Verse. 2310 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

اِلَّا مَنْ تَابَ وَاٰمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًـا فَاُولٰۗىِٕكَ يَدْخُلُوْنَ الْجَــنَّۃَ وَلَا يُظْلَمُوْنَ شَـيْــــًٔا۝۶۰ۙ
Illa man taba waamana waAAamila salihan faolaika yadkhuloona aljannata wala yuthlamoona shayan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلا» لكن «من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون» ينقصون «شيئا» من ثوابهم.

60

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} يدل على أن الآي في الكفرة. {فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب على البناء للمفعول من أدخل. {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} ولا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم، ويجوز أن ينتصب {شَيْئاً} على المصدر، وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم هي جنات عدن، أي: إقامة التي وعد الرحمن عباده بظهر الغيب، أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله؛ كقوله: {أية : بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} تفسير : [المزمل: 18] أي: كائناً لا محالة، وقوله ههنا: {مَأْتِيّاً} أي: العباد صائرون إليه وسيأتونه، ومنهم من قال: {مَأْتِيّاً} بمعنى آتياً؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت علي خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى واحد. وقوله: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} أي: هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له كما قد يوجد في الدنيا. وقوله: {إِلاَّ سَلَـٰماً} استثناء منقطع كقوله: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً} تفسير : [الواقعة:25-26] وقوله: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أي: في مثل وقت البكرات ووقت العشيات، لا أن هناك ليلاً ونهاراً، ولكنهم في أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يتمخطون فيها، ولايتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين" من حديث معمر به. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال الضحاك عن ابن عباس: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال: مقادير الليل والنهار. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهم، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبداً، ولهم مقدار الليل والنهار، ويعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب، وبهذا الإسناد: عن الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة فقال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها فتكلم وتكلم فَتُهمْهِم، انفتحي انغلقي فتفعل، وقال قتادة في قوله: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} فيها ساعتان: بكرة، وعشي، ليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور، وقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشي، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. وقال الحسن وقتادة وغيرهما: كانت العرب الأنعم فيهم من يتغدى ويتعشى، فنزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم، فقال تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} وقال ابن مهدي عن حماد بن زيد عن هشام عن الحسن: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال: البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم ابن منصور بن عمار، حدثني أبي، حدثني محمد بن زياد قاضي أهل سَمْشَاط عن عبد الله بن جرير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله، فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من الزعفران» تفسير : قال أبو محمد: هذا حديث غريب منكر. وقوله: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة، هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ، والعافون عن الناس، وكما قال تعالى في أول سورة المؤمنين: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 1 - 2] إلى أن قال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [المؤمنون: 10 - 11].

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلاَّ } لكن {مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحاً فَأُوْلَٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ } ينقصون {شَيْئاً } من ثوابهم.

النسفي

تفسير : {إِلاَّ مَن تَابَ} رجع عن كفره {وَآمَنَ } بشرطه {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } بعد إيمانه{فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } بضم الياء وفتح الخاء: مكي وبصري وأبو بكر {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } أي لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم ولا يمنعونه بل يضاعف لهم أو لا يظلمون شيئاً من الظلم {جَنَّـٰتُ } بدل من {الجنة} لأن الجنة تشتمل على جنات عدن لأنها جنس أو نصب على المدح {عَدْنٍ } معرفة لأنها علم لمعنى العدن وهو الإقامة أو علم لأرض الجنة لكونها مقام إقامة {ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ } أي عباده التائبين المؤمنين الذين يعملون الصالحات كما سبق ذكرهم ولأنه أضافهم إليه وهو للاختصاص وهؤلاء أهل الاختصاص {بِٱلْغَيْبِ } أي وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها {إِنَّهُ} ضمير الشأن أو ضمير الرحمن {كَانَ وَعْدُهُ } أي موعوده وهو الجنة {مَأْتِيّاً } أي هم يأتونها {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا } في الجنة {لَغْواً } فحشاً أو كذباً أو ما لا طائل تحته من الكلام وهو المطروح منه، وفيه تنبيه على وجوب تجنب اللغو واتقائه حيث نزه الله عنه داره التي لا تكليف فيها {إِلاَّ سَلَـٰماً } أي لكن يسمعون سلاماً من الملائكة أو من بعضهم على بعض، أو لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة فهو استثناء منقطع عند الجمهور. وقيل: معنى السلام هو الدعاء بالسلامة ولما كان أهل دار السلام أغنياء عن الدعاء بالسلامة، كان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } أي يؤتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار من الدنيا إذ لا ليل ولا نهار، ثم لأنهم في النور أبداً وإنما يعرفون مقدار النهار برفع الحجب ومقدار الليل بإرخائها. والرزق بالبكرة والعشي أفضل العيش عند العرب فوصف الله جنته بذلك. وقيل أراد دوام الرزق كما تقول «أنا عند فلان بكرة وعشياً» تريد الدوام .

البقاعي

تفسير : ولما أخبر تعالى عنهم بالخيبة، فتح لهم باب التوبة، وحداهم إلى غسل هذه الحوبة، بقوله: { إلا من تاب} أي مما هو عليه من الضلال، بإيثار سفساف الأعمال، على أوصاف الكمال، فحافظ على الصلاة، وكف نفسه عن الشهوات {وءامن} بما أخذ عليه به العهد {وعمل} بعد إيمانه تصديقاً له {صالحاً} من الصلوات والزكاة وغيرها، ولم يؤكدهما لما أفهمته التوبة من إظهار عمل الصلاة التي هي أم العبادات {فأولئك} العالو الهمم، الطاهرو الشيم {يدخلون الجنة} التي وعد المتقون {ولا يظلمون} من ظالم ما {شيئاً *} من أعمالهم؛ ثم بينها بقوله: {جنات عدن} أي إقامة لا ظعن عنها بوجه من الوجوه {التي وعد الرحمن} الشامل النعم {عباده} الذين هو أرحم بهم من الوالدة بولدها؛ وعبر عنهم بوصف العبودية للإشعار بالتحنن، وعداً كائناً {بالغيب} الذي لا اطلاع لهم عليه أصلاً إلا من قبلنا، فآمنوا به فاستحقوا ذلك بفضله سبحانه على إيمانهم بالغيب. ولما كان من شأن الوعود الغائبة - على ما يتعارفه الناس بينهم - احتمال عدم الوقوع، بين أن وعده ليس كذلك بقوله: {إنه كان} أي كوناً هو سنة ماضية {وعده مأتيّاً *} أي مقصوداً بالفعل، فلا بد من وقوعه، فهو كقوله تعالى {أية : إن كان وعد ربنا لمفعولاً} تفسير : [الإسراء: 108]. ولما كانت الجنة دار الحق، وكان أنكأ شيء لذوي الأقدار الباطل، وكان أقل ما ينكأ منه سماعه، نفى ذلك عنها أبلغ وجه فقال: {لا يسمعون فيها لغواً} أي شيئاً ما من الباطل الذي لا ثمرة له. ولما كانت السلامة ضد الباطل من كل وجه، قال: {إلا} أي لكن {سلاماً} لا عطب معه ولا عيب ولا نقص أصلاً فيه، وأورد على صورة الاستثناء من باب قول الشاعر: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : ويحسن أن يراد باللغو مطلق الكلام؛ قال في القاموس: لغا لغواً: تكلم. أي لا يسمعون فيها كلاماً إلا كلاماً يدل على السلامة، ولا يسمعون شيئاً يدل على عطب أحد منهم ولا عطب شيء فيها. ولما كان الرزق من أسباب السلامة قال: {ولهم رزقهم} أي على قدر ما يتمنونه ويشتهونه على وجه لا بد من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا يمن عليهم به {فيها بكرة وعشياً *} أي دواماً، لا يحتاجون إلى طلبه في وقت من الأوقات، وفي تفسير عبد الرزاق عن مجاهد: وليس فيها بكرة ولا عشي، لكنهم يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. أي أنهم خوطبوا بما يعرفون كما أشار إليه تأخير الظرف إذ لو قدم لأوهم بعدهم عن ذلك بالجنة. ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل، أشار إلى علو رتبتها وما هو سببها بقوله: {تلك الجنة} بأداة البعد لعلو قدرها، وعظم أمرها {التي نورث} أي نعطي عطاء الإرث الذي لا نكد فيه من حين التأهل له بالموت ولا كد ولا استرجاع {من عبادنا} الذين أخلصناهم لنا، فخلصوا عن الشرك نية وعملاً {من كان} أي جبلة وطبعاً {تقياً *} أي مبالغاً في التقوى، فهو في غاية الخوف منا لاستحضاره أنه عبد؛ قال الرازي في اللوامع: وما تقرب أحد إلى ربه بشيء أزين عليه من ملازمة العبودية وإظهار الافتقار، والعبد يكون ذليلاً بأوصافه، عزيزاً بأوصاف الحق تعالى - انتهى. وذلك إشارة إلى سبب إيراثها التقوى. ولما كرر سبحانه الوصف بالتقى في هذه السورة ثلاث مرات، وختمه بأنه سبب للمقصود بالذات، وهو الراحة الدائمة بالوراثة لدار الخلد على وجه الإقامة المستمرة، وصفة الملك الذي لا كدر فيه بوجه ولا تخلف عن مراد، أتبعه ما بعده إشارة إلى ما تنال به التقوى، وهو الوقوف مع الأمر مراقبة للأمر على {أية : وبالحق أنزلناه} تفسير : [الإسراء: 105] لأنه لما كان العلم واقعاً بأن جميع سورة الكهف شارحة لمسألتين من مسائل قريش، وبعض سورة سبحان شارح للثالثة، ولطول الفصل صدرت قصة ذي القرنين بقوله { ويسألونك} إعلاماً بعطفها على مسألة الروح المصدرة بمثل ذلك، وجاءت سورة مريم كاشفة - تبكيتاً لأهل الكتاب الكاتمين للحق - عن أغرب من تلك القصص وأقدم زماناً وأعظم شأناً من أخبار الأنبياء المذكورين ومن أسرع التبديل بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فثبت بذلك أن هذا كله مرتب لإجابة سؤالهم وأنه كلام الله قطعاً، إذ لو كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم ما وعدهم الإجابة في الغد إلا وهو قادر عليها، لما هو معلوم قطعاً من رزانة عقله، وغزارة فطنته، ومتانة رأيه، ولو قدر على ذلك ما تركهم يتكلمون في عرضه بما الموت أسهل منه، لما علم منه من الشهامة والأنفة والبعد عما يقارب الشين، وبان بذلك أن الله سبحانه وعز شأنه ما أجمل أمر الروح ولا أخر الإجابة خمس عشرة ليلة أو أقل أو أكثر من عجز ولا جهل، وثبت بذلك كله وبما بين من صنعه لأهل الكهف ولذي القرنين وفي ولادة يحيى وعيسى وإسحاق عليهم الصلاة والسلام تمام قدرته المستلزم لكمال علمه، وكان الإخبار عن ذلك مطابقاً للواقع الذي ثبت بعضه بالنقل الصحيح وبعضه بأدلة العقل القاطعة، ثبت مضمون قوله تعالى { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} وأن هذا الكتاب قيم لا عوج فيه، فعطف عليه الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لجبرئيل عليه الصلاة والسلام " حديث : لقد أبطات عليّ يا جبرئيل حتى سؤت ظناً" تفسير : ونحوه مما ذكر في أسباب النزول، فقال على لسان جبرئيل عليه الصلاة والسلام: {وما نتنزل} أي أنا ولا أحد من الملائكة بإنزال الكتاب ولا غيره {إلا بأمر ربك} المحسن إليك في جميع الأمر في التقديم والتأخير لئلا يقع في بعض الأوهام أنه حق في نفسه، ولكنه نزل بغير أمره سبحانه، ووقع الخطاب مقترناً بالوصف المفهم لمزيد الإكرام تطييباً لقلبه صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه محسن إليه، ولفظ التنزل مشير إلى الإكرام، وهو التردد مرة بعد مرة ووقتاً غب وقت، ولا يكون إلا لذلك لأن النزول للعذاب يقتضي به الأمر في مثل لمح البصر، وكان هذا عقب ذكر القيامة بذكر الجنة كما كان المعطوف عليه عقب {أية : فإذا جاء وعد الآخرة } تفسير : [الإسراء: 7] وكما كان ختام مسائلهم بذكر الآخرة في قوله {أية : فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء} تفسير : [الكهف: 98] - إلى آخر السورة ليكون ذلك أشد تثبيتاً للبعث وأعظم تأكيداً، وإن استطلت هذا العطف مع بعد ما بين المعطوف والمعطوف عليه واستعظمته واستنكرته لذلك واستبعدته فقل: لما كشفت هذه السورة عن هذه القصص الغريبة، وكان المتعنتون ربما قالوا: نريد أن يخبرنا هذا الذي ينزل عليك بجميع أنباء الأقدمين وأخبار الماضين، قال جواباً عن ذلك أن قيل: ما أنزلنا عليك بأخبار هؤلاء إلا بأمر ربك، وما نتنزل فيما يأتي أيضاً إلا بأمر ربك؛ ثم علل ذلك بقوله: {له ما بين أيدينا} أي من المكان والزمان وما فيهما {وما خلفنا} من ذلك {وما بين ذلك} وهو نحن والمكان والزمان اللذان نحن بهما وما فوقه وتحته، ونحن نعلم ذلك ونعمل على حسب ما نعلم، فلا نتصرف في ملكه إلا بأمره {وما كان} على تقدير من التقادير {ربك نسياً *} أي ذا نسيان لشيء من الأشياء فيترك تفصيل أمر الروح، ويؤخر الجواب عن الوقت الذي وعدتهم فيه لخفاء شيء من ذلك عليه، ولا ينسى ما يصلحك فيحتاج إلى مذكر به، ولا ينسى أحداً منا فينزل في وقت نسيانه له بل هو دائم الاطلاع على حركتنا وسكناتنا، فنحن له في غاية المراقبة، وهو سبحانه يصرفنا بحسب الحكمة في كل وقت تقتضيه حكمته، لا يكون شيء من ذلك إلا في الوقت الذي حده له وأراده فيه، ولا يخرج شيء من الأشياء وإن دق عن مراده. ويجوز أن يقال في التعبير بصيغة فعيل أنه لا يتمكن العبد من الغيبة عن السيد بغير إذنه إلا أن كان بحيث يمكن أن يغفل وأن تطول غفلته وتعظم لكونه مجبولاً عليها، أو أنه لما استلبث الوحي في أمر الأسئلة التي سألوا عنها من الروح وما معها خمس عشرة ليلة أو أكثر أو أقل - على اختلاف الروايات، فكان ذلك موهماً للأغبياء أنه نسيان، وكان مثل ذلك لا يفعله إلا كثير النسيان، نفى هذا الوهم بما اقتضاه من الصيغة ونفى قليل ذلك وكثيرة في السورة التي بعدها ضماً لدليل العقل بقوله { أية : لا يضل ربي ولا ينسى} تفسير : [طه: 52] لما اقتضاه السياق، فأتى في كل أسلوب بما يناسبه مع الوفاء بما يجب من حق الاعتقاد، وهذه الآية مع { وبالحق أنزلناه} و {أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن} تفسير : [الإسراء: 88] مثل { أية : قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} تفسير : [ هود: 3] - الآيتين في سورة هود عليه السلام، على ما قدمت في بيانه غير أن ما جمع هناك فصل هنا في أول الجواب على أسئلتهم بآية { قل لئن اجتمعت} وأثنائه بآية {وبالحق أنزلناه} وآخره بهذه الآية، لتكون الآيات رابطة على هذه الأجوبة وتوابعها وضابطة لها كالشهب والحرس الشديد بالنسبة إلى السماء، فلا يبغيها متعنت من جهة من جهاتها كيداً إلا رد خاسئاً، ولا يرميها بقادح ألا كان رميه خاطئاً. ولما وصف سبحانه وتعالى بنفوذ الأمر واتساع العلم على وجه ثبت به ما أخبر به عن الجنة، فثبت أمر البعث، أتبع ذلك ما يقرره على وجه أصرح منه وأعم فقال مبدلاً من {ربك}: {رب السماوات والأرض} اللتين نحن من جملة ما فيهما من عباده {وما بينهما} منا ومن غيرنا من الأحياء وغيرها {فاعبده} بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي له من مثلك {واصطبر} أي اصبر صبراً عظيماً بغاية جهدك على كل ما ينبغي الاصطبار عليه كذلك {لعبادته} أي لأجلها فإنها لا تكون إلا عن مجاهدة شديدة؛ ثم علل ذلك بقوله: {هل تعلم له سمياً *} أي متصفاً بوصف من أوصافه اتصافاً حقيقياً، أو مسمى باسمه، العلمَ الواقع موقع لأنه لا مماثل له حتى ولا في مجرد الاسم، وإيراده بصورة الاستفهام كالدعوى بدليلها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً}. فأولئك الذين تداركتهْم الرحمةُ الأزليةُ، وسيبقون في النعم السرمدية. يستنجز الحقُّ لهم عِدَاتِهِم، ويُوَصِّلُهم إلى درجاتهم، ويُحَقِّق لهم ما وعدهم. {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً}: لأن ما أُتِيتَه فقد أتاك أو ما أَتَاكَ فقد أتيته. {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً}: فإِن أسماعَهم مصونةٌ عن سماعِ الأغيارِ، لا يسمعون إلا من اللَّهِ وبالله، فإن لم يكن ذلك فلا يسمعون إلا الله. قوله جلّ ذكره: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}. كانوا يعدون مَنْ عنده طعام البكرة والعشية مِنْ جملة المياسيرِ والأغنياءِ لكونهم فقراءَ؛ إنْ وجدوا غَداءَهم ففي الغالب يَعْدِمُونَ عشاءَهم، وإِنْ وجدوا عشاءَهم فَقَلَّما كانوا يجدون غداءَهم. ويقال في: {أية : وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ}تفسير : [النحل: 57]: بمقدار الغدو والعشي من الزمان في الجنة أي كالوقت. ثم إن الأرزاق تختلف في الجنة؛ فللأشباحِ رِزْقٌ من مطعومِ ومشروب، وللأرواحِ رزقٌ من سماعٍ وشهود، ولكلٍ - على قَدْرِ استحقاقه - قِسْطٌ معلوم.

اسماعيل حقي

تفسير : {الا من تاب} رجع من الشرك والمعاصى {وآمن} اختيار الايمان مكان الكفر {وعمل صالحا} بعد التوبة والندم {فاولئك} المنعوتين بالتوبة والايمان والعمل الصالح {يدخلون الجنة} بموجب الوعد المحتوم {ولا يظلمون} لا ينقصون من جزاء اعمالهم {شيئا} ولا يمنعونه فالظلم بمعنى النقص والمنع وشيئا مفعوله ويجوز ان يكون شيئا فى موضع المصدر اى ولا يظلمون البتة شيئا من الظلم.

الجنابذي

تفسير : {إِلاَّ مَن تَابَ} عن اتّباع الشّهوات فى الافعال {وَآمَنَ} بالبيعة العامّة او الخاصّة، او اذعن انّ الاعمال لها جهة آلهيّة وجهة نفسانيّة {وَعَمِلَ صَالِحاً} طبق ما اخذ عليه فى بيعته او عمل صالحاً يعنى بالامر الآلهى حتّى يصير صالحاً، واقامة للصّلٰوة لا اضاعةً او اتّباعاً للشّهوات {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} قرئ بضمّ الياء وفتح الخاء وبفتح الياء وضمّ الخاء {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} بنقص شيءٍ من ثواب اعمالهم.

الهواري

تفسير : قوله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أي: ولا ينقصون من حسناتهم شيئاً. قال عز وجل: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} ذكروا عن ابن عباس قال: عدن بطنان الجنة، وبلغنا أن الجنان تنسب إليها، وقال الحسن: عدن اسم من أسماء الجنة. قوله: {التِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبَادَهُ بِالغَيْبِ} أي: وعدهم في الدنيا الجنةَ في الآخرة، والغيب: الآخرة في قول الحسن. وقال بعضهم في قوله عز وجل: (أية : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) تفسير : [البقرة: 3] أي: بالبعث وبالحساب. وبالجنة وبالنار. وهذا كله غيب. وقال عز وجل: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأتِيّاً} أي جائياً. قوله: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا} أي في الجنة {لَغْواً} قال بعضهم: كذباً. وقال بعضهم: باطلاً، وقال بعضهم: معصية، وهو نحو واحد. وقال بعضهم: حَلِفاً، أي: إذا شربوا الخمر، كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا. قوله عز وجل: {إِلاَّ سَلاَماً} أي إلا خيراً. وقال بعضهم: يسلم بعضهم على بعض. قوله عز وجل: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال بعضهم: ولهم رزقهم فيها كل ساعة، والبكرة والعشي ساعتان من الساعات، وليس ثمَّ ليل، وإنما هو ضوء ونور. قال بعضهم: بلغنا أنه يعني ساعتي الغداء والعشاء، وليس ثمّ بكرة ولا عشية، قال: وبلغنا أنه إذا مضى ثلاث ساعات أتوا بغدائهم، وإذا انقضت ثلاث ساعات أتوا بعشائهم. ومقدار النهار اثنتا عشرة ساعة في عدد نهار الدنيا. ذكروا عن سعيد بن المسيّب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجنة بيضاء تتلألأ، وأهلها بيض، لا ينام أهلها، وليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل يظلم ولا حر ولا برد يؤذيهم ". تفسير : ذكر الحسن قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة آخرهم دخولاً، فيقال له: انظر ما أعطاك الله. فيفسح له في بصره، فينظر إلى مسيرة مائة سنة كله له. ليس فيه موضع شبر إلا وهو عامر قصور الذهب والفضة وخيام اللؤلؤ والياقوت. فيها أزواجه وخدمه، يغدى عليه كل يوم بسبعين ألف صحفة من ذهب، ويراح عليه بمثلها، في كل واحدة منها لون ليس في الأخرى؛ يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، لو نزل به الجن والإنس في غداء واحد، أو قال: في غداة واحدة، لأوسعهم، ولا ينقص ذلك مما عنده شيئاً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والذي نفسي بيده أسفل أهل الجنة منزلة الذي يسعى بين يديه سبعون ألف غلام، ما منهم غلام إلا وبيده صحفة من ذهب فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها مثله، يجد طعم أولها كله وآخرها ويجد لذة آخرها كطعم أولها لا يشبه بعضها بعضاً. ثم قال: ألا تسألوني عن أرفع أهل الجنة درجة؟ قالوا: بلى. قال: والذي نفسي بيده إن أرفع أهل الجنة درجة للذي يسعى عليه مائة ألف غلام، ما منهم غلام إلا وبيده صحفة من ذهب فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها مثله، ويجد طعم أولها كما يجد طعم آخرها، لا يشبه بعضها بعضاً. وإن أدنى أهل الجنة منزلة للذي له مسيرة ألف سنة، ينظر إلى أقصاها كما ينظر إلى أدناها، وقصوره درة بيضاء وياقوتة حمراء، مطردة فيها أنهارها، وفيها ثمارها متدلية ".

اطفيش

تفسير : {إلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالحِاً} والاستثناء متصل. وزعم بعض أنه منقطع. قيل: وآمن يدل على أن الآية فى المشركين. ولا دليل لما مر لجواز كون المراد بالإيمان تقويته وإصلاحه وكون المراد إلا من جمع التوبة والعمل الصالح والإيمان. {فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} مفعول مطلق أى ظلما أو مفعول له أى لا ينقص شئ من ثوابهم بل يضاعف ثوابهم. وقيل: المراد لا ظلم فى الجنة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب ببناء يدخلون للمفعول من الإدخال.

اطفيش

تفسير : {إِلاَّ مَن تابَ وآمن وعَمل صالحاً} الاستثناء متصل، فإن المعنى إلا من تاب من الإشراك وآمن الخ فإن الإيمان ظاهر فى أن ما قبل ذلك فى الإشراك بالآية كالمصر فى أن الخلف المضيعين للصلاة، المتبعين للشهوات، مشركون، إذ لا يقال فى الفاسق الموحد له الجنة إن آمن، بل يقال إن تاب وعمل صالحاً، إلا أن يقال: المراد من جمع بين التوبة والإيمان والعمل الصالح، أو يقال: المراد الإيمان الكامل، إلا أنهما خلاف الظاهر، وأنه يعنى عنه ذكر التوبة والعمل الصالح، وإن جعلنا ما قبل هذا فى الفساد الموحدين، كان الاستثناء منقطعاً، لأن قوله: {وآمن} يدل على تقدم الإشراك، وإن جعلناه فيهم وفى المشركين، كان الاستثناء متصلا باعتبار حصة المشركين، وقد يقال آمن بمعنى صلى فى مقابلة الصلاة كقوله تعالى: "أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم" تفسير : [البقرة: 143] أى صلاتكم، وعمل صالحا فى مقابلة اتبعوا الشهوات، فيكون الاستثناء متصلا إن كان ما قبل فى الموحدين الفاسقين، ومنقطعا إن كان فى المشركين، وهذا فى الموحدين. {فأولئك} الذين تابوا وآمنوا وعملوا صالحاً، {يدْخُلون الجنَّة} لم يقل سوف يدخلون الجنة لطفاً بهم {ولا يظْلَمون شَيئاً} لا يظلمون بنقص ثوابهم ظلماً أو لا ينقصون ثواب أعمالكم نقصاً ما، أو لا ينقص أعراضهم نقصاً ما، بل يعظمون، أو لا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم، والآية وأمثالها من القرآن، والأحاديث شرطت فى دخول الجنة العمل الصالح لم أمكنه، والتقوى، ومن آمن فمات أو جن قبل أن يكلف يفرض فله الجنة، وضل من تكلف وقال شرط العمل الصالح لدخولها بلا تسويف، أو لكون جنته طنة عدن، أو لعدم نقص شىء من ثوابه، وينقص لغيره، ويرده ما ورد فى القرآن وغيره من أنه من فعل كبيرة كترك فرض، فهو فى النار، إلا إن تاب، وكذا إن فعل كبيرة غير ترك إلا إن تاب، كمن زنى أو اغتاب، ومن تاب لم ينقص من ثوابه، بل تثبيت له أعماله الصالحة، وتبدل سيئاته حسنات، وكل جنة هى جنة إقامة لا يرحل عنها.

الالوسي

تفسير : {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } استثناء منقطع عند الزجاج. وقال في «البحر»: ظاهره الاتصال، وأيد بذكر الإيمان كون الآية في الكفرة أو عامة لهم ولغيرهم لأن من آمن لا يقال إلا لمن كان كافراً إلا بحسب التغليظ، وحمل الإيمان على الكامل خلاف الظاهر، وكذا كون المراد إلا من جمع التوبة والإيمان، وقيل: المراد من الإيمان الصلاة كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143] ويكون ذكره في مقابلة إضاعة الصلاة وذكر العمل الصالح في مقابلة اتباع الشهوات {فَأُوْلَٰئِكَ } المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } بموجب الوعد المحتوم، ولا يخفى ما في ترك التسويف مع ذكر أولئك من اللطف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب {يَدْخُلُونَ } بالبناء للمفعول من أدخل. وقرأ ابن غزوان عن طلحة «سيدخلون» بسين الاستقبال مبنياً للفاعل {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً أو لا ينقصون شيئاً من النقص، وفيه تنبيه على أن فعلهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم. واستدل المعتزلة بالآية على أن العمل شرط دخول الجنة. وأجيب بأن المراد يدخلون الجنة بلا تسويف بقرينة المقابلة وذلك بتنزيل الزمان السابق على الدخول لحفظهم فيه عما ينال غيرهم منزلة العدم فيكون العمل شرطاً لهذا الدخول لا للدخول مطلقاً، وأيضاً يجوز أن يكون شرطاً لدخول جنة عدن لا مطلق الجنة، وقيل هو شرط لعدم نقص شيء من ثواب الأعمال وهو كما ترى، وقيل غير ذلك. واعترض بعضهم على القول بالشرطية بأنه يلزم أن لا يكون من تاب وآمن ولم يتمكن من العمل الصالح يدخل الجنة. وأجيب بأن ذلك من الصور النادرة والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب فتأمل.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَآمَنَ} {صَالِحاً} {فَأُوْلَـٰئِكَ} (60) - إِلاَّ مَنْ تَدَارَكَ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَصِدْقِ الإِيمَانِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَرَجَعَ عَنْ تَرْكِ الصَّلاَةِ، وَعَنِ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، وَيُحْسِنُ عَاقِبَتَهُ، وَخِتَامَهُ، وَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، لأَِنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَلاَ يُنْقِصُهُ اللهُ شَيْئاً مِنْ ثَوابِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُتفسير : ). (أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وللتوبة شروط يجب مراعاتها، وهي: أن تُقلِع عن الذنب الذي تقع فيه، وأن تندم على ما بدر منك، وأنْ تنوي وتعزم عدم العودة إليه مرة أخرى. وليس معنى ذلك أنك إنْ عُدْتَ فلن تُقْبلَ منك التوبة، فقد تتعرض لظروف تُوقِعك في الذنب مرة أخرى. لكن المراد أنْ تعزم صادقاً عند التوبة عدم العَوْد، فإنْ وقعت فيه مرة أخرى تكون عن غير قَصْد ودون إصرار. وإلاّ لو دبرتَ لهذه المسألة فقُلْت: أذنب ثم أتوب، فمن يُدرِيك أن الله تعالى سيمهلك إلى أن تتوبَ؟ إذن: فبادر بها قبل فَوات أوانها. هذه - إذن - شروط التوبة إنْ كانت في أمر بين العبد وربه، فإنْ كانت تتعلق بالعباد فلا بُدَّ أنْ يتوفّر لها شرط آخر وهو رَدُّ المظالم إلى أهلها إنْ كانت ترد، أو التبرع بها في وجوه الخير على أنْ ينويَ ثوابها لأصحابها، إنْ كانت مظالم لا تُردُّ. ثم يقول تعالى بعدها: {وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ..} [مريم: 60] معنى: وآمن بعد أنْ تاب، تعني أن ما أحدثه من معصية خدش إيمانه، فيحتاج إلى تجديده. وهذا واضح في الحديث الشريف: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". تفسير : فساعةَ مباشرة هذه المعاصي تنتفي عن الإنسان صفة الإيمان؛ لأن إيمانه غاب في هذه اللحظة؛ لأنه لو استحضر الإيمان وما يلزمه من عقوبات الدنيا والآخرة ما وقع في هذه المعاصي. لذلك قال: (وَآمَنَ) أي: جدَّد إيمانه، وأعاده بعد توبته، ثم {وَعَمِلَ صَالِحاً ..} [مريم: 60] ليصلح به ما أفسده بفعل المعاصي. والنتيجة: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} [مريم: 60] وفي موضع آخر، كان جزاء مَنْ تاب وآمن وعمل صالحاً: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ..}تفسير : [الفرقان: 70]. فلماذا كُلُّ هذا الكرم من الله تعالى لأهل المعاصي الذين تابوا؟ قالوا: لأن الذي أَلِفَ الشهوة واعتاد المعصية، وأدرك لذَّته فيها يحتاج إلى مجهود كبير في مجاهدة نفسه وكَبْحها، على خلاف مَنْ لم يتعوّد عليها، لذلك احتاج العاصون إلى حافز يدفعهم ليعودوا إلى ساحة ربهم. لذلك قال سبحانه: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ..} [مريم: 60] دون أنْ يُعيَّروا بما فعلوه؛ لأنهم صَدَقُوا التوبة إلى الله {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} [مريم: 60] وبقدر ما تكون التوبة صادقة، والندم عليها عظيماً، وبقدر ما تلوم نفسَك، وتسكب الدمْع على معصيتك بقدر ما يكون لك من الأجر والثواب، وبقدر ما تُبدَّل سيئاتك حسناتٍ. وكُلُّ هذا بفضل الله وبرحمته. ثم يقول الحق سبحانه: {جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ...}.