١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : هو {رَبّ } مالك {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَٰدَتِهِ } أي اصبر عليها {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } أي مسمى بذلك؟ لا.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَمِيّاً} مثلاً من المساماة، أو من يُسمى الله أو لا يستحق اسم الإله غيره، أو ولداً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [الآية: 65]. قال محمد بن الفضل: هل تعلم أحد يجيبك فى أى وقت دعوته ويقبلك فى أى أوان قصدته. وقال بعض المفسرين: تعلم أحدًا يسمى الله إلا الله. وقال الحسين ابن الفضل: هل تستحق أحدًا أن يسمى باسم من أسمائه الحقيقية.
القشيري
تفسير : بحق الإظهار يجب أن يكون هو ربَّها، ويكون مالَكها، ويكون قادراً عليها. وإذا وجدت فهو فاعلها، فمعنى كون فعل الشيء لفاعله أنه في مقدوره وجوده. ويقال إذا كان ربَّ الأكابرِ من الأقوياء فهو أيضاً ربُّ الأصاغر من الضعفاء، وقيمةُ العَبْدِ بمالِكِه وقَدْرِه، لا بثمنه في نَفْسِه وَخَطَره. قوله: {فَٱعْبُدْهُ} أي قِفْ حيثما أمرك، ودَعْ ما يقع لك، وخَلِّ رأيك وتدبيرك. قوله: {وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ}: الاصطبار غاية الصبر. قوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}: أي كفواً ونظيراً. ويقال هل تعرف أحداً يسمى "الله" غيرَ اللَّهِ؟ ويقال أَنَّي بالنظير... وهو بالقِدَمِ متوحد! والتشبيه يقتضي التسوية بين المتشابهين، ولا مِثْلَ له... لا موجوداً ولا موهوماً.
اسماعيل حقي
تفسير : {رب السموات والارض} خبر مبتدأ محذوف اى هو مالكهما {وما بينهما} من الخلق فكيف يجوز النسيان على الرب {فاعبده} اى اذا كان هو الرب فاثبت على عبادته يا محمد والعبادة قيام العبد بما تعبد به وتكلف من امتثال الاوامر والنواهى. وفى التأويلات النجمية {فاعبده} بجسدك ونفسك وقلبك وسرك وروحك فعبادة جسدك اياه باركان الشريعة وهى الائتمار بما امرك الله به والانتهاء عما نهاك الله عنه وعبادة نفسك بآداب الطريقة وهى ترك موافقة هواها ولزوم مخالفة هواها وعبادة القلب الاعراض عن الدنيا وما فيها والاقبال على الآخرة ومكارمها وعبادة السر خلوه عن تعلقات الكونين اتصالا بالله تعالى ومحبة وعبادة الروح ببذل الوجود لنيل الشهود {واصطبر لعبادته} اى اصبر لمشاقها ولا تحزن بابطاء الوحى واستهزاء الكفرة وشماتتهم بك فانه يراقبك ويراعيك ويلطف بك فى الدنيا والآخرة. وتعدية الاصطبار باللام لا بحرف الاستعلاء كما فى قوله {واصطبر عليها} لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما تورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمبارز اصطبر لقرنك اى اثبت له فيما يورد عليك من شدائده وحملاته {هل تعلم له سميا} السمى الشريك فى الاسم والثمل والشبيه اى مثلا ان يستحق ان يسمى الها وانما قيل للمثل سمى لان كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثل والشبيه والنظير وكل واحد منهما سمى لصاحبه او احدا يسمى الله غيره فان المشركين مع غلوهم فى المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة اصلا والمراد بانكار العلم ونفيه انكار المعلوم ونفيه اى لا يكون ولم يكن ذلك. قال الكاشفى [يكى از آثار سطوت آلهى آن بودكه هيج كس ازاهل شرك معبود خودرا الله نكفتنه اند عزت احديت وغيرت الوهيت اين اسم سامى را ازتصرف كفار وتسميه ايشان درحصن حصين امان محفوظ داشت وزبان اهل ايمانرا درنعمت ومحنت وسرا وضرا بتكرر آن نام نامى جارى ساخت] شعر : الله الله جه طرفه امست اين حرزدل وردجان تمامست اين بس بود نزد صاحب معنى حسبى الله كواه اين دعوى تفسير : روى ان بعض الجبابرة سمى نفسه بلفظ الجلالة فصهر ما فى بطنه من دبره وهلك من ساعته وقال فرعون مصر للقبط انا ربكم الا على ولم يقدر ان يقول انا الله. قال ابن عباس رضى الله عنهما لا يسمى احد الرحمن وغيره. قال المولى الفنارى فى ترتيب اسماء البسملة ان لاسم الجلالة اختصاصا وضعيا واستعماليا وللرحمن اختصاصا استعماليا وقولهم رحمن اليمامة لمسيلمة تعنت فى كفرهم كما لو سموه الله مثلا ولا اختصاص للرحيم قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلغنا انك انما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن وانا والله لن نؤمن بالرحمن ابدا وقد عنوا بالرحمن مسيلمة الكذاب وقيل عنوا كاهنا كان لليهود باليمامة وقد رد الله عليهم بان الرحمن المعلم له هو الله تعالى بقوله {أية : قل هو ربى لا اله الا هو عليه توكلت واليه متاب}تفسير : اى توبتى ورجوعى كما فى انسان العيون وتكره التسمية بالاسماء التى لا تليق الا بالله كالرحمن والرحيم والاله والخالق والقدوس ونحوها قال الله تعالى{أية : وجعلوا لله شركاء قل سموهم}تفسير : قال بعض المفسرين قل سموهم باسمائى ثم انظروا هل تليق بهم اى لا تليق بهم وغير رسول الله صلى الله عليه السلام اسم العزيز لان العزة لله وشعار العبد الذلة والاستكانة كما فى ابكار الافكار.
الجنابذي
تفسير : {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} وصف لربّك او خبر مبتدءٍ محذوفٍ وتعليل لامتناع النّسيان عليه {فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} لمّا كان الصّبر على العبادة اصعب اقسام الصّبر اتى فيه بصيغة المبالغة {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} خطاب خاصّ بمحمّدٍ (ص) او عامّ لمن يتأتّى منه الخطاب، والمراد بالسّمىّ المماثل فى شيءٍ من صفاته لا المسمّى بشيءٍ من أسمائه.
اطفيش
تفسير : {رَبُّ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} رب بدل من رب أو خبر لمحذوف أى هو ربى فإن عرفته يا محمد على هذه الصفة {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} فدم على عبادته واكتسب الصبر الشديد عليها، فإنه لا ينسى عبادتك ويثيبك عليها ولا تتشوش بإبطاء الوحى وهزء الكفرة وإلقائهم إليك الأغاليط. وإنما عدى الاصطبار باللام لا بعلى لتضُّمنه معنى الثبات وتنزيل العبادة منزلة القِرن المحارب فى إيراده الشدائد والمشاق كما تقول: اصطبر لقِرنك أى اثبت. واصطبر افتعل من الصبر والطاء من تاء. {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} أى مِثلا ونظيرا فى استحقاق العبادة وكونه رب السماوات والأرض وغير ذلك من صفات الكمال المتفرد بها حتى يسمى باسمه الذى هو الله. والمشركون ولو سموا أَصنامهم إلها لكن لم يسموها بالله الذى عوض فيه أل عن الهمزة، لم يوفقوا للتسمية به. وقيل: نظير فى العبادة والرزق والخلق والإحياء والإماتة ونحو ذلك. وفى رواية عن ابن عباس: لا تَسَمَّى أحد الرحمن دونه. ويحتمل أن المعنى لا مسمَّى باسم إله أو بالرحمن ولا باسم الله؛ فإن تسمية غيره بالإله أو بالرحمن ولو وجدت لكنها بباطل فهى غير معتد بها لأنه ليس غيره أهلا للعبادة فلا بد من التسليم لأمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها قال الشاعر: شعر : أخْلِقْ بذى الصبر أن يحظى بحاجته ومُدْمِن القرعِ للأبواب أن يلجا تفسير : وقال: شعر : إنى رأيت وفى الأيام تجربة للصبر عاقبة محمودة الأثر وقَنَّ مَن جَدَّ فى شئ يطالبه واستصحب الصبر إلا فاز بالظفَر
اطفيش
تفسير : ويبعد ما قيل إنه خطاب منهم فى الجنة لبعض منهم فيها، وكذا "أية : وما كان ربك نسياً" تفسير : [مريم: 64] خطابهم لواحد، وذلك لا يوافق سبب النزول فيرتكبون أنها لم تنزل جواباً وهو خلاف المشهور. {ربُّ السَّماوات والأرْض وما بينهما} هو رب السماوات، أو بدل من رب والسماوات، هن السبع والأرض الأرضون السبع، وما بينهما ما بين الفريقين تفصيلا ما بين كل سماء وسماء، وما كل أرض وأرض، وما بين السماء والأرض، بمعنى ما بين أبعاض الفريقين، والبينة شاملة لمن سكن فيهن، وما فى الهواء، كما قيل: إن فى الهواء طيراً وبحراً من ماء، وحوتاً وذلك بعض ملكه، ولا ينتهى ملكه لدوامه، كيف يليق بجلاله أن يغفل أو ينسى أو يلغى من أطاعه واصطفاه للنبوة. {فاعْبُده واصْطَبر لعبَادَته} إذا كان الأمر ما ذكر من أنه رب السماوات الخ، أو ما كان نسياً أو ذلك كله فاعبده، لأنه المثيب على الأعمال، ولا تحزن على إبطاء الوحى، ولا لقولهم تركه ربه أو نسيه، أو غفل عنه، أو عطف إنشاء على خبر هو قوله: "أية : رب السماوات" تفسير : [الكهف: 14] أو على قوله: "أية : وما كان" تفسير : [البقرة: 143] إلخ أى اعبده لسبب كونه لا ينسى، أو لكونه رب الخ، واصطبر على عبادته لسبب ذلك، واللام بمعنى على كقوله تعالى: "أية : واصطبر عليها"تفسير : [طه: 132] أو اللام لتضمن اصطبر معنى اثبت. وأجيز أن يكون رب مبتدأ خبره اعبده، وهو ضعيف لاحتياجه الى كون الفاء زائدة، وللإخبار بالأمر، وأجيز أن يكون وما كان ربك الخ من كلام المتقين على أن رب السموات خبر لمحذوف، أى هو رب السماوات "أية : واصطبر عليها" تفسير : [طه: 132] أو اللام لتضمن اصطبر معنى اثبت. {هَلْ تعلمُ له سمياً} مماثلا له فى اسم، مشارك له فى المعنى، مثل خالق وقادر ورازق وعالم، بمعنى أنه يخلق كما يخلق كما يخلق الله، ويرزق كما يرزق الله، ويقدر على كل شىء بلا علاج، كما قدر الله ويعلم كل شىء بلا تعلم وبلا بدء ولا انتهاء ولا مع عدم نسيان، ومثل الرحمن والرحيم، على معنى أنه يرحم فى الدنيا والآخرة، وتعم رحمته، كما أن الله يرحم، ومثل إله والله على أنه يعبد بحق، والم يجترىء المشركون مع عتوهم أن يسمعوا أحداً الله، ومثل أن يسمى أحد رب السماوات والأرض، وذلك كله منفى بأبلغ وجه، حيث نفى المعلوم بالاستفهام الإنكارى فى عبارة نفى العلم. إذ الحاصل أنه لو كان لعلمته فإذا لم يكن له سمى تعين أن لا يعبد إلا هو، وكان صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: {هل تعلم له سمياً} قال: لا، وروى أبو داود، عن أبى هريرة، "حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ منكم {والتين والزيتون} فانتهى الى آخرها {أليس الله بأحكم الحاكمين} فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ومن قرأ {لا أقسم بيوم القيامة} فانتهى الى: {أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى} فليقل بلى، ومن قرأ {والمرسلات} فبلغ: {فبأى حديث بعده يؤمنون} فليقل: آمنا بالله وحده . تفسير : وروى أبو داود عن موسى بن أبى عائشة: أنه كان رجل يصلى فوق بيته فكان إذا قرأ: {أية : أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى}تفسير : [القيامة: 40] قال: سبحانك بلى، فسألوه عن ذلك، فقال سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: {أية : فمن يأتيكم بماء معين}تفسير : [الملك: 30] "حديث : قال يأتى به رب العالمين ". تفسير : روى الترمذى عن جابر بن عبدالله: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن، من أولها الى آخرها، فسكتوا فقال: "حديث : لقد قرأتها على الجن ليلة فكانوا أحسن منكم مردوداً كانوا كلما أتيت على قوله تعالى: {فبأى آلاءِ ربكما تكذبان} قالوا لا بشىء من نعمك ربنا نكذب، ولك الحمد" تفسير : وفى رواية لغيره: لا بشىء من آلائك ربنا نكذب وفيها: أحسن منكم رداً، ويجوز للقارىء أن يقوله إذا قرأ هؤلاء الآيات، كما يقوله السامع. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: {حديث : {قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} قال ولا يبالى إنه هو الغفور الرحيم، وكان إذا قرأ: {أصطفى البنات على البنين} قال: لا، أو قال: {لم يلد ولم يولد} وكان إذا قرأ: {أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} أو قرأ: {أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} قال أنت يا رب، وإذا قرأ: {والضحى} وختمها قال: الله أكبر، وكذا كل سورة بعدها الى آخر سورة الناس، كان الفضيل بن عياض إذا قرأ: {وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين} قال: ما أشهدها آية على الغافلين . تفسير : وفى تفسير البغوى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ: {أية : سبح اسم ربك الأعلى}تفسير : [الأعلى: 1] فقال حديث : سبحان ربى الأعلى الذى خلق فسوى الى آخر السورة، تفسير : وكان على إذا قرأه فى الصلاة قال: سبحان ربى الأعلى، فقيل له: أتزيد فى الصلاة؟ قال أمرت بشىء ففعلته، وظاهر الإطلاق أن ذلك فى الفرض والنفل، وخص بعضهم ذلك بالنفل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آية عذاب سأل النجاة، وإذا قرأ آية رحمة سأل الرحمة، وزاد ما بعد ذلك من القراءة، وفى رواية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر فى صلاته بآية عذاب إلا استعاذ ولا بآية رحمة إلا سأل. وروى أبو داود والحاكم، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا قرأ: {أية : سبح اسم ربك الأعلى}تفسير : [الأعلى: 1] قال: حديث : سبحان ربى الأعلىتفسير : ، وفى الترمذى عن حذيفة، حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى ركوعه، سبحان ربى العظيم وفى سجوده سبحان ربى الأعلى وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ، تفسير : فنقول: إذا قرأ الإنسان اسم محمد أو أحمد فى القرآن وقف وصلى عليه وسلم وعلى آله بصوت دون صوت القراءة، ثم يزيد قراءة ما بعد، وأما فى غير قراءة القرآن فينبغى رفع الصوت بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : قوله تعالى: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى فإن من بيده ملكوت السمٰوات والأرض وما بينهما كيف يتصور أن يحوم حول ساحة عظمته وجلاله الغفلة والنسيان أو ترك وقلاء من اختاره واصطفاه لتبليغ رسالته، و «رب» خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السمٰوات الخ أو بدل من {رَبَّكَ } في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تفسير : [مريم: 64] والفاء في قوله سبحانه {فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } لترتيب ما بعدها من موجب الأمرين على ما قبلها من كونه تعالى رب السمٰوات والأرض وما بينهما، وقيل: من كونه تعالى غير تارك له عليه الصلاة والسلام أو غير ناس لأعمال العاملين، والمعنى فحين عرفته تعالى بما ذكر من الربوبية الكاملة فاعبده الخ فإن إيجاب معرفته سبحانه كذلك لعبادته مما لا ريب فيه أو حين عرفت أنه عز وجل لا ينساك أو لا ينسى أعمال العاملين فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها ولا تحزن بإبطاء الوحي وكلام الكفرة فإنه سبحانه يراقبك ويراعيك ويلطف بك في الدنيا والآخرة. وجوز أبو البقاء أن يكون {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } مبتدأ والخبر {فَٱعْبُدْهُ } والفاء زائدة على رأي الأخفش وهو كما ترى. وجوز الزمخشري أن يكون قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تفسير : [مريم: 64] من تتمة كلام المتقين على تقدير أن يكون {رَبّ } خبر مبتدأ محذوف ولم يجوز ذلك على تقدير الإبدال لأنه لا يظهر حينئذ ترتب قوله سبحانه: {فَٱعْبُدْهُ } الخ عليه لأنه من كلام الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا بلا شك، وجعله جواب شرط محذوف على تقدير ولما عرفت أحوال أهل الجنة وأقوالهم فأقبل على العمل لا يلائم ـ كما في «الكشف» ـ فصاحة التنزيل للعدول عن السبب الظاهر إلى الخفي، وتعدية الاصطبار باللام مع أن المعروف تعديته بعلى كما في قوله تعالى: {أية : وَٱصْطَبِرْ عليها} تفسير : [طه: 132] لتضمنه / معنى الثبات للعبادة فيما تورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمبارز: اصطبر لقرنك أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته، وفيه إشارة إلى ما يكابد من المجاهدة وأن المستقيم من ثبت لذلك ولم يتزلزل وشمة من معنى «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } أي مثلاً كما جاء في رواية جماعة عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة وأصله الشريك في الاسم، وإطلاقه على ذلك لأن الشركة في الاسم تقتضي المماثلة، وقال ابن عطية: السمي على هذا بمعنى المسامي والمضاهي، وأبقاه بعضهم على الأصل، واستظهر أن يراد هٰهنا الشريك في اسم خاص قد عبر عنه تعالى بذلك وهو رب السمٰوات والأرض، وقيل: المراد هو الشريك في الاسم الجليل فإن المشركين مع غلوهم في المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة أصلاً، وقيل: المراد هو الشريك فيما يختص به تعالى كالاسم الجليل والرحمن، ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً؛ وقيل: هو الشريك في اسم الإلٰه، والمراد بالتسمية التسمية على الحق وأما التسمية على الباطل فهي كلا تسمية، وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن ذلك قال: السمي الولد وأنشد له قول الشاعر:شعر : أما السمى فأنت منه مكثر والمال مال يغتدي ويروح تفسير : وروي ذلك أيضاً عن الضحاك، وأياً ما كان فالمراد بإنكار العلم ونفيه إنكار المعلوم ونفيه على أبلغ وجه وآكده، والجملة تقرير لوجوب عبادته عز وجل وإن اختلف الاعتبار حسب اختلاف الأقوال فتدبر. وقرأ الاخوان وهشام وعلي بن نصر وهٰرون كلاهما عن أبـي عمرو والحسن والأعمش وعيسى وابن محيصن {هتعلم} بإدغام اللام في التاء وهو على ما قال أبو عبيدة لغة كالإظهار وأنشدوا لذلك قول مزاحم العقيلي:شعر : فذرذا ولكن هتعين متيما على ضوء برق آخر الليل ناصب
ابن عاشور
تفسير : جملة مستأنفة من كلام الله تعالى كما يقتضيه قوله {فاعْبُدْهُ} إلى آخره ذيل به الكلام الذي لقنه جبريل المتضمن: أن الملائكة لا يتصرفون إلاّ عن إذن ربّهم وأنّ أحوالهم كلّها في قبضته بما يفيد عموم تصرفه تعالى في سائر الكائنات، ثمّ فرع عليه أمر الرسول - عليه السّلام - بعبادته، فقد انتقل الخطاب إليه. وارتفع {رَبُّ السَّمَٰوٰتِ} على الخبرية لمبتدأ محذوف ملتزم الحذف في المقام الذي يذكر فيه أحد بأخبار وأوصاف ثم يراد تخصيصه بخبر آخر. وهذا الحذف سمّاه السكاكي بالحذف الذي اتّبِع فيه الاستعمال كقول الصولي أو ابن الزّبير ــــ بفتح الزاي وكسر الموحدة ــــ:شعر : سأشكر عَمْرَاً إنْ تراختْ منيتي أياديَ لم تُمنَنْ وإنْ هيَ جلّتِ فتىً غيرُ محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهرُ الشكوى إذا النعل زلّت تفسير : والسماوات: العوالم العلوية. والأرض: العالم السفلي، وما بينهما: الأجواء والآفاق. وتلك الثلاثة تعم سائر الكائنات. والخطاب في {فَاعبُدهُ واصْطَبِر} و {هَلْ تَعْلَمُ} للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتفريع الأمر بعبادته على ذلك ظاهر المناسبة ويحصل منه التخلّص إلى التنويه بالتّوحيد وتفظيع الإشراك. والاصطبار: شدّة الصبر على الأمر الشاق، لأنّ صيغة الافتعال تَرِد لإفادة قوّة الفعل. وكان الشأن أن يعدى الاصطبار بحرف (على) كما قال تعالى: {أية : وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}تفسير : [طه: 132] ولكنّه عدي هنا باللاّم لتضمينه معنى الثّبات، أي اثبت للعبادة، لأنّ العبادة مراتب كثيرة من مجاهدة النفس، وقد يغلب بعضها بعض النّفوس فتستطيع الصبر على بعض العبادات دون بعض كما حديث : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العشاء: «هي أثقل صلاة على المنافقين»تفسير : . فلذلك لما أمر الله رسوله بالصبر على العبادة كلها وفيها أصناف جمّة تحتاج إلى ثبات العزيمة، نزل القائم بالعبادة منزلة المغالب لنفسه، فعدي الفعل باللاّم كما يقال: اثبت لعُدَاتك. وجملة {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} واقعة موقع التعليل للأمر بعبادته والاصطبار عليها. والسميّ هنا الأحسن أن يكون بمعنى المُسامي، أي المماثل في شؤونه كلها. فعن ابن عباس أنه فسّره بالنظير، مأخوذاً من المساماة فهو فعيل بمعنى فاعل، لكنه أخذ من المزيد كقول عمرو بن معد يكرب:شعر : أمن ريحانةَ الداعي السميع تفسير : أي المُسمع. وكما سمي تعالى "الحكيم"، أي المُحكم للأمور، فالسميّ هنا بمعنى المماثل في الصفات بحيث تكون المماثلة في الصفات كالمساماة. والاستفهام إنكاري، أي لا مسامي لله تعالى، أي ليس من يساميه، أي يضاهيه، موجوداً. وقيل السميّ: المماثل في الاسم. كقوله في ذكر يحيى {أية : لم نجعل له من قبل سمياً}تفسير : [مريم: 7]. والمعنى: لا تعلم له مماثلاً في اسمه الله، فإن المشركين لم يسموا شيئاً من أصنامهم "الله" باللاّم وإنّما يقولون للواحد منها إله، فانتفاء تسمية غيره من الموجودات المعظمة باسمه كناية عن اعتراف الناس بأن لا مماثل له في صفة الخالقية، لأنّ المشركين لم يجترئوا على أن يدعوا لآلهتهم الخالقية. قال تعالى: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}تفسير : [لقمان: 25]. وبذلك يتمّ كون الجملة تعليلاً للأمر بإفراده بالعبادة على هذا الوجه أيضاً. وكنّي بانتفاء العلم بسميّه عن انتفاء وجود سميّ له، لأنّ العلم يستلزم وجود المعلوم، وإذا انتفى مماثله انتفى من يستحق العبادة غيره.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {لِعِبَادَتِهِ} (65) - وَرَبُّكَ هُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَمُدَبِّرُهُ، وَهُوَ الحَاكِمُ المُتَصَرِّفُ فِي هَذَا الوُجُودِ، وَلاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ المُسْتَحِقُّ وَحْدَهُ لِلعِبَادَةِ، لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ وَلاَ شَبِيهٌ وَلاَ مُمَاثِلٌ، فَاعْبُدْهُ يَا مُحَمَّدُ، وَثَابِرْ عَلَى عِبَادَتِهِ صَابِراً مُطْمَئِناً، وَلَيْسَ لِرَبِّكَ مُمَاثِلٌ يُسَمَّى بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ. سَمِيّاً - مُمَاثِلاً فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أولاً: ما علاقة قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}تفسير : [مريم: 64] بقوله تعالى في هذه الآية: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ..} [مريم: 65]؟ قالوا: لأن هذا الكون العظيم بسمائه وأرضه، وما فيه من هندسة التكوين وإبداع الخلق قائم بقيومية الله تعالى عليه، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ ..}تفسير : [فاطر: 41]. فلا تظن أن الكون قائم على قانون يُديره، بل على القيومية القائمة على كل أمر من أمور الكون، والحق - تبارك وتعالى - لا تأخذه سنة ولا نوم. فما دام الأمر كذلك، وأنه تعالى يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا، وما بين ذلك، وأنه تعالى قيُّوم لا ينسى ولا يغفل وبه يقوم الكون. فهو - إذن - يستحق العبادة والطاعة فيما أمر، وقد أعطاك قبل أن يُكلّفك عطاء لا تستطيع أنت أن تفعله لنفسك، ثم تركك تربع في هذا النعيم خمس عشرة سنة دون أنْ يُكلِّفك بشيء من العبادات. لذلك هنا يقول تعالى: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ..} [مريم: 65] وقد أكّد القرآن الكريم في آيات كثيرة مسألة الوحدانية، وأنه رَبٌّ واحد فقال: {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ..} [مريم: 65]. وقال: {أية : رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الفاتحة: 2]. وقال: {أية : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : [الشعراء: 26]. لأن القدماء، ومنهم - مثلاً - قدماء المصريين كانوا يجعلون رباً للسماء، ورباً للأرض، ورباً للجو، ورباً للأموات، ورباً للزرع .. إلخ وما دام هو سبحانه رب كل شيء فقد رتب العبادة على الربوبية. والعبادة: طاعة معبود فيما أمر وفيما نهى، وكيف لا نطيع الله ونحن خَلْقه وصَنْعته، ونأكل رزقه، ونتقلب في نعمه؟ وفي ريفنا يقول الرجل لولده المتمرد عليه: (مَنْ يأكل لقمتي يسمع كلمتي). ولا بُدَّ أن نعلم أن الله تعالى له الكمال المطلق قبل أنْ يخلق الخَلْق وبصفات الكمال خلق، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. فإن قلتَ: فلماذا - إذن - يُكلِّف الخَلْق بالأمر والنهي؟ نقول: كلَّف الله الخَلْق لتستمر حركة الحياة وتتساند الجهود ولا تتصادم، فيحدث في حياتهم الارتقاء ويسعدوا بها، إنما لو تركهم وأهواءهم لَفسدتِ الحياة، فأنت تبني وغيرك يهدم. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ". تفسير : والحق تبارك وتعالى يقول: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..}تفسير : [المؤمنون: 71]. إذن: التشريعات جُعلَتْ لصالحنا نحن: {فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ..} [مريم: 65] لأن العبادة فيها مشقة، فلا بُدَّ لها من صبر؛ لأنها تأمرك بأشياء يشقُّ عليك أنْ تفعلها، وينهاك عَنْ أشياء يشقُّ عليك أن تتركها لأنك ألِفْتها. والصبر يكون منا جميعاً، يصبر كُلٌّ مِنَّا على الآخر؛ لأننا أبناء أغيار، فإن صبرتَ على الأذى صبر الناس عليك إنْ حدث منك إيذاء لهم؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 3]. والحق - سبحانه وتعالى - يُعلِّمنا: إن أذنب أحد في حَقْك، أو أساء إليك فاغفر له كما تحب أن أغفر لك ذنبك، واعفوَ عن سيئتك. يقول تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [النور: 22]. ولا تظن أن صبرك على أذى الآخرين أو غفرانك لهم تطوُّع من عندك؛ لأنه لن يضيع عليك عند الله، وستُردُّ لك في سيئة تُغفَر لك. حتى مَنْ فُضِح مثلاً أو ادُعي عليه ظُلْماً لا يضيعها الله، بل يدّخرها له في فضيحة سترها عليه، فمَنْ فُضِح بما لم يفعل، سُتر عليه ما فعل. وقوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [مريم: 65]؟ سبق أن تكلمنا في معنى (السَّميّ) وقد اختلف العلماء في معناها، قالوا: السَّميُّ: الذي يُساميك، أي: أنت تسمو وهو يسمو عليك، أو السَّميّ: النظير والمثيل. والحق سبحانه وتعالى ليس له سميٌّ يُساميه في صفات الكمال، وليس له نظير أو مثيل أو شبيه، بدليل قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11]. وقوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1-4]. وللسميِّ معنى آخر أوضحناه في قصة يحيى، حيث قال تعالى: {أية : لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 7] أي: لم يسبق أنْ تسمَّى أحد بهذا الاسم. وكذلك الحق - تبارك وتعالى - لم يتسمَّ أحدٌ باسمه، لا قبل هذه الآية، ولا بعد أنْ أطلقها رسول الله تحدّياً بين الكفار والملاحدة الذين يتجرؤون على الله. فلماذا لم يجرؤ أحد من هؤلاء أنْ يُسمى ولده الله؟ الحقيقة أن هؤلاء وإنْ كانوا كفاراً وملاحدة إلا أنهم في قرارة أنفسهم يؤمنون بالله، ويعترفون بوجوده، ويخافون من عاقبة هذه التسمية، ولا يأمنون أنْ يصيبهم السوء بسببها. إذن: لم تحدث، ولم يجرؤ أحد عليها؛ لأن الله تعالى قالها وأعلنها تحدياً، وإذا قال الله تعالى، ملَكَ اختيار الخَلْق، وعلم أنهم لن يجرؤوا على هذه الفعلة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ ...}.
الجيلاني
تفسير : وكيف يتصور نسيانه؛ إذ هو {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} لا يعزب ويغيب عن علمه شيء منها لمحةً، وإذ تحققتَ ما تلنا عليك يا أكمل الرسل وتأملتَ في معناه حق التأمل والتدبر {فَٱعْبُدْهُ} راجياً منه العناية على العبادة وجزاء الخير {وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} وتحمل لمتاعبها، واثبت عليها، ولا تستعجل بوحي ما قصدتَ وأحببتَ نزوله، ولا تقنط أيضاً؛ إذ الكل بيده مرهونُ بوقتٍ، ولا تضطرب من استهزاء الكفرة وسخريتهم، وكيف اضطربت {هَلْ تَعْلَمُ} وتسمع {لَهُ سَمِيّاً} [مريم: 65] مثلاً مسمىً بالأله المستحق للتوجه والعبودية لإنجاح المطلوب سواه حتى ترجع إليه، فلكَ العبادة والاصطبار وترك الاضطراب والاستعجال، وتفويض جميع الأمور إلى الكبير المتعال. {وَ} من غاية الجهل ونهاية الغفل عن ربوبيته {يَقُولُ ٱلإِنسَانُ} المجبول على النسيان والكفران بنعم الله وإنكار قدرته على إعادت المعدوم: {أَءِذَا مَا مِتُّ} وصرتُ عظاماً ورفاتاً {لَسَوْفَ أُخْرَجُ} من الأرض {حَيّاً} [مريم: 66] سوياً مُعاداً؟! كلا وحاشا هذا محالٌ باطلٌ، وضلالٌ ظاهرٌ. {أَ} ينكر المنكر املطرُّ على قدرتنا، ويصرُّ على الإنكار {وَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ} المكابر المعاند {أَنَّا خَلَقْنَاهُ} وأبدعناه {مِن قَبْلُ وَ} الحالُ أنه {لَمْ يَكُ شَيْئاً} [مريم: 67] أي: مما يطلق عليه الشيء، ولا مسبوقُ بشيءٍ، فقدرنا على إيجاده وإظهاره من العدم الصرْف، ولِمَ لَمْ نقدر على إعادته بعد سبق أجزائه، والإعادةُ والإبداءُ وإن كانا عندنا على السواء، إلا أن الإعادة بالنسبة إلى فهمهم أسهل وأيسر من الإبداء والإبداع لا عن شيءٍ. {فَوَرَبِّكَ} الذي هو أعظم الأسماء الإلهية وأشملها وبعزته وجلاله {لَنَحْشُرَنَّهُمْ} أولئك الضالين {وَٱلشَّيَاطِينَ} المضلين لهم معهم، منخرطين في سلسلتهم {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ} مقيدين مغلولين {حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} [مريم: 68] باركين على الركب، قائمين على أطراف الأصابع بلا تمكنٍ لهم واطمئنانٍ مثل الجاني الخائف عند الحاكم القاهر القادر على أنواع الانتقام. {ثُمَّ} بعد حشرهم وإحضارهم على النار {لَنَنزِعَنَّ} أي: ننتخبن ونخرجن {مِن كُلِّ شِيعَةٍ} أي: فرقةٍ شاعت منهم موجبات العذاب والنكال {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ} المفيض لهم أنواعَ الخيرات والبركات {عِتِيّاً} [مريم: 69] جراءةً على العصيان له وعلى ترك أوامره وارتكاب نواهيه، ليطرح أولاً على مقر النار، ثم الأمثل فالأمثل إلى انطراح الكل فيها على تفاوت طبقاتهم ودرجاتهم في موجباتها قوةً وضعفاً. {ثُمَّ} بعد انتزاعها وانتخابنا {لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ} وأحق {بِهَا} أي: بدخول النار {صِلِيّاً} [مريم: 70] أي: دخولاً أولياً سابقاً على اكل، وهم الرؤساء الضالون المضلون؛ إذ يضاعف عذابهم لضلالهم وإضلالهم. ثم قال سبحانه مخاطباً لبني آدم بأجمعهم: لا تغتروا بدنياكم ولذاتها وشهواتها، {وَ} اعلموا {إِن مِّنكُمْ} أي: ما منكم أيها المتلذذون بزخرفة الدنيا {إِلاَّ وَارِدُهَا} أي: ورادُ النار وواقعُها، ذاق كلُ منكم من عذابها مقدارَ ما يتلذذ من الدنيا. أمَّا المؤمنون المطيعون المتقون الذين يقنعون في الدنيا بسدِّ جوعةٍ ولبسِ خشنٍ وكنٍ ضروري، فيمرون عليها وهي خادمةً عبرة لهم منها وشكراً لنعمه النجاة عنها. وأمَّا المؤمنون العاصون التائبون، فيذوقون من عذابها مقدار تلذذهم بالمعاصي، ثم يخرجون على مقتضى عدله سبحانه. وأمَّا أصحاب الكبائر من المؤمنين الخارجين من الدنيا عليها بلا توبةٍ، وعموم الكفرة والمشركين، فه الواردون المقصرون على الورود فيها إلا أن المؤمنين تلحقهم الشفاعة. وأمَّا الكفرة لهم الخالدون المخلدون لا نجاة لهم منها أصلاً. ولا تتردوا أيها السامعون ولا تشكّوا في المذكور؛ إذ {كَانَ} ورودكم وعرض النار عليكم من جملة الأحكام المبرمة الإلهية التي وجب {عَلَىٰ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل وجوباً {حَتْماً مَّقْضِيّاً} [مريم: 71] محققاً بلا شبهةٍ و تخلفٍ اوجبها سبحانه على نفسه لِحِكَمٍ ومصالحَ خص سبحانه في سترها ولم يفش على أحدٍ. {ثُمَّ} ثم الورود والوصول {نُنَجِّي} ونخلص {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} عن محارمنا في النشأة الأولى اتقاءً من سخطنا وطلباً لمرضاتنا {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى أوامرنا ونواهينا خالدين {فِيهَا جِثِيّاً} [مريم: 72] لا يمكنهم الخروج والتجاوز عنها أصلاً، بل صاروا مزدحمين فيها مضيَّقين معذَّبين بأنواع العذاب أبد الآباد. {وَ} كيف لا يخلدون في النار، وهم من كمال غيّهم وضلالهم ونهاية غفلتهم وقسوتهم {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} في نشأة الاختيار {آيَاتُنَا} الدالةُ على تحيدنا وكمالِ قدرتنا على الإنعام والانتقام مع كونها {بَيِّنَٰتٍ} واضحاتٍ في الإعجاز بلا ريبٍ وترددٍ {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بعدما عجزوا عن معارضتها وأفحموا على المقابلة معها، متشبثين بما عندهم من المال و الجاه والثروة والرئاسة، مفتخرين بها قائلين على سبيل التهكم {لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ} أي: أنحن الأغنياء المتلذذون بأنواع اللذات المتمكنون بجميع المرادات والشهوات، أم أنتم أيها الفقراء الضعفاء المحتاجون بما تقتاتون في يومكم هذا؟! {خَيْرٌ مَّقَاماً} أي: مرتبةً ومكاناً عند الله {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم: 73] مجلساً ومنزلاً عنده، ولولا أنا أفضل وأخير منكم عند الله، لما أعطانا ما أعطانا ولما منع عنكم ما منع. ثم لما افتخروا وتفضلوا على المؤمنين بما عندهم من حطام الدنيا وزخرفتها، ردَّ عليهم وهدَّدهم على الوجه الأبلغ الأتم، فقال على سبيل العبرة: {وَكَمْ} أي: كثيراً {أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} في الأزمنة الماضية {مِّن} أهل {قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ} وأكثر من هؤلاء المفتخرين المعاندين {أَثَاثاً} أي: من جهة الأمتعة الدنيوية، وما يترتب عليها من الجاه والثروة والكبر والخيلاء {وَ} أحسن {رِءْياً} [مريم: 74] أي: زينةً وبهاءً. ثم لما لم يتذكروا بالآيات والنذر، ولم يتفطنوا منها إلى توحيد الحق وصفائه، ولم يشكروا نِعَمَه، بل أصروا واستكبروا بما عندهم من المزخرفات الفانية، فهلكوا واستؤصلوا {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل نيابةً عنا كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة: {مَن كَانَ} منغمساً منهمكاً {فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ} مجبولاً عليها {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} وليمهله {مَدّاً} مهلاً طويلاً، وليمتعهم تمتيعاً كثيراً؛ أي: رغداً واسعاً {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} على ألسنة الرسل والكتب {إِمَّا ٱلعَذَابَ} العاجل لهم في النشأة الأولى بأن غلب المسلمون عليه، فقتلوهم وأسروهم، وضربوا الجزي عليهم مهانين صاغرين {وَإِمَّا} تأتيهم {ٱلسَّاعَةَ} بغتةً {فَسَيَعْلَمُونَ} إذاً بالعيان والمشاهدة {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً} ومقاماً عند الله {وَأَضْعَفُ جُنداً} [مريم: 75] أو أقلُّ ناصراً ومعيناً. {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} بعدما صار مَالُ الكفار وبالاً عليهم ومنالُهم نكالاً لهم {} الهادي لعباده المؤمنين {} إلى زلال عرفانه وتوحيده {} هدايةً ورشاداً باقياً أزلاً وأبداً بدل ما نقص عنهم من حطام الدنيا الفانية ومتاعها الزائلة الذاهبة {} المقربة إلى الله، المستتبعة لأنواع الفضل والثواب {} يا أكمل الرسل {} عائدةً وفائدةً {} [مريم: 76] أي: منقلباً ومآباً؛ لأن مآل الأموال والجاه والثروة إلى الحسرة والخسران ومآل العبادات إلى الجنة والغفران.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن صفات كماله وكمال جلاله بقوله تعالى: {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [مريم: 65] إلى قوله: {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} [مريم: 72] بقوله: {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ} [مريم: 65] يشير إلى أنه تعالى خالق ورب سماوات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار، فاعبده بجسدك ونفسك وقلبك وسرك وروحك، فعبادة جسدك إياه بأركان الشريعة وهي: الائتمار بما أمرك الله به، والانتهاء عمَّا نهاك الله عنه، وعبادة القلب بالإعراض عن الدنيا وما فيها، والإقبال على الآخرة ومكارمها، وعبادة السر خلوة عن تعلقات الكونين اتصالاً بالله ومحبة له، وعبادة الروح ببذل الوجود ليل الشهود {وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} [مريم: 65] بالمداومة على المجاهدات، فإنها تورث المشاهدات، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [مريم: 65] أي: مثلاً في الخالقية والربوبية أو جنساً في المحبة والمحبوبية. {ٱلإِنسَانُ} [مريم: 66] أي: النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق {أَءِذَا مَا مِتُّ} [مريم: 66] عن صفات الحيوانية {لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} [مريم: 66] بصفات الروحانية بطريق الاستهزاء {أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ} [مريم: 67] أي: لا يتذكر نفسه {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} [مريم: 67] بازدواج الروح والحسد {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} [مريم: 67] موجوداً أفلا نقدر على أنها إذا ماتت عن صفاتها الحيوانية يحييها بصفات الروحانية، بل بصفات الربانية. ثم ذكر القسم للتوكيد بقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ} [مريم: 68] أي: لنجعلهم مع الشياطين شياطين الجن والإنس {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ} [مريم: 68] القهر والغضب {جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ} [مريم: 68-69] من النفوس المتمردة العاتية {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ} [مريم: 69-70] نزعناهم من {هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} [مريم: 70] أي: أولى وأحق لجهنم القهر أن يصليه فيها، ومن منهم أولى وأحق أن ينعم عليه ويميزه عنهم بتخليصه عن ظلمات وجوده بنور وجودنا، ونهديه إلى عالم الوصول والوصال بجذبات العناية الأزلية التي هي كفاية الأبدية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):