١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
66
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها فكأن سائلاً سأل وقال هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأما في الآخرة فقد أنكرها قوم فلا بد من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى يظهر أن الاشتغال بالعبادة مفيد فلهذا حكى الله تعالى قول منكري الحشر فقال: {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } وإنما قالوا ذلك على وجه الإنكار والاستبعاد، وذكروا في الإنسان وجهين: أحدهما: أن يكون المراد الجنس بأسره فإن قيل كلهم غير قائلين بذلك فكيف يصح هذا القول؟ قلنا الجواب من وجهين: الأول: أن هذه المقالة لما كانت موجودة فيما هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل رجل منهم. والثاني: أن هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلا أن بعضهم ترك ذلك الاستبعاد المبني على محض الطبع بالدلالة القاطعة التي قامت على صحة القول به. الثاني: أن المراد بالإنسان شخص معين فقيل: هو أبو جهل، وقيل: هو أبي بن خلف، وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث، ثم إن الله تعالى أقام الدلالة على صحة البعث بقوله: {أَوْ لاَ يَذْكُرُ الإِنْسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } والقراء كلهم على {يُذْكَرِ } بالتشديد إلا نافعاً وابن عامر وعاصماً فقد خففوا، أي أو لا يتذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل وإذا قرىء أو لا يذكر فهو أقرب إلى المراد إذ الغرض التفكر والنظر في أنه إذا خلق من قبل لا من شيء فجائز أن يعاد ثانياً. قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها إذ لا شك أن الإعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله: { أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [يسۤ: 79] وقوله: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } تفسير : [الروم: 27] واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء وهو ضعيف لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً؟ فإن قيل: كيف أمر تعالى الإنسان بالذكر مع أن الذكر هو العلم بما قد علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ قلنا: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرىء أو لا يذكر الإنسان بالتشديد أما إذا قرىء أو لا يذكر بالتخفيف فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن حياً في الدنيا ثم صار حياً، ثم إنه سبحانه لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتهديد من وجوه. أحدها: قوله: {فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ } وفائدة القسم أمران: أحدهما: أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أن في إقسام الله تعالى باسمه مضافاً إلى اسم رسوله صلى الله عليه وسلم تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم ورفع منه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: { أية : فَوَرَبّ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ } تفسير : [الذاريات: 23] والواو في {ٱلشَّيـٰطِينِ } ويجوز أن تكون للعطف وأن تكون بمعنى مع وهي بمعنى مع أوقع، والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة. وثانيها: قوله: {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً } وهذا الإحضار يكون قبل إدخالهم جهنم ثم إنه تعالى يحضرهم على أذل صورة لقوله تعالى: {جِثِيّاً } لأن البارك على ركبتيه صورته صورة الذليل أو صورته صورة العاجز، فإن قيل هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى: { أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } تفسير : [الجاثية: 28] والسبب فيه جريان العادة أن الناس في مواقف المطالبات من الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من الاستنظار والقلق، أو لما يدهمهم من شدة الأمر الذي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم، وإذا كان هذا عاماً للكل فكيف يدل على مزيد ذل الكفار؟ قلنا: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحالة وذلك يوجب مزيد الذل في حقهم. وثالثها: قوله: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } والمراد بالشيعة وهي فعلة كفرقة وفئة الطائفة التي شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة قال تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا } تفسير : [الأنعام: 159] والمراد أنه تعالى يحضرهم أولا حول جهنم جثياً ثم يميز البعض من البعض فمن كان أشدهم تمرداً في كفره خص بعذاب أعظم لأن عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد وليس عذاب من يورد الشبه في الباطل كعذاب من يقتدي به مع الغفلة قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } تفسير : [النحل: 88]. وقال: { أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13] فبين تعالى أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتواً وأشد تمرداً ليعلم أن عذابه أشد، ففائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً } ولا يقال أولى إلا مع اشتراك القوم في العذاب، واختلفوا في إعراب أيهم فعن الخليل أنه مرتفع على الحكاية تقديره لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد وسيبويه على أنه مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلة حتى لو جيء به لأعرب وقيل أيهم هو أشد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } الإنسان هنا أبيّ بن خلف، وجد عظاماً بالية ففتتها بيده، وقال: زعم محمد أنا نبعث بعد الموت؛ قاله الكلبي؛ ذكره الواحدي والثعلبي والقشيري. وقال المهدوي: نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه، وهو قول ابن عباس. واللام في «لسوف أخرج حيا» للتأكيد. كأنه قيل له: إذا ما مت لسوف تبعث حياً فقال: «أئذا ما مت لسوف أخرج حياً»! قال: ذلك منكراً فجاءت اللام في الجواب كما كانت في القول الأول، ولو كان مبتدئاً لم تدخل اللام؛ لأنها للتأكيد والإيجاب وهو منكر للبعث. وقرأ ابن ذكوان «إذا ما مِت» على الخبر. والباقون بالاستفهام على أصولهم في الهمز. وقرأ الحسن وأبو حيوة «لَسَوْفَ أَخْرُجُ حَيًّا»؛ قاله استهزاء لأنهم لا يصدقون بالبعث. والإنسان هاهنا الكافر. قوله تعالى: {أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ} أي أولا يذكر هذا القائل {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} أي من قبل سؤاله وقوله هذا القول {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} فالإعادة مثل الابتداء فلم يناقض. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً، وأهل مكة وأبو عمرو وأبو جعفر «أَوَلاَ يَذَّكَّرُ». وقرأ شيبة ونافع وعاصم {أَوَلاَ يَذْكُرُ} بالتخفيف. والاختيار التشديد وأصله يتذكر؛ لقوله تعالى: إنما يتذكر أولو الألباب» وأخواتها. وفي حرف أبيّ «أَوَلاَ يَتَذَكَّرُ» وهذه القراءة على التفسير لأنها مخالفة لخط المصحف. ومعنى «يَتَذَكَّرُ» يتفكر، ومعنى «يَذْكُرُ» يتنبه ويعلم؛ قاله النحاس. قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} أقسم بنفسه بعد إقامة الحجة بأنه يحشرهم من قبورهم إلى المعاد كما يحشر المؤمنين. {وَٱلشَّيَاطِينَ} أي ولنحشرن الشياطين قرناء لهم. قيل: يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة؛ كما قال: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22]. الزمخشري: والواو في «والشَّياطِين» يجوز أن تكون للعطف وبمعنى مع، وهي بمعنى مع أوقع. والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم؛ يقرنون كل كافر مع شيطان في سلسلة. فإن قلت هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة، فإن أريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين؟ قلت: إذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين، فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة. فإن قلت: هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء؟ قلت: لم يفرق بينهم في المحشر، وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم، وأوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم، فيزدادوا لذلك غبطة، وسروراً إلى سرور، ويشمتوا بأعداء الله تعالى وأعدائهم؛ فتزداد مساءتهم وحسرتهم، وما يغظيهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم. فإن قلت: ما معنى إحضارهم جثياً؟ قلت: أما إذا فسر الإنسان بالخصوص فالمعنى أنهم يعتلون من المحشر إلى شاطىء جهنم عَتْلا على حالهم التي كانوا عليها في الموقف، جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم. وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثو؛ قال الله تعالى: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} كلٌّ على الحالة المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات، من تجاثي أهلها على الركب. لما في ذلك من الاستيفاز والقلق، وإطلاق الجُثَا خلاف الطمأنينة؛ أو لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجـثون على ركبهم جثواً. وإن فسر بالعموم فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطيء جهنم. على أن «جثيا» حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين؛ لأنه من توابع التواقف للحساب، قبل التواصل إلى الثواب والعقاب. ويقال: إن معنى {لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} أي جثياً على ركبهم؛ عن مجاهد وقتادة؛ أي أنهم لشدّة ما هم فيه لا يقدرون على القيام. «وحول جهنم» يجوز أن يكون داخلها؛ كما تقول: جلس القوم حول البيت أي داخله مطيفين به؛ فقوله: «حول جهنم» على هذا يجوز أن يكون بعد الدخول. ويجوز أن يكون قبل الدخول. و«جثيا» جمع جاثٍ. يقال: جثا على ركبتيه يَجْثو ويَجْثِي جُثوًّا وجُثيا على فعول فيهما. وأجثاه غيره. وقوم جُثيٌّ أيضاً؛ مثل جلس جلوساً وقوم جلوس، وجِثى أيضاً بكسر الجيم لما بعدها من الكسر. وقال ابن عباس: «جثيا» جماعات. وقال مقاتل: جمعاً جمعاً؛ وهو على هذا التأويل جمع جُثْوة وجَثوَة وجِثوة ثلاث لغات، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع؛ فأهل الخمر على حدة، وأهل الزنى على حدة، وهكذا؛ قال طرفة:شعر : تَرَى جُثْوتين من تُرابٍ عليهما صفائحُ صُمٌّ من صفيحٍ مُنَضَّدِ تفسير : وقال الحسن والضحاك: جاثية على الركب. وهو على هذا التأويل جمع جاثٍ على ما تقدّم. وذلك لضيق المكان؛ أي لا يمكنهم أن يجلسوا جلوساً تاماً. وقيل: جثياً على ركبهم للتخاصم؛ كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} تفسير : [الزمر: 31]. وقال الكميت:شعر : هم تَركُوا سَرَاتَهُمُ جثيًّا وهم دون السّراةِ مقرَّنينَا تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ} أي لنستخرجن من كل أمة وأهل دين {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} النحاس: وهذه آية مشكلة في الإعراب؛ لأن القراء كلهم يقرؤون «أيهم» بالرفع إلا هارون القارىء الأعور فإن سيبويه حكى عنه: «ثم لننزِعن مِن كل شِيعةٍ أَيَّهُمْ» بالنصب أوقع على أيهم لننزعن. قال أبو إسحاق في رفع «أيهم» ثلاثة أقوال؛ قال الخليل بن أحمد حكاه عنه سيبويه: إنه مرفوع على الحكاية؛ والمعنى: ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال من أجل عتوه أيهم أشدّ على الرحمن عتيا؛ وأنشد الخليل، فقال: شعر : ولقد أبيت من الفتاة بمنزلٍ فأبيتُ لا حرِج ولا محروم تفسير : أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حَرِج ولا محروم. وقال أبو جعفر النحاس: ورأيت أبا إسحاق يختار هذا القول ويستحسنه؛ قال: لأنه معنى قول أهل التفسير. وزعم أن معنى «ثم لننزعن من كل شيعة» ثم لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى. كأنه يبتدأ بالتعذيب بأشدّهم عتيا ثم الذي يليه؛ وهذا نص كلام أبي إسحاق في معنى الآية. وقال يونس: «لننزعن» بمنزلة الأفعال التي تلغى ورفع «أيهم» على الابتداء. المهدوي: والفعل الذي هو «لننزعن» عند يونس معلق؛ قال أبو علي: معنى ذلك أنه يعمل في موضع «أيهم أشدّ» لا أنه ملغى. ولا يعلق عند الخليل وسيبويه مثل «لننزعن»، إنما يعلق بأفعال الشك وشبهها ما لم يتحقق وقوعه. وقال سيبويه: «أَيُّهُمْ» مبني على الضم لأنها خالفت أخواتها في الحذف؛ لأنك لو قلت: رأيت الذي أفضل ومن أفضل كان قبيحاً، حتى تقول من هو أفضل، والحذف في «أيهم» جائز. قال أبو جعفر: وما علمت أحداً من النحويين إلا وقد خطأ سيبويه في هذا، وسمعت أبا إسحاق يقول: ما يبين لي أن سيبويه غلط في كتابه إلا في موضعين هذا أحدهما؛ قال: وقد علمنا أن سيبويه أعرب أياً وهي مفردة لأنها تضاف، فكيف يبنيها وهي مضافة؟! ولم يذكر أبو إسحاق فيما علمت إلا هذه الثلاثة الأقوال. أبو عليّ: إنما وجب البناء على مذهب سيبويه؛ لأنه حذف منه ما يتعرف به وهو الضمير مع افتقار إليه، كما حذف في: «من قبل ومن بعد» ما يتعرفان به مع افتقار المضاف إلى المضاف إليه؛ لأن الصلة تبين الموصول وتوضحه كما أن المضاف إليه يبين المضاف ويخصصه. قال أبو جعفر: وفيه أربعة أقوال سوى هذه الثلاثة التي ذكرها أبو إسحاق؛ قال الكسائي: «لننزعن» واقعة على المعنى، كما تقول: لبست من الثياب، وأكلت من الطعام، ولم يقع «لننزعن» على «أيهم» فينصبها. زاد المهدوي: وإنما الفعل عنده واقع على موضع «من كل شيعة» وقوله: «أيهم أشد» جملة مستأنفة مرتفعة بالابتداء؛ ولا يرى سيبويه زيادة «من» في الواجب. وقال الفراء: المعنى ثم لننزعن بالنداء، ومعنى «لننزعن» لننادين. المهدوي: ونادى فعل يعلق إذا كان بعده جملة، كظننت فتعمل في المعنى ولا تعمل في اللفظ. قال أبو جعفر: وحكى أبو بكر بن شقير أن بعض الكوفيين يقول في «أيهم» معنى الشرط والمجازاة، فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها؛ والمعنى: ثم لننزعن من كل فرقة إن تشايعوا أو لم يتشايعوا، كما تقول: ضربت القوم أيهم غضب؛ والمعنى إن غضبوا أو لم يغضبوا. قال أبو جعفر: فهذه ستة أقوال، وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال: «أيهم» متعلق «بشيعة» فهو مرفوع بالابتداء؛ والمعنى: ثم لننزعن من الذين تشايعوا أيهم؛ أي من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشدّ على الرحمن عتياً؛ وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي أن التشايع التعاون. و«عتيا» نصب على البيان. قوله تعالى:{ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} أي أحق بدخول النار. يقال: صَلَى يَصْلَى صُليا، نحو مضى الشيء يمضي مُضِيا إذا ذهب، وهوى يهوي هُوِيا. وقال الجوهري: ويقال صليت الرجل ناراً إذا أدخلته النار وجعلته يَصلاها؛ فإن ألقيته فيها إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت: أصليته بالألف وصَلَّيته تصليةً. وقرىء «ويُصَلَّى سَعِيراً». ومن خفف فهو من قولهم: صَلِي فلان بالنار (بالكسر) يصلى صُلِياً احترق؛ قال الله تعالى: «هُمْ أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا». قال العجاج: شعر : واللَّهِ لولا النارُ أن نصلاها تفسير : ويقال أيضاً: صلي بالأمر إذا قاسى حره وشدّته. قال الطُّهَوِي: شعر : وَلاَ تَبْلَى بَسَالَتُهُمْ وإنْ هُمْ صَلُوا بالحرب حِيناً بعد حينِ تفسير : واصطليت بالنار وتصلّيت بها. قال أبو زبيد:شعر : وقد تَصلَّيتُ حَرَّ حَرْبِهمُ كَما تَصلَّى المقْرَورُ من قَرَسِ تفسير : وفلانٌ لا يُصطَلَى بناره إذا كان شجاعاً لا يُطاق. قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ} هذا قسم، والواو يتضمنه. ويفسره حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تَحِلَّة القسم» تفسير : قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} ذكره أبو داود الطيالسي؛ فقوله: «إلا تحِلة القسم» يخرج في التفسير المسند؛ لأن القسم المذكور في هذا الحديث معناه عند أهل العلم قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}. وقد قيل: إن المراد بالقسم قوله تعالى: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً} تفسير : [الذاريات: 1] إلى قوله: {أية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ } تفسير : [الذاريات: 5] والأوّل أشهر؛ والمعنى متقارب. الثانية: واختلف الناس في الورود؛ فقيل: الورود الدخول؛ روي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الورود الدخول لا يبقى بَرٌّ ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}»تفسير : أسنده أبو عمر في كتاب «التمهيد». وهو قول ابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم. وروي عن يونس أنه كان يقرأ «وإن منكم إلا وارِدها» الورود الدخول؛ على التفسير للورود، فغلط فيه بعض الرواة فألحقه بالقرآن. وفي مسند الدارمي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فأوّلهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحُضْر الفرس ثم كالراكب المجِدّ في رَحْله ثم كشدّ الرجل في مشيته»تفسير : . وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي: أما أنا وأنت فلا بد أن نردها، أما أنا فينجيني الله منها، وأما أنت فما أظنه ينجيك لتكذيبك. وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر؛ وقد بيناه في «التذكرة». وقالت فرقة: الورود الممر على الصراط. وروي عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار والسدي، ورواه السدي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله الحسن أيضاً؛ قال: ليس الورود الدخول، إنما تقول: وردت البصرة ولم أدخلها. قال: فالورود أن يمرّوا على الصراط. قال أبو بكر الأنباري: وقد بنى على مذهب الحسن قوم من أهل اللغة، واحتجوا بقول الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} قالوا: فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده منها. وكان هؤلاء يقرؤون «ثَمَّ» بفتح الثاء «نُنَجِّي الَّذينَ اتَّقَوْا». واحتج عليهم الآخرون أهل المقالة الأولى بأن معنى قوله: «أولئِك عنها مبعدون» عن العذاب فيها، والإحراق بها. قالوا: فمن دخلها وهو لا يشعر بها، ولا يحس منها وجعاً ولا ألماً، فهو مبعد عنها في الحقيقة. ويستدلون بقوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} بضم الثاء؛ فـ«ـثم» تدل على نجاء بعد الدخول. قلت: وفي صحيح مسلم: «حديث : ثم يُضرَبُ الجسر على جهنم وتَحُلُّ الشفاعة فيقولون اللَّهُمَّ سَلِّم سَلِّم» قيل: يا رسول الله وما الجِسرُ؟ قال: «دَحْضٌ مَزِلّةٌ فيه خَطَاطيفُ وكَلاَليبُ وحَسَكٌ تكون بنجد فيها شُوَيْكَة يقال لها السَّعْدان فيمرُّ المؤمنون كطرْف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والرّكاب فناجٍ مُسلَّمْ ومخدوشٌ مُرْسَل ومَكْدُوس في نار جهنم» تفسير : الحديث. وبه احتج من قال: إن الجواز على الصراط هو الورود الذي تضمنته هذه الآية لا الدخول فيها. وقالت فرقة: بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب. وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم، فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة. {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ} أي يؤمر بهم إلى النار قال الله تعالى: «وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ» أي أشرف عليه لا أنه دخله. وقال زهير: شعر : فَلَمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمَامُهُ وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخيِّم تفسير : وروت حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدخل النار أحدٌ من أهل بدر والحديبية» تفسير : قالت فقلت: يا رسول الله وأين قول الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فَمَه {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}».أخرجه مسلم من حديث أم مُبَشِّر؛ قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة. الحديث. ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 101]. وقال مجاهد: ورود المؤمنين النار هو الحمى التي تصيب المؤمن في دار الدنيا، وهي حظ المؤمن من النار فلا يردها. روى أبو هريرة «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضاً من وعك به، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: أبشر فإن الله تبارك وتعالى يقول «هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظّه من النار»»» تفسير : أسنده أبو عمر قال: حدّثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدّثنا قاسم بن أصبغ قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدّثنا أبو أسامة قال: حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله (عن أبي صالح) الأشعري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مريضاً فذكره. وفي الحديث: «حديث : الحُمَّى حَظُّ المؤمن من النار»تفسير : . وقالت فرقة: الورود النظر إليها في القبر، فينجّي منها الفائز، ويصلاها من قدر عليه دخولها، ثم يخرج منها بالشفاعة أو بغيرها من رحمة الله تعالى. واحتجوا بحديث ابن عمر: «حديث : إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ»تفسير : الحديث. وروى وكيع عن شعبة عن عبد الله بن السائب عن رجل عن ابن عباس أنه قال: في قول الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال: هذا خطاب للكفار. وروي عنه أنه كان يقرأ «وإن مِنهم» رداً على الآيات التي قبلها في الكفار: قوله:{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً وَإِن مِّنكُمْ} وكذلك قرأ عكرمة وجماعة؛ وعليها فلا شغْب في هذه القراءة. وقالت فرقة: المراد بـ«ـمنكم» الكفرة؛ والمعنى: قل لهم يا محمد. وهذا التأويل أيضاً سهل التناول؛ والكاف في «منكم» راجعة إلى الهاء في «لنحشرنهم والشياطين. ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا» فلا ينكر رجوع الكاف إلى الهاء؛ فقد عرف ذلك في قوله عز وجل: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } تفسير : [الإنسان: 21] معناه كان لهم، فرجعت الكاف إلى الهاء. وقال الأكثر: المخاطب العالم كله، ولا بد من ورود الجميع، وعليه نشأ الخلاف في الورود. وقد بينا أقوال العلماء فيه. وظاهر الورود الدخول؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «فتمسّه النار» لأن المسيس حقيقته في اللغة المماسة، إلا أنها تكون برداً وسلاماً على المؤمنين، وينجون منها سالمين. قال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا: إنا نرد النار؟ فيقال: لقد وردتموها فألفيتموها رماداً. قلت: وهذا القول يجمع شتات الأقوال؛ فإن من وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها فقد أبعد عنها ونُجِّي منها. نجانا الله تعالى منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها فدخلها سالماً، وخرج منها غانماً. فإن قيل: فهل يدخل الأنبياء النار؟ قلنا: لا نطلق هذا، ولكن نقول: إن الخلق جميعاً يردونها كما دل عليه حديث جابر أوّل الباب؛ فالعصاة يدخلونها بجرائمهم، والأولياء والسعداء لشفاعتهم فبين الدخولين بَوْنٌ. وقال ابن الأنباري محتجاً لمصحف عثمان وقراءة العامة: جائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب؛ كما قال: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } تفسير : [الإنسان: 21 ـ 22] فأبدل الكاف من الهاء. وقد تقدم هذا المعنى في «يونس». الثالثة: الاستثناء في قوله عليه السلام: «إلا تَحِلَّة القَسَم» يحتمل أن يكون استثناء منقطعاً: لكن تحلة القسم؛ وهذا معروف في كلام العرب؛ والمعنى ألا تمسه النار أصلاً؛ وتم الكلام هنا ثم ابتدأ «إلا تحلة القسم» أي لكن تحلة القسم لا بد منها في قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} وهو الجواز على الصراط أو الرؤية أو الدخول دخول سلامة، فلا يكون في ذلك شيء من مسيس؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جُنَّة من النار» تفسير : والجُنَّة الوقاية والستر، ومن وُقي النار وسُتر عنها فلن تمسّه أصلاً، ولو مسّته لما كان موقى. الرابعة: هذا الحديث يفسر الأوّل لأن فيه ذكر الحِسْبة؛ ولذلك جعله مالك بأثره مفسراً له. ويقيد هذا الحديث الثاني أيضاً ما رواه البخاريّ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنْث كان له حجاباً من النار ـ أو ـ دخل الجنة» تفسير : فقوله عليه السلام: «حديث : لم يبلغوا الحِنْث» تفسير : ومعناه عند أهل العلم لم يبلغوا الحُلُم ولم يبلغوا أن يلزمهم حِنْث ـ دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة ـ والله أعلم ـ لأن الرحمة إذا نزلت بآبائهم استحال أن يُرحَموا من أجل (من) ليس بمرحوم. وهذا إجماع من العلماء في أن أطفال المسلمين في الجنة، ولم يخالف في ذلك إلا فرقة شذت من الجبرية فجعلتهم في المشيئة؛ وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط، إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد الثقات العدول؛ وأن قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الشقيّ من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه وأن الملك ينزل فيكتب أجله وعمله ورزقه» تفسير : الحديث مخصوص، وأن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد في بطن أمه ولم يشقَ بدليل الأحاديث والإجماع. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله تعالى عنها: «حديث : يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم» تفسير : ساقط ضعيف مردود بالإجماع والآثار، وطلحة بن يحيـى الذي يرويه ضعيف لا يحتج به. وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرّج عليه وقد روى شعبة عن معاوية بن قرة بن إياس المزني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أن رجلاً من الأنصار مات له ابن صغير فَوَجد عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما يَسرك ألا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدتَه يَستفتح لك» فقالوا: يا رسول الله أله خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: «بل للمسلمين عامة»» تفسير : قال أبو عمر: هذا حديث ثابت صحيح؛ بمعنى ما ذكرناه مع إجماع الجمهور؛ وهو يعارض حديث يحيـى ويدفعه. قال أبو عمر: والوجه عندي في هذا الحديث وما أشبهه من الآثار أنها لمن حافظ على أداء فرائضه، واجتنب الكبائر، وصبر واحتسب في مصيبته؛ فإن الخطاب لم يتوجه في ذلك العصر إلا إلى قوم الأغلب من أمرهم ما وصفنا، وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وذكر النقاش عن بعضهم أنه قال: نسخ قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قولُه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 101] وهذا ضعيف، وهذا ليس موضع نسخ. وقد بينا أنه إذا لم تمسه النار فقد أبعد عنها. وفي الخبر: «تقول النار للمؤمن يوم القيامة جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي». الخامسة: قوله تعالى: {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} الحتم إيجاب القضاء؛ أي كان ذلك حتماً. «مقضيا» أي قضاه الله تعالى عليكم. وقال ابن مسعود: أي قسماً واجباً. قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي نخلصهم {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} وهذا مما يدل على أن الورود الدخول؛ لأنه لم يقل: وندخل الظالمين. وقد مضى هذا المعنى مستوفى. والمذهب أن صاحب الكبيرة وإن دخلها فإنه يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو. وقالت المرجئة: لا يدخل. وقالت الوعيدية: يخلّد. وقد مضى بيان هذا في غير موضع. وقرأ عاصم الجحدريّ ومعاوية بن قرة «ثُمَّ نُنْجِي» مخففة من أنجى. وهي قراءة حميد ويعقوب والكسائي. وثَقَّل الباقون. وقرأ ابن أبي ليلى «ثَمَّهْ» بفتح الثاء أي هناك. و«ثَمَّ» ظرف إلا أنه مبني لأنه غير محصّل فبنى كما بنى ذا؛ والهاء يجوز أن تكون لبيان الحركة فتحذف في الوصل، ويجوز أن تكون لتأنيث البقعة فتثبت في الوصل تاء.
البيضاوي
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ } المراد به الجنس بأسره فإن المقول مقول فيما بينهم وإن لم يقله كلهم كقولك: بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم، أو بعضهم المعهود وهم الكفرة أو أبي بن خلف فإنه أخذ عظاماً بالية ففتها وقال: يزعم محمد أننا نبعث بعدما نموت. {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } من الأرض أو من حال الموت، وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإِنكار لأن المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة، وانتصابه بفعل دل عليه أخرج لا به فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها، وهي ها هنا مخلصة للتوكيد مجردة عن معنى الحال كما خلصت الهمزة واللام في يا ألله للتعويض فساغ اقترانها بحرف الاستقبال. وروي عن ابن ذكوان إذا ما مت بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته، كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [الرعد: 5] وقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يس: 77 - 79] وقال ههنا: {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنْسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} يستدل تعالى بالبداءة على الإعادة، يعني أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئاً، أفلا يعيده وقد صار شيئاً، كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] وفي الصحيح «حديث : يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم، ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من آخره، وأما أذاه إياي، فقوله: إن لي ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد».تفسير : وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ} أقسم الرب تبارك وتعالى بنفسه الكريمة أنه لا بد أن يحشرهم جميعاً وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله، {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} قال العوفي عن ابن عباس: يعني: قعوداً؛ كقوله: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} تفسير : [الجاثية: 28]. وقال السدي في قوله: جثياً: يعني: قياماً، وروي عن مرة عن ابن مسعود مثله. وقوله: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ} يعني: من كل أمة، قاله مجاهد: {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} قال الثوري عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة، أتاهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، وهو قوله: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً}. وقال قتادة: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم في الشر، وكذا قال ابن جريج وغير واحد من السلف، وهذا كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُِولَـٰهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَـآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ} تفسير : إلى قوله {أية : بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ }تفسير : [الأعراف: 38 - 39] وقوله: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} "ثم" ههنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: {أية : قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 38].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَٰنُ } المنكر للبعث أبيّ بن خلف أو الوليد بن المغيرة النازل فيه الآية: {أءِذَا} بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأخرى { مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } من القبر كما يقول محمد؟ فالاستفهام بمعنى النفي أي: لا أُحيا بعد الموت، و«ما» زائدة للتأكيد وكذا اللام، وردّ عليه بقوله تعالى:
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... حَوْلَ جَهَنَّمَ} فيها قولان: أحدهما: أن جهنم اسم من أسماء النار. الثاني: أنه إسم لأعمق موضع في النار، كالفردوس الذي هو اسم لأعلى موضع في الجنة. {جِثِيّاً} فيه قولان: أحدهما: [جماعات]، قاله الكلبي والأخفش. الثاني: بُروكاً على الرُّكَب، قاله عطية. قوله عز وجل: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ} الشيعة الجماعة المتعاونون. قال مجاهد: والمراد بالشيعة الأمة لاجتماعهم وتعاونهم. وفي {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ} وجهان: أحدهما: لننادين، قاله ابن جريج. الثاني: لنستخرجن، قاله مقاتل. {عِتِيّاً} فيه خمسة أوجه: أحدها: أهل الإِفتراء بلغة بني تميم، قاله بعض أهل اللغة. الثاني: جرأة، قاله الكلبي. الثالث: كفراً، قاله عطية. الرابع: تمرداً. الخامس: معصية. قوله عز وجل: {... أَوْلَى بِهَا صليّاً} فيه وجهان: أحدها: دخولاً، قاله الكلبي. الثاني: لزوماً.
ابن عطية
تفسير : {الإنسان} اسم للجنس يراد به الكافر، وروي أن سبب هذه الآية هو أن رجالاً من قريش كانوا يقولون هذا ونحوه، وذكر أن القائل هو أبي خلف جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم مرفت فنفخ فيه وقال أيبعث هذا وكذب وسخر، وقيل إن القائل هو العاصي بن وائل، وقرأ الأعرج وأبو عمرو "ائذا مامت" بالاستفهام الظاهر، وقرأت فرقة "إذا" دون ألف استفهام وقد تقدم هذا مستوعباً، وقرأت فرقة بكسر الميم، وقرأت فرقة "مُت" بضمها. واللام في قوله {لسوف} مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى كأن قائلاً قال للكافر إذا مت يا فلان لسوف تخرج حياً فقرر الكافر على الكلام على جهة الاستبعاد وكرر اللام حكاية للقول الأول. وقرأ جمهور الناس "أُخرَج" بضم الهمزة وفتح الراء، وقرأ الحسن بخلاف وأبو حيوة "أَخرُج" بفتح الهمزة وضم الراء. وقوله {أو لا يذكر} احتجاج خاطب الله تعالى به نبيه عليه السلام رداً على مقالة الكافر. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر "ويذكر"، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي "يذكّر" بشد الذال والكاف، وقرأ أبي بن كعب "يتذكر" والنشأة الأولى والإخراج من العدم إلى الوجود أوضح دليل على جواز البعث من القبور ثم قرر وأوجبه السمع، وقوله {ولم يك شيئاً} دليل على أن المعدوم لا يسمى {شيئاً} وقال أبو علي الفارسي أراد {شيئاً} موجوداً. قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية فتأملها وقوله {فوربك} الآية وعيد يكون ما نفوه على أصعب وجوهه، والضمير في قوله {لنحشرهم} عائد للكفار القائلين ما تقدم، ثم أخبر أنه يقرن بهم {الشياطين} المغوين لهم. وقوله {جثياً} جمع جاث كقاعد وقعود وجالس وجلوس وأصله جثووا وليس في كلام العرب واو متطرفة قبلها ضمة فوجب لذلك أن تعل، ولم يعتد هاهنا بالساكن الذي بينهما لخفته وقلة حوله فقلبت ياء فجاء جثوياً فاجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء ثم أدغمت ثم كسرت التاء للتناسب بين الكسرة والياء. وقرأ الجمهور "جُثياً" و "صُلياً" [مريم: 70] بضم الجيم والصاد، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش "جِثياً" و"صِلياً" [ذاته] بكسر الجيم والصاد وأخبر الله تعالى أنه يحضر هؤلاء المنكرين للبعث مع الشياطين فيجثون حول جهنم وهي قعدة الخائف الذليل على ركبتيه كالأسير. ونحوه قال قتادة {جثياً} معناه على ركبهم وقال ابن زيد: الجثي شر الجلوس، و"الشيعة" الفرقة المرتبطة بمذهب واحد المتعاونة فيه كأن بعضهم يشيع بعضاً أي ينبه، ومنه تشييع النار بالحطب وهو وقدها به شيئاً بعد شيء، ومنه قيل للشجاع مشيع القلب فأخبر الله أنه ينزع {من كل شيعة} أعتاها وأولاها بالعذاب فتكون تلك مقدمتها إلى النار. قال أبو الأحوص: المعنى نبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، ثم أخبر تعالى في الآية بعد، أنه أعلم بمستحقي ذلك وأبصر لأنه لم تخف عليه حالهم من أولها إلى آخرها. وقرأ بعض الكوفيين ومعاذ بن مسلم وهارون القاري "أيَّهم" بالنصب، وقرأ الجمهور "أيُّهم" بالرفع، إلا أن طلحة والأعمش سكنا ميم "أيهمْ" واختلف الناس في وجه رفع "أي"، فقال الخليل رفعه على الحكاية بتقدير الذي يقال فيه من أجل عتوه "أيُّهم" أشد وقرنه بقول الشاعر: [الكامل] شعر : ولقد أبيت من الفتاة بمنزل فأبيت لا حرج ولا محروم تفسير : أي فأبيت يقال فيَّ لا حرج ولا محروم. ورحج الزجاج قول الخليل وذكر عنه النحاس أنه غلط سيبوبه في قوله في هذه المسألة، قال سيبويه: ويلزم على هذا أن يجوز أضرب السارق الخبيث أي الذي يقال له ع: وليس بلازم من حيث هذه أسماء مفردة والآية جملة وتسلط الفعل على المفرد أعظم منه على الجملة، ومذهب سيبوبه أن "أيُّهم" مبني على الضم إذ هي اخت "الذي ولما" وخالفتهما في جواز الإضافة فيها فأعربت لذلك، فلما حذف من صلتها ما يعود عليها ضعفت فرجعت الى البناء، وكأن التقدير "أيُّهم" هو أشد. قال أبو علي: حذف ما الكلام مفتقر إليه فوجب البناء، وقال يونس: علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء، قال أبو علي: معنى ذلك أنه معمل في موضع من كل شيعة إلا أنه ملغى لأنه لا تعلق جملة إلا أفعال الشك كظننت ونحوها مما لم يتحقق وقوعه، وقال الكسائي {لننزعن} أريد به لننادين فعومل معاملة الفعل المراد فلم يعمل في "أي" وقال المبرد "أيُّهم" متعلق بـ {شيعة} فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تشايعوا "أيهم" أشد كأنهم يتبارون إلى هذا ويلزمه أن يقدر مفعولاً لـ"ننزع" محذوفاً. وقرأ طلحة بن مصرف "أيهم أكبر". و {عتيا} مصدر أصله عتوواً وعلل بما علل {جثياً} وروى أبو سعيد الخدري "أنه يندلق عنق من النار فيقول إني أمرت بكل جبار عنيد" فتلتقطهم الحديث.
النسفي
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } والعامل في {إذا} ما دل عليه الكلام وهو أبعث أي إذا مامت أبعث وانتصابه بـ {أخرج} ممتنع لأن ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبلها فلا تقول «اليوم لزيد قائم» ولام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال وتؤكد مضمون الجملة، فلما جامعت حرف الاستقبال خلصت للتوكيد واضمحل معنى الحال. و«ما» في «إذا ما» للتوكيد أيضاً فكأنه قال: «أحقًّا إنا سنخرج من القبور أحياء حين يتمكن فينا الموت والهلاك» على وجه الاستنكار والاستبعاد. وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة، ومنه جاء إنكارهم {أَوْ لاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ } خفيف شامي ونافع وعاصم من الذكر، والسائر بتشديد الذال والكاف وأصله يتذكر كقراءة أبيّ فأدغمت التاء في الذال أي أو لا يتدبر، والواو عطفت {لا يذكر} على {يقول} ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف يعني أيقول ذلك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر النشأة الأخرى فإن تلك أدل على قدرة الخالق حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود. وأما الثانية فليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة وردها إلى ما كَانتَ عليه مجموعة بعد التفريق {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ } من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } هو ذليل على ما بينا وعلى أن المعدوم ليس بشيء خلافاً للمعتزلة {فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } أي الكفار المنكرين للبعث {وَٱلشَّيَـٰطِينَ } الواو للعطف وبمعنى «مع» أوقع أي يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفي أقسام الله باسمه ومضافاً إلى رسوله تفخيم لشأن رسوله {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً } حال جمع جاث أي بارك على الركب ووزنه «فعول» لأن أصله «جثوو» كسجود وساجد أي يعتلون من المحشر إلى شاطىء جهنم عتلا على حالهم التي كانوا عليها في الموقف جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم .
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أئذا} مثل {أئنكم} في "الأنعام" {يذكر} من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد. والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً. {ثم ننجي} من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد. الآخرون بالتشديد {خير مقاماً} بضم الميم: ابن كثير. الباقون بفتحها. {رياً} بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة. الآخرون بهمز بعدها يا {وولداً} وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ. الآخرون بفتحهما {يكاد} على التذكير: نافع وعليّ {ينفطرن} من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة. الباقون {يتفطرن} من التفطر. الوقوف: {حياً} ه {شيئاً} ه {جثياً} ه ج للآية وللعطف {عتياً} ه ج لذلك {صلياً} ه {واردها} ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى {مقضياً} ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار {جثياً} ه {آمنوا} لا لأن ما بعده مفعول "قال" {ندياً} ه {ورئياً} ه {مدّاً} ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" {الساعة} ط لابتداء التهديد {جنداً} ه {هدى} ه {مرداً} ه {وولداً} ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع {عهداً} ط ه للردع {كلاً} ط {مداً} ه لا للعطف {فرداً} ه {عزاً} ه {كلاً} ط {ضدّاً} ه {أزاً} ه لا للتعجيل {عليهم} ط {عدّاً} ه ط {وفداً} ه ط {ورداً} ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم {عهداً} ه م حذرا من إيهام العطف {ولداً} ه ط {إدّاً} ه لا لأن ما بعده صفة {هداً} ه لا لأن التقدير لأن دعوا {ولداً} ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف {ولداً} ه ط {عبداً} ه ط {فرداً} ه {ودّاً} ه {من قرن} ط {ركزاً} ه. التفسير: لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: {ويقول الإنسان} وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم. وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف. وقيل: بعض الجنس هم الكفرة. وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه {أخرج} المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله. لا تقول: اليوم لزيد قائم. وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف. و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟ والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً. وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟! ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال سبحانه منبهاً على ذلك {أو لا يذكر} وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر. وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: {ويقول الإنسان} ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر. قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال. والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء. وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟ وفي قوله: {ولم يك شيئاً} بحث قد مر في أول السورة مثله. وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً {فوربك لنحشرنهم} الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في {والشياطين} إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال. وكذا في قوله: {لنحضرنهم حول جهنم جثياً} أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم. {ثم لننزعن} لنميزن {من كل شيعة} طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام. {أيهم أشد} قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد. وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول {لننزعن} بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول {لننزعن} كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل. ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام. ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب. ثم إن علقت قوله: {على الرحمن} بـ {أشد} كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله. فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟ فقيل: على الرحمن. وكذا الكلام في {أولى بها صلياً} تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ {صلياً} على التأويل. صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق. أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً} أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ. ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل. {وإن منكم} الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً} إشكال. ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟ وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "حديث : إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة"تفسير : . وعنه أيضاً رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" تفسير : . وأما قوله: {أولئك عنها مبعدون} فالمراد عن عذابها. وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة. ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله تعالى: {أية : لما ورد ماء مدين} تفسير : [القصص: 33] ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه. ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها. وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال عليه السلام: "حديث : الحمى من فيح جهنم"تفسير : وفي رواية "حديث : الحمى حظ كل مؤمن من النار"تفسير : . وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: {ثم ننجي الذين اتقوا} ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون. أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟ زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع. والأصح أنه سبحانه يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب. ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟ فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها. ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم. ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا. ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء. هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟ قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: {أية : يوم تبدل الأرض غير الأرض} تفسير : [إبراهيم: 48] وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء. فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها. قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: {كان} أي الورود {على ربك حتماً} أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول {مقضياً} قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار. وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً. وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه. وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين. وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه. ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: {ونذر الظالمين} ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر. قال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا} الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه. يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: {أية : وهو الحق مصدقاً} تفسير : [البقرة: 91] لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف. ومعنى {للذين آمنوا} أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم. والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون. قوله: {أيّ الفريقين} يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله تعالى بقول: {وكم أهلكنا} أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك. ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب. و{هم أحسن} في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة {قرن} والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: {أية : أثاثاً ومتاعاً إلى حين} تفسير : [الآية: 80] قال الجوهري: من همز {رئياً} جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت. وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول". وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي". وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة. وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه تعالى أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً. ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: {فليمدد له الرحمن} خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة {أية : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} تفسير : [فاطر: 37] أو ليزدادوا إثماً كقوله {أية : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} تفسير : [آل عمران: 178] أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته. والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم. أما قوله: {حتى إذا رأوا} إلى آخر. فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: {أي الفريقين} إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون. والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين {أما العذاب} في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها. وقوله: {فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً} في مقابلة قولهم: {خير مقاماً وأحسن ندياً} لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة. ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم. وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها. ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان. والواو في {ويزيد} للاستئناف. وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى {فليمدد} أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه. وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات. وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها. وقوله: {خير} يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير {ثواباً وخير مرداً} أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع". ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب {أفرأيت} كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك. وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه. عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل. قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ. من قرأ {ولداً} بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله سبحانه عليه بقوله مستفهماً {أطلع الغيب} من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب {أم اتخذ عند الرحمن عهداً} عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك. وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة {كلا} ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: {سنكتب} بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: {ونمد له} أي نطوّل له {من العذاب} ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد. مده وأمده معنى. ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: {ونرثه ما يقول} أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: {لأوتين} ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية. والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة {ويأتينا} غداً {فرداً} بلا مال ولا ولد. وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه. وكذا في قوله: {فرداً} على الأول حال مقدرة نحو {أية : فادخلوها خالدين} تفسير : [الزمر: 73] لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك. وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف. قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله. وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: {كلا} ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله {سيكفرون} فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: {أية : قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن} تفسير : [سبأ: 41] وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: {أية : وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون} تفسير : [النحل: 86] وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: {أية : وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون} تفسير : [النحل: 86] وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: {عليهم} في مقابلة قوله: {لهم عزاً} وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وهم يد على من سواهم"تفسير : ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في {يكونون} للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها. وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: {ألم تر أنا أرسلنا} الآية. والأز الهز والتهييج. قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه تعالى مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سم الله وأرسل كلبك عليه"تفسير : ويؤيده قوله: {تؤزهم} أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات. وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه. وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين. ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله تعالى فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه. {فلا تعجل عليهم} يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة. قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط. وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك. وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد. وقال بعضهم: شعر : إن الحبيب من الأحباب مختلس لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها فتى يعد عليه اللفظ والنفس تفسير : ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: {يوم نحشر} وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. ويجوز أن ينتصب {بلا يملكون} خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين. يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب. عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت"تفسير : . وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون. قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟ قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: {أية : وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً} تفسير : [الزمر: 73] وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره. وقوله: {إلى الرحمن} دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في {لا يملكون} للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله {من اتخذ} على البدلية لأنه في معنى الجمع. ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون {من اتخذ} فاعلاً والاستثناء مفرغاً. ويجوز أن ينتصب {من اتخذ} على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة. من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم. وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم. واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم:"حديث : أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة"تفسير : ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: {أية : وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله} تفسير : [النجم: 26]. وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة. وفي قوله: {لقد جئتم} التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه. والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها. ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير. وانتصب {هذا} إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد. ومحل {أن دعوا} إما مجرور بدلاً من الهاء في {منه} وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء. أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً. {وما ينبغي} لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال. أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام. سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟ أجيب بأنه سبحانه كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} تفسير : [الأنبياء: 22] وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك. ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: {إن كل} "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق {إلا أتى الرحمن} إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته. ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً} أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب. والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: حديث : يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة، تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: "حديث : يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"تفسير : وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه. وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله تعالى ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن {سيجعل لهم الرحمن ودّاً} هذا قول جمهور المفسرين. وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير. وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين. وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى. وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم. ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: {فإنما يسرناه} كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر. واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" {أية : وهو ألد الخصام} تفسير : [البقرة: 204] يريد أهل مكة. ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد. والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون. التأويل: {ويقول} النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية {أخرج حياً} بالصفات الروحانية. {ولنحشرهم والشياطين} فلكل شخص قرين من الشياطين {ثم لنحضرنهم حول جهنم} القهر والطبيعة {وإن منكم} من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة {حتماً مقضياً} لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي {ثم ننجي الذين اتقوا} الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة {آياتنا} من الحقائق والأسرار {قال الذين كفروا} ستروا الحق {للذين آمنوا} تحقيقاً وإيقاناً {وكم أهلكنا} بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات {أما العذاب} وهو الموت على الإنكار والغفلة {وإما الساعة} وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة. {فسيعلمون} حزب الله من حزب الشيطان {ويزيد الله} بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان {أن دعوا للرحمن ولداً} من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال {وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً} عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً. {فإنما يسرنا} فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية {وكم أهلكنا} في تيه الضلالة {أو تسمع لهم ركزاً} بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً}، الإنسان: اسمُ جِنْس يرادُ به الكافرون، وروي أَنَّ سببَ نزُولِ هذه الآية هو: أَن رجالاً من قريشٍ كانُوا يقولون هذا ونحوه، وذكر: أَن القائِلَ هو أُبيُّ بْنُ خَلَفٍ. ورُوِي أَن القائل هو العَاصِي بْنُ وَائِل، وفي قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} دَلِيلٌ على أَنَّ المعدومَ لا يسمى شَيْئاً. وقال: أَبو علي الفارسي: أَراد شَيْئاً موجُوداً. قال * ع *: وهذه من أبي علي نزعةٌ ٱعتِزَالية؛ [فتأملها]، والضمير في {لَنَحْشُرَنَّهُمْ} عائدٌ على الكفَّارِ القائلين ما تقدم، ثم أَخبر تعالى: أَنه يقرن بهمِ الشياطِينَ المغوين لهم، و {جِثِيّاً} جمعُ جَاثٍ، فأخبر سبحانه: أَنه يحضر هؤلاءِ المُنْكِرينَ البعْثَ مع الشياطين [المغوِينَ]، فيجثُون حول جهنَّم؛ وهو قعودُ لخائفِ الذَّلِيل على رُكْبتيْهِ كالأَسِير، ونحوهِ. قال ابنُ زيدٍ: الجَثْيُ: شَرُّ الجلُوسَ، و«الشيعة»: الفِرْقَةُ المرتبطة بمذهبٍ وَاحدٍ، المتعاونةِ فيه، فأخبر سبحانه أَنه ينزع مِنْ كُلِّ شيعةٍ أَعْتاها وأَولاَها بالعذاب، فتكون مقدمتها إلى النَّار. قال أَبو الأَحْوص: المعنى: نبدأُ بالأَكَابِر جرماً، وأيّ وهنا بُنِيَتْ لمَّا حُذِف الضميرُ العَائِدُ عليها مِنْ صَدْر صِلَتها، وكان التقدِيْرُ: أَيَّهم هو أشَدُّ، و {صِلِيّاً}: مصدَرٌ صَليَ يَصْلَى إذَا باشَرَهُ.
البقاعي
تفسير : ولما تبين بذلك وبما ذكر في هاتين السورتين مما سألوا عنه ومن غيره شمولُ علمه وتمام قدرته لا سيما في إيجاد البشر تارة من التراب، وتارة من ذكر وأنثى في حكم العدم، وتارة من أنثى بلا ذكر، وثبت ذلك كله، فانكشفت الشبه، وتضاءلت موجبات المراء، وانقمعت مخيلات الفتن، عجب منها في إنكارهم البعث وهم يشاهدون ما ذكر من قدرته وعلمه، عاطفاً على التعجب في قولهم {وقالوا ءاذا كنا} تعجيباً أشد من ذلك فقال: {ويقول} بلفظ المضارع المؤذن بالتجدد بعد هذا البيان المقتضي حتماً لاعتقاده البعث فضلاً عن إنكار مرة من المرات، ليخبر عنها بصيغة الماضي، فكيف بالمداومة على ذلك المشار إليها بصيغة المضارع؛ وعبر بالمفرد وإن كان للجنس لأن الإنكار على الواحد يستلزم الإنكار على المتعدد فقال: {الإنسان} أي الذي خلقناه ولم يك شيئاً، مع ما فضلناه به من العقل، ونصبنا له من الدلائل، فشغله الإنس بنفسه عن التأمل في كمال ربه منكراً مستبعداً: {أءذا ما مت} ثم دل على شدة استبعاده لذلك بقوله مخلصاً للام الابتداء إلى التوكيد سالخاً لها عما من شأنها الدلالة عليه من الحال لتجامع ما يخلص للاستقبال: {لسوف أخرج} أي يخرجني مخرج {حياً *} أي بعد طول الرقاد، وتفتت الأجزاء والمواد، وجاء بهذه التأكيدات لأن ما بعد الموت وقت كون الحياة منكرة على زعمه، والعامل في {إذا} فعل من معنى {أخرج} لا هو، لمنع لام الابتداء لعمله فيما قبله؛ ثم قابل إنكاره الباطل بإنكار هو الحق فقال عطفاً على يقول أو على ما تقديره: ألا يذكر ما لنا من تمام القدرة بخلق ما هو أكبر من ذلك من جميع الأكوان: {أو لا يذكر} بإسكان الذال على قراءة نافع وابن عامر وعاصم إشارة إلى أنه أدنى ذكر من هذا يرشده إلى الحق، وقراءة الباقين بفتح الذال والكاف وتشديدهما يشير إلى أنه - لاستغراقه في الغفلة - يحتاج إلى تأمل شديد {الإنسان} أي الآنس بنفسه، المجترىء بهذا الإنكار على ربه وقوفاً مع نفسه {أنا خلقناه} وأشار الجار إلى سبقه بالعدم فقال: {من قبل} أي من قبل جدله هذا أي بما لنا من القدرة والعظمة. ولما كان المقام لتحقيره بكونه عدماً، أعدم من التعبير عن ذلك ما أمكن إعدامه، وهو النون، لتناسب العبارة المعتبر فقال: {ولم يك شيئاً *} أصلاً، وإنا بمقتضى ذلك قادرون على إعادته فلا ينكر ذلك. ولما كان كلام الكافر صورته صورة استفهام، وهو جحد في الحقيقة وإنكار، وكان إنكار المهدَّد لشيء يقتدر عليه المهدد سبباً لأن يحققه لما مقسماً عليه، قال تعالى مجيباً عن إنكاره مؤذناً بالغضب عليهم بالإعراض عنهم مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره: {فوربك} المحسن إليك بالانتقام منهم. ولما كان الإنكار للبعث يلزم منه الاحتقار، أتى بنون العظمة، استمر في هذا التحلي بهذا المظهر إلى آخر وصف هذا اليوم فقال: {لنحشرنهم} بعد البعث {والشياطين} الذين يضلونهم بجعل كل واحد منهم مع قرينه الذي أضله، في سلسلة {ثم لنحضرنهم} بعد طول الوقوف {حول جهنم} التي هم بها مكذبون، يحيطون بها لضيق رأسها وبعد قعرها، حال كونهم {جثياً *} على الركب من هول المطلع وشدة الذل، مستوقرين تهيؤوا للمبادرة إلى امتثال الأوامر {ثم لننزعن} أي لنأخذن أخذاً بشدة وعنف {من كل شيعة} أي فرقة مرتبطة بمذهب واحد. ولما كان التقدير: لننزعن أغناهم، وهم الذين إذا نظرت إلى كل واحد منهم بخصوصه حكمت بأنه أغنى الناس، علم أنهم بحيث يحتاج إلى السؤال عنهم لإشكال أمرهم فقال: {أيهم أشد على الرحمن } الذي غمرهم بالإحسان {عتياً *} أي تكبراً متجاوزاً للحد، انتزاعاً يعلم به أهل الموقف أنه أقل من القليل، وأوهى أمراً من القتيل، وأن له سبحانه - مع صفة الرحمة التي غمرهم إحسانها وبرها - صفات أخرى من الجلال والكبرياء والجبروت والانتقام. ولما تقدم ما هو في صورة الاستفهام، أتبعه ما يزيل ما قد يقع بسببه من بعض الأوهام، فقال: {ثم} وعزتنا! {لنحن} لشمول علمنا وكمال قدرتنا وعظمتنا {أعلم} من كل عالم {بالذين هم} لظواهرهم وبواطنهم {أولى بها} أي جهنم {صلياً *} وبالذين هم أولى بكل طبقة من دركاتها من جميع الخلق من المنتزعين وغيرهم، فلا يظن بنا أنا نضع أحداً في غير دركته أو غير طبقته من دركته؛ وعطف هذه الجمل بأداة البعد مقرونة بنون العظمة لبعد مراتبها وتصاعدها في ذرى العليا وترقيها، تهويلاً للمقام وتعظيماً للأمر لاستبعادهم له، على أنه يمكن أن تكون الحروف الثلاثة للترتيب الزماني، وهو في الأولين واضح، وأما في الثالث فلأن العلم كناية عن الإصلاء، لأن من علم ذنب عدوه - وهو قادر - عذبه، فكأنه قيل: لنصلين كلاًّ منهم النار على حسب استحقاقه لأنا أعلم بأولويته لذلك. ولما كانوا بهذا الإعلام، المؤكد بالإقسام، من ذي الجلال والإكرام، جديرين بإصغاء الأفهام، إلى ما يوجه إليها من الكلام، التفت إلى مقام الخطاب، إفهاماً للعموم فقال: {وإن} أي وما {منكم} أيها الناس أحد {إلا واردها} أي داخل جهنم؛ ثم استأنف قوله: {كان} هذا الورود؛ ولما كان المعنى أنه لا بد من من إيقاعه، أكده غاية التأكيد فأتى بأداة الوجوب فقال: {على ربك} الموجد لك المحسن إليك بإنجاء أمتك لأجلك {حتماً} أي واجباً مقطوعاً به {مقضياً *} لا بد من إيقاعه؛ قال الرازي في اللوامع: ما من مؤمن - إلا الأنبياء - إلا وقد تلطخ بخلق سوء ولا ينال السعادة الحقيقية إلا بعد تنقيته، وتخليصه من ذلك إنما يكون بالنار.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {ويقول الإنسان} الآية قال: قالها العاصي بن وائل. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ {لسوف أخرج} برفع الألف {أولا يذكر الإنسان} خفيفة بنصب الياء ورفع الكاف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {جثياً} قال: قعوداً. وفي قوله {عتياً} قال: معصية. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عتيا} قال: عصيا. وأخرج الحاكم، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {عتياً} أو {جثياً} فإنهما جميعاً بالضم. وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في البعث، عن عبدالله بن باباه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ {جثياً} برفع الجيم {وعتياً} برفع العين وصليا برفع الصاد. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: {حول جهنم جثياً} قال: قياماً. وأخرج ابن المنذر. عن ابن جريج {ثم لننزعن} قال لنبدأن. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {ثم لننزعن} الآية: قال: {لننزعن من كل} أهل دين قادتهم ورؤوسهم في الشر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {أيهم أشد على الرحمن عتياً} قال: في الدنيا. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي الأحوص {ثم لننزعن من كل شيعة} الآية. قال: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال: يحشر الأوّل على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، ثم قرأ {فوربك لنحشرنهم} إلى قوله: {عتياً}. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن مجاهد في قوله: {لننزعن من كل شيعة} قال: من كل أمة أشد على الرحمن {عتياً} قال: كفراً. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً} يقول: إنهم أولى بالخلود في جهنم. وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن جرير بسند حسن عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جنهم وإنسهم، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنهم وإنسهم بضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزعوا إليهم فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحان ربنا! ليس فينا وهو آت. ثم تقاض السماء الثانية، ولأهل السماء الثانية وحدهم، أكثر من أهل السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض، بضعف جنهم وإنسهم، فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا! ليس فينا وهو آت، ثم تقاض السموات: سماء سماء، كلما قيضت سماء عن أهلها، كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا نثروا على أهل الأرض، يفزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، فيرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقاض السماء السابعة، فلأهل السماء السابعة، أكثر من أهل ست سموات، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله فيهم، والأمم جثيّ صفوف، فينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال، فيقومون، فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت {أية : تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون} تفسير : [السجدة: 16] فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة، ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؟ أين الذين {أية : لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار} تفسير : [النور: 37] فيقومون فيسرحون إلى الجنة. فإذا أخذ كل من هؤلاء ثلاثة، خرج عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثانية فتقول: إني وكلت منكم بمن آذى الله تعالى ورسوله، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حَبَّ السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثالثة فتقول: إني وكلت بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة: نشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودعي الخلائق للحساب. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً {ثم ينجي الله الذين اتقوا} فلقيت جابر بن عبدالله، فذكرت له فقال: وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه صمتاً، إن لم أكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم {ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً} ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال ابن عباس: الورود الدخول: وقال نافع: لا. فقرأ ابن عباس {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98] وقال: وردوا أم لا، وقرأ {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} [هود: 98] أوردوا أم لا، أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وإن منكم إلا واردها} قال: يردُهَا البَرّ والفاجر. ألم تسمع قوله: {أية : فأوردهم النار وبئس الورد المورود} تفسير : [هود: 98] وقوله: {أية : ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} تفسير : [مريم: 86]. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس: أن رجالاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يطلبون العاص بن وائل بدين فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة. والله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به. فقال الله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا} الآيات. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: كان لرجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - دين على رجل من المشركين فأتاه يتقاضاه، فقال ألست مع هذا الرجل؟ قال: نعم. قال أليس يزعم أن لكم جنة وناراً وأموالاً وبنين؟ قال: بلى. قال: اذهب، فلست بقاضيك إلا ثمة. فأنزلت {أفرأيت الذي كفر بآياتنا} إلى قوله: {ويأتينا فرداً} . وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {أطلع الغيب} يقول: أطلعه الله الغيب؟ يقول: ما له فيه {أم اتخذ عند الرحمن عهداً} بعمل صالح قدمه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما {أم اتخذ عند الرحمن عهداً} قال: لا إله إلا الله، يرجو بها. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ} المرادُ به إما الجنسُ بأسره وإسنادُ القول إلى الكل لوجود القولِ فيما بـينهم وإن لم يقله الجميع، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتلُ واحدٌ منهم، وإما البعضُ المعهودُ منهم وهم الكفرةُ أو أُبـيُّ بنُ خلف فإنه أخذ عظاماً باليةً ففتّها وقال: يزعُم محمد أنا نبعث بعد ما نموت ونصير إلى هذه الحال، أي يقول بطريق الإنكار والاستبعاد: {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} أي أُبعث من الأرض، أو من حال الموت، وتقديمُ الظرف وإيلاؤه حرفَ الإنكار لما أن المنكرَ كونُ ما بعد الموت وقت الحياة، وانتصابُه بفعل دل عليه أُخرجُ لا به فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها وهي هٰهنا مخلَصةٌ للتوكيد مجرّدةٌ عن معنى الحال، كما خلَصت الهمزةُ واللامُ للتعويض في يا ألله فساغ اقترانُها بحرف الاستقبال، وقرىء إذا ما مِتّ بهمزة واحدة مكسورة على الخبر. {أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ} من الذكر الذي يراد به التفكرُ، والإظهارُ في موقع الإضمار لزيادة التقريرِ والإشعارِ بأن الإنسانيةَ من دواعي التفكرِ فيما جرى عليه من شؤون التكوينِ المُنْحِية بالقلع عن القول المذكور، وهو السرُّ في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان، والهمزةُ للإنكار التوبـيخيِّ والواوُ لعطف الجملة المنفيةِ على مقدّر يدلُّ عليه يقول، أي أيقول ذلك ولا يذكر {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ} أي من قبلِ الحالة التي هو فيها وهي حالةُ بقائِه {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} أي والحالُ أنه لم يكن حينئذ شيئاً أصلاً، فحيث خلقناه وهو في تلك الحالةِ المنافيةِ للخلق بالكلية مع كونه أبعدَ من الوقوع فلأَنْ نَبعثَه بجمع الموادِّ المتفرِّقة وإيجادِ مثلِ ما كان فيها من الأعراض أَوْلى وأظهرُ، فما له لا يذكُره فيقعَ فيما يقع فيه من النكير! وقرىء يذّكّر ويتذكر على الأصل.
القشيري
تفسير : أنكروا حديثَ البعثِ غاية الإنكار، فأقام الحّجَة عليهم بالنشأة الأولى؛ فقال: إن الذي قدر على خَلْقِ في الابتداء وهم نُطَفٌ ضعفاء، وقَبْلُ كانوا في أصلابِ الآباءِ وأرحامِ الأمهاتِ فَفَطَرَهمُ، وعلى ما شاءَ صَوَّرَهم، وفي الوقت الذي أراد - عن بطون أمهاتهم أَخْرَجَهُم. قوله: {وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} فيه دليل على صحة أهل البصائر أَنّ المعدومَ لم يك شيئاً في حال عَدَمِه. ويقال أبطل لهم كلَّ دعوى حيث ذَكَّرَهم نَسبَهم وكَوْنَهم مِنَ العَدَمِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويقول الانسان} بطريق الانكار والاستبعاد للبعث وهو ابى بن خلف حين فت عظما بالياء فقال يزعم محمد انا نبعث بعد ما نموت ونصير الى هذه الحال {ائذا ما مت} وكنت رميما {لسوف اخرج} من القبر حال كونى {حيا} وبالفارسية [آياجون بميرم من هرآينه زود بيرون شوم ازخاك زنده يعنى جكونه تواندبودكه مرده زنده شود وازخاك بيرون آيد] تقديم الظرف وايلاؤه حرف الانكار لما ان المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة وانتصابه بفعل دل عليه اخرج وهو البعث لا به فان ما بعد اللام لا يعمل يما قبلها لصدارتها وهى فى الاصل للحال وههنا للتأكيد المجرد اى لتأكيد معنى همزة الانكار فى ائذا ولذا جاز اقترانها بسوف الذى هو حرف الاستقبال. وفى التكملة اللام فى قوله تعالى {لسوف} ليست للتأكيد فانه منكر فكيف يحقق ما ينكر وانما كلامه حكاية لكلام النبى عليه السلام كأنه صلى الله عليه وسلم قال ان الانسان اذا مات لسوف يخرج حيا فانكر الكافر ذلك وحكى قوله فنزلت الآية على ذلك حكاه الجرجانى فى كتاب نظم القرآن. قال فى بحر العلوم لما كانت هذه اللام لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة ولام الابتداء لا تدخل الا على الجملة من المبتدأ والخبر وجب تقدير مبتدأ وخبر وان يكون اصله لانا سوف اخرج حيا وما فى أئذا ما للتوكيد ايضا وتكرير التوكيد انكار على انكار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أئذا}: ظرف، والعامل فيه محذوف، أي: أأُخرج إذا مت، لا المتأخر عن اللام لأنه لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، إلا أن يرخص في الظروف. واللام في {لَسَوْفَ} ليست للتأكيد، فإنه مُنْكِرٌ، وكيف يحقق ما ينكر، وإنما كلامه حكاية لكلام النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه الذي قال: والله إن الإنسان إذا مات لسوف يُخرج حيًّا، فأنكر الكافر ذلك وحكى قوله، فنُزلت الآية على ذلك، قاله الجرجاني: و {الشياطين}: عطف على ضمير المنصوب، أو مفعول معه. و {جثيًّا}: حال من ضمير {لنحضرنهم} البارز، أي: لنحضرنهم جاثين، جمع جاث، من جثى إذا قعد على ركبتيه، وأصله: "جثوو" بواوين، فاستثقل اجتماعهما بعد ضمتين، فكسرت الثاء تخفيفًا، وانقلبت الواو الأولى ياء؛ لانكسار ما قبلها، فاجتمعت واو وياء، وسبقت إحداهما بسكون، فقُلبت الواو ياء، وأدغمت الأولى في الثانية، ومن قرأ بكسر الجيم: فعلى الإتْبَاعِ. و {أَيُّهُم}: مبني على الضم عند سيبويه، لأنه موصول، فحقه البناء كسائر الموصولات، لكنه أعرب في بعض التراكيب للزوم الإضافة، فإذا حذف صَدْرُ صِلَتِهِ زاد نقصُه فقوي شبه الحرف فيه، وهو منصوب المحل بلننزعن، وقرئ منصوبًا على الإعراب، ومرفوعًا عند الخليل وغيره بالابتداء، وخبره: {أشد}، والجملة محكية، والتقدير: لننزعن من كل شيعة الذين يُقال لهم أيهم أشد... الخ. وقال يونس: علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء، و {عتيًّا} و {صليًّا} أصلهما: عتوى وصلوى، من عتى وصلى، بالكسر والفتح، فاعلاً بما تقدم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويقول الإِنسانُ} أي: جنس الإنسان، والمراد الكفرة، وإسناد القول إلى الكل لوجود القول فيما بينهم، وإن لم يقله الجميع، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانًا، وإنما القاتل واحد، وقيل: القائل: أُبيُّ بن خَلَف، فإنه أخذ عظامًا بالية، ففتتها، وقال: يزعم محمد أنا نُبعث بعد ما نموت ونصير إلى هذا الحال، فنزلت. أي: يقول بطريق الإنكار والاستبعاد: {أئذا ما متُّ لسوف أُخرج حيًّا} أي: أأبعث من الأرض بعد ما مِتُّ وأُخرج حيًا؟ قال تعالى: {أولا يَذكُرُ الإِنسانُ}، من الذِّكر الذي يُراد به التفكر، ولذلك قُرئ بالتشديد من التذكير. والإظهارُ في موضع الإضمار؛ لزيادة التقرير والإشعار بأن الإنسانية من دواعي التفكر فيما جرى عليها من شؤون التكوين، فإذا ترك التفكر التحق بالبهائم، فهلاّ يذكر أصله! وهو {أنا خلقناه من قبلُ} أي: من قبل الحالة التي فيها، وهي حالة حياته، {ولم يكُ شيئًا} أي: والحال أنه لم يك شيئًا أصلاً، وحيث خلقناه وهو في تلك الحال فلأن نبعث الجمع بتفرقاته أولى وأظهر؛ لأن الإعادة أسهل من البدء. قال تعالى: {فوربّك لنحشرنهم} أي: لنجمعنهم بالسّوق إلى المحشر بعدما أخرجتهم من الأرض. وإقسامه سبحانه بربوبيته مضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام -؛ لتحقيق الأمر، والإشعار بِعِلِّيَّتِهِ، وتفخيم شأنه، ورفع منزلته صلى الله عليه وسلم، وفيه إثبات البعث بالطريق البرهاني على أبلغ وجه وآكده، كأنه أمر واضح غني عن التصريح به، وإنما المحتاج إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال، أي: حيث ذكر الحشر وما بعده. ولم يصرح بنفس البعث؛ لتحقق وضوحه، وإنما قال: {فوربّك لنحشرنهم} أي: نجمعهم {والشياطينَ} المغوين لهم، إلى المحشر، وقيل: إن الكفرة يُحشرون مع قرنائهم من الشياطين التي كانت تغويهم، كل منهم مع شيطانه في سلسلة، {ثم لنحضِرَنَّهم حول جهنم جثيًّا}: باركين على ركَبِهم؛ لما يدهمُهم من هول المطلع، والجثو: جلسة الذليل الخائف. والآية كما ترى، صريحة في الكفرة، فهم الذين يُساقون من الموقف إلى شاطئ جهنم، جُثاة؛ إهانة بهم، أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من شدة الخوف. وأما قوله تعالى: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} تفسير : [الجَاثيَة: 28] فهي عامة للناس في حال الموقف قبل التواصل إلى الثواب والعقاب، فإن أهل الموقف جاثون على الرُّكب، كما هو المعتاد في مقام التفاؤل والخصام، قلت: ولعل هذا فيمن يُناقش الحساب، وأما غيرهم فيلقى عليهم سحابة كنفه، ثم يقررهم بذنوبهم ويسترهم، كما في الحديث. {ثم لنَنْزِعَنَّ من كل شيعةٍ} أي: من كل أمة تشيعت دينًا من الأديان، {أيُهم أشدُّ على الرحمن عِتيًّا} أي: من كان منهم أعصى وأعتى، فيطرحهم فيها. قال ابن عباس: أي: أيهم أشد جرأة، وقال مجاهد: فجورًا وكذبًا، وقال مقاتل: علوًا، أو غلوًا في الكفر، أو كبرًا، وقال الكلبي: قائدهم ورأسهم، أي: فيبدأ بالأكابر فالأكابر بالعذاب، ثم الذي يليهم جرمًا. وفي ذكر الأشدية تنبيه على أنه تعالى يعفو عن بعض أهل العصيان من غير الكفرة، إذا قلنا بعموم الآية، وأما إذا خصصناها بالكفرة، فالأشدية باعتبار التقديم للعذاب. قال تعالى: {ثم لنَحنُ أعلمُ بالذين هم أولى بها صِليًّا} أي: أولى بصليها وأحق بدخولها، وهم المنتزعون الذين هم أشدهم عتوًا، أو رؤوسهم، فإن عذابهم مضاعف لضلالهم وإضلالهم. {وإِن منكم إِلا وارِدُها}، فيه التفات لإظهار مزيد الاعتناء، وقرئ: "وإن منهم". ويحتمل أن يكون الخطاب لجميع الخلق، أي: وإن منكم أيها الناس {إلا واردها} أي: واصلها وحاضرها، يمرُ بها المؤمنون وهي خامدة، وتنهار بغيرهم. وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن ذلك فقال: "حديث : إِذَا دَخَلَ أَهْلَ الجَنَّة قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَليْسَ قَدْ وعدنَا ربُّنا أَنْ نَرِدَ النَّارَ؟ فَيُقالُ لَهُمْ: قَدْ وَرَدْتُمُوهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ"تفسير : . وأما قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} فالمراد به الإبعاد عن عذابها، وقيل: ورودها: الجواز على الصراط بالمرور عليها. وعن ابن مسعود: الضمير في {واردها} للقيامة، وحينئذ فلا يعارض: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} تفسير : [الأنبياء: 102]، ولا ما جاء فيمن يدخل الجنة بغير حساب، ولا مرور على الصراط، فضلاً عن الدخول فيها، على أنه اختلف في الورود، فقيل: الدخول وتكون بردًا وسلامًا على المؤمن. وقيل: المرور كما تقدم، وقيل: الإشراف عليها والاطّلاع. قال القشيري: كلٌّ يَرِدُ النارَ، ولكن لا ضيْرَ منها ولا إحساس لأحدٍ إلا بمقدار ما عليه من السيئات، والزلل، فأشدُّهم فيها انهماكًا: أشدهم فيها بالنار اشتعالاً واحتراقًا، وأما بريء الساحة، نقي الجانب بعيد الذنوب، فكما في الخبر: "إن النار عند مرورهم ربوة كربوة اللَّبَن - أي: جامدة كجمود اللبن حين يسخن - فيدخلونها ولا يحسون بها، فإذا عبروها قالوا: أليس قد وعدنا جهنم على الطريق؟ فيقال لهم: عبرتم وما شعرتم". هـ. {كان على ربك حتمًا مقضيًّا} أي: كان وُرودهم إياها أمرًا محتومًا أوجبه الله تعالى على ذاته، وقضى أنه لا بد من وقوعه. وقيل: أقسم عليه، ويشهد له: "إلا تحلة القسم". {ثم نُنَجِّي الذين اتقوا} الكفرَ والمعاصي، بأن تكون النار عليهم بردًا وسلامًا، على تفسير الورود بالدخول، وعن جابر أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الوُرودُ الدُّخولُ، لا يَبْقَى بَرٌّ ولا فَاجِرٌ إِلاَّ دخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى المُؤْمِنِينَ بَرْدًا وسَلاَمًا، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيم، حَتَّى إنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ"تفسير : . وإن فسرنا الورود بالمرور، فنجاتهم بالمرور عليها والسلامة من الوقوع فيها، {ونذَرُ الظالمين فيها جِثيًّا}: باركين على ركبهم، قال ابن زيد: الجثي شر الجلوس، لا يجلس الرجل جاثيًا إلا عند كرب ينزل به. هـ. الإشارة: من أراد كرامة الآخرة فَلْيُرَبِّ يقينه فيها، حتى تكون نصب عينيه، فإنه يرد على الله كريمًا. ومن أراد السلامة من أهوالها فليخفف من أوساخها وأشغالها، ويلازم طاعة الله واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن أراد سرعة المرور على الصراط، فليلزم اليوم اتباع الصراطِ المستقيم، فبقدر ما يستقيم عليها تستقيم أقدامه على الصراط، وبقدر ما يزل عنها يزلُّ عن الصراط. قال في الإحياء، لما تكلم على العدل في الكيل والوزن، قال بعد كلامه: وكل مكلف فهو صاحب موازين في أفعاله وأقواله وخطراته، فالويل له إن عدل عن العدل، ومال عن الاستقامة، ولولا تعذُّر هذا واستحالته لما ورد قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها...} الآية، فلا ينفك عبدٌ ليس معصومًا عن الميل عن الاستقامة، إلا أن درجات الميل تتفاوت تفاوتًا عظيمًا، فبذلك تتفاوت مدة إقامتهم في النار إلى أوان الخلاص، حتى لا يبقى بعضُهم إلا بقدر تحلة القسم، ويبقى بعضهم ألفًا وألوف سنين، نسأل الله تعالى أن يقربنا من الاستقامة والعدل، فإن الاستداد على متن الصراط المستقيم من غير ميل عنه غير مطموع فيه؛ فإنه أدق من الشعرة، وأحدّ من السيف، ولولاه لكان المستقيم عليه لا يقدر على جواز الصراط الممدود على متن النار، الذي من صفته أنه أدق من الشعر، وأحدّ من السيف، وبقدر الاستقامة على الصراط المستقيم يخِف مرور العبد يوم القيامة على الصراط. هـ. وقال الترمذي الحكيم: يجوز الأولياء والصديقون وهم لا يشعرون بالنار، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 101]، وإنما بَعُدوا عنها لأن النور احتملهم واحتوشهم، فهم يمضون في النار، حتى إذا خرجوا منها قال بعضهم لبعض: أليس قد وُعدنا النار، فذكر ما تقدم. ثم قال: فأما ضجة النار فمن بردهم، وذلك أن الرحمة باردة تطفئ غضب الرب، فبالرحمة نالوا النور، حتى أشرق في قلوبهم وصدورهم، فكان نوره في قلوبهم، والرحمة مظلة عليهم، فخمدت النار من بردهم عندما لقُوهَا، فضجت من أجل أنها خلقت منتقمة، فخافت أن تضعف عن الانتقام. ولذلك رُوي أنها تقول: "جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورُك لهبي". هـ. وقال الورتجبي: إذا كان جمال الحق مصحوبهم، فلا بأس بالوقوف في النيران، فإن هناك أهل الجنان. شعر : إذا نزلت سلمى بواد فماؤها زلال وسَلسال وسيحانها وِرْدُ تفسير : ... هـ. وقال جعفر الصادق: لولا مقاربة النفوس ما دخل أحد النار، فلما فارقتهم نفوسهم أوردهم النار بأجمعهم، فمَنْ كان أشد إعراضًا عن خبث النفس كان أسرع نجاة من النار، ألا ترى الله يقول: {ثم نُنجي الذين اتقوا}. هـ. قلت: وقد تقدم أن من لا حساب عليهم - وهم المقربون - يمرون على الصراط ولا يحسون به، وهم الذين يمرون عليه كالطير أو كالبرق، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه، وبجاه خير الخلق مولانا محمد نبيه وحبه، آمين. ثمَّ ذكر أحوال من سقط في جهنم ويبقى فيها جثياً
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وابن عامر وعاصم {أولا يذكر} خفيفاً. الباقون بالتشديد. من شدد: أراد أولا يتذكر، فادغم التاء فى الذال لقرب مخرجيهما. ومن خفف، فلقوله {أية : فمن شاء ذكره} تفسير : والخفيفة دون ذلك فى الكثرة في هذا المعنى. هذا حكاية من الله تعالى عن قول من ينكر البعث والنشور من الكفار، وهم المعنيون بقوله {أولا يذكر الإنسان} بانهم يقولون على وجه الانكار والاستبعاد: أإذا متنا يخرجنا الله احياء ويعيدنا كما كنا؟! فقال الله تعالى منبها على دليل ذلك {أولا يذكر الإنسان}. من شدد أراد اولا يتفكر، ومن خفف أراد اولا يعلم {أنا خلقناه من قبل} هذا {ولم يك شيئاً} موجوداً، فمن قدر على أن يخلق ويوجد ما ليس بشيء، فيجعله شيئاً موجوداً، فهو على إعادته بعد عدمه الى الحالة الاولى أقدر. ثم اقسم تعالى فقال {فوربك لنحشرنهم} أي لنبعثنهم من قبورهم مقرنين بأوليائهم من الشياطين. ويحتمل {الشياطين} أن يكون نصباً من وجهين: احدهما - ان يكون مفعولا به بمعنى ونحشر الشياطين. الثانى - ان يكون مفعولا معه بمعنى لنحشرنهم مع الشياطين {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً} جمع جاثي وهو الذي برك على ركبتيه. وقوله {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً} يعني تمرداً أي نبدأ بالاكبر جرماً فالاكبر، في قول أبي الاحوص، ومجاهد. والشيعة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد من الامور، ومنه تشايع القوم إذا تعاونوا، ويقال للشجاع: شيع أي معان، وفى رفع {أيهم} ثلاثة اقوال: أولها الحكاية على تقدير، فيقال لهم أيهم أشد على الرحمن عتيا؟ فليخرج. الثاني - انه مبني على الضم، ومعناه الذي هو اشد على الرحمن عتيا، إلا أنه مبني لما حذف منه (هو)، واطرد الحذف به فصار كبعض الاسم. فالاول قول الخليل. والثاني مذهب سيبويه. والثالث - أن يكون {لننزعن} معلقة كتعليق علمت أيهم في الدار، وهو قول يونس. وأجاز سيبويه النصب على أن يكون (أي) بمعنى الذي. وذكر انها قراءة هارون الاعرج. وقوله {ولم يك شيئاً} أي لم يكن شيئاً موجوداً كائناً. ثم أخبر تعالى أنه اعلم بالذين عملوا المعاصي وارتكبوا الكفر والكبائر، والذين هم اولى بالنار صلياً، لا يخفى عليه خافية.
الجنابذي
تفسير : {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ} اى هذا النّوع من الحيوان وان كان القائل بعض افراده {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً}. اعلم، انّ الانسان ما دام يكون محصوراً ادراكه على المحسوسات ولا يدرك من نفسه الاّ مقام جسميّته كان اقراره ببعثه تقليداً محضاً من غير تصوّر لنفسه وموته وبعثه وكان انكاره تحقيقاً لا تقليداً فانّ النّاظر الى البدن والى انّ النّفس جسم لطيف متكيّف سارٍ فى البدن كسائر اجزاء البدن او كيفيّة خاصّة فى البدن، وانّ البدن بالموت يفنى كيفيّة حيوته وجميع اجزائه، خصوصاً ان كان بصيراً بالطّبيعيّات وكيفيّاتها لا يتأتّى له الاقرار بالبعث بعد الموت والاعادة بعد الفناء، وروى انّ ابىّ بن خلفٍ اخذ عظاماً باليةً ففتّها وقال: يزعم محمّد (ص) انّا نبعث بعدما نموت.
الهواري
تفسير : قوله: {وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} هذا المشرك يكذب بالبعث. وقد ذكروا أنه قول أُبَيّ بن خلف للنبي عليه السلام حيث جاءه بعظم نخر ففتّه بيده ثم قال: يا محمد، أيحيي الله هذه؟ وتفسيره في سورة يس. قال تعالى: {أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} أي: فالذي خلقه ولم يكن شيئاً قادر على أن يبعثه يوم القيامة. ثم أقسم بنفسه فقال: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} يعني المشركين {وَالشَّيَاطِينَ} الذين دعتهم إلى عبادة الأوثان. {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} أي على ركبهم. وهذا قبل دخولهم النار. وقال بعضهم: جثياً، أي: جماعة جماعة. وقال الكلبي: جميعاً، كل أمة على حدتها. قوله: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} أي: من كل أمة. قال الحسن: يعني كفارها. {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيّاً} أي: كفراً. وقال الحسن: شدة في المساءة. وقال الكلبي: أشد معصية. ذكر بعضهم قال: إذا كان يوم القيامة قال الجبار:{لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ} فلا يجيبه أحد، فيرد على نفسه: (أية : لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ اليَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ) تفسير : [غافر: 16-17]. ثم أتت عنق من النار تسمع وتبصر وتتكلم حتى إذا أشرفت على رؤوس الخلائق، نادت بصوتها: ألا إني قد وكلت بثلاثة، ألا إني قد وكلت بثلاثة: بمن ادعى مع الله إلهاً آخر، أو قال: بمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبمن ادعى لله ولداً، وبمن زعم أنه العزيز الحكيم. ثم صوبت رأسها وسط الخلائق فالتقطتهم كما يلتقط الحمام حب السمسم، ثم غاصت بهم فألقتهم في النار. ثم عادت حتى إذا كانت مكانها نادت: إني قد وكلت بثلاثة، إني قد وكلت بثلاثة: بمن سبّ الله، وبمن كذب على الله، وبمن آذى الله. فأما الذي سبّ الله فالذي زعم أن الله اتّخذ صاحبة وولداً، وهو أحد صمد (أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) تفسير : [الإِخلاص: 3-4]. وأما الذي كذب على الله فهم الذين قالوا: (أية : وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) تفسير : [النحل: 38، 39]. وأما الذي آذى الله فالذي يصنع الصورة. فتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب، حتى تغيض بهم في جهنم. وقال بعضهم: تندلق عنق من النار فتقول: أمرت بثلاثة: بالذين كَذَّبوا الله، وبالذين كَذَبُوا على الله، وبالذين آذوا الله. فأما الذين كذّبوا الله فالذين كذبوا رسله وكتبه، وأما الذين كَذَبوا على الله فالذين زعموا أن له ولداً، وأما الذين آذوا الله فالمصوّرون.
اطفيش
تفسير : {وَيَقُولُ الإِنْسَانُ} الجنس لأن القائل منهم كقولك: بنو فلان قتلوا فلانا والقائل أحدهم؛ قال الفرزدق: شعر : فسيفُ بنى عبس وقد ضربوا به نبا بيدى ورقاء عن رأس خالد تفسير : أسند الضرب لبنى عبس مع أن الضرب فعل ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسى كما يدل له قوله نبا بيدى ورقاء، أو بعض الجنس وهو الكفرة قديما وحديثا فإنهم أنكروا البعث. وقيل: المراد أُبىّ بن خلف فإنه أخذ عظاما بالية ففتّها وقال: يزعم محمد أنّا نبعث بعد ما نموت. وقيل: العاص بن وائل. وقيل: الوليد بن المغيرة. وقيل: المراد رجال من قريش: هؤلاء الثلاثة وغيرهم من قريش. {أَئِذَا} بتسهيل الهمزة الثانية وبتحقيقهما وبإدخال ألف بينهما على الوجهين والأولى للاستفهام. وقرأ ابن ذكوان فى رواية عنه بهمزة واحدة مكسورة على حذف همزة الاستفهام. وروى عنه الأخفش أنه يقرأ بهمزتين وجواب إذا مقدر تعلق به أى أخرج وليس جوابها أخرج المذكور لأن اللام مانعة من تقديم معمول ما بعدها كذا قالوا. والحق أن المانع من كونه جواباً عدم قرنه بالفاء وإلا فالعامل فى إذا على الصحيح ما فى جوابها ولو كان فيه ماله الصدر. فمن أجاز تجريد الجواب من الفاء أجاز كون لسوف أخرج جوابا واللام لام ابتداء. وقيل: لام جواب قسم مقدر قبل إذا، والجملة جواب القسم. ويجوز كون إذا خارجة عن الشرط فيقدر أخرج قبلها وعلى تقدير بعدها فإنما قدم وأولى همزة الإنكار لأن المنكر هو كون ما بعد الموت وقتا للبعث. {مَا} زائدة للتأكيد قيل: وكذا اللام. {مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} من الأرض أو من حال الفناء إلى الوجود أو من حال الفناء، لكن على حد خرج زيد عالما وخرج شجاعا، إذا كان نادرا فى ذلك أى أحقا أنِّى سأُخرج حيا، حين يتمكن منى الموت والهلاك قاله هزواً واستبعاداً. وقرأ الحسن وأبو حيوة ليس أخرج بفتح الهمزة وضم الراء. وقرأ طلحة ابن مصرف لسأخرج حيا. وإن قلت: كيف تجعل اللام للابتداء ولام الابتداء للحال، وهنا قد كانت بعدها سوف؟ قلت: هى لمجرد التأكيد خارجة عن الحال، أو هى للحال على معنى قولك: أأعتقد الآن أنى سوف أخرج، أو أثبت الآن على أنى سوف أخرج، أو هى لتقريب الاستقبال بالحال.
اطفيش
تفسير : و {يقُول الإنسان} العاصى بن وائل، كما أخرجه ابن المنذر، عن ابن جرير أو الوليد بن المغيرة، كما روى عطاء عن ابن عباس، وقيل أبو جهل، وقال الكلبى أبى بن خلف أخذ عظماً بالياً يفته بيده ويذريه فى الريح ويقول: زعم محمد أنا نبعث بعد أن نكون هكذا، هذا شىء لا يكون أبداً، وأل فى ذلك كله للعهد، وكذا إذا قيل: المراد جماعة معينون مثل هؤلاء منكرون للبعث. ويجوز أن يكون المراد الجنس بإطلاق اسم الجنس، وإرادة البعض، كما يطلق الكل على بعض أجزائه، أو يكون من المجاز فى الإسناد، بأن أسند ما للبعض الى الكل، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً، والقاتل واحد، ولا نسلم فى هذا اشتراط رخى الباقين، وإن سلمنا فمن المشركين من رضى ولم يقل، وأما أن يقال ذلك شرط للحسن بنكثة، فلا للزوم أن يكون القرآن غير حسن العبارة، وأجيز أن يكون الباقون المؤمنين باعتبار ما ركز فى الطبع من منع ذلك، قطع النظر عن الدليل، وفيه تكلف والمضارع لاستحضار الصورة الماضية، فهو للحال لتشاهد، والمعاينة أقوى من الأخبار أو للاستمرار. {أئذا ما مت لسَوْف أُخرج حياً} الاستفهام للإنكار، وإذا متعلق بأخرج محذوفا لا بالمذكور، لأن السلام مانعة من تقدم معمول ما بعدها عليها، وأما سوف فلا صدر لها، وقد قدم معمول ما بعدها عليها فى قوله: شعر : فلما رأته آمنا هان وجدها وقالت أبونا هكذا سوف يفعل تفسير : وفى غيره من كلام العرب، وزعم الرضى أنها تعلقت بأخرج بعد سوف، وليس كما قال، وفى الآية حذف: هكذا أئذا ما مت وصرت مفتوتاً كهذا العظم، والسلام للابتداء كما تدخل على المبتدأ تدخل على سوف والسين وقد، ويبعد أن يقال لام القسم أى يقول أئذا ما مت يقول الناس: والله لسوف أخرج، لأن المتبادر القول مطلقاً لا القول بعد موته، والمراد بالإخراج من الأرض على الحقيقة، أو من حال الفناء على المجاز، ووجهه أن الخروج منه بالخروج من الأرض، والاستفهام مسلط على الإخراج، لا على الوقت، كما زعم بعض أنه جائز إذا لا يتوهم أن يخرج فى غير ذلك الوقت فضلا عن أن بعتنى بتسلطه عليه، وما صلة للتأكيد، كأنه قيل إذا تحقق موتى فقد لا يقدر المعطوف الذى قدرته، لأن الاستبعاد يتحصل بالموت عند الكافر، إلا أنه يدل على التقدير مثل أئذا كنا عظاما ورفاتاً.
الالوسي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنها نزلت في العاصي بن وائل، وعن عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في أبـي جهل، وعن الكلبـي في أبـي بن خلف أخذ عظماً بالياً فجعل يفته بيده ويذريه في الريح ويقول: زعم فلان أنا نبعث بعد أن نموت ونكون مثل هذا إن هذا شيء لا يكون أبداً فأل في {ٱلإِنسَـٰنَ } على ما قيل للعهد والمراد به أحد هؤلاء الأشحاص، وقيل: المراد بالإنسان جماعة معينون وهم الكفرة المنكرون للبعث. وقال غير واحد: يجوز أن تكون أل للجنس ويكون هناك مجاز في الطرف بأن يطلق جنس الإنسان ويراد بعض أفراده كما يطلق الكل على بعض أجزائه أو يكون هناك مجاز في الإسناد بأن يسند إلى الكل ما صدر عن البعض كما يقال: بنو فلان قتلوا قتيلاً والقاتل واحد منهم، ومن ذلك قوله:شعر : فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد تفسير : واعترض هذا بأنه يشترط لصحة ذلك الإسناد رضا الباقين بالفعل أو مساعدتهم عليه حتى يعد كأنه صدر منهم، ولا شك أن بقية أفراد الإنسان من المؤمنين لم يرضوا بهذا القول. وأجاب بعض مشترطي ذلك للصحة بأن الإنكار مركوز في طبائع الكل قبل النظر في الدليل فالرضا حاصل بالنظر إلى الطبع والجبلة. وقال الخفاجي: الحق عدم اشتراط ذلك لصحته وإنما يشترط لحسنه نكتة يقتضيها مقام الكلام / حتى يعد الفعل كأنه صدر عن الجميع فقد تكون الرضا وقد تكون المظاهرة وقد تكون عدم الغوث والمدد ولذا أوجب الشرع القسامة والدية وقد تكون غير ذلك، وكأن النكتة هنا أنه لما وقع بينهم إعلان قول لا ينبغي أن يقال مثله وإذا قيل لا ينبغي أن يترك قائله بدون منع أوقتل جعل ذلك بمنزلة الرضا حثاً لهم على إنكاره قولاً أو فعلاً انتهى. وقيل: لعل الحق أن الإسناد إلى الكل هنا للإشارة إلى قلة المؤمنين بالبعث على الوجه الذي أخبر به الصادق {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] فتأمل، وعبر بالمضارع إما استحضاراً للصورة الماضية لنوع غرابة، وإما لإفادة الاستمرار التجددي فإن هذا القول لا يزال يتجدد حتى ينفخ في الصور. والهمزة للإنكار وإذا ظرف متعلق بفعل محذوف دل عليه {أُخْرَجُ } ولم يجوزوا تعلقه بالمذكور لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبله، وعد ابن عطية توسط سوف مانعاً من العمل أيضاً، ورد عليه بقوله:شعر : فلما رأته آمنا هان وجدها وقالت أبونا هكذا سوف يفعل تفسير : وغير ذلك مما سمع، ونقل عن الرضي أنه جعل إذا هنا شرطية وجعل عاملها الجزاء وقال: إن كلمة الشرط تدل على لزوم الجزاء للشرط، ولتحصيل هذا الغرض عمل في إذا جزاؤه مع كونه بعد حرف لا يعمل ما بعده فيما قبله كالفاء في {أية : فَسَبّحْ } تفسير : [الحجر: 98] وإن في قولك: إذا جئتني فإني مكرم ولام الابتداء في قوله تعالى: {أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً}، ومختار الأكثرين أن إذا هنا ظرفية، وما ذكره الرضي ليس بمتفق عليه، وتحقيق ذلك في «كتب العربية»، وفي الكلام معطوف محذوف لقيام القرينة عليه أي ائذا ما مت وصرت رميماً لسوف الخ. واللام هنا لمجرد التوكيد، ولذا ساغ اقترانها بحرف الاستقبال، وهذا على القول بأنها إذا دخلت المضارع خلصته للحال، وأما على القول بأنها لا تخلصه فلا حاجة إلى دعوى تجريدها للتوكيد لكن الأول هو المشهور وما في {إِذَا مَا } للتوكيد أيضاً. والمراد من الإخراج الإخراج من الأرض أو من حال الفناء والخروج على الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز عن الانتقال من حال إلى أخرى، وإيلاء الظرف همزة الإنكار دون الإخراج لأن ذلك الإخراج ليس بمنكر مطلقاً وإنما المنكر كونه وقت اجتماع الأمرين فقدم الظرف لأنه محل الإنكار، والأصل في المنكر أن يلي الهمزة، ويجوز أن يكون المراد إنكار وقت ذلك بعينه أي إنكار مجيء وقت فيه حياة بعد الموت يعني أن هذا الوقت لا يكون موجوداً وهو أبلغ من إنكار الحياة بعد الموت لما أنه يفيد إنكاره بطريق برهاني، وبعضهم لم يقدر معطوفاً واعتبر زمان الموت ممتداً لا أول زهوق الروح كما هو المتبادر، وقيل: لا حاجة إلى جميع ذلك لأنهم إذا أحالوه في حالة الموت علم إحالته إذا كانوا رفاتاً بالطريق الأولى، وأيا ما كان فلا إشكال في الآية. وقرأ جماعة منهم ابن ذكوان بخلاف عنه {إِذَا} بدون همزة الاستفهام وهي مقدرة معه لدلالة المعنى على ذلك، وقيل: لا تقدير والمراد الإخبار على سبيل الهزء والسخرية بمن يقول ذلك. وقرأ طلحة بن مصرف {سأخرج} بسين الاستقبال وبغير لام، وعلى ذلك تكون إذا متعلقة بالفعل المذكور على الصحيح، وفي رواية أخرى عنه {لسأخرج} بالسين واللام. وقرأ الحسن وأبو حيوة {أخرج} مبنياً للفاعل.
سيد قطب
تفسير : مضى السياق في السورة بقصص زكريا ومولد يحيى؛ ومريم ومولد عيسى؛ وإبراهيم واعتزاله لأبيه. ومن خلف بعدهم من المهتدين والضالين، وبالتعقيب على هذا القصص بإعلان الربوبية الواحدة، التي تستحق العبادة بلا شريك؛ وهي الحقيقة الكبيرة التي يبرزها ذلك القصص بأحداثه ومشاهده وتعقيباته. وهذا الدرس الأخير في السورة يمضي في جدل حول عقائد الشرك وحول إنكار البعث. ويعرض في مشاهد القيامة مصائر البشر في مواقف حية حافلة بالحركة والانفعال، يشارك فيها الكون كله، سماواته وأرضه، إنسه وجنه، مؤمنوه وكافروه. ويتنقل السياق بمشاهده بين الدنيا والآخرة، فإذا هما متصلتان. تعرض المقدمة هنا في هذه الأرض، وتعرض نتيجتها هنالك في العالم الآخر، فلا تتجاوز المسافة بضع آيات أو بضع كلمات. مما يلقي في الحس أن العالمين متصلان مرتبطان متكاملان. {ويقول الإنسان: أئذا ما مت لسوف أخرج حيا؟ أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا؟ فوربك لنحشرنهم والشياطين، ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا. ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمـن عتياً. ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا. وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيا. ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}. يبدأ المشهد بذكر ما يقوله {الإنسان} عن البعث. ذلك أن هذه المقولة قالتها صنوف كثيرة من البشر في عصور مختلفة؛ فكأنما هي شبهة {الإنسان} واعتراضه المتكرر في جميع الأجيال: {ويقول الإنسان: أئذا ما مت لسوف أخرج حيا؟}.. وهو اعتراض منشؤه غفلة الإنسان عن نشأته الأولى. فأين كان؟ وكيف كان؟ إنه لم يكن ثم كان؛ والبعث أقرب إلى التصور من النشأة الأولى لو أنه تذكر: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً؟}. ثم يعقب على هذا الإنكار والاستكبار بقسم تهديدي. يقسم الله تعالى بنفسه وهو أعظم قسم وأجله؛ أنهم سيحشرون ـ بعد البعث فهذا أمر مفروغ منه: {فوربك لنحشرنهم}.. ولن يكونوا وحدهم. فلنحشرنهم {والشياطين} فهم والشياطين سواء. والشياطين هم الذين يوسوسون بالإنكار، وبينهما صلة التابع والمتبوع، والقائد والمقود.. وهنا يرسم لهم صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثوّ الخزي والمهانة: {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا}.. وهي صورة رهيبة وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها، تشهد هولها ويلفحها حرها، وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها. وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع.. وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشد عتواً وتجبراً: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا}.. وفي اللفظ تشديد، ليرسم بظله وجرسه صورة لهذا الانتزاع؛ تتبعها صورة القذف في النار، وهي الحركة التي يكملها الخيال! وإن الله ليعلم من هم أولى بأن يصلوها، فلا يؤخذ جزافاً من هذه الجموع التي لا تحصى. والتي أحصاها الله فرداً فرداً: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً}.. فهم المختارون ليكونوا طليعة المقذوفين! وإن المؤمنين ليشهدون العرض الرهيب: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً} فهم يردون فيدنون ويمرون بها وهي تتأجج وتتميز وتتلمظ؛ ويرون العتاة ينزعون ويقذفون. {ثم ننجي الذين اتقوا} فتزحزح عنهم وينجون منها لا يكادون! {ونذر الظالمين فيها جثيا}.. ومن هذا المشهد المفزع الذي يجثوا فيه العتاة جثو الخزي والمهانة، ويروح فيه المتقون ناجين. ويبقى الظالمون فيه جاثين.. من هذا المشهد إلى مشهد في الدنيا يتعالى فيه الكفار على المؤمنين، ويعيرونهم بفقرهم، ويعتزون بثرائهم ومظاهرهم وقيمهم في عالم الفناء: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات. قال الذين كفروا للذين آمنوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن نديا؟}.. إنها النوادي الفخمة والمجامع المترفة؛ والقيم التي يتعامل بها الكبراء والمترفون في عصور الفساد. وإلى جانبها تلك المجتمعات المتواضعة المظهر والمنتديات الفقيرة إلا من الإيمان. لا أبهة ولا زينة، ولا زخرف، ولا فخامة.. هذه وتلك تتقابلان في هذه الأرض وتجتمعان! وتقف الأولى بمغرياتها الفخمة الضخمة: تقف بمالها وجمالها. بسلطانها وجاهها. بالمصالح تحققها، والمغانم توفرها، وباللذائذ والمتاع. وتقف الثانية بمظهرها الفقير المتواضع، تهزأ بالمال والمتاع، وتسخر من الجاه والسلطان؛ وتدعو الناس إليها، لا باسم لذة تحققها، ولا مصلحة توفرها، ولا قربى من حاكم ولا اعتزاز بذي سلطان. ولكن باسم العقيدة تقدمها إليهم مجردة من كل زخرف، عاطلة من كل زينة، معتزة بعزة الله دون سواه.. لا بل تقدمها إليهم ومعها المشقة والجهد والجهاد والاستهتار، لا تملك أن تأجرهم على ذلك كله شيئاً في هذه الأرض، إنما هو القرب من الله، وجزاؤه الأوفى يوم الحساب. وهؤلاء هم سادة قريش تتلى عليهم آيات الله ـ على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فيقولون للمؤمنين الفقراء: {أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً؟} الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد، أم الفقراء الذين يلتفون حوله. أيهم خير مقاماً وأحسن نادياً؟ النضير بن الحارث وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة وإخوانهم من السادة، أم بلال وعمار وخباب وإخوانهم من المعدمين؟ أفلو كان ما يدعو إليه محمد خيراً أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر الذين لا قيمة لهم في مجتمع قريش ولا خطر؟ وهم يجتمعون في بيت فقير عاطل كبيت خباب؟ ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب النوادي الفخمة والمكانة الاجتماعية البارزة؟. إنه منطق الأرض. منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان ومكان. وإنها لحكمة الله أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء، عاطلة من عوامل الإغراء. ليقبل عليها من يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس، ومن دون ما تواضعوا عليه من قيم ومغريات؛ وينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع، ومن يشتهي الزينة والزخرف، ومن يطلب المال والمتاع. ويعقب السياق على قولة الكفار التياهين، المتباهين، بما هم فيه من مقام وزينة بلمسة وجدانية ترجع القلب إلى مصارع الغابرين، على ما كانوا فيه من مقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً}.. فلم ينفعهم أثاثهم ورياشهم وزينتهم ومظهرهم. ولم يعصمهم شيء من الله حين كتب عليهم الهلاك. ألا إن هذا الإنسان لينسى. ولو تذكر وتفكر ما أخذه الغرور بمظهر؛ ومصارع الغابرين من حوله تلفته بعنف وتنذره وتحذره، وهو سادر فيما هو فيه، غافل عما ينتظره مما لقيه من كانوا قبله وكانوا أشد قوة وأكثر أموالاً وأولاداً. يعقب السياق بتلك اللفتة ثم يأمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدعو عليهم في صورة مباهلة ـ بأن من كان من الفريقين في الضلالة فليزده الله مما هو فيه؛ حتى يأتي وعده في الدنيا أو في الآخرة: {قل: من كان في الضلالة فليمدد له الرحمـن مدا، حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جندا، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مردا}.. فهم يزعمون أنهم أهدى من أتباع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنهم أغنى وأبهى. فليكن! وليدع محمد ربه أن يزيد الضالين من الفريقين ضلالاً، وأن يزيد المهتدين منهما اهتداء.. حتى إذا وقع ما يعدهم؛ وهو لا يعدو أن يكون عذاب الضالين في الدنيا بأيدي المؤمنين، أو عذابهم الأكبر يوم الدين ـ فعندئذ سيعرفون: أي الفريقين شر مكاناً وأضعف جندا. ويومئذ يفرح المؤمنون ويعتزون {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مردا} خير من كل ما يتباهى به أهل الأرض ويتيهون. ثم يستعرض السياق نموذجاً آخر من تبجح الكافرين، وقولة أخرى من أقوالهم يستنكرها ويعجب منها: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا؟ أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمـن عهدا؟ كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مداً. ونرثه ما يقول ويأتينا فردا}.. ورد في سبب نزول هذه الآيات ـ بإسناده ـ عن خباب بن الأرث قال: كنت رجلاً قيناً (حداداً) وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله، لا أكفر بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثَم مال وولد، فأعطيتك! فأنزل الله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالاً وولدا...}. وقولة العاص بن وائل نموذج من تهكم الكفار واستخفافهم بالبعث؛ والقرآن يعجب من أمره، ويستنكر ادعاءه: {أطلع الغيب؟} فهو يعرف ما هنالك. {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} فهو واثق من تحققه؟ ثم يعقب: {كلا}. وهي لفظة نفي وزجر. كلا لم يطلع على الغيب ولم يتخذ عند الله عهداً، إنما هو يكفر ويسخر؛ فالتهديد إذن والوعيد هو اللائق لتأديب الكافرين السافرين: {كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا}.. سنكتب ما يقول فنسجله عليه ليوم الحساب فلا يُنسى ولا يقبل المغالطة.. وهو تعبير تصويري للتهديد، وإلا فالمغالطة مستحيلة، وعلم الله لا تند عنه صغيرة ولا كبيرة. ونمد له من العذاب مداً، فنزيده منه ونطيله عليه ولا نقطعه عنه! ويستمر السياق في التهديد على طريقة التصوير أيضاً: {ونرثه ما يقول} أي نأخذ ما يخلفه مما يتحدث عنه من مال وولد كما يفعل الوارث بعد موت المورث! {ويأتينا فردا} لا مال معه ولا ولد ولا نصير له ولا سند، مجرداً ضعيفاً وحيداً فريداً. فهل رأيت إلى هذا الذي كفر بآيات الله وهو يحيل على يوم لا يملك فيه شيئاً؟ يوم يجرد من كل ما يملك في هذه الدنيا؟ إنه نموذج من نماذج الكفار. نموذج الكفر والادعاء والاستهتار.. ويستطرد السياق في استعراض ظواهر الكفر والشرك: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا. ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا. فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا. يوم نحشر المتقين إلى الرحمـن وفدا، ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا. لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمـن عهدا}. فهؤلاء الذين يكفرون بآيات الله يتخذون من دونه آلهة يطلبون عندها العزة، والغلب والنصرة، وكان فيهم من يعبد الملائكة ومن يعبد الجن ويستنصرونهم ويتقوون بهم.. كلا! فسيكفر الملائكة والجن بعبادتهم، وينكرونها عليهم، ويبرأون إلى الله منهم، {ويكونون عليهم ضداً} بالتبرؤ منهم والشهادة عليهم. وإن الشياطين ليهيجونهم إلى المعاصي. فهم مسلطون عليهم، مأذون لهم في إغوائهم منذ أن طلب إبليس إطلاق يده فيهم.. {فلا تعجل عليهم} ولا يضق صدرك بهم؛ فإنهم ممهلون إلى أجل قريب، وكل شيء من أعمالهم محسوب عليهم ومعدود.. والتعبير يصور دقة الحساب تصويراً محسوساً {إنما نعد لهم عدا}.. وإنه لتصوير مرهوب، فيا ويل من يعد الله عليه ذنوبه وأعماله وأنفاسه، ويتتبعها ليحاسبه الحساب العسير.. إن الذي يحس أن رئيسه في الأرض يتتبع أعماله وأخطاءه يفزع ويخاف ويعيش في قلق وحسبان.. فكيف بالله المنتقم الجبار؟! وفي مشهد من مشاهد القيامة يصور عاقبة العد والحساب. فأما المؤمنون فقادمون على الرحمن وفداً في كرامة وحسن استقبال: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا}. وأما المجرمون فمسوقون إلى جهنم ورداً كما تساق القطعان. {ونسوق المجرمين إلى الجهنم وردا}. ولا شفاعة يومئذ إلا لمن قدم عملاً صالحاً فهو عهد له عند الله يستوفيه. وقد وعد الله من آمن وعمل صالحاً أن يجزيه الجزاء الأوفى، ولن يخلف الله وعداً. ثم يستطرد السياق مرة أخرى إلى مقولة منكرة من مقولات المشركين. ذلك حين يقول المشركون من العرب: الملائكة بنات الله. والمشركون من اليهود: عزير ابن الله. والمشركون من النصارى: المسيح ابن الله.. فينتفض الكون كله لهذه القولة المنكرة التي تنكرها فطرته، وينفر منها ضميره: {وقالوا: اتخذ الرحمـن ولدا. لقد جئتم شيئا إدّاً. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، أن دعوا للرحمـن ولدا، وما ينبغي للرحمـن أن يتخذ ولدا}.. إن جرس الألفاظ وإيقاع العبارات ليشارك ظلال المشهد في رسم الجو: جو الغضب والغيرة والانتفاض! وإن ضمير الكون وجوارحه لتنتفض، وترتعش وترجف من سماع تلك القولة النابية، والمساس بقداسة الذات العلية، كما ينتفض كل عضو وكل جارحة عندما يغضب الإنسان للمساس بكرامته أو كرامة من يحبه ويوقره. هذه الانتفاضة الكونية للكلمة النابية تشترك فيها السماوات والأرض والجبال، والألفاظ بإيقاعها ترسم حركة الزلزلة والارتجاف. وما تكاد الكلمة النابية تنطلق: {وقالوا: اتخذ الرحمن ولدا} حتى تنطلق كلمة التفظيع والتبشيع: {لقد جئتم شيئاً إدا} ثم يهتز كل ساكن من حولهم ويرتج كل مستقر، ويغضب الكون كله لبارئه. وهو يحس بتلك الكلمة تصدم كيانه وفطرته؛ وتجافي ما وقر في ضميره وما استقر في كيانه؛ وتهز القاعدة التي قام عليها واطمأن إليها: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمـن ولدا. وما ينبغي للرحمـن أن يتخذ ولدا}.. وفي وسط الغضبة الكونية يصدر البيان الرهيب: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمـن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً}. إن كل من في السماوات والأرض إلا عبد يأتي معبوده خاضعاً طائعاً، فلا ولد ولا شريك، إنما خلق وعبيد. وإن الكيان البشري ليرتجف وهو يتصور مدلول هذا البيان.. {لقد أحصاهم وعدهم عدا} فلا مجال لهرب أحد ولا لنسيان أحد {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} فعين الله على كل فرد. وكل فرد يقدم وحيداً لا يأنس بأحد ولا يعتز بأحد. حتى روح الجماعة ومشاعر الجماعة يجرد منها، فإذا هو وحيد فريد أمام الديان. وفي وسط هذه الوحدة والوحشة والرهبة، إذا المؤمنون في ظلال ندية من الود السامي: ود الرحمن: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمـن وداً}.. وللتعبير بالود في هذا الجو نداوة رخية تمس القلوب، وروْح رضى يلمس النفوس. وهو ود يشيع في الملأ الأعلى، ثم يفيض على الأرض والناس فيمتلئ به الكون كله ويفيض.. عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه. قال: فيحبه جبريل. ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه. قال: فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض. وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل. ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه. قال: فيبغضه أهل السماء؛ ثم يوضع له البغضاء في الأرض ".. تفسير : وبعد فإن هذه البشرى للمؤمنين المتقين، وذلك الإنذار للجاحدين الخصيمين هما غاية هذا القرآن. ولقد يسره الله للعرب فأنزله بلسان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليقرأوه: {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لدّا}.. وتختم السورة بمشهد يتأمله القلب طويلاً؛ ويرتعش له الوجدان طويلاً؛ ولا ينتهي الخيال من استعراضه {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟}. وهو مشهد يبدؤك بالرجة المدمرة، ثم يغمرك بالصمت العميق. كأنما يأخذ بك إلى وادي الردى، ويقفك على مصارع القرون؛ وفي ذلك الوادي الذي لا يكاد يحده البصر، يسبح خيالك مع الشخوص التي كانت تدب وتتحرك، والحياة التي كانت تنبض وتمرح. والأماني والمشاعر التي كانت تحيا وتتطلع.. ثم إذا الصمت يخيم، والموت يجثم، وإذا الجثث والأشلاء والبلى والدمار، لا نأمة. لا حس. لا حركة. لا صوت.. {هل تحس منهم من أحد؟} انظر وتلفت {هل تسمع لهم ركزا} تسمع وأنصت. ألا إنه السكون العميق والصمت الرهيب. وما من أحد إلا الواحد الحي الذي لا يموت.
ابن عاشور
تفسير : لما تضمن قوله {أية : فاعبده واصطبر لعبادته}تفسير : [مريم: 65] إبطالَ عقيدة الإشراك به ناسب الانتقالُ إلى إبطال أثر من آثار الشرك. وهو نفي المشركين وقوع البعث بعد الموت حتى يتمّ انتقاض أصلي الكفر. فالواو عاطفة قصة على قصة، والإتيان بفعل {يَقول} مضارعاً لاستحضار حالة هذا القول للتعجيب من قائله تعجيب إنكار. والمراد بالإنسان جَمع من الناس بقرينة قوله بعده {أية : فوربك لنحشرنهم}تفسير : [مريم: 68]، فيراد من كانت هاته مقالتَه وهم معظم المخاطبين بالقرآن في أوّل نزوله. ويجوز أن يكون وصفٌ حُذف، أي الإنسان الكافر، كما حذف الوصفُ في قوله تعالى: {أية : يأخذ كل سفينة غصباً}تفسير : [الكهف: 79]، أي كلّ سفينة صالحة، فتكون كقوله تعالى: {أية : أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه}تفسير : [القيامة: 3، 4]. وكذلك إطلاق الناس على خصوص المشركين منهم في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : يٰأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم}تفسير : [البقرة: 21] إلى قوله {أية : فأتوا بسورة من مثله}تفسير : [البقرة: 23] فإن ذلك خطاب للمشركين. وقيل تعريف {الإنسان} للعهد لإنسان معين. فقيل، قائل هذا أُبَي بن خلف، وقيل: الوليد بن المغيرة. والاستفهام في {أإذا ما متّ لسوف أخرج حياً} إنكار لتحقيق وقوع البعث، فلذلك أتي بالجملة المسلّطِ عليها الإنكار مقترنةً بلام الابتداء الدالة على توكيد الجملة الواقعة هي فيها، أي يقول لا يكون ما حققتموه من إحيائي في المستقبل. ومتعلق {أُخرَجُ} محذوف أي أُخرج من القبر. وقد دخلت لام الابتداء في قوله {لسَوفَ أُخرَجُ حيّاً} على المضارع المستقبل بصريح وجود حرف الاستقبال، وذلك حجّة لقول ابن مالك بأن لام الابتداء تدخل على المضارع المراد به الاستقبال ولا تخلصه للحال. ويظهر أنه مع القرينة الصريحة لا ينبغي الاختلاف في عدم تخليصها المضارع للحال، وإن صمّم الزمخشري على منعه، وتأول ما هنا بأنّ اللام مزيدة للتوكيد وليست لام الابتداء، وتأوله في قوله تعالى: {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى}تفسير : [الضحى: 5] بتقدير مبتدأ محذوف، أي ولأنت سوف يعطيك ربّك فترضى، فلا تكون اللام داخلة على المضارع، وكلّ ذلك تكلّف لا مُلجىء إليه. وجملة {أو لا يذكر الإنسان} معطوفة على جملة {يقول الإنسان}، أي يقول ذلك ومن النكير عليه أنّه لا يتذكّر أنا خلقناه من قبل وجوده. والاستفهام إنكار وتعجيب من ذهول الإنسان المنكر البعث عن خلقه الأول. وقرأ الجمهور {أو لا يذْكُر} بسكون الذال وضمّ الكاف من الذُكر - بضم الذال -. وقرأه أبو جعفر بفتح الذال وتشديد الكاف على أن أصله يتَذكر فقلبت التاء الثانية ذالاً لقرب مخرجيهما. والشيء: هو الموجود، أي إنا خلقناه ولم يك موجوداً. و (قَبْلُ) من الأسماء الملازمة للإضافة. ولما حذف المضاف إليه واعتبر مضافاً إليه مجملاً ولم يراع له لفظ مخصوص تقدّم ذكره بنيت (قبلُ) على الضمّ، كقوله تعالى: {أية : لله الأمر من قبل ومن بعد}تفسير : [الروم: 40]. والتقدير: إنا خلقناه من قبل كلّ حالة هو عليها، والتقدير في آية سورة الروم: لله الأمر من قبلِ كل حَدث ومِن بعده. والمعنى: الإنكار على الكافرين أن يقولوا ذلك ولا يتذكروا حال النشأة الأولى فإنها أعجب عند الذين يَجرون في مداركهم على أحكام العادة، فإن الإيجاد عن عدم من غير سبق مثال أعجبُ وأدعى إلى الاستبعاد من إعادة موجودات كانت لها أمثلة. ولكنها فسدت هياكلها وتغيرت تراكيبها. وهذا قياس على الشاهد وإن كان القادر سواءً عليه الأمران.
الشنقيطي
تفسير : قال بعض أهل العلم: نزلت هذه الآية في أبي بن خلف، وجد عظاماً بالية ففتتها بيده وقال: زعم محمد أنا نبعث بعد الموت؟ قاله الكلبي، وذكره الواحدي والثعلبي. وقال المهدوي: نزلت في الوليد بن المغيرة، وأصحابه، وهو قول ابن عباس. وقيل: نزلت في العاص بن وائل. وقيل: في أبي جهل، وعلى كل واحد من هذه الأقوال فقد أسند تعالى هذا القول لجنس الإنسان وهو صادر من بعض أفراد الجنس، لأن من أساليب العربية إسناد الفعل إلى المجموع، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم. ومن أظهر الأدلة القرآنية في ذلك قراءة حمزة والكسائي {أية : فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ}تفسير : [البقرة: 191] من القتل في الفعلين، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر كما تقدم مراراً. ومن أظهر الشواهد العربية في ذلك قول الفرزدق: شعر : فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد تفسير : فقد أسند الضرب إلى بني عبس، مع أنه صرح بأن الضارب الذي بيده السيف هو ورقاء وهو ابن زهير بن جذيمة العبسي. وخالد هو ابن جعفر الكلابي. وقصة قتله لزهير المذكور مشهورة. وقد بين تعالى في هذه الآية: أي هذا الإنسان الكافر يقول منكراً البعث: أئذا مت لسوف أخرج حياً، زعماً منه أنه إذا مات لا يمكن أن يحيا بعد الموت. وقد رد الله عليه مقالته هذه بقوله: {أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} يعني: أيقول الإنسان مقالته هذه في إنكار البعث، ولا يذكر أنا أوجدناه الإيجاد الأول ولم يك شيئاً، بل كان عدماً فأوجدناه، وإيجادنا له المرة الأولى دليل قاطع على قدرتنا على إيجاده بالبعث مرة أخرى. وهذا البرهان الذي أشار له هنا قدمنا الآيات الدالة عليه في سورة "البقرة والنحل" وغيرهما، كقوله تعالى: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يس: 78-79]، وقوله تعالى: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [ق: 15]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الواقعة: 62]، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}تفسير : [الروم: 27] الآية وقوله: {أية : فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الإسراء: 51]، وقوله، {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}تفسير : [الحج: 5] الآية. وقوله تعالى: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 104] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وفي الحديث الصحيح الذي يرويه صلى الله عليه وسلم عن ربه: "حديث : يقول الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني. أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني؛ وليس أول الخلق أهون علي من آخره. وأما أذاه إياي فقوله إن لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد"تفسير : . فإن قيل: أين العامل في الظرف الذي هو {إذا} فالجواب: أنه منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط؛ وتقديره: أأخرج إذا ما مت أي حين يتمكّن في الموت والهلاك أخرج حياً. يعني لا يمكن ذلك. فإن قيل: لم لا تقول بأنه منصوب بـ {أخرج} المذكور في قوله {لسوف أخرج حياً} على العادة المعروفة، من أن العامل في {إذا} هو جزاؤها؟ فالجواب: أن لام الابتداء في قوله: {لسوف أخرج حياً} مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها كما هو معلوم في علم العربية. فلا يجوز أن تقول: اليوم لزيْدٌ قائم؛ تعني لزيد قائم اليوم. وما زعمه بعضهم من أن حرف التنفيس الذي هو سوف مانع من عمل ما بعده فيما قبله أيضاً، حتى إنه على قراءة طلحة بن مصرف {أئَذا ما مت سأخرج حياً} بدون اللام يمتنع نصب {إذا} بـ {أخرج} المذكورة، فهو خلاف التحقيق. والتحقيق أن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده فيما قبله. ودليله وجوده في كلام العرب؛ كقول الشاعر: شعر : فما رأته آمنا هان وجدها وقالت أبونا هكذا سوف يفعل تفسير : فقوله "هكذا" منصوب بقوله "يفعل" كما أوضحه أبو حيان في البحر. وعليه فعلى قراءة طلحة بن مصرف فقوله: {إذا} منصوب بقوله {أخرج} لعدم وجود اللام فيها وعدم منع حرف التنفيس من عمل ما بعده فيما قبله. تنبيه فإن قلت: لام الإبتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف التنفيس الدال على الاستقبال؟ فالجواب: أن اللام هنا جرِّدت من معنى الحال، وأخلصت لمعنى التوكيد فقط. ولذلك جامعت حرف الاستقبال كما بينه الزمخشري في الكشاف، وتعقبه أبو حيان في البحر المحيط بأن من علماء العربية من يمنع أن اللام المذكورة تعطي معنى الحال، وعلى قوله يسقط الإشكال من أصله. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويقول الإنسان: أي الكافر بلقاء الله تعالى. ولم يك شيئاً: أي قبل خلقه فلا ذات له ولا اسم ولا صفة. جثياً: أي جاثمين على ركبهم في ذل وخوف وحزن. من كل شيعة: أي طائفة تعاونت على الباطل وتشيع بعضها لبعض فيه. عتياً: أي تكبراً عن عبادته وظلما لعباده. أولى بها صلياً: أي أحق بها اصطلاء واحتراقاً وتعذيباً في النار. إلا واردها: أي ماراً بها إن وقع بها هلك، وإن مر ولم يقع نجا. حتماً مقضياً: أي أمراً قضى به الله تعالى وحكم به وحتَّمه فهو كائن لا بد. فيها جثياً: أي في النار جاثمين على ركبهم بعضهم إلى بعض. معنى الآيات: الآيات في سياق تقرير عقيدة البعث والجزاء يقول تعالى قوله وقوله الحق: {وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ} أي المنكر للبعث والدار الآخرة وقد يكون القائل أُبي بن خلف أو العاص بن وائل وقد يكون غيرهما إذ هذه قولة كل من لا يؤمن بالآخرة يقول: {أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} يقول هذا استنكاراً وتكذبياً قال تعالى: راداً على هذا الإِنسان قولته الكافرة {أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ} أي المنكر للبعث الآخر {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} أيكذب بالبعث وينكره ولا يذكر خلقنا له من قبل، ولم يك شيئاً. أليس الذي قدر على خلقه قبل أن يكون شيئاً قادراً على إعادة خلقه مرة أخرى أليست الإِعادة أهون من الخلق الأول والإِيجاد من العدم، ثم يقسم الله تبارك وتعالى لرسوله على أنه معيدهم كما كانوا ويحشرهم جميعا مع شياطينهم الذين يضلونهم ثم يحضرنهم حول جهنم جثيا على ركبهم أذلاء صاغرين. هذا معنى قوله تعالى في الآية [68] {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً}. وقوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} يخبر تعالى بعد حشرهم إلى ساحة فصل القضاء أحياء مع الشياطين الذين كانوا يضلونهم، يحضرهم حول جهنم جثياً، ثم يأخذ تعالى من كل طائفة من تلك الطوائف التي أحضرت حول جهنم وهي جاثية تنتظر حكم الله تعالى فيها أيهم كان أشد على الرحمن عتيا أي تمرداً عن طاعته وتكبراً عن الإِيمان به وبرسوله ووعده ووعيده وهو معنى قوله تعالى في الآية [69] {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} وقوله تعالى: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} يخبر تعالى بعلمه بالذين هم أجدر وأحق بالاصطلاء بعذاب النار، وسوف يدخلهم النار قبل غيرهم ثم يدخل باقيهم بعد ذلك وهو معنى قوله عزوجل: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً}. وقوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً}، فإنه يخبر عز وجل عن حكمٍ حكم به وقضاء قضى به وهو أنه ما من واحد منا معشر بني آدم إلا وارد جهنم وبيان ذلك كما جاء في الحديث أن الصراط جسر يمد على ظهر جهنم والناس يمرون فوقه فالمؤمنون يمرون ولا يسقطون في النار والكافرون يمرون فيسقطون في جهنم، وهو معنى قوله في الآية [72] {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه بترك واجب ولا بارتكاب محرم {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ} بالتكبر والكفر وغشيان الكبائر من الذنوب {فِيهَا جِثِيّاً} أي ونترك الظالمين فيها أي جهنم جاثمين على ركبهم يعانون أشد أنواع العذاب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بالحشر والاحضار حول جهنم والمرور على الصراط. 2- تقرير معتقد الصراط في العبور عليه إلى الجنة. 3- تقديم رؤساء الضلال وأئمة الكفر إلى جهنم قبل الأتباع الضالين. 4- تقرير حتمية المرور على الصراط. 5- بيان نجاة الأتقياء، وهلاك الفاجرين الظالمين بالشرك والمعاصي.
القطان
تفسير : يذْكر: يتذكر. لنحشُرنّهم: لنجمعنهم. جثيا: جمع جاثٍ، وهو البارك على ركبتيه. شيعة: جماعة تعاونت على أمرٍ واحد. عتيا: تكبراً، ويقال عُتُوّا ايضا. صليّا: دخولا. صلي النارَ دخلها وقاسى حرّها. واردُها: مارّ عليها. حتما: واجبا. مقضيّا: جرى به قضاءُ الله. بعد أن ارودَ الله قَصص الأنبياء الكرام وغرابةَ مولد يحيى، وعيسى بن مريم، وذكَرَ إبراهيم واعتزالَه أباه، وهجره لقومه ووطنه، وذكر من خَلَفَ بعدهم من المهتدين والضالين، ثمّ جاء اعلانُ الربوبية الواحدة، التي تستحقّ العبادَة بلا شريك، وهي الحقيقةُ الكبيرة التي يبرزها ذلك القَصص بأحداثه ومشاهده وتعقيباته - يذكر هنا ما يدور من الجدَل حول عقائد الشِرك وإنكارِ البعث، ويعرِض مشاهد القيامة، ومصيرَ البشرَ في مواقف حيّة. ثم ينتقل السياقُ إلى ما بين الدنيا والآخرة. {وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً.... }. ويقول الجاحد الذي لا يصدّق بالبعث بعد الموت متعجّباً ومستبعِداً: كيف أُبعث حياً بعد الموت والفناء!!. كيف يستغرِب هذا الانسانُ قدرة الله على البعث في الآخرة، ولا يتذكّر أنه تعالى خلَقَه في الدنيا من عدم، ولم يكُ شيئا! قراءات: قرأ نافع وابن عامر وعاصم "اولا يذكُر" باسكان الذال وضم الكاف. وقرأ الباقون: "أولا يذكر" بتشديد الذال المفتوحة وفتح الكاف. ثم يعقب الله على هذا الانكار بقسَمٍ فيه تهديد كبير، اذ يقسم بنفسه أنهم سيحشَرون بعد البعث. {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ... }. فوربّك الذي خلقك يا محمّد لنجمعنَّ الكافرين يوم القيامة مع الشياطين، الذين زيّنوا لهم الكفر، وسنُحضِرهم حول جهنّم جاثِين على رُكَبهم في ذِلّة وفزع. ثم لنأخذَنَّ من كل جماعة أشدَّهم كفراً بالله، وتمردا عليه، فيُدفع بهم قبلَ غيرِهم الى أشد العذاب. {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً}. ونحن أعلمُ بالذين هم أحقُّ بسبقهم الى دخول جهنم والاصطلاءِ بنارها. وأنهم جميعاً يستحقّون العذاب، لكنّا ندخِلهم في جهنم بحسب عِتِيِّهم وتجبُّرهم في كفرهم. ثم خاطب الناس جميعا ليذكُروا ويعتبروا: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً}. وما أحدٌ منكم أيها الناس إلا يدنُو من جهنّم، يراها المؤمن ويمرّ بها، والكافرُ يدخلها.. هكذا قضى ربك، وجعلَه أمراً محتوما. ثم إننا نشمل المتقين برحمتنا، فنُنْجيهم من شرّ جهنم، ونتركُ بها الذين ظلموا أنفسَهم جاثين على ركبهم،، تعذيباً لهم، وجزاءَ ما اقترفوا وكذّبوا. قراءات: قرأ الكسائي ويعقوب: ثم نُنْجي بضم النون الاولى واسكان الثانية، والباقون بضم النون الاولى، وفتح الثانية وتشديد الجيم. وقرأ ابن كثير: مُقاما: بضم الميم الأولى والباقون: مَقاما بفتح الميم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنْسَانُ} {أَإِذَا} (66) - وَيَقُولُ الكَافِرُ مُتَعَجِّباً مِنْ وُقُوعِ البَعْثِ: كَيْفَ أُبْعَثُ حَيّاً بَعْدَ المَوتِ وَالفَنَاءِ، وَتَنَاثُرِ ذَرَّاتِ الأَجْسَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما المراد بالإنسان؟ الإنسان تُطلق ويُراد بها عموم أي إنسان مثل: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}تفسير : [المعارج: 19] ويُراد بها خصوصية لبعض الناس، كما في قوله تعالى: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [النساء: 54] فالمراد بالناس هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}تفسير : [آل عمران: 173] فالمراد: ناسٌ مخصوصون. والمعنى هنا: {وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ ..} [مريم: 66] أي: الكافر الذي لا يؤمن بالآخرة، ويستبعد الحياة بعد الموت: {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} [مريم: 66] والاستفهام هنا للإنكار، لكن هذه مسألة الردُّ عليها سَهْل مَيْسور، فيقول تعالى: {أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ ...}.
الصابوني
تفسير : المناسَبَة: لما ذكر تعالى طائفةً من قصص الأنبياء للعظة والاعتبار، وكان الغرضُ الأساسي للسورة الكريمة إثبات قدرة الله على الإِحياء والإِفناء، وإِثباتُ يوم المعاد، ذكر تعالى هنا بعض شبهات المكذبين للبعث والنشور وردَّ عليها بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، وختم السورة الكريمة ببيان مآل السعداء والأشقياء. اللغَة: {جِثِيّاً} جمع جاثٍ يقال: جثا إذا قعد على ركبتيه من شدة الهول وهي قعدة الخائف الذليل قال الكُميت: شعر : هُمُو تركوا سراتُهم جثيّاً وهم دُونَ السَّراة مقرَّنينا تفسير : {عِتِيّاً} عصياناً وتمرداً عن الحق {نَدِيّاً} النديُّ والنادي: الذي يجتمع فيه القوم للتحدث والمشورة قال الجوهري: النديُّ مجلس القوم ومتحدثهم وكذلك الندوة والنادي فإِن تفرقوا فليس بندي {أَثَاثاً} الأثاث: متاع البيت {رِءْياً} منظراً حسناً {تَؤُزُّهُمْ} الأزُّ: التهييجُ والإِغراء، قال أهل اللغة: الأزُ والهزُّ والاستفزاز متقاربة ومعناها التهييج وشدة الإِزعاج ومنه أزيزِ المِرجل وهو غليانه وحركته {وَفْداً} جمع وافد وهو الذي يقدم على سبيل التكرمة معزَّزاً مكرَّماً {وِرْداً} مشاةً عطاشاً قال الرازي: والورد اسم للعطاش لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش {إِدّاً} منكراً عظيماً قال الجوهري: الإدُّ: الداهية والأمر الفظيع {رِكْزاً} الركز: الصوت الخفي. سَبَبُ النّزول: عن خباب بن الأرت قال: كنتُ رجلاً قيناً - أي حداداً - وكان لي على العاص بن وائل دينٌ فأتيتُه أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث - أي تموت الآن وتبعث أمامي وهذا من باب المستحيل - قال: فإني إذا متُّ ثم بُعثتُ جئتني ولي ثمَّ مالٌ فأعطيتك فأنزل الله {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} . التفسِير: {وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} أي يقول الكافر الذي لا يصدق بالبعث بعد الموت على وجه الإِنكار والاستبعاد: أئذا متُّ وأصبحتُ تراباً ورفاتاً فسوف أُخرج من القبر حياً؟ قال ابن كثير: يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته، واللام "لسوف" للمبالغة في الإِنكار، وهو إنكار منشؤه غفلة الإِنسان عن نشأته الأولى، أين كان؟ وكيف كان؟ ولو تذكّر لعلم أن الأمر أيسر مما يتصور {أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} أي أولاَ يتذكر هذا المكذّب الجاحد أول خلقه فيستدل بالبداءة على الإِعادة؟ ويعلم أن الله الذي خلقه من العدم قادرٌ على أن يعيده بعد الفناء وتشتت الأجزاء؟ قال بعضُ العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجةٍ في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها، إذْ لا شكَّ أنَّ الإِعادة ثانياً أهونُ من الإِيجاد أولاً، ونظيره قوله {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [يس: 79] {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ} أي فوربك يا محمد لنحشرنَّ هؤلاء المكذبين بالبعث مع الشياطين الذين أغووهم قال المفسرون: يُحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} أي نحضر هؤلاء المجرمين حول جهنم قعوداً على الركب من شدة الهول والفزع، لا يطيقون القيام على أرجلهم لما يدهمهم من شدة الأمر {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ} أي لنأخذنَّ ولننتزعنَّ من كل فرقةٍ وجماعة ارتبطت بمذهب {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} أي من منهم أعصى لله وأشد تمرداً، والمراد أنه يؤخذ من هؤلاء المجرمين ليقذف في جهنم الأعتى فالأعتى قال ابن مسعود: يُبدأ بالأكابر جرماً {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} أي نحن أعلم بمن هم أحق بدخول النار والاصطلاء بحرها وبمن يستحق تضعيف العذاب فنبدأ بهم {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} أي ما منكم أحدٌ من برٍ أو فاجر ألاّ وسيرد على النار، المؤمن للعبور والكافر للقرار {كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} أي كان ذلك الورود قضاءً لازماً لا يمكن خُلفه {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي ننجّي من جهنم المتقين بعد مرور الجميع عليها {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} أي ونترك الظالمين في جهنم قعوداً على الركب قال البيضاوي: والآية دليلٌ على أن المراد بالورود والجثوُّ حواليها، وأن المؤمنين يفارقون الفجرة إلى الجنة بعد نجاتهم، ويبقى الفجرة فيها على هيئاتهم {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ} أي وإِذا قرئت على المشركين آيات القرآن المبين، واضحات الإِعجاز، بينات المعاني {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} أي قال الكفرة المترفون لفقراء المؤمنين أيُّ الفريقين: - نحن أو أنتم - أحسنُ مسكناً، وأطيب عيشاً، وأكرم منتدى ومجلساً؟ قال البيضاوي: إن المشركين لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، والاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم لقصور نظرهم، فردَّ الله عليهم بقوله {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} أي وكثير من الأمم المكذبين بآياتنا أهلكناهم بكفرهم كانوا أكثر من هؤلاء متاعاً، وأجمل صورةً ومنظراً، فكما أهلكنا السابقين نهلك اللاحقين، فلا يغترَّ هؤلاء بما لديهم من النعيم والمتاع {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أنهم على حق: من كان في الضلالة منا ومنكم فليمهله الرحمن فيما هو فيه، وليدعْه في طغيانه، حتى يلقى ربه وينقضي أجله قال القرطبي: وهذا غايةٌ في التهديد والوعيد {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} أي حتى يروا ما يحلُّ بهم من وعد الله {إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ} أي إمَّا عذاب الدنيا بالقتل والأسر، أو عذاب الآخرة بما ينالهم يوم القيامة من الشدائد والأهوال {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} أي فسيعلمون عندئذ حين تنكشف الحقائق أي الفريقين شرٌّ منزلة عند الله، وأقل فئة وأنصاراً، هل هم الكفار أم المؤمنون؟ وهذا في مقابلة قولهم {خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى} أي ويزيد الله المؤمنين المهتدين، بصيرةً وإيماناً وهداية {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها ذخراً في الآخرة خير عند الله من كل ما يتباهى به أهل الأرض من حيث الأجر والثواب {وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} أي وخير رجوعاً وعاقبة، فإِن نعيم الدنيا زائل ونعيم الآخرة باقٍ دائم {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} نزلت في العاص بن وائل، والاستفهام للتعجب أي تعجَّب يا محمد من قصة هذا الكافر الذي جحد بآيات الله وزعم أن الله سيعطيه في الآخرة المال والبنين {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} أي هل اطَّلع على الغيب الذي تفرَّد به علاّم الغيوب؟ {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} أي أم أعطاه الله عهداً بذلك فهو يتكلم عن ثقةٍ ويقين؟ {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} ردٌّ عليه، ولفظةُ "كلاَّ" للردع والزجر أي ليرتدع ذلك الفاجر عن تلك المقالة الشنيعة فسنكتب ما يقول عليه {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} أي سنزيد له في العذاب ونطيله عليه جزاء طغيانه واستهزائه، ونضاعف له مدد العذاب مكان الإِمداد بالمال والولد {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً} أي ونرثه ما يخلفه من المال والولد بعد إهلاكه، ويأتينا وحيداً لا مال معه ولا ولد، ولا نصير له ولا سند {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} أي واتخذ المشركون أصناماً عبدوها من دون الله لينالوا بها العزَّ والشرف {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا فإِن الآلهة التي عبدوها ستبرأ من عبادتهم ويكونون لهم أعداء يوم القيامة {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} أي ألم تر يا محمد أنَّا سلَّطنا الشياطين على الكافرين تُغريهم إغراءً بالشر، وتهيّجُهم تهييجاً حتى يركبوا المعاصي قال الرازي: أي تغريهم على المعاصي وتحثُّهم وتهيّجهم لها بالوساوس والتسويلات {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} أي لا تتعجل يا محمد في طلب هلاكهم فإِنه لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس نعدُّها عليهم عدّاً ثم يصيرون إلى عذاب شديد قال ابن عباس: نعدُّ أنفاسهم في الدنيا كما نعدُّ عليهم سنيَّهم {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} أي يوم نحشر المتقين إلى ربهم معزَّزين مكرَّمين، راكبين على النوق كما يفد الوفود على الملوك منتظرين لكرامتهم وإِنعامهم {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} أي ونسوق المجرمين كما تُساق البهائم مشاةً عطاشاً كأنهم إبلٌ عطاش تُساق إلى الماء وفي الحديث "حديث : يُحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتُجرُّ بقيتهم إلى النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا"تفسير : {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ} أي لا يشفعون ولا يُشفع لهم {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} الاستثناء منقطع أي لكنْ من تحلَّى بالإِيمان والعمل الصالح فإِنه يملك الشفاعة قال ابن عباس: العهدُ "شهادة أن لا إله إلا الله" {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} أي لقد أتيتم أيها المشركون بقولٍ منكر عظيم تناهى في القبح والشناعة {تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} أي تكاد السماوات تتشقَّق من هول هذا القول {وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً} أي وتنشقُّ كذلك الأرض وتندكُّ الجبال وتُهدُّ هداً استعظاماً للكلمة الشنيعة {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} أي ما يليق به سبحانه اتخاذ الولد، لأن الولد يقتضي المجانسة ويكون عن حاجة، وهو المنزَّه عن الشبيه والنظير، والغني عن المعين والنصير {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} أي ما من مخلوقٍ في هذا العالم العلوي والسفلي إلا وهو عبدٌ لله، ذليلٌ خاضعٌ بين يديه، منقادٌ مطيع له كما يفعل العبيد {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً} أي علم عددهم وأحاط علمه بهم فلا يخفى عليه شيء من أمورهم {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً} أي وكل فردٍ يأتي يوم القيامة وحيداً فريداً، بلا مالٍ ولا نصير، ولا معين ولا خفير {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} لما ذكر أحوال المجرمين ذكر أحوال المؤمنين والمعنى سيحدث لهم في قلوب عباده الصالحين محبةً ومودة قال الربيع: يحبُّهم ويحببهم إلى الناس {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} أي فإِنما يسرنا يا محمد هذا القرآن بلسانك العربي تقرأه، وجعلناه سهلاً يسيراً لمن تدبره، لتبشّر به المؤمنين المتقين، وتخوّف به قوماً معاندين شديدي الخصومة والجدال {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي كم من الأمم الماضية أهلكناهم بتكذيبهم الرسل، و "كم" للتكثير {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ} أي هل ترى منهم أحداً؟ {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} أي أو تسمع صوتاً خفياً؟ والمعنى أنهم بادوا وهلكوا وخلت منهم الديار، وأوحشت منهم المنازل، فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- ذكر العام وإِرادة الخاص {وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ} المراد به الكافر لأنه هو المنكر للبعث. 2- الطباق بين {مِتُّ.. حَيّاً} وبين {تُبَشِّرَ.. وَتُنْذِرَ}. 3- الاستفهام للإِنكار والتوبيخ {أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ}. 4- المقابلة اللطيفة بين المتقين والمجرمين وبين حال الأبرار والأشرار {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً}. 5- الجناس غير التام {وَفْداً.. وِرْداً} لتغير الحرف الثاني. 6- اللف والنشر المرتب في {شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} حيث رجع الأول إلى {خَيْرٌ مَّقَاماً} والثاني إلى {وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} كما يوجد بين {خَيْرٌ.. وشَرٌّ} طباق. 7- المجاز العقلي {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} أي نأمر الملائكة بالكتابة فهو من إسناد الشيء إلى سببه. 8- السجع الرصين مثل {عَبْداً}، {عَدّاً}، {فَرْداً}، {وُدّاً} وهو من المحسنات البديعية. فَائِدَة: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تعالى إذا أحبَّ عبداً دعا جبريل فقال: إني أحبُ فلاناً فأحبَّه فيحبُّه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء.." تفسير : الحديث وهو مصداق قوله تعالى {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}. لطيفَة: روي أن المأمون قرأ هذه الآية {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} وعنده جماعة من الفقهاء فيهم ابن السماك فأشار إليه المأمون أن يعظه فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد قال الشاعر: شعر : حياتكَ أنفاسٌ تُعدُّ فكلما مضى نفس منك انتقصت به جزءاً
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : المراد بالإنسان هاهنا، كل منكر للبعث، مستبعد لوقوعه، فيقول -مستفهما على وجه النفي والعناد والكفر- { أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا } أي: كيف يعيدني الله حيا بعد الموت، وبعد ما كنت رميما؟" هذا لا يكون ولا يتصور، وهذا بحسب عقله الفاسد ومقصده السيء، وعناده لرسل الله وكتبه، فلو نظر أدنى نظر، وتأمل أدنى تأمل، لرأى استبعاده للبعث، في غاية السخافة، ولهذا ذكر تعالى برهانا قاطعا، ودليلا واضحا، يعرفه كل أحد على إمكان البعث فقال: { أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا } أي: أو لا يلفت نظره، ويستذكر حالته الأولى، وأن الله خلقه أول مرة، ولم يك شيئا، فمن قدر على خلقه من العدم، ولم يكن شيئا، مذكورا، أليس بقادر على إنشائه بعد ما تمزق، وجمعه بعد ما تفرق؟ وهذا كقوله: {أية : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }. تفسير : وفي قوله: { أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ } دعوة للنظر، بالدليل العقلي، بألطف خطاب، وأن إنكار من أنكر ذلك، مبني على غفلة منه عن حاله الأولى، وإلا فلو تذكرها وأحضرها في ذهنه، لم ينكر ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):