبينه، واجعل بينى وبينه خُلة فأذن له، وهذا من الملك رحمة لهذا الذى دعا له ولو كان ثقلها وحرها لا يضرانه لعلمه بشفقته عليه. فكان الملك يجالس إدريس. فقال له إدريس: أُخبرت أنك أكرم الملائكة على ملك الموت، وأمكنهم عنده، فاشفع لى إليه ليؤخر أجلى فأزدادَ شكرا وعبادة. فقال الملك: إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها. قال: قد علمت ذلك، ولكنه أطيب لنفسى. قال: نعم أنا مكلمه لك بما كان يستطيع أن يفعلهُ لأحد من بنى آدم فهو فاعله لك ثم حملهُ على جناحه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملَكَ الموت فقال: لى إليك حاجة. قال: أفعلُ كل شئ أستطيعهُ. فقال: صديق لى من بنى آدم تشفَّع بى إليك لتؤخر أجلهُ. قال: ليس إلىَّ ولكن إن أحببتَ أعلمتهُ أجلَه فيقدم لنفسه. فقال: نعم. فنظر فى ديوانه وأخبره باسمه فقال: إنك كلمتنى فى جل ما أراه يموت أبدا. قال: وكيف ذلك؟ قال: إنى لأجده يموت عند مطلع الشمس. قال: فإنى أتيت به وتركتُه هناك. قال: فانطلِق فإنه قد مات. والله ما بقى من أجل إدريس شئ. فرجع الملك فوجده ميتا. وفى خبر آخر: قال وهب: كان يُرفع لإدريس كلَّ يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل زمانه، فتعجب منه الملائكة. واشتاق إليه ملك الموت فاستأذن فى زيارته فأُذن له. فأتاه فى صورة بنى آدم. وكان إدريس - عليه السلام - يصوم الدهر فلما كان وقت إفطاره دعاء إلى طعامه، فأبى أن يأكل. ففعل ذلك ثلاث ليال، فأَنكره إدريس. وقال إدريس: إنى أَريد أن أعلم مَن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، استأذنت ربى أن أزورك وأصاحبك، فأذن لى. فقال إدريس: لى إليك حاجة. قال: ما هى؟ قال: اقبض روحى فأوحى إليه الله أن اقبض روح فقبضها. ثم أحياه الله بعد ساعة. وقال له ملك الموت: ما الفائدة فى سؤالك قبض الروح؟ قال: لأذوق كرب الموت وغمته. فأكون لهُ أشد استعداداً. ثم قال له: لى إليك حاجة؟ قال: ما هى؟ قال: ترفعنى إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة وإلى النار. فأذن له الله فى ذلك فلما قرب من النار قال: لى إليك حاجة. قال: ما هى؟ قال: تسأل مالكا يفتح لى بابها فأرِدها، ففعل. فقال: فكما أريتنى النار أرنى الجنة فاستفتح ففتُح له فأدخلهُ الجنة. فقال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرك. فتعلق بشجرة فبعث الله ملكا حكما بينهما فقال له: اخرج. وقال: لا أخرج لأن الله قال: {أية : كل نفس ذائقة الموت} تفسير : وقد ذقته. وقال: {وإن منكم إلا واردها} فقد وردتها. وقال تعالى: {أية : وما هم منها بمخرجين}تفسير : فلست أخرج. فقال الله لملك الموت: دعه فإنه بإذنى دخل الجنة وبأمرى يخرج منها. فهو هناك حى تارة يتنعم فى الجنة وتارة يعبد الله فى سماء على ما مر. انتهى كلام الثعلبى فى عرائس القرآن. وإنما ذكر إدريس تلك الآيات لنزولهن فى صحفه، أو أعلمه الله بأنهن فى القرآن أو أوحى إليه بمعناهن فعبَّر عنه بذلك، أو نسب إليه ذكرهن مجازا؛ على أن المراد أنه لا يعترض عليه بدخول الجنة؛ لأنه قد فعل ما ذكر فيهن وأنت خبير بأَنهم اختلفوا فى حياة إدريس. فقيل: ميّت، وهو الخبر الأول. وقيل: حى، وهو رواية وهب. ومن أراد رفع شأنه والقبول عند الناس والسلطان فليكتب: {واذكر فى الكتاب إدريس} - إلى {عليا} فى خرقة حرير أصفر بزعفران محلول بعسل نحل ثم يخرز عليه ويعجن الشمعة بحصى لبان ويبخر الكتاب به ثم يعلقه على نفسه.
اطفيش
تفسير : {واذْكُر فى الكتاب إِدريس} هو نبى قبل نوح بألف سنة، كما روى عن ابن عباس، وهو أخنوخ بضم الهمزة وفتحها ابن برد بن مهلاييل ابن أنوش بن فيتان بن شيث بن آدم عليه السلام، وعن وهب أنه جد نوح والمشهور أنه جد أبيه. على أنه ابن لملك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو أول من نظر فى النجوم والحساب، جعل الله ذلك من معجزاته، وأول من خط بالقلم، وخاط الثياب، ولبس المخيط، وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وأول مرسل بعد آدم، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وأول من اتخذ المكاييل والموازين والأسلحة، وكان يقاتل بنى قابيل. وعن ابن مسعود أنه إلياس بعث إلى قومه أن يقولوا لا إله إلا الله ويعملوا ما شاءوا أى مما ليس من مساوىء الأخلاق، فأبوا أو أهلكوا والصحيح الأول، ولو روى القول بأنه إلياس ابن أبى حاتم بسند حسن عن ابن مسعود، وهو لفظ سريانى عند الأكثر، لا مشتق من الدرس، لأن الاشتقاق من غير العربى لا يقول به أحد، ولو كان عربياً لصرف إلا أن يكون فى تلك اللغة قريب المعنى من ذلك، فلقب به لكثرة درسه. {إِنه كان صدِّيقا نَبيا * ورفعناه مكاناً علياً} فى السماء الرابعة، عند أنس وأبى سعيد وكعب ومجاهد، وفى السادسة عند ابن عباس والضحاك، وفى الجنة عند الحسن، لأنه لا أعلى منها إلا العرش لما أنشد النابغة الجعدى للنبى صلى الله عليه وسلم قصيدته المختومة بقوله: شعر : بلغنا السماء مجدنا وسناءنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً تفسير : قال صلى الله عليه وسلم: "إلى أين يا ابن أبى ليلى؟" قال: الى الجنة يا رسول الله، قال: "أجل إن شاء الله" وعن الحسن والجيانى وأبى مسلم: الرفعة رفعة شأن ونبوة، وفى السابعة عند قتادة، يعبد الله مع الملائكة ورفع عنه الأكل، وقيل إذا شاء أكل من الجنة، وشذ ما روى عن مقاتل أنه مات فى السماء، وهذا الرفع ولو كان حسياً لكن فيه مدح، لأنه إلى محل الملائكة والعبادة، وهل سمع رفع عاص الى ذلك، وروح الشقى ترد من السماء ولا تدخلها، وقد تكون الرفعة المكانية معنوية، كما فسرها الحسن فى رواية وكما قال: شعر : وكن فى مكان إذا ما سقطت تقوم ورجلك فى عافيه تفسير : وفى البخارى ومسلم، عن أنس بن مالك، عن مالك نب صعصعة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه رأى ليلة الإسراء إدريس فى السماء الرابعة ليلة المعراج" تفسير : وعن كعب الأحبار: أصاب إدريس حر الشمس فقال: كيف بمن يحملها كل يوم مسيرة خمسمائة عام، فدعا الله تعالى للملك الحامل لها، فخففت عليه، فقال [الملك]: يا رب خففت على فماذا؟ قال الله عز وجل: بدعاء إدريس، فقال: يا رب اجعل لى معه خلة، فاستجاب الله عز وجل له، فأتاه فقال له ادريس: أخبرت أنك أمكن الملائكة عند ملك الموت، فاسأله أن يؤخر أجلى لأزداد عبادة وشكراً، فقال لا يؤخر الأجل، لكن أخبره فرفعه الى مطلع الشمس، فقال لملك الموت: لى صديق آدمى طلب تأخير الأجل، قال لا يؤخر، لكن أخبره بأجله ليقدم لنفسه فنظر فى الديوان فقال كلمتنى فى إنسان لا يموت أبداً، أى لأنه قد مات فلا يزداد موتاً آخر، وإنى أجد موته عند مطلع الشمس، قال: إنى تركته هناك، قال فانطلق فإنه قد مات، فوجده ميتاً، وقد عرف ملك الموت أنه أراد إدريس. وعن كعب الأحبار أيضا: أصابته من الشمس حرارة فى بروزه فى حاجة مشى فيها، فقال: كيف بمن يحملها كل يوم مسيرة خمسمائة عام، فدعا الله له فأصبحت خفيفة، فقال يا رب خلقتنى لحملها، وقد صارت خفيفة قال إن عبدى إدريس دعانى بذلك، فقال يا رب ائذن لى فى خلته، فأذن له، فجاءه فطلبه أن يرفعه إلى السماء فرفعه، وكان كما روى ابن المنذر، عن عمر مولى عفرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه قسم دهره ثلاثة أيام لتعليم الناس، وأربعة للعبادة والسياحة مجتهداً يرفع من عمله مثل أعمال بنى آدم فأحبه ملك الموت، فلقيه فى سياحته، وطلب صحبته، فقال لا تقدر، فقال بلى إن شاء الله، فمر آخر النهار بغنم، فقال له كالمختبر: لا ندرى أين نمسى فلنفطر بجفرة من الغنم، فقال: أتدعونى إلى ما ليس لى، لا تعد الى مثل ذلك يأتينا رزقنا من الله، فأتاه حين أمسى ما يأتيه من الرزق، فقال: كل، فقال: والله ما أشتهى، فأكل وحده فصليا حتى فتر ونعس، ولم يفتر الملك فصغرت نفسه إليه، وأصبحا وساحا. ومرا آخر النهار بحديقة عنب فقالا مثل ذلك، فأتاه رزقه، فدعاه فأبى فأكل وحده، فصليا حتى فتر دون الملك، فقال: والذى نفسى بيده ما أنت آدمياً، فقال: إنى ملك الموت، فقال: أمرت بى؟ فقال لو أمرت ما أنظرتك، ولكن أحبك وصاحبتك فى الله تعالى، فقال لم تقبض روحا من حين التقينا؟ قال: قبضت روح من أمرت به، والدنيا كلها لى كمائدة بين يدى الرجل، فقال أسألك بالذى أحببتنى له، أن نقضى لى حاجة، فقال: ما هى؟ قال تقبض روحى، ويردها الله إلى، فقال أستأذن ربى فأذن له، ففعل فقال: يا نبى الله كيف وجدت الموت؟ فقال أعظم مما حدثت، وسأله رؤية النار فنادى بعض خزنتها، فجاء يرتعد إذ علم أنه ملك الموت، فقال: أمرت فينا فقال: لو أمرت لم أنتظر، لكن نبى الله إدريس سأل أن تروه لمحة من النار، ففتح قدر ثقب المخيطى، فصعق، فقال أغلقوا وجعل يمسح وجه إدريس ويقول: ما أحب أن يكون هذا حظك من صحبتى. وقال: كيف رأيت؟ قال: أعظم مما حدثت، وسأله لمحة من الجنة، فكانء مثل ما مر وأصابه بردها وطيبها، فطلب الدخول والأكل والشرب لتشتد رغبتى، فدخل ففعل فقال له: اخرج يا نبى الله، قد أصبت حاجتك حتى تدخلها مع الأنبياء عليهم السلام، فتمسك بشجرة فقال: لا، وإن شئت أخاصمك، فأوحى الله تعالى إليه خاصمه، فقال: ما تقول يا نبى الله؟ فقال قد قال الله عز وجل: كل نفس ذائقة الموت، وقد ذقته، وقال سبحانه: "أية : وإن منكم إلاَّ واردها" تفسير : [مريم: 71] وقد وردتها، وقال جل وعلا: "أية : وما هم منها بمخرجين" تفسير : [الحجر: 48] فأوحى الله إليه خصمك عبدى إدريس، وعزتى وجلالى إن فى سابق علمى أن يكون ذلك، فدعه وتلك الآيات ألهمها الله له إلهاماً، أو رآها فى اللوح المحفوظ بإذن الله. وقوله قد وردتها نص فى أن الورود حضور، كما هو مذهبنا، لا الدخول، وروى أنه أتاه ملك الموت قبل الرفع فقال: أين ملك الموت؟ فنظر فى الحساب فقال ما يوجد فى الدنيا إلا أن تكونه.
الالوسي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ } هو نبـي قبل نوح وبينهما على ما في «المستدرك» عن ابن عباس ألف سنة وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث ابن آدم عليه السلام، وعن وهب بن منبه أنه جد نوح عليه السلام، والمشهور أنه جد أبيه فإنه ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو أول من نظر في النجوم والحساب وجعل الله تعالى ذلك من معجزاته على ما في «البحر» وأول من خط بالقلم وخاط الثياب ولبس المخيط وكان خياطاً وكانوا قبل يلبسون الجلود وأول مرسل بعد آدم، وقد أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة وأول من اتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة فقاتل بني قابيل، وعن ابن مسعود أنه إلياس بعث إلى قومه أن يقولوا لا إلٰه إلا الله ويعملوا ما شاؤا فأبوا وأهلكوا والمعول عليه الأول وإن روى القول بأنه إلياس ابن أبـي حاتم بسند حسن عن ابن مسعود، وهذا اللفظ سرياني عند الأكثرين وليس مشتقاً من الدرس لأن الاشتقاق من غير العربـي مما لم يقل به أحد وكونه عربياً مشتقاً من ذلك يرده منع صرفه، نعم لا يبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريباً من ذلك فلقب به لكثرة دراسته {إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً } هو كما تقدم.
ابن عاشور
تفسير : إدريس: اسم جعل علماً على جد أبي نوح، وهو المسمى في التوراة (أُخنُوخ). فنوح هو ابن لامك بن متُوشالح بن أُخنوخ، فلعل اسمه عند نسّابي العرب إدريس، أو أن القرآن سماه بذلك اسماً مشتقاً من الدرس لما سيأتي قريباً. واسمه (هرمس) عند اليونان، ويُزعم أنه كذلك يسمى عند المصريين القدماء، والصحيح أن اسمه عند المصريين (تُوت) أو (تحُوتي) أو (تهوتي) لهجات في النطق باسمه. وذكر ابن العِبْري في «تاريخه»: «أن إدريس كان يلقب عند قدماء اليونان (طريسمجيسطيس)، ومعناه بلسانهم ثلاثي التعليم، لأنه كان يصف الله تعالى بثلاث صفات ذاتية وهي الوجود والحكمة والحياة» اهــــ. ولا يخفى قرب الحروف الأولى في هذا الاسم من حروف إدريس، فلعل العرب اختصروا الاسم لطوله فاقتصروا على أوله مع تغيير. وكان إدريس نبيئاً، ففي الإصحاح الخامس من سفر التكوين «وسار أُخنوخ مع الله». قيل: هو أول من وضع للبشر عمارة المدن، وقواعد العلم، وقواعد التربية، وأول من وضع الخط، وعلّم الحساب بالنجوم وقواعدَ سير الكواكب، وتركيب البسائط بالنّار فلذلك كان علم الكيمياء ينسب إليه، وأوّل من علم الناس الخياطة. فكان هو مبدأ من وضع العلوم، والحضارة، والنظم العقليّة. فوجه تسميته في القرآن بإدريس أنّه اشتق له اسم من الفرس على وزن مناسب للأعلام العجميّة، فلذلك منع من الصرف مع كون حروفه من مادة عربية، كما منع إبليس من الصرف، وكما منع طالوت من الصرف. وتقدّم اختلاف القراء في لفظ {نبياً} عند ذكر إبراهيم. وقوله {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال جماعة من المفسرين هو رفع مجازي. والمراد: رفع المنزلة، لما أوتيه من العلم الذي فاق به على من سلفه. ونقل هذا عن الحسن. وقال به أبو مسلم الأصفهاني. وقال جماعة: هو رفع حقيقي إلى السماء، وفي الإصحاح الخامس من سفر التكوين «وسار أخنوخ مع الله ولم يُوجد لأنّ الله أخذه»، وعلى هذا فرفعه مثل رفع عيسى - عليه السلام -. والأظهر أن ذلك بعد نزع روحه وروْحنة جثته. ومما يذكر عنه أنّه بقي ثلاث عشرة سنة لا ينام ولا يأكل حتى تَرَوْحَن، فرفع. وأما حديث الإسراء فلا حجة فيه لهذا القول لأنه ذكر فيه عدة أنبياء غيره وجدوا في السماوات. ووقع في حديث مالك بن صعصعة عن الإسراء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السماوات أنه وجد إدريس - عليه السلام - في السماء وأنه لمّا سلّم عليه قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فأخذ منه أنّ إدريس - عليه السلام - لم تكن له ولادةٌ على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنّه لم يقل له والابن الصالح، ولا دليل في ذلك لأنه قد يكون قال ذلك اعتباراً بأخوّة التوحيد فرجحها على صلة النسب فكان ذلك من حكمته. على أنّه يجوز أن يكون ذلك سهواً من الراوي فإن تلك الكلمة لم تثبت في حديث جابر بن عبدالله في «صحيح البخاري». وقد جزم البخاري في أحاديث الأنبياء بأن إدريس جد نوح أو جدّ أبيه. وذلك يدلّ على أنّه لم ير في قوله «مرحباً بالأخ الصالح» ما يُنافي أن يكون أباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} (56) - ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى إِدْرِيسَ عَلَيهِ السَّلامُ، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِياً. (وَيُقَالُ إِنَّ إِدْرِيسَ كَانَ قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ).
الثعلبي
تفسير : {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ} وهو جدّ أبي نوح، فسمّي إدريس لكثرة درسه الكتب، واسمه أخنوخ وكان خيّاطاً، وهو أوّل من كتب بالقلم وأوّل من خاط الثياب ولبس المخيط وأول من تكلّم في علم النجوم والحساب {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} يعني الجنة. وقال الضّحاك: رفع إلى السماء السادسة، وقيل: الرابعة. أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا مكي بن عبدان التميمي قال: حدَّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدَّثنا روح قال: حدَّثنا سعيد عن قتادة في قوله {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: حدَّثنا أنس بن مالك بن صعصعة "حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء قال: أتيت على إدريس في السماء: الرابعة "... تفسير : وكان سبب رفعه على ما قاله ابن عباس وكعب وغيرهما أنّه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا ربّ أنا مشيت يوماً فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد؟ اللهمّ خفّف عنه من ثقلها واحمل عنه حرّها، فلمّا أصبح الملك وجد من خفّة الشمس وحرّها ما لا يعرف، فقال: يا ربّ خلقتني لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه؟ قال: أما إنّ عبدي إدريس سألني أن اخفّف عنك حملها وحرّها فأجبته، فقال: يا ربّ اجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه خلّة، فأذن له حتى أتى إدريس وكان يسأله إدريس فكان ممّا سأله أن قال له: أُخبرت أنّك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي فازداد شكراً وعبادة، فقال الملك: لا يؤخّر الله نفساً إذا جاء أجلها قال: قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي، فقال: نعم أنا مكلّمه لك فما كان يستطيع أن يفعل لأحد من بني آدم فهو فاعله لك، ثم حمله ملك الشمس على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثمّ أتى ملك الموت فقال: حاجة لي إليك، فقال: أفعل كلّ شيء أستطيعه قال: صديق لي من بني آدم تشفّع بي إليك لتؤخّر أجله قال: ليس ذلك إليّ ولكن إن أحببت أعلمته أجله متى يموت فيقدّم في نفسه، قال: نعم، فنظر في ديوانه وأخبر باسمه فقال: إنك كلّمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: إنّي اتيتك وتركته هناك، قال: انطلق فما أراك تجده إلاّ وقد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء، فرجع الملك فوجده ميّتاً وقال وهب: كان يرفع لإدريس كلّ يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه، فعجبت منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت فاستأذن ربّه في زيارته فأذن له فأتاه في صورة بني آدم، وكان إدريس صائماً يصوم الدهر، فلّما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس فقال له الليلة الثالثة: إنىّ أُريد أن أعلم من أنت، قال: أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك فأَذن لي، قال: فلي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تقبض روحي، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه وردّها الله عليه بعد ساعة. قال له ملك الموت: ما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال: لأذوق كرب الموت وغمّته فأكون له أشدّ استعداداً، ثم قال إدريس له: لي إليك حاجة أُخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجّنة وإلى النار، فأذن الله له في رفعه إلى السماوات، فلمّا قرب من النار قال: حاجة قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكاً حتى يفتح لي بابها فأردها، ففعل ثمّ قال: فكما أريتني النار فأرني الجّنة، فذهب به إلى الجنة فاستفتح ففتحت أبوابها فأدخله الجنّة، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرّك فتعلّق بشجرة وقال: لا أخرج منها، فبعث الله ملكاً حكماً بينهما ينظر في قولهما فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [آل عمران: 185] وقد ذقته، وقال {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] وقد وردتها، وقال {أية : وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} تفسير : [الحجر: 48] فلست أخرج، فأوحى الله سبحانه إلى ملك الموت: دخل الجنة وبأمري يخرج، فهو حيّ هناك فذلك قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} في السفينة {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} إلى الإسلام {وَٱجْتَبَيْنَآ} على الأنام {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} يعني القرآن {خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} جمع باك تقديره من الفعل فعول مثل ساجد وسجود وراكع وركوع وقاعد وقعود، جمع على لفظ المصدر، نزلت في مؤمني أهل الكتاب، عبد الله سّلام وأصحابه. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} يعيني من بعد النبيّين المذكورين {خَلْفٌ} وهم قوم سوء، والخَلفَ بالفتح الصالح، والخلف بالحزم الطالح، والخلف بسكون اللام الرديء من كلّ شيء، وهم في هذه الآية اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: في هذه الأُمّة. {أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي تركوا الصلوات المفروضة، قال ابن مسعود وإبراهيم والقاسم بن مخيمرة: أخّروها عن مواقيتها وصلّوها بغير وقتها. وقال قرّة بن خالد: استبطأ الضحاك مرّة امتراءً في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب فقرأ هذه الآية {أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ} ثمَّ قال: والله لئن أدعها أحبّ إلىّ من أن اضيّعها، وقرأ الحسن: اضاعوا الصلوات {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ} قال مقاتل: استحلّو نكاح الأخت من الأب، وقال الكلبي: يعني اللذات وشرب الخمر وغيره، قال مجاهد: هذا عند اقتراب الساعة وذهاب صالحي أُمّة محمد صلى الله عليه وسلم ينزو بعضهم على بعض في السكك والأزقّة زناة. وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: يكون خلف من بعد ستّين سنة {أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ} الآية. وقال علىّ بن أبي طالب: "هذا إذا بني المشيد ورُكب المنظور ولبس المشهور"، وقال وهب: فخلف من بعدهم خلف شرّابون للقهوات، لعّابون بالكعبات، ركّابون للشهوات، متبعون للذّات، تاركون للجُمعات، مضيّعون للصلوات، وقال كعب: يظهر في آخر الزمان أقوام بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون الناس، ثمَّ قرأ {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ}. {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} قال عبد الله بن مسعود: الغيّ نار في جهنّم، وقال ابن عباس: الغىّ واد في جهنم وإنّ أودية جهنم لتستعيذ من حرّها، أُعدّ ذلك الوادي للزاني المصرّ عليه، ولشارب الخمر المدمن عليها، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور، ولامرأة أدخلت على زوجها ولداً. وقال عطاء: الغىّ واد في جهنم يسيل قيحاً ودماً. وقال وهب: الغىّ نهر في النار بعيد قعره، خبيث طعمه، وقال كعب: هو واد في جهنم أبعدها قعراً وأشدّها حرّاً، فيه بئر تسمى البهيم كلّما خبت جهنّم فتح الله تلك البئر فسعّربها جهنم، وقال الضحاك: خسراناً وقيل: عذاباً، وقيل: ألماً، وقيل: كفراً. {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً * جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ} ولم يروها {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} يعني آتياً، قال الأعشى: وساعيت معصيّاً إليها وشاتها. أي عاصياً. {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا} في الجنة {لَغْواً} باطلاً وفحشاً وفضولاً من الكلام، قال مقاتل: يميناً كاذبة {إِلاَّ سَلاَماً} استثناء من غير جنسه يعني بل يسمعون فيها سلاماً أي قولاً يسلمون منه، وقال المفسّرون: يعني تسليم بعضهم على بعض تسليم الملائكة عليهم {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} يعني على مقدار طرفي النهار. أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جعفر بقراءتي عليه قال: حدَّثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه قال: حدَّثنا موسى بن هارون قال: حدَّثنا بشر بن معاذ الضرير قال: حدَّثنا عامذ بن سياق عن يحيى بن أبي كثير قال: كانت العرب في زمانها من وجد غداءً مع عشاء فذلك هو الناعم، فأنزل الله سبحانه {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قدر ما بين غدائهم وعشائهم. أخبرنا محمد بن أحمد بن جعفر قال: حدَّثنا علي بن محمد بن سختويه قال: حدَّثنا موسى ابن هارون قال: حدَّثنا داود بن رشيد قال: حدَّثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله سبحانه {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبداً وإنّما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، ومقدار النهار برفع الحجب. {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا} وقرأ يعقوب: نورّث بالتشديد، والاختيار التخفيف ؛ لقوله ثُمَّ اَوْرَثْنَا {مَن كَانَ تَقِيّاً} {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية. أخبرنا عبد الله بن حامد وشعيب بن محمد قالا: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا أبو الأزهر قال: حدَّثنا روح بن عبادة، قال: حدَّثنا عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: يا جبرئيل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا؟ فأنزل الله سبحانه {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}. وقال مجاهد: حديث : أبطأت الرّسل على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم أتاه جبرئيل فقال: ما حبسك؟ فقال: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصّون أظفاركم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكونتفسير : ؟ فأنزل الله سبحانه {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية. وقال عكرمة والضّحاك ومقاتل وقتادة والكلبي: حديث : احتبس جبرئيل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والرّوح فلم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه جبرئيل بجواب ما سألوه فأبطأ عليهَ قال عكرمة: أربعين يوماً. وقال مجاهد: اثنتي عشرة ليلة وقيل: خمس عشرةَ فشقّ ذلك على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مشقة شديدة، وقال المشركون: ودّعه ربّه وقلاه، فلمّا أنزل جبرئيل قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبطأت عليَّ حتى ساء ظنّي واشتقت إليك"، فقال له جبرئيل: إنىّ كنت أشوق إليك ولكنّي عبد مأمور إذا بُعثت نزلت وإذا حُبست احتبستُتفسير : ، فأنزل الله تعالى {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} وأنزل {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-3]. وقيل: هذا إخبار عن أهل الجنة، أنّهم يقولون عند دخولها: ما تتنزل هذه الجنان إّلا بأمر الله {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} قال مقاتل: له ما بين أيدينا من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا} من أمر الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} يعني بين النفختين، وبينهما أربعون سنة، وقيل: كان له ابتداء خلقنا وله كان منتهى آجالنا، وله كان مدّة حياتنا. ويقال: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} من الثواب والعقاب وأُمور الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا} ما مضى من أعمالنا في الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} أي ما يكون منّا إلى يوم القيامة. ويقال: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} قيل أن يخلقنا {وَمَا خَلْفَنَا} بعد أن يميتنا {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} ما هو فيه من الحياة، ويقال {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} إلى الأرض إذا أردنا النزول إليها {وَمَا خَلْفَنَا} أي السماء إذا نزلنا منها {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} يعني السماء والأرض، يريد أن كل ذلك لله سبحانه فلا تقدر على فعل إلاّ بأمره. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} أي ناسياً إذا شاء أن يرسل إليك أرسل. {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} أي واصبر على عبادته {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} قال ابن عباس: مثلاً، وقال سعيد بن جبير: عدلاً، وقال الكلبي: هل تعلم أحداً يسمى الله غيره. {وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ} يعني أُبىّ بن خلف الجمحي {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ} من القبر {حَيّاً} استهزاءً وتكذيباً منه بالبعث. قال الله سبحانه {أَوَلاَ يَذْكُرُ} أي يتذكّر ويتفكّر، والأصل يتذكر، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم ويعقوب يذكر بالتخفيف، والاختيار التشديد لقوله سبحانه {أية : إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [الرعد: 19] } وأخواتها، يدل عليه قراءة أُبي {يتذكر الإنسان} يعني أُبىّ بن خلف الجمحي {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} ثمّ أقسم بنفسه فقال {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} لنجمعنّهم في المعاد يعني المشركين المنكرين للبعث {وَٱلشَّيَاطِينَ} مع الشياطين يعني قرناءهم الذين أضلّوهم، يُقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ} يعني في جهنم {جِثِيّاً} قال ابن عباس: جماعات جماعات، وقال مقاتل: جميعاً وهو على هذا القول جمع جثوة، وقال الحسن والضحاك: جاثية على الركب وهو على هذا التأويل جمع جاث. قال الكميت: شعر : همُ تركوا سراتهمُ جثيّاً وهم دون السراة مقرنينا تفسير : {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ} لنَخرجنّ من كلّ أُمّة وأهل دين {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} عتوّاً قال ابن عباس: يعني جرأةً، وقال مجاهد: فجوراً وكذباً، قال مقاتل: علوّاً، وقيل: غلوّاً في الكفر، وقيل: كفراً، وقال الكلبي: قائدهم رأسُهم في الشرّ. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدَّثنا محمد بن يعقوب قال: حدَّثنا الحسن بن علي قال: حدَّثنا أبو أُسامة عن سفيان عن علي بن الأرقم عن أبي الأحوص قال: نبدأ بالأكابر فألاكابر {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} أي أحقّ بدخول النار، يقال: صلي يصلى صلياً مثل لقي يلقى لقيّاً وصلى يصلى صلياً مثل مضى يمضي مضياً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما زال القرآن يعطينا لقطاتٍ من موكب الرسالات والنبوات. وإدريس عليه السلام أوّل نبي بعد آدم عليه السلام، فهو إدريس بن شيث بن آدم. وبعد إدريس جاء نوح ثم إبراهيم، ومنه جاءت سلسلة النبوات المختلفة. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً} [مريم: 56]. تحدثنا عن معنى الصِّدِّيق في الكلام عن إبراهيم عليه السلام، والصِّدِّيق هو الذي يبالغ في تصديق ما جاءه من الحق، فيجعل الله له بذلك فُرْقاناً وإشراقاً يُميّز به الحق فلا يتصادم معه شيطان؛ لأن الشيطان قد ينفذ إلى عقلي وعقلك. أما الوارد من الحق سبحانه وتعالى فلا يستطيع الشيطان أن يعارضه أو يدخل فيه، لذلك فالصِّدِّيق وإن لم يكُنْ نبياً فهو مُلْحقِ بالأنبياء والشهداء، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً}تفسير : [النساء: 69]. وكذلك كان إدريس عليه السلام (نبياً) ولم يقُلْ: رسولاً نبياً، لأن بينه وبين آدم عليه السلام جيلين، فكانت الرسالة لآدم ما زالت قائمة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} [الآية: 56، 57]. قال: رفع كما رفع عيسى، عليهما السلام، لم يمت. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ / 43و / خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ} [الآية: 59]. قال: هم عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أُمة محمد صلى الله عليه وسلم، ينزو بعضهم على بعض في الأَزقة زناة.
الأندلسي
تفسير : {إِدْرِيسَ} جد أبي نوح وهو أخنوخ وهو أول من نظر في النجوم والحساب وجعله الله من معجزاته وأول من خط بالقلم وخاط الثياب ولبس المخيط وكانوا قبل يلبسون الجلود وأول مرسل بعد آدم وأول من اتخذ المكاييل والموازين والأسلحة فقاتل بني قابيل وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة * والمكان العلي شرف النبوة والزلفى عند الله وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة وحديث أبي هريرة وأنس أنه في السماء الرابعة. {أُولَـٰئِكَ} مبتدأ والذين خبره وهو إشارة إلى من تقدم ذكره في هذه السورة من الأنبياء ومن في من النبيين للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ومن الثانية للتبعيض وكان إدريس من ذرية آدم صلى الله عليه وسلم لقربه منه لأنه جد أبي نوح وإبراهيم من ذرية من حمل من نوح لأنه من ولد سام بن نوح. {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ} إسحاق ويعقوب وإسماعيل وإسرائيل معطوف على إبراهيم وزكريا ويحيى وموسى وهارون من ذرية إسرائيل وكذلك عيسى عليه السلام لأن مريم من ذريته. {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} يحتمل العطف على من الأولى والثانية. {وَإِذَا تُتْلَىٰ} كلام مستأنف ويجوز أن يكون الذين صفة لأولئك والجملة الشرطية خبر وانتقل في هذه الجمل من الاسم الظاهر إلى ضمير المتكلم في قوله: حملنا وما بعده ثم إلى الاسم الظاهر في قوله: آيات الرحمن وهذا من التفنن في البلاغة والفصاحة وانتصب سجداً على الحال المقدرة لأنهم حالة الحزور ما كانوا سجداً والبكي جمع باك كشاهد. {وَبُكِيّاً} أصله بكوياً اجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها * قال ابن عطية: وبكيا بكسر الباء وهو مصدر لا يحتمل غير ذلك "انتهى" ليس قوله هذا بسديد لأن اتباع حركة الباء لحركة الكاف لا يعني المصدرية ألا تراهم قرؤا جثياً بكسر الجيم جمع جاث وقالوا: عصى فاتبعوا وسمع في جمعه بكاة كرام ورماة قال الشاعر: شعر : ولا تراهم وإن جلت مصيبتهم مع البكاة على من مات يبكونا تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} الآية، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في اليهود وإضاعة الصلاة تأخيرها عن وقتها قاله ابن مسعود وغيره: والشهوات عام في كل مشتهى يشغل عن الصلاة وذكر الله وعن على الشهوات من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور وألغى كل شر والرشاد كل خير وقال عبد الله بن عمرو وغيره الغي واد في جهنم. {إِلاَّ مَن تَابَ} إستثناء متصل والضمير في تاب مفرد عائد على لفظ من ثم حمل على المعنى فجمع في قوله: فأولئك، وقرىء: يدخلون مبنياً للفاعل والمفعول وانتصب جنات عدن على أنه بدل من قوله: الجنة، وقرىء: بالرفع على إضمار مبتدأ محذوف تقديره تلك جنات عدن والعدن الإِقامة يقال عدن بالمكان إذا قام به وقال الزمخشري: عدن علم لأن المضاف إليها وهو جنات وصف بالتي وهي معرفة فلو لم تكن جنات مضافة إلى معرفة لم توصف بالمعرفة "انتهى" ولا يتعين ذلك إذ يجوز أن تكون التي خبر مبتدأ محذوف أو منصوباً بإِضمار أعني أو أمدح أو بدلاً من جنات ويبعد أن يكون صفة لقوله الجنة للفصل بالبدل الذي هو جنات والحكم أنه إذا اجتمع النعت والبدل قدّم النعت وجيء بعده بالبدل ودعوى الزمخشري أن عدنا علم بمعنى العدن يحتاج إلى توقيف وسماع من العرب وكذا دعوى العلمية الشخصية فيه، وقال الزمخشري أيضاً: ولولا ذلك أي كونه علماً لأرض الجنة لما ساغ الإِبدال لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة ولما ساغ وصفها بالتي "انتهى" أما قوله: ولولا ذلك إلى قوله: موصوفة فليس مذهب البصريين لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة وإن لم تكن موصوفة وإنما ذلك شىء قاله البغداديون وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه في كتبنا في النحو فملازمته فاسدة وبالغيب حال أي وعدها وهي غائبة عنهم أي وهم غائبون عنها لا يشهدونها ومأتياً مفعول من أتى واحتمل وعده أن يكون اسم مفعول أي موعوده. {إِلاَّ سَلاَماً} إستثناء منقطع لأن سلام الملائكة ليس من جنس اللغو ومعنى بكرة وعشياً جميع الأوقات وكني بالطرفين عن ذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا}تفسير : [الرعد: 35]. {نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا} التوريث استعارة أي يبقى عليه الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث والأتقياء يلقون ربهم وقد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة. {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} أبطأ جبريل عليه السلام مرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء قال: يا جبريل قد اشتقت إليك أفلا تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت الآية. {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} القصد بذلك الاشعار بملك الله تعالى لملائكته وأن قليل تصرفهم وكثيره إنما هو بأمره وانتقالهم من مكان إلى مكان إنما هو بحكمته إذ الأمكنة له وهم ملكه. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} فعيل للمبالغة في ناس كرحيم مبالغة في راحم والمعنى أنه تعالى لا يهمل أمرك وارتفع رب السماوات على البدل من قوله: ربك أو على تقدير خبر مبتدأ محذوف تقديره هو رب وعدي فاصطبر باللام على سبيل التضمين أي أثبت بالصبر لعبادته لأن العبادة تورد شدائد فأثبت لها وأصله التعدية بعلى كقوله تعالى: {أية : وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا}تفسير : [طه: 132] والسمي من يوافق في الاسم تقول هذا سميك أي اسمه مثل اسمك فالمعنى أنه لم يتسم بفلظ الله شىء قط وكان المشركون يسمون أصنامهم كاللات والعزى إله وأما لفظة الله فلم يطلقوه على شىء من أصنامهم. {وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ} الآية سبب النزول أي رجلاً من قريش قيل هو أبي بن خلف جاء بعظم رفات فنفخ فيه وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيبعث هذا وسخر وكذب وإسناد هذه المقالة للجنس بما صدر من بعضهم، وقرىء: أئذا على الاستفهام وإذا على الخبر والناصب لإِذا فعل محذوف تقديره أئذا مت أبعث ولا يمكن أن يعمل فيه لسوف أخرج لأن لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها قال الزمخشري: فإِن قلت لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال فكيف جامعت حرف الاستقبال قلت لم تجامعها إلا مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض واضمحل عنها معنى التعريف "انتهى" ما ذكره من أن اللام تعطي معنى الحال منازع فيه فعلى مذهب من لا يقول ذلك يسقط السؤال وأما قوله: كما أخلصت الهمزة إلى آخره فليس ذلك إلا على مذهب من يزعم أن الأصل فيه الاله وأما من يزعم أن أصله لاه فلا تكون الهمزة فيه للتعويض إذ لم يحذف منه شىء ولو قلنا أن أصله إله وحذف فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض إذ لو كانت للعوض من المحذوفة لتثبت دائماً في النداء وغيره ولما جاز حذفها في النداء قالوا: يا الله بحذفها وقد نصوا على أن قطع همزة الوصل في النداء شاذاً ولا يذكر الإِنسان كرر لفظ الإِنسان تشنيعاً عليه في إنكاره البعث وتذكيراً له بإِيجاده قبل ذلك وإنشائه من العدم الصرف * قال الزمخشري: الواو عطفت لا يذكر على يقول وسقطت همزة الإِنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف "انتهى" * هذا رجوع منه إلى مذهب الجماعة من أن حرف العطف إذا تقدمته الهمزة فإِنما عطف ما بعدها على ما قبلها وقدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام وكان مذهبه أن يقدر بين الهمزة والحرف ما يصلح أن يعطف عليه ما بعد الواو فتقر الهمزة على حالها وليست مقدمة من تأخير وقد رددنا عليه هذه المقالة. و{مِن قَبْلُ} أي من قبل بعثه وإِنكاره البعث. {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} إشارة إلى العدم الصرف وانتفاء الشيئية عنه بدل على أن المعدوم لا يسمى شيئاً ولما أقام الحجة على حقيقة البعث أقسم على ذلك باسمه تعالى مضافاً إلى رسوله صلى الله عليه وسلم تشريفاً له وتفخيماً لقدره وقد تكرر هذا القسم في القرآن تعظيماً لحقه ورفعاً منه. و{لَنَحْشُرَنَّهُمْ} جواب القسم والضمير المنصوب الظاهر أنه عائد على منكري البعث في قوله: ويقول الإِنسان يريد الإِنسان الجنس المنكر للبعث وقيل الضمير عام في جميع المحشورين والشياطين معطوف على الضمير المنصوب. {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ} إن كان الضمير عاماً أحضروا ليروا النار فيفرح المؤمن بنجاته وحول منصوب على الظرف وجثيا قاعدين على الركب. {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ} أي: لنخرجن كقوله تعالى: {أية : وَنَزَعَ يَدَهُ}تفسير : [الأعراف: 108] وقيل لزمين من نزع القوس وهو الرمي بالسهم * والشيعة الجماعة المرتبطة بمذهب والضمير في أيهم عائد على المحشورين المحضرين وأيهم مبني عند سيبويه وهو مفعول بلننزعنّ ويدل على أنه مفعول قراءة من قرأ أيهم بالنصب وأشد خبر مبتدأ محذوف تقديره هم أشد وليونس والخليل مذهب في أيهم وأيها استفهام مرفوع بالابتداء ذكر ذلك في النحو * وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على من كل شيعة كقوله: {أية : وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا} تفسير : [مريم: 50] أي لننزعن بعض كل شيعة فكان قائلاً قال: فمن هم فقيل أيهم أشد عتياً "انتهى" فيكون أيهم موصولة خبر مبتدأ محذوف وهذا تكلف وادعاء إضمار لا ضرورة تدعو إليه وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين وعتيا تمييز وأصله المصدر يقال عتا يعتو عتواً وعتياً. {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ} أي نحن في ذلك النزع لا نضع شيئاً مميز موضعه بها أي: بجهنم. و{صِلِيّاً} تمييز وهو في الأصل مصدر. {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} إن نافية بمعنى ما وثم محذوف تقديره وإن منكم أحد إلا واردها خبر لمبتدأ محذوف ومعنى واردها أي معروض عليها ولا يقتضي الورود الدخول * قال ابن عطية: وإن منكم إلا واردها قسم والواو يقتضيه ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم تفسير : "انتهى" ذهل عن قول النحويين أنه لا يستغني عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو بأن والجواب جاء هنا على زعمه بأن النافية فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا عليه وقوله: الواو يقتضيه يدل على أنها عنده واو القسم ولا يذهب نحوي إلى أن مثل هذه الواو واو القسم لأنه يلزم من ذلك حذف المجرور وإبقاء الجار ولا يجوز ذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه كما أولوا في قولهم نعم السير على بئس العير أي على عير بئس العير * وقول الشاعر: شعر : والله ما زيد بنام صاحبه أي برجل نام صاحبه تفسير : وهذه الآية ليست من هذا الضرب إذ لم يحذف المقسم به وقامت صفته مقامه. {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ} اسم كان ضمير عائد على المصدر المفهوم من قوله: واردها أي كان الورود ومفعول اتقوا محذوف أي الشرك والشرك هنا ظلم الكفر. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ} نزلت في النضر بن الحارث وأصحابه كان فقراء الصحابة في خشونة عيش ورثاثة سربال والمشركون يدهنون رؤوسهم ويرجلون شعورهم ويلبسون الحرير وفاخر الملابس فقالوا للمؤمنين أي الفريقين خير مقاماً أي منزلاً وسكناً * وأحسن ندياً أي مجلساً ولما أقام الحجة على منكري البعث واتبعه بما يكون يوم القيامة أخبر عنهم أنهم عارضوا تلك الحجة الدامغة بحسن شارتهم في الدنيا وذلك عندهم يدل على كرامتهم عند الله ثم ذكر كثرة من أهلك من القرون ممن كان أحسن حالاً منهم في الدنيا تنبيهاً على أنه تعالى يهلكهم ويستأصل شأفتهم وكم جزية مفعول بأهلكنا أي كثيراً أهلكنا. و{مِّن قَرْنٍ} تمييز * قال الزمخشري: وهم أحسن في محل النصب صفة لكم ألا ترى أنك لو تركت هم لم يكن لك بد من نصب أحسن على الوصفية "انتهى" تابعه أبو البقاء على ذلك ونص أصحابنا على أن كم الخبرية والاستفهامية لا توصف ولا يوصف بها فعلى هذا يكون أحسن في موضع الصفة لقرن وجمع لأن القرن هو مشتمل على أفراد كثيرة فروعي معناه ولو أفرد الضمير على اللفظ لكان عربياً فصار كلفظ جميع قال تعالى: {أية : فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ}تفسير : [يس: 53] وقال: نحن جميع منتصر فوصفه بالجمع وبالمفرد وقرىء: {وَرِءْياً} بهمزة ساكنة وزنه فعل بمعنى مفعول كالطحن بمعنى المطحون فمعناه مرئياً وقرىء: وريا بإِبدال الهمزة ياء وإدغام الياء في الياء بعدها وهو بمعنى المهموز وقرىء: وزياً بالزاي بعدها ياء مشددة وهي البزة الحسنة والأثاث الآلات المجتمعة المستحسنة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: اذكر في الكتب على وجه التعظيم والإجلال، والوصف بصفات الكمال. { إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } جمع الله له بين الصديقية، الجامعة للتصديق التام، والعلم الكامل، واليقين الثابت، والعمل الصالح، وبين اصطفائه لوحيه، واختياره لرسالته. { وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } أي: رفع الله ذكره في العالمين، ومنزلته بين المقربين، فكان عالي الذكر، عالي المنزلة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):