١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } من الكلام {إِلاَّ } لكن يسمعون {سَلَٰماً } من الملائكة عليهم، أو من بعضهم على بعض {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } أي على قدرهما في الدنيا، وليس في الجنة نهار ولا ليل، بل ضوء ونور أبداً.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَغْواً} كلاماً فاسداً، أو خُلفاً {سَلاماً} سلامة، أو تسليم الملائكة عليهم {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} كان يعجبهم إصابة الغذاء والعشاء فأُخبروا أن ذلك في الجنة، أو أراد مقدار البكرة والعشي من أيام الدنيا، قيل: يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وغلق الأبواب، ومقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [الآية: 62]. قال محمد بن عيسى الهاشمى: رد الأشباح إلى قيمها من المطعم والمشرب بكرة وعشيًا ونزه الأرواح والأسرار عن ذلك بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} تفسير : [الدخان: 51]. وهو مقام لا ينزله إلا من كان ظاهر الأمانة سرًا وعلانية.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} الرزق هناك حقيقة كشف مشاهدة الحق ورؤية جماله ووجدان وصاله فكل وقت ينكشف جماله لهم فذلك الوقت بكرتهم واذا جاء وقت ارخاء الحجب يرونه قبل ذلك وهذا العموم المريدين والمؤمنين فاما العارفون والمحبون والمشتاقون والموحدون فهم فى منازل وصاله وكشف جماله بالسرمدية ولا ينقطعون عنه لمحة ولو احتجبوا لحظة لماتوا فى الجنة من فوت ذلك الحال ولو بقى اهل الجنة فى مشاهدة الحق على الدوام لذابوا من صولة سطوات جلاله وجماله قال أبو يزيد قدس الله روحه لو احتجبت فى الجنة عن لقائه لمحة النفس العيش على اهل الجنة قال محمد بن عيسى الهاشمى ردّ الاشباح الى قيمتها من المطعم والمشرب بكرة وعشيا وتزاد والارواح والاسرار عن ذلك بقوله ان المتقين فى مقام امين وهو مقام لا ينزله الا من كان ظاهره الامانة سر او علنا ثم بين سبحانه ان تلك الجنة والمشاهدة الكريمة الازلية ---- متبرئا بهمته عن الكونين وبسره عن الدارين وبعقله عن العالمين وبحقيقته عن نفسه وعن جميع الخلائق بقوله {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} الجنات هى منازل شتى جنة المحبة وجنة المعرفة وجنة التوحيد وجنة رؤية انوار الفعل وحكم الغيب فيها واسرار المقادي وجنة منها رؤية انوار الصفات ومشاهدة كل صفة للعارفين جنة وعيان الذات جنان الوصلة وهو اصل كل جنة فاهل الحق فى كل لحظة فى جنة من هذه الجنان واوصافهم التبرى من غير الله فاذا خرج عن الاكوان والحدثان فاورثه الحق تلك الجان وحاشا انها مقرونة باكتساب الحدث بل اصطفاهم فى الازل بتلك الخاصية ووقاهم من محن الامتحان والحرمان واعطاهم حسن وصاله وكشف لهم من جلاله وجماله قال بعضهم فى هذه الأية نجعلها لمن يطلبها بفضلنا الا بعمله فان الجنة ميراث سعادات الازل لا ميراث الاعمال واعلم سمة ربما يتحقق وربما لا يتحقق والتقوى نتيجة تلك السعادة قال الواسطى اذا بلغت العقول الغاية وبلغ بها النهاية فحاصلها يرجع الى حدث يليق بحدث وحسبك من ذلك قوله تلك الجنة الخ لما كان التقوى وصفك قابلك بما يليق بك واعلمك انه غاية ما يليق بتقواك ونهايتك فى نجواك ثم ان الله سبحانه ذكر وصفه وربوبيته وسلطته كبريائه واحاطته بجميع الاشارة علماً وقدرة وحكما واثباتاً بالحقوق الربوبية على اهل العبودية بقوله {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} وصف ارتسام السماوات والارض وانتظام ما بينهما باصطناع قدرته واحاطة علمه ثم الزم حقه على عبده وحبيبه وعلى الخلائق من العرش الى الثرى بعد بيانه انه هو القادر بذلك لا غير وامره بالصبر في عبادته واوضح الحجة بان لا شريك له في ملكه ولا ضد له في سلطانه ولا ندب له في كبريائه بقوله {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} اى ما تعلم ألهاً غير وجوده الوهية الغير مستحيل من كل الوجوه اى اصبر معى فى عبادتى ومعرفتى واستغن بى فى خدمتى ومعرفتك بى وسل متى ما تريد ولا تظهر حوايجك لغيرى فان ما تريد لا يقدر بذلك احد سواى قال محمد بن الفضل هل تعلم احد يجيبك فى اى وقت دعوته ويقلبك فى اى او ان قصدته وقال الحسين بن الفضل هل يستحق احد ان يسمى باسم من اسمائه على الحقيقة وقال اهل التفسير هل تعلم احدا يسمى الله الا الله ومن اوضح النكت فى اسرار الحقيقة من الأية نفى الحق الربوبية عن كل متصف متحد وان كانوا مستغرقين فى جمال الوهيته وردهم الى قيمتهم من العبودية اى ما دام تلك الكسوة النورية الازلية عليكم عارية تذهب بذهاب الكشوف وغيبة المواحيد والصحو بعد السكر ينبغى ان لا يترجوا من اصل قيمتكم فان القدم قائم بالقدم وبقى الحدوث على نعته لاكنت اذ غبت فينا اذا غبت عنا انا انا وانت انت هل تعلمه سميا بحقيقة اسم الالوهية التى انوارها تزيل الحدثان وتهلك جميع الاكوان --- سلطانها وتصديق هذه الاشارات.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا يسمعون فيها} فى تلك الجنات {لغوا} اى فضول كلام لا طائل تحته وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن اهلها. وفيه تنبيه على ان اللغو مما ينبغى ان يجتنب عنه فى هذه الدار ما امكن {الا سلاما} استثناء منقطع اى لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم او تسليم بعضهم على بعض {ولهم رزقهم فيها بكرة} [بامداد]{وعشيا}[شبانكاه] والمراد دوام الرزق كما يقال انا عند فلان صباحا ومساء يراد الدوام منه وقيل يؤتى طعامهم على مقدار البكرة والعشى اذ لا نهار ثمة ولا ليل بل هم فى نور ابدا وانما وصف الله الجنة بذلك لان العرب لا تعرف من العيش افضل من الرزق بالبكرة والعشى. قال الامام فى تفسيره فان قيل المقصود من الآيات وصف الجنة بأمور مستعظمة وليس وصول الرزق بكرة وعشيا منها قلنا قال الحسن اراد ان يرغب كل قوت بما احبوه فى الدنيا فلذلك ذكر اساور الذهب والفضة ولبس الحرير الذى كان عادة العجم والارائك التى كانت عادة اشراف اليمن ولا شئ احب الى العرب من الغداء والعشاء. قال فى التأويلات النجمية {ولهم رزقهم فيها} من رؤية الله تعالى {بكرة وعشيا} كما جاء فى الخبر "حديث : واكرمهم على الله من ينظر الى وجهه غداة وعشيا"تفسير : انتهى.
الجنابذي
تفسير : {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} حال او مستأنف {إِلاَّ سَلاَماً} استثناء من اللّغو مبالغة فى عدم اللّغو فيها يعنى لغو الجنّات هو السّلام من قبيل قول الشّاعر: شعر : ولا عيب فيهم غيرانّ سيوفهم بهنّ فلولٌ من قراع الكتائب تفسير : او الاستثناء منقطع {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ} اللاّئق بحالهم ومقامهم {فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}. اعلم، انّ الشّمس الحقيقيّة الّتى هى حقيقة شمس عالم الطّبع تنزّلت عن مقام غيبها بفعل البارى تعالى، ثمّ تنزّلت وظهرت بالعقول بمراتبها، ثمّ ظهرت بالنّفوس بمراتبها، ثمّ ظهرت فى عالم الطّبع بصورة هذه الشّمس المحسوسة، وكما انّ هذه الشّمس المحسوسة حركتها فى عالمها دوريّة، وعالمها كرويّة، وبكرويّة عالمها ودوريّة حركتها يظهر البكرة والعشىّ كذلك الشّمس الحقيقيّة حركتها فى كلّ من عوالمها الّتى حدّدوها تارةً بسبعين الف عالمٍ، وتارة بالف الف عالمٍ دوريّة، وكلٌّ من عوالمها كرويّة لكنّ كرويّته معنويّة لا محسوسة فانّ كلاًّ مشتمل على قوسى النّزول والصّعود، وبعد وصول النّور الحقيقىّ الى اواسط قوس النّزول يختفى وتدريجاً الى اواسط قوس الصّعود وحينئذٍ يظهر تدريجاً وحين شروعه فى الاختفاء يكون العشىّ بحسب ذلك العالم وحين الشّروع فى الظّهور يكون البكرة بحسبه، ولا اختصاص للبكرة والعشىّ بعالم الطّبع ولا بجنّات الدّنيا كما قيل، وقد ورد فى الاخبار الاشعار بتعدّد الافلاك والشّموس والاقمار كما ورد انّ وراء عين شمسكم هذه تسعاً وثلاثين عين شمسٍ، ووراء قمركم هذا تسعة وثلاثين قمراً؛ وقيل بالفارسيّة: شعر : آسمانهاست در ولايت جان كار فرماى آسمان جهان
اطفيش
تفسير : {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا} أى فى الجنة {لَغْواً} أى كذبا، أو باطلا، أو معصية. أقوال ليست فى معنى واحد، كما قيل؛ فإن الكذب بعض المعاصى، والباطل: ما لا نفع فيه معصية أو غير معصية. وقيل: اللغو: الحلف. كانوا فى الدنيا إذا شربوا الخمر حلفوا. والصحيح أنه ما لا نفع فيه. وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو واتقائه، حيث نزه الله عنه الدار التى لا تكليف فيها. أعاذنا الله منه ومن الجهل. {إلاّ سَلاَماً} استثناء متصل تأكيداً للمدح بما يشبه الذم؛ أى إن كان السلام من اللغو فلا يسمعون فيها من اللغو سواه كقول الشاعر: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فُلولٌ مِن قِراع الكتائب تفسير : أو المعنى أن السلام فيها لغو؛ لأنه الدعاء بالسلامة وأهلها سالمون لولا أن فائدته الإكرام. أو الاستثناء منقطع لكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة، أو لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم، وتسليم بعضهم على بعض. وقيل: تسليمَ الله عليهم. {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أى على قدر البُكرة العَشِىّ فى الدنيا؛ لأنه لا ليل ولا نهار فى الجنة فضلا عن وجود بكرة وعشية، بل هى أبداً نور وضياء لكن ذلك على قدر التنعم والتوسط بين الزهد والرغبة. والمتنعم عند العرب: من وجد غداء وعشاء؛ فإن من الناس من يأكل الوجبة فى الدنيا، وهى الأكلة فى اليوم، والأخرى فى الليل. وقيل: الأكل من ساعة إلى مثلها غداً. ومنهم من يأكل متى وجد، وهى عادة المنهومين، ومنهم من يتغدى ويتعشى، وهى العادة المحمودة المتوسطة. وقيل: إنهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب، ووقتَ الليل بإرخائها. ويحتمل أن المراد كثرة الرزق ورفاهته ودوامه كما تقول: أنا عبد فلان صباحاً ومساء، تريد الدوام على العبودية لا خصوص الوقتين.
اطفيش
تفسير : {لا يسْمعُون فيها لغْواً} أى لا لغو فيها بسبب ولا بغيره، إذ لو كان لسمعوه كنى عن نفى الملزوم بنفى لازمه، أو عن نفى السبب بنفى المسبب، واللغو كلام لا فائدة فيه فهو كلغو العصافير بالنظر الى سماعنا له، وإلا ففى أصواتها كلام بعض لبعض وتسبيح، فإذا نفى عن أهل الجنة كان ينبغى اجتنابه فى الدنيا. {إلاَّ سلاماً} استثناء متصل بمعنى إن كان فيها لغو فبالسلام والسلام لا يكون لغواً فهو نفى له بطريق البرهان فى تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم يهن فلول من قراع الكتائب تفسير : أو بمعنى أن السلام فيها لغو باعتبار أنه دعاء بالسلامة من الآفات، مع أنه لا آفة فيها، ولو كان القصد به التحاب، وأنه حق مقصود أو منقطع، أى لكن يسمعون سلام الملائكة عليهم، أو سلام بعض على بعض، أو كلاماً ذا سلامة من العيب، أو سالما، وقيل سلام الله يخلقه حيث شاء، أو على لسان ملك. {ولهم رزْقُهم فيها بُكرةً وعشياً} أى فى كل وقت شاءوا، فعبر بأطراف اليوم لا الوقتين، ومن ذلك فى غير الزمان قولنا: اللهم ارحم المهاجرين والأنصار، نريد الصحابة مطلقاً، والمراد كثرة الأرزاق بلا حساب، وكانت للعرب أكلة واحدة، ومن أصاب أكلتين سمى فلاناً الناعم، فنزل اللفظ على رسم ما يرونه خصب عيش، والمعنى أكثر ولا بكرة وعشياً فيها، وجاء الأثر أنه يبين لهم مقدار الليل بإرخاء الستر وإغلاق الباب والنهار برفع الستر، وفتح الباب فى ملك كل واحد، لكن الرزق يعم البكرة والعشية وغيرهما، أو فى الوقتين لا بد، وفى غيرهما زيادة بحسب ما شاءوا. "حديث : قال رجل: يا رسول الله هل فى الجنة ليل فقال: "ما هيجك على هذا؟" قال قوله تعالى: {ولهم رزقهم} الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا ليل بل ضوء الغدو والعشى يتواردان وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة فى الدنيا وتسلم عليهم الملائكة عليهم السلام" ".
الالوسي
تفسير : {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } فضول كلام لا طائل تحته بل هو جار مجرى اللغاء وهو صوت العصافير ونحوها من الطير. والكلام كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها، وفيه تنبيه على أن اللغو مما ينبغي أن يجتنب عنه في هذه الدار ما أمكن، وعن مجاهد تفسير اللغو بالكلام المشتمل على السب، والمراد لا يتسابون والتعميم أولى {إِلاَّ سَلَـٰماً } استثناء منقطع، والسلام إما بمعناه المعروف أي لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم السلام عليهم أو تسليم بعضهم على بعض أو بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص أي لكن يسمعون كلاماً سالماً من العيب والنقص، وجوز أن يكون متصلاً وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قوله:شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وهو يفيد نفي سماع اللغو بالطريق البرهاني الأقوى. والاتصال على هذا على طريق الفرض والتقدير ولولا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة، وقيل: اتصال الاستثناء على أن معنى السلام الدعاء بالسلامة من الآفات وحيث أن أهل الجنة أغنياء عن ذلك إذ لا آفة فيها كان السلام لغواً بحسب الظاهر وإن لم يكن كذلك نظراً للمقصود منه وهو الإكرام وإظهار التحابب، ولذا كان لائقاً بأهل الجنة. {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } وارد على عادة المتنعمين في هذه الدار، أخرج ابن المنذر عن يحيـى بن كثير قال: كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة فمن أصاب أكلتين سمي فلان الناعم فأنزل الله تعالى هذا يرغب عباده فيما عنده، وروي نحو ذلك عن الحسن، وقيل: المراد دوام رزقهم ودروره وإلا فليس في الجنة بكرة ولا عشي لكن جاء في بعض الآثار أن أهل الجنة يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» من طريق أبان عن الحسن وأبـي قلابة قالا: «حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على هذا؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } فقلت: الليل من البكرة والعشي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة عليهم السلام».
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين إذا أدخلهم ربهم جنات عدن التي وعدهم {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا} أي في الجنات المذكورة {لَغْواً} أي كلاماً تافهاً ساقطاً كما يسمع في الدنيا. واللغو: هو فضول الكلام، وما لا طائل تحته. ويدخل فيه فحش الكلام وباطله، ومنه قول رؤبة وقيل العجاج: شعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم تفسير : كما تقدم في سورة "المائدة". والظاهر أن قوله {إِلاَّ سَلاَماً} استثناء منقطع، أي لكن يسمعون فيها سلاماً، لأنهم يسلم بعضهم على بعض، وتسلم عليهم الملائكة، كما يدل على ذلك قوله تعالى: {أية : تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}تفسير : [إبراهيم: 23] الآية، وقوله: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}تفسير : [الرعد: 23-24] الآية. كما تقدم مستوفى. وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء في غير هذا الموضع أيضاً كقوله في "الواقعة": {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً}تفسير : [الواقعة: 25-26]، وقد جاء هذا الاستثناء المنقطع في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: {ما لهم من علم إلا اتباع الظن} الآية: وقوله: {أية : وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الليل: 19-20]، وقوله: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الدخان: 56]، وكقوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ}تفسير : [النساء: 29] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فكل الاستثناءات المذكورة في هذه الآيات منقطعة. ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان: شعر : وقفت فيها أصيلالاً أسائلها عيت جواباً وما بالربع من أحد إلا الأواري لأباَ ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : "فالأواري" التي هي مرابط الخيل ليست من جنس "الأحد". وقول الفرزدق: شعر : وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن لها خاطب إلا السنان وعامله تفسير : وقول جران العود: شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس تفسير : "فالسنان" ليس من جنس "الخاطب" و"اليعافير والعيس" ليس واحد منهما من جنس "الأنيس". وقول ضرار بن الأزور: شعر : أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة ولله بالعبد المجاهد أعلم عشية لا تغني الرماح مكانها ولا النيل إلا المشرفي المصمم تفسير : وبهذا الذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليين خلافاً للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشافعية القائلين: بأن الاستثناء المنقطع لا يصح، لأن الاستثناء إخراج ما دخل في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللفظ أصلاً حتى يخرج بالاستثناء. تنبيهات الأول - اعلم أن تحقيق الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع يحصل بأمرين يتحقق بوجودهما أن الاستثناء متصل. وإن اختل واحد منهما فهو منقطع: الأول - أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، نحو: جاء القوم إلا زيداً. فإن كان من غير جنسه فهو منقطع، نحو: جاء القوم إلا حماراً. والثاني- أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. ومعلوم أن نقيض الإثبات النفي كالعكس. ومن هنا كان الاستثناء من النفي إثباتاً، ومن الإثبات نفياً. فإن كان الحكم على المستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من جنس المستثنى منه. فقوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الدخان: 56] استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المستثنى من جنس المستثنى منه. وكذلك قوله: {أية : لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ}تفسير : [النساء: 29] وإنما كان منقطعاً في الآيتين لأنه لم يحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. فنقيض: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ}: هو يذوقون فيها الموت. وهذا النقيض الذي هو ذوق الموت في الآخرة لم يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدنيا. ونقيض {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} كلوها بالباطل ولم يحكم به في المستثنى. فتحصل أن انقطاع الاستثناء قسمان: أحدهما بالحكم على غير جنس المستثنى منه. كقولك: رأيت أخويك إلا ثوباً. الثاني: بالحكم بغير النقيض. نحو: رأيت أخويك إلا زيداً لم يسافر. التنبيه الثاني اعلم أنه يبنى على الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع بعض الفروع الفقهية. فلو أقر رجل لآخر فقال له: علي ألف دينار إلا ثوباً. فعلى القول بعدم صحة الاستثناء المنقطع يكون قوله "إلا ثوباً" لغواً وتلزمه الألف كاملة. وعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع لا يلغى قوله "إلا ثوباً" وتسقط قيمة الثوب من الألف. والذين قالوا تسقط قيمته اختلفوا في توجيهه على قولين: أحدهما - أنه مجاز، وأنه أطلق الثوب وأراد قيمته. والثاني: أن فيه إضماراً. أي حذف مضاف، يعني: إلا قيمة ثوب. فمن قال يقدم المجاز على الإضمار قال "إلا ثوباً" مجاز، أطلق الثوب وأراد القيمة. كإطلاق الدم على الدية. ومن قال يقدم الإضمار على المجاز قال "إلا ثوباً" أي إلا قيمة ثوب. واعتمد صاحب مراقي السعود تقديم المجاز على الإضمار في قوله: شعر : وبعد تخصيص مجاز قبلي الإضمار فالنقل على المعول تفسير : ومعنى البيت: أن المقدم عندهم التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل. مثال تقديم التخصيص على المجاز إذا احتمل اللفظ كل واحد منهما - قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 5] يحتمل التخصيص، لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم دليل مخصص لعموم المشركين. ويحتمل عند القائلين بالمجاز أنه مجاز مرسل، أطلق فيه وأراد البعض. فيقدم التخصيص لأمرين: أحدهما - أن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز الثاني - أن اللفظ يبقى مستصحباً في الأفراد الباقية بعد التخصيص من غير احتياج إلى قرينة. ومثال تقديم المجاز على الإضمار عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما - قول السيد لعبده الذي هو أكبر منه سناً: أنت أبي، يحتمل أنه مجاز مرسل، من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. أي أنت عتيق. لأن الأبوة يلزمها العتق. ويحتمل الإضمار. أي أنت مثل أبي في الشفقة والتعظيم. فعلى الأول يعتق. وعلى الثاني لا يعتق. ومن أمثلته المسألة التي نحن بصددها. ومثال تقديم الإضمار على النقل عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما قوله تعالى: {أية : وَحَرَّمَ ٱلرِّبَا}تفسير : [البقرة: 275] يحتمل الإضمار. أي أخذ الربا وهو الزيادة في بيع درهم بدرهمين مثلاً. وعلى هذا لو حذف الدرهم الزائد لصح البيع في الدرهم بالدرهم. ويحتمل نقل الربا إلى معنى العقد. فيمتنع عقد بيع الدرهم بالدرهمين. ولو حذف الزائد فلا بد من عقد جديد مطلقاً. قال مقيدة عفا الله عنه: وعلى هذين الوجهين اللذين ذكروهما في "له علي ألف دينار إلا ثوباً" وهما الإضمار والنقل يرجع الاستثناء إلى كونه متصلاً، لأن قيمة الثوب من جنس الألف التي أقر بها. سواء قلنا إن القيمة مضمرة، أو قلنا إنها مُعبر عنها بلفظ الثوب. التنبيه الثالث اعلم أن الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع هو في الحقيقة خلاف لفظي. لأن الذين منعوه لم يمنعوه بالكلية، وإنما قالوا: إنه ليس من الاستثناء الحقيقي، لأن أداة الاستثناء فيه بمعنى لكن، فهو إلى الاستدراك أقرب منه إلى الاستثناء. وبعض القائلين بالاستثناء المنقطع يقول: إن الثوب في المثال المتقدم لغو، ويعد ندماً من المقر بالألف. والنسبة بين الاستثناء المتصل والمنقطع عند القائلين به قيل إنها نسبة تواطؤ. وقيل: إنها من قبيل الاشتراك. وإلى مسألة الاستثناء المنقطع والفرق بينه وبين المتصل أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : والحكم بالنقيض للحكم حصل لما عليه الحكم قبل متصل وغيره منقطع ورجحا جوازه وهو مجاز أوضحا فلتنم ثوباً بعد ألف درهم الحذف والمجاز أو للندم وقيل بالحذف لدى الإقرار والعقد معنى الواو فيه جار بشركة وبالتواطي قالا بعض وأوجب فيه الاتصالا تفسير : وما ذكرنا من أن الاستثناء في قوله تعالى: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً} منقطع هو الظاهر. وقيل: هو من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول نابغة ذبيان: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وقول الآخر: شعر : فما يك في من عيب فإني جبان الكلب مهزول الفصيل تفسير : وعلى هذا القول فالآية كقوله: {أية : وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا}تفسير : [الأعراف: 126] الآية، وقوله:{أية : وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [التوبة: 74] ونحو ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة "براءة". وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} فيه سؤال معروف، وهو أن يقال: ما وجه ذكر البكرة والعشي، مع أن الجنة ضياء دائم ولا ليل فيها. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة: الأول - أن المراد بالبكرة والعشي قدر ذلك من الزمن، كقوله: {أية : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}تفسير : [سبأ: 12] أي قدر شهر. وروي معنى هذا عن ابن عباس، وابن جريح وغيرهما. الجواب الثاني - أن العرب كانت في زمنها ترى أن من وجد غداءً وعشاءً فذلك الناعم، فنزلت الآية مرغبة لهم وإن كان ما في الجنة أكثر من ذلك. ويروى هذا عن قتادة، والحسن، ويحيى بن أبي كثير. الجواب الثالث - أن العرب تعبر عن الدوام بالبكرة والعشي، والمساء والصباح، كما يقول الرجل: أنا عند فلان صباحاً ومساءً، وبكرة وعشياً. يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين. الجواب الرابع - أن تكون البكرة هو الوقت الذي قبل اشتغالهم بلذاتهم. والعشي: هو الوقت الذي بعد فراغهم من لذاتهم، لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال. وهذا يرجع معناه إلى الجواب الأول. الجواب الخامس - هو ما رواه الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) من حديث أبان حديث : عن الحسن وأبي قلابة قالا: قال رجل: يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟ قال: "وما يهيجك على هذا؟" قال: سمعت الله تعالى يذكر {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} فقلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس هناك ليل، إنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو، تأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة"تفسير : انتهى بواسطة نقل صاحب الدر المنثور والقرطبي في تفسيره. وقال القرطبي بعد أن نقل هذا: وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. وقد ذكرناه في كتاب (التذكرة) ثم قال: وقال العلماء ليس في الجنة ليل ولا نهار، وإنما هو في نور أبداً، إنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وفتح الأبواب. ذكره أبو الفرج الجوزي والمهدوي وغيرهما اهـ منه. وهذا الجواب الأخير الذي ذكره الحكيم الترمذي عن الحسن وأبي قلابة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم راجع إلى جواب الأول. والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 62- وهم فى تلك الجنات لا يجرى بينهم لغو الحديث، ولا يسمعون إلا خيراً وأمناً، ورزقهم فيها رغد مكفول دائماً. 63- وإنما يؤتى الله تلك الجنة ويملكها لمن كان تقياً فى الدنيا بترك المعاصى وفعل الطاعات. 64- وكان الوحى قد تأخر وقلق الرسول - عليه الصلاة والسلام - فجاءه جبريل - عليه السلام - ليطمئنه وقال له: إن الملائكة لا تنزل إلا بإذن ربها، فاطمئن أيها الرسول الكريم فإن ربك لا ينسى. 65- فهو سُبحانه الخالق المالك للسموات والأرض وما بينهما، والمدبر لشئونهما، والمستحق - وحده - للعبادة، فاعبده - أيها المخاطب - وثابر على عبادته صابراً مطمئناً، فهو سبحانه المستحق - وحده - للعبادة، وليس له نظير يستحق العبادة، أو يسمى باسم من أسمائه. 66- ويقول الإنسان مستغرباً البعث: كيف أبعث حياً بعد الموت والفناء؟!!. 67- كيف يستغرب قدرة الله على البعث فى الآخرة، ولا يذكر أنه تعالى خلقه فى الدنيا من عدم؟، مع أن إعادة الخلق أهْوَن من بدئه فى حكم العقل. 68- وإذا كان أمر البعث غريباً ينكره الكافرون، فوالذى خلقك وربَّاك ونمَّاك لنجمعن الكافرين يوم القيامة مع شياطينهم - الذين زينوا لهم الكفر - وسنحضرهم جميعاً حول جهنم جاثين على ركبهم فى ذلة لشدة الهول والفزع. 69- ثم لننزعن من كل جماعة أشدهم كفراً بالله، وتمرداً عليه، فيدفع بهم قبل سواهم إلى أشد العذاب.
د. أسعد حومد
تفسير : {سَلاَماً} (62) - وَفِي هذِهِ الجَنَّاتِ لاَ يَسْمَعُ نُزَلاَؤُهَا كَلاَماً لَغْواً تَافِهاً لاَ مَعْنَى لَهُ، وَلاَ فَائِدَةَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَسْمَعُونَ المَلاَئِكَةَ يُحَيُّونَهُمْ بِالسَّلاَمِ، مِمَّا يُشْعِرُهُمْ بِالاطْمِئْنَانِ وَالسَّعَادَةِ وَالرِّضَا، وَيَأْتِيهِمْ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ (بُكْرَةً وَعَشِيّاً) كَمَا كَانَ حَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا. لَغْواً - كَلاَماً قَبِيحاً أَوْ كَلاَماً فُضُولاً لاَ خَيْرَ فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : اللغو: هو الكلام الفُضولي الذي لا فائدة منه، فهو يضيع الوقت ويُهْدِر طاقة المتكلم وطاقة المستمع، وبعد ذلك لا طائلَ من ورائه ولا معنى له. والكلام هنا عن الآخرة {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً ..} [مريم: 62] فإن كانوا قد سمعوا لَغْواً كثيراً في الدنيا فلا مجالَ للغو في الآخرة. ثم يستثني من عدم السماع {إِلاَّ سَلاَماً ..} [مريم: 62] والسلام ليس من اللغو، وهو تحية أهل الجنة وتحية الملائكة: {أية : تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ..}تفسير : [يونس: 10]. وقد يُرَادُ بالسلام السلامة من الآفات التي عاينوها في الدنيا، وهم في الآخرة سالمون منها، فلا عاهة ولا مرضَ ولا كَدَّ ولا نصبَ. لكن نرجح هنا المعنى الأول أي: التحية؛ لأن السلام في الآية مما يُسْمَع. فإنْ قُلْتَ: فكيف يستثنى السلام من اللَّغْو؟ نقول: من أساليب اللغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم، كأن نقول: لا عيبَ في فلان إلا أنه شجاع، وكنت تنتظر أنْ نستثني من العيب عَيْباً، لكن المعنى هنا: إنْ عددتَ الشجاعة عيباً، ففي هذا الشخص عَيْب، فقد نظرنا في هذا الشخص فلم نجد به عَيْباً، إلا إذا ارتكبنا مُحَالاً وعددنا الشجاعة عيباً. وهكذا نؤكد مدحه بما يشبه الذم. ومن ذلك قول الشاعر: شعر : ولاَ عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاع الكَتَائِبِ تفسير : ثم يقول تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62] لم يقُل الحق سبحانه وتعالى: وعلينا رزقهم، بل: ولهم زرقهم: أي أنه أمر قد تقرّر له وخُصِّص لهم، فهو أمر مفروغ منه. والرزق: كُلُّ ما يُنتفع به، وهو في الآخرة على قَدْر عمل صاحبه من خير في الدنيا. ومن رحمة الله تعالى بعباده من أهل الجنة أنْ نزعَ ما في صدورهم من غِلٍّ ومن حسد ومن حقد، فلا يحقد أحدٌ على أحد أفضل مرتبة منه، ولا يشتهي من نعيم الجنة إلا على قَدْر عمله ودرجته، فإنْ رأى مَنْ هو أفضل منه درجةً لا يجد في نفسه غِلاً منه، أو حِقْداً عليه؛ لأن موجب الغِلِّ في الدنيا أنْ ترى مَنْ هو أفضل منك. أما في الآخرة فسوف ترى هذه المسألة بمنظار آخر، منظار النفس الصافية التي لا تعرف الغلَّ، قال تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}تفسير : [الحجر: 47]. فإنْ رأيت مَنْ هو أعلى منك درجةً فسوف تقول: إنه يستحق ما نال من الخير والنعيم، فقد كان يجاهد نفسه وهواه في الدنيا. ويكفي في وَصْف ما في الجنة من الرزق والنعيم قوله تعالى: {أية : فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ..}تفسير : [الزخرف: 71]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فيها ما لا عَيْن رأت، ولا إذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : إذن: ففي الجنة أشياء لا تقع تحت إدراكنا؛ لذلك ليس في لغتنا ألفاظ تُعبِّر عن هذا النعيم؛ لأنك تضع في اللغة اللفظ الذي أدركتَ معناه، وفي الجنة أشياء لا تدركها ولا عِلْمَ لك بها؛ لذلك حينما يريد الحق - تبارك وتعالى - أن يصِفَ لنا نعيم الجنة بصفة بما نعرف من نعيم الدينا: نخل وفاكهة ورمان ولحم طير وريحان. ويقول: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ..}تفسير : [محمد: 15]. مع الفارق بين هذه الأشياء في الدنيا والآخرة. ويكفي أن تعرف الفرق بين خمر الدنيا وما فيها من سوء في طعمها ورائحتها واغتيالها للعقل، وبين خمر الآخرة التي نفى الله عنها السوء، فقال: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}تفسير : [الصافات: 47]. وقوله: {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 62] فكيف يأتيهم رزقهم بُكْرة وعشياً، وليس في الجنة وقت لا بُكْرة ولا عَشِياً، لا لَيْل ولا نهار؟ نقول: إن الحق - تبارك وتعالى - يخاطبنا على قَدْر عقولنا، وما نعرف نحن من مقاييس في الدنيا، وإلاّ فنعيم الجنة دائم لا يرتبط بوقت، كما قال سبحانه: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا ..}تفسير : [الرعد: 35]. وفي آية أخرى قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [المؤمنون: 10-11]. ثم يقول الحق سبحانه: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً} معناهُ هَذرٌ وبَاطلٌ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قالَ الإِمامُ زيد بن علي عليهما السَّلامُ: لَيسَ هُناكَ البُكرةُ والعَشي، لَكنْ يُؤتونَ بهِ عَلَى مَا يَحِبّون مِن البُكرةِ والعَشي، مِثل مقاديرَ الليلِ والنَّهارِ فِي الدُّنيا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 580 : 32 : 19 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال، ليس في الجنة بكرة ولا عشي. ولكن يؤتون على ما كانوا يشتهون. [الآية 62]. 581 : 33 : 20 - سفين عن سعيد بن سنان عن الضحاك عن بن عباس قال، ليس فيها بكرة ولا عشي. ولكن يؤتون على مقدار ذلك بالليل والنهار.
همام الصنعاني
تفسير : 1771- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} الآية: 62]، قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب له، فأخبرهم الله، أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشيا قدر ذلك الغداء والعشاء./
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):