Verse. 2313 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

تِلْكَ الْجَــــنَّۃُ الَّتِيْ نُوْرِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا۝۶۳
Tilka aljannatu allatee noorithu min AAibadina man kana taqiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تلك الجنة التي نورث» نعطي وننزل «من عبادنا من كان تقيا» بطاعته، ونزل لما تأخر الوحي أياما وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟.

63

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ } نعطي وننزل {مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } بطاعته.

النسفي

تفسير : {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا } أي نجعلها ميراث أعمالهم يعني ثمرتها وعاقبتها. وقيل: يرثون المساكن التي كانت لأهل النار آمنوا لأن الكفر موت حكماً {مَن كَانَ تَقِيّاً } عن الشرك. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال: «حديث : يا جبريل ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» تفسير : فنزل {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } والتنزل على معنيين معنى النزول على مهل ومعنى النزول على الإطلاق والأول أليق هنا يعني أن نزولنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } أي له ما قدامنا وما خلفنا من الأماكن وما نحن فيها فلا نتمالك أن ننتقل من مكان إلى مكان إلا بأمر الملك ومشيئته، وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون وما يحدث من الأحوال لا تجوز عليه الغفلة والنسيان فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا أذن لنا فيه {رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } بدل من {ربك} أو خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السماوات والأرض. ثم قال: لرسوله لما عرفت أنه متصف بهذه الصفات {فَٱعْبُدْهُ } فاثبت على عبادته {وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } أي اصبر على مكافأة الحسود، لعبادة المعبود، واصبر على المشاق، لأجل عبادة الخلاق، أي لتتمكن من الإتيان بها {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } شبيها ومثلاً، أو هل يسمى أحد باسم الله غيره لأنه مخصوص بالمعبود بالحق أي إذا صح أن لا معبود توجه إليه العباد العبادة إلا هو وحده لم يكن بد من عبادته والاصطبار على مشاقها. فتهافت أبيَّ بن خلف عظماً وقال: أنبعث بعدما صرنا كذا؟ فنزل :

الخازن

تفسير : وقوله تعالى: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا} أي نعطي وننزل وقيل يورث عباده المؤمنين المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا {من كان تقياً} أي المتقين من عباده عز وجل {وما نتنزل إلا بأمر ربك} (خ) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ما تزورنا فنزلت وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا" تفسير : الآية قال فكان هذا جواب جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم "وقيل احتبس جبريل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حين سأله اليهود عن أمر الروح وأصحاب الكهف، ثم نزل بعد أيام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك، فقال له جبريل وإني كنت أشوق إليك ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا احبست احتبست"تفسير : فأنزل الله تعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك وأنزل الله تعالى {أية : والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى}تفسير : [الضحىٰ: 1-3] وقوله {له ما بين أيدنا وما خلفنا} أي له علم ما بين أيدينا وما خلفنا، وقيل أكد ذلك بقوله ما بين أيدينا وما خلفنا أي هو المدبر لنا في كل الأوقات الماضي والمستقبل، وقيل معناه له ما بين أيدينا من أمر الآخرة والثواب والعقاب وما خلفنا أي ما مضى من الدنيا {وما بين ذلك} أي من هذا الوقت إلى أن تقوم الساعة، وقيل ما بين ذلك أي ما بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة، وقيل ما بين أيدينا ما بقي من الدنيا وما خلفنا ما بقي منها وما بين ذلك مدة حياتنا {وما كان ربك نسياً} أي ناسياً أي ما نسيك ربك وما تركك {رب السموات والأرض وما بينهما} أي من يكون كذلك لا يجوز عليه النسيان لأنه لا بد أن يدبر أحوالها كلها، وفيه دليل على أن فعل العبد خلق الله لأنه حاصل بين السموات والأرض فكان لله تعالى {فاعبده واصطبر لعبادته} أي اصبر على أمره ونهيه {هل تعلم له سمياً} قال ابن عباس: مثلاً وقيل هل تعلم أحداً يسمى الله غير الله. قوله تعالى {ويقول الإنسان} أي جنس الإنسان والمراد به الكفار الذين أنكروا البعث، وقيل هو أبي بن خلف الجمحي وكان منكراً للبعث {أئذا ما مت لسوف أخرج حياً} قاله استهزاءً وتكذيباً للبعث قال الله تعالى {أولا يذكر الإنسان} أي يتذكر ويتفكر يعني منكر البعث {أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً} والمعنى أولاً يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإعادة. قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أن الإعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً ثم أقسم بنفسه فقال تعالى {فو ربك} وفيه تشريف للنبيّ صلى الله عليه وسلم {لنحشرنهم} أي لنجمعنهم في المعاد يعني المشركين المنكرين للبعث {والشياطين} أي مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً} قال ابن عباس: جماعات وقيل جاثين على الركب لضيق المكان، وقيل إن البارك على ركبتيه صورته كصورة الذليل. فإن قلت هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى {أية : وترى كل أمة جاثية}تفسير : [الجاثية: 28]. تفسير : قلت وصفوا بالجثو على العادة المعهودة في مواقف المقالات والمناقلات، وذلك لما فيه من القلق مما يدهمهم من شدة الأمور التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجثون على ركبهم جثواً {ثم لننزعن} أي لنخرجن {من كل شيعة} أي من كل أمة وأهل دين من الكفار {أيهم أشد على الرحمن عتياً} قال ابن عباس: يعني جرأة وقيل فجوراً وتمرداً، وقيل قائدهم رئيسهم في الشرك، والمعنى أنه يقدم في إدخال النار الأعتى ممن هو أكبر جرماً وأشد كفراً. وفي بعض الأخبار أنهم يحضرون جميعاً حول جهنم مسلسلين مغلولين، ثم يقدم الأكفر فالأكفر فمن كان أشد منهم تمرداً في كفره خص بعذاب أعظم وأشد لأن عذاب الضال المضل واجب أن يكون فوق عذاب الضال التابع لغيره في الضلال. وفائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب فلذلك قال في جميعهم {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً} ولا يقال أولى إلا مع اشتراك القوم في العذاب وقيل معنى الآية أنهم أحق بدخول النار. قوله عز وجل {وإن منكم إلا واردها} أي وما منكم إلا واردها وقيل القسم فيه مضمر أي والله ما منكم من أحد إلا واردها والورود هو موافاة المكان، واختلفوا في معنى الورود ها هنا وفيما تنصرف إليه الكناية في قوله واردها فقال ابن عباس الأكثرون: معنى الورود هنا الدخول، والكناية راجعة إلى النار، فيدخلها البر والفاجر ثم ينجي الله الذين اتقوا منها، يدل عليه ما روي أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول فقال نافع: ليس الورود الدخول فقرأ ابن عباس {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون}تفسير : [الأَنبياء: 98] أدخلها هؤلاء أم لا ثم قال يا نافع والله أنا وأنت سنردها وأنا أرجو أن يخرجني الله منها وما أرى الله أن يخرجك منها بتكذيبك فمن قال بدخول المؤمنين النار يقول من غير خوف ولا ضرر ولا عذاب ألبتة بل مع الغبطة والسرور لأن الله تعالى أخبر عنهم لا يحزنهم الفزع الأكبر. فإن قلت كيف يدفع عن المؤمنين حر النار وعذابها، قلت يحتمل أن الله تعالى يخمد النار فتعبرها المؤمنون، ويحتمل أن الله تعالى يجعل الأجزاء الملاصقة لأبدان الكفار من النار محرقة والأجزاء الملاصقة لأبدان المؤمنين تكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت في حق إبراهيم عليه السلام، وكما أن الملائكة الموكلين بها لا يجدون ألمها فإن قلت إذا لم يكن على المؤمنين عذاب فما فائدة دخولهم النار. قلت فيه وجوه، أحدها: أن ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه، وثانيها: أن فيه مزيد غم على أهل النار، حيث يرون المؤمنين يتخلصون منها وهم باقون فيها، وثالثها: أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب الذي على الكفار صار ذلك سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة. وقال قوم ليس المراد من الورود الدخول، وقالوا لا يدخل النار مؤمن أبداً لقوله تعالى {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها}تفسير : [الأَنبياء: 101-102] فعلى هذا يكون المراد من الورود الحضور والرؤية، لا الدخول كما قال تعالى {أية : ولما ورد ماء مدين}تفسير : [القصص: 23] أراد به الحضور، وقال عكرمة الآية في الكفار فإنهم يدخلونها ولا يخرجون منها وروي عن ابن مسعود أنه قال وإن منكم إلا واردها، يعني القيامة والكناية راجعة إليها, والقول الأول أصح وعليه أهل السنة فإنهم جميعاً يدخلون النار ثم يخرج الله منها أهل الإيمان بدليل قوله تعالى {أية : ثم ننجي الذين اتقوا}تفسير : [مريم: 72] أي الشرك وهم المؤمنون والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه، يدل ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يموت لأحد من المؤمنين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم"تفسير : وفي رواية "حديث : فيلج النار إلا تحلة القسم"تفسير : أخرجاه في الصحيحين، أراد بالقسم قوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} (م) عن أم مبشر الأنصارية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة "حديث : لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها قالت بلى يا رسول الله فانتهزها فقالت حفصة وإن منكم إلا واردها فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله تعالى {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً} ". تفسير : وقال خالد بن معدان يقول أهل الجنة ألم يعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال بلى ولكنكم مررتم بها وهي خامدة وفي الحديث "حديث : تقول النار للمؤمنين جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي"تفسير : . وروي عن مجاهد في قوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} قال من حم المسلمين فقد وردها" وفي الخبر "حديث : الحمى كير من جهنم وهي حظ المؤمن من النار"تفسير : (ق) عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء"تفسير : قوله جهنم وهجها وحرها. وقوله تعالى {كان على ربك حتماً مقضياً} أي كان ورود جهنم قضاء لازماً قضاء الله تعالى عليكم وأوجبه.

ابو السعود

تفسير : {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ} مبتدأٌ وخبرٌ جيء به لتعظيم شأنِ الجنةِ وتعيـينِ أهلِها، فإن ما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِها وعلوِّ رتبتها {ٱلَّتِى نُورِثُ} أي نورثها {مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} أي نُبقيها عليهم بتقواهم ونمتّعهم بها كما نُبقي على الوارث مالَ مُورِّثه ونمتّعه به، والوِراثةُ أقوى ما يستعمل في التملك والاستحقاق من الألفاظ من حيث إنها لا تُعقَبُ بفسخ ولا استرجاعٍ ولا إبطالٍ، وقيل: يُورَّث المتقون من الجنة المساكنَ التي كانت لأهل النار لو آمنوا وأطاعوا زيادةً في كرامتهم، وقرىء نورّث بالتشديد. {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ} (حكايةٌ لقول جبريلَ حين استبطأه رسولُ الله عليهما الصلاة والسلام لما سئل عن أصحاب الكهفِ وذي القرنين والروح، فلم يدرِ كيف يجيب ورجا أن يوحىٰ إليه فيه فأبطأ عليه أربعين يوماً أو خمسةَ عشرَ فشق ذلك عليه مشقةً شديدة، وقال المشركون: وَدَّعَه ربُّه وقلاه ثم نزل ببـيان ذلك) وأنزل الله عز وجل هذه الآيةَ وسورةَ الضحى، والتنزّل النزولُ على مَهل لأنه مطاوعٌ للتنزيل وقد يطلق على مطلق النزولِ كما يطلق التنزيلُ على الإنزال، والمعنى وما ننزِل وقتاً غَبَّ وقتٍ إلا بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمتُه، وقرىء وما يَتنزَّل بالياء والضمير للوحي {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} وهو ما نحن فيه من الأماكن والأزمنة ولا ننتقل من مكان إلى مكان ولا نتنزّل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} أي تاركاً لك يعني أن عدمَ النزل لم يكن إلا لعدم الأمر به لحكمة بالغةٍ فيه، ولم يكن لتركه تعالى لك وتوديعِه إياك كما زعمَتِ الكفرة، وفى إعادة اسمِ الربّ المُعربِ عن التبليغ إلى الكمال اللائقِ مضافاً إلى ضميره عليه السلام من تشريفه والإشعارِ بعلة الحكمِ ما لا يخفى، وقيل: أولُ الآية حكايةُ قولِ المتقين حين يدخُلون الجنة مخاطِباً بعضُهم بعضاً بطريق التبجّح والابتهاج، والمعنى وما نتنزّل الجنةَ إلا بأمر الله تعالى ولطفه وهو مالكُ الأمورِ كلِّها سالِفها ومُتَرقَّبِها وحاضرِها فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضلِه وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} تقريرٌ لقولهم من جهة الله تعالى أي وما كان ناسياً لأعمال العاملين وما وعدهم من الثواب عليها. وقوله تعالى: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} بـيانٌ لاستحالة النسيان عليه تعالى فإن مَن بـيده ملكوتُ السموات والأرض وما بـينهما كيف يُتصوَّر أن يحوم حول ساحتِه سبحانه الغفلةُ والنسيانُ؟ وهو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو بدلٌ من ربك، والفاء في قوله تعالى: {فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} لترتيب ما بعدها من موجب الأمرين على ما قبلها من كونه تعالى ربَّ السمواتِ والأرض وما بـينهما، وقيل: من كونه تعالى غيرَ تارك له عليه السلام أو غيرَ ناس لأعمال العاملين، والمعنى: فحين عرفتَه تعالى بما ذُكر من الربوبـية الكاملةِ فاعبده الخ، فإن إيجابَ معرفته تعالى كذلك لعبادته مما لا ريب فيه أو حين عرفتَ أنه تعالى لا ينساك أو لا ينسى أعمالَ العاملين كائناً مَنْ كان فأقبِلْ على عبادته واصطبرْ على مشاقّها ولا تحزن بإبطال الوحي وهُزْؤ الكفرةِ، فإنه يراقبك ويراعيك ويلطُف بك في الدنيا والآخرة. وتعديةُ الاصطبار باللام لا بحرف الاستعلاء كما في قوله تعالى: { أية : وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} تفسير : [طه: 132] لتضمينه معنى الثباتِ للعبادة فيما تورِد عليه من الشدائد والمشاقّ، كقولك للمبارز: اصطبرُ لِقَرنك أي اثبُت له فيما يورِد عليك من شدائده {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} السمِيُّ الشريكُ في الاسم والظاهرُ أن يراد به هٰهنا الشريكُ في اسم خاص قد عُبِّر عنه تعالى بذلك وهو ربُّ السموات والأرض وما بـينهما، والمرادُ بإنكارُ العلم ونفيُه إنكار المعلوم ونفيه على أبلغ وجهٍ وآكَدِه، فالجملةُ تقريرٌ لما أفاده الفاء من علّية ربوبـيته العامةِ لوجوب عبادتِه بل لوجوب تخصّصها به تعالى ببـيان استقلالِه عز وجل بذلك الاسمِ وانتفاءِ إطلاقِه على الغير بالكلية حقاً أو باطلاً. وقيل: المرادُ هو الشريكُ في الاسم الجليلِ فإن المشركين مع غلوهم في المكابرة لم يسمّوا الصنم بالجلالة أصلاً، وقيل: هو الشريكُ في اسم الإلٰه والمرادُ بالتسمية التسميةُ على الحق، فالمعنى هل تعلم شيئاً يسمى بالاستحقاق إلٰهاً؟ وأما التسميةُ على الباطل فهي كلا تسميةٍ، فتقريرُ الجملة لوجوب العبادة حينئذ باعتبار ما في الاسمين الكريمين من الإشعار باستحقاق العبادةِ فتدبر.

السلمي

تفسير : قال بعضهم فى هذه الآية: تجعل أهل الجنة وسكانها من يطلبها بفضلنا لا بعمله فإن الجنة ميراث سعادة الأزل لا ميراث الأعمال والعمل سمة ربما تتحقق. وربما لا تتحقق، والتقوى نتيجة تلك السعادة وقوله: {مَن كَانَ تَقِيّاً} من كان رجوعه إلينا بنا لا غير. وقال ذو النون: التقى من لا يدنس ظاهره بالمعارضات ولا باطنه بالعلات ويكون واقفًا مع الله موقف الاتفاق. وقال الواسطى رحمه الله: إذا يلفت العقول الغاية وبلغ بها النهاية فحاصلها يرجع إلى حدث يليق بحدث حبك من ذلك قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} لما كان التقوى وصفك قابلك بما يليق بك وأعلمك أنه غاية ما يليق تقواك ونهايتك فى نجواك. قال الواسطى رحمه الله: من تلقى الأشياء بالله لا ينقطع عن العبادة، ومن تلقاها بنفسه انقطع عن العبادة لأنه تلقاها بشواهد نصرتها وبهجتها فالتقيه هى سبب الحجة عن المتقى. وقال بعضهم: التقوى مقوم على الخطرة، والهمة والفكرة، والنية، والعزم، والقصد، والحركة.

القشيري

تفسير : فالجنة للأتقياء من هذه الأمة مُعَدّةٌ له، والرحمةُ لُعصاةِ المسلمين مُدَّخرةٌ لهم، الجنةُ لُطْفٌ من الله تعالى، والرحمةُ وَصْفٌ لله تعالى. وقوله: {مِنْ عِبَادِنَا}: فَعَبْدُه على الخصوصية مَنْ كان اليومَ في قيد أمره. وقوله: {مَن كَانَ تَقِيّاً}: قوم يتقون المعاصي والمخالفات، وقوم يتقون الشهواتِ، وآخرون يتقون الغفلاتِ، وآخرون يتقون شهود كُلّ غيره.

اسماعيل حقي

تفسير : {تلك} اشارة الى الجنة المذكورة المتقدمة يريد تلك التى بلغك وصفها وسمعت بذكرها {الجنة} قال فى الارشاد مبتدأ وخبر جيى به لتعظيم شأن الجنة وتعيين اهلها ويجوز ان يكون الجنة صفة للمبتدأ الذى هو اسم الاشارة وخبره قوله {التى نورث} اى نورثها ونعطيها بغير اختيار الوارث {من عبادنا من كان تقيا} مجتنبا عن الشرك والمعاصى مطيعا لله اى نبقيها عليهم بتقواهم ونمتعهم بها كما نبقى على الوارث مال مورثه ونمتعه به. قال فى الاسئلة المقحمة كيف قال نورث والميراث ما انتقل من شخص الى شخص والجواب ان هذا على وجه التشبيه اراد ان الاعمال سبب لها كالنسب ملك بلا كسب ولا تكلف وكذا الجنة عطاء من الله ورحمة منه خلافا للقدرية انتهى. والوراثة اقوى ما يستعمل فى التملك والاستحقاق من حيث انها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ولا ابطال والا اسقاط. قال فى الاشباه لو قال الوارث تركت حقى بطل حقه انتهى. وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التى كانت لاهل النار لو آمنوا واطاعوا زيادة فى كرامتهم. قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة اعلم ان الجنات ثلاث. الاولى جنة اختصاص الهى وهى ألتى يدخلها الاطفال الذين لم يبلغوا حد العمل وحدهم من اول ما يولد الى ان يستهل صارخا الى انقضاء ستة اعوام ويعطى الله من شاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء ومن اهلها المجانين الذين ما عقلوا ومن اهلها اهل التوحيد العلمى من اهلها اهل الفترات ومن لم تصل اليهم دعوة رسول. والجنة الثانية جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ممن ذكرنا من المؤمنين وهى الاماكن التى كان معينة لاهل النار لو دخلوها. والجنة الثالثة جنة الاعمال وهى التى ينزل الناس فيها باعمالهم فمن كان افضل من غيره فى وجوه التفاضل كان له من الجنة اكثر سواء كان الفاضل بهذه الحال دون المفضول او لم يكن فما من عمل الا وله جنة يقع التفاضل فيها بين اصحابها ورد فى الحديث الصحيح عن النبى عليه السلام انه قال لبلال "حديث : يا بلال بما سبقتنى الى الجنة فما وطئت منها موضعا الا سمعت خشخشتك امامى" فقال يا رسول الله ما احدثت قط الا توضأت وما توضأت الا صليت ركعتين فقال رسول الله عليه السلام "بهما"تفسير : فعلمنا انها كانت جنة مخصوصة بهذا العمل فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم ومكروه الا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص يناله من دخلها ومن الناس من يجمع فى الزمن الواحد اعمالا كثيرة فيصرف سمعه وبصره ويده فيما ينبغى فى زمان صومه وصدقته بل فى زمان صلاته فى زمان ذكره فى زمان نيته من فعل وترك فيؤجر فى الزمن الواحد من وجوه كثيرة فيفضل غيره ممن ليس له ذلك نسأل الله تعالى ان يجعلنا من اهل الطاعة.

الجنابذي

تفسير : اعلم، انّ الانسان الكامل ذو نشأت وفى كلّ نشأةٍ له اموالٌ واقرباء وكما انّ صحّة النّسب الجسمانيّة مبتنيةٌ على ما اسّسه الشّارعون فى كلّ شريعةٍ وملّةٍ لتصحيحها كذلك النّسبة الرّوحانيّة مبتنيةٌ صحّتها على ما اسّسوه من عقد الايمان، وكما انّ النّسبة الجسمانيّة اذا لم تكن مبتنيةً على ما اسّسوه لم تكن مؤثّرة فى ترتّب آثار النّسبة من الميراث وغيرها كذلك النّسب الرّوحانيّة اذا لم تكن مبتنيةً على ما اسّسوه لم تكن مؤثرةً، وكما انّ المنتسب بالنّسبة الجسمانيّة اذا لم يكن له ما يصحّح نسبته كان لغيّة كذلك المنتسب بالنّسبة الرّوحانيّة اذا لم يكن له ما يصحّح نسبته كان منتحلاً، وقد مضى تحقيق تامّ للنّسبة الجسمانيّة والرّوحانيّة والفرق بينهما وشرافة النّسبة الرّوحانيّة بالنّسبة الى الجسمانيّة فى سورة البقرة عند قوله {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [البقرة:83]، وكما انّ الانسان ما دام يكون فى عالم الطّبع كان له اموال واذا انصرف من هذا العالم كان الاحقّ بأمواله قراباته بحقّ النّسبة الجسمانيّة كذلك المتخلّف عن الكامل فى العوالم الرّوحانيّة كان الاحقّ به قراباته الرّوحانية، وكما انّ المتخلّف عن مرتبته الجسمانيّة لا حقّ لقراباته الرّوحانيّة فيه كذلك المتخلّف عن مرتبته الرّوحانيّة لا حقّ لقراباته الجسمانيّة فيه فان كلّ خلّةٍ وكلّ نسبةٍ منقطعة يوم القيامة الاّ الخلّة والنّسبة فى الله، ولمّا كان اصل الكاملين وابو الآباء الرّوحانيّة علىّ بن ابى طالب (ع) وكان منصرفاً عن جميع العوالم ومتمكّناً فى مقام المشيّة الّتى هى فوق الامكان كان جميع عوالم الامكان متخلّفة عنه وميراثاً لاولاده المنتسبين اليه بالنّسبة الصّحيحة بقدر مراتبهم فى النّسبة، وان كانوا فى الدّنيا مغصوباً منهم امواله كما قال تعالى: {أية : قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [الأعراف: 32] بالايمان الخاصّ وعقد الايمان مع علىّ (ع) مغصوباً عليها فى الدّنيا خالصة يوم القيامة وهذا معنى ايراث الفردوس، وامّا ايراث منازل اهل النّار للمؤمنين فهو عبارة عن ايراث ما كان اهل النّار يستحقّونه لو لم يقطعوا نسبتهم الى علىٍّ (ع) فانّ كلّ الموجودات لها نسبة فطريّة الى علىّ (ع) وقد يقطع الانسان نسبته الفطريّة الى الولاية فيترك منازله وامواله الّتى كانت مقرّرة له بحكم الولاية التّكوينيّة فيرثها ذوو انسابه الآخرون مثل الجنين الّذى يترك من اموال الميّت قسط له فان تولّد حيّاً وبلغ اخذ قسطه وان ولد ميّتاً او لم يبلغ كان قسطه لسائر الورثة بحكم النّسبة، اذا عرفت ذلك، فلا حاجة لك الى التّكلّفات الّتى ارتكبوها فى تصحيح اطلاق الارث على ما ذكر، ومن عبادنا ظرف لغو متعلّق بنورث والمعنى نورث الجنّة من مال عبادنا المخصوصين الّذين خرجوا من رقّيّة انفسهم وصاروا بتمام وجودهم خالصين لنا فصاروا كاملين ومكمّلين ومالكين بتمليكنا درجات الآخرة، وبعد ما تخلّفت منهم بتوجّههم ونقلهم الى ما فوقهم اورثنا تلك الدّرجات منهم عباداً كانوا اتقياء بان دخلوا فى الولاية فانّ التّقوى الحقيقيّة لا تتصوّر الاّ بالدّخول فى الولاية او من عبادنا ظرف مستقرّ حال ممّن كان تقيّاً والمعنى حينئذٍ نورث الجنّات من كان تقيّاً حال كونه صار من عبادنا بان اشترى الله منه ماله ونفسه بانّ له الجنّة، وفائدة التّقييد بالحال الاشعار بانّ التّقوى الحقيقيّة لا تحصل الاّ بالبيعة الولويّة او النّبويّة.

الهواري

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ الجَنَّةُ} أي التي وصف {التِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً}. ذكر بعضهم قال: إن الله تبارك وتعالى قال: ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم. قوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} قال بعضهم: هذا قول جبريل عليه السلام. احتبس عن النبي عليه السلام في بعض الوحي، فقال نبي الله عليه السلام: "حديث : ما جئت حتى اشتقت إليك"تفسير : . فقال جبريل: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}. {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} من أمر الآخرة. {وَمَا خَلْفَنَا} أي من أمر الدنيا، أي: إذا كنا في الآخرة {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} من أمر الدنيا والآخرة. وقال الكلبي: هو البرزخ، يعني ما بين النفختين. قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} ولكن الأمر إليه ليس إلينا. {رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} قال الحسن: أي: لما فرض عليك. قوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} أي: هل تعلم له عدلاً، أي من قبل المساماة. ذكروا عن الحسن قال: الله والرحمن اسمان ممنوعان لم يستطع أحد من الخلق أن ينتحلها. وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} على الاستفهام أي: إنك لا تعلمه. أي: لا سمي يخلق كخلقه، ويرزق كرزقه. وهو من باب المساماة.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ الْجنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا} من للتبعيض المتقدم بناء على جواز ذلك. ومعنى نورث: نُبْقِى والوراثة أقوى ما يستعمل فى الملك والاستحقاق، من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع، ولا تبطل برد ولا إسقاط. ويقدر متعلق له. {مَنْ كَانَ تَقِيّاً} أى نبقيها لمن كان تقيا من عبادنا من ثمرة تقواهم؛ لأن المتقين يلقون ربهم يوم القيامة، قد انقضت أعمالهم، وثمرتها باقية وهى الجنة فهو قد أورثهم الجنة من تقواهم، كما يورث المال من المتوفى. وقيل: نورث من كان تقيّاً من عبادنا ما لأهل النار من المساكن فى الجنة. ويجوز على هذا أن يراد بالعباد أهل النار، فيتعلق من بنورث، وتجعل للابتداء. وقرأ يعقوب بفتح الواو وتشديد الراء.

اطفيش

تفسير : {تلك الجنَّة} مبتدأ وخبر وإشارة البعد للتعظيم {التى} نعت الجنة {نُورثُ} نورثها، هذه الهاء مفعول ثان {مِنْ عبادنا} حال من الموصول فى قوله عز وجل: {مَنْ كَان تَقياً} وهو مفعول أول أى نصير من كان تقياً من عبادنا، وارثاً تلك الجنة تعدى وماضيه لاثنين بالهمزة، وقرأ محبوب أبو محمد بن محبوب عن أبى عمرو بن العلاء، وكان يدخل البصرة، نورث بفتح الواو وشد الراء كسورة، والتعدية لهما بالشد أو الهاء أول أى نجعلها باقية تنال التقى والإيراث أو التوريث مستعار لتملى لا يقبل الفسخ والاسترجاع بخلاف التمليك بالبيع أو الهبة. وحيث ذكرت بالشراء فالمراد الشراء الذى كالميراث فى ذلك والآية نصت على أن الجنة كلها موروثة، ولا يصح تفسيرها بإيراث الله المسلمين أزواج الكفرة وولدانهم ومنازلهم وأعلامهم التى لهم فى الجنة لو كانوا سعداء كما جاء الأثر بذلك، فإن هذا بعض فإن صح الأثر قيل به، لكن لا تفسر الآية والأولياء، وتكذيبهم، والإجابة عنهم، وذكر الأخلاف عقب ذلك بالتلويح الى به، ويحتمل أن الآية تمثيل لما ذكر الله عز وجل إساءة الكفرة بالأنبياء إساءتهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوابه عنه إذ سألوه عن أصحاب الكهف وذى القرنين والروح، وقال أخبركم غداً ولم يقل إن شاء الله، فطال عنه الوحى حتى قالوا ودعه ربه، واشتد حزنه، واشتاق الى الوحى، فنزل جبريل فقال له: احتبست عنى حتى ساء ظنى، فأجابه بقوله: {وما نتنزَّل إلا بأمر ربِّك} وروى أنه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منعك أن تزورنا، أكثر مما تزورنا" تفسير : فقال ما نتنزل إلا بأمر ربك الخ، والتنزل النزول على مهل، وضمير نتنزل لجبريل المعروف من المقام مع الملائكة {له} لا لنا {ما بَيْن أيْدينا} ما قدامنا من الزمان {وما خلفنا} من الزمان. {وما بَيْن ذلك} المذكور من الزمان، فلا ننزل إلا فى زمان أراده للنزول، وإنما فسرت ما بالزمان، لأنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: حديث : لِمَ لَمْ تنزل الى هذا الوقت، ولم لا تنزل زماناً كثيراً، تفسير : وإنما ذكر ما بين ذلك مع أنه حين بدا ذكره مستقبل، وكل جزء من أجزاء الذكر ماض بعد تمامه، كما تقول: الحال أجزاء من أواخر الماضى، ومن أوائل المستقبل، لأنه يتشخص بذلك، أو ما بين أيدينا قبل وجودنا، وما خلفنا بعد فنائنا، وما بين ذلك مدة الحياة، أو ما بين أيدينا زمان الدنيا، وما خلفنا زمان البعث بلا تناه، وما بين ذلك ما بين ما بين نفخة الموت ونفخة البعث أربعون سنة، وقيل أربعون يوماً بين النفختين، أو ما بين الأيدى الآخرة لأنها مستقبلة، وما خلفنا الدنيا، لأنها تمضى عنا وتخلفها شيئا فشيئا، وما بين ذلك ما بين النفختين، وإنما يذكر الدنيا لأن حين الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد اختلفت بينا ردت السماء فوق أهو من الدنيا، وأنه يفنى، أو من الآخرة أو واسطة وزمان ذلك تابع له، أو ما بين أيدينا للسماء، وما خلفنا الأرض أو بالعكس، وما بين ذلك ما بينهما أو ما بين أيدينا ما ينتلقون إليه، وما خلفنا ما ينتقلون منه، وما بين ذلك ما هم فيه، ولا يخفى أن التفسير بالمكان غير مناسب لأن المقام للزمان، وقيل المراد الزمان والمكان معاً، والهواء من المكان لا ننتقل فى زمان أو مكان أو إليه إلا بإذن مالكه تعالى، وقدر بعض له علم ما بين أيدينا واختار بعض تعميم الملك والعلم. {وَمَا كان ربُّك نسياً} تاركاً لك كما قال الكفرة، لما تأخر عنه الوحى تركه ربه، بل تأخر لحكمة، أو تاركاً لأنبيائه وأنت منهم، فيكون نفى تركه بطريق البرهان، وقيل النسيان على ظاهره، ولا بأس بنفى مالا يتوهم ثبوته، وقد ورد فى القرآن لحكمة تذكير المخاطب إن غفل عن استحضاره، أو لكون الكفار مثلا صدر منهم ما يناسب خلافه ولا يبعد أن يكون بنسيان الله، أو لمناسبة المبالغة فمبالغة نسياً راجعة الى النفى، أى انتفى النسيان عنه انتفاء بليغاً، فلعله جواب لتوهم الكفار أنه نسيه أو غفل عنه، فالنسيان بمعنى الغفلة. وسلاه بذكر لفظ "رب المشعر" بالأنعام مع الإضافة، وقيل أول الآية الى وما بين ذلك من كلام الهتافين فى الجنة، وتنزلهم فى منازلهم من الجنة، وكل ما مر أو يأتى أو حضر من التوفيق، والنعم ملك له، وقرره الله بقوله عز وجل: "وما كان ربك نسياً، لا يغفل، ولا يتركنا ولا ينسانا، ولا تاركاً لثواب أعمالنا، وذلك خلاف الظاهر، بل لو كان كذلك لقالوا إلا بأمر ربنا، إلا أن ذكره الله عنهم للنبى صلى الله عليه وسلم بغير اللفظ الذى ذكروه يجزى، لأنه ربه وربهم واحد، وليناسب الخطاب فى: {ما كان ربك نسياً}.

الالوسي

تفسير : استئناف جيء به لتعظيم شأن الجنة وتعيين أهلها فاسم الإشارة مبتدأ و{الجنة} خبر له والموصول صفة لها والجملة بعده صلته والعائد محذوف أي نورثها، وبذلك / قرأ الأعمش وقرأ الحسن والأعرج وقتادة ورويس وحميد وابن أبـي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبـي عمرو {نورث } بفتح الواو وتشديد الراء والمراد نبقيها على من كان تقياً من ثمرة تقواه ونمتعه بها كما نبقي على الوارث مال مورثه ونمتعه به فالإيراث مستعار للإبقاء، وإيثاره على سائر ما يدل على ذلك كالبيع والهبة لأنه أتم أنواع التمليك من حيث أنه لا يعقب بفسخ ولا استرجاع ولا إبطال، وقيل: يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا. أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن شوذب قال: ليس من أحد إلا وله في الجنة منزل وأزواج فإذا كان يوم القيامة ورث الله تعالى المؤمن كذا وكذا منزلاً من منازل الكفار وذلك قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ } الآية، ولا يخفى أن هذا إن صح فيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس وإلا فقد قيل عليه: إنه ضعيف لأنه يدل على أن بعض الجنة موروث والنظم الجليل يدل على أنها كلها كذلك ولأن الإيراث ينبىء عن ملك سابق لا على فرضه مع أنه لا داعي للفرض هنا لكن تعقب بأنه يكفي في الإيراث كون الموروث كان موجوداً لكن بشرط التقوى بناء على ما ذهب إليه بعضهم في قوله تعالى: {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ } تفسير : [مريم: 61] حيث قال: المراد من العباد ما يعم المؤمن التقي وغيره ووعد غير المؤمن التقي مشروط بالإيمان والتقوى، نعم اختار الأكثرون أن المراد من العباد هناك المتقون والمراد منهم هنا الأعم، والمراد من التقي من آمن وعمل صالحاً على ما قيل، ولا دلالة في الآية على أن غيره لا يدخل الجنة مطلقاً، وأخرج ابن أبـي حاتم عن داود بن أبـي هند أنه الموحد فتذكر ولا تغفل.

الشنقيطي

تفسير : الإشارة في قوله "تلك" إلى ما تقدم من قوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [مريم: 60-61] الآية. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يورث المتقين من عباده جنته. وقد بين هذا المعنى أيضاً في مواضع أخر، كقوله تعالى:{أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1-2] - إلى قوله - {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [المؤمنون: 10-11] وقوله: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [آل عمران: 133] الآيات، وقوله تعالى: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً}تفسير : [الزمر: 73] الآية، وقوله: {أية : وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأعراف: 43]، إلى غير ذلك من الآيات. ومعنى إيراثهم الجنة: الإنعام عليهم بالخلود فيها في أكمل نعيم وسرور. قال الزمخشري في (الكشاف): نورث أي نبقي عليه الجنة كما نبقي علىالوارث مال الموروث، ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم، وثمرتها باقية وهي الجنة. فـإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى. وقال بعض أهل العلم: معنى إيراثهم الجنة أن الله تعالى خلق لكل نفس منزلاً في الجنة. ومنزلاً في النار. فإذا دخل أهل الجنة الجنة؛ أراهم منازلهم في النار لو كفروا وعصوا الله ليزداد سرورهم وغبطتهم؛ وعند ذلك يقولون {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ}تفسير : [الأعراف: 43] الآية. وكذلك يرى أهل النار منازلهم في الجنة لو آمنوا واتقوا الله لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم: {أية : لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزمر: 57]. ثم إنه تعالى يجعل منازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة فيرثون منازل أهل النار في الجنة. وهذا هو معنى الإيراث المذكور على هذا القول. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: قد جاء حديث يدل لما ذُكر من أن لكل أحد منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، إلا أن حمل الآية عليه غير صواب، لأن أهل الجنة يرثون من الجنة منازلهم المعدة لهم بأعمالهم وتقواهم، كما قد قال تعالى: {أية : وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأعراف: 43] ونحوها من الآيات. ولو فرضنا أنهم يرثون منازل أهل النار فحمل الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنة إلا ما أورثوا من منازل أهل النار والواقع بخلاف ذلك كما ترى. والحديث المذكور هو ما رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة"حديث : كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له شكر. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لولا أن الله هداني فيكون عليه حسرة" تفسير : اهـ. وعلم في الجامع الصغير على هذا الحديث علامة الصحة. وقال شارحه المناوي: قال الحاكم صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. وقال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح اهـ.

د. أسعد حومد

تفسير : (63) - وَالْجَنَّةُ الَّتِي بَيَّنَ اللهُ أَوْصَافَهَا العَظِيمَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ، هِيَ الَّتِي يُورِثُهَا عِبَادَهُ المُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُطِيعُونَ رَبَّهُمْ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَاءِ، وَيَكْظِمُونَ الغَيْظَ، وَيَعْفُونَ عَنِ النَّاسِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ..} [مريم: 63] أي: التي يعطينا صورة لها هي: {ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} [مريم: 63] أ ي: يرثونها، فهل كان في الجنة أحد قبل هؤلاء، فَهُم يرثونه؟ الحق - تبارك وتعالى - قبل أن يخلق الخَلْق عرف منهم مَنْ سيؤمن باختياره، ومَنْ سيكفر باختياره، علم مَنْ سيطيع ومَنْ سيعصي، فلم يُرغِم سبحانه عباده على شيء، إنما علم ما سيكون منهم بطلاقة علمه تعالى، إلا أنه تعالى أعدَّ الجنة لتسع جميع الخَلْق إنْ أطاعوا، وأعدَّ النار لتسع جميع الخَلْق إنْ عَصَوْا، فلن يكون هناك إذن زحام ولا أزمة إسكان، إنْ دخل الناس جميعاً الجنة، أو دخلوا جميعاً النار. إذن: حينما يدخل أهلُ النارِ النارَ، أين تذهب أماكنهم التي أُعِدَّتْ لهم في الجنة؟ تذهب إلى أهل الجنة، فيرثونها بعد أنْ حُرم منها هؤلاء. ثم يقول رب العزة سبحانه: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ...}.