Verse. 2314 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

وَمَا نَتَنَزَّلُ اِلَّا بِاَمْرِ رَبِّكَ۝۰ۚ لَہٗ مَا بَيْنَ اَيْدِيْــنَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ۝۰ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِـيًّا۝۶۴ۚ
Wama natanazzalu illa biamri rabbika lahu ma bayna aydeena wama khalfana wama bayna thalika wama kana rabbuka nasiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا» أي أمامنا من أمور الآخرة «وما خلفنا» من أمور الدنيا «وما بين ذلك» أي: ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة أي له علم ذلك جمعيه «وما كان ربك نسيّا» بمعنى ناسيا أي: تاركا لك بتأخير الوحي عنك.

64

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية إشكالاً وهو أو قوله: { أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } تفسير : [مريم: 63] كلام الله وقوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } كلام غير الله فكيف جاز عطف هذا على ما قبله من غير فصل. والجواب أنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كما أن قوله سبحانه: { أية : إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [البقرة: 117] هو كلام الله وقوله: { أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ } تفسير : [آل عمران: 51] كلام غير الله وأحدهما معطوف على الآخر، واعلم أن ظاهر قوله تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } خطاب جماعة لواحد وذلك لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول ويحتمل في سببه ما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يجدونه في كتابهم فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن فإن أخبركم بخصلتين منهما فاتبعوه، فاسألوه عن فتية أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح قال فجاءوا فسألوه عن ذلك لم يدر كيف يجيب فوعدهم أن يجيبهم بعد ذلك، ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه أربعين يوماً وقيل خمسة عشر يوماً فشق عليه ذلك مشقة شديدة وقال المشركون ودعه ربه وقلاه، فنزل جبريل عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك قال إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: { أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى ثم أكدوا ذلك بقولهم: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا } أي هو المدبر لنا في كل الأوقات الماضي والمستقبل وما بينهما أو الدنيا والآخرة وما بينهما فإنه يعلم إصلاح التدبير مستقبلاً وماضياً وما بينهما والغرض أن أمرنا موكول إلى الله تعالى يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته وحكمته لا اعتراض لأحد عليه فيه وقال أبو مسلم قوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } يجوز أن يكون قول أهل الجنة والمراد وما نتنزل الجنة إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا أي في الجنة مستقبلاً وما خلفنا مما كان في الدنيا وما بين ذلك أي ما بين الوقتين وما كان ربك نسياً لشيء مما خلق فيترك إعادته لأنه عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } ابتداء كلام منه تعالى في مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتصل به: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي بل هو {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ } قال القاضي وهذا مخالف للظاهر من وجوه: أحدها: أن ظاهر التنزل نزول الملائكة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله بأمر ربك وظاهر الأمر بحال التكليف أليق، وثانيها: أنه خطاب من جماعة لواحد وذلك لا يليق بمخاطبة بعضهم لبعض في الجنة. وثالثها: أن ما في سياقه من قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } لا يليق إلا بحال التكليف ولا يوصف به الرسول صلى الله عليه وسلم فكأنهم قالوا للرسول وما كان ربك يا محمد نسياً يجوز عليه السهو حتى يضرك إبطاؤنا بالتنزل عليك إلى مثل ذلك ثم ههنا أبحاث: البحث الأول: قال صاحب «الكشاف» التنزل على معنيين: أحدهما: النزول على مهل. والثاني: بمعنى النزول على الإطلاق والدليل عليه أنه مطاوع نزل ونزل يكون بمعنى أنزل وبمعنى التدريج واللائق بمثل هذا الموضع هو النزول على مهل والمراد أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت ليس إلا بأمر الله تعالى. البحث الثاني: ذكروا في قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } وجوهاً: أحدها: له ما قدامنا وما خلفنا من الجهات وما نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومن مكان إلى مكان إلا بأمره ومشيئته فليس لنا أن ننقلب من السماء إلى الأرض إلا بأمره. وثانيها: له ما بين أيدينا ما سلف من أمر الدنيا وما خلفنا ما يستقبل من أمر الآخرة وما بين ذلك وما بين النفختين وهو أربعون سنة. وثالثها: ما مضى من أعمارنا وما غبر من ذلك والحال التي نحن فيها. ورابعها: ما قبل وجودنا وما بعد فنائنا. وخامسها: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض وعلى كل التقديرات فالمقصود أنه المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة فكيف نقدم على فعل إلا بأمره وحكمه. البحث الثالث: قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } أي تاركاً لك كقوله: { أية : مَا وَعْدَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ } تفسير : [الضحى: 3] أي ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك، أما قوله: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } فالمراد أن من يكون رباً لها أجمع لا يجوز عليه النسيان إذ لا بد من أن يمسكها حالاً بعد حال وإلا بطل الأمر فيهما وفيمن يتصرف فيهما، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى، لأن فعل العبد حاصل بين السماء والأرض. والآية دالة على أنه رب لكل شيء حصل بينهما، قال صاحب «الكشاف»: رب السموات والأرض بدل من ربك ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السموات والأرض فاعبده واصطبر لعبادته فهو أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بالعبادة والمصابرة على مشاق التكاليف في الأداء والإبلاغ وفيما يخصه من العبادة فإن قيل لم لم يقل واصطبر على عبادته بل قال واصطبر لعبادته قلنا: لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب اصطبر لقرنك أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته. والمعنى أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها ولا تهن ولا يضق صدرك من إلقاء أهل الكتاب إليك الأغاليط عن احتباس الوحي عنك مدة وشماتة المشركين بك، أما قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } فالظاهر يدل على أنه تعالى جعل علة الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سمي له، والأقرب هو كونه منعماً بأصول النعم وفروعها وهي خلق الأجسام والحياة والعقل وغيرها فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه، فإذا كان هو قد أنعم عليك بغاية الإنعام وجب أن تعظمه بغاية التعظيم وهي العبادة، ومن الناس من قال: المراد أنه سبحانه ليس له شريك في اسمه وبينوا ذلك من وجهين: الأول: أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله على شيء سواه وعن ابن عباس رضي الله عنهما لا يسمى بالرحمن غيره. الثاني: هل تعلم من سمى باسمه على الحق دون الباطل؟ لأن التسمية على الباطل في كونها غير معتد بها كلا تسمية، والقول الأول هو الصواب، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : روى الترمذي عن ابن عباس قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما منعك أن تزورنا أكثر مِما تزورنا» قال: فنزلت هذه الآية {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} إلى آخر الآيةتفسير : . قال هذا حديث حسن غريب. ورواه البخاري: حدّثنا خلاد بن يحيـى حدّثنا عمر بن ذرّ قال: سمعت أبي يحدّث عن سعيد بن جبير «حديث : عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}» الآية؛ قال: كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلمتفسير : . وقال مجاهد: «حديث : أبطأ الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه، فقال: «ما الذي أبطأك» قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تأخذون من شواربكم، ولا تُنَقُّون رَوَاجِبَكم، ولا تستاكون؛ قال مجاهد: فنزلت الآية في هذا» تفسير : . وقال مجاهد أيضاً وقتادة وعكرمة والضحاك ومقاتل والكلبي: احتبس جبريل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوا عنه؛ قال عكرمة: فأبطأ عليه أربعين يوماً. وقال مجاهد: اثنتي عشرة ليلة. وقيل: خمسة عشر يوماً؛ وقيل: ثلاثة عشر. وقيل: ثلاثة أيام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : «أبطأت عليّ حتى ساء ظني واشتقت إليك» فقال جبريل عليه السلام: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست» تفسير : ، فنزلت الآية: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} وأنزل {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ } تفسير : [الضحى: 1 ـ 3]. ذكره الثعلبي والواحدي والقشيري وغيرهم. وقيل: هو إخبار من أهل الجنة أنهم يقولون عند دخولها: وما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر ربك. وعلى هذا تكون الآية متصلة بما قبل. وعلى ما ذكرنا من الأقوال قيل: تكون غير متصلة بما قبلها، والقرآن سور، ثم السور تشتمل على جمل، وقد تنفصل جملة عن جملة. «وَمَا نَتَنَزَّلُ» أي قال الله تعالى: قل يا جبريل{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}. وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنا إذا أمرنا نَزَلنا عليك. الثاني: إذا أمرك ربك نزّلنا عليك، فيكون الأمر على (الوجه) الأوّل متوجهاً إلى النزول، وعلى الوجه الثاني متوجهاً إلى التنزيل. وقوله تعالى: {لَهُ} أي لله. {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} أي علم ما بين أيدينا {وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} قال ابن عباس وابن جريج: ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، وما يكون بعدنا من أمرها وأمر الآخرة «وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ» البرزخ. وقال قتادة ومقاتل: «له ما بين أيدينا» من أمر الآخرة «وما خلفنا» ما مضى من الدنيا «وما بين ذلك» ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة. الأخفش: «ما بين أيدينا» ما كان قبل أن نخلق «وما خلفنا» ما يكون بعد أن نموت «وما بين ذلك» ما يكون منذ خلقنا إلى أن نموت. وقيل: «ما بين أيدينا» من الثواب والعقاب وأمور الآخرة. «وما خلفنا» ما مضى من أعمالنا في الدنيا «وما بين ذلك» أي ما يكون من هذا الوقت إلى يوم القيامة. ويحتمل خامساً: «ما بين أيدينا» السماء «وما خلفنا» الأرض «وما بين ذلك» أي ما بين السماء والأرض. وقال ابن عباس في رواية: «له ما بين أيدينا» يريد الدنيا إلى الأرض «وما خلفنا» يريد السموات ـ وهذا على عكس ما قبله ـ «وما بين ذلك» يريد الهواء؛ ذكر الأوّل الماوردي والثاني القشيريّ. الزمخشري: وقيل ما مضى من أعمارنا وما غبر منها، والحال التي نحن فيها. ولم يقل: ما بين ذينك لأن المراد ما بين ما ذكرنا؛ كما قال: {أية : لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ} تفسير : [البقرة: 68] أي بين ما ذكرنا. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} أي ناسياً إذا شاء أن يرسل إليك أرسل. وقيل: المعنى لم ينسك وإن تأخر عنك الوحي. وقيل: المعنى أنه عالم بجميع الأشياء متقدمها ومتأخرها، ولا ينسى شيئاً منها. قوله تعالى: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي ربهما وخالقهما وخالق ما بينهما ومالكهما ومالك ما بينهما؛ فكما إليه تدبير الأزمان كذلك إليه تدبير الأعيان. {فَٱعْبُدْهُ} أي وحِّده لذلك. وفي هذا دلالة على أن اكتسابات الخلق مفعولة لله تعالى؛ كما يقوله أهل الحق، وهو القول الحق؛ لأن الرب في هذا الموضع لا يمكن حمله على معنى من معانيه إلا على المالك، وإذا ثبت أنه مالك ما بين السماء والأرض، دخل في ذلك اكتساب الخلق، ووجبت عبادته؛ لما ثبت أنه المالك على الإطلاق، وحقيقة العبادة الطاعة بغاية الخضوع، ولا يستحقها أحد سوى المالك المعبود. {وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} أي لطاعته ولا تحزن لتأخير الوحي عنك، بل اشتغل بما أمرت به. وأصل اصطبر اصتبر، فثقل الجمع بين التاء والصاد لاختلافهما، فأبدل من التاء طاء؛ كما تقول من الصوم: اصطام {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} قال ابن عباس: يريد هل تعلم له ولداً أو نظيراً؛ أو مثلاً؛ أو شبيهاً يستحق مثل اسمه الذي هو الرحمن. وقاله مجاهد. مأخوذ من المساماة. وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: هل تعلم أحداً سمي الرحمن. قال النحاس: وهذا أجلّ إسناد علمته روي في هذا الحرف، وهو قول صحيح؛ لا يقال الرحمن إلا لله. قلت: وقد مضى هذا مبيناً في البسملة. والحمد لله. روى ابن أبي نجيح عن مجاهد «هل تعلم له سمِيا» قال: مثلاً. ابن المسيب: عدلاً. قتادة والكلبي: هل تعلم أحداً يسمي الله تعالى غير الله، أو يقال له الله إلا الله. وهل بمعنى لا؛ أي لا تعلم. والله تعالى أعلم.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى ووكيع قالا: حدثنا عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرائيل: «حديث : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» تفسير : قال: فنزلت: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} إلى آخر الآية. انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عند تفسير هذه الآية عن أبي نعيم عن عمر بن ذر به، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عمر بن ذر به، وعندهما زيادة في آخر الحديث: فكان ذلك الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم وقال العوفي عن ابن عباس: احتبس جبرائيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وحزن، فأتاه جبريل وقال: يا محمد {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية. وقال مجاهد: لبث جبرائيل عن محمد صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة ليلة، ويقولون قُلِيَ، فلما جاءه قال: «حديث : يا جبرائيل لقد رثت علي، حتى ظن المشركون كل ظن» تفسير : فنزلت: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية. قال: وهذه الآية كالتي في الضحى. وكذلك قال الضحاك بن مزاحم وقتادة والسدي وغير واحد: إنها نزلت في احتباس جبرائيل. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبرائيل النزول على النبي صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً، ثم نزل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما نزلت حتى اشتقت إليك» تفسير : فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق، ولكني مأمور، فأَوحى الله إلى جبرائيل أن قل له: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية، ورواه ابن أبي حاتم رحمه الله، وهو غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مجاهد قال: أبطأت الرسل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتاه جبريل. فقال له: «حديث : ما حبسك يا جبريل؟» تفسير : فقال له جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون. ثم قرأ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} إلى آخر الآية. وقد قال الطبراني: حدثنا أبو عامر النحوي، حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني ثعلبة بن مسلم عن أبي كعب مولى ابن عباس، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل أبطأ عليه، فذكر له ذلك، فقال: وكيف وأنتم لا تستنون، ولا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم؟ وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي اليمان عن إسماعيل بن عياش عن ابن عباس بنحوه. وقال الإمام احمد: حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا المغيرة بن حبيب ختن مالك بن دينار، حدثني شيخ من أهل المدينة عن أم سلمة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أصلحي لنا المجلس؛ فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط» تفسير : وقوله: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} قيل: المراد ما بين أيدينا أمر الدنيا، وما خلفنا أمر الآخرة، {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} ما بين النفختين، هذا قول أبي العالية وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في رواية عنهما، والسدي والربيع بن أنس، وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} ما يستقبل من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا} أي: ما مضى من الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} أي: ما بين الدنيا والآخرة، ويروى نحوه عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن جريج والثوري، واختاره ابن جرير أيضاً، والله اعلم. وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} قال مجاهد: معناه ما نسيك ربك، وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 1 - 3]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا محمد بن عثمان، يعني: أبا الجماهر، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء يرفعه قال: «حديث : ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً» تفسير : ثم تلا هذه الاية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} وقوله: {رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: خالق ذلك ومدبره، والحاكم فيه والمتصرف الذي لا معقب لحكمه {فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هل تعلم للرب مثلاً أو شبيهاً، وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم. وقال عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد يسمي الرحمن غيره تبارك وتعالى وتقدس اسمه.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما تأخر الوحي أياماً وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } أي أمامنا من أمور الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا } من أمور الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } أي: ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة أي له علم ذلك جميعه {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } بمعنى ناسياً أي: تاركاً لك بتأخير الوحي عنك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ } أي قال الله سبحانه: قل يا جبريل. وما نتنزل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ نزول جبريل عليه، فأمر جبريل أن يخبره بأن الملائكة ما تتنزل عليه إلا بأمر الله. قيل: احتبس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً؛ وقيل: خمسة عشر وقيل: اثني عشر وقيل: ثلاثة أيام؛ وقيل: إن هذا حكاية عن أهل الجنة، وأنهم يقولون عند دخولها: وما نتنزل هذه الجنان {إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } والأوّل أولى بدلالة ما قبله، ومعناه يحتمل وجهين: الأوّل: وما نتنزّل عليك إلا بأمر ربك لنا بالتنزل. والثاني: وما نتنزّل عليك إلا بأمر ربك الذي يأمرك به بما شرعه لك ولأمتك، والتنزل: النزول على مهل، وقد يطلق على مطلق النزول. ثم أكد جبريل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} أي من الجهات والأماكن، أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة، وما بينهما من الزمان أو المكان الذي نحن فيه، فلا نقدر على أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته، وقيل: المعنى: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة وما بين ذلك، وهو ما بين النفختين وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض وقيل: ما مضى من أعمارنا وما غبر منها والحالة التي نحن فيها. وعلى هذه الأقوال كلها يكون المعنى: أن الله سبحانه هو المحيط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرّة، فلا نقدم على أمر إلا بإذنه، وقال: {وما بين ذلك} ولم يقل وما بين ذينك، لأن المراد: وما بين ما ذكرنا كما في قوله سبحانه: {أية : عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } تفسير : [البقرة: 68]. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } أي لم ينسك وإن تأخر عنك الوحي، وقيل: المعنى إنه عالم بجميع الأشياء لا ينسى منها شيئاً وقيل: المعنى: وما كان ربك ينسى الإرسال إليك عند الوقت الذي يرسل فيه رسله. {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي خالقهما وخالق ما بينهما، ومالكهما ومالك ما بينهما، ومن كان هكذا فالنسيان محال عليه. ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعبادته والصبر عليها فقال: {فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } والفاء للسببية لأن كونه ربّ العالمين سبب موجب لأن يعيد، وعدى فعل الصبر باللام دون على التي يتعدّى بها لتضمنه معنى الثبات {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } الاستفهام للإنكار. والمعنى: أنه ليس له مثل ولا نظير حتى يشاركه في العبادة، فيلزم من ذلك أن تكون غير خالصة له سبحانه، فلما انتفى المشارك استحق الله سبحانه أن يفرد بالعبادة وتخلص له، هذا مبنيّ على أن المراد بالسميّ: هو الشريك في المسمى وقيل: المراد به: الشريك في الاسم كما هو الظاهر من لغة العرب، فقيل: المعنى إنه لم يسمّ شيء من الأصنام ولا غيرها بالله قط، يعني: بعد دخول الألف واللام التي عوّضت عن الهمزة ولزمت. وقيل: المراد: هل تعلم أحداً اسمه الرحمٰن غيره؟ قال الزجاج: تأويله والله أعلم: هل تعلم له سمياً يستحق أن يقال له: خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون، وعلى هذا لا سميّ لله في جميع أسمائه، لأن غيره وإن سمي بشيء من أسمائه، فللّه سبحانه حقيقة ذلك الوصف، والمراد بنفي العلم المستفاد من الإنكار هنا: نفي المعلوم على أبلغ وجه وأكمله. {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } قرأ الجمهور على الاستفهام، وقرأ ابن ذكوان: "إذا ما متّ" على الخبر، والمراد بالإنسان ها هنا: الكافر، لأن هذا الاستفهام هنا للإنكار والاستهزاء والتكذيب بالبعث وقيل: اللام في الإنسان للجنس بأسره وإن لم يقل هذه المقالة إلا البعض، وهم الكفرة فقد يسند إلى الجماعة ما قام بواحد منهم، والمراد بقوله: {أخرج} أي من القبر، والعامل في الظرف فعل دلّ عليه أخرج، لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها. {أَوَ لاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } الهمزة للإنكار التوبيخي، والواو لعطف الجملة التي بعدها على الجملة التي قبلها، والمراد بالذكر هنا: إعمال الفكر، أي ألا يتفكر هذا الجاحد في أوّل خلقه فيستدلّ بالابتداء على الإعادة، والابتداء أعجب وأغرب من الإعادة، لأن النشأة الأولى هي إخراج لهذه المخلوقات من العدم إلى الوجود ابتداعاً واختراعاً، لم يتقدّم عليه ما يكون كالمثال له، وأما النشأة الآخرة فقد تقدّم عليها النشأة الأولى فكانت كالمثال لها، ومعنى {مِن قَبْلُ }: قبل الحالة التي هو عليها الآن، وجملة: {ولم يك شيئاً} في محل نصب على الحال، أي والحال أنه لم يكن حينئذٍ شيئاً من الأشياء أصلاً، فإعادته بعد أن كان شيئاً موجوداً أسهل وأيسر. قرأ أهل مكة وأبو عمرو وأبو جعفر وأهل الكوفة إلا عاصماً" {أو لا يذكر} بالتشديد، وأصله يتذكر. وقرأ شيبة ونافع وعاصم وابن عامر "يذكر" بالتخفيف، وفي قرءاة أبيّ: "أو لا يتذكر". ثم لما جاء سبحانه وتعالى بهذه الحجة التي أجمع العقلاء على أنه لم يكن في حجج البعث حجة أقوى منها، أكدها بالقسم باسمه سبحانه مضافاً إلى رسوله تشريفاً له وتعظيماً، فقال: {فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } ومعنى {لنحشرنهم}: لنسوقنهم إلى المحشر بعد إخراجهم من قبورهم أحياء كما كانوا، والواو في قوله: {وَٱلشَّيَـٰطِينَ } للعطف على المنصوب، أو بمعنى مع. والمعنى: أن هؤلاء الجاحدين يحشرهم الله مع شياطينهم الذين أغووهم وأضلوهم، وهذا ظاهر على جعل اللام في الإنسان للعهد، وهو الإنسان الكافر، وأما على جعلها للجنس فكونه قد وجد في الجنس من يحشر مع شيطانه {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً } الجثي جمع جاث، من قولهم جثا على ركبتيه يجثو جثواً، وهو منتصب على الحال، أي جاثين على ركبهم لما يصيبهم من هول الموقف وروعة الحساب، أو لكون الجثي على الركب شأن أهل الموقف كما في قوله سبحانه: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } تفسير : [الجاثية: 28]. وقيل: المراد بقوله: {جثياً}: جماعات، وأصله، جمع جثوة، والجثوة هي: المجموع من التراب أو الحجارة. قال طرفة:شعر : أرى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح منضد تفسير : {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ } الشيعة: الفرقة التي تبعت ديناً من الأديان، وخصص ذلك الزمخشري فقال: هي الطائفة التي شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا } تفسير : [الأنعام: 159]. ومعنى {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } من كان أعصى لله وأعتى فإنه ينزع من كل طائفة من طوائف الغيّ والفساد أعصاهم وأعتاهم، فإذا اجتمعوا طرحهم في جهنم. والعتيّ ها هنا مصدر كالعتوّ، وهو التمرّد في العصيان. وقيل: المعنى لننزعن من أهل كلّ دين قادتهم ورؤساءهم في الشرّ. وقد اتفق القراء على قراءة {أيهم} بالضم إلا هارون الغازي فإنه قرأها بالفتح. قال الزجاج: في رفع أيهم ثلاثة أقوال: الأوّل: قول الخليل بن أحمد إنه مرفوع على الحكاية، والمعنى: ثم لننزعن من كل شيعة الذين يقال لهم أيهم أشدّ. وأنشد الخليل في ذلك قول الشاعر:شعر : وقد أبيت من الفتاة بمنزل فأبيت لا حرج ولا محروم تفسير : أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له هو لا حرج ولا محروم. قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق، يعني: الزجاج، يختار هذا القول ويستحسنه. القول الثاني: قول يونس: وهو أن {لننزعنّ} بمنزلة الأفعال التي تلغى وتعلق. فهذا الفعل عنده معلق عن العمل في أيّ، وخصص الخليل وسيبويه وغيرهما التعليق بأفعال الشك ونحوها مما لم يتحقق وقوعه. القول الثالث: قول سيبويه: إن أيهم ها هنا مبنيّ على الضم، لأنه خالف أخواته في الحذف، وقد غلط سيبويه في قوله هذا جمهور النحويين حتى قال الزجاج: ما تبين لي أن سيبويه غلط في كتابه إلا في موضعين هذا أحدهما، وللنحويين في إعراب {أيهم} هذه في هذا الموضع كلام طويل. {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً } يقال: صلى يصلي صلياً مثل مضى الشيء يمضي مضياً، قال الجوهري: يقال صليت الرجل ناراً إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها، فإن ألقيته إلقاءً كأنك تريد الإحراق قلت: أصليته بالألف وصليته تصلية ومنه: {أية : وَيَصْلَىٰ سَعِيراً } تفسير : [الإنشقاق: 12] ومن خفف فهو من قولهم: صلي فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق، قال الله تعالى: {ٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً } قال العجاج:شعر : والله لولا النار أن تصلاها تفسير : ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين هم أشدّ على الرحمٰن عتياً هم أولى بصليها، أو صليهم أولى بالنار. {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور، فيكون التفاتاً، أي ما منكم من أحد إلا واردها، أي واصلها. وقد اختلف الناس في هذا الورود. فقيل: الورود: الدخول ويكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم. وقالت فرقة: الورود: هو المرور على الصراط وقيل: ليس الورود الدخول إنما هو كما يقول: وردت البصرة ولم أدخلها، وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود، وحمله على ظاهره لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 101]. قالوا: فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها، ومما يدلّ على أن الورود لا يستلزم الدخول قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } تفسير : [القصص: 23] فإن المراد: أشرف عليه لا أنه دخل فيه، ومنه قول زهير:شعر : فلما وردن الماء زرقاً حمامه وضعن عصي الحاضر المتخيم تفسير : ولا يخفى أن القول بأن الورود هو: المرور على الصرط، أو الورود على جهنم وهي خامدة فيه، جمع بين الأدلة من الكتاب والسنّة، فينبغي حمل هذه الآية على ذلك، لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار مع كون الداخل من المؤمنين مبعداً من عذابهما، أو بحمله على المضيّ فوق الجسر المنصوب عليها، وهو الصراط {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } أي كان ورودهم المذكور أمراً محتوماً قد قضى سبحانه أنه لا بدّ من وقوعه لا محالة. وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن العقاب واجب على الله، وعند الأشاعرة أن هذا مشبه بالواجب من جهة استحالة تطرّق الخلف إليه. {ثُمَّ نُنَجّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } أي: اتقوا ما يوجب النار، وهو الكفر بالله ومعاصيه، وترك ما شرعه، وأوجب العمل به. قرأ عاصم الجحدري ومعاوية بن قرة "ننجي" بالتخفيف من أنجى، وبها قرأ حميد ويعقوب والكسائي، وقرأ الباقون بالتشديد، وقرأ ابن أبي ليلى: "ثُمَّ نذر" بفتح الثاء من ثم، والمراد بالظالمين: الذين ظلموا أنفسهم بفعل ما يوجب النار، أو ظلموا غيرهم بمظلمة في النفس أو المال أو العرض، والجثيّ جمع جاثٍ وقد تقدّم قريباً تفسير الجثيّ وإعرابه. وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "حديث : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟"تفسير : فنزلت: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } إلى آخر الآية. وزاد ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وكان ذلك الجواب لمحمد. وأخرج ابن مردويه من حديث أنس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ البقاع أحبّ إلى الله، وأيها أبغض إلى الله؟ قال: "حديث : ما أدري حتى أسأل"تفسير : ، فنزل جبريل، وكان قد أبطأ عليه، فقال: "حديث : لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة"تفسير : ، فقال: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ }. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أبطأ جبريل على النبيّ صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ثم نزل، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما نزلت حتى اشتقت إليك"تفسير : ، فقال له جبريل: أنا كنت إليك أشوق، ولكني مأمور، فأوحى الله إلى جبريل أن قل له: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ }. وهو مرسل. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: أبطأت الرسل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه جبريل فقال له: "حديث : ما حبسك عني"تفسير : ؟ قال: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون؟ وقرأ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ }». وهو مرسل أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } قال: من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا } قال: من أمر الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } قال: ما بين الدنيا والآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } قال: ما بين النفختين. وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية مثله. وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي، والحاكم وصححه عن أبي الدرداء رفع الحديث قال: «حديث : ما أحلّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً }»تفسير : . وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } قال: هل تعرف للربّ شبهاً أو مثلاً؟ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عنه: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً }؟ قال: ليس أحد يسمى الرحمٰن غيره. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: يا محمد هل تعلم لإلٰهك من ولد؟ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ } قال: العاص بن وائل، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {جِثِيّاً } قال: قعوداً، وفي قوله: {عِتِيّاً } قال: معصية. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {عِتِيّاً } قال: عصياً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ } قال: لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤوسهم في الشرّ. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: نحشر الأوّل على الآخر حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، ثم قرأ: {فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } إلى قوله: {عِتِيّاً }. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً } قال: يقول: إنهم أولى بالخلود في جهنم. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعاً {ثُمَّ نُنَجّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } فلقيت جابر بن عبد الله فذكرت له، فقال وأهوى بأصبعه إلى أذنيه صُمَّتاً: إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا يبقى برٌّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجاً من بردها. {ثُمَّ نُنَجّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً }»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس، فقال ابن عباس: الورود: الدخول، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 98]. وقال: وردوا أم لا؟ وقرأ {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ } تفسير : [هود: 98] أوردوا أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وأخرج الحاكم عن ابن مسعود في قوله: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } قال: وإن منكم إلا داخلها. وأخرج هناد والطبراني عنه في الآية قال: ورودها الصراط. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي وابن الأنباري وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليرد الناس كلهم النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأوّلهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشدّ الرحل، ثم كمشيه»تفسير : . وقد روي نحو هذا من حديث ابن مسعود من طرق. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }» تفسير : يقول: "حديث : مجتاز فيها"تفسير : . وأخرج مسلم وغيره عن أم مبشر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية"تفسير : . قالت حفصة: أليس الله يقول: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } قالت: ألم تسمعيه يقول: {ثُمَّ نُنَجّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ }. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم»تفسير : ، ثم قرأ سفيان {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }. وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه، وأبو يعلى والطبراني وابن مردويه عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوّعاً لا يأخذه سلطان: لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }»تفسير : . والأحاديث في تفسير هذه الآية كثيرة جدّاً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {حَتْماً مَّقْضِيّاً } قال: قضاء من الله. وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن عكرمة حتماً مقضياً قال: قسماً واجباً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } قال: باقين فيها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} فيه قولان: أحدهما: أنه قول أهل الجنة: إننا لا ننزل موضعاً من الجنة إلا بأمر الله، قاله ابن بحر. الثاني: أنه قول جبريل عليه السلام، لما ذكر أن جبريل أبطأ على النبي صلى الله عليه وسلم باثنتي عشرة ليلة، فلما جاءه قال: "حديث : غِبْتَ عَنِّي حَتَّى ظَنَّ المُشْرِكُونَ كلَّ ظَنٍ". تفسير : فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ ربِّكَ} ويحتمل وجهين: أحدهما: إذا أُمِرْنَا نزلنا عليك. الثاني: إذا أَمَرَكَ ربك نَزَّلَنا عليك الأمر على الوجه الأول متوجهاً إلى النزول، وعلى الثاني متوجهاً إلى التنزيل. {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} فيه قولان: أحدهما: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} من الآخرة، {وَمَا خَلْفَنَا} من الدنيا. {وَمَا بَيْنَ ذلِكَ} يعني ما بين النفختين، قاله قتادة. والثاني: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} أي ما مضى أمامنا من الدنيا، {وَمَا خَلْفَنَا} ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة.{وَمَا بَيْن ذلِكَ} ما مضى من قبل وما يكون من بعد، قاله ابن جرير. ويحتمل ثالثاً: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا}: السماء، {وَمَا خلْفَنَا}: الأرض. {وَمَا بَيْنَ ذلِكَ} ما بين السماء والأرض. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} فيه وجهان: أحدهما: أي ما نسيك ربك. الثاني: وما كان ربك ذا نسيان. قوله عز وجل: {.... هَل تعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني مِثْلاً وشبيهاً، قاله ابن عباس، ومجاهد، مأخوذ من المساماة. الثاني: أنه لا أحد يسَمى بالله غيره، قاله قتادة، والكلبي. الثالث: أنه لا يستحق أحد أن يسمى إلهاً غيره. الرابع: هل تعلم له من ولد، قاله الضحاك، قال أبو طالب: شعر : أمّا المسمى فأنت منه مكثر لكنه ما للخلود سبيلُ

ابن عطية

تفسير : قرأ الجمهور "وما نتنزل" بالنون كأن جبريل عنى نفسه والملائكة، وقرأ الأعرج وما "يتنزل" بالياء على أنه خبر من الله أن جبريل لا يتنزل، قال هذا التأويل بعض المفسرين، ويرده قوله {ما بين أيدينا} لأنه لا يطرد معه وإنما يتجه أن يكون خبراً من جبريل أن القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. ورويت قراءة الأعرج بضم الياء، وقرأ ابن مسعود "إلا بقول ربك"، وقال ابن عباس وغيره: سبب هذه الآية، أن النبي عليه السلام أبطأ عنه جبريل مرة فلما جاءه قال "حديث : يا جبريل قد اشتقت اليك أفلا تزورنا أكثر مما تزورنا" تفسير : فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد والضحاك: سببها أن جبريل تأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم عند قوله في السؤالات المتقدمة في سورة الكهف "غداً أخبركم" حتى فرح بذلك المشركون واهتم رسول الله صلى عليه وسلم، ثم جاء جبريل ونزلت هذه في ذلك المعنى، فهي كالتي في الضحى، وهذه الواو التي في قوله {وما نتنزل} هي عاطفة جملة كلام على أخرى وواصلة بين القولين وإن لم يكن معناهما واحداً. وحكى النقاش عن قوم أن قوله {وما نتنزل} متصل بقوله {أية : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً} تفسير : [مريم: 19]، وهذا قول ضعيف، وقوله {ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك} لفظ يحتاج إلى ثلاث مراتب، واختلف المفسرون فيها، فقال أبو العالية "ما بين الأيدي" في الدنيا بأسرها الى النفخة الأولى، "وما خلف" الآخرة من وقت البعث {وما بين ذلك} ما بين النفختين. وقال ابن جريج "ما بين الأيدي" هو ما مر من الزمن قبل إيجاد من في الضمير، "وما خلف" هو ما بعد موتهم إلى استمرار الآخرة {وما بين ذلك} هو مدة الحياة. قال القاضي أبو محمد: والآية إنما المقصد بها الإشعار بملك الله تعالى لملائكه وأن قليل تصرفهم وكثيره إنما هو بأمره وانتقالهم من مكان إلى مكان، إنما هو بحكمته إذ الأمكنة له وهم له، فلو ذهب بالآية إلى أن المراد بـ "ما بين الأيدي وما خلف" الأمكنة التي فيها تصرفهم، والمراد بـ {ما بين ذلك} هم أنفسهم ومقاماتهم لكان وجهها كأنه قال نحن مقيدون بالقدرة لا ننتقل ولا نتتزل إلا بأمر ربك. وقال ابن عباس وقتادة فيما روي وما أراه صحيحاً عنهما "ما بين الأيدي هي الآخرة وما خلف هو الدنيا" وهذا مختل المعنى إلا على التشبيه بالمكان لأن ما بين اليد إنما هو ما تقدم وجوده في الزمن بمثابة التوارة والإنجيل من القرآن وقول أبي العالية إنما يتصور في بني آدم وهذه المقالة هي للملائكة فتأمله. وقوله {وما كان ربك نسياً} أي ممن يلحقه نسيان بعثنا إليكم في وقت المصلحة به فإنما ذلك عن قدر له أي فلا تطلب أنت يا محمد الزيارة أكثر مما شاء الله هذا ما تقتضيه قوة الكلام على التأويل الواحد أو فلا تهتم يا محمد بتأخيري ولا تلفت لفرح المشركين بذلك على التأويل الثاني و {نسياً} فعيل من النسيان والذهول عن الأمور، وقالت فرقة {نسياً} هنا معناه تاركاً، ع: وفي هذا ضعف لأنه إنما نفي النسيان مطلقاً فيتمكن ذلك في النسيان الذي هو نقص وأما الترك فلا ينتفي مطلقاً ألا ترى قوله تعالى: {أية : وتركهم في ظلمات} تفسير : [البقرة: 17] وقوله {أية : وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} تفسير : [الكهف: 99] فلو قال نسيك أو نحوه من التقييد لصح حمله على الترك، ولا حاجة لنا أن نقول إن التقييد في النية لأن المعنى الآخر أظهر. وقرأ ابن مسعود "وما بين ذلك وما نسيك ربك" وروى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهي عافيته فاقبلوا" تفسير : ثم تلا هذه الآية وقوله {رب} بدل من قوله {وما كان ربك}، وقوله {فاعبده واصطبر لعبادته} أمر بحمل تكاليف الشرع وإشعار ما بصعوبتها كالجهاد والحج والصدقات فهي شريعة تحتاج الى اصطبار أعاننا الله عليها بمنه. وقرأ الجمهور "هل تعلم" بإظهار اللام، وقرأ بن نصر عن أبي عمرو بإدغام اللام في التاء وهي قراءة عيسى والأعمش والحسن وابن محيصن قال أبو علي: سيبويه يجيز إدغام اللام في الطاء والتاء والدال والثاء والضاد والزاي والسين، وقرأ أبو عمرو "وهل ثوب" بإدغامها في الثاء وإدغامها في التاء أحق لأنها أدخل معها في الفم ومن إدغامها في التاء ما روي من قول مزاحم العقيلي: [الطويل] شعر : فذر ذا ولكن هل تعين متيماً على ضوء برق آخر الليل ناصب تفسير : وقوله {سمياً}، قال قوم: وهو ظاهر اللفظ معناه موافقاً في الاسم وهذا يحسن فيه أن يريد بالاسم ما تقدم من قوله {رب السماوات والأرض وما بينهما} أي هل تعلم من يسمى بهذا ويوصف بهذه الصفة؟ وذلك أن الأمم والفرق لا يسمون بهذا الأسم وثناً ولا شيئاً سوى الله تعالى، وأما الألوهية والقدرة وغير ذلك فقد يوجه السمي فيها وذلك باشتراك لا بمعنى واحد. وقال ابن عباس وغيره: قوله {سمياً} معناه مثيلاً أو شبيهاً أو نحو ذلك، وهذا قول حسن، وكأن السمي بمعنى المسامي والمضاهي فهو من السمو، وهذا القول يحسن في هذه الآية ولا يحسن فيما تقدم في ذكر يحيى عليه السلام.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا نَتَنَزَّلُ} موضعاً من الجنة إلا بأمر الله ـ تعالى ـ من كلام أهل الجنة، أو نزلت لما أبطأ جبريل ـ عليه السلام ـ على الرسول صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة ليلة فلما أتاه قال: "حديث : لقد غبت حتى ظن المشركون كل ظن "تفسير : ، {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} الدنيا {وَمَا خَلْفَنَا} الآخرة {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} ما بين النفختين، أو ما مضى من الدنيا {وَمَا خَلْفَنَا} ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} ما بين ما مضى من قبل وما يكون من بعد {نَسِيّاً} ذا نسيان، أو ما نسيك.

الثعالبي

تفسير : وقولُه عز وجل: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ...} الآية، قال ابنُ عباس، وغيرُه: سبب هذه الآية: أَن النبي صلى الله عليه وسلم أَبْطَأَ عنه جِبْرِيلُ عليه السلام مدَّةَ فَلما جاءه قال: «حديث : يَا جِبْرِيلُ، قَدِ ٱشْتَقْتُ إلَيْكَ، أَفلاَ تزورَنا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورَنَا»تفسير : فنزلت هذه الآية. وقال الضَّحَّاكُ، ومجاهدٌ: سببها أَن جِبْريلَ تأخَّر عن النبي صلى الله عليه وسلم عند قَوْلِه في السؤالات المتقدِّمَةِ في سُورةِ الكَهْفِ: «غَداً أُخْبِرُكُمْ». وقال الدَّاوُودِيُّ عن مجاهدٍ: أَبطأت الرسل عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم أَتى جِبْرِيلُ عليه السلام قال: ما حَبَسَكَ؟ قال: وكَيْفَ نَأْتِيكُم. وأَنْتُمْ لاَ تَقُصُّونَ أَظْفَارَكُمْ. وَلاَ تَأْخُذُونَ شَوَارِبَكُمْ وَلاَ تَسْتَاكُونَ، وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ. انتهى. وقد جاءت في فَضْل السواك آثَارٌ كثيرة، فمنها: ما رواه البزارُ في «مسنده» عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال: «حديث : إنَّ العَبْدَ إذَا تَسوَّكَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَامَ المَلَكُ خَلْفه، فَيَسْمَعُ لِقَرَاءَتِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُ حَتَّىٰ يَضَعَ فَاهُ عَلَىٰ فِيهِ، فما يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ إلاَّ صَارَ فِي جَوْفِ المَلَكِ»تفسير : . انتهى من «الكوكب الدري». وفيه: عن ابنِ أَبِي شَيْبَة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال: «حديث : صَلاَةٌ عَلَى إثْرِ سِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلاَةٍ بِغَيْرِ سِوَاكٍ»تفسير : انتهى. وفي «البخاري»: أَنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاة لِلرَّبِّ. اهــ. وقوله سبحانه: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا...} الآية، المقصودُ بهذه الآية الإشعارُ بملك اللّه تعالى لملائكته، وأن قَلِيلَ تصرُّفِهِم، وكَثِيرَه إنما هو بأَمْره وانتقالهم مِنْ مَكانٍ إلى مَكانٍ إنَّما [هو] بحدٍّ منه. وقولُه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} أَيْ: ممن يلحقُه نِسيانٌ لبعثنا إليك، فــ {نَسِيّاً}. فَعِيلٌ من النّسْيانِ، وهو الذُّهُولُ عن الأُمور. وقرأ ابنُ مسْعودٍ: «وَمَا نَسِيَكَ رَبُّكَ». وقوله {سَمِيّاً} قال قوم: معناه مُوَافِقاً في الاِسْم. قال * ع *: وهذا يحسنُ فيهِ أَن يريد بالاِسْم ما تقدم مِنْ قوله {رَبُّ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أَيْ: هل تعلم من يسمى بهذا، أَو يوصف بهذه الصفة؛ وذلك أَن الأُمم والفِرَق لا يسمون بهذا الاِسْم وَثَناً، ولا شَيْئاً سِوَى اللّه تعالى. قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير»: قولهُ تعالى: {وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِ}: الاصْطبارُ: نهايةُ الصَّبْرِ ومَنْ صَبَر، ظَفَرَ، ومَنْ لاَزَمَ، وَصَلَ؛ وفي مَعْناه أَنْشدُوا: [البَسيط]. شعر : لاَ تَيْئَسَنَّ وَإنْ طَالَتْ مُطَالَبَةٌ إذَا ٱسْتَعْنَت بِصَبْرٍ أَنْ تَرَىٰ فَرَجَا أَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَىٰ بِحَاجَتِه وَمُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلأَبْوَابِ أَنْ يَلجَا تفسير : وأَنشدوا: [البسيط] شعر : إنِّي رَأَيْتُ وَفِي الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ لِلصَّبْرِ عَاقِبَةً مَحْمُودَةَ الأَثَرِ وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي شَيْءٍ يُحَاوِلُهُ وَٱسْتَصْحَبَ الصَّبْرَ إلاَّ فَازَ بالظَّفَرِ تفسير : انتهى. وقال ابنُ عباسٍ، وغيرُه: {سَمِيّاً} معناه: مَثِيلاً، أَو شَبِيهاً، ونحو ذلك؛ وهذا قوْلٌ حَسَنٌ، وكأن السمي بمعنى: المسامي، والمضاهي؛ فهو من السُّموِّ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: "وما نَتَنَزَّلُ" متصل بقوله: {أية : قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ} تفسير : [مريم: 19]. وقال أبو البقاء: "وما نَتَنَزَّلُ" أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و "نَتَنَزَّلُ" مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: شعر : 3612- فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ تفسير : لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. قال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة "نَتَنَزَّلُ" بنون الجمع. وقرأ الأعرج "يَتَنَزَّلُ" بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا}، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا}. استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: شعر : 3613- واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ تفسير : فصل روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا جبريل ما منعك أن تزورنا" تفسير : فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: حديث : احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال: "أخبركم غداً"، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك" فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبستتفسير : . فنزل قوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}، وقوله: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللهُ} تفسير : [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: {أية : تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً} تفسير : [مريم: 63] كلام الله، وقوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ} كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟. وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كقوله - تعالى -: {أية : إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [مريم: 35]، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) {أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} تفسير : [مريم: 36]. واعلم أنَّ ظاهر قوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: {ما بَيْنَ أيدِينَا} من أمر الآخرة، والثواب, والعقاب، "ومَا خَلْفَنَا" من أمر الدنيا، {ومَا بَيْنَ ذلِكَ} ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل: {مَا بَيْنَ أيْدِينَا} من أمر الآخرة، "ومَا خَلْفَنَا" من أمر الدنيا، {ومَا بَيْنَ ذلِكَ} أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل: {مَا بَيْنَ أيدينَا} ما بقي من أمر الدنيا، "ومَا خَلْفَنَا" ما مضى منها، {ومَا بَيْنَ ذَلِكَ} هذه حياتنا. وقيل: {مَا بَيْنَ أيْدِينَا} بعد أن نموت، "ومَا خلفنا" قبل أن نخلق، {ومَا بَيْنَ ذلكَ} مدة الحياة. وقيل: {مَا بَيْنَ أيدِينَا} الأرض إذا أردنا النزول إليها، "ومَا خَلْفَنَا" السماء وما أنزل منها، {ومَا بَيْنَ ذلِكَ} الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عز وجل - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من "ربُّكَ". الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: "لِعبادَتِهِ" متعلق بـ "اصْطَبَرْ" فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه بـ "على"؟. فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبراً. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} أدغم الأخوان، وهشام، وجماعة لام "هَلْ" في "التاء". وأنشدوا على ذلك بيت مُزاحِم العُقيليّ: شعر : 3614- فَذَرْ ذَا ولكِنْ هَتُّعِينُ مُتَيَّماً عَلى ضَوْءِ برْقٍ آخِرَ اللَّيْلِ نَاصِبِ تفسير : فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمى بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ} الآية. "إذَا" منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: {لَسَوْفَ أُخْرَجُ}، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه "أخْرَجُ" لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها كـ "إنَّ" قال شهاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل ما بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضْرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: شعر : 3615- فَلَمَّا رَأتْهُ آمِناً هَانَ وجْدُهَا وقَالَتْ أبُونَا هَكَذَا سَوْفَ يَفْعَلُ تفسير : فـ "هَكَذَا" منصوب بـ "يَفْعَلُ" بعد (حرف التنفيس)، (وقال ابن عطية): واللام في قوله: "لَسَوْفَ" مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذَا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي "معنى" الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض "إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض"، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا لله بحذفها، وقد نصوا على أن "قطع" همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: "أءِذَا" بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة "إذَا" بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مُصرِّف "لسَأخرجُ" بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل "سَأخْرَجُ" دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس "أخْرَجُ"، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة "أخْرَجُ" مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة "أخْرُجُ" مبنياً للفاعل. و "حيًّا" حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: {أية : أُبْعَثُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 33]. فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الآخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعبادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: {وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ} الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدهما: أن يكون المراد الجنس كقوله: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} تفسير : [الإنسان: 1]. فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟. فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: {أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَانُ} الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: "يَذْكُرُ" مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو "يتذكَّر" أبيٌّ. والهمزة في قوله: "أو لا يذكُرُ" مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت "لا يذكُرُ" على "يَقُولُ" ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف "عليه" وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله: "مِنْ قَبْلُ" أي: من قبل بعثه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، "وهي حالة" بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ الإعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس: 79]، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟. فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرىء "أو لا يذَّكَّرُ" مشدداً، أما إذا قرىء "أو لا يذكُرُ" مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَٰطِينَ} أي: لنجمعنهم في المعاد، يعنى المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في إقسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: {أية : فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} تفسير : [الذاريات: 23]. والواو في "والشَّياطين" يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى "مع" وهي بمعنى "مع" أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ} أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: "جِثِيًّا" لأنَّ البارك على ركبتيه صورته صورة الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} تفسير : [الجاثية: 28]، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أو لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: "جِثِيًّا" حال مقدرة من مفعول "لنُحْضرنَّهُمْ". و "جِثِيًّا" جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في "عِتيًّا". وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهو المجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في "جِثِيًّا" أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجُثوّ: القعود على الركب. قوله: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ} أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} تفسير : [الأنعام: 159]. والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص "بشدة العذاب لا التخصيص" بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} ولا يقال: "أوْلَى" إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: {أَيُّهُمْ أَشَدُّ} فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ "أيُّهُمْ" موصولة بمعنى "الذي"، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و "أشَدُّ" خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة لـ "أيُّهُمْ"، و "أيُّّهُمْ" وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: "لنَنْزِعَنَّ". و لـ "أيّ" أحوال الأربعة: إحداها تبنى فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: شعر : 3616- إذَا مَا أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهُمْ أفْضَلُ تفسير : بضم "أيُّهُمْ". وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رحمه الله - أنَّ "أيُّهُمْ" هنا مبتدأ، و "أشدُّ" خبره، وهي استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: شعر : 3617- ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم تفسير : قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة لـ "نَنْزِعَنَّ"، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الأفعال، ولا يخصه "بأفعال القلوب كما يخصه" بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على {مِن كُلِّ شِيعَةٍ} كقوله: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا} تفسير : [مريم: 50]، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتيًّا. فجعل "أيُّهُمْ" موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول "نَنْزعنَّ": "مِنْ كُلِّ شيعةٍ" و "مِنْ" مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة "مِنْ" "في الواجب"، و "أيُّهُم" استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل "مِنْ" لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى "لنَنْزِعَنَّ" لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في "أيّ". قال المهدوي: "ونادى" يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: "أيُّهُمْ" متعلق بـ "شيعةٍ" فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تشايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. "ويلزمه على هذا" أن يقدر مفعولاً لـ "ننزعنَّ" محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل "أيهم" فاعلاً لما تضمنه "شِيعَةٍ" "من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل" فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى "الذي", ونقل الكوفيون أنَّ "أيُّهُم" في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف "ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة" عن الأعمش "أيَّهُمْ" نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، "وقد نقل عنه" أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، "قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه" غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه "أيًّا" وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيُّهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: "على الرَّحمنِ" متعلق بـ "أشَدُّ"، و "عِتِيًّا" منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، "إذ التقدير": أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بُدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق "عَلَى"، و "البَاء"، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني بـ "عَلَى" قوله: "على الرَّحمنِ"، وبـ "الباء" قوله: "بالَّذينَ هُمْ" وقوله: بالمصدرين. يعني بهما "عِتِيًّا" و "صِلِيًّا". "وأما كونه لا سبيل إليه"، فلأنَّ المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه "وجوَّز بعضهم" أن يكون "عِتِيًّا"، و "صليًّا" في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق "عَلى" و "الباء" بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقِيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} الآية. الواو في "وإنْ" فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلاَّ تحله القسم"تفسير : . وأراد بالقسم قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}. قال أبو حيان: "وذهل عن" قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو بـ "إنَّ"، والجواب هنا على زعمه بـ "إنْ" النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجار، ولا يجوز بذلك إلا إن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السَّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: شعر : 3618- واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ تفسير : أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم "به" وقامت صفته مقامه. و "إنْ" حرف نفي، "و "مِنْكُم" صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم" ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله: "مِنْكُمْ" يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة، "وإنْ مِنْهُمْ" أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماً، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} تفسير : [لقمان: 11]، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و "على ربِّك" متعلق بـ "حَتْم"، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه بـ "مَقْضِيًّا". فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} تفسير : [هود: 98]. روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء:98] أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى الله أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى {ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا}، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول {ثُمَّ نُنجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً} إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما حديث : روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يا ابن رواحة" اقرأ ما بعدها {ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا} فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الورودُ الدخولُ، ولا يبقى برٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها ". تفسير : وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل النار مؤمن أبداً لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} تفسير : [الأنبياء:101،102] والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: {أية : وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ} تفسير : [النمل: 89]. والمراد في قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} تفسير : [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: "ثُمَّ نُنَجِّي". قرأ العامة "ثُمَّ نُنَجِّي" بضم "ثُمَّ" على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب "ثَمَّ" بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور "نُنَجِّي" بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن "نُنْجِي" من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة "نُجِّي" بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - "نُنَحّي" بحاء مهملة من التنحية. ومفعول "اتَّقَوْا" محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: "جِثِيًّا" إمَّا مفعول ثان إن كان "نَذَرُ" يتعدى لاثنين بمعنى "نترك ونصير". وإمَّا حال إن جعلت "نَذَرُ" بمعنى نخليهم. و "جِثِيًّا" على ما تقدم. و "فيها" يجوز أن يتعلق بـ "نَذَرُ"، وأن يتعلق بـ "جِثِيًّا" إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "جِثِيًّا"، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: "البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع" أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة ". تفسير : وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: "حديث : تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي"تفسير : . وعن مجاهد في قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر "الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار" واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إليه وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

القشيري

تفسير : إن الملائكةَ - عليهم السلام - أبداً يَنْزِلون بإِذن الحقِّ تعالى، فبعضهم بإنجاد المظلومين، وبعضهم بإِغاثة الملهوفين، وبعضهم بتدمير الجاحدين، وبعضهم بنصرة المؤمنين، وبعضهم إلى ما لا يحصى من أمور الناس أجمعين. واللَّهُ - سبحانه - لا يترك جاحداً ولا عابداً من حِفْظٍ وإنعامٍ، أو إمهالٍ ونَكَال...

اسماعيل حقي

تفسير : {وما نتنزل الا بامر ربك} قال مجاهد حديث : ابطأ الملك على رسول الله عليه السلام ثم اتاه فقال له عليه السلام "ما حبسك يا حبرائيل" قال وكيف آتيكم وانتم لا تقصون اظفاركم ولا تأخذون شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ {وما نتنزل الا بامر ربك} تفسير : كما فى اسباب النزول وسفية الابرار وفى الحديث "حديث : نقوا براجمكم"تفسير : وهى مفاصل الاصابع والعقد التى على ظهرها يجتمع فيهاالوسخ واحدها برجمة وما بين العقدتين يسمى راجبة والجمع رواجب وذلك مما يلى ظهرها وهو قصبة الاصبع فلكل اصبع برجمتان وثلاث رواجب الا الابهام فان له برجمة وراجبتين فامر بتنقيته لئلا يدرن فيبقى فيه الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة ذكره القرطبى. وقال بعض المفسرين وهو حكاية لقول جبريل حين استبطأه رسول الله لما سئل عن اصحاب الكهف وذى القرنين والروح فلم يدر كيف يجيب ورجا ان يوحىاليه فيه فابطأ عليه اربعين يوما او خمسة عشر فشق عليه ذلك مشقة شديدة وقال المشركون ودعه ربه وقلاه فلما نزل بيان ذلك قال له "حديث : ابطأت علىّ حتى ساء ظنى واشتقت اليك" قال جبريل انى كنت اشوق ولكنى عبد مأمور اذا بعثت نزلت واذا حبست احتبست تفسير : فانزل الله هذه الآية وسورة والضحى. والتنزل النزول على مهل لانه مطاوع للتنزيل والمعنى قال الله لجبريل قل لمحمد وما نتنزل وقتا غب وقت الا بامر الله على ما تقتضيه حكمته {له} اى لله بالاختصاص {ما بين ايدينا} من الامور الاخروية الآتية {وما خلفنا} من الامور الدنيوية الماضية {وما بين ذلك} ما بين ما كان وما سيكون اى من هذا الوقت الى قيام الساعة. وفى التأويلات النجمية {له ما بين ايدينا} من التقدير الازلى {وما خلفنا} من التدبير الابدى {وما بين ذلك} من ازل الى الابد انتهى. ونظيره قوله تعالى{أية : يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم}تفسير : {وما كان ربك نسيا}[فراموشكار يعنى ازحال توآكاهست هركاه كه خواهد مارا بتوفرستد]. قال اهل التفسير فعيل بمعنى فاعل من النسيان بمعنى الترك اى تاركا لك كما زعمت الكفرة وان تأخر عنك الوحى لمصلحة او بمعنى نقيض الذكر الذى هو الغفلة اى غافلا عنك.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: وجه المناسبة لما قبله - والله أعلم -: أن الحق جلّ جلاله لما سرد قصص الأنبياء وما نشأ بعدهم، وكان جبريل هو صاحب وحيهم الذي ينزل به عليهم، ذكر هنا أن نزوله ليس باختياره، فقال: {وما نتنزل...} الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: حاكيًا لقول جبريل عليه السلام: {وما نتنزَّلُ} عليك يا محمد {إِلا بأمرِ ربك}، وذلك حين أبطأ الوحي عنه صلى الله عليه وسلم، لما سئل عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فلم يدر كيف يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه أربعين يومًا. قاله عكرمة. وقال مجاهد: ثنتي عشرة ليلة، أو خمس عشرة. فشقَّ على النبي صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة. وقال: حديث : يا جبريل قد اشتقت إليك، فقال جبريل: إني كنت أَشْوَق، ولكني عبد مأمور، إذا بُعثتُ نزلت، وإذا حُبست احتَبَستُ، فأنزل الله هذه الآية وسورة الضحىتفسير : ، والتنزل: النزول على مَهَل، وقد يُطلق على مطلق النزول، والمعنى: وما نتنزل وقتًا غِبّ وقتٍ إلا بأمر الله تعالى، على ما تقتضيه حكمته. وقيل: هو إخبار عن أهل الجنة أنهم يقولون عند دخولها مخاطبين بعضهم لبعض بطريق التبجح والابتهاج، أي: ما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر الله تعالى ولطفه، وهو مالك الأمور كلها، سالفها ومُتَرَقَّبُهَا وحاضرها، فما وجدناه وما نجده هو من لطفه وفضله. هـ. قلت: ولا يخفى حينئذ مناسبته. ثم قال: {له ما بين أيدينا وما خَلْفَنا وما بين ذلك} أي: وما نحن فيه من الأماكن والأزمنة، فلا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان، إلا بأمره ومشيئته، وعن مقاتل: {له ما بين أيدينا} من أمر الدنيا? {وما خلفنا} من أمر الآخرة، {وما بين ذلك} مما بين النفختين، وهو أربعين سنة. أو ما بين أيدينا بعد الموت، وما خلفنا قبل أن يخلقنا، وما بين ذلك مدة حياتنا، أي: له علم ذلك كله? {وما كان ربك نَسِيًّا}: تاركًا لك ومهملاً شأنك، أو: ذَاهِلاً عنك حتى ينسى أمر الوحي إليك؛ لأنه مُحال، يعني: أن عدم نزول جبريل لم يكن إلا لعدم الأمر به؛ لحكمة بالغة فيه، ولم يكن تركه تعالى لك إهمالاً وتوديعًا، كما زعمت الكفرة. وفي إعادة اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه والإشعار بعلية الحكم ما لا يخفى. وقوله تعالى: {ربُّ السماوات والأرض وما بينهما} بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى؛ فإن من بيده ملكوت السماوات والأرض وما بينهما كيف يتصور أن يحوم حول ساحته الغفلة والنسيان. والفاء في قوله: {فاعبُده واصطَبِرْ لعبادته} لترتيب ما بعدها على ما قبلها، من كونه تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما. أو من كونه تعالى غير تارك له عليه السلام، أو غير ناسٍ لأعمال العاملين، والمعنى على الأول: فحين عرفته تعالى بما ذكر من الربوبية الكاملة فاعبده، أو حين عرفته تعالى لا ينساك، أو: ينسى أعمال العاملين فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها، ولا تحزن بإبطاء الوحي وهزْءِ الكفرة، فإنه يراقبك ويلطف بك في الدنيا والآخرة، {هل تعلم له سَمِيًّا} أي: شبيهًا ونظيرًا، أو هل تعلم أحدًا تسمى بهذا الاسم غير الله العالي، والتسمية تقتضي التسوية بين المتشابهين، ولا مثل له، لا موجودًا ولا موهومًا، مع أن المشركين مع غلوهم في المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة أصلاً، ولم يتجاسر أحد أن يسمي بهذا الاسم، ولو تجاسر أحدٌ لهلك. وقيل: إن أحدًا من الجبابرة أراد أن يسمي ولده بهذا الاسم، فخف به وبتلك البلدة. ذكره القشيري في التحبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما قاله جبريل عليه السلام من كونه لا ينزل إلا بأمر ربه ليس خاصًا به؛ بل كل أحد لا حركة له ولا سكون إلا بالله وبمشيئته، فلا يصدر عن أحد من عبيده قول ولا فعل، ولا حركة ولا سكون، إلا وقد سبق في علمه وقضائه كيف يكون، فلا انتقال ولا نزول إلا بقدر سابق وتحريك لاحق؛ "ما من نفَس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه". وقال الشاعر: شعر : مشيناها خطى كُتبت علينا ومن كُتبت عليه خطى مشاها ومـن قسمت منيتـه بأرض فليس يموت في أرض سواها تفسير : فراحة الإنسان أن يكون ابن وقته، كل وقت ينظر ما يفعل الله به، فبهذا ينجو من التعب، ويتحقق له الأدب. وبالله التوفيق. ثم ردَّ على من أنكر البعث

الجنابذي

تفسير : {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} كلام من الملك الحاكى من الله تعالى معطوف على المحكىّ من الله فقد ورد انّ رسول الله (ص) قال لجبرئيل (ع): ما منعك ان تزورنا؟- فنزلت {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} اى الدّنيا او عوالم الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا} يعلم بالمقايسة {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} اى العالم الّذى نحن واقعون فيه {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} تاركاً لك ترك المنسىّ، او ما كان موصوفاً بالنّسيان حتّى يتوهّم انّه غفل عنك، وفيه اشعار بانّ سرعة نزوله وبطوءه انّما هو منوطٌ بحكمه.

الأعقم

تفسير : {وما نتنزَّل إلاَّ بأمر ربك} حكاية قول جبريل (صلوات الله عليه) حين استبطأه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وروي أنه احتبس الوحي أربعين يوماً، وقيل: خمسة عشر وذلك حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فلما نزل جبريل قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أبطأت عني" فنزلت {وما نتنزّل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا} الدنيا {وما خلفنا} الآخرة {وما بين ذلك} ما بين النفختين وهو أربعون سنة، وقيل: ما بين أيدينا أمور الآخرة، وما خلفنا أمور الدنيا، وما بين ذلك بين النفختين، وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض، والمعنى أنه المحيط بكل شيء لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة {وما كان ربك نسيا} يعني لا يجوز عليه النسيان، وقيل: المعنى ما كان ربك نسيا وما كان تاركاً لك، كقوله: {أية : ما ودعك ربك وما قلى} تفسير : [الضحى: 3] أو ما كان ربك نسياً لأعمال العالمين {رب السماوات والأرض} أي خالقهما وخالق ما بينهما {فاعبده واصطبر لعبادته} أي اصبر على أداء عبادته {هل تعلم له سمياً}، قيل: مثلاً وشبهاً {ويقول الانسان أئذا ما متُّ} الآية نزلت في أُبيّ بن خلف فإنه أخذ عظماً بالياً وفتّه بيده ثم قال هذا القول، وقيل: إن الآية نزلت في مشركي قريش كانوا ينكرون البعث، فقال سبحانه: {أولا يذكر الانسان} حال ابتدائه {إنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً} موجوداً {فوربك} يا محمد أو أيها السامع {لنحشرنهم والشياطين}، قيل: نحشرهم من قبورهم مقرونين بأولياء من الشياطين {ثم لنحضرنهم} يعني الخلق والشياطين {حول جهنم} يعني عرصات القيامة {ثم لننزعن من كل شيعة} أي من كل أمةٍ وطائفة {أيّهم أشدّ على الرحمن عتياً} قيل: فجوراً وكذباً {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صِليّاً} أي هو عالم لذاته لم يزل ولا يزول، ثم بين تعالى أحوالهم يوم الحشر فقال سبحانه: {وإن منكم إلاَّ واردها} اختلفوا في هذا الورود على أقوال: أحدها: ان المراد به الدخول، أي ما من أحد إلا وهو داخله، ودلوا عليه بقوله تعالى: {ثم ننجِّي الذين اتقوا} فتكون برداً وسلاماً على المؤمنين وعذاباً على الكافرين، وقيل: أراد بالورود الدخول عليها والإِشراف عليها لا الدخول فيها كقوله: {أية : ولما ورد ماء مدين}تفسير : [القصص: 23]، وقيل: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها، وعن مجاهد ورود المؤمن على النار وهو مسّ الحمأ جسده في الدنيا لقوله: الحمأ من فيح جهنم، وفي الحديث: "حديث : الحمأ حظ كل مؤمن من النار" تفسير : وقيل: هو خطاب للكفرة خاصة {ثم ننجي} ابتداء وليس بعطف {ونذر الظالمين في جهنم جثيّاً} جاثيين على الركب.

اطفيش

تفسير : {وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} قال ابن عباس وغيره: سبب نزولها أن النبى صلى الله عليه وسلم أبطأ عنه الوحى فلما جاء قال: يا جبريل قد اشتقت إليك أفلا تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت. فهى حكاية لقول جبريل. فالضمير فى نتنزل لجبريل ونحوه. وقال الضحاك ومجاهد: حديث : لما سئل صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف وذى القرنين والروح ولم يدر ما يجيب ورجا أن يوحى إليه، أو قال: غداً أخبركم فأبطأ عنه خمسة عشر يوماً. وقيل: أربعين. قال المشركون: ودعه ربه وقلاه. ثم نزل بيان ذلك، ونزل: {ما ودعك ربك وما قلى} وقال له النبى صلى الله عليه وسلم: أبطأت حتى ساء ظنى واشتقت إليك. فقال: إنى كنت أشْوق، ولكنى عبد مأمور، إذا بُعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست. ونزلت الآية . تفسير : وقال الداودى عن مجاهد: أبطأ جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتى فقال: ما حبَسَك؟ قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تأخذون من شواربكم، ولا تستاكون! {وما نتنزل إلا بأمر ربك}. وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يصلى قام الملَك خلفه، فيسمع لقراءته ويدنو منه حتى يضع فاه إلى فيه، فما يخرج من فيه شئ من القرآن إلا صار فى جوف الملك. وإن صلاةً على أثر سواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك، وإن السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب . تفسير : والتنزل: بمعنى النزول على مهل، مطاوع نزل بالتشديد بمعنى التدريج أى إن نزولنا فى بعض الأحايين وقتاً غِبَّ وقتٍ، ليس إلا بأمر الله وعلى ما يراه صوابا وحمكة. وقد يكون بمعنى مطلق الإنزال، وليس بممنوع فى الآية ولكن الأول أنسب. وقرأ الأعرج يتنزل بالتحتية. والضمير للوحى أو لجبريل. فإذا كان لجبريل فذلك، وذلك من كلام الله. ويجوز كونه من كلام جبريل، كما يقول زيد عن نفسه: زيد قائم. وقرأ ابن مسعود إلا بقول ربك. {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} من أمر الآخرة. {وَمَا خَلْفَنَا} من أمر الدنيا. {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة أو قيل: له ما قدامنا وما خلفنا من الأماكن والأحايين وما نحن فيه، لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل فى زمان إلا بأمر من له الملك كله أجمع. وقيل: ما سلف من أمر الدنيا، وما استقبل من أمر الآخرة وما بين النفختين وهو أربعون سنة، وهو البرزخ. وقيل: ما معنى من أعمارنا، وغَبَر منها، والحال التى نحن فيها. وقيل: ما قبل وجودنا وما بعد فنائنا وما بينهما. وقيل: الأرض التى بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التى وراءنا وما بين السماء والأرض. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} تاركا لك كما قالوا: ودعه ربه وقلاه. وإنما أخر النزول لحكمة، أو المعنى أنه لا يغفل ولا يذهل، فكيف نتقلب فى ملكوته إلا إذا رأى ذلك مصلحة وأذن لنا، وهو الحافظ العليم بكل حركة وسكون. وقيل: أول الآية قول المؤمنين حين يدخلون الجنة. أى وما نتنزل الجنة إلا بأمر الله سبحانه وتعالى ولطفه، وهو مالك الأمور السالفة والمرتقبة والحاضرة فما نجده وما وجدنا فهو من لطفه وفضله. وقرن جل وعلا قولهم بقوله: {وما كان ربك نسيا} أى لا ينسى أعمال العاملين وما وعدهم من الثواب كيف يغفل مدبر السماوات والأرض! أو ذلك كله من قولهم. والنسىّ صفة مبالغة بوزن فعيل أو مفعول، فأصله على هذا نسوى كصبور قلبت الواو ياء والضمة كسرة وأدغمت الياء فى الياء. وقرأ ابن مسعود وما نسيك ربك.

الالوسي

تفسير : {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } حكاية قول جبرائيل صلوات الله تعالى وسلامه عليه، فقد روي أنه احتبس عنه صلى الله عليه وسلم أياماً حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فلم يدر عليه الصلاة والسلام كيف يجيب حتى حزن واشتد عليه ذلك وقال المشركون: إن ربه ودعه وقلاه فلما نزل قال له عليه الصلاة والسلام: يا جبريل احتبست عني حتى ساء ظني واشتقت إليك فقال: إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست وأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الضحى قاله غير واحد، فهو من عطف القصة على القصة على ما قاله الخفاجي. وفي «الكشف» وجه وقوع ذلك هذا الموقع أنه تعالى لما فرغ من أقاصيص الأنبياء عليهم السلام تثبيتاً له صلى الله عليه وسلم وذنب بما أحدث بعدهم الخلوف واستثنى الإخلاف وذكر جزاء الفريقين عقب بحكاية نزول جبريل عليه السلام وما رماه المشركون به من توديع ربه سبحانه إياه زيادة في التسلية وإن الأمر ليس على ما زعم هؤلاء الخلوف وأدمج فيه مناسبته لحديث التقوى بما دل على أنهم مأمورون في حركة وسكون منقادون مفوضون لطفاً له ولأمته صلى الله عليه وسلم ولهذا صرح بعده بقوله تعالى: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } تفسير : [مريم: 65] وفيه أنك لا ينبغي أن تكترث بمقالة المخالفين إلى أن تلقى ربك سعيداً، وعطف عليه مقالة الكفار بياناً لتباين ما بين المقالتين وما عليه الملك المعصوم والإنسان الجاهل الظلوم فهو استطراد شبيه بالاعتراض حسن الموقع انتهى، ولا يأبـى ما تقدم في سبب النزول ما أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وجماعة في سببه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام: / ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ }» تفسير : لجواز أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أثناء محاورته السابقة أيضاً واقتصر في كل رواية على شيء مما وقع في المحاورة، وقيل: يجوز أن يكون النزول متكرراً نعم ما ذكر في التوجيه إنما يحسن على بعض الروايات السابقة في المراد بالخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وقال بعضهم: إن التقدير هذا، وقال جبريل: وما نتنزل الخ وبه يظهر حسن العطف ووجهه انتهى وتعقب بأنه لا محصل له. وحكى النقاش عن قوم أن الآية متصلة بقول جبريل عليه السلام أولاً {أية : إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لأَِهَبَ لَكِ غُلَـٰماً زَكِيّاً } تفسير : [مريم: 19] وهو قول نازل عن درجة القبول جداً، والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل يقال نزلته فتنزل، وقد يطلق بمعنى النزول مطلقاً كما يطلق نزل بمعنى أنزل، وعلى ذلك قوله:شعر : فلست لإنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب تفسير : إذ لا أثر للتدرج في مقصود الشاعر، والمعنى ما نتنزل وقتاً غب وقت إلا بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته سبحانه. وقرأ الأعرج {وما يتنزل} بالياء والضمير للوحي بقرينة الحال، وسبب النزول والكلام لجبريل عليه السلام، وقيل: إن الضمير له عليه السلام والكلام له عز وجل أخبر سبحانه أنه لا يتنزل جبريل إلا بأمره تعالى قائلاً: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } ما قدامنا من الزمان المستقبل {وَمَا خَلْفَنَا } من الزمان الماضي {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } المذكور من الزمان الحال فلا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره سبحانه ومشيئته عز وجل، وقال ابن جريج: ما بين الأيدي هو ما مر من الزمان قبل الإيجاد وما خلف هو ما بعد موتهم إلى استمرار الآخرة وما بين ذلك هو مدة الحياة، وقال أبو العالية: ما بين الأيدي الدنيا بأسرها إلى النفخة الأولى وما خلف ذلك الآخرة من وقت البعث وما بين ذلك ما بين النفختين وهو أربعون سنة، وفي كتاب «التحرير والتحبير» ما بين الأيدي الآخرة وما خلف الدنيا ورواه العوفي عن ابن عباس وبه قال ابن جبير وقتادة ومقاتل وسفيان، وقال الأخفش: ما بين الأيدي هو ما قبل الخلق وما خلف هو ما بعد الفناء وما بين ذلك ما بين الدنيا والآخرة فالماآت على هذه الأقوال من الزمان. وقال صاحب «الغنيان»: ما بين أيدينا السماء وما خلفنا الأرض وما بين ذلك ما بين الأرض والسماء، وقيل: ما بين الأيدي الأرض وما خلف السماء وقيل: ما بين الأيدي المكان الذي ينتقلون إليه وما خلف المكان الذي ينتقلون منه وما بين ذلك المكان الذي هم فيه فالماآت من الأمكنة، واختار بعضهم تفسيرها بما يعم الزمان والمكان، والمراد أنه تعالى المالك لكل ذلك فلا ننتقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بإذنه عز وجل. وقال البغوي: المراد له علم ما بين أيدينا الخ أي فلا نقدم على ما لم يكن موافق حكمته سبحانه وتعالى. واختار بعضهم التعميم أي له سبحانه ذلك ملكاً وعلماً. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } أي تاركاً أنبياءه عليهم السلام ويدخل صلى الله عليه وسلم في ذلك دخولاً أولياً أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به ولم يكن عن ترك الله تعالى لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة بالغة، وقيل: النسيان على ظاهره يعني أنه سبحانه لإحاطة علمه وملكه لا يطرأ عليه الغفلة والنسيان حتى يغفل عنك وعن الإيحاء إليك وإِنما كان تأخير الإيحاء لحكمة علمها جل شأنه، واختير الأول لأن هذا المعنى لا يجوز عليه سبحانه فلا حاجة إلى نفيه عنه عز وجل مع / أن الأول هو الأوفق لسبب النزول. ورجح الثاني بأنه أوفق بصيغة المبالغة فإنها باعتبار كثرة من فرض التعلق به وهي أتم على الثاني مع ما في ذلك من إبقاء اللفظ على حقيقته، وكثيراً ما جاء في القرآن نفي ما لا يجوز عليه سبحانه وتعالى وفيه نظر، نعم لا شبهة في أن المتبادر الثاني وأمر الأوفقية لسبب النزول سهل، وفي إعادة اسم الرب المعرب عن التبليغ إلى الكمال اللائق مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه صلى الله عليه وسلم والإشعار بعلة الحكم ما لا يخفى، وقال أبو مسلم وابن بحر: أول الآية إلى {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ } من كلام المتقين حين يدخلون الجنة والتنزل فيه من النزول في المكان، والمعنى وما نحل الجنة ونتخذها منازل إلا بأمر ربك تعالى ولطفه وهو سبحانه مالك الأمور كلها سالفها ومترقبها وحاضرها فما وجدنا وما نجده من لطفه وفضله، وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تقرير من جهته تعالى لقولهم أي وما كان سبحانه تاركاً لثواب العاملين أو ما كان ناسياً لأعمالهم والثواب عليها حسبما وعد جل وعلا، وفيه أن حمل التنزل على ما ذكر خلاف الظاهر. وأيضاً مقتضاه بأمر ربنا لأن خطاب النبـي صلى الله عليه وسلم كما في الوجه الأول غير ظاهر إلا أن يكون حكاه الله تعالى على المعنى لأن ربهم وربه واحد ولو حكى على لفظهم لقيل ربنا، وإنما حكى كذلك ليجعل تمهيداً لما بعده، وكون ذلك خطاب جماعة المتقين لواحد منهم بعيد وكذا {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } إذ لم يقل ربهم. وأيضاً لا يوافق ذلك سبب النزول بوجه، وكأن القائل إنما اختاره ليناسب الكلام ما قبله ويظهر عطفه عليه. وقد تحقق أنا في غنى عن ارتكابه لهذا الغرض.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية هنا غريب. فقال جمهور المفسرين: إن سبب نزولها أنّ جبريل عليه السلام أبطأ أياماً عن النزول إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث : وأنّ النبي ودّ أن تكون زيارة جبريل له أكثر مما هو يزوره فقال لجبريل: «ألا تزورنا أكثر ممّا تزورنا»تفسير : . فنزلت: {ومَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ} إلى آخر الآية. أي إلى قوله {نَسِيَّاً}، رواه البخاري والترمذي عن ابن عبّاس. وظاهره أنه رواية وهو أصح ما روي في سبب نزولها وأليقه بموقعها هنا. ولا يلتفت إلى غيره من الأقوال في سبب نزولها. والمعنى: أن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقول هذا الكلام جواباً عنه، فالنظم نظم القرآن بتقدير: وقل ما نتنزل إلاّ بأمر ربّك، أي قل يا جبريل، فكان هذا خطاباً لجبريل ليبلغه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قرآناً. فالواو عاطفة فعل القول المحذوف على الكلام الذي قبله عطف قصة على قصة مع اختلاف المخاطب، وأمرَ الله رسوله أن يقرأها هنا، ولأنّها نزلت لتكون من القرآن. ولا شك أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك لجبريل عليه السلام عند انتهاء قصص الأنبياء في هذه السورة فأثبتت الآية في الموضع الذي بلغ إليه نزول القرآن. والضمير لجبريل والملائكة، أعلم الله نبيئه على لسان جبريل أن نزول الملائكة لا يقع إلاّ عن أمر الله تعالى وليس لهم اختيار في النزول ولقاء الرّسل، قال تعالى: {أية : لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون}تفسير : [الأنبياء: 27]. و{نتنزل} مرادف ننزّل، وأصل التنزّل: تكلّف النزول، فأطلق ذلك على نزول الملائكة من السماء إلى الأرض لأنّه نزول نادر وخروج عن عالمهم فكأنه متكلّف. قال تعالى: {أية : تَنَزَّلُ الملائكة والروح فيها}تفسير : [القدر: 4]. واللاّم في «له» للملك، وهو ملك التصرف. والمراد بــــ{مَا بَينَ أيْدِينَا} ما هو أمامنا، وبــــ{وَمَا خَلْفَنا:} ما هو وراءنا، وبــــ{ومَا بَينَ ذَلِكَ}: ما كان عن أيمانهم وعن شمائلهم، لأن ما كان عن اليمين وعن الشمال هو بين الأمام والخلف. والمقصود استيعاب الجهات. ولمّا كان ذلك مخبراً عنه بأنه ملك لله تعين أن يراد به الكائنات التي في تلك الجهات، فالكلام مجاز مرسل بعلاقة الحلول، مثل {أية : واسأل القرية}تفسير : [يوسف: 82]، فيعمّ جميع الكائنات، ويستتبع عمومَ أحوالها وتصرفاتها مثل التنزل بالوحي. ويستتبع عموم الأزمان المستقبل والماضي والحال، وقد فسر بها قوله {ما بين أيدينا وما خَلْفنا وما بينَ ذلِكَ}. وجملة {ومَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} على هذا الوجه من الكلام الملقّن به جبريل جواباً للنبي - صلى الله عليه وسلم - و{نسِيّاً}: صيغة مبالغة من نَسيَ، أي كثيرَ النسيان أو شديده. والنسيان: الغفلة عن توقيت الأشياء بأوقاتها، وقد فسروه هنا بتارك، أي ما كان ربّك تاركك وعليه فالمبالغة منصرفة إلى طول مدّة النسيان. وفسر بمعنى شديد النسيان، فيتعين صرف المبالغة إلى جانب نسبة نفي النسيان عن الله، أي تحقيق نفي النسيان مثل المبالغة في قوله {أية : وما ربّك بظلام للعبيد}تفسير : [فصّلت: 46] فهو هنا كناية عن إحاطة علم الله، أي إن تنزلنا بأمر الله لما هو على وفق علمه وحكمته في ذلك، فنحن لا نتنزل إلاّ بأمره. وهو لا يأمرنا بالتنزل إلاّ عند اقتضاء علمه وحكمته أن يأمرنا به. وجوز أبو مسلم وصاحب «الكشاف»: أنّ هذه الآية من تمام حكاية كلام أهل الجنة بتقدير فعل يقولون حالاً من قوله {أية : من كان تقياً}تفسير : [مريم: 63]، أي وما نتنزل في هذه الجنة إلاّ بأمر ربّك الخ، وهو تأويل حسن. وعليه فكاف الخطاب في قوله {بأمر ربك}خطاب كلّ قائل لمخاطبه، وهذا التجويز بناء على أنّ ما روي عن ابن عباس رأي له في تفسير الآية لا تتعيّن متابعته. وعليه فجملة {ومَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} من قول الله تعالى لرسوله تذييلاً لما قبله، أو هي من كلام أهل الجنّة، أي وما كان ربّنا غافلاً عن إعطاء ما وعدنا به.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما نتنزل: التنزل النزول وقتا بعد وقت. إلا بأمر ربك: أي إلا بإذنه لنا في النزول على من يشاء. له ما بين أيدينا: أي مما هو مستقبل عن أمر الآخرة. وما خلفنا: أي ما مضى من الدنيا. وما بين ذلك: مما لم يمض من الدنيا إلى يوم القيامة أي له علم ذلك كله. وما كان ربك نسيا: أي ذا نسيان فإنه تعالى لا ينسى فكيف ينساك ويتركك؟. رب السماوات والأرض: أي مالكهما والمتصرف فيهما. واصطبر لعبادته: أي أصبر وتحمل الصبر في عبادته حتى الموت. هل تعلم له سمياً: أي لا سميَّ له ولا مثل ولا نظير فهو الله أحد، لم يكن له كفواً أحد. معنى الآيتين: لنزول هاتين الآيتين سبب وهو ما روى واستفاض أن الوحي تأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي يأتي بالوحي جبريل عليه السلام فلما جاء بعد بطءٍ قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فأنزل الله تعالى قوله: جوابا لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم {وَمَا نَتَنَزَّلُ} أي نحن الملائكة وقتا بعد وقت على من يشاء ربنا {إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} أيها الرسول أي إلا بإذنه لنا فليس لأحد منا أن ينزل من سماء إلى سماء أو إلى أرض إلا بإذن ربنا عزوجل، {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} أي له أمر وعلم ما بين أيدينا أي ما أمامنا من أمور الآخرة وما خلفنا أي مما مضى من الدنيا علماً وتدبيراً، وما بين ذلك إلى يوم القيامة علماً وتدبيراً، وما كان ربك عز وجل يا رسول الله ناسيا لك ولا تاركا فإنه تعالى لم يكن النسيان وصفاً له فينسى. وقوله تعالى: {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} يخبر تعالى رسوله بأنه تعالى مالك السماوات والأرض وما بينهما والمتصرف فيهما فكل شيء له وبيده وفي قبضته وعليه {فَٱعْبُدْهُ} أيها الرسول بما أمرك بعبادته به {وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} أي تحمل لها المشاق، فإنه لا إله إلا هو، فـ {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} أي نظيراً أو مثيلاً والجواب لا: إذاً فاعبده وحده وتحمل في سبيل ذلك ما استطعت تحمله. فإنه لا معبود بحق إلا هو إذ كل ما عداه مربوب له خاضع لحكمه وتدبيره فيه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- تقرير سلطان الله على كل الخلق وعلمه بكل الخلق وقدرته على كل ذلك. 2- استحالة النسيان على الله عزوجل. 3- تقرير ربوبية الله تعالى للعالمين، وبذلك وجبت له الألوهية على سائر العالمين. 4- وجوب عبادة الله تعالى ووجوب الصبر عليها حتى الموت. 5- نفي الشبيه والمثل والنظير لله إذ هو الله أحد لم يكن له كفواً أحد.

د. أسعد حومد

تفسير : (64) - رَوَى ابْنُ عَبَّاسَ فَقَالَ: قَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لِجِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُوْرَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُوْرُنَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ. فَالمَلاَئِكَةُ الكِرَامُ لاَ تَتَنَزَّلُ إِلاَ بِإِذْنِ رَبِّهِم الَّذِي لَهُ أَمْرُ الدُّنْيَا (مَا بَيْنَ أَيْدِينَا)، وَلَهُ أَمْرُ الآخِرَةِ (وَمَا خَلْفَنَا)، وَمَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلاَ يَنْسَى اللهُ شَيْئاً، وَلاَ تَطْرَأُ عَلَيْهِ غَفْلَةٌ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّهُ تَعَالَى جَدُّهُ إِنْ كَانَ قَدْ أَخَّرَ الوَحْيَ عَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ يَعْرِفُهَا هُوَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا ينتقل السياق إلى موضوع آخر، فبعد أنْ تحدَّث عن الجنة وأهلها عرض لأمر حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يحدث له حين ينزل عليه الوحي، وقلنا: إن الوحي ينزل بواسطة جبريل عليه السلام ، وهو مَلَكٌ، على محمد صلى الله عليه وسلم وهو بشر. ولقاء جبريل بقانون ملكيته بمحمد صلى الله عليه وسلم بقانون بشريته لا يمكن أن يتم إلاَّ بتقارب هذيْن الجنسين وعملية تغيير لا بُدَّ أنْ تطرأ على أحدهما، إما أَنْ ينزل الملَكُ على صورة بشرية، وإما أنْ يرتفع ببشرية الرسول إلى درجة تقرب من المَلك ليأخذ عنه، وذلك ما كان يحدث لرسول الله حين يأتيه الوحي. وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا التغيير فقال: "حديث : ... فغطَّني حتى بلغ مني الجهْد..."تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم يتفصَّد جبينه عرقاً لما يحدث في جسمه من تفاعل وعمليات كيماوية، ثم حينما يُسرِّي عنه تذهب هذه الأعراض. وقد أخبر بعض الصحابة، وكان يجلس بجوار رسول الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يضع رُكْبته على رُكْبته، فلما نزل على رسول الله الوحي قال الصحابي: شعرتُ برُكْبة رسول الله وكأنها جبل. وإذا أتاه الوحي وهو على دابة كانت الدابة تئط أي: تنخ من ثِقَل الوحي، وقد قال تعالى: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}تفسير : [المزمل: 5]. إذن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعب بعد هذا اللقاء ويشقُّ عليه، حتى يذهب إلى السيدة خديجة رضي الله عنها يقول: "حديث : زَمِّلوني زَمِّلوني" أو "دَثِّروني دَثِّروني"تفسير : كأن به حمى مما لاقى من لقاء الملَك ومباشرة الوحي أولاً. ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل الوحي يفتر عن رسوله ليرتاح من تعبه ومشقته، فإذا ما ارتاح وذهب عنه التعب بقيتْ له حلاوة ما نزل من الوحي، فيتشوق إليه من جديد، كما يشتاق الإنسان لمكانٍ يحبه دونه الأشواك ومصاعب الطريق، فالحب للشيء يحدث عملية كالتخدير، فلا تشعر في سبيله بالتعب. وقلنا: لما فتر الوحي عن رسول الله شمت فيه الكفار وقالوا: إن رَبَّ محمد قد قلاه يعني: أبغضه وتركه. وهذا القول دليل على غبائهم وحماقتهم، كيف وقد كانوا بالأمس يقولون عنه: ساحر وكذاب؟ ففي البغض يتذكرون أنه له رباً منع عنه الوحي، وحين دعاهم إلى الإيمان بهذا الرب قالوا: من أين جاء بهذا الكلام؟ لذلك، فالحق تبارك وتعالى يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1-4] إذن: كانت مسألة الوحي شاقة على رسول الله. فأراد الحق سبحانه أن يعطي هؤلاء درساً من خلال درس كونيّ مشاهد يشهد به المؤمن والكافر، هذا الأمر الكونيّ هو الزمن، وهو ينقسم إلى ليل ونهار، ولكل منهما مهمته التي خلقه الله من أجلها، كما قال سبحانه: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ}تفسير : [الليل: 1-2]. فإياك أنْ تُغيّر مهمة الليل إلى النهار، أو مهمة النهار إلى الليل. ثم يرد عليهم قائلاً: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الضحى: 1-4]. والمعنى: إنْ كان النهار لحركة الحياة واستبقائها، والليل للراحة والسكون، فهما آيتان متكاملتان لا مُتضادتان، وليس معنى أن يأتي الليل بسكونه أن النهار لن يأتي من بعده، بل سيأتي نهار آخر، وستستمر حركة الحياة. وكذلك الأمر إنْ فترَ الوحي عن رسول الله، فلا تظنوا أنه انقطع إلى غير رَجْعة، بل هي فترة ليرتاح فيها رسول الله، كالليل الذي ترتاحون فيه من عناء العمل في النهار، ومن هنا كانت الحكمة في أنْ يُقسم سبحانه وتعالى بالضحى والليل إذا سجى على {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}تفسير : [الضحى: 3]. ونلحظ في هذا التعبير دِقّة الإعجاز في أداء القرآن، حيث قال: {أية : مَا وَدَّعَكَ ..}تفسير : [ضحى: 3] بكاف الخطاب؛ لأن التوديع يكون لمَنْ تحب ولمَنْ تكره، أما في القِلَى فلم يقُلْ: قَلاَك. لأن القِلَى لا يكون إلا لمَنْ تكره. ومعنى: {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الضحى: 4] الآخرة أي: الفترة الأخيرة من نزول الوحي خَيْر لك من الفترة الأولى؛ لأنها ستكون أوسع، وستأتيك بلا تَعَب ولا مشقة، وفعلاً نزلت جمهرة القرآن بعد ذلك في يُسْر على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان الأمر في الآية التي نحن بصددها: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ..} [مريم: 64] فيقال: إنها نزلت حينما قال الكفار: إن ربَّ محمد قد قلاه، أو أنها نزلت بعد أن سأل كفار مكة الأسئلة الثلاثة التي تحدثنا عنها في سورة الكهف. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: "حديث : سأخبركم غداً"تفسير : لكن الوحي لم يأته مدة خمسة عشر يوماً، فشقَّ ذلك عليه وحزِنَ له فنزلت: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ..} [مريم: 64] أي: الملائكة لا تنزل إلا بأمر، ولا تغيب إلا بأمر. ثم يقول الحق سبحانه تعالى: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ..} [مريم: 64]. قوله تعالى: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ..} [مريم: 64] أي: الذي أمامنا {وَمَا خَلْفَنَا ..} [مريم: 64] أي: في الخلف {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ..} [مريم: 64] أي: ما بين الأمام والخلف، فماذا بين الأمام والخلف؟ ليس بين الأمام والخلف إلا أنت. فسبحانه وتعالى المالك، الذي له الملك والمملوك، وله المكان والمكين، وله الزمان والزمين. وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64] وهل يرسل الحق - تبارك وتعالى - رسولاً، ثم ينساه هكذا دون إمداد وتأييد؟ فسبحانه تنزَّه عن الغفلة وعن النيسان. ثم يقول الحق سبحانه: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} [الآية: 64]. قال: هذا قول الملائكة حين استزارهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم. كقوله: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}تفسير : [الضحى: 3]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ} [الآية: 69]. يعني: من كل أَمة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} [الآية: 69]. يعني: كفراً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا إِسرائيل عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [الآية: 71]. قال: لا يبقى أَحد إِلا دخلها {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} [الآية: 72]. وقال: رأَيت الصالحين يقولون: اللهم نجنا من جهنم سالمين مسلمين. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ قال: أَخبرنا مسلم الأَعور عن مجاهد قال: يعني داخلها. [الآية: 71]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: "الورود". الممر عليها من أَن يدخلها. [الآية: 71]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا حماد بن سلمة عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أَبي ليلى أَنه كان يقرأُ: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} [الآية: 72]. يقول: هنالك ينجي الله الذين اتقوا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} [الآية: 71]. قال: يعني قضاءً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [الآية: 73]. قال: قريش تقوله لأَصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، والندي: المجالس. قريش تقوله أَيضاًَ لأَصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} قالَ الإِمامُ زيد بن علي عليهما السلام: ما بين أيدينا: الآخرةُ. وما خَلفنا: الدُّنيا. وما بين ذلك النفختان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام مرة في نزوله إليه فقال له: " لو تأتينا أكثر مما تأتينا " -تشوقا إليه، وتوحشا لفراقه، وليطمئن قلبه بنزوله- فأنزل الله تعالى على لسان جبريل: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ } أي: ليس لنا من الأمر شيء، إن أمرنا، ابتدرنا أمره، ولم نعص له أمرا، كما قال عنهم: {أية : لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : فنحن عبيد مأمورون، { لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ } أي: له الأمور الماضية والمستقبلة والحاضرة، في الزمان والمكان، فإذا تبين أن الأمر كله لله، وأننا عبيد مدبرون، فيبقى الأمر دائرا بين: " هل تقتضيه الحكمة الإلهية فينفذه؟ أم لا تقتضيه فيؤخره " ؟ ولهذا قال: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } أي: لم يكن لينساك ويهملك، كما قال تعالى: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } تفسير : بل لم يزل معتنيا بأمورك، مجريا لك على أحسن عوائده الجميلة، وتدابيره الجميلة. أي: فإذا تأخر نزولنا عن الوقت المعتاد، فلا يحزنك ذلك ولا يهمك، واعلم أن الله هو الذي أراد ذلك، لما له من الحكمة فيه. ثم علل إحاطة علمه، وعدم نسيانه، بأنه { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } فربوبيته للسماوات والأرض، وكونهما على أحسن نظام وأكمله، ليس فيه غفلة ولا إهمال، ولا سدى، ولا باطل، برهان قاطع على علمه الشامل، فلا تشغل نفسك بذلك، بل اشغلها بما ينفعك ويعود عليك طائله، وهو: عبادته وحده لا شريك له، { وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } أي: اصبر نفسك عليها وجاهدها، وقم عليها أتم القيام وأكملها بحسب قدرتك، وفي الاشتغال بعبادة الله تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات، كما قال تعالى: {أية : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } تفسير : إلى أن قال: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } تفسير : الآية. { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } أي: هل تعلم لله مساميا ومشابها ومماثلا من المخلوقين. وهذا استفهام بمعنى النفي، المعلوم بالعقل. أي: لا تعلم له مساميا ولا مشابها، لأنه الرب، وغيره مربوب، الخالق، وغيره مخلوق، الغني من جميع الوجوه، وغيره فقير بالذات من كل وجه، الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وغيره ناقص ليس فيه من الكمال إلا ما أعطاه الله تعالى، فهذا برهان قاطع على أن الله هو المستحق لإفراده بالعبودية، وأن عبادته حق، وعبادة ما سواه باطل، فلهذا أمر بعبادته وحده، والاصطبار لها، وعلل ذلك بكماله وانفراده بالعظمة والأسماء الحسنى.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} [64] 339 - أنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي عامرٍ، قال: حدَّثنا عمرُ، قال: نا أبي وأنا إبراهيم بن الحسن، عن حجاج بن محمدٍ، عن عمر بن ذرٍّ، عن أبيه، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ - قال محمد: إن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال إبراهيم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل: "حديث : ما يمنعك أن تزُورَنا أكثر مما تزورُنا، فنزلت، {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} " تفسير : - قال مُحمَّدٌ: الآيةُ.

همام الصنعاني

تفسير : 1776- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، قال: لبث جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتاه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استبطأه فقال له جبريل: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا}: [الآية: 64]، يقول: ما بين أيدينا من الآخرة، {وَمَا خَلْفَنَا} من الدنيا، {وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ} يقول: ما بين النفختين.