١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الأنبياء بصفات المدح ترغيباً لنا في التأسي بطريقتهم ذكر بعدهم من هو بالضد منهم فقال: فخلف من بعدهم خلف، وظاهر الكلام أن المراد من بعد هؤلاء الأنبياء خلف من أولادهم يقال: خلفه إذا أعقبه ثم قيل في عقب الخبر خلف بفتح اللام وفي عقب الشر خلف بالسكون، كما قالوا: وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر وفي الحديث: «حديث : في الله خلف من كل هالك» تفسير : وفي الشعر للبيد: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : ثم وصفهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات فإضاعة الصلاة في مقابلة قوله: { أية : خَرُّواْ سُجَّداً } تفسير : [السجدة: 15] واتباع الشهوات في مقابلة قوله: {وَبُكِيّاً } لأن بكاءهم يدل على خوفهم واتباع هؤلاء لشهواتهم يدل على عدم الخوف لهم وظاهر قوله: {أضاعوا الصلاة } تركوها لكن تركها قد يكون بأن لا تفعل أصلاً وقد يكون بأن لا تفعل في وقتها وإن كان الأظهر هو الأول وأما اتباع الشهوات فقال ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب واحتج بعضهم بقوله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ } على أن تارك الصلاة كافر، واحتج أصحابنا بها في أن الإيمان غير العمل لأنه تعالى قال: {وآمَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } فعطف العمل على الإيمان والمعطوف غير المعطوف عليه، أجاب الكعبي عنه: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما، وهذا الجواب ضعيف لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي وقوع المغايرة بينهما لأن التوبة عزم على الترك والإيمان إقرار بالله تعالى وهما متغايران، فكذا في هذه الصورة. ثم بين تعالى أن من هذه صفته {يَلْقُونَ غَيّاً } وذكروا في الغي وجوهاً: أحدها: أن كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد، قال الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما تفسير : وثانيها: قال الزجاج: {يَلْقُونَ غَيّاً } أي يلقون جزاء الغي، كقوله تعالى: { أية : يَلْقَ أَثَاماً } تفسير : [الفرقان: 68] أي مجازاة الآثام. وثالثها: غياً عن طريق الجنة. ورابعها: الغي واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها والوجهان الأولان أقرب فإن كان في جهنم موضع يسمى بذلك جاز ولا يخرج من أن يكون المراد ما قدمنا لأنه المعقول في اللغة، ثم بين سبحانه أن هذا الوعيد فيمن لم يتب، وأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة لا يلحقهم ظلم، وههنا سؤالان: الأول: الاستثناء دل على أنه لا بد من التوبة والإيمان والعمل الصالح وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً فإنه لا يجب عليها الصلاة والزكاة أيضاً غير واجبة، وكذا الصوم فههنا لو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح، و الجواب أن هذه الصورة نادرة، والمراد منه الغالب. السؤال الثاني: قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } هذا إنما يصح لو كان الثواب مستحقاً على العمل، لأنه لو كان الكل بالتفضل لاستحال حصول الظلم لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد. الجواب: أنه لما أشبهه أجرى على حكمه.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} أي أولاد سوء. قال أبو عبيدة: حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: ذلك عند قيام الساعة، وذهاب صالحي هذه الأمة أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ينزو بعضهم على بعض في الأزِقة زنًى. وقد تقدّم القول في «خَلْفٌ» في «الأعراف» فلا معنى للإعادة. الثانية: قوله تعالى: {أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ} وقرأ عبد الله والحسن «أَضَاعُوا الصَّلَوَاتِ» على الجمع. وهو ذمّ ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق بها صاحبها ولا خلاف في ذلك. وقد قال عمر: ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. واختلفوا فيمن المراد بهذه الآية؛ فقال مجاهد: النصارى خلفوا بعد اليهود. وقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد أيضاً وعطاء: هم قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان؛ أي يكون في هذه الأمة من هذه صفته لا أنهم المراد بهذه الآية. واختلفوا أيضاً في معنى إضاعتها؛ فقال القرظي: هي إضاعة كفر وجحد بها. وقال القاسم بن مخيمرة، وعبد الله بن مسعود: هي إضاعة أوقاتها، وعدم القيام بحقوقها وهو الصحيح، وأنها إذا صليت مخلًّى بها لا تصح ولا تجزىء؛ لـ «حديث : قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي صلى وجاء فسلم عليه: «ارجع فصل فإنك لم تصل»ثلاث مرات» تفسير : خرجه مسلم، وقال حذيفة لرجل يصلي فطفف: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال منذ أربعين عاماً. قال: ما صليت، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال: إن الرجل ليخفف الصلاة ويتم ويحسن. خرجه البخاري واللفظ للنسائي، وفي الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تجزىء صلاة لا يقيم فيها الرجل» تفسير : يعني صلبه في الركوع والسجود؛ قال: حديث حسن صحيح؛ والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم؛ يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود؛ قال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : تلك الصلاة صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً»تفسير : . وهذا ذم لمن يفعل ذلك. وقال فروة بن خالد بن سنان: استبطأ أصحاب الضحاك مرة أميراً في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب؛ فقرأ الضحاك هذه الآية، ثم قال: والله لأن أدعها أحبّ إلي من أن أضيّعها. وجملة القول في هذا الباب أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه، ولا دين لمن لا صلاة له. وقال الحسن: عطلوا المساجد، واشتغلوا بالصنائع والأسباب. «وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ» أي اللذات والمعاصي. الثالثة: روى الترمذي وأبو داود عن أنس بن حكيم الضبي أنه أتى المدينة فلقي أبا هريرة فقال له: يا فتى ألا أحدّثك حديثاً لعل الله تعالى أن ينفعك به؛ قلت: بلى. قال: «إن أوّل ما يحاسَب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة فيقول الله تبارك وتعالى لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة وإن كان انتقص منها شيئاً قال انظروا هل لعبدي من تطوّع فإن كان له تطوّع قال: أكملوا لعبدي فريضته من تطوّعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلك». قال يونس: وأحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لفظ أبي داود. وقال: حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا حماد حدّثنا داود بن أبي هند عن زرارة بن أوفى عن تميم الداريّ عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى. قال: «ثم الزكاة مثل ذلك» «ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك». وأخرجه النسائي عن همام عن الحسن عن حُرَيث بن قَبِيصة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة بصلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر ـ قال همام: لا أدري هذا من كلام قتادة أو من الرواية ـ فإن انتقص من فريضته شيء قال: انظروا هل لعبدي من تطوّع فيكمل به ما نقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على نحو ذلك»تفسير : . خالفه أبو العوام فرواه عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن وجدت تامة كتبت تامة وإن كان انتقص منها شيء قال: انظروا هل تجدون له من تطوّع يكمل ما ضيع من فريضته من تطوّعه ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك»تفسير : . قال النسائي: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدّثنا النضر بن شميل قال: أنبأنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن يحيـى بن يعمر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أكملها وإلا قال الله عز وجل: انظروا لعبدي من تطوّع فإن وجد له تطوّع قال: أكملوا به الفريضة»تفسير : . قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد»: أما إكمال الفريضة من التطوّع فإنما يكون ـ والله أعلم ـ فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها، أو لم يحسن ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك؛ وأما من تركها، أو نسي ثم ذكرها، فلم يأت بها عامداً، واشتغل بالتطوّع عن أداء فرضها وهو ذاكر له، فلا تكمل له فريضة من تطوّعه، والله أعلم. وقد روي من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر يرويه محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السَّكُوني عن عبد الله بن قُرْط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده زيد فيها من تسبيحاته حتى تتم»تفسير : . قال أبو عمر: وهذا لا يحفظ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، وليس بالقوّي؛ وإن كان صح كان معناه أنه خرج من صلاة كان قد أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة (والله أعلم..) قلت: فينبغي للإنسان أن يحسن فرضه ونفله حتى يكون له نفل يجده زائداً على فرضه يقرّبه من ربه، كما قال سبحانه وتعالى: «حديث : وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه» تفسير : الحديث. فأما إذا كان نفل يكمل به الفرض فحكمه في المعنى حكم الفرض. ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى وأولى ألا يحسن التنفل؛ لا جرم تنفل الناس في أشدّ ما يكون من النقصان والخلل لخفته عندهم، وتهاونهم به، حتى كأنه غير معتد به. ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه، ويظن به العلم تنفله كذلك؛ بل فرضه إذ ينقره نقر الديك لعدم معرفته بالحديث؛ فكيف بالجهال الذين لا يعلمون. وقد قال العلماء: ولا يجزىء ركوع ولا سجود، ولا وقوف بعد الركوع، ولا جلوس بين السجدتين، حتى يعتدل راكعاً وواقفاً وساجداً وجالساً. وهذا هو الصحيح في الأثر، وعليه جمهور العلماء وأهل النظر. وهذه رواية ابن وهب وأبي مصعب عن مالك. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة». وإذا كان هذا فكيف يكمل بذلك التنفل ما نقص من هذا الفرض على سبيل الجهل والسهو؟! بل كل ذلك غير صحيح ولا مقبول؛ لأنه وقع على غير المطلوب. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ} وعن علي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: «واتبعوا الشهواتِ» هو من بنى (المشيد) وركب المنظور، ولبس المشهور. قلت: الشهوات عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتقيه. وفي الصحيح: «حديث : حُفَّت الجنة بالمكاره وحُفَّت النار بالشهوات»تفسير : . وما ذكر عن علي رضي الله عنه جزء من هذا. قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} قال ابن زيد: شراً أو ضلالاً أو خيبة، قال: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يَغْوَ لا يعدمْ على الغَيِّ لائما تفسير : وقال عبد الله بن مسعود: هو وادٍ في جهنم. والتقدير عند أهل اللغة فسوف يلقون هذا الغيّ؛ كما قال جل ذكره: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} تفسير : [الفرقان: 68]. والأظهر أن الغيّ اسم للوادي سمي به لأن الغاوين يصيرون إليه. قال كعب: يظهر في آخر الزمان قوم بأيديهم سياط كأذناب البقر، ثم قرأ الآية {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} أي هلاكاً وضلالاً في جهنم. وعنه: غيٌّ واد في جهنم أبعدها قعراً؛ وأشدّها حراً، فيه بئر يسمى البهيم، كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البئر فتسعر بها جهنم. وقال ابن عباس: غيٌّ وادٍ في جهنم، وأن أودية جهنم لتستعيذ من حره، أعدّ الله تعالى ذلك الوادي للزاني المصر على الزنى، ولشارب الخمر المدمن عليه، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور، ولامرأة أدخلت على زوجها ولداً ليس منه. قوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ} أي من تضييع الصلاة واتباع الشهوات، فرجع إلى طاعة ربه. {وَآمَنَ} به {وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ}. قرأ أبو جعفر وشيبة وابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر «يُدْخَلُون» بفتح الخاء. وفتح الياء الباقون. {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أي لا ينقص من أعمالهم الصالحة شيء، إلا أنهم يكتب لهم بكل حسنة عشر إلى سبعمائة. {جَنَّاتِ عَدْنٍ} بدلاً من الجنة فانتصبت. قال أبو إسحاق الزجاج: ويجوز «جَنَّاتُ عَدْنٍ» على الابتداء. قال أبو حاتم: ولولا الخط لكان «جَنَّةَ عدنٍ» لأن قبله {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ}. {ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ} أي من عبده وحفظ عهده بالغيب. وقيل: آمنوا بالجنة ولم يروها. {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} «مأتيا» مفعول من الإتيان. وكل ما وصل إليك فقد وصلت إليه؛ تقول: أتت عليّ ستون سنة وأتيت على ستين سنة. ووصل إليّ من فلان خير ووصلت منه إلى خير. وقال القتبي: «مأتيا» بمعنى آتٍ فهو مفعول بمعنى فاعل. و«مأتيا» مهموز لأنه من أتى يأتي. ومن خفف الهمزة جعلها ألفاً. وقال الطبري: الوعد هاهنا الموعود وهو الجنة؛ أي يأتيها أولياؤه. {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} أي في الجنة. واللغو معناه الباطل من الكلام والفحش منه والفضول وما لا ينتفع به. ومنه الحديث: «حديث : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت» تفسير : ويروى «لغيت» وهي لغة أبي هريرة؛ كما قال الشاعر: شعر : وَرَبِّ أسْرَابِ حَجِيجَ كُظَّمِ عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ تفسير : قال ابن عباس: اللغو كل ما لم يكن فيه ذكر الله تعالى؛ أي كلامهم في الجنة حمد الله وتسبيحه. {إِلاَّ سَلاَماً} أي لكن يسمعون سلاماً فهو من الاستثناء المنقطع، يعني سلام بعضهم على بعض، وسلام الملك عليهم، قاله مقاتل وغيره. والسلام اسم جامع للخير؛ والمعنى أنهم لا يسمعون فيها إلا ما يحبون. قوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أي لهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا؛ أي في قدر هذين الوقتين؛ إذ لا بكرة ثَمَّ ولا عشياً؛ كقوله تعالى: {أية : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} تفسير : [سبأ: 12] أي قدر شهر؛ قال معناه ابن عباس وابن جريج وغيرهما. وقيل: عرّفهم اعتدال أحوال أهل الجنة؛ وكان أهنأ النعمة عند العرب التمكين من المطعم والمشرب بكرة وعشيا. قال يحيـى بن أبي كثير وقتادة: كانت العرب في زمانها من وجد غداء وعشاء معاً فذلك هو الناعم؛ فنزلت. وقيل: أي رزقهم فيها غير منقطع، كما قال: "لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ" وهو كما تقول: أنا أصبح وأمسي في ذكرك. أي ذكري لك دائم. ويحتمل أن تكون البكرة قبل تشاغلهم بلذاتهم، والعشي بعد فراغهم من لذاتهم؛ لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال. وهذا يرجع إلى القول الأوّل. وروى الزبير بن بكار عن إسماعيل بن أبي أويس قال: قال مالك بن أنس: طعام المؤمنين في اليوم مرتان، وتلا قول الله عز وجل: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} ثم قال: وعوّض الله عز وجل المؤمنين في الصيام السحور بدلاً من الغداء ليقووا به على عبادة ربهم. وقيل: إنما ذكر ذلك لأن صفة الغداء وهيئته غير صفة العشاء وهيئته؛ وهذا لا يعرفه إلا الملوك. وكذلك يكون في الجنة رزق الغداء غير رزق العشاء تتلون عليهم النعم ليزدادوا تنعماً وغبطة. وخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» من حديث أبان عن الحسن وأبي قِلابة قالا: «حديث : قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: «وما هيّجك على هذا» قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} فقلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور يردُّ الغدوّ على الرواح والرواح على الغدوّ وتأتيهم طُرَف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة»» تفسير : وهذا في غاية البيان لمعنى الآية، وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة». وقال العلماء: ليس في الجنة ليل ولا نهار، وإنما هم في نور أبداً؛ إنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدارالنهار برفع الحجب وفتح الأبواب. ذكره أبو الفرج الجوزيّ والمهدويّ وغيرهما. قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي} أي هذه الجنة التي وصفنا أحوال أهلها {نُورِثُ} بالتخفيف. وقرأ يعقوب «نُوَرِّثُ» بفتح الواو وتشديد الراء. والاختيار التخفيف؛ لقوله تعالى: «ثم أورثنا الكتاب». {مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} قال ابن عباس: أي من اتقاني وعمل بطاعتي. وقيل: هو على التقديم والتأخير، تقديره: نورث من كان تقياً من عبادنا.
البيضاوي
تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء يقال خلف صدق بالفتح، وخلف سوء بالسكون. {أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ } تركوها أو أخروها عن وقتها. {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ } كشرب الخمر واستحلال نكاح الأخت من الأب والانهماك في المعاصي. وعن علي رضي الله تعالى عنه في قوله {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ}. من بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور. {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} شراً كقوله:شعر : فَمَنْ يَلْقَ خَيْراً يَحْمِد النَاس أَمْرَه وَمَنْ يَغْو لاَ يعْدَمْ عَلَى الغَيِّ لاَئِماً تفسير : أو جزاء غي كقوله تعالى: {يَلْقَ أَثَاماً} أو غياً عن طريق الجنة، وقيل هو واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء عليهم السلام، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره، ذكر أنه {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} أي: قرون أخر {أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ} وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غياً، أي: خساراً يوم القيامة، وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة ههنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية، قاله محمد بن كعب القرظي وابن زيد بن أسلم والسدي، واختاره ابن جرير، ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة؛ للحديث: «حديث : بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة»تفسير : . والحديث الآخر: «حديث : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» تفسير : وليس هذا محل بسط هذه المسألة. وقال الأوزاعي عن موسى بن سليمان عن القاسم بن مخيمرة في قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ} قال: أنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركاً كان كفراً. وقال وكيع عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} تفسير : [الماعون: 5] و{أية : هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ}تفسير : [المعارج: 23] و{أية : عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المعارج: 34] فقال ابن مسعود: على مواقيتها. قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال: ذلك الكفر، قال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن إضاعتهن عن وقتهن، وقال الأوزاعي عن إبراهيم بن يزيد: إن عمر بن عبد العزيز قرأ: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ} قال: عند قيام الساعة وذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينزو بعضهم على بعض في الأزقة، وكذا روى ابن جريج عن مجاهد مثله، وروى جابر الجعفي عن مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح أنهم من هذه الأمة، يعنون: في آخر الزمان. وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ} قال: هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون من الناس في الأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا حيوة، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غياً، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر» تفسير : وقال بشير: قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به. والفاجر يأكل به. وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن المقرىء به. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن وهب عن مالك عن أبي الرجال: أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربرياً، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : هم الخلف الذين قال الله تعالى فيهم: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة» تفسير : هذا الحديث غريب. وقال أيضاً: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك، حدثنا الوليد حَريز عن شيخ من أهل المدينة: أنه سمع محمد بن كعب القرظي يقول في قول الله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} الآية، قال: هم أهل الغرب، يملكون، وهم شر من ملك. وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله عز وجل: شرّابين للقهوات، ترّاكين للصّلوات، لعّابين بالكعبات، رقّادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، ترّاكين للجماعات، قال: ثم تلا هذه الآية {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد، ولزموا الضيعات. وقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته أن أحرمه من طاعتي. وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا التميمي عن أبي قبيل: أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن، واللبن» تفسير : أما اللبن فيتبعون الرّيف، ويتبعون الشهوات، ويتركون الصلاة، أما القرآن، فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين، ورواه عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة: حدثنا أبو قبيل عن عقبة به، مرفوعاً بنحوه، تفرد به. وقوله: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} أي: خسراناً، وقال قتادة: شراً، وقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن إسحاق عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} قال: واد في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم. وقال الأعمش عن زياد عن أبي عياض في قوله: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} قال: واد في جهنم من قيح ودم. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني عباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن زياد، حدثنا شرقي بن قطامي عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة صدي بن عجلان الباهلي، فقلت: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها خمسين خريفاً، ثم تنتهي إلى غي وآثام» تفسير : قال: قلت: ماغي وآثام؟ قال: قال: «حديث : بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار»تفسير : وهما اللذان ذكرهما الله في كتابه: {أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} وقوله في الفرقان: {أية : وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} تفسير : [الفرقان: 68] هذا حديث غريب، ورفعه منكر. وقوله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} وذلك لأن التوبة تجبّ ما قبلها، وفي الحديث الآخر: «حديث : التائب من الذنب كمن لا ذنب له» تفسير : ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئاً، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص لهم مما عملوه بعدها؛ لأن ذلك ذهب هدراً، وترك نسياً، وذهب مجاناً من كرم الكريم وحلم الحليم، وهذا الاستثناء ههنا كقوله في سورة الفرقان: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : - إلى قوله - {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الفرقان: 68 - 70].
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } بتركها كاليهود والنصارى {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ } مِنَ المعاصي {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً } هو واد في جهنم، أي يقعون فيه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} الآية. في الفرق بين الخلْف بتسكين اللام والخلف بتحريكها وجهان: أحدهما: أنه بالفتح إذا خلفه من كان من أهله، وبالتسكين إذا خلفه من ليس من أهله. الثاني: أن الخلْف بالتسكين مستعمل في الذم، وبالفتح مستعمل في المدح قال لبيد: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلفٍ كجلد الأجْرب تفسير : وفي هذا الخلف قولان: أحدهما: أنهم اليهود من بعد ما تقدم من الأنبياء، قاله مقاتل. الثاني: أنهم من المسلمين. فعلى هذا في قوله {من بَعْدِهِم} قولان: أحدهما: من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، من عصر الصحابة وإلى قيام الساعة كما روى الوليد بن قيس حكاه إبراهيم عن عبيدة. الثاني: إنهم من بعد عصر الصحابة. روى الوليد بن قيس عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَكُونُ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً {خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ}". تفسير : الآية. وفي إضاعتهم الصلاة قولان: أحدهما: تأخيرها عن أوقاتها، قال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز. الثاني: تركها، قاله القرظي. ويحتمل ثالثاً: أن تكون إضاعتها الإِخلال باستيفاء شروطها. {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه واد في جهنم، قالته عائشة وابن مسعود. الثاني: أنه الخسران، قاله ابن عباس. الثالث: أنه الشر، قاله ابن زيد. الرابع: الضلال عن الجنة. الخامس: الخيبة، ومنه قول الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً تفسير : من يغو: أي من يخب.
ابن عطية
تفسير : "الخَلف" بفتح اللام القرن يأتي بعد آخر يمضي، والابن بعد الأب، وقد يستعمل في سائر الأمور. "والخلْف" بسكون اللام مستعمل إذا كان الآتي مذموماً هذا مشهور كلام العرب وقد ذكر عن بعضهم أن الخلَف والخلْف بمعنى واحد وحجة ذلك قول الشاعر: شعر : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : وقرأ الجمهور "الصلاة" بالإفراد، وقرأ الحسن "أضاعوا الصلوات" بالجمع، وكذلك في مصحف ابن مسعود، والمراد بـ"الخلف" من كفر أو عصى بعد من بني إسرائيل، وقال مجاهد: المراد النصارى خلفوا بعد اليهود وقال محمد بن كعب ومجاهد وعطاء: هم قوم من أمة محمد آخر الزمان، أي يكون في هذه الامة من هذه صفته لا أنهم المراد بهذه الآية، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : كان الخلف بعد ستين سنة"تفسير : وهذا عرف إلى يوم القيامة وتتجدد أيضاً المبادئ، واختلف الناس في "إضاعة الصلاة" منهم، فقال محمد بن كعب القرظي وغيره: "كانت اضاعة كفر وجحد بها". وقال القاسم بن مخيمرة وعبدالله بن مسعود: "كانت اضاعة أوقاتها والمحافظة على أوانها" وذكره الطبري عن عمر ين عبدالعزيز رضي الله عنه في حديث طويل. و {الشهوات} عموم وكل ما ذكر من ذلك فمثال، و"الغي" الخسران والحصول في الورطات ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما تفسير : وبه فسر ابن زيد هذه الآية، وقد يكون "الغي" أيضاً بمعنى الضلال فيكون على هذا هنا حذف مضاف تقديره "يلقون جزاء الغي" وبهذا فسر الزجاج. وقال عبدالله بن عمرو وابن مسعود "غي" واد في جهنم وبه وقع التوعد في هذه الآية، وقيل "غي وآثام، نيران في جهنم" رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي عليه السلام. وقوله {إلا من تاب} استثناء يحتمل الاتصال والانقطاع، وقوله {وآمن} يقتضي أن الإضافة أولاً هي إضاعة كفر هذا مع اتصال الاستثناء، وعليه فسر الطبري. وقرأ الجمهور "يُدخَلون" بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الحسن كل ما في القرآن "يَدخُلون" بفتح الياء وضم الخاء، وقوله {جنات عدن}، وقرأ جمهور الناس "جناتِ عدن" بنصب الجنات على البدل من قوله {يدخلون الجنة}، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وأبو حيوة "جناتُ" برفعها على تقدير تلك الجنات، وقرأ علي بن صالح "جنةَ" على الإفراد والنصب وكذلك في مصحف ابن مسعود وقرأها الأعمش، و "العدن" الإقامة المستمرة، قوله {بالغيب} أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم، وفي هذا مدح لهم عن سرعة إيمانهم وبدراهم إذ لم يعاينوا. و"المأتي" مفعول على بابه، والآتي هو الإنجاز والفعل الذي تضمنه الوعد، وكان إيتانه إنما يقصد به "الوعد" الذي تقدمه. وقالت جماعة من المفسرين: هو مفعول في اللفظ بمعنى فاعل بمعنى آت وهذا بعيد، والنظر الأول أصوب، و"اللغو" الساقط من القول، وهو أنواع مختلفة كلها ليست في الجنة، وقوله {إلا سلاماً}، استثناء منقطع، المعنى لكن يسمعون كلاماً هو تحية الملائكة لهم في كل الأوقات. وقوله {بكرة وعشياً}، يريد في التقدير أي يأتيهم طعامهم مرتين في مقدار اليوم والليلة من الزمن، ويروى أن أهل الجنة تنسد لهم الأبواب بقدر الليل في الدنيا فهم يعرفون البكرة عند انفتاحها والعشي عند انسدادها، وقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشياً لكن يؤتى به على قدر ما كانوا يشتهون في الدنيا، وقد ذكر نحوه قتادة، أن تكون مخاطبة بما تعرفه العرب وتستغربه في رفاهة العيش، وجعل ذلك عبارة عن أن رزقهم يأتي على أكمل وجوهه. وقال الحسن: خوطبوا على ما كانت العرب تعلم من أفضل العيش وذلك أن كثيراً من العرب إنما كان يجد الطعام المرة في اليوم وهي غايته، وكان عيش أكثرهم من شجر البرية ومن الحيوان ونحوه ألا ترى قول الشاعر: [المنسرح] شعر : عصرته نطفة تضمنها لصب توقى مواقع السبل أو وجبة من جناة أشكله إن لم يزغها بالقوس لم تنلِ تفسير : الوجبة الأكلة في اليوم. وقرأ الجمهور "نوْرث" بسكون الواو، وقرألأعمش "نورثها" وقرأ الحسن والأعرج وقتادة "نوَرّث" بفتح الواو وشد الراء.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَلْفٌ} بالسكون إذا خلفه من ليس من أهله وبالفتح إذا كان من أهله، أو بالسكون في الذم وبالفتح في الحمد {مِن بَعْدِهِمْ} اليهود بعد متقدمي الأنبياء، أو المسلمون بعد النبي صلى الله عليه وسلم من عصر الصحابة إلى قيام الساعة، أو من بعد عصر الصحابة قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" حديث : يكون بعد الستين خلف أضاعوا الصلاة "تفسير : الآية {أَضَاعُواْ الصَّلاةَ} بتركها، أو تأخيرها عن وقتها {غَيّاً} وادٍ في جهنم أو خسراناً، أو ضلالاً عن الجنة، أو شراً أو خيبة. شعر : ......................... ومن يغوِ لا يعدم........ تفسير : أي يخب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ...} الآية، الخَلْفُ، ـــ [بسكون] اللام ـــ مُسْتعمل إذا كان الآتي مَذْمُوماً؛ هذا مشهورُ كَلامِ العَرَبِ، والمرادُ بالخلْف: مَنْ كفر وعَصَى بعدُ مِنْ بني إسرائيل، ثم يتناول معنى الآية مَنْ سِوَاهُم إلَى يوم القيامة، وإضاعة الصَّلاَةِ يكون بترْكِهَا وبجحْدِها، وبإضاعة أَوْقَاتِهَا. وروى أَبُو دَاوُدَ الطيالسي «في مسنده» بسنده عن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قال: قال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أَحْسَنَ الرَّجُلُ الصَّلاَةَ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا، وَسُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ: حَفِظَكَ اللّهُ؛ كَمَا حَفِظْتَنِي، وَتُرْفَعُ، وإذَا أَسَاءَ الصَّلاَةَ؛ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا، وَلاَ سُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ: ضَيَّعَكَ اللّهُ؛ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، وَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلقُ، فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ»تفسير : . انتهى من «التذكرة» والشَّهَوَاتُ: عُمُومُ، والغَيُّ: الخُسْران؛ قاله ابنُ زيد. وقد يكُونُ الغي بمعنى الضَّلاَلِ، والتقديرُ: يُلْقون جَزَاءَ الغَيِّ. وقال عبدُ اللّه بن عمرو، وابنُ مسعودٍ: الغَيُّ: وَادٍ في جَهنَّم، وبه وَقَعَ التوعُّدُ في هذه الآية. وقال * ص *: الغي عندهم كُلُّ شرّ؛ كما أن الرشاد كلُّ خيرٍ. [انتهى]. و {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ}: بدلٌ من الجنَّةِ في قوله {يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ}. وقولُه {بِـٱلْغَيْبِ}، أيْ أخبرهم من ذلك بما غَابَ عنهم، وفي هذا مَدْحٌ لهم على سرعة إيمانهم وبدارهم إذْ لم يعاينوا، و {مَأْتِيّاً} مفعولٌ على بابه. وقال جماعةٌ من المفسرين: هو مفعولٌ في اللفظ؛ بمعنى فاعل؛ فـ {مَأْتِيّاً} بمعنى آتٍ، وهذا بَعِيدٌ. * ت *: بل هو الظَّاهِرُ، وعليه اعتمد * ص *. واللَّغْوُ: السَّقْطُ من القول. وقوله {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} يريدُ في التقدِير.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} الآية. لما وصف الأنبياء بالمدح ترغيباً لنا في التأسي بهم ذكر بعدهم من بالضد منهم، فقال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد هؤلاء الأنبياء "خَلْفٌ" من أولادهم، يقال: خلفه إذا عقبه خلف سوء - بإسكان اللام - والخَلَف - بفتح اللام - الصالح، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ضمان الشر، وفي الحديث: "حديث : في الله خلفٌ من كل هالك" تفسير : وفي الشعر: شعر : 3610- ذَهَبَ الذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ وبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ تفسير : قال السديُّ: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة. "أضاعُوا الصَّلاة" تركوا الصلاة المفروضة. وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. "واتَّبعُوا الشَّهواتِ" قال ابن عباس: هم اليهود تركوا الصلاة وشربوا الخمور، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة. {فَسَوْفَ يلقَوْنَ غيًّا} قال وهب وابن عباس وعطاء وكعب: هو وادٍ في جهنم بعيد قعره. وقال أبو أمامة: مجازاة الآثام. وقال الضحاك: "غَيًّا": خسراناً. وقيل: هلاكاً وقيل: عذاباً، ونقل الأخفش أنه قرىء "يُلَقَّوْنَ" بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقَّاه مضاعفاً. وقوله: "يَلْقَوْنَ" ليس معناه "يرون" فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. قوله: {إلاَّ من تَابَ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه استثناء متصل. وقال الزجاج: هو منقطع. وهذا بناء منه على أن المضيع للصلاة من الكفار. وقرأ عبد الله والحسن والضحاك وجماعة "الصلوات" جمعاً. وقرأ الحسن هنا وجميع ما في القرآن "يُدْخَلُونَ" مبنيًّا للمفعول. فصل "احتجوا" بقوله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} على أن الإيمان غير العمل، لأنه عطف العمل على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه. أجاب الكعبي: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان، والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما. وهذا الجواب ضعيف، لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي المغايرة بينهما، لأن التوبة عزم على الترك، والإيمان إقرار بالله، وهما متغايران، فكذلك في هذه الصورة. ولما بيَّن وعيد من لم يتب بيَّن أن من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة ولا يلحقهم ظلم. وهنا سؤالان: السؤال الأول: الاستثناء دل على أنه لا بُدَّ من التوبة والإيمان والعمل الصالح، وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن الكفر ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضاً فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم والزكاة فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل، فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح. والجواب: أن هذه الصورة نادرة، والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب. السؤال الثاني: قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} يدل على أن الثواب مستحق بالعمل لا بالتفضّل، لأنه لو كان بالتفضل، لاستحال حصول الظلم، لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد. وأجيب بأنه لما أشبهه أجري على حكمه. قوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} العامة على كسر التاء نصباً على أنها بدل من "الجنة". وعلى هذه القراءة يكون قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} فيه وجهان: أحدهما: أنه اعتراض بين البدل والمبدل منه. والثاني: أنه حال. كذا قال أبو حيان. وفيه نظر من حيث إن المضارع المنفي بـ "لا" كالمثبت في أنه لا تباشره واو الحال. وقرأ أبو حيوة، وعيسى بن عمر، والحسن، والأعمش: "جَنَّات" بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: تلك أو هي جنات عدن. والثاني: وبه قال الزمخشري: أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرها "الَّتي وَعدَ". وقرأ الحسن بن حيّ، وعلي بن صالح، والأعمش في رواية "جنَّة عدنٍ" نصباً مفرداً. واليماني، والحسن، والأزرق عن حمزة، "جَنَّةُ" رفعاً "مفرداً". وتخريجها واضح مما تقدم. قال الزمخشري: لما كانت مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك أبصرت دارك القاعة والعلالي، و "عَدْن" معرفة بمعنى العدن، وهو الإقامة كما جعلوا فينة، وسحر، وأمس فيمن لم يصرفه أعلاماً لمعاني الفينة والسحر والأمس، فجرى مجرى العدن لذلك، أو هو أعلم لأرض الجنة، لكونها دار إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأنَّ النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها بـ "التي". قال أبو حيان: وما ذكره متعقب، أما دعواه: إن عدناً علم لمعنى العدن. فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعواه العلمية الشخصية فيه، وأما قوله: ولولا ذلك، إلى قوله: موصوفة؛ فليس مذهب البصريين، لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة إن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون، وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه، وملازمته فاسدة. وأما قوله: ولما ساغ وصفها بـ "التي"، فلا يتعين كون "التي" صفة، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً. قال شهاب الدين: إن "التي" صفة، والتمسك بهذا الظاهر كافٍ وأيضاً: فإن الموصول في قوة المشتقات، وقد نصوا على أن البدل بالمشتق، ضعيف، فكذلك ما في معناه. قوله: "بالغَيْبِ" فيه وجهان: أحدهما: أن الباء حالية، وفي صاحب الحال احتمالان: أحدهما: ضمير الجنة، وهو عائد الموصول، أي: وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها. والثاني: أن يكون هو "عِبَادَهُ"، أي: وهم غائبون عنها لا يرونها، إنما آمنوا بها بمجرد الإخبار عنه. والوجه الثاني: أن الباء سببية، أي: بسبب تصديقه الغيب، وبسبب الإيمان "به". قوله: "إنَّهُ كَانَ". يجوز في هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى يعود على "الرحمن" أي: إن الرحمن كان وعده مأتياً. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن، لأن مقام تعظيم وتفخيم. وعلى الأول يجوز أن يكون في "كان" ضمير هو اسمها يعود على الله - تعالى - و "وَعْدُهُ" بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، و "مَأتيًّا" خبرها. ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل هي رافعة لـ "وعده" و "مأتياً" الخبر أيضاً. وهو نظير: إن زيداً كان أبوه منطلقاً. و "مأتيًّا" فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول على بابه، والمراد بالوعد: الجنة، أطلق عليها المصدر، أي: موعود، نحو درهم ضرب الأمير. وقيل: الوعد مصدر على بابه، و "مأتيا" مفعول بمعنى فاعل. ولم يرتضه الزمخشري فإنه قال: قيل في "مأتيا" مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها، أو هو من قولك: أتى إليه إحساناً، أي: كان وعده مفعولاً منجزاً. وقال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه، وما أتاك فقد أتيته. والمقصود من قوله: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} بيان أن وعده تعالى - وإن كان بأمر غائب - فهو كأنه مشاهد حاصل، والمراد تقرير ذلك في القلوب. قوله: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً}. اللغو من الكلام: ما يلقى ويطرح، وهو المنكر من القول كقوله: {أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} تفسير : [الغاشية: 11]. وقال مقاتل: هي اليمين الكاذبة وفيه دلالة على وجوب اجتناب اللغو، لأن الله - تعالى - نزه عنه الدار التي لا تكليف فيها، ولقوله: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} تفسير : [الفرقان: 72]، وقوله: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [القصص: 55] الآية. أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معناه: إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك، فهو من وادي قوله: شعر : 3611- وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ تفسير : الثاني: أنهم لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقصان على الاستثناء المنقطع. الثالث: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلامة هي دار السلامة، وأهلها أغنياء عن الدعاء بالسلامة، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في الثاني وأما اتصال الثالث فواضح، لأنه أطلق اللغو على السلام بالاعتبار الذي ذكره. وأما الاتصال في الأول فعسر، إذ لا يعدّ ذلك عيباً، فليس من جنس الأول وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله - تعالى - عند قوله: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الدخان: 56]. قوله: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} فيه سؤالان: السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بآيات مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة. والجواب من وجهين: الأول: قال الحسن: أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة، ولبس الحرير التي كانت عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرّة، وكانت عادة أشراف اليمن، ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك. الثاني: المراد دوام الرزق، تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء، تريد الدوام، ولا تقصد الوقتين المعلومين. السؤال الثاني: قال تعالى: {أية : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبداً ". تفسير : والبكرة والعشيّ لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء. والجواب: أنهم يأكلون على مقدار الغداة والعشي، لا أن في الجنة غدوة ولا عشياً، إذ لا ليل فيها. وقيل: إنهم يغرفون النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب. وقيل: المراد رفاهية العيش، وسعة الرزق، أي: لهم رزقهم متى شاءوا. قوله: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ} صحت الإشارة بـ "تِلْكَ" إلى "الجَنَّة" لأنها غائبة. وقرأ الأعمش: "نورثها" بإبراز عائد الموصول. وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة: "نُوَرِّثُ" بفتح الواو وتشديد الراء من ورَّث مضعفاً، وقوله: "نُورث" استعارة، أي: نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث، وقيل: معناه: ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم، فجعل هذا النقل إرثاً، قاله الحسن. المتقي: هو من اتقى المعاصي؛ واتقى ترك الواجبات. قال القاضي: هذه الآية دالة على أن الجنة يدخلها من كان تقياً، والفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك. وأجيب بأن هذه الآية تدل على أن المتقي يدخلها، وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها؛ وأيضاً: فصاحب الكبيرة متقٍ عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متقٍ (عن الكفر، فقد صدق عليه أنه متق)، لأن المتقي جزء مفهوم قولنا: المتقي عن الكفر، وإذا كان صاحب الكبيرة (يصدق عليه أنه متقٍ، وجب أن) يدخل الجنة، (فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة) أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {فخلف من بعدهم خلف} قال: هم اليهود والنصارى. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد {فخلف من بعدهم خلف} قال: من هذه الأمة يتراكبون في الطرق، كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} قال: عند قيام الساعة - ذهاب صالح أمة محمد - ينزو بعضهم إلى بعض في الآزقة زناة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: {أضاعوا الصلاة} يقول: تركوا الصلاة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} قال: ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها. وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم في قوله: {أضاعوا الصلاة} قال: صلوها لغير وقتها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن القاسم بن مخيمرة في قوله: {أضاعوا الصلاة} قال: أخروا الصلاة عن ميقاتها ولو تركوها كفروا. وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق، عن عمر بن عبد العزيز في قوله: {أضاعوا الصلاة} قال: لم يكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا المواقيت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب قال: والله إني لأجد صفة المنافقين في التوراة: شرابين للقهوات: تباعين للشهوات، لعانين للكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للصلوات تراكين للجمعات، ثم تلا هذه الآية {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن الأشعث قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام أن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عني محجوبة. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: اغتسلت أنا وآخر، فرآنا عمر بن الخطاب، وأحدنا ينظر إلى صاحبه، فقال: إني لأخشى أن تكونا من الخلف الذين قال الله فيهم: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً}. وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي سعيد الخدري: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا هذه الآية {فخلف من بعدهم خلف} فقال: يكون خلف من عبد ستين سنة {أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} ثم يكون خَلَفٌ: يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر . تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه، حديث : "عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللين" قلت يا رسول الله، ما أهل اللين؟ قال: قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، حديث : عن عائشة أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: لا تعطوا منها بربرياً، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هم الخلف الذين قال الله: {فخلف من بعدهم خلف} . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "يكون في أمتي من يقتل على الغضب، ويرتشي في الحكم، ويضيع الصلوات، ويتبع الشهوات، ولا تردّ له راية" قيل: يا رسول الله، أمؤمنون هم؟ قال: بالإيمان يقرؤون . تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فسوف يلقون غياً} قال: خسراً. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث من طرق، عن ابن مسعود في قوله: {فسوف يلقون غياً} قال: الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات. وأخرج ابن المنذر والبيهقي في البعث، عن البراء بن عازب في الآية قال: الغي، واد في جهنم بعيد القعر منتن الريح. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام، قلت: وما غي وأثام؟ قال: نهران في أسفل جهنم يسيل فيها صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه {فسوف يلقون غياً} {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً} [الفرقان: 68] ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الغي واد في جهنم ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه، عن عائشة في قوله: {غياً} قالت: نهر في جهنم. وأخرج ابن المنذر، عن شقي بن ماتع قال: إن في جهنم وادياً يسمى {غياً} يسيل دماً وقيحاً، فهو لمن خلق له. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {يلقون غياً} قال: سوءاً {إلا من تاب} قال: من ذنبه {وآمن} قال: بربه {وعمل صالحاً} قال: بينه وبين الله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {لا يسمعون فيها لغواً} قال باطلاً. وأخرج عبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {لا يسمعون فيها لغواً} قال: لا يستبون. وفي قوله: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} قال: ليس فيها بكرة ولا عشي يؤتون به على النحو الذي يحبون من البكرة والعشي. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} قال: يؤتون به في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قوله: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} قال: ليس في الجنة ليل ولا شمس ولا قمر، هم في نور أبداً، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا: "حديث : قال رجل يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على هذا؟! قال: سمعت الله يذكر في الكتاب {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} فقلت الليل من البكرة، والعشي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس هناك ليل، وإنما هو ضوء نور، يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله، لمواقيت الصلوات التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة ". تفسير : وأخرج ابن المنذر، عن يحيى بن أبي كثير قال: كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة، فمن أصاب أكلتين، سمي فلاناً الناعم. فأنزل الله تعالى يرغب عباده فيما عنده {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: كانوا يعدون النعيم، أن يتغدى الرجل، ثم يتعشى. قال الله لأهل الجنة: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من غداة من غدوات الجنة، كل الجنة غدوات، إلا أن يزف إلى وليّ الله تعالى فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من زعفران ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ {تلك الجنة التي نورث} بالنون مخففة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شوذب في قوله: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا} قال: ليس من أحد إلا وله في الجنة منزل وأزواج، فإذا كان يوم القيامة، ورث الله المؤمن كذا وكذا منزلاً من منازل الكفار. فذلك قوله: {من عبادنا}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن داود بن أبي هند في قوله: {من كان تقياً} قال: موحداً. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا" تفسير : فنزلت: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} إلى آخر الآية. زاد ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم، فكان ذلك الجواب لمحمد. وأخرج ابن مردويه، عن أنس قال: حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟ قال: ما أدري حتى أسأل جبريل، وكان قد أبطأ عليه فقال: لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة!... فقال: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: حديث : أبطأ جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ثم أنزل، فقال له النبي - صلى الله عليهه وسلم - "ما نزلت حتى اشتقت إليك" فقال له جبريل: "أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور" فأوحى الله إلى جبريل أن قل له: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال: احتبس جبريل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة حتى حزن واشتد عليه، فشكا إلى خديجة، فقالت خديجة: لعل ربك قد ودعك أو قلاك، فنزل جبريل بهذه الآية: {أية : ما ودعك ربك وما قلى} تفسير : [الضحى: 2] قال: يا جبريل، احتبست عني حتى ساء ظني، فقال جبريل: {وما نتنزل إلا بأمر ربك}. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: حديث : لبث جبريل عن النبي - صلى الله عليه وسلم اثني عشرة ليلة، فلما جاءه قال: "لقد رثت حتى ظن المشركون كل ظن" تفسير : فنزلت الآية. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: حديث : أبطأت الرسل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاه جبريل فقال: "ما حبسك عني" قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وقرأ {وما نتنزل إلا بأمر ربك} . تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: احتبس جبريل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا} يعني من الدنيا {وما خلفنا} يعني من الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة {له ما بين أيدينا} قال: الدنيا {وما خلفنا} قال: الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - {له ما بين أيدينا} قال: من أمر الآخرة {وما خلفنا} من أمر الدنيا {وما بين ذلك} ما بين الدنيا والآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {وما بين ذلك} قال: ما بين النفختين. وأخرج هناد وابن المنذر، عن أبي العالية {وما بين ذلك} قال: ما بين النفختين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي {وما كان ربك نسياً} قال: {ما كان ربك} لينساك يا محمد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً. ثم تلا {وما كان ربك نسيا}. وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله. وأخرج الحاكم عن سلمان حديث : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن[ ] والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {هل تعلم له سميا} قال: هل تعلم للرب مثلاً أو شبها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {هل تعلم له سميا} قال: ليس أحد يسمى الرحمن غيره. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {هل تعلم له سميا} يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد؟. وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {هل تعلم له سمياً} قال: هل تعلم له ولداً؟ قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : أما السمي فأنت منه مكثر والمال مال يغتدي ويروح
ابو السعود
تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} يقال: لعَقِب الخير خلفٌ بفتح اللام ولعقِب الشرِّ خلْفٌ بالسكون أي فعقَبهم وجاء بعدهم عَقِبُ سوءٍ {أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} وقرىء الصلواتِ أي تركوها أو أخّروها عن وقتها {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ} من شرب الخمر واستحلالِ نكاحِ الأختِ من الأب والانهماكِ في فنون المعاصي. وعن علي رضي الله عنه عندهم مِنْ بناء المشيَّد وركوبِ المنظور ولُبس المشهور {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} أي شراً فإن كلَّ شر عند العرب غيٌّ وكل خير رشادٌ كقوله: [الطويل] شعر : فمن يلقَ خيراً يحمَدِ الناسُ أمرَه ومن يغْوِ لا يعدَمْ على الغي لائما تفسير : وعن الضحاك جزاءَ غيَ كقوله تعالى: {أية : يَلْقَ أَثَاماً} تفسير : [الفرقان: 68] أو غياً عن طريق الجنة، وقيل: « حديث : غَيٌّ وادٍ في جهنمَ تستعيذ منه أوديتُها » تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} يدل على أن الآيةَ في حق الكفرة {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البُعد لما مرّ مراراً، أي فأولئك المنعوتون بالتوبة والإيمانِ والعمل الصالح {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} بموجب الوعدِ المحتوم وقرىء يُدْخَلون على البناء للمفعول. {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أي لا يُنقَصون من جزاء أعمالِهم شيئاً، أو لا ينقصون شيئاً من النقص، وفيه تنبـيهٌ على أن كفرَهم السابقَ لا يضرهم ولا ينقُص أجورَهم {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} بدلٌ من الجنةَ بدلَ البعض لاشتمالها عليها وما بـينهما اعتراضٌ أو نصبٌ على المدح، وقرىء بالرفع على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هي أو تلك جنات الخ. أو مبتدأ خبرُه التي وعد الخ، وقرىء جنة عدْنَ نصباً ورفعاً، وعدْنُ علمٌ لمعنى العَدْن وهو الإقامةُ كما أن فيْنةَ وسحرَ وأمسَ فيمن لم يصرِفها أعلامٌ لمعاني الفينةِ وهي الساعة التي أنت فيها والسحرِ والأمسِ فجرى لذلك مجرى العدْن، أو هو علمٌ لأرض الجنة خاصةً ولولا ذلك لما ساغ إبدالُ ما أضيف إليه من الجنة بلا وصفٍ عند غير البصريـين ولا صفةٍ بقوله تعالى: {ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ} وجعلُه بدلاً منه خلافُ الظاهر فإن الموصولَ في حكم المشتقّ وقد نصّوا على أن البدَل بالمشتق ضعيفٌ، والتعرضُ لعنوان الرحمة للإيذان بأن وعدَها وإنجازَه لكمال سَعةِ رحمته والباء في قوله تعالى: {بِٱلْغَيْبِ} متعلقةٌ بمضمر هو حالٌ من المضمر العائدِ إلى الجنات أو من عباده، أي وعدها إياهم ملتبسةً أو ملتبسين بالغيب، أي غائبةً عنهم غيرَ حاضرة أو غائبـين عنها لا يرَوْنها وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار، أو بمضمر هو سببُ الوعدِ أي وعدها إياهم بسبب إيمانِهم. {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ} أي موعدُه كائناً ما كان فيدخل فيه الجناتُ الموعودةُ دخولاً أولياً، ولما كانت هي مثابةً يُرجَع إليها قيل: {مَأْتِيّاً} أي يأتيه مَنْ وُعِد له لا محالة بغير خُلْف، وقيل: هو مفعولٌ بمعنى فاعل، وقيل: مأتياً أي مفعولاً مُنجَزاً من أتى إليه إحساناً أي فعَلَه. {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} أي فضولَ كلامٍ لا طائلَ تحته وهو كنايةٌ عن عدم صدورِ اللغوِ من أهلها، وفيه تنبـيهٌ على أن اللغوَ مما ينبغي أن يُجتنَب عنه في هذه الدارِ ما أمكن {إِلاَّ سَلَـٰماً} استثناءٌ منقطِعٌ أي لكن يسمعون تسليمَ الملائكة عليهم أو تسليمَ بعضهم على بعض، أو متصلٌ بطريق التعليقِ بالمُحال أي لا يسمعون لغواً ما إلا سلاماً فحيث استحال كونُ السلامِ لغواً استحال سماعُهم له بالكلية كما في قوله: [الطويل] شعر : ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم بهنّ فُلولٌ من قراع الكتائبِ تفسير : أو على أن معناه الدعاءُ بالسلامة وهم أغنياءُ عنه فهو من باب اللغو ظاهراً وإنما فائدتُه الإكرامُ وقوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} واردٌ على عادة المتنعّمين في هذه الدار، وقيل: المرادُ دوامُ رزقِهم ودُرورُه وإلا فليس فيها بكرةٌ ولا عشيٌّ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ} [الآية: 59]. قال محمد بن حامد: أولئك قوم حرموا تعظيم الأنبياء، والأولياء، والصديقين فحجبهم الله عن معرفته وأصابتهم شقاوة ذلك الحال فأضاعوا الصلاة التى هى محل وصلة العبد مع سيده ترسمو بها ولم تتحققوا فيها واتبعوا آراهم وأهوائهم فأصابهم الخذلان وحرموا بذلك السعادة وأثر الشقاوة على العبيد هو حرمان الخدمة وتصغير من عظم الله حرمته.
القشيري
تفسير : الذين حادوا عن طريقهم، وضيعَّوا حقَّ الشرع، وتخطوا واجبَ الأمر، وزاغوا عن طريق الرشد، وأخلوا بآداب الشرع، وانخرطوا في سِلْكِ متابعة الشهوات - سيلقون عن قريبٍ ما يستوجبونه، ويُعَامَلُون بما يستحقونه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فَخَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ} يقال لعقب الخير خلف بفتح اللام ولعقب الشر خلف بالسكون اى فعقب الانبياء المذكورين وجاء بعدهم عقب سوء من اولادهم. وفى الجلالين بقى من بعد هؤلاء قوم سوء يعنىاليهود والنصارى والمجوس انتهى. وفى الحديث "حديث : ما من نبى بعثه الله فى امه الا كان له من امته حواريون واصحاب يأخذون بسنته ويعتقدون بامره ثم انها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفلعون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانة فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل"تفسير : ذكره مسلم {اضاعوا الصلاة} تركوها او اخروها عن وقتها او ضيعوا ثوابها بعد الاداء بالنميمة والغيبة والكذب ونحوها او شرعوا فيها بلا نية وقاموا لها بلا خضوع وخشوع {واتبعوا الشهوات} من شرب الخمر واستحلال نكاح الاخت من الاب والانهماك فى فنون المعاصى. وعن على رضى الله عنه هم من بنى المشيد وركب المنظور ولبس الشمهور وفى الحديث "حديث : اوحى الله الى داود مثل الدنيا كمثل جيفة اجتمعت عليها الكلاب يجرونها أفتحب ان تكون كلبا مثلهم فتجر معهم يا داود طيب الطعام ولين اللباس والصبت فى الناس والجنة فى الآخرة لا يجتمعان ابدا " تفسير : واعلم ان تيسير اسباب الشهوات ليس من امارة الخير وعلامة النجاة فى الآخرة ومن ثمة امتنع عمر رضى الله عنه من شرب ماء بارد بعسل وقال اعزلوا عنى حسابها. وقال وهب بن منبه التقى ملكان فى السماء الرابعة فقال احدهما للآخر من اين فقال امرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودى وقال الآخر امرت باهراق زيت اشتهاه فلان العابد والشهوة فى الاصل التمنى ومعناها بالفارسية [آرزو خواستن] والمراد بها فى الآية المشتهيات المذمومة. والفرق بين الهوى والشهوة ان الهوى هو المذموم من جملة الشهوات والشهوة قد تكون محمودة وهى من فعل الله تعالى وهو ما يدعو الانسان الى الصلاح وقد تكون مذمومة وهى من فعل النفس الامارة بالسوء وهى استجابتها لما فيه لذاتها البدنية ولا عبادة لله اعظم واشرف من مخالفة الهوى والشهوات وترك اللذات: قال الشيخ سعدى شعر : مبر طاعت نفس شهوت يرست كه هر ساعتش قبله ديكرست مرو دربى هرجه دل خواهدت كه تمكين تن نورجان كاهدت كند مردزا نفس اماره خوار اكر هو شمندى عزيزش مدار تفسير : {فسوف يلقون غيا} اى شرا فان كل شر عند العرب غى فكل خير رشاد. وعن الضحاك جزاء غى كقوله تعالى {أية : يلق اثاما}تفسير : اى جزاء اثام. وقيل غى واد من جهنم يستعيذ من حره اوديتها اعد للزانى وشارب الخمر وآكل الربا وشاهد الزور ولاهل العقوق وتارك الصلاة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {جنات عدن}: بدل من الجنة، بدل بعض؛ لاشتمالها عليها، وما بينهما اعتراض، أو نصب على المدح. و {إلا سلامًا}: منقطع، أي: لكن يسمعون سلامًا، ويجوز اتصاله، على أن المراد بالسلام الدعاء بالسلامة، فإن أهل الجنة أغنياء عنه، فهو داخل في اللغو. و {بالغيب}: حال من عائد الموصول، أي: وعدها، أو من العباد، و {مأتِيًا}: أصله مأتوى، فأبدل وأدغم كما تقدم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فخَلَفَ من بعدهم} أي: جاء بعد أولئك الأكابر، {خَلْفٌ} أي: عقب سوء، يقال لعقب الخير "خَلَفٌ" بفتح اللام، ولعقب الشر "خلْف" بسكون اللام، أي: فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء، {أضاعوا الصلاة} أي: تركوها وأخروها عن وقتها، {واتبعوا الشهواتِ}؛ من شرب الخمر، واستحلال نكاح الأخت، من الأب، والانهماك في فنون المعاصي، وعن علي رضي الله عنه: هم من بَني المُشيد، وركب المنضود، ولبس المشهور. قلت: ولعل المنضود: السُرج المرصعة بالجواهر والذهب. وقال مجاهد: هذا عند اقتراب الساعة، وذهاب صالح أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ينزو بعضهم على بعض في السكك والأزقة. هـ. {فسوف يلقون غيًّا}: شرًا، فكل شر عند العرب غيٌ، وكل خير رشاد. قال ابن عباس: الغيُّ: واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حرِّه، أُعد للزاني المصرِّ، ولشارب الخمر المدمن، ولأهل الرياء والعقوق والزور، ولمن أدخلت على زوجها ولدًا من غيره. هـ. {إِلا مَن تاب وآمن وعمل صالحًا}، هذا يدل على أن الآية في الكفار. {فأولئك} المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، {يدخلون الجنة} بموجب الوعد المحتوم، أو يُدخلهم الله الجنة، {ولا يُظلمون شيئًا}: لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئًا، وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا يضرهم، ولا ينقص أجورهم، إذا صححوا المعاملة مع ربهم. {جنات عدنٍ} أي: إقامة، لإقامة داخلها فيها على الأبد، {التي وعد الرحمن عبادَه بالغيب} أي: ملتبسين بالغيب عنها لم يروها، وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار، أو ملتبسة بالغيب، أي: غائبة عنهم غير حاضرة. والتعرض لعنوان الرحمانية؛ للإيذان بأن وعده وإنجازه لكمال سعة رحمته تعالى، {إِنه كان وعده مَأْتِيًّا}؛ يأتيه من وعُد به لا محالة، وقيل: هو مفعول بمعنى فاعل، أي: آتيًا لا محالة، وقيل: مأتيًا: منجزًا، من أتى إليه إحسانًا، أي: فعله. {لا يسمعون فيها لغوًا} أي: فضول كلام لا طائل تحته، وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها. وفيه تنبيه على أن اللغو ينبغي للعبد أن يجتنبه في هذه الدار ما أمكنه. وفي الحديث: "حديث : مِنْ حُسْنِ إسْلاَمِ المرْءِ تَرَكُهُ ما لا يَعْنِيهِ"تفسير : . وهو عَامٌّ في الكلام وغيره. {إِلا سلامًا}، أي: لا يسمعون لغوًا، لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم، أو تسليم بعضهم على بعض، {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًّا} أي: على قدرهما في الدنيا، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل، بل ضوء ونور أبدًا. قال القرطبي: ليلهم إرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، أي: ونهارهم رفع الحجب وفتح الأبواب. قال القشيري: الآية ضرب مثل لما عهد في الدنيا لأهل اليسار، والقصد: أنهم أغنياء مياسير في كل وقت. هـ. وسيأتي عند قوله: {أية : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ} تفسير : [الزّخرُف: 71] كيفية أرزاقهم. قال تعالى: {تلك الجنة}: مبتدأ وخبر، جيء بهذه الجملة؛ لتعظيم شأن الجنة وتعيين أهلها، وما في اسم الإشارة من معنى البُعد؛ للإيذان ببُعد منزلتها وعلو رتبتها، أي: تلك الجنة التي وُصفت بتلك الأوصاف العظيمة هي {التي نُورث} أي: نورثها {مِنْ عبادنا من كان تقيًّا} لله بطاعته واجتناب معاصيه، أي: نُديمها عليهم بتقواهم، ونمتعهم بها، كما يبقى عند الوارث مال مورثه يتمتع به، والوراثة أقوى ما يستعمل في التملك والاستحقاق من الألفاظ؛ من حيث إنها لا يعقبها فسخ ولا استرجاع ولا إبطال. وقيل: يرث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار، لو آمنوا وأطاعوا، زيادة في كرامتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف...} الآية تنسحب على من كان أسلافه صالحين، فتنكب عن طريقهم، فضيّع الدين، وتكبر على ضعفاء المسلمين، واتبع الحظوظ والشهوات، وتعاطى الأمور العلويات، فإن ضم إلى ذلك الافتخار بأسلافه، أو بالجاه والمال، كان أغرق في الغي والضلال، يصدق عليه قول القائل: شعر : إن عاهدوك على الإحسان أو وعدُوا خانوا العهود ولكن بعد ما حلفوا بـل يفخــرون بأجــداد لهــم ســلفـت نِعم الجدود ولكن بئس ما خلَّفوا تفسير : إلا من تاب ورجع إلى ما كان عليه أسلافه، من العلم النافع والعمل الصالح، والتواضع للصالح والطالح، فيرافقهم في جنة الزخارف أو المعارف، التي وعد الرحمن عباده المخصوصين بالغيب، ثم صارت عندهم شهادة، إنه كان وعده مأتيًا، لا يسمعون فيها لغوًا؛ لأن الحضرة مقدسة عن اللغو، {إلا سلامًا}؛ لسلامة صدورهم، ولهم رزقهم فيها من العلوم والأسرار والمواهب، في كل ساعة وحين، لا يرث هذه الجنة إلا من اتقى ما سوى الله، وانقطع بكليته إلى مولاه. وبالله التوفيق ولما أبطأ الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا جبريل ما يَمنعُكَ أن تزورنَا أكثرَ مما تَزورنا؟ ".
الجنابذي
تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} الخلف بالسّكون يقال للعقب السّوء وبالتّحريك للحسن، ويستعمل كلٌّ فى كلٍّ {أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ} بتركها او تأخيرها عن مواقيتها كما اشير اليه فى الخبر {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ} قيل فى بيان اتّباع الشّهوات كانوا شرّا بين للقهوات، ركّابين للشّهوات، متّبعين للّذّات، تاركين للجماعات، وعن امير المؤمنين (ع) فى بيانه من بنى الشّديد وركب المنظور ولبس المشهور. اعلم، انّ الصّلٰوة والزّكٰوة كما حقّق فى اوّل الكتاب فى اوّل سورة البقرة عبارة عن اللّبس والخلع، وهما ثابتان للانسان من اوّل استقرار نطفته فى الرّحم الى آخر عمره، لكنّ الخلع واللّبس الى مقام التّكليف والقرب له يكونان بالتّكوين الآلهىّ وعلى الطّريق الانسانىّ وفى مقام التّكليف اذا كانا بالامر الآلهىّ كانا فى الطّريق الانسانىّ، واذا لم يكونا بالامر الآلهىّ لم يكونا فى الطّريق الانسانىّ بل كانا فى الطّريق النّفسانىّ وبمداخلة الشّهوات النّفسانيّة وكلّ فعل او قول او حال له جهة آلهيّة وجهة نفسانيّة بمعنى انّه ان كان بمحض الامر الآلهىّ حصل منه فعليّة آلهيّة ولبس فى الطّريق الانسانيّة وحصل طرح لفعليّةٍ نفسانيّة بواسطة طرح انانيّة من النّفس، والفعليّة الآلهيّة يعنى اللّبس فى الطّريق الانسانيّة هى الصّلٰوة حقيقة وطرح اقتضاء النّفس وانانيّتها هى الزّكٰوة حقيقة، فعلى هذا كان اضاعة الصّلٰوة عبارة عن الغفلة عن الامر الآلهىّ فى الفعل، اىّ فعل كان، واتّباع الشّهوات عبارة عن لحاظ اقتضاء النّفس فى الفعل، اىّ فعلٍ كان، فانّ المصلّى اذا كان صلٰوته صادرة من اقتضاء نفسه سواء كان ذلك الاقتضاء امضاء عادةٍ كما هو حال اكثر النّاس او مراياةً او اعجاباً او جلب نفعٍ فى الدّنيا او دفع ضرٍّ فيها او دخول الجنّة، او عدم دخول النّار، او قربة من الله، او كونه مرضيّاً من الله كان مضيعاً للصّلٰوة، ومتّبعاً للشّهوة؛ وان كان فاعلاً لصورة الصّلٰوة، واذا كان القاضى لشهوته من حلاله ناظراً الى امر ربّه واباحته كان مصليّاً، وان كان قاضياً لشهوته فالمقصود من الصّلٰوة هو جهة الافعال لا صورة الاعمال، وهكذا الحال فى اتّباع الشّهوات، وحديث علىٍّ (ع) فى بيان اتّباع الشّهوات يشعر بذلك {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} فى الآخرة بناءً على تجسّم الاعمال، او جزاء غىٍّ، او المراد بالغىّ الشّرّ والخيبة، او الغىّ وادٍ فى جهنّم.
اطفيش
تفسير : {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ} بعد النبيين المذكورين جاء خلفهم، فمِن بَعْدِهم فيه توكيد. {خَلْفٌ} عقب سوء. وأما خلَف بالفتح فعقب صدق. هذا مشهور كلام العرب. {أَضَاعُوا الصَّلٰوةَ} وقرأ الحسن وابن مسعود والضحاك الصلوات بالجمع. قال ابن عباس: المراد اليهود، تركوا الصلاة المفروضة. وقال إبراهيم ومجاهد: أخروها عن وقتها. قيل: ويؤيد الأول قوله: {إلا من تاب وآمن}. قلت: لا دليل فيه؛ فإن تأخيرها عن وقتها ترك لها يوجب التوبة، وتجديد الإيمان أعنى إصلاحه. وعن عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا أحسن الرجل الصلاة قالت: حفظك الله كما حفظتنى، ورُفعت بيضاء برائحة. وإذا أساءها قالت: ضيعك الله كما ضيعتنى، وتلفُّ كما يلف الثوب الخَلَق، فيضرب بها وجهه . تفسير : {وَاتّبَعُوا الشَّهوَاتِ} قال ابن عباس: المراد اليهود، استحلوا إنكاح الأخت من الأب، وشربوا الخمور، وفعلوا ما تشتهيه أنفسهم، وأنهمكوا فى المعاصى. ومن على: اتبعوا الشهوات: من بناء المشيد، وركوب المنظور، وليس المشهور. وقيل: المراد اليهود والنصارى. يتناول معنى الآية كل من فَعل فِعل هؤلاء. وعن قتادة: الآية فى هذه الأمة. وقيل: قوم يظهرون فى آخر الزمان يتفاخرون فى الطرق والأسواق والأزقة. {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} شرا. وكل شر عند العرب غى، وكل خير رشاد قال الشاعر: شعر : فمن يَلْقَ خيرا يحمدِ الناسُ أمره ومن يَغْوَ لا يَعْدَمْ على الغىّ لائما تفسير : ويغو من باب علم أو باب ضرب. قال أبو زيد: الغى: الخسران ويكون بمعنى الضلال أى ضلال عن طريق الجنة. وقال الزجاج: جزاء غى. وعن ابن مسعود: واد فى جهنم بعيد القعر خبيث المطعم. وكذا قال ابن عمر. وعن ابن عباس: واد فى جهنم تستعيذ منه جهنم أو أوديتها كل يوم - وقيل - كل وقت سبع مرات. وقيل: واد فيها، بعيد القعر، خبيث الطعم، يسيل قيحا ودما. وقيل: هو أبعدها قعرا وأشدها حرا. فيه بئر تسمى البهيم كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فتستعِرُ بها جهنم. قيل: أُعد للزانى، وشارب الخمر، وآكل الرب والعاق، وشاهد الزور. وقيل: الغى: العذاب وقرئ يُلقَوْن بالنباء المفعول.
اطفيش
تفسير : {فَخلفَ من بعدهم خَلف} قوم سوء، ويطلق على المفرد أيضا والاثنين، ومفتوح اللام فى الصلاح، وهو الأكثر، قال أبو نصر رحمه الله: شعر : * لنا خلف قد قام من بعده خلف * تفسير : وقال النظر بن شميل: السكون فى الخير والشر، والمفتوح فى الخير فقط، ومن استعمال المفتوح فى السوء قول لبيد: شعر : ذهب الذين يعاش فى أكنافهم وبقيت فى خلف كجلد الأجرب تفسير : بفتح اللام، ولا يتعين إلا أن كان رواية صحيحة، وإلا فالاسكان يقبله الوزن، غايته إسكان ثانى السبب الثقيل، وقيل الإسكان فى الأولاد، والفتح فيهم وفى غيرهم، وسواء فيهما السوء والصلاح، ونسب لابن أبى حاتم، وعليه فيتبين السوء بقوله تعالى: {أضاعوا الصَّلاة} جنس الصلاة، أخروها عز وقتها كما قيل عن ابن مسعود والنخعى، ومجاهد وإبراهيم، وعمر بن عبد العزيز، أو الإضاعة الإخلال بشروطها من الطهارة والوقت، وقد قيل تأخيرها حتى يخرج وقتها، وقيل إقامتها فى غير جماعة وهو تشديد، إلا أن يكون حيث يخاف خراب المسجد، أو ضعف الجماعة، والآية فى تلك الأقوال واردة على الموحدين، وإخراج ابن أبى حاتم عن محمد بن كعب القرطبى، أن إضاعتها تركها، فشمل أهل التوحيد والشرك، ففى أهل الشرك خطاب لهم بفروع الشريعة كما قيل إنها فيمن لم يعتقد وجربها، فإنه مشرك خطوب بالفروع. والمشهور عن ابن عباس أنها فى اليهود، وعن السدى أنها فى اليهود والنصارى، والمختار أنها فى الكفرة مطلقا لقوله بعد ذلك: "وآمن" وزعم بعض أنها فى قوم يأتون عند ذهاب الصالحين غير مشركين يزنون بالذكور فى الطرق، ولا يستحيون من أحد، وقولهم يأتون يخالف المعنى فى الآية. {واتَّبعُوا الشَّهوات} المحرمات، لا يتركون إلا مالم يقدروا عليه، وفيها أيضا مع حرمتها الاشتغال عن الصلاة، وعد بعض منها تزوج اليهود بالأخت من الأب، ولا يصح هذا عنهم، وإنما الذى صح عنهم أنهم يجيزون نكاح بنت الأخ، وبنت الأخت ونحوهما. {فَسوفَ يلْقَّون غياً} قال أبو إمامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هو نهر فى أسفل جهنم، يسيل فيه صديد أهل النار، لو ألقيت فيه صخرة ما بلغت قعره سبعين خريفاً" تفسير : رواه الطبرى والطبرانى وغيرهما، وأخرج جماعة عن ابن مسعود: أن الغى نهر أو واد فى جهنم من قيح بعيد القعر، خبيث يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات، وعبارة بعض أنه آثار فى جهنم، سيل فيها صديد أهل النار وقيحهم، وعن ابن عباس: واد فى جهنم تستعيذ من حره أعد للزانى المصر، وشارب الخمر المدمن، وآكل الربا لاذى لا ينزع أى لا يكف، والعاق وشاهد الزور، وعن قتادة: الغى السوء، قال المرقش الأصغر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أجره ومن يغو لا يعدم على الغى لائما تفسير : وعن ابن زيد: الغى الضلال، وهو المشهور، وعليه الضحاك والزجاج، وعلى ذلك فالمراد جزاء الغى، وهو ما ذكر، وقيل ظلالا عن طريق الجنة.
الالوسي
تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } أي جاء بعدهم عقب سوء فإن المشهور في الخلف ساكن اللام ذلك والمشهور في مفتوح اللام ضده، وقال أبو حاتم: الخلف بالسكون الأولاد الجمع والواحد فيه سواء وبالفتح البدل ولداً كان أو غيره، وقال النضر بن شميل: الخلف بالتحريك والإسكان القرن السوء أما الصالح فالتحريك لا غير، وقال ابن جرير: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام وفي الذم بتسكينها وقد يعكس، وعلى استعمال المفتوح في الذم جاء قول لبيد:شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : {أضَاعُوا الصَّلاةَ} وقرأ عبد الله والحسن وأبو رزين العقيلي والضحاك وابن مقسم {ٱلصَّلَوٰتِ} بالجمع وهو ظاهر، ولعل الأفراد للاتفاق في النوع، وإضاعتها على ما روي عن ابن مسعود والنخعي والقاسم بن مخيمرة ومجاهد وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز تأخيرها عن وقتها، وروى ذلك الإمامية عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه، واختار الزجاج أن إضاعتها الاختلال بشروطها من الوقت وغيره، وقيل: إقامتها في غير جماعة، وأخرج ابن أبـي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أن إضاعتها تركها، وقيل: عدم اعتقاد وجوبها، وعلى هذا الآية في الكفار وعلى ما قبله لا قطع، واستظهر أنها عليه في قوم مسلمين بناءً على أن الكفار غير مكلفين بالفروع إلا أن يقال: المراد أن من شأنهم ذلك فتدبر، وعلى ما قبلهما في قوم مسلمين قولاً واحداً. والمشهور عن ابن عباس ومقاتل أنها في اليهود، وعن السدي أنها فيهم وفي النصارى، واختير كونها في الكفرة مطلقاً لما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً وعليه بني حسن موقع حكاية قول جبريل عليه السلام الآتي، وكونها في قوم مسلمين من هذه الأمة مروي عن مجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم قالوا: إنهم يأتون عند ذهاب الصالحين يتبادرون بالزنا ينزو بعضهم على بعض في الأزقة كالأنعام لا يستحيون من الناس ولا يخافون من الله تعالى. {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوٰتِ } وانهمكوا في المعاصي المختلفة الأنواع، وفي «البحر» الشهوات عام في كل مشتهى يشغل عن الصلاة وعن ذكر الله تعالى، وعد بعضهم من ذلك نكاح الأخت من الأب وهو على القول بأن الآية فيما يعم اليهود لأن من مذهبهم فيما قيل ذلك وليس بحق. والذي صح عنهم أنهم يجوزون نكاح بنت الأخ وبنت الأخت ونحوهما، وعن علي كرم الله تعالى وجهه من بنى المشيد وركب المنظور ولبس المشهور {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } أخرج ابن جرير والطبراني وغيرهما من حديث أبـي أمامة مرفوعاً أنه نهر في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهل النار وفيه «لو أن صخرة زنة عشر عشراوات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام»، ويعلم منه سر التعبير بسوف يلقون. / وأخرج جماعة من طرق عن ابن مسعود أنه قال: الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات، وحكى الكرماني أنه آبار في جهنم يسيل إليها الصديد والقيح. وأخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة أن الغي السوء، ومن ذلك قول مرقش الأصغر:شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً تفسير : وعن ابن زيد أنه الضلال وهو المعنى المشهور، وعليه قيل المراد جزاء غي. وروي ذلك عن الضحاك واختاره الزجاج، وقيل: المراد غياً عن طريق الجنة. وقرىء فيما حكى الأخفش {يلقون} بضم الياء وفتح اللام وشد القاف.
ابن عاشور
تفسير : فرع على الثناء عليهم اعتبارٌ وتنديد بطائفة من ذرياتهم لم يقتدوا بصالح أسلافهم وهم المعني بالخَلْف. والخلْف ــــ بسكون اللام ــــ عقب السُوء، و ــــ بفتح اللام ــــ عقب الخير. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب }تفسير : في سورة الأعراف (169). وهو هنا يشمل جميع الأمم التي ضلّت لأنها راجعة في النّسب إلى إدريس جدّ نوح إذ هم من ذرية نوح ومن يرجع أيضاً إلى إبراهيم، فمنهم من يدلي إليه من نسل إسماعيل وهم العرب. ومنهم من يدلي إليْه من نسل يعقوب وهم بنو إسرائيل. ولفظ {من بعدهم} يشمل طبقات وقروناً كثيرة، ليس قيداً لأنّ الخلف لا يكون إلاّ من بعد أصله وإنّما ذُكر لاستحضار ذهاب الصالحين. والإضاعة: مجاز في التفريط بتشبيهه بإهمال العَرْض النفيس، فرطوا في عبادة الله واتبعوا شهواتهم فلم يخالفوا ما تميل إليه أنفسهم ممّا هو فساد. وتقدم قوله تعالى: {أية : إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} تفسير : في سورة الكهف (30). والصلاة: عبادة الله وحده. وهذان وصفان جامعان لأصناف الكفر والفسوق، فالشرك إضاعة للصلاة لأنّه انصراف عن الخضوع لله تعالى، فالمشركون أضاعوا الصلاة تماماً، قال تعالى: {أية : قالوا لم نك من المصلّين}تفسير : [المدثر: 43]. والشرك: اتباع للشّهوات، لأنّ المشركين اتّبعوا عبادة الأصنام لمجرد الشهوة من غير دليل، وهؤلاء هم المقصود هنا، وغير المشركين كاليهود والنصارى فَرطوا في صلوات واتبعوا شهوات ابتدعوها، ويشمل ذلك كله اسم الغيّ. والغيّ: الضلال، ويطلق على الشرّ، كما أطلق ضده وهو الرشَد على الخير في قوله تعالى: {أية : أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً}تفسير : [الجنّ: 10] وقوله {أية : قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً}تفسير : [الجنّ: 21]. فيجوز أن يكون المعنى فسوف يلقون جزاء غيّهم، كقوله تعالى: {أية : ومن يفعل ذلك يلق أثاماً}تفسير : [الفرقان: 68] أي جزاء الآثام. وتقدم الغيّ في قوله تعالى: {وإخوانهم يمدونهم في الغي} وقوله {أية : وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً} تفسير : كلاهما في سورة الأعراف (202و 146). وقرينة ذلك مقابلته في ضدهم بقوله {فأُولَئِكَ يدْخُلونَ الجنّة}. وحرف (سوف) دال على أن لقاءهم الغيّ متكرر في أزمنة المستقبل مبالغة في وعيدهم وتحذيراً لهم من الإصرار على ذلك. وقوله {فأُولَئِكَ يدْخُلونَ الجنّة} جيء في جانبهم باسم الإشارة إشادة بهم وتنبيهاً لهم للترغيب في توبتهم من الكفر. وجيء بالمُضارع الدّال على الحال للإشارة إلى أنهم لا يُمْطَلُون في الجزاء. والجنّة: عَلَم لدار الثواب والنّعيم. وفيها جنّات كثيرة كما ورد في الحديث: «حديث : أَو جَنَّةٌ واحدة هي إنّها لجنان كثيرة»تفسير : . والظلم: هنا بمعنى النقص والإجحاف والمطل. كقوله {أية : كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً}تفسير : في سورة الكهف (33). وشي: اسم بمعنى ذات أو موجود وليس المراد مصدر الظلم. وذكر {شيئاً} في سياق النفي يفيد نفي كل فرد من أفراد النقص والإجحاف والإبطاء، فيعلم انتفاء النقص القوي بالفحوى دفعاً لما عسى أن يخالج نفوسهم من الانكسار بعد الإيمان يظن أنّ سبق الكفر يَحط من حسن مصيرهم. و{جَنَّات} بدل من {الجنّة}. جيء بصيغة جمع جنات مع أن المبدل منه مفرد لأنه يشتمل على جنات كثيرة كما علمت، وهو بدل مطابق وليس بدل اشتمال. و{عَدْن}: الخلد والإقامة، أي جنات خلد ووصفها بـ {التي وعد الرحمان عباده} لزيادة تشريفها وتحسينها. وفي ذلك إدماج لتبشير المؤمنين السابقين في أثناء وعد المدعوين إلى الإيمان. والغيب: مصدر غاب، فكل ما غاب عن المشاهدة فهو غيب. وتقدم في قوله تعالى: {أية : الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : في أول البقرة (3). والباء في {بالغيب} للظرفية، أي وعدها إياهم في الأزمنة الغائبة عنهم. أي في الأزل إذ خلقها لهم. قال تعالى: {أية : أعدت للمتقين}تفسير : [آل عمران: 133]. وفيه تنبيه على أنها وإن كانت محجوبة عنهم في الدنيا فإنها مهيئة لهم. وجملة {إنه كان وعده مأتياً} تعليل لجملة {التي وعد الرحمٰن عباده بالغيب} أي يدخلون الجنة وعداً من الله واقعاً. وهذا تحقيق للبشارة. والوعد: هنا مصدر مستعمل في معنى المفعول. وهو من باب كَسا، فالله وعد المؤمنين الصالحين جنات عدن. فالجنات لهم موعودة من ربهم. والمأتِي: الذي يأتيه غيره. وقد استعير الإتيان لحصول المطلوب المترقب، تشبيهاً لمن يحصل الشيء بعد أن سعى لتحصيله بمن مشى إلى مكان حتى أتاه. وتشبيهاً للشيء المحصل بالمكان المقصود. ففي قوله {مأتِيّا} تمثيلية اقتصر من أجزائها على إحدى الهيئتين، وهي تستلزم الهيئة الأخرى لأنّ المأتي لا بد له من آت. وجملة {لا يسْمعُونَ فيها لغْواً} حال من {عبَادَه}. واللغو: فضول الكلام وما لا طائل تحته. وإنفاؤه كناية عن انتفاء أقل المكدرات في الجنة، كما قال تعالى: {أية : لا تسمع فيها لاغية}تفسير : [الغاشية: 11]، وكناية عن جعل مجازاة المؤمنين في الجنة بضد ما كانوا يلاقونه في الدنيا من أذى المشركين ولغوهم. وقوله {إلاَّ سَلٰماً} استثناء منقطع وهو مجاز من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه كقول النّابغة:شعر : ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : أي لكن تسمعون سلاماً. قال تعالى: {أية : تحيتهم فيها سلام}تفسير : [إبراهيم: 23] وقال {أية : لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً}تفسير : [الواقعة: 25، 26]. والرزق: الطعام. وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات ذلك ودوامه، فيفيد التكرر المستمر وهو أخص من التكرر المفاد بالفعل المضارع وأكثر. وتقديم الظرف للاهتمام بشأنهم، وإضافة رزق إلى ضميرهم لزيادة الاختصاص. والبُكرة: النصف الأول من النهار، والعَشي: النصف الأخير، والجمع بينهما كناية عن استغراق الزمن، أي لهم رزقهم غير محصور ولا مقدّر بل كلما شاءوا فلذلك لم يذكر اللّيل. وجملة {تلك الجنّة} مستأنفة ابتدائية. واسم الإشارة لزيادة التمييز تنويهاً بشأنها وأجريت عليها الصفة بالموصول وصلته تنويهاً بالمتقين وأنهم أهل الجنة كما قال تعالى: {أية : أعدت للمتقين}تفسير : [آل عمران: 133]. و {نورث} نجعل وارثاً، أي نعطي الإرث. وحقيقة الإرث: انتقال مال القريب إلى قريبه بعد موته لأنّه أولى الناس بماله فهو انتقال مقيّد بحالة. واستعير هنا للعطيّة المدّخرة لمعطاها، تشبيهاً بمال المَوروث الذي يصير إلى وارثه آخر الأمر. وقرأ الجمهور {نورث} بسكون الواو بعد الضمة وتخفيف الراء، وقرأه رويس عن يعقوب: نوَرّث - بفتح الواو وتشديد الراء - من وَرّثه المضاعف.
الشنقيطي
تفسير : الضمير في قوله "من بعدهم" راجع إلى النَّبيين المذكورين في قوله تعالى {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} تفسير : [مريم: 58] الآية. أي فخلف من بعد أولئك النَّبيين خلف، أي أولاد سوء. قال القرطبي رحمه الله في تفسير سورة "الأعراف" قال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام -: الأولاد،الواحد والجمع فيه سواء. والخلف – بفتح اللام – البدل ولداً كان أو غريباً. وقال ابن الأعرابي: الخلف – بالفتح – الصالح. وبالسكون: الطالح. قال لبيد: شعر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب تفسير : ومنه قيل للرديء من الكلام: خلف. ومنه المثل السائر "سكت ألفاً ونطق خلفاً". فخلف في الذم بالإسكان، وخلف بالفتح في المدح. هذا هو المستعمل المشهور. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له"تفسير : وقد يستعمل كل و كل واحد منهما موضع الآخر. قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: شعر : لنا القدم الأولى إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : وقال آخر: شعر : إنا وجدنا خلفاً بئس الخلف أغلق عنا بابه ثم حلف لا يدخل البواب إلا من عرف عبداً إذا ما ناء بالحمل وقف تفسير : ويروى خضف، أي ردم - انتهى منه. والردم: الضراط. ومعنى الآية الكريمة: أن هذا الخلف السيء الذي خلف من بعد أولئك النَّبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة: أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات. واختلف أهل العلم في المراد بإضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم: المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها. وممن يروى عنه هذا القول ابن مسعود، والنخعي، والقاسم بن مخيمرة، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: إن هذا القول هو الصحيح. وقال بعضهم: إضاعتها الإخلال بشروطها، وممن اختار هذا القول الزجاج، وقال بعضهم: المراد بإضاعتها جحد وجوبها. ويروى هذا القول وما قبله عن محمد بن كعب القرظي، وقيل: إضاعتها في غير الجماعات. وقيل: إضاعتها تعطيل المساجد، والاشتغال بالصنائع والأسباب. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: وكل هذه الأقوال تدخل في الآية. لأن تأخيرها عن وقتها، وعدم إقامتها في الجماعة، والإخلال بشروطها، وجحد وجوبها، وتعطيل المساجد منها - كل ذلك إضاعة لها، وإن كانت أنواع الإضاعة تتفاوت، واختلف العلماء أيضاً في الخلف المذكورين من هم؟ فقيل: هم اليهود. ويروى عن ابن عباس ومقاتل. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويروى عن السدي. وقيل: هم قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأتون عند ذهاب الصالحين منها، يركب بعضهم بعضا في الأزقة زنى. ويروى عن مجاهد وعطاء وقتادة ومحمد بن كعب القرظي. وقيل: إنهم البربر، وقيل: إنهم أهل الغرب. وفيهم أقوال أخر. قال مقيدة عفا الله عنه: وكونهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس بوجيه عندي. لأن قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} صيغة تدل على الوقوع في الزمن الماضي، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى. والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية، فأضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية، واتباع الشهوات المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وعن علي رضي الله عنه: من بنى المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور - فهو ممن اتبع الشهوات. وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً}. اعلم أولاً أن العرب تطلق الغي على كل شر. والرشاد على كل خير. قال المرقش الأصغر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما تفسير : فقوله "ومن يغو" يعني ومن يقع في شر. والإطلاق المشهور هو أن الغي الضلال. وفي المراد بقوله "غيا" في الآية أقوال متقاربة، منها - أن الكلام على حذف مضاف، أي فسوف يلقون جزاء غي، ولا شك أنهم سيلقون جزاء ضلالهم. وممن قال بهذا القول: الزجاج. ونظير هذا التفسير قوله تعالى: {أية : يَلْقَ أَثَاماً} تفسير : [الفرقان: 68] عند من يقول إن معناه يلق مجازاة أثامه في الدنيا، ويشبه هذا المعنى قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10]، وقوله: {أية : أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ} تفسير : [البقرة: 174]. فأطلق النار على ما أكلوا في بطونهم في الدنيا من المال الحرام لأنها جزاؤه. كما أطلق الغي والأثام على العذاب لأنه جزاؤهما. ومنها - أن الغي في الآية الخسران والحصول في الورطات. وممن روي عنه هذا القول: ابن عباس، وابن زيد. وروي عن ابن زيد أيضاً "غياً" أي شراً أو ضلالاً أو خيبة. وقال بعضهم: إن المراد بقوله "غيا" في الآية: واد في جهنم من قيح، لأنه يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم، وهو بعيد القعر خبيث الطعم. وممن قال بهذا ابن مسعود، والبراء بن عازب. وروي عن عائشة، وشفي بن ماتع. وجاء حديث مرفوع بمقتضى هذا القول من حديث أبي أمامة وابن عباس فيه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن غياً واد في جهنم"تفسير : كما في حديث ابن عباس. وفي حديث أبي أمامة: أن غيا، وأثاما: نهران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار. والظاهر أنه لم يصح في ذلك شيء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية حديث أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي الذي أشرنا له آنفاً، ثم قال: هذا حديث غريب ورفعه منكر. وقيل: إن المعنى فسوف يلقون غياً أي ضلالاً في الآخرة عن طريق الجنة، ذكره الزمخشري. وفيه أقوال أخر، ومدار جميع الأقوال في ذلك على شيء واحد، وهو: أن أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات سوف يلقون يوم القيامة عذاباً عظيماً. فإذا عرفت كلام العلماء في هذه الآية الكريمة، وأن الله تعالى فيها توعد من أضاع الصلاة واتبع الشهوات بالغي الذي هو الشر العظيم والعذاب الأليم. فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله في ذم الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم: {أية : فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} تفسير : [الماعون: 4-7]، وقوله في ذم المنافقين: {أية : وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء: 142]، وقوله فيهم أيضاً: {أية : وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} تفسير : [التوبة: 54]. وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتبعون الشهوات وتهديدهم، كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} تفسير : [محمد: 12]، وقوله تعالى: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الحجر: 3]، وقوله تعالى: {أية : كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [المرسلات: 47] إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة: أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتبعون الشهوات، وقد أشار تعالى إلى هذا في مواضع من كتابه. كقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1-2] - إلى قوله - {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 9-11]، إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 40-41] إلى غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسالة الأولى - أجمع العلماء على أن تارك الصلاة، الجاحد لوجوبها كافر، وأنه يقتل كفراً ما لم يتب. والظاهر أن ترك ما لا تصح الصلاة دونه كالوضوء وغسل الجنابة كتركها. وجحد وجوبه كجحد وجوبها. المسالة الثانية - اختلف العلماء في تارك صلاة عمداً تهاوناً وتكاسلاً مع اعترافه بوجوبها، هل هو كافر أو مسلم. وهل يقتل كفراً أو حداً أو لا يقتل. فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب فذلك. وإن لم يتب قتل كفراً. وممن قال بهذا: الإمام أحمد رحمه الله في أصح الروايتين. وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وبه قال ابن المبارك، وإسحاق بن راهوية، ومنصور الفقيه من الشافعية. ويروى أيضاً عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية. وهو رواية ضعيفة عن مالك. واحتج أهل هذا القول بأدلة، منها قوله تعالى: {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ} تفسير : [التوبة: 11] الآية. ويفهم من مفهوم الآية: أنهم إن لم يقيموا الصلاة لم يكونوا من إخوان المؤمنين، ومن انتفت عنهم إخوة المؤمنين فهم من الكافرين، لأن الله يقول: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 10] الآية. ومنها حديث جابر الثابت في صحيح مسلم عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من طريقين. لفظ المتن في الأولى منهما: سمعت النّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"تفسير : . ولفظ المتن في الأخرى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" تفسير : - انتهى منه. وهو واضح في أن تارك الصلاة كافر، لأن عطف الشرك على الكفر فيه تأكيد قوي لكونه كافراً. ومنها حديث أم سلمة، وحديث عوف بن مالك الآتيين الدالين على قتال الأمراء إذا لم يصلوا، وهما في صحيح مسلم مع حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه قال: بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وإلا ننازع الأمر أهله. قال: "حديث : إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان"تفسير : . فدل مجموع الأحاديث المذكورة أن ترك الصلاة كفر بواح عليه من الله برهان. وقد قدمنا هذه الأحاديث المذكورة في سورة "البقرة". وهذا من أقوى أدلة أهل هذا القول. ومنها حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر"تفسير : أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان والحاكم. وقال الشوكاني في (نيل الأوطار) في هذا الحديث: صححه النسائي، والعراقي. وقال النووي في شرح (المهذب): رواه الترمذي والنسائي، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم في المستدرك بعد أن ساق هذا الحديث بإسناده: هذا حديث صحيح الإسناد، لا تعرف له علة بوجه من الوجوه. فقد احتجا جميعاً بعبد الله بن بريدة عن أبيه. واحتج مسلم بالحسين بن واقد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعاً. أخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، حدثنا قيس بن أنيف، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بشر بن المفضل، عن الجريري عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وأقره الذهبي على تصحيحه لحديث بريدة المذكور. وقال في أثر ابن شقيق عن أبي هريرة المذكور: لم يتكلم عليه وإسناده صالح. قال مقيدة عفا الله عنه: والظاهر أن قول الحافظ الذهبي رحمه الله "لم يتكلم عليه" سهو منه، لأنه تكلم عليه في كلامه على حديث بريدة المذكور آنفاً، حيث قال: ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعاً. يعني أثر ابن شقيق المذكور كما ترى. وقال النووي في شرح المهذب: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي المتفق على جلالته: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي في كتاب الإيمان بإسناد صحيح - اهـ منه، وقد ذكر النووي رحمه الله في كلامه هذا الاتفاق على جلالة ابن شقيق المذكور مع أن فيه نصباً. وقال المجد في المنتقى: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره. ثم قال: رواه الترمذي اهـ، ولا يخفى عليك أن رواية الحاكم فيها أبو هريرة ورواية الترمذي ليس فيها أبو هريرة. وحديث بريدة بن الحصيب، وأثر ابن شقيق المذكور أن فيها الدلالة الواضحة على أن ترك الصلاة عمداً تهاوناً كفر ولو أقر تاركها بوجوبها. وبذلك يعتضد حديث جابر المذكور عند مسلم. ومن الأدلة الدالة على أن ترك الصلاة كفر - ما رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث : حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: "من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" تفسير : اهـ. وهذا الحديث أوضح دلالة على كفر تارك الصلاة، لأن انتفاء النور والبرهان والنجاة، والكينونة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف يوم القيامة أوضح دليل على الكفر كما ترى. وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) في هذا الحديث: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات اهـ. وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا، منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو صالح للاحتجاج، وذكر طرفاً منها الهيثمي في مجمع الزوائد. وفيما ذكرناه كفاية. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن تارك الصلاة عمداً تهاوناً وتكاسلاً إذا كان معترفاً بوجوبها غير كافر، وأنه يقتل حداً كالزاني المحصن لا كفراً. وهذا هو مذهب مالك وأصحابه، وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه، وعزاه النووي في شرح المهذب للأكثرين من السلف والخلف، وقال في شرح مسلم: ذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى والجماهير من السلف والخلف - إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب. فإن تاب وإلا قتلناه حداً كالزاني المحصن ولكنه يقتل بالسيف اهـ. واعلم أن هذا القول يحتاج إلى الدليل من جهتين وهما عدم كفره، وأنه يقتل. وهذه أدلتهم على الأمرين معاً. أما أدلتهم على أنه يقتل: فمنها قوله تعالى: {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] فإن الله تعالى في هذه الآية اشترط في تخلية سبيلهم إقامتهم الصلاة. ويفهم من مفهوم الشرط أنهم إن لم يقيموها لم يخل سبيلهم وهو كذلك. (ومنها) ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" تفسير : اهـ. فهذا الحديث الصحيح يدل على أنهم لا تعصم دماؤهم ولا أموالهم إلا بإقامة الصلاة كما ترى. (ومنها) ما أخرجه الشيخان حديث : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم بذهبية فقسمها بين أربعة. فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله. فقال: "ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!" ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: "لا، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم"تفسير : مختصر من حديث متفق عليه. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح "لا" يعني لا تقتله. وتعليله ذلك بقوله "لعله أن يكون يصلي" فيه الدلالة الواضحة على النهي عن قتل المصلين. ويفهم منه أنه إن لم يصل يقتل، وهو كذلك. ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون. فمن كره فقد برىء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا"تفسير : هذا لفظ مسلم في صحيحه. و"ما" في قوله "ما صلوا" مصدرية ظرفية. أي لا تقاتلوهم مدة كونهم يصلون. ويفهم منه أنهم إن لم يصلوا قوتلوا، وهو كذلك، مع أنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: "حديث : إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان" تفسير : فحديث أم سلمة هذا ونحو حديث عوف بن مالك الآتي يدل على قتل من لم يصل، وبضميمة حديث عبادة بن الصامت إلى ذلك يظهر الدليل على الكفر بترك الصلاة. لأنه قال في حديث عبادة بن الصامت: "إلا أن تروا كفراً بواحاً.."الحديث. وأشار في حديث أم سلمة وعوف بن مالك: إلى أنهم إن تركوا الصلاة قوتلوا. فدل ذلك على أن تركها من الكفر البواح. وهذا من أقوى أدلة أهل القول الأول. وحديث عوف بن مالك المذكور هو ما رواه مسلم في صحيحه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ قال: "حديث : خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة.."تفسير : الحديث. وفيه الدلالة الواضحة على قتالهم إذا لم يقيموا الصلاة كما ترى. ومن أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة: ما رواه الأئمة الثلاثة: مالك في موطئه، والشافعي، وأحمد في مسنديهما، حديث : عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلاً من الأنصار حدثه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين. فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟" قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال: "أليس يشهد أن محمداً رسول الله؟" قال: بلى ولا شهادة له! قال: "أليس يصلي؟" قال: بلى ولا صلاة له. قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم"تفسير : اهـ. وفي رواية عنهم: هذا هو خلاصة أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة. واعلم أن جمهور من قال بقتله يقولون إنه يقتل بالسيف. وقال بعضهم: يضرب بالخشب حتى يموت. وقال ابن سريج: ينخس بحديدة أو يضرب بخشبة، ويقال له: صل وإلا قتلناك، ولا يزال يكرر عليه حتى يصلي أو يموت. واختلفوا في استتابته. فقال بعضهم: يستتاب ثلاثة أيام. فإن تاب وإلا قتل. وقال بعضهم: لا يستتاب. لأنه يقتل حدا والحدود لا تسقط بالتوبة. وقال بعضهم: إن لم يبق من الضروري إلا قدر ركعة ولم يصل قتل. وبعضهم يقول: لا يقتل حتى يخرج وقتها. والجمهور على أنه يقتل بترك صلاة واحدة، وهو ظاهر الأدلة. وقيل: لا يقتل حتى يترك أكثر من واحدة. وعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما أنه لا يقتل حتى يضيق وقت الصلاة الثانية المتروكة مع الأولى. والأخرى لا يقتل حتى يضيق وقت الرابعة. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي أنه يقتل بالسيف، وأنه يستتتاب، للإجماع على قبول توبته إذا تاب. والأظهر أنه يستتاب في الحال، ولا يمهل ثلاثة أيام وهو يمتنع من الصلاة لظواهر النصوص المذكورة، وأنه لا يقتل حتى لا يبقى من الوقت الضروري ما يسع ركعة بسجدتيها. والعلم عند الله تعالى. وأما أدلة أهل هذا القول على عدم كفره، فمنها قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 116]. ومنها حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز: حديث : أن رجلاً من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فرحت: إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" تفسير : اهـ منه بلفظه. وفي سنن أبي داود: حدثنا القعنبي عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن حبان، إلى آخر الإسناد والمتن كلفظ الموطأ الذي ذكرنا. وفي سنن النسائي: أخبرنا قتيبة عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان. إلى آخر الإسناد والمتن كاللفظ المذكور. وفي سنن ابن ماجة: حدثنا محمد بن بشار، ثنا ابن أبي عدي عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز عن المخدجي، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : خمس صلوات افتراضهن الله على عباده.."تفسير : إلى آخر الحديث المذكور بمعناه قريباً من لفظه. ومعلوم أن رجال هذه الأسانيد ثقات معروفون إلا المخدجي المذكور وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وبتوثيقه تعلم صحة الحديث المذكور، وله شواهد يعتضد بها أيضاً. قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن حرب الواسطي، ثنا يزيد يعني ابن هارون، ثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي قال: زعم أبو محمد: أن الوتر واجب. فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد، أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خمس صلوات افترضهن الله.." إلى آخر الحديث بمعناه. وعبد الله الصنابحي المذكور قيل إنه صحابي مدني. وقيل: هو عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنابحي، وهو ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة بعد وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك. وعلى كلا التقديرين فرواية الصنابحي المذكور إما رواية صحابي أو تابعي ثقة، وبها تعتضد رواية المخدجي المذكور. ورجال سند أبي داود هذا غير عبدالله الصنابحي ثقات، معروفون لا مطعن فيهم. وبذلك تعلم صحة حديث عبادة بن الصامت المذكور. وقال الزرقاني (في شرح الموطأ): وفيه - يعني حديث عبادة المذكور - أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه. بل هو تحت المشيئة بنص الحديث، وقد أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق مالك، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر. وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود، والنسائي، والبيهقي، وله شاهد عند محمد بن نصر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. اهـ منه. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله في (نيل الأوطار): ولهذا الحديث شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجه، ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد، ورواه أبو داود عن الصنابحي اهـ، محل الغرض منه. وقال النووي (في شرح المهذب) بعد أن ساق حديث عبادة بن الصامت المذكور: هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة. وقال ابن عبد البر: هو حديث صحيح ثابت، لم يختلف عن مالك فيه. فإن قيل: كيف صححه ابن عبد البر مع أنه قال: إن المخدجي المذكور في سنده مجهول؟ فالجواب عن هذا من جهتين: الأولى - أن صحته من قبيل الشواهد التي ذكرنا، فإنها تصيره صحيحاً. والثانية - هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان المخدجي المذكور. وحديث عبادة المذكور فيه الدلالة الواضحة على أن ترك الصلاة ليس بكفر، لأن كونه تحت المشيئة المذكور فيه دليل على عدم الكفر لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 116]. ومن أدلة أهل هذا القول على أن تارك الصلاة المقر بوجوبها غير كافر - ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن اتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه. ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك"تفسير : اهـ. وقال الشوكاني رحمه الله في (نيل الأوطار): الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق: طريقين متصلين بأبي هريرة. والطريق الثالث متصل بتميم الداري. وكلها لا مطعن فيها، ولم يتكلم عليه وهو ولا المنذري بما يوجب ضعفه. وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي وصححها ابن القطان. وأخرج الحديث الحاكم (في المستدرك) وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجه بنحو حديث أبي هريرة، قال العراقي: وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم (في المستدرك) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ محل الغرض منه. ووجه الاستدلال بالحديث المذكور على عدم كفر تارك الصلاة - أن نقصان الصوات المكتوبة وإتمامها من النوافل يتناول بعمومه ترك بعضها عمداً، كما يقتضيه ظاهر عموم اللفظ كما ترى. وقال المجد (في المنتفى) بعد أن ساق الأدلة التي ذكرنا على عدم كفر تارك الصلاة المقر بوجوبها عمداً ما نصه: ويعضد هذا المذهب عمومات، منها ما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنه والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"تفسير : متفق عليه. حديث : وعن أنس بن مالك أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال ومعاذ رديفه على الرحل: "يا معاذ"، قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً، ثم قال: "ما من عبد يشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه على النار" قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: "إذاً يتكلوا"تفسير : فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً. أي خوفاً من الإثم بترك الخبر به. متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً"تفسير : رواه مسلم. وعنه أيضاً: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"تفسير : رواه البخاري اهـ محل الغرض منه. وقالت جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة، وسفيان الثوري، والمزني صاحب الشافعي: إن تارك الصلاة عمداً تكاسلاً وتهاوناً مع إقراره بوجوبها لا يقتل ولا يكفر. بل يعزر ويحبس حتى يصلي واحتجوا على عدم كفره بالأدلة التي ذكرنا آنفاً لأهل القول الثاني. واحتجوا لعدم قتله بأدلة، منها حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في سورة "المائدة" وغيرها: حديث : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" قالوا: هذا حديث متفق عليه، صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم" تفسير : لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يذكر منها ترك الصلاة. فدل ذلك على أنه غير موجب للقتل. قالوا: والأدلة التي ذكرتم على قتله إنما دلت عليه بمفاهيمها أعني مفاهيم المخالفة كما تقدم إيضاحه. وحديث ابن مسعود دل على ما ذكرنا بمنطوقه والمنطوق مقدم على المفهوم. مع أن المقرر في أصول الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يعتبر المفهوم المعروف بدليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة - وعليه فإنه لا يعترف بدلالة الأحاديث المذكورة على قتله. لأنها إنما دلت عليه بمفهوم مخالفتها، وحديث ابن مسعود دل على ذلك بمنطوقه. ومنها قياسهم ترك الصلاة على ترك الصوم والحج مثلاً. فإن كل واحد منهما من دعائم الإسلام ولم يقتل تاركها، فكذلك الصلاة. أما الذين قالوا بأنه كافر، وأنه يقتل. فقد أجابوا عن حديث ابن مسعود: بأنه عام يخصص بالأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. وعن قياسه على تارك الحج والصوم: بأنه فاسد الاعتبار لمخالفته للأحاديث المذكورة الدالة على قتله. وعن الأحاديث الدالة على عدم الكفر: بأن منها ما هو عام يخصص بالأحاديث الدالة على كفره. ومنها ما هو ليس كذلك كحديث عبادة بن الصامت الدال على أنه تحت المشيئة. فالأحاديث الدالة على كفره مقدمة عليه، لأنها أصح منه، لأن بعضها في صحيح مسلم وفيه التصريح بكفره وشركه. ومنها حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه، مع حديث أم سلمة وعوف بن مالك في صحيح مسلم كما تقدم إيضاحه. ورد القائلون بأنه غير كافر أدلة مخالفيهم - بأن المراد بالكفر في الأحاديث المذكورة كفر دون كفر. وليس المراد الكفر المخرج عن ملة الإسلام. واحتجوا لهذا بأحاديث كثيرة يصرح فيها النَّبي صلى الله عليه وسلم بالكفر، وليس مراده الخروج عن ملة الإسلام. قال المجد (في المنتقى): وقد حملوا أحاديث التكفير على كفر النعمة، أو على معنى قد قارب الكفر وقد جاءت أحاديث في غير الصلاة أريد بها ذلك. فروى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"تفسير : متفق عليه: وعن أبي ذر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار" تفسير : متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت"تفسير : رواه أحمد ومسلم. حديث : وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان عمر يحلف "وأبى" فنهاه النَّبي صلى الله عليه وسلم وقال: "من حلف بشيء دون الله فقد أشرك" رواه أحمد. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن"تفسير : انتهى منه بلفظه. وأمثاله في السنة كثيرة جداً. ومن ذلك القبيل تسمية الرياء شركاً. ومنه الحديث الصحيح في البخاري وغيره أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "رأيت النار فلم ار منظراً كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن" قيل: يكفرن الله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت ما رأيت منك خيراً قط"تفسير : هذا لفظ البخاري في بعض المواضع التي أخرج فيها الحديث المذكور. وقد أطلق فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم اسم الكفر عليهن. فلما استفسروه عن ذلك تبين أن مراده غير الكفر المخرج عن ملة الإسلام. هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمداً مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال إنه كافر. وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إنه كفر غير مخرج عن الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن. وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن. لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال النووي (في شرح المهذب) بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه: ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث. وأما الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة، ورواية ابن شقيق - فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل. وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها - انتهى محل الغرض منه. المسألة الثالثة أجمع العلماء على أن من نسي الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها يجب عليه قضاؤها. وقد دلت على ذلك أدلة صحيحة: (منها) ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ". تفسير : (ومنها) ما رواه مسلم عن أنس أيضاً مرفوعاً: "حديث : إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عز وجل يقول: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} ". تفسير : (ومنها) ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها. فإن الله يقول: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} ". تفسير : (ومنها) ما رواه النسائي، والترمذي وصححه، عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة؟ فقال: "حديث : إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ". تفسير : (ومنها) ما رواه مسلم، والإمام أحمد، عن أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال: ثم أذن بلال بالصلاة. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم. (ومنها) ما أخرجه الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، وابن أبي شيبة، والطبراني وغيرهم، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: سرينا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم. فلما كان في آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يقوم دهشاً إلى طهوره، ثم أمر بلالاً فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام فصلينا. فقالوا: يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: "أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم"؟ اهـ. وأصل حديث عمران هذا في الصحيحين. وليس فيهما ذكر الأذان والإقامة، ولا قوله: فقالوا يا رسول الله ألا نعيدها إلى آخره. والحاصل أن قضاء النائم والناسي لا خلاف فيه بين العلماء. وقد دلت عليه الأحاديث التي ذكرنا وأمثالها مما لم نذكره. المسالة الرابعة اعلم أن التحقيق أنه يجب تقديم الصلوات الفوائت على الصلاة الحاضرة. والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه: حديث : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش. قال يا رسول الله، ما كدت أصل العصر حتى كادت الشمس تغرب؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "والله ما صليتها"تفسير : فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها. فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه فيه التصريح بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر قضاء بعد غروب الشمس وقدمها على المغرب. وهو نص صحيح صريح في تقديم الفائتة على الحاضرة. والمقرر في الأصول: أن أفعال النَّبي صلى الله عليه وسلم المجردة من قرينة الوجوب وغيره تحمل على الوجوب، لعموم النصوص الواردة بالتأسي به صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله. وللاحتياط في الخروج من عهدة التكليف. ومن أظهر الأدلة في ذلك أنه لما خلع نعله في الصلاة فخلع أصحابه نعالهم تأسياً به صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلموا أن جبريل أخبره أن بباطنها أذى، وسألهم صلى الله عليه وسلم لم خلعوا نعالهم؟ وأجابوا بأنهم رأوه خلع نعله وهو فعل مجرد من قرائن الوجوب وغيره - أقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم. فدل ذلك على لزوم التأسي به في أفعاله المجردة من القرائن. والحديث وإن ضعفه بعضهم بالإرسال فقد رجح بعضهم وصله. والأدلة الكثيرة الدالة على وجوب التأسي به صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة شاهدة له. وإلى كون أفعاله صلى الله عليه وسلم المجردة من القرائن تحمل على الوجوب أشار في مراقي السعود في كتاب السنة بقوله: شعر : وكل ما الصفة فيه تجهل فللوجوب في الأصح يجعل تفسير : وفي حمله على الوجوب مناقشات معروفة في الأصول. انظرها في (نشر البنود) وغيره. ويعتضد ما ذكرنا من أن فعله المجرد الذي هو تقديم العصر الفائتة على المغرب الحاضرة يقتضي الوجوب بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي"تفسير : . وقال الحافظ في (فتح الباري) في استدلال البخاري على تقديم الأولى من الفوائت. فالأولى بفعل النَّبي صلى الله عليه وسلم المذكور ما نصه: ولا ينهض الاستدلال به لمن يقول بترتيب الفوائت، إلا إذا قلنا: إن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة للوجوب. اللهم إلا أن يستدل له بعموم قوله: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي ". تفسير : وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذا - انتهى منه. ونحن نقول: الأظهر أن الأفعال المجردة تقتضي الوجوب كما جزم به صاحب المراقي في البيت المذكور، وكذلك عموم حديث: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي"تفسير : يقتضي ذلك أيضاً. والعلم عند الله تعالى. واعلم أنه إن تذكر فائتة في وقت حاضرة ضيق. فقد اختلف العلماء: هل يقدم الفائتة وإ ن خرج وقت الحاضرة أولاً - إلى ثلاثة مذاهب: الأول - أنه يقدم الفائتة وإن خرج وقت الحاضرة. وهذا هو مذهب مالك وجل أصحابه. الثاني - أن يبدأ بالحاضرة محافظة على الوقت. وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأكثر أصحاب الحديث. الثالث - أنه يخير في تقديم ما شاء منهما. وهو قول أشهب من أصحاب مالك. قال عياض: ومحل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات الفوائت. فأما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حد القليل في ذلك. فقيل صلاة يوم. وقيل أربع صلوات. المسألة الخامسة أما ترتيب الفوائت في أنفسها فأكثر أهل العلم على وجوبه مع الذكرلا مع النسيان. وهو الأظهر: وقال الشافعي رحمه الله: لا يجب الترتيب فيها بل يندب؛ وهو مروي عن طاوس، والحسن البصري، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وداود. وقال بعض أهل العلم: الترتيب واجب مطلقاً، قلت الفوائت أم كثرت. وبه قال أحمد وزفر. وعن أحمد رحمه الله: لو نسي الفوائت صحت الصلوات التي صلى بعدها. وقال أحمد وإسحاق: لو ذكر فائتة وهو في حاضرة تمم التي هو فيها ثم قضى الفائتة، ثم يجب إعادة الحاضرة. واحتج لهم بحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام"تفسير : . قال النووي في (شرح المهذب) وهذا حديث ضعيف، ضعفه موسى بن هارون الحمال (بالحاء) الحافظ. وقال أبو زرعة الرازي. ثم البيهقي: الصحيح أنه موقوف. قال مقيدة عفا الله عنه: والأظهر عندي وجوب ترتيب الفوائت في أنفسها الأولى فالأولى. والدليل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما. قال النسائي في سننه: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا ابن أبي ذئب قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل. فأنزل الله عز وجل: {أية : وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ}تفسير : [الأحزاب: 9] فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها اهـ. فهذا الإسناد صحيح كما ترى، ورجاله ثقات معروفون. فعمرو بن علي هو أبو حفص الفلاس وهو ثقة حافظ، ويحيى هو القطان وجلالته معروفة. وكذلك ابن أبي ذئب جلالته معروفة. وسعيد بن سعيد هو المقبري وهو ثقة. وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ثقة. فهذا إسناد صحيح كما ترى، وفيه التصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الفوائت في القضاء: الأولى فالأولى. وقد قدمنا أن أفعاله المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب على الأصح، وأن ذلك يعتضد بحديث مالك بن الحويرث الثابت في الصحيح: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي" تفسير : وحديث أبي سعيد هذا أخرجه أيضاً الإمام أحمد. قال الشوكاني في (نيل الأوطار): ورجال إسناده رجال الصحيح. وقال الشوكاني أيضاً عن ابن سيد الناس اليعمري: إن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي: حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: وهذا إسناد صحيح جليل اهـ. وقال النسائي في سننه: أخبرنا هناد عن هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، فأمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء اهـ. أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة قال: حدثنا هشام: أن أبا الزبير المكي حدثهم عن نافع بن جبير: أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود حدثهم أن عبد الله بن مسعود قال: كنا في غزوة فحبسنا المشركون عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. فلما انصرف المشركون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فأقام لصلاة الظهر فصلينا، وأقام لصلاة العصر فصلينا، وأقام لصلاة المغرب فصلينا، وأقام لصلاة العشاء فصلينا، ثم طاف علينا فقال: "حديث : ما على الأرض عصابة يذكرون الله عز وجل غيركم"تفسير : اهـ. وحديث ابن مسعود هذا أخرجه الترمذي أيضاً. قال الشوكاني رحمه الله في (نيل الأوطار): إن إسناده لا بأس به. قال مقيدة عفا الله عنه: والظاهر أن إسناد حديث ابن مسعود هذا لا يخلو من ضعف، لأنه راويه عنه ابنه أبو عبيدة، وروايته عنه مرسلة لأنه لم يسمع منه. ولكن هذا المرسل يعتضد بحديث أبي سعيد الذي قدمنا آنفاً أنه صحيح، ومن يحتج من العلماء بالمرسل يحتج به ولو لم يعتضد بغيره. واعلم أن حديث أبي سعيد وابن مسعود المذكورين لا يعارضهما ما في الصحيحين من كونهم شغلوهم عن العصر وحدها. لأن ما فيهما زيادة، وزيادة العدول مقبولة (ومن حفظ حجة على من لم يحفظ) وبه تعلم أن ما ذكره ابن العربي من تقديم ما في الصحيحين على الزيادة التي في حديث أبي سعيد وابن مسعود خلاف التحقيق. تنبيه اعلم أن الآئمة الأربعة وأصحابهم وجماهير فقهاء الأمصار: على أن من نسي صلاة أو نام عنها قضاها وحدها ولا تلزمه زيادة صلاة أخرى. قال البخاري في صحيحه: (باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة) وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة. حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك". {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}تفسير : [طه: 14] قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه اهـ. وقال في (الفتح الباري) في الكلام على هذا الحديث وترجمته قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوّة دليله، ولكنه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر. فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب. لقول الشارع "فليصلها" ولم يذكر زيادة، وقال أيضاً: "حديث : لا كفارة لها، إلا ذلك"تفسير : فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصل التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب - انتهى منه. فإن قيل: جاء في صحيح مسلم في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الصبح حتى ضربتهم الشمس ما نصه: ثم قال: يعني (النبي صلى الله عليه وسلم): "حديث : أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى. فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" تفسير : اهـ. فقوله في هذا الحديث: فإذا كان الغد الخ يدل على أنه يقضي الفائتة مرتين: الأولى عند ذكرها، والثانية: عند دخول وقتها من الغد؟ فالجواب ما ذكره النووي في شرحه للحديث المذكور قال: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" تفسير : فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول. وليس معناه أنه يقضي الفائتة مرتين: مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنما معناه ما قدمناه. فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث. وقد اضطربت أقوال العلماء فيه. واختار المحققون ما ذكرته والله أعلم انتهى منه. وهذا الذي فسر به هذه الرواية هو الذي يظهر لنا صوابه والعلم عند الله تعالى. ولكن جاء في سنن أبي داود في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة النوم عن الصلاة المذكورة ما نصه: "حديث : فمن أدرك منكم صلاة الغد من غد صالحاً فليقض معها مثلها"تفسير : اهـ. وهذا اللفظ صريح في أنه يقضي الفائتة مرتين، ولا يحمل المعنى الذي فسر به النووي وغيره لفظ رواية مسلم. وللعلماء عن هذه الرواية أجوبة، قال ابن حجر في (فتح الباري) بعد أن أشار إلى رواية أبي داود المذكور ما نصه: قال الخطابي: لا أعلم أحداً قال بظاهره وجوباً، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء انتهى. ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضاً بل عدُّوا الحديث غلطاً من راويه. حكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيده ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أنهم قالوا: يا رسول الله، ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم"تفسير : اهـ كلام صاحب الفتح. وحديث عمران المذكور قد قدمناه وذكرنا من أخرجه. والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن ترك الصلاة عمداً تكاسلاً حتى خرج وقتها وهو معترف بوجوبها. هل يجب عليه قضاؤها أو لا يجب عليه. فقد قدمنا خلاف العلماء في كفره، فعلى القول بأنه كافر مرتد يجري على الخلاف في المرتد، هل يجب عليه قضاء ما فاته في زمن ردته أو لا يجب عليه. واعلم أولاً أن الكافر تارة يكون كافراً أصلياً لم يسبق عليه إسلام، وتارة يكون كافراً بالردة عن دين الإسلام بعد أن كان مسلماً. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره وهذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين. لأن الله تعالى يقول: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [الأنفال: 38] وقد أسلم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم خلق كثير فلم يأمر أحداً منهم بقضاء شيء فائت كفره. وأما المرتد ففيه خلاف بين العلماء معروف. قال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما تركه في زمن ردته، ولا في زمن إسلامه قبل ردته، لأن الردة تحبط جميع عمله وتجعله كالكافر الأصلي عياذاً بالله تعالى. وإن كان قد حج حجة الإسلام أبطلتها ردته على هذا القول. فعليه إعادتها إذا رجع إلى الإسلام. وتمسك من قال بهذا بظاهر قوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الزمر: 65] الآية، وقوله، {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [المائدة: 5]. وقال بعض أهل العلم: يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في زمن ردته وزمن إسلامه قبل ردته، ولا تجب عليه إعادة حجة الإسلام. لأن الردة لم تبطلها. واحتج من قال بهذا بقوله تعالى: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} تفسير : [البقرة: 217] الآية. فجعل الموت على الكفر شرطاً في حبوط العمل. وبالأول قال مالك، ومن وافقه. وبالثاني قال الشافعي، ومن وافقه. وهم روايتان عن الإمام أحمد. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن قول الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة أجرى على الأصول. لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأما على قول الجمهور بأنه غير كافر فقد اختلفوا أيضاً في وجوب القضاء عليه. اعلم أولاً أن علماء الأصول اختلفوا في الأمر بالعبادة المؤقتة بوقت معين، هل هو يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج وقتها من غير احتياج إلى أمر جديد بالقضاء أو لا يستلزم القضاء بعد خروج الوقت، ولا بد للقضاء من أمر جديد، فذهب أبو بكر الرازي من الحنفية وفاقاً لجمهور الحنفية إلى أن الأمر بالعبادة الموقتة يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت من غير احتياج إلى أمر جديد، واستدلوا لذلك بقاعدة هي قولهم: الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، فإذا تعذر بعض الأجزاء لزم فعل بعضها الذي لم يتعذر. فالأمر بالعبادة الموقتة كالصلوات الخمس أمر بمركب من شيئين: الأول منهما: فعل العبادة. والثاني: كونها مقترنة بالوقت المعين لها، فإذا خرج الوقت تعذر أحدهما وهو الاقتران بالوقت المعين، وبقي الآخر غير متعذر وهو فعل العبادة، فيلزم من الأمر الأول فعل الجزء المقدور عليه، لأن الأمر بالمركب أمر بأجزائه. وهذا القول صدر به ابن قدامة في (روضة الناظر) وعزاه هو والغزالي في (المستصفى) إلى بعض الفقهاء. وذهب جمهور أهل الأصول إلى أن الأمر بالعبادة الموقتة لا يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت واستدلوا لذلك بقاعدة وهي (أن تخصيص العبادة بوقت معين دون غيره من الأوقات لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت دون غيره، إذ لو كانت المصلحة في غيره من الأوقات لما كان لتخصيصه دونها فائدة)، قالوا فتخصيصه الصلوات بأوقاتها المعينة، والصوم برمضان مثله، كتخصيص الحج بعرفات، والزكاة بالمساكين والصلاة بالقبلة، والقتل بالكافر ونحو ذلك. واعلم أن الذين قالوا: إن الأمر لا يستلزم القضاء، وهم الجمهور - اختلفوا في إعادة الصلاة المتروكة عمداً على قولهم: إن تاركها غير كافر، فذهب جمهورهم إلى وجوب إعادتها، قالوا: نحن نقول: إن القضاء لا بد له من أمر جديد، ولكن الصلاة المتروكة عمداً جاءت على قضائها أدلة، منها: قياس العامد على الناسي والنائم، المنصوص على وجوب القضاء عليهما، قالوا: فإذا وجب القضاء على النائم، والناسي فهو واجب على العامد من باب أولى، وقال النووي في شرح المهذب: ومما يدل على وجوب القضاء حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المجامع في نهار رمضان أن يصوم يوماً مع الكفارة، أي بدل اليوم الذي أفسده بالجماع عمداً. رواه البيهقي بإسناد جيد، وروى أبو داود نحوه - انتهى كلام النووي. ومن أقوى الأدلة على وجوب على التارك عمداً عموم الحديث الصحيح الذي قدمناه في سورة "الإسراء" الذي قال فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فدين الله أحق أن يقضى"تفسير : ، فقوله: "دين الله" اسم جنس مضاف إلى معرفة فهو عام في كل دين، كقوله: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ}تفسير : [إبراهيم: 34] الآية، فهو عام في كل نعمة. ولا شك أن الصلاة المتروكة عمداً دين الله في ذمة تاركها، فدل عموم الحديث على أنها حقيقة جديرة بأن تقضى، ولا معارض لهذا العموم. وقال بعض أهل العموم: ليس على التارك الصلاة عمداً قضاء، لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ولم يأت أمر جديد بقضاء التارك عمداً. وممن قال بهذا ابن حزم واختاره أبو العباس بن تيمية رحمه الله. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : والأمر لا يستلزم القضاء بل هو بالأمر الجديد جاء لأنه في زمن معين يجي لما عليه من نفع بني وخالف الرازي إذ المركب لكل جزء حكمه ينسحب تفسير : تنبيه سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة: أنها تجاذبها أصلان مختلفان: فنظرت كل طائفة إلى أحد الأصلين المختلفين: أحدهما: الأمر بالمركب أمر بأجزائه. وإليه نظر الحنفية ومن وافقهم. والثاني: الأمر بالعبادة في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بالوقت المذكور، وإليه نظر الجمهور. ومثل هذا من الأشياء التي تكون سبباً للاختلاف في المسألة كما أشار له الشيخ ميارة في التكميل بقوله: شعر : وإن يكن في الفرع تقريران بالمنع والجواز فالقولان
الواحدي
تفسير : {فَخَلفَ من بعدهم} قفا بعد هؤلاء {خلف} قوم سوء، يعني: اليهود والنَّصارى والمجوس {أضاعوا الصلاة} تركوا الصَّلاة المفروضة {واتبعوا الشهوات} اللَّذات من شرب الخمر والزِّنا {فسوف يلقون غياً} وهو وادٍ في جهنم. {إلاَّ من تاب} من الشِّرك {وآمن} وصدَّق النَّبيِّين {وعمل صالحاً} أدَّى الفرائض {فأولئك يدخلون الجنَّة ولا يظلمون شيئاً} لا يُنقصون من ثواب أعمالهم شيئاً. {جنات عدن التي وعد الرحمٰن عباده بالغيب} بالمغيب عنهم ولم يروها {إنَّه كان وعده مأتياً} يؤتي ما وعده لا محالة، تأتيه أنت كما يأتيك هو. {لا يسمعون فيها لغواً} قبيحاً من القول {إلاَّ} لكن {سلاماً} قولاً حسناً يسلمون منه، والسَّلام: اسمٌ جامعٌ للخير {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} على قدر ما يعرفون في الدُّنيا من الغداء والعشاء. {تلك الجنة التي نورث} نُعطي ونُنرل {من عبادنا مَنْ كان تقياً} يتَّقي الله بطاعته واجتناب معاصيه. {وما نتنزل} كان جبريل عليه السَّلام قد احتبس عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أيَّاماً، فلمَّا نزل قال له: ألاَّ زرتنا، فأنزل الله سبحانه {وما نتنزل إلاَّ بأمر ربك له ما بين أيدينا} من أمر الآخرة [ {وما خلفنا} ما مضى من أمر الدُّنيا] {وما بين ذلك} ما يكون من هذا الوقت إلى قيام السَّاعة. وقيل: {له ما بين أيدينا} : يعني: الدُّنيا، {وما خلفنا} يعني: السَّموات، {وما بين ذلك} : الهواء: {وما كان ربك نسياً} تاركاً لك منذ أبطأ عنك الوحي. وقوله: {هل تعلم له سمياً} هل تعلم أحداً يُسمَّى الله غيره؟ {ويقول الإِنسان} يعني: أُبيَّ بن خلف {أإذا ما متُّ لسوف أخرج حياً} يقول هذا استهزاءً وتكذيباً بالبعث، يقول: لسوف أخرج حيَّاً من قبري بعد ما متُّ!؟ {أَوَلاَ يذكر} يتذكَّر ويتفكَّر هذا {الإنسان أنَّا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً} فيعلم أنَّ مَنْ قدر على الابتداء قدر على الإِعادة، ثمَّ أقسم بنفسه أنَّه يبعثهم فقال: {فوربك لنحشرنَّهم} يعني: منكري البعث {والشياطين} قرناءهم الذين أضلُّوهم { ثمَّ لنحضرنَّهم حول جهنم جثياً} جماعات، جمع: جُثوة. {ثمَّ لننزعنَّ} لنخرجنَّ {من كلِّ شيعة} أُمَّةٍ وفرقةٍ {أيُّهم أشدُّ على الرحمن عتياً} الأعتى فالأعتى منهم، وذلك أنَّه يبدأ في التعذيب بأشدهم عتيَّا، ثمَّ الذي يليه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: خلف: أي عقب سوء. أضاعوا الصلاة: أهملوها فتركوها فكانوا بذلك كافرين. اتبعوا الشهوات: انغمسوا في الذنوب والمعاصي كالزنا وشرب الخمر. يلقون غياً : أي وادياً في جهنم يلقون فيه. ولا يظلمون شيئاً: أي لا ينقصون شيئا من ثواب حسناتهم. جنات عدن: أي إقامة دائمة. بالغيب : أي وعدهم بها وهي غائبة عن أعينهم لغيابهم عنها إذ هي في السماء وهم في الأرض. مأتياً: أي موعوده وهو ما يعد به عباده آتياً لا محالة. لغواً: أي فضل الكلام وهو ما لا فائدة فيه. بكرةً وعشياً: أي بقدرهما في الدنيا وإلا فالجنة ليس فيها شمس فيكون فيها نهار وليل. من كان تقياً: أي من كان في الحياة الدنيا تقياً لم يترك الفرائض ولم يغش المحارم. معنى الآيات: قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} يخبر تعالى عن أولئك الصالحين ممن اجتبى وهدى من النبيين وذرياتهم، إنه خلف من بعدهم خلف سوء كان من شأنهم أنهم {أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} فمنهم من أخرها عن أوقاتها ومنهم من تركها {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ} فانغمسوا في حمأة الرذائل فشربوا الخمور وشهدوا الزور وأكلوا الحرام ولهوا ولعبوا وزنوا وفجروا، بعد ذهاب أولئك الصالحين كما هو حال النصارى واليهود اليوم وحتى كثير من المسلمين، فهؤلاء الخلف السوء يخبر تعالى أنهم {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} بعد دخولهم نار جهنم. والغي: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بئر في جهنم وعن ابن مسعود أنه واد في جهنم، والكل صحيح إذ البئر توجد في الوادي وكثيراً ما توجد الآبار في الأودية. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أي لكن من تاب من هذا الخلف السوء وآمن أي حقق إيمانه وعمل صالحاً فأدى الفرائض وترك غشيان المحارم. فأولئك أي فهؤلاء التائبون المنيبون {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} مع سلفهم الصالح، {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أي ولا ينقصون ولا يبخسون شيئاً من ثواب أعمالهم. وقوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي بساتين إقامة أبدية {ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ} أي وعدهم بها وهي غائبة عنهم لم يروها لأنها في السماء وهم في الأرض. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} أي كونهم ما رأوها غير ضار لأن ما وعد به الرحمن لا يتخلف أبداً لا بد من الحصول عليه ومعنى مأتياً يأتيه صاحبه قطعاً. وقوله تعالى في الآية [62] {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} يخبر تعالى أن أولئك التائبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات ودخلوا الجنة لا يسمعون فيها أي في الجنة لغواً وهو الباطل من القول وما لا خير فيه من الكلام اللهم إلا السلام فإنهم يتلقونه من الملائكة فيسمعونه منهم وهو من النعيم الروحاني في الجنة دار النعيم. وقوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أي ولهم طعامهم فيها وهو ما تشتهيه أنفسم من لذيذ الطعام والشراب {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أي في وقت الغداة في الدنيا وفي وقت العشي في الدنيا إذ لا ليل في الجنة ولا نهار، وإنما هي أنوار وجائز إذا وصل وقت الغداء أو العشاء تغير الأنوار من لون إلى آخر أو تغلق الأبواب وترخى الستائر ويكون ذلك علامة على وقت الغداء والعشاء. وقوله تعالى: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ} آية [63] يشير تعالى إلى الجنة دار السلام تلك الجنة العالية {ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} منهم، أما الفاجر فإن منزلته فيها نورثها المتقي كما أن منزل التقي في النار نورثه فاجراً من الفجار، إذ هذا معنى التوارث: هذا يرث هذا وذاك يرث ذا، إذ ما من إنسان إلا وله منزلة في الجنة ومنزل في النار فمن آمن وعمل صالحاً دخل الجنة ونزل في منزلته، ومن كفر وأشرك وعمل سوءاً دخل النار ونزل في منزله فيها، ويورث الله تعالى الأتقياء منازل الفجار التي كانت لهم في الجنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التنديد بخلف السوء وهو من يضيع الصلاة ويتبع الشهوات. 2- الوعيد الشديد لمن ينغمس في الشهوات ويترك الصلاة فيموت على ذلك. 3- باب التوبة مفتوح والتوبة مقبولة من كل من أرادها وتاب. 4- بيان نعيم الجنة دار المتقين الأبرار. 5- تقرير مبدأ التوارث بين أهل الجنة وأهل النار. 6- بيان أن ورثة الجنة هم الأتقياء، وأن ورثة النار هم الفجار.
القطان
تفسير : الخلف: بسكون اللام، العقِبُ السوء، النسل الطالح. اضاعوا الصلاة: تركوها. غيا: ضلالا. جنات عدن: جنات الاقامة الدائمة. مأتيا: آتيا. اللغو: فضول الكلام. التنزل: النزول. سميّا: شبيها، او مثيلا. بعد ان استعرض اللهُ أولئك الأنبياءَ السعداء ومن تَبِعَهم بإحسان، جاء هنا يوازن بين أولئك المؤمنين الأتقياء، وبين الذين خلفوهم. فإذا المسافةُ شاسعة والفارقُ بعيد. فلقد جاءَ من بعد هؤلاء الأنبياء الأخيارِ خَلْفُ سوء كانوا على غيرِ هديهم، تركوا الصلاةَ وانهمكوا في المعاصي، وآثروا شهواتِهم على طاعة الله. ثم ذكر عاقبة أعمالهم، وسوء مآلهم فقال: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً}. وسيلقى هؤلاء جزاء غيِّهم وضلالهم في الدنيا والآخرة. ثم يفتح باب التوبة على مصراعيه تهبُّ منه نسماتُ الرحمة واللطف والنعمى. فَمَنْ تدارك منهم نفسَه بالتوبة والإيمان الصادق، والعمل الصالح - فإن الله يقبل توبته، ويُدخله الجنة، ويوفي له أجره كاملاً، والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها. كما جاء في الحديث: "حديث : التائبُ من الذنْب كمَنْ لا ذنبَ له"تفسير : أخرجه ابنُ ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود. ثم أوضح الله جنة الخلد ومن فيها فقال: {جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً}. هذه الجنات هي جنات إقامةٍ دائمة قد وعد الرحمنُ عباده بها فآمنوا بها بالغيب قبل ان يروها. ووعدُ الله واقع لا محالة. ثم يوضح تلك الصورة الجميلة وما فيها من عيشة راضية، ونعيم مقيم، فيقول: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً.... }. لا يسمعون فيها فُضولا في الحديث، ولا ضجةً ولا جِدالا، وانما صوت السّلام والأمان. والرزقُ في هذه الجنات مكفولٌ دائم. {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً}. هذه هي الجنة ذات هذه الصفات الشريفة، نورثها عبادَنا المتّقين الذي يُطيعون اللّه في السِرّ والعلَن. {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}. بعد ان ذَكر اللهُ قَصص الأنبياء عليهم السلام، وأعقبه بذِكر ما أحدثه الخَلْفُ بعدهم، وَذكَر جزاءَ الفريقين - أعقب ذلك بقصص تأخُّرِ جبريلَ على النبي صلى الله عليه وسلم ردّاً لما زعمه المشركون من أنه كان يتأخر عليه، وبياناً لهم أن الأمر على غير ما زعموا. وما تنزِلُ الملائكةُ بالوحي إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمتُه، وتدعو اليه مصلحة عباده. والكلام على لسانِ جبريل: إن أمْرَنا موكولٌ الى الله تعالى، يتصرّف فينا حسب مشيئته، فهو سبحانه المالكُ المدبّر، العالِمُ بمستقبلنا وماضينا، وما بين ذلك. ولإحاطة عِلمه بملكه، فإنه لا يطرأ عليه غَفْلة ولا نسيان. {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.... }. فهو سبحانه الخالقُ المالكُ لهذا الكون كلّه، والمدبر لشؤونه، والمستحقّ وحده للعبادة، فاعبُده أيها الرسول ومن معك، واصطبرْ وثابر على عبادته، هل تعلم له شبيها؟ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}. الشورى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {ٱلشَّهَوَاتِ} (59) - ثُمَّ جَاءَ مِنْ بَعْدِ هؤُلاءِ الأَنْبِيَاءِ الصَّالِحِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، القَائِمِينَ بِحُدُودِ اللهِ وَأَوَامِرِهِ المُؤَدِّينَ فَرَائِضَهُ، خَلْفُ سُوءٍ، تَرَكُوا الصَّلاَةَ وَإقَامَتَهَا، وَأَقْبَلُوا عَلَى شَهَواتِ الدُّنْيا، فَهؤُلاءِ سَوفَ يَلْقَوْنَ خَسَارةً وَشَرّاً يَوْمَ القِيَامَةِ. (وَلِذلِكَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إِلَى تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلاَةِ). خَلْفٌ - عَقِبُ سوءٍ. يَلْقَوْنَ غَيّاً - يَلْقَوْنَ جَزَاءَ الغَيِّ وَالضَّلاَلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ..} [مريم: 59] أي: أن المسائل لم تستمر على ما هي عليه من الكلام السابق ذِكْره، بل خَلفَ هؤلاء القوم (خَلْفٌ) والخَلْف: هم القوم الذين يخلُفون الإنسان: أي: يأتون بعده أو من ورائهم. وهناك فَرْق بين خَلْف وخَلَف: الأولى: بسكون اللام ويُراد بها الأشرار من عَقِب الإنسان وأولاده، والأخرى: بفتح اللام ويُراد بها الأخيار. لذلك، فالشاعر حينما أراد أنْ يتحسَّر على أهل الخير الذين مَضَوْا قال: شعر : ذَهَبَ الذِينَ يُعاشُ فِي أكنَافِهمْ وبَقِيتُ في خَلْف كجِلْدِ الأجْرَبِ تفسير : فماذا تنتظر من هؤلاء الأشرار؟ لا بُدّ أنْ يأتي بعدهم صفات سوء {أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ ..} [مريم: 59] إذن: هم خَلْف فاسد، فأول ما أضاعوا أضاعوا الصلاة التي هي عماد الدين، وأَوْلَى أركانه بالأداء. صحيح أن الإسلام بُني على عِدّة أركان، لكن بعض هذه الأركان قد يسقط عن المسلم، ولا يُطْلب منه كالزكاة والحج والصيام، فيبقى ركنان أساسيان لا يسقطان عن المسلم بحال من الأحوال، هما: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة. وسُئِلْنَا مرة من بعض إخواننا في الجزائر: لماذا نقول لمن يؤدي فريضة الحج: الحاج فلان، ولا نقول للمصلي: المصلي فلان، أو المزكِّي فلان، أو الصائم فلان؟ فقلت للسائل: لأن بالحج تتم نعمة الله على العبد، وحين نقول: الحاج فلان. فهذا إشعار وإعلام أن الله أتمَّ له النعمة، واستوفى كل أركان الإسلام، فمعنى أنه أدَّى فريضة الحج أنه مستطيع مالاً وصحة، وما دام عنده مال فهو يُزكِّي، وما دام عنده صحة فهو يصوم، وهو بالطبع يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويؤدي الصلاة، وهكذا تمَّتْ له بالحج جميع أركان الإسلام. ثم يقول تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} [مريم: 59] هذه العبارة أخذها المتمحّكون الذين يريدون أنْ يدخلوا على القرآن بنقد، فقالوا: الغَيُّ هو الشر والضلال والعقائد الفاسدة، وهذه حدثتْ منهم بالفعل في الدنيا فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فكيف يقول: فسوف يلقوْنه في المستقبل؟ لكن المراد بالغيّ هنا أي: جزاء الغي وعاقبته. كما لو قُلْت: أمْطرتْ السماء نباتاً، فالسماء لم تُمطر النبات، وإنما الماء الذي يُخرِج النبات، كذلك غيّهم وفسادهم في الدنيا هو الذي جَرَّ عليهم العذاب في الآخرة. إذن: المعنى: فسوفَ يلقْونَ عذاباً وهلاكاً في الآخرة. ومع ذلك، فالحق - تبارك وتعالى - لرحمته بخَلْقه شرع لهم التوبة، وفتح لهم بابها، ويفرح بهم إنْ تابوا؛ لذلك فالذين اتصفُوا بهذه الصفات السيئة فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات لا ييأسون من رحمة الله، ما دام بابُ التوبة مفتوحاً. وفَتْح باب التوبة أمام العاصين رحمة يرحم الله بها المجتمع كله من أصحاب الشهوات والانحرافات، وإلاَّ لو أغلقنا الباب في وجوههم لَشقِيَ بهم المجتمع، حيث سيتمادَوْن في باطلهم وغَيِّهم، فليس أمامهم ما يستقيمون من أجله. والتوبة تكون من العبد، وتكون من الرب تبارك وتعالى، فتشريع التوبة وقبولها من الله وإحداث التوبة من العبد؛ لذلك قال تعالى: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ..}تفسير : [التوبة: 118] أي: شرعها لهم ليتوبوا فيقبل توبتهم، فهي من الله أولاً وأخيراً؛ لذلك يأتي هذا الاستثناء. {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} هو وادٍ فِي جَهنمَ مِن قَيحٍ يُقذَفُ فِيه الذينَ يَتّبعون الشَّهواتِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} [مريم: 59] به يشير إلى: التخلف من هؤلاء السادة الذين لم يهتدوا بهداهم، ولم يقتدوا على آثارهم، ووكلوا إلى أنفسهم، فأعرضوا عن الحق تعالى، وتركوا ظاهر أمره وباطنه {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ} [مريم: 59] أي: شهوات الدنيا ولذاتها على وفق هواهم وطبيعتهم النفسانية الحيوانية السبعية {فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} [مريم: 59] وهو الدرك الأسفل من جهنم البشرية. {إِلاَّ مَن تَابَ} [مريم: 60] أي: من تداركته العناية الأزلية فيتوب بالصدق إلى الحضرة {وَآمَنَ} [مريم: 60] إيماناً حقيقيّاً نوَّر الله به قلبه {وَعَمِلَ صَالِحاً} [مريم: 60] أي: أعمالاً تصلح قلبه للجذبات التي بها يدخل الجنة كقوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} [مريم: 60] الجنة جنة القرب {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} [مريم: 60] أي: على قدر صلاحية العمل وخلوصه يصلح القلب، وعلى قدر صلاحية القلب فيكون قابلاً للجذبات، وعلى قدر الجذبات تكون مقامات القربة بحيث لا ينقص منها شيء. ثم أخبر عن جنات القربات بقوله تعالى: {أية : مُخْلِصاً لَّهُ} تفسير : [الزمر: 11] في العبودية ولا يعبد الدنيا والنفس والهوى وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً} تفسير : [الفرقان: 63] وعدهم بالغيب؛ أي: يغيبهم عن الوجود قبل التكوين، كما أخبر بقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [التوبة: 111] أنه كان؛ أي: كان التقدير أن وعده ثانياً؛ أي: أتيا من العدم إلى الوجود، ثم وصف الجنة وأهلها بقوله: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} [مريم: 62] يعني: لا تكون الجنة محلاً للغو ولا أهل الجنة هم اللغو {إِلاَّ سَلاَماً} [مريم: 62] أي: تكون الجنة مقر السلامة ولهذا سمي دار السلام وأهلها أهل السلامة ولا يسمعون إلا السلام من أنفسهم، ومن الملائكة ومن الله، لأن {أية : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} تفسير : [يونس: 10] {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا} [مريم: 62] من رؤية الله تعالى {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62] كما جاء في الخبر، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية. ثم أخبر عن أهل الجنة بقوله: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا} [مريم: 63] أي: الذين لا يعبدون من دوننا {مَن كَانَ تَقِيّاً} [مريم: 63] يعني: جعلنا الجنة مسكناً ومأوى ومنزلاً لمن كان سيرته التقى عن المعاصي؛ لأنها أعدت للمتقين؛ يعني: من كان يتقي عن الدنيا وزخارفها وعن النفس وهواها وشهواتها، فالجنة له دار القرار وه من أهل الجنة لا يجاوزها لقوله تعالى: {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النازعات: 40] فإن الجنة هي المأوى، فأمَّا من كان يتقي عمَّا سوى الله فتكون الجنة ممره ولا مفره كقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 54-55] وهم أهل الله وخاصته الذين {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران: 102] فافهم جيداً. ثم أخبر عن تنزل أهل التمثل بقوله تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64] يشير إلى أن المقدورات كلها في علم الله وقدرته ينادون من سرادقات العزة إلى أهل العزة المتمنيين ما تهوى نفوسهم على وفق الطبيعة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا، فما نتنزل من مكان الغيب إلى عالم الشهود إلا بأمر ربك الذي {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} [مريم: 64] من التقدير الأزلي {وَمَا خَلْفَنَا} [مريم: 64] من التدبير الأبدي {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} [مريم: 64] من الأزل إلى الأبد {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64] أي: ناسياً لما قدر في الأزل تنزيله من المقدورات؛ ليتذكر بالناس ممن تنزيله فينزله، بل هو القادر العليم الحكيم الأزلي الأبدي ينزل ما يشاء متى يشاء لا معقب لحكمه ولا مقدم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى هؤلاء الأنبياء المخلصون المتبعون لمراضي ربهم، المنيبون إليه، ذكر من أتى بعدهم، وبدلوا ما أمروا به، وأنه خلف من بعدهم خلف، رجعوا إلى الخلف والوراء، فأضاعوا الصلاة التي أمروا بالمحافظة عليها وإقامتها، فتهاونوا بها وضيعوها، وإذا ضيعوا الصلاة التي هي عماد الدين، وميزان الإيمان والإخلاص لرب العالمين، التي هي آكد الأعمال، وأفضل الخصال، كانوا لما سواها من دينهم أضيع، وله أرفض، والسبب الداعي لذلك، أنهم اتبعوا شهوات أنفسهم وإراداتها فصارت هممهم منصرفة إليها، مقدمة لها على حقوق الله،.فنشأ من ذلك التضييع لحقوقه، والإقبال على شهوات أنفسهم، مهما لاحت لهم، حصلوها، وعلى أي: وجه اتفقت تناولوها. { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } أي: عذابا مضاعفا شديدا، ثم استثنى تعالى فقال: { إِلا مَنْ تَابَ } عن الشرك والبدع والمعاصي، فأقلع عنها وندم عليها، وعزم عزما جازما أن لا يعاودها، { وَآمَنَ } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، { وَعَمِلَ صَالِحًا } وهو العمل الذي شرعه الله على ألسنة رسله، إذا قصد به وجهه، { فَأُولَئِكَ } الذي جمعوا بين التوبة والإيمان، والعمل الصالح، { يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } المشتملة على النعيم المقيم، والعيش السليم، وجوار الرب الكريم، { وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا } من أعمالهم، بل يجدونها كاملة، موفرة أجورها، مضاعفا عددها. ثم ذكر أن الجنة التي وعدهم بدخولها، ليست كسائر الجنات، وإنما هي جنات عدن، أي: جنات إقامة، لا ظعن فيها، ولا حول ولا زوال، وذلك لسعتها، وكثرة ما فيها من الخيرات والسرور، والبهجة والحبور. { الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ } أي: التي وعدها الرحمن، أضافها إلى اسمه { الرَّحْمَنُ } لأن فيها من الرحمة والإحسان، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب [بشر]. وسماها تعالى رحمته، فقال: {أية : وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } تفسير : وأيضا ففي إضافتها إلى رحمته، ما يدل على استمرار سرورها، وأنها باقية ببقاء رحمته، التي هي أثرها وموجبها، والعباد في هذه الآية، المراد: عباد إلهيته، الذين عبدوه، والتزموا شرائعه، فصارت العبودية وصفا لهم كقوله: {أية : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ } تفسير : ونحوه، بخلاف عباده المماليك فقط، الذين لم يعبدوه، فهؤلاء وإن كانوا عبيدا لربوبيته، لأنه خلقهم ورزقهم، ودبرهم، فليسوا داخلين في عبيد إلهيته العبودية الاختيارية، التي يمدح صاحبها، وإنما عبوديتهم عبودية اضطرار، لا مدح لهم فيها. وقوله: { بِالْغَيْبِ } يحتمل أن تكون متعلقة ب { وَعَدَ الرَّحْمَنُ } فيكون المعنى على هذا، أن الله وعدهم إياها وعدا غائبا، لم يشاهدوه ولم يروه فآمنوا بها، وصدقوا غيبها، وسعوا لها سعيها، مع أنهم لم يروها، فكيف لو رأوها، لكانوا أشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة، وأكثر لها سعيا، ويكون في هذا، مدح له بإيمانهم بالغيب، الذي هو الإيمان النافع. ويحتمل أن تكون متعلقة بعباده، أي: الذين عبدوه في حال غيبهم وعدم رؤيتهم إياه، فهذه عبادتهم ولم يروه، فلو رأوه، لكانوا أشد له عبادة، وأعظم إنابة، وأكثر حبا، وأجل شوقا، ويحتمل أيضا، أن المعنى: هذه الجنات التي وعدها الرحمن عباده، من الأمور التي لا تدركها الأوصاف، ولا يعلمها أحد إلا الله، ففيه من التشويق لها، والوصف المجمل، ما يهيج النفوس، ويزعج الساكن إلى طلبها، فيكون هذا مثل قوله: {أية : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } تفسير : والمعاني كلها صحيحة ثابتة، ولكن الاحتمال الأول أولى، بدليل قوله: { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا } لا بد من وقوعه، فإنه لا يخلف الميعاد، وهو أصدق القائلين. { لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا } أي: كلاما لاغيا لا فائدة فيه، ولا ما يؤثم، فلا يسمعون فيها شتما، ولا عيبا، ولا قولا فيه معصية لله، أو قولا مكدرا، { إِلا سَلامًا } أي: إلا الأقوال السالمة من كل عيب، من ذكر لله، وتحية، وكلام سرور، وبشارة، ومطارحة الأحاديث الحسنة بين الإخوان، وسماع خطاب الرحمن، والأصوات الشجية، من الحور والملائكة والولدان، والنغمات المطربة، والألفاظ الرخيمة، لأن الدار، دار السلام، فليس فيها إلا السلام التام في جميع الوجوه. { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } أي: أرزاقهم من المآكل والمشارب، وأنواع اللذات، مستمرة حيثما طلبوا، وفي أي: وقت رغبوا، ومن تمامها ولذاتها وحسنها، أن تكون في أوقات معلومة. { بُكْرَةً وَعَشِيًّا } ليعظم وقعها ويتم نفعها، فتلك الجنة التي وصفناها بما ذكر { الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا } أي: نورثها المتقين، ونجعلها منزلهم الدائم، الذي لا يظعنون عنه، ولا يبغون عنه حولا كما قال تعالى: {أية : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 576 : 28 : 1 - سفين عن إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد في قوله {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}. قال، من هذه الأمة. [الآية 59]. 577 : 29 : 3 - سفين عن جابر عن مجاهد مثله. 578 : 30 : 4 - سفين عن الأوزاعي عن القسم بن مخيمرة في قوله {أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ} قال، تأخيرها عن مواقيتها. ولو تركوها، لكفروا. [الآية 59]. 579 : 31 : 26 - سفين عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله { فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} قال. واد في جهنم. أو نهر في جهنم. [الآية 59].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):