Verse. 2311 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

جَنّٰتِ عَدْنِۨ الَّتِيْ وَعَدَ الرَّحْمٰنُ عِبَادَہٗ بِالْغَيْبِ۝۰ۭ اِنَّہٗ كَانَ وَعْدُہٗ مَاْتِيًّا۝۶۱
Jannati AAadnin allatee waAAada alrrahmanu AAibadahu bialghaybi innahu kana waAAduhu matiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«جنات عدن» إقامة بدل من الجنة «التي وعد الرحمن عباده بالغيب» حال، أي غائبين عنها «إنه كان وعده» أي موعده «مأتيا» بمعنى آتيا وأصله مأتوي أو موعوده هنا الجنة يأتيه أهله.

61

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في التائب أنه يدخل الجنة وصف الجنة بأمور: أحدها: قوله؛ {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ } والعدن الإقامة وصفها بالدوام على خلاف حال الجنان في الدنيا التي لا تدوم ولذلك فإن حالها لا يتغير في مناظرها فليست كجنان الدنيا التي حالها يختلف في خضرة الورق وظهور النور والثمر وبين تعالى أنها: وعد الرحمن لعباده وأما قوله: {بِٱلْغَيْبِ } ففيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى وعدهم إياها وهي غائبة عنهم غير حاضرة أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها. والثاني: أن المراد وعد الرحمن للذين يكونون عباداً بالغيب أي الذين يعبدونه في السر بخلاف المنافقين فإنهم يعبدونه في الظاهر ولا يعبدونه في السر وهو قول أبي مسلم. والوجه الأول: أقوى لأنه تعالى بين أن الوعد منه تعالى وإن كان بأمر غائب فهو كأنه مشاهد حاصل، لذلك قال بعده: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } أما قوله: {مَأْتِيّاً } فقيل إنه مفعول بمعنى فاعل والوجه أن الوعد هو الجنة وهم يأتونها، قال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه وما أتاك فقد أتيته والمقصود من قوله: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } بيان أن الوعد منه تعالى وإن كان بأمر غائب فهو كأنه مشاهد وحاصل والمراد تقرير ذلك في القلوب. وثانيها: قوله: { أية : لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلَـٰماً } تفسير : [مريم: 62] واللغو من الكلام ما سبيله أن يلغي ويطرح وهو المنكر من القول ونظيره قوله: { أية : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً } تفسير : [الغاشية: 11] وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو حيث نزه الله تعالى عنه الدار التي لا تكليف فيها وما أحسن قوله: { أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72]، { أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [القصص: 55] أما قوله: {إِلاَّ سَلَـٰماً } ففيه بحثان: البحث الأول: أن فيه إشكالاً وهو أن السلام ليس من جنس اللغو فكيف استثنى السلام من اللغو والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة وأهل الجنة لا حاجة بهم إلى هذا الدعاء فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وثانيها: أن يحمل ذلك على الاستثناء المنقطع. وثالثها: أن يكون هذا من جنس قول الشاعر: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : البحث الثاني: أن ذلك السلام يحتمل أن يكون من سلام بعضهم على بعض أو من تسليم الملائكة أو من تسليم الله تعالى على ما قال تعالى: { أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 23، 24] وقوله: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يسۤ: 58]. ورابعها: قوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } وفيه سؤالان: السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة. والجواب من وجهين: الأول: قال الحسن أراد الله تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا ولذلك ذكر أساور من الذهب والفضة ولبس الحرير التي كانت عادة العجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وكانت من عادة أشراف العرب في اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك. الثاني: أن المراد دوام الرزق كما تقول أنا عند فلان صباحاً ومساء وبكرة وعشياً تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين. السؤال الثاني: قال تعالى: { أية : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } تفسير : [الإنسان: 13] وقال عليه السلام: « حديث : لا صباح عند ربك ولا مساء » تفسير : والبكرة والعشي لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء. والجواب المراد أنهم يأكلون عند مقدار الغداة والعشي إلا أنه ليس في الجنة غدوة وعشي إذ لا ليل فيها ويحتمل ما قيل إنه تعالى جعل لقدر اليوم علامة يعرفون بها مقادير الغداة والعشي ويحتمل أن يكون المراد لهم رزقهم متى شاءوا كما جرت العادة في الغداة والعشي. وخامسها: قوله: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } وفيه أبحاث: الأول: قوله: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ } هذه الإشارة إنما صحت لأن الجنة غائبة. وثانيها: ذكروا في نورث وجوهاً الأول: نورث استعارة أي نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال المورث. الثاني: أن المراد أنا ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم فجعل هذا النقل إرثاً قاله الحسن. الثالث: أن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة وقد انقضت أعمالهم وثمراتها باقية وهي الجنة فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يرث الوارث المال من المتوفى. ورابعها: معنى من كان تقياً من تمسك باتقاء معاصيه وجعله عادته واتقى ترك الواجبات، قال القاضي: فيه دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً والفاسق المرتكب للكبائر لا يوصف بذلك. والجواب: الآية تدل على أن المتقي يدخلها وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها وأيضاً فصاحب الكبيرة متق عن الكفر ومن صدق عليه أنه متق عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق لأن المتقي جزء من مفهوم قولنا المتقي عن الكفر وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق عليه أنه متق وجب أن يدخل تحته فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.

البيضاوي

تفسير : {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بدل من الجنة بدل البعض لاشتمالها عليها، أو منصوب على المدح، وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وعدن لأنه المضاف إليه في العلم أو علم للعدن بمعنى الإِقامة كبرة ولذلك صح وصف ما أضيف إليه بقوله: {ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ } أي وعدها إياهم وهي غائبة عنهم، أو وهم غائبون عنها، أو وعدهم بإيمانهم بالغيب. {إِنَّهُ} إن الله. {كَانَ وَعْدُهُ} الذي هو الجنة. {مَأْتِيّاً } يأتيها أهلها الموعود لهم لا محالة، وقيل هو من أتى إليه إحساناً أي مفعولاً منجزاً. {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } فضول كلام. {إِلاَّ سَلَـٰماً } ولكن يسمعون قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، أو تسليم الملائكة عليهم أو تسليم بعضهم على بعض على الاستثناء المنقطع، أو على أن معنى التسليم إن كان لغواً فلا يسمعون لغواً سواه كقوله:شعر : وَلاَ عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكتَائِبِ تفسير : أو على أن معناه الدعاء بالسلامة وأهلها أغنياء عنه فهو من باب اللغو ظاهراً وإنما فائدته الإِكرام. {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } على عادة المتنعمين والتوسط بين الزهادة والرغابة، وقيل المراد دوام الرزق ودروره. {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما يبقى على الوارث مال مورثه، والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع، ولا تبطل برد ولا إسقاط. وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم، وعن يعقوب «نورث» بالتشديد. {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} حكاية قول جبريل عليه الصلاة والسلام حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه بأبطأ عليه خمسة عشر يوماً، وقيل أربعين يوماً حتى قال المشركون ودعه ربه وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك. والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل وقد يطلق بمعنى النزول مطلقاً كما يطلق نزل بمعنى أنزل، والمعنى وما ننزل وقتاً غب وقت إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته، وقرىء «وما يتنزل» بالياء والضمير للوحي. {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} تاركاً لك أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه. وقيل أول الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، والمعنى وما ننزل الجنة إلا بأمر الله ولطفه، وهو مالك الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضله وقوله {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تقرير من الله لقولهم أي وما كان ربك نسياً لأعمال العاملين وما وعد لهم من الثواب عليها وقوله: {رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} بيان لامتناع النسيان عليه، وهو خبر محذوف أو بدل من {ربك} {فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مرتب عليه، أي لما عرفت ربك لأنه لا ينبغي له أن ينساك، أو أعمال العمال فأقبل على عبادته واصطبر عليها ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفر، وإنما عدي باللام لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما يورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمحارب: اصطبر لقرنك. {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} مثلاً يستحق أن يسمى إلهاً أو أحداً سمي الله فإن المشتركين وإن سموا الصنم إلهاً لم يسموه الله قط، وذلك لظهور أحديته تعالى، وتعالى ذاته عن المماثلة بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة، وهو تقرير للأمر أي إذا صح أن لا أحد مثله ولا يستحق العبادة غيره لم يكن بد من التسليم لأمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {جَنَّٰتِ عَدْنٍ } إقامة، بدل من الجنة {ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ } حال، أي غائبين عنها {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ } أي موعوده {مَأْتِيّاً } بمعنى آتياً، وأصله «مَأْتَويٌّ» أو موعوده هنا الجنة يأتيه أهله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} فيه وجهان: أحدهما: الكلام الفاسد. الثاني: الخلف، قاله مقاتل. {إلاَّ سَلاَماً} فيه وجهان: أحدهما: إلا السلامة. الثاني: تسليم الملائكة عليهم، قاله مقاتل. {وَلَهُمْ رَزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشيًّاً} فيه وجهان: أحدهما: أن العرب إذا أصابت الغداء والعشاء نعمت، فأخبرهم الله أن لهم في الجنة غداء وعشاء، وإن لم يكن في الجنة ليل ولا نهار. الثاني: معناه مقدار البكرة ومقدار العشي من أيام الدنيا، قاله ابن جريج. وقيل إنهم يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وغلق الأبواب، ومقدار النهار. برفع الحجب وفتح الأبواب. ويحتمل أن تكون البكرة قبل تشاغلهم بلذاتهم، والعشي بعد فراغهم من لذاتهم، لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ}[61] يعني معاينة الحق بمعنى القرب الذي جعله بينه وبينهم، فيرى العبد قلبه في قرب الحق مشهوداً في غيب الغيب، وغيب الغيب هو نفس الروح وفهم العقل وفطنة المراد بالقلب، فإن نفس الروح موضع العقل، وهو موضع القدس، والقدس متصل بالعرش، وهو اسم من أسماء العرش، وجعل الله تعالى للنفس جزءاً من ألف جزء من الروح، بل أقل من ذلك، فإذا صارت إرادة الروح إرادة النفس أعطيا فيما بينهما الفطنة والذهن، والفطنة إمام الذهن، والفهم إمام الذهن، والفطنة حياة، والفهم عيش، وإنما يفهم الكلام رجلان: واحد يحب أن يفهم لكي يتكلم به في موضع، فليس له حظ منه إذ ذاك، وآخر يسمعه فيشغله العمل به عن غيره، وهذا أعز من الكبريت الأحمر، وأعز من كل عزيز، وهو في المتحابين في الله. والتفهم بكلف والفطنة لا تنال بالتكلف، وهو العمل بالإخلاص له، فإن لله تعالى عباداً في الجنة لو حجبوا عن اللقاء طرفة عين لاستغاثوا فيها كما يستغيث أهل النار في النار، لأنهم عرفوه، أفلا ترون إلى الكليم عليه السلام حيث لم يصبر عن رؤيته لما وجد حلاوة مناجاته حتى قال: "إلهي، ما هذا الصوت العيراني الذي غلب على قلبي منك؟ قد سمعت صوت الوالدة الشفيقة، وصوت الطير في الهواء، فما سمعت صوتاً أجلب لقلبي من هذا الصوت". وكان موسى عليه السلام بعد ذلك كلما رأى جبلاً أسرع إليه، وصعد عليه؛ شوقاً إلى كلامه جل جلاله. وقد كان رجل من بني إسرائيل لا يذهب موسى إلى مكان إلا مشى بحذائه، ولا يجلس مجلساً إلا جلس بحذائه، حتى تأذى موسى عليه السلام منه، قيل له: إنك أذيت نبي الله. قال: إنما أريد أن أنظر إلى الفم الذي كلّم الله به. فقال: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف:143] فقال: يا موسى، إنه لن يراني خليقة في الأرض إلا مات. فقال: "رب أرني أنظر إليك وأموت، أحب إلي من أن لا أنظر إليك وأحيى". فمن أخلص لله قلبه له فاشتاق إليه وصل إليه. وقد كان أبو عبيد الله الخواص يصيح ببغداد فيقول: أنا من ذكرك جائع لم أشبع، أنا من ذكرك عطشان لم أرو، واشوقاه إلى من يراني ولا أره، ثم يأتي دجلة وعليه ثياب فيرمي نفسه فيها، فيغوص في موضع ويخرج من موضع آخر وهو يقول: أنا من ذكرك جائع لم أشبع، أنا من ذكرك عطشان لم أرو، واشوقاه إلى من يراني ولا أراه، والناس على الشط يبكون. وجاء رجل إلى سهل يوماً والناس مجتمعون عليه فقال: يا أبا محمد انظر إيش عمل بك وإيش يوقع لك، فلم يؤثر ذلك على سهل، وقال: هو المقصود هو المقصود.

اسماعيل حقي

تفسير : {جنات عدن} بدل من الجنة بدل البعض لان الجنة تشتمل على جنات عدن وما بينهما اعتراض وجنات عدن علم لجنة مخصوصة كشهر رمضان وقد يحذف المضاف حيث يقال جاء رمضان وقيل جنات عدن علم لدار الثواب جميعها والعدن الاقامة وهو الانسب بمثل هذا المقام فان جنة عدن المخصوصة وجنة الفردوس لا يدخلهما العوام بالاصالة لانهما مقام المقربين {التى وعد الرحمن عباده} اى وعدها اياهم ملتبسة {بالغيب} اى وهى غائبة عنهم غير حاضرة او غائبين عنها لا يرونها وانما آمنوا بها بمجرد الاخبار والتعرض لعنوان الرحمة للايذان بان وعدها وانجازه لكمال سعة رحمته تعالى. وفى الاضافة اشارة الى ان المراد من يعبده مخلصا له فى العبودية لا يعبد الدنيا والنفس والهوى اذ كمال التشريف بالاضافة انما يحصل بهذا المعنى فله جنة عدن المخصوصة {انه} اى الله تعالى {كان وعده} اى موعوده الذى هو الجنة {مأتيا} اى يأتيه من وعد له لا محالة بغير خلف فالمأتى بمعنى المفعول من الاتيان او بمعنى الفاعل اى جائيا البتة.

الطوسي

تفسير : {جنات} فى موضع نصب بدلا من قوله "الجنة" فى قوله "يدخلون الجنة" وكان يجوز الرفع بتقدير هي جنات. والجنة البستان الذي يجنه الشجر، فاذا لم يكن فى البستان شجر، ويكون من خضرة، فهو روضة، ولا يسمى جنة. وانما قيل {جنات} على لفظ الجمع، لان كان واحد من المؤمنين له جنة تجمعها الجنة العظمى. والعدن الاقامة يقال: عدن بالمكان يعدن عدناً اذا أقام به. والاقامة كون بالمكان على مرور الازمان. والوعد الاخبار بما يتضمن فعل الخير، ونقيضه الوعيد، وهو الاخبار عن فعل الشر. وقد يقال: وعدته بالشر، ووعدته بالخير، وأوعدته بالشر. وأوعدته لا يكون إلا فى الشر، والمراد بالوعد - ها هنا - الموعود. ومعنى مأتيا مفعولا. ويجوز فى مثل هذا (آتياً) و (مأتياً) لأن ما أتيته، فقد اتاك وما أتاك فقد أتيته، كما يقال أتيت على خمسين سنة وأتت عليّ خمسون سنة. وقيل معناه إنه كقولك اتيت خير فلان وأتاني خير فلان. وقوله {بالغيب} معناه أن الجنة التي وعدهم بها ليست حاضرة عندهم بل هي غائبة. وقوله {لا يسمعون فيها لغواً} معناه لا يسمعون فى تلك الجنة القول الذي لا معنى له يستفاد، وهو اللغو. وقد يكون اللغو الهذر من الكلام. واللغو، واللغا بمعنى واحد قال الشاعر: شعر : عن اللغا ورفث التكلم تفسير : وقوله {إلا سلاماً} يعني لكن سلاماً وتحية من بعضهم لبعض، قال ابو عبيدة: تقديره لا يسمعون فيها لغواً إلا انهم يسمعون سلاماً. وقال الزجاج: المعنى لا يسمعون كلاماً يؤثمهم إلا كلاماً يسلمهم، فيكون استثناء منقطعاً. وقوله {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} قيل معناه في مقدار اليوم من أيام الدنيا، فذكر (الغداة والعشي) ليدل على المقدار، لانه ليس في الجنة ليل، ولا نهار. وقيل: انما ذكر ذلك، لأن اسلم الا كلات اكلة الغداة والعشي، فهو اسلم من الأكل دائماً أيّ وقت وجده، أو تكون اكلته واحدة. وقوله {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً} معناه انما نملك تلك الجنة من كان تقياً فى دار الدنيا بترك المعاصي، وفعل الطاعات. وانما قال {نورث} مع انه ليس بتمليك نقل من غيرهم اليهم، لأنه مشبه بالميراث من جهة أنه تمليك بحال استؤنفت عن حال قد انقضت من أمر الدنيا، كما ينقضي حال الميت من أمر الدنيا. وقيل: انه أورثهم من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا. وقوله {وما نتنزل إلا بأمر ربك} قيل في معناه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) استبطأ جبرائيل (ع) فقال "حديث : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا" تفسير : فاتاه بهذا الجواب وحياً من الله بأنا لانتنزل إلا بأمر الله، وهو قول ابن عباس والربيع وقتادة والضحاك ومجاهد وابراهيم. وقوله {له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك} قال ابن عباس والربيع وقتادة والضحاك وأبو العالية: له ما بين أيدينا: الدنيا، وما خلفنا: الآخرة، وما بين ذلك: ما بين النفختين. وقوله {وما كان ربك نسياً} أي ليس الله تعالى ممن ينسى ويخرج عن كونه عالماً، لانه عالم لنفسه، وتقديره - ها هنا - وما نسيك وإن أخر الوحي عنك. وقوله {رب السماوات والأرض} معناه إن الله تعالى هو المالك المتصرف فى السموات والارض، ليس لأحد منعه منه {وما بينهما} يعني وله ما بين السموات والارض. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {فاعبده} وحده لا شريك له {واصطبر لعبادته} أي اصبر على تحمل مشقة عبادته، وقال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {هل تعلم له سمياً} أي مثلا وشبهاً. وهو قول ابن عباس ومجاهد وابن جريج. وقيل المعنى انه لا يستحق احد ان يسمى إلهاً إلا هو. ومن أدغم اللام فى التاء، فلان مخرج اللام قريب من مخرج التاء. وقال ابو علي: ادغام اللام في الطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين جائز لقرب مخرج بعضها من بعض.

الجنابذي

تفسير : {جَنَّاتِ عَدْنٍ} بدلٌ من الجنّة ولا منع فى ابدال الجمع عن المفرد اذا كان المفرد فى معنى الجمع، او منصوب بفعلٍ محذوفٍ مقطوع عن التّبعيّة للمدح، والجنّات طبقات وكلّ طبقةٍ منهما جنّات، وجنّة عدن آخرة الجنّات الّتى لا تجاوز عنها لمن وصل اليها؛ ولذلك سمّيت بجنّة عدنٍ فانّ العدن بمعنى الاقامة بخلاف سائر الجنّات فانّها ليست محلّ اقامة لكلّ من وصل اليها {ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ} حال كون الجنّات بالغيب، او حال كون الرّحمن بالغيب، او حال كون العباد بالغيب من الله بمعنى كون الله غائباً عنهم {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} جواب سؤالٍ ناشٍ من قوله فاولئك يدخلون الجنّة او من قوله وعد الرّحمن عباده.

اطفيش

تفسير : {جَنَّاتِ عَدْنٍ} إقامة: نوع من الجنان بدل من الجنة بدل شئ من شئ بناء على أن المراد بالجنة هذه الجنات ولو كان لفظ الجنة حقيقة فى كل الجنات كما تقول: أكرمت الإنسان: زيدا وَعمرا وبكرا، أو بناء على أن الجنة حقيقة الجنة مطلقا وكذا جنات عدن، فالجنة كلها جنات عدن. وإن أريد بالجنة الحقيقة مطلقا وبجنات عدن نوع فبدل بعض أى جنات عدن منها. وعن بعض: أن جنات بدل كل من بعض وليس بشئ. وإذا قلنا: جنات عَلَم لإضافته لعدن الذى هو عَلَم على الإقامة، أو أرض فى الجنة، فلا إشكال فى إبدال جنات من الجنة. وإذا قلنا: إنه نكرة وعدن نكرة بمعنى إقامة فإنما أبدلت النكرة من المعرفة لتخصيصها بالإضافة كما إذا خصصت بالصفة. وزعم بعض أنها لا تبدل منها إلا إن وصفت. والصواب وصفها وإضافتها، وعملها، كل ذلك ونحوه مسوغ لإبدالها، أو أبدلت من الجنة؛ لأن أل فى الجنة للجنس فكأنه نكرة. وهذا على ما اشتهر. وإن قلت: ما معنى قول القاضى: وعدن عَلَم لأنه المضاف إليه فى العلم؟ قلت: سألنى عنه بعض الطلبة فظهر لى - والله أعلم - أن مراده أن عَدْنا علَم لأرض الإقامة، وهى أرض الجنة وأن عدنا هو المضاف إليه وفى جملة العلَم المركب، فإن العلَم المركب من المتضايفين هو من حيث التعريف مجموع الجزءين ولو كان الإعراب على الجزء الأول، ويخفض الثانى بالإضافة. وإذا كان عدن هو المضاف إليه فى العلم المركب من المتضايفين فهو علم؛ لأن العلَم المركب منهما يكون الثانى أبدا علَماً، كعبد الله علماً لرجل، وزين للعابدين. وإذا قلنا: إنه علَم لأرض الإقامة وهى أرض الجنة أو أرض منها فعلَم شخص. وإذا قلنا: إنه علَم للإقامة فعلم جنس. وقال شيخ الإسلام: مراد القاضى بقوله: فى العلَم فى باب العلَم. وقرئ جنات عدن وجنة عدن برفعهما على الخبرية لمحذوف؛ أى هى جنات عدن أو جنة عدن أو على الابتدائية وخبره التى. ويجوز فى قراءة النصب تقدير أعنى أو أمدح. {الَّتِى} نعت لجنات إن قلنا: تعرَّف بالإضافة لعدن بناء على أن عدنا علَم. وإن قلنا: إن عدنا نكرة فجنات نكرة فالتى بدل من جنات لجواز إبدال المعرفة من نكرة مخصوصة، فلا دليل فى الآية على أن عدنا معرفة، وأنه لولا تعريفه لما وصفت جنات بالمعرفة. {وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ} المتقين والرابط محذوف أى وعدها. {بِالْغَيْبِ} أى فى الغيوبة حال من التى أو من الرابط، أى وعدها إياهم، وهى غائبة عنهم؛ لأنها فى الحال الآخرة، أو حال من عباد أى وهم غائبون عنها والباء للسببية متعلقة بوعد، أى وعدهم لأجل الغيب، أى لإيمانهم بالغيب. {إنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} اسم مفعول أى يأتيه عباده ويصلونه. أصله مأتوى بوزن مضروب، قلبت الواو ياء وأدغمت، وقلبت الضمة كسرة. كذا ظهر لى. وقيل: هو اسم مفعول بمعنى اسم فاعل أى آتيا. وهو بعيد من جهة الصناعة، وخلاف الأصل ولو اعتمده الصفاقسى. وقيل: ذلك من باب القلب. والوعد بمعنى الموعود به، وهو الجنة.

اطفيش

تفسير : {جنَّات عدنٍ} كل الجنات الثمانى جنات عدن، ألا ترى أنه جمعها فلو كان اسماً لواحدة منها لم تجمع فقد ذكر الجنة أولا باسم مفرد مراد به الجنس، وجمعها ثانياً بياناً بأن كل واحدة من ذلك الجنس جنة عدن، وما ورد من أن جنة عدن اسم لواحدة منها غير مراد فى القرآن وكل جنة عدن فى القرآن عامة، وهو بدل من الجنة، أو عطف بيان بالنكرة للمعرفة على قول جواز ذلك، ولا نسلم أن عدناً علم للإقامة فيكون جنة معرفة لإضافته إليه، إذ لا دليل على تلك العلمية، وذلك بل كل، ولا نسلم اشتراط وصف النكرة فى إبدالها بدل كل من المعرفة فائدة واشترط أبو على إفادتها فائدة لم يفدها المبدل منه، وقد أفادت العذر ولم يكن فى لفظ الجنة، ولا حاجة الى دعوى نصب جنات على المدح. {التى وَعَد الرَّحمن عبادهُ بالغَيْب} نعت الجنة، والموصول المقرون بأل ينعت به كالمنشق، أو بدل من جنات عدن على جواز إبدال المشتق، أو ما فى تأويله، وبالغيب متعلق بحال محذوفة جوازاً كون خاص من هاء وعدها المحذوفة، أى ملتبسة بالغيب غير حاضرة لهم، أو من عباد أى متلبسين بالغيب، غير مبصرين لها، فالباء للمصاحبة، أو تعلق بوعد فتكون للسببية على حذف مضاف، أى بتصديق الغيب، أو بإيمان الغيب، أو متعلق بعباده على معنى الذين يعبدونه بالغيب، أى فى السر كما يعبدونه فى الجهر. {إِنَّه كان وعْدُه مأتياً} إن الرحمن أو الشأن والمعنى موعوده الذى هو الجنة، أو كل ما وعد فيشمل بالأولى الجنة لمن آمن وتاب وعمل صالحاً، ومأتياً اسم مفعول أصله مأتوياً، قلبت الواو ياء وأدغمت فى فى الياء، وكسر ما قبلها، أى يأتيه الذين تابوا وآمنوا وعملوا صالحاً، وما وعد لك يصدق أنك تأتيه أى تستقبله حتى تصله، كما يصدق أنه يأتيك، ولا حاجة الى دعوى أنه اسم مفعول بمعنى اسم فاعل، ولا الى دعوى أنه من قولهم أنه أتى إليه إحساناً، أى فعل ما يعد إحساناً، وأن الوعد على ظاهره من المصدرية، وأن معنى كونه مفعولا أنه منجز، لأن فعل الوعد بمعنى صدوره وإيجاده، إنما هو تنجيزه، أى أنه كان وعد عباده منجزاً.

الالوسي

تفسير : {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بدل من {أية : ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [مريم: 60] بدل البعض لاشتمالها عليها اشتمال الكل على الجزء بناءً على ما قيل: إن {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } علم لإحدى الجنات الثمان كعلمية ـ بنات أوبر ـ. وقيل: إن العلم هو جنة عدن إلا أنه أقيم الجزء الثاني بعد حذف الأول مقام المجموع كما في شهر رمضان فكان الأصل جنات جنة عدن. والذي حسن هذه الإقامة أن المعتبر علميته في المنقول الإضافي هو الجزء الثاني حتى كأنه نقل وحده كما قرر في موضعه من «كتب النحو» المفصلة. وفي «الكشف» إذا كانت التسمية بالمضاف والمضاف إليه جعلوا المضاف إليه في نحوه مقدر العلمية لأن المعهود في كلامهم في هذا الباب الإضافة إلى الإعلام والكنى فإذا أضافوا إلى غيرها أجروه مجراها كأبـي تراب ألا ترى أنهم لا يجوزون إدخال اللام في ابن دأية وأبـي تراب ويوجبونه في نحو امرىء / القيس وماء السماء كل ذلك نظراً إلى أنه لا يغير من حاله كالعلم إلى آخر ما فيه. ويدل على ذلك أيضاً منعه من الصرف في ـ بنات أوبر وأبـي قترة وابن دأية ـ إلى غير ذلك فجنات عدن على القولين معرفة أما على الأول فللعلمية، وأما على الثاني فللإضافة المذكورة وإن لم يكن عدن في الأصل علماً ولا معرفة بل هو مصدر عدن بالمكان يعدن ويعدن أقام به. واعتبار كون عدن قبل التركيب علماً لإحدى الجنات يستدعي أن تكون الإضافة في جنة عدن من إضافة الأعم مطلقاً إلى الأخص بناءً على أن المتبادر من الجنة المكان المعروف لا الأشجار ونحوها وهي لا تحسن مطلقاً بل منها حسن كشجر الأراك ومدينة بغداد ومنها قبيح كإنسان زيد ولا فارق بينهما إلا الذوق وهو غير مضبوط. وجوز أن يكون «عدن» علماً للعدن بمعنى الإقامة كسحر علم للسحر وأمس للأمس وتعريف «جنات» عليه ظاهر أيضاً، وإنما قالوا ما قالوا تصحيحاً للبدلية لأنه لو لم يعتبر التعريف لزم إبدال النكرة من المعرفة وهو على رأي القائل لا يجوز إلا إذا كانت النكرة موصوفة وللوصفية بقوله تعالى: {ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ } وجوز أبو حيان اعتبار {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } نكرة على معنى جنات إقامة واستقرار وقال: إن دعوى ان عدناً علم لمعنى العدن يحتاج إلى توقيف وسماع من العرب مع ما في ذلك مما يوهم اقتضاء البناء. وكذا دعوى العلمية الشخصية فيه. وعدم جواز إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة شيء قاله البغداديون وهم محجوجون بالسماع. ومذهب البصريين جواز الإبدال وإن لم تكن النكرة موصوفة وقال أبو علي: يجوز ذلك إذا كان في إبدال النكرة فائدة لا تستفاد من المبدل منه مع أنه لا تتعين البدلية لجواز النصب على المدح، وكذا لا يتعين كون الموصول صفة لجواز الإبدال اهـ بأدنى زيادة. وتعقب إبدال الموصول بأنه في حكم المشتق. وقد نصوا على أن إبدال المشتق ضعيف. ولعل أبا حيان لا يسلم ذلك. ثم إنه جوز كون {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بدل كل وكذا جوز كونه عطف بيان. وجملة {أية : لاَ يُظْلَمُونَ } تفسير : [مريم: 60] على وجهي البدلية. والعطف اعتراض أو حال. وقرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى بن عمر والأعمش وأحمد بن موسى عن أبـي عمرو {جنـٰت عدن } بالرفع، وخرجه أبو حيان على أنه خبر مبتدأ محذوف أي تلك جنات، وغيره على أنها مبتدأ والخبر الموصول. وقرأ الحسن بن حي وعلي بن صالح {جنـة عدن } بالنصب والإفراد ورويت عن الأعمش وهي كذلك في مصحف عبد الله. وقرأ اليماني والحسن في رواية. وإسحاق الأزرق عن حمزة {جنة عدن} بالرفع والإفراد والعائد إلى الموصول محذوف أي وعدها الرحمن، والتعرض لعنوان الرحمة للإيذان بأن وعدها وإنجازه لكمال سعة رحمته سبحانه وتعالى. والباء في قوله عز وجل: {بِٱلْغَيْبِ } للملابسة وهي متعلقة بمضمر هو حال من العائد أو من {عِبَادِهِ } أي وعدها إياهم ملتبسة أو ملتبسين بالغيب أي غائبة عنهم غير حاضرة أو غائبين عنها لا يرونها أو للسببية وهي متعلقة بوعد أي وعدها إياهم بسبب تصديق الغيب والإيمان به، وقيل: هي صلة {عِبَادِهِ } على معنى الذين يعبدونه سبحانه بالغيب أي في السر وهو كما ترى {إِنَّهُ } أي الرحمن، وجوز كون الضمير / للشأن {كَانَ وَعْدُهُ } أي موعوده سبحانه وهو الجنات كما روي عن ابن جريج أو موعوده كائناً ما كان فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً كما قيل، وجوز إبقاء الوعد على مصدريته وإطلاقه على ما ذكر للمبالغة. والتعبير بكان للإيذان بتحقق الوقوع أي كان ذلك {مَأْتِيّاً } أي يأتيه من وعد له لا محالة، وقيل: {مَأْتِيّاً } مفعول بمعنى فاعل أي آتياً، وقيل: هو مفعول من أتى إليه إحساناً أي فعل به ما يعد إحساناً وجميلاً والوعد على ظاهره. ومعنى كونه مفعولاً كونه منجزاً لأن فعل الوعد بعد صدوره وإيجاده إنما هو تنجيزه أي إنه كان وعده عباده منجزاً.

الشنقيطي

تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه وعد عباده المؤمنين المطيعين جنات عدن. ثم بين أن وعده مأتي. بمعنى أنهم يأتونه وينالون من وعدوا به. لأنه جل وعلا لا يخلف الميعاد. وأشار لهذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}تفسير : [الروم: 6] الآية. وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}تفسير : [الرعد: 31]، وقوله: {أية : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ}تفسير : [آل عمران: 194-195] الآية، وقوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}تفسير : [الإسراء: 107-108]، وقوله تعالى:{أية : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً}تفسير : [المزمل: 17-18]، وقوله تعالى: {أية : أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً}تفسير : [الفرقان: 15-16] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: {مأتياً} اسم مفعول أتاه إذا جاءه. والمعنى: أنهم لا بد أن يأتون ما وعدوا به. خلافاً لمن زعم أن {مأتياً} صيغة مفعول أريد بها الفاعل. أي كان وعده آتياً، إذ لا داعي لهذا مع وضوح ظاهر الآية. تنبيه مثل بعض علماء البلاغة بهذه الآية لنوع من أنواع البدل. وهو بدل الكل من البعض، قالوا: {جنات عدن} بدل من الجنة في قوله: {أولئك يدخلون الجنة} بدل كل من بعض. قالوا: ومن أمثلة بدل الكل من البعض قوله: شعر : رحم الله أعظماً دفنوها بسجستان طلحة الطلحات تفسير : "فطلحة" بدل من قوله "أعظماً" بدل كل من بعض. وعليه فأقسام البدل ستة: بدل الشيء من الشيء. وبدل البعض من الكل. وبدل الكل من البعض. وبدل الاشتمال. وبدل البداء. وبدل الغلط. قال مقيدة عفا الله عنه: ولا يتعين عندي في الآية والبيت كون البدل بدل كل من بعض، بل يجوز أن يكون بدل الشيء من الشيء، لأن الألف واللام في قوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [مريم: 60] للجنس، وإذا كان للجنس جاز أن يراد بها جميع الجنات، فيكون قوله: {جنات عدن} بدلاً من {الجنة} بدل الشيء من الشيء، لأن المراد بالأول الجمع كما تقدم كثير من أمثلة ذلك. والأعظم في البيت كناية عن الشخص، "فطلحة" بدل منه بدل الشيء من الشيء، لأنهم يدفنوا الأعظم وحدها بل دفنوا الشخص المذكور جميعه، أعظمه وغيرها من بدنه، وعبر هو عنه بالأعظم.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَنَّاتِ} (61) - وَالْجَنَّاتُ الَّتِي يُدْخِلُهَا اللهُ تَعَالَى التَّائِبِينَ، هِيَ جَنَّاتُ الإِقَامَةِ الدَّائِمَةِ (جَنَّاتِ عَدْنٍ)، التِي وَعَدَ اللهُ عِبَادَهُ المُتَّقِينَ بِهَا، وَهِيَ مِنَ الغَيْبِ الذِي يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَلَمْ يَرَوْهُ، وَإِنَّمَا آمَنُوا بِهِ بِسَبَبِ إِيمَانِهِمْ بِاللهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ بِمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُخْلِفُ وَعْدَهُ أَبَداً، فَإِنَّ مَا يَعِدُهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ سَيَحْصُلُ، وَسَيَصِلُ إِلَى العِبَادِ (أَوْ سَيَأْتِيهِ العِبَادُ - وَالعَرَبُ تَقُولُ كُلُّ مَا أَتَاكَ فَقَدْ أَتَيْتَهُ، أَيْ إِنَّ مَأْتِيّاً وَآتِيَاً بِمَعْنَى وَاحِدٍ). مَأْتِيّاً - آتِياً أَوْ مُنْجَزاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ ..} [مريم: 61] أي: إقامة دائمة؛ لانك قد تجد في الدنيا جنات، وتجد أسباب النعيم، لكنه نعيم زائل، إمّا أنْ تتركه أو يتركك. إذن: فكُلُّ نعيم الدنيا لا ضامنَ له. وجنات عَدْن ليست هي مساكن أهل الجنة، بل هي بساتين عمومية يتمتع بها الجميع، بدليل أن الله تعالى عطف عليها في آية أخرى (وَمَسَاكِنَ طَيِّبةً) في قوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ..}تفسير : [التوبة: 72]. وقوله: {ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ ..} [مريم: 61] والوعْد: إخبار بخير قبل أوانه؛ ليشجع الموعود على العمل لينالَ هذا الخير، وضِدّه الوعيد: إخبار بشَرٍّ قبل أوانه ليحذره المتوعد، ويتفادى الوقوع في أسبابه. واختبار هنا اسم الرحمن ليُطمئِنَ الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي أن ربهم رحمن رحيم، إنْ تابوا إليه قبلهم، وإنْ وعدهم وَعْداً وَفَى. وقد وعدنا الله تعالى في قرآن فآمنّا بوَعده غيْباً {وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ ..} [مريم: 61]. وحجة الإيمان بالغيب فيما لم يوجد بعد المشهد الذي نراه الآن، فالكون الذي نشاهده قد خُلِق على هيئة مُهندسةٍ هندسةً لا يوجد أبدعُ منها، فالذي خلق لنا هذا الكون العجيب المتناسق إذا أخبرنا عن نعيم آخر دائم في الآخرة، فلا بُدَّ أن نُصدِّق، ونأخذ من المشاهدَ لنا دليلاً على ما غاب عَنَّا؛ لذلك نؤمن بالآخرة إيماناً غيبياً ثقةً مِنَّا في قدرته تعالى التي رأينا طَرَفاً منها في الدنيا. ثم يقول تعالى: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} [مريم: 61] فما دام الرحمن - تبارك وتعالى - هو الذي وعد، فلا بُدَّ أن يكون وعدُه (مَأْتِياً) أي: مُحقّقاً وواقعاً لا شَكَّ فيه، ووعْده تعالى لا يتخلَّف و (مَأْتِياً) أى نأتيه نحن، فهي اسم مفعول. وبعض العلماء يرى أن (مَأتِياً) بمعنى آتياً، فجاء باسم المفعول، وأراد اسم الفاعل، لكن المعنى هنا واضح لا يحتاج إلى هذا التأويل؛ لأن وعد الله تعالى مُحقَّق، والموعود به ثابت في مكانه، والماهر هو الذي يسعى إليه ويسلك طريقه بالعمل الصالح حتى يصل إليه. ثم يقول الحق سبحانه عن أهل الجنة في الجنة: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} معناه قصرٌ فِي الجَنةِ لاَ يَدخُلهُ إِلاَّ نبي، أَو وصي، أو شهيدٌ، أو حَكمُ عَدلٍ. تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} معناه دعوةٌ سَريعةُ الإِجَابةِ.