١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل أولاً على صحة البعث ثم أورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها أورد عنهم الآن ما ذكروه على سبيل الاستهزاء طعناً في القول بالحشر فقال: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـئَايَـٰتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } قرأ حمزة والكسائي ولداً وهو جمع ولد كأسد في أسد أو بمعنى الولد كالعرب في العرب، وعن يحيى بن يعمر ولداً بالكسر، وعن الحسن نزلت الآية في الوليد بن المغيرة والمشهورة أنها في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين فاقتضيته فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد قلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم لا حياً ولا ميتاً ولا حين تبعث فقال: فإني إذا مت بعثت؟ قلت: نعم. قال: إني بعثت وجئتني فسيكون لي ثم مال وولد فأعطيك، وقيل: صاغ خباب له حلياً فاقتضاه فطلب الأجرة فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثم، فإني أوتي مالاً وولداً حينئذ ثم أجاب الله تعالى عن كلامه بقوله: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } قال صاحب «الكشاف»: أطلع الغيب من قولهم أطلع الجبل أي ارتقى إلى أعلاه ويقال مر مطلعاً لذلك الأمر أي غالباً له مالكاً له والاختيار في هذه الكلمة أن تقول: أو قد بلغ من عظم شأنه أنه ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار، والمعنى أن الذي ادعى أن يكون حاصلاً له لا يتوصل إليه إلا بأحد هذين الأمرين، إما علم الغيب وإما عهد من عالم الغيب فبأيهما توصل إليه؟ وقيل: في العهد كلمة الشهادة عن قتادة هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول؟ ثم إنه سبحانه بين من حاله ضد ما ادعاه، فقال: {كَلاَّ } وهي كلمة ردع وتنبيه على الخطأ أي هو مخطىء فيما يقوله ويتمناه فإن قيل لم قال: {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ } بسين التسويف وهو كما قاله كتب من غير تأخير قال تعالى: { أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } تفسير : [ق: 18] قلنا فيه وجهان: أحدهما: سيظهر له ويعلم أنا كتبنا. الثاني: أن المتوعد يقول للجاني سوف أنتقم منك وإن كان في الحال في الانتقام ويكون غرضه من هذا الكلام محض التهديد فكذا ههنا، أما قوله تعالى: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً } أي نطول له من العذاب ما يستأهله ونزيده من العذاب ونضاعف له من المدد ويقال مده وأمده بمعنى ويدل عليه قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام ويمد له بالضم، أما قوله ونرثه ما يقول أي يزول عنه ما وعده من مال وولد فلا يعود كما لا يعود الإرث إلى من خلفه وإذا سلب ذلك في الآخرة يبقى فرداً فلذلك قال: {وَيَأْتِينَا فَرْداً } فلا يصح أن ينفرد في الآخرة بمال وولد: { أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الأنعام: 94]، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} روى الأئمة ـ واللفظ لمسلم ـ عن خباب قال كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال: فقلت له: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟! فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال وكيع: كذا قال الأعمش؛ فنزلت هذه الآية: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} إلى قوله: «ويأتينا فرداً». في رواية قال: كنت قَيْناً في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل عملاً، فأتيته أتقاضاه. خرجه البخاري أيضاً. وقال الكلبي ومقاتل: كان خباب قيناً فصاغ للعاص حلياً ثم تقاضاه أجرته، فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني؛ فقال العاص: يا خباب ما لك؟! ما كنت هكذا، وأن كنت لحسن الطلب. فقال خباب: إني كنت على دينك فأما اليوم فأنا على دين الإسلام مفارق لدينك. قال: أولستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً؟ قال خباب: بلى. قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة ـ استهزاء ـ فوالله لئن كان ما تقول حقاً إني لأقضيك فيها، فوالله لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أولى بها مني، فأنزل الله تعالى {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} يعني العاص بن وائل؛ الآيات. {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ٰ. وقال مجاهد: أعلم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟! {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} قال قتادة والثوريّ: أي عملاً صالحاً. وقيل: هو التوحيد. وقيل: هو من الوعد. وقال الكلبي: عاهد الله تعالى أن يدخله الجنة. {كَلاَّ} ردٌّ عليه؛ أي لم يكن ذلك؛ لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهداً، وتم الكلام عند قوله: «كَلاَّ». وقال الحسن: إن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة. والأول أصح لأنه مدوّن في الصحاح. وقرأ حمزة والكسائي «وَوُلْداً» بضم الواو، والباقون بفتحها. واختلف في الضم والفتح على وجهين: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد، يقال وَلد ووُلْد كما يقال عَدَم وعُدْم. وقال الحارث بن حِلِّزة: شعر : ولقد رأيتُ معاشراً قد ثَمَّرُوا مَالاً ووُلْدَاً تفسير : وقال آخر: شعر : فليتَ فلاناً كان في بطن أُمِّه وليت فلاناً كان وُلْدَ حِمارِ تفسير : والثاني: أن قيساً تجعل الوُلد بالضم جمعاً والولد بالفتح واحداً. قال الماوردي: وفي قوله تعالى: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} وجهان: أحدهما: أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله تعالى على طاعته وعبادته؛ قاله الكلبي. الثاني: أنه أراد في الدنيا، وهو قول الجمهور؛ وفيه وجهان محتملان: أحدهما: إن أقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي لأوتين مالاً وولداً. الثاني: ولو كنت على باطل لما أوتيت مالاً وولداً. قلت: قول الكلبي أشبه بظاهر الأحاديث، بل نصها يدل على ذلك؛ قال مسروق: سمعت خبّاب بن الأرتّ يقول: جئت العاص بن وائل السَّهْميّ أتقاضاه حقاً لي عنده. فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لميت ثم مبعوث؟! فقلت: نعم. فقال: إن لي هناك مالاً وولداً فأقضيك؛ فنزلت {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} الآية؛ قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. قوله تعالى: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} ألفه ألف استفهام لمجيء «أم» بعدها، ومعناه التوبيخ، وأصله أاطلع فحذفت الألف الثانية لأنها ألف وصل. فإن قيل: فهلا أتوا بمدّة بعد الألف فقالوا: آطلع كما قالوا: «آلله خير» {أية : ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} تفسير : [الأنعام: 143] قيل له: كان الأصل في هذا «أالله» «أالذكرين» فأبدلوا من الألف الثانية مدة ليفرقوا بين الاستفهام والخبر؛ وذلك أنهم لو قالوا: الله خير بلا مدّ لالتبس الاستفهام بالخبر، ولم يحتاجوا إلى هذه المدّة في قوله: «أطلع» لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة، وذلك أنك تقول في الاستفهام: أطلع؟ أفترى؟ أصطفى؟ أستغفرت؟ بفتح الألف، وتقول في الخبر: اِطلع، اِفترى، اِصطفى، اِستغفرت لهم بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ولم يحتاجوا إلى فرق آخر. قوله تعالى: «كَلاَّ» ليس في النصف الأول ذكر «كلاّ» وإنما جاء ذكره في النصف الثاني. وهو يكون بمعنيين: أحدهما: بمعنى حقّاً. والثاني: بمعنى لا. فإذا كانت بمعنى حقاً جاز الوقف على ما قبله، ثم تبتدىء «كلا» أي حقّاً. وإذا كانت بمعنى لا، كان الوقف على «كلا» جائزاً، كما في هذه الآية؛ لأن المعنى: لا ليس الأمر كذا. ويجوز أن تقف على قوله: «عَهْداً» وتبتدىء «كلا» أي حقاً «سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ». وكذا قوله تعالى: {أية : لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ} تفسير : [المؤمنون: 100] يجوز الوقف على «كلا» وعلى «تركت». وقوله: {أية : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ. قَالَ كَلاَّ} تفسير : [الشعراء: 14]الوقف على «كلا» لأن المعنى؛ لا ـ وليس الأمر كما تظن «فاذهبا». فليس للحق في هذا المعنى موضع. وقال الفراء: «كلا» بمنزلة سوف لأنها صلة، وهي حرف ردّ فكأنها «نعم» و«لا» في الاكتفاء. قال: وإن جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها؛ كقولك: كلاّ ورَبّ الكعبة؛ لا تقف على كلاّ؛ لأنه بمنزلة إي ورب الكعبة. قال الله تعالى: {أية : كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ } تفسير : [المدثر: 32] فالوقف على «كلاّ» قبيح لأنه صلة لليمين. وكان أبو جعفر محمد بن سعدان يقول في «كلا» مثل قول الفراء. وقال الأخفش: معنى كلا الردع والزجر. وقال أبو بكر بن الأنباري: وسمعت أبا العباس يقول: لا يوقف على «كلا» في جميع القرآن؛ لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها. والقول الأول هو قول أهل التفسير. قوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} أي سنحفظ عليه قوله فنجازيه به في الآخرة. {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} أي سنزيده عذاباً فوق عذاب. {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي نسلبه ما أعطيناه في الدنيا من مال وولد. وقال ابن عباس وغيره: أي نرثه المال والولد بعد إهلاكنا إياه. وقيل: نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد، ونجعله لغيره من المسلمين. {وَيَأْتِينَا فَرْداً} أي منفرداً لا مال له ولا ولد ولا عشيرة تنصره.
ابن كثير
تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلاً قيناً، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه منه، فقال: لا، والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا، والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت، جئتني ولي ثم مال وولد، فأعطيتك، فأنزل الله: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـآيَـٰتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} - إلى قوله - {وَيَأْتِينَا فَرْداً} أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به. وفي لفظ البخاري: كنت قيناً بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفاً، فجئت أتقاضاه، فذكر الحديث، وقال: {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} قال: موثقاً. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال خباب بن الأرت: كنت قيناً بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإذا بعثت، كان لي مال وولد، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـآيَـٰتِنَا} الآيات. وقال العوفي عن ابن عباس: إن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فو الله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله مثله في القرآن، فقال: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـآيَـٰتِنَا} - إلى قوله - {وَيَأْتِينَا فَرْداً} وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل. وقوله: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} قرأ بعضهم بفتح الواو من ولدا، وقرأ آخرون بضمها، وهو بمعناه، قال رؤبة:شعر : الحَمْدُ للّهِ العَزيزِ فَرْداً لَمْ يَتَّخِذْ منْ وُلْدِ شيْءٍ وُلْداً تفسير : وقال الحارث بن حلزة:شعر : ولَقَدْ رَأَيْتُ مَعاشِراً قَدْ ثَمَّرُوا مالاً وَوُلْدا تفسير : وقال الشاعر:شعر : فَلَيْتَ فُلاناً كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ولَيْتَ فُلاناً كانَ وُلْدَ حِمارِ تفسير : وقيل: إن "الوُلْد" بالضم جمع، والولد بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم. وقوله: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} إنكار على هذا القائل: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ماله في الآخرة حتى تألى وحلف على ذلك؟ {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري: أنه الموثق. وقال الضحاك عن ابن عباس: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} قال: لا إله إلا الله، فيرجو بها. وقال محمد بن كعب القرظي: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} تفسير : [مريم:87] قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}. وقوله: {كَلاَّ} هي حرف ردع لما قبلها، وتأكيد لما بعدها {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} أي: من طلبه ذلك، وحكمه لنفسه بما يتمناه، وكفره بالله العظيم، {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} أي: في الدار الآخرة على قوله ذلك، وكفره بالله في الدنيا، {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي: من مال وولد نسلبه منه، عكس ما قال: إنه يؤتى في الدار الآخرة مالاً وولداً زيادة على الذي له في الدنيا، بل في الآخرة يسلب مِنَ الذي كان له في الدنيا، ولهذا قال تعالى: {وَيَأْتِينَا فَرْداً} أي: من المال والولد. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} قال: نرثه. قال مجاهد: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} ماله وولده. وذلك الذي قال العاص بن وائل. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} قال: ما عنده. وهو قوله: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}. وفي حرف ابن مسعود: (ونرثه ما عنده). وقال قتادة: {وَيَأْتِينَا فَرْداً} لا مال له ولا ولد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} قال: ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها، قال: {وَيَأْتِينَا فَرْداً} قال: فرداً من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِئَايَٰتِنَا } العاصي بن وائل {وَقَالَ } لخباب بن الأرت القائل له تُبْعَثُ بعد الموت والمطالب له بمال {لأُوتَيَنَّ } على تقدير البعث {مَالاً وَوَلَدًا } فأقضيك؟.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَفَرَءَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بَئَآياتِنَا...} اختلف فيمن نزلت هذه الآية فيه على قولين: أحدهما: في العاص بن وائل السهمي، قاله جبار وابن عباس ومجاهد. الثاني: في الوليد بن المغيرة، قاله الحسن. {... مَالاً وَوَلَداً} قرأ حمزة والكسائي {ووُلْداً} بضم الواو، وقرأ الباقون بفتحها، فاختلف في ضمها وفتحها على وجهين: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد، يقال ولَدَ ووُلْد، وعَدَم وعُدْم، وقال الحارث ابن حلزة. شعر : ولقد رأيت معاشراً قد ثمَّروا مالاً ووُلْدا تفسير : والثاني: أن قيساً الوُلْد بالضم جميعاً، والولد بالفتح واحداً. وفي قوله تعالى: {لأُتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} وجهان: أحدهما: أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله على طاعته وعبادته، قاله الكلبي. الثاني: أنه أراد في الدنيا، وهو قول الجمهور. وفيه وجهان محتملان: أحدهما: إن أقمت على دين آبائي وعبادة ألهتي لأوتين مالاً وولداً. الثاني: معناه لو كنت أقمت على باطل لما أوتيت مالاً وولداً. {أطَّلَعَ الْغَيْبَ} يحتمل وجهين: أحدهما: معناه أعلم الغيب أنه سيؤتيه على كفره مالاً وولداً. الثاني: أعلم الغيب لما آتاه الله على كفره. {أمِ أتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَن عَهْداً} فيه وجهان: أحدهما: يعني عملاً صالحاً قدمه، قاله قتادة. الثاني: قولاً عهد به الله إليه، حكاه ابن عيسى. قوله عز وجل: {وَنَرِثُه مَا يَقُولُ} فيه وجهان: أحدهما: أن الله يسلبه ما أعطاه في الدنيا من مال وولد. الثاني: يحرمه ما تمناه في الآخرة من من مال وولد. {وَيَأْتِينَا فَرْداً} فيه وجهان: أحدهما: بلا مال ولا ولد. الثاني: بلا ولي ولا ناصر.
ابن عبد السلام
تفسير : {لأُوتَيَنَّ مَالاً} نزلت في العاص بن وائل، أو في الوليد بن المغيرة، {لأُوتَيَنَّ} في الدنيا على قول الجمهور، أو في الجنة استهزاء منه {وَوَلَداً} وُوْلدا واحد كعُدْم وَعَدم، أو بالضم جمع وبالفتح واحد لغة قيس.
النسفي
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـئَايَـٰتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } ثم. وبضم الواو وسكون اللام في أربعة مواضع ــ ههنا وفي الزخرف ونوح ــ حمزة وعلي جمع ولد كأسد في أسد، أو بمعنى الولد كالعرب في العرب. ولما كانت رؤية الأشياء طريقاً إلى العلم بها وصحة الخبر عنها استعملوا أرأيت في معنى أخبر والفاء أفادت التعقيب كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك. وقوله {لأوتين} جواب قسم مضمر {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ } من قولهم «اطلع الجبل» إذا ارتقى إلى أعلاه، الهمزه للاستفهام وهمزة الوصل محذوفة أي انظر في اللوح المحفوظ فرأى منيته {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } مؤثقاً أن يؤتيه ذلك أو العهد كلمة الشهادة. وعن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل، فقد رُوي أن خباب بن الأرت صاغ للعاص بن وائل حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة فأنا أقضيك ثُم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذ {كَلاَّ } ردع وتنبيه على الخطأ أي هو مخطىء فيما تصوره لنفسه فليرتدع عنه {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ } أي قوله والمراد سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله لأنه كما قال: كتب من غير تأخير قال الله تعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }تفسير : [ق: 18]وهو كقوله شعر : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة تفسير : أي علم وتبين بالانتساب أني لست بابن لئيمة {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ } نزيده من العذاب كما يزيد في الافتراء والاجتراء من المدد، يقال مده وأمده {مَدّاً } أكد بالمصدر لفرط غضبه تعالى .
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَـٰتِنَا} هو العَاصِي بْنِ وَائِل السَّهْمِيُّ؛ قاله جمهورُ المفسرين، وكان خبره أَنْ خَبَّابَ بْنَ الأَرَتّ كان قَيْناً في الجاهلية، فعمل له عملاً، واجتمع له عنده دَيْن؛ فجاءه يَتَقاضَاهُ، فقال له العاصِي: لا أقضيك حتَّى تكفُرَ بمحمدٍ، فقال خَبَّابٌ: لا أكفرُ بمحمّدٍ حتى يُميتَكَ اللّهُ، ثم يبعثك؛ فقال العاصي: أَوَ مبعُوثٌ أنا بعد الموت؟! فقال: نعم، فقال: فإنه إذَا كان ذلك، فسيكُونُ لِي مَالٌ، ووَلَدٌ، وعند ذلك أَقضيكَ دَيْنَكَ؛ فنزلت الآيةُ في ذلك. وقال الحسنُ: نزلتْ في الْوَلِيدِ بنِ المُغِيرة. قال: * ع *: وقد كانت لِلْوَلِيدِ أَيْضاً، أَقْوَالٌ تشبه هذا الغرض. * ت *: إلاَّ أَنَّ المسند الصحيح في «البخاري» هو الأَول. وقولُه: {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} معناه بالأَيْمان، والأَعْمال الصالحات. {وكَلاَّ} زَجْرٌ، وردٌّ، وهذا المعنى لاَزِمٌ لـ «كَلاَّ»، ثم أَخبر سبحانه: أَن قولَ هذا الكافر سَيُكْتب علىٰ معنى حِفْظه عليه، ومعاقبته وبه ومدّ العذاب؛ هو إطالتُه وتَعْظِيمه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} الآية. "أفَرَأيْتَ" عطف بالفاء إيذاناً بإفادة التعقيب، كأنه قيل: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر عقيب قصة أولئك. وأرأيت بمعنى: أخبرني كما تقدم، والموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله: "أطَّلع الغَيْبَ". و "لأوتَينَّ" جواب قسمٍ مضمر، والجملة القسمية كلها في محل نصب بالقول. وقوله هنا "وولداً"، وفي آخر السورة: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} تفسير : [مريم: 88] موضعان وفي الزخرف {أية : إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} تفسير : [الآية: 81]، وفي نوح {أية : مَالُهُ وَوَلَدُهُ} تفسير : [الآية: 21]. وقرأ الأخوان الأربعة بضم الواو وسكون اللام، ووافقهما ابن كثير وأبو عمرو على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم قرأوا ذلك كلَّه بفتح اللام والواو. فأمَّا القراءةُ بفتحتين فواضحة، وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع. وأما قراءة الضم والإسكان، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: وَلَدٌ ووُلْدٌ كما يقال: عَربٌ وعُرْبٌ، وعدمٌ وعُدْمَ. وقيل: بل هي جمع لـ "ولد" نحو أسَدٌ وأسْدٌ، "وأنشدوا على ذلك: شعر : 3621- ولقَد رَأيْتُ مَعَاشِراً قَدْ ثَمَّرُوا مالاً ووُلدا" تفسير : وأنشدوا شاهداً على أن الوَلَد والوُلْدَ مترادفان قول الآخر: شعر : 3622- فَلَيْتَ فُلاناً كان في بَطْنِ أمِّهِ وليْتَ فُلاناً كانَ وُلْدَ حمارِ تفسير : وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر "ووِلْدا" بكسر الواو، وهي لغة في الولد، ولا يبعد أن أن يكون هذا من باب الذبح والرئي، فيكون ولد بمعنى مولود، وكذلك في الذي بفتحتين نحو القبض بمعنى المقبوض. قوله: "أطَّلَعَ" هذه همزة استفهام سقط من أجلها همزة وصل، وقد قُرىء بسقوطها درجاً، وكسرها ابتداء على أن همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة "أمْ" عليها، كقوله: شعر : 3623- لَعمركَ مَا أدْرِي وإنْ كُنْتَ دَارِياً بسَبْعٍ رمَيْنَ الجَمْرَ أمْ "بِثَمَانِ" تفسير : و "أطَّلعَ" من قولهم: اطلع فلان الجبل، أي: ارتقى أعلاه. قال جرير: شعر : 3624- لاقَيْتُ مُطَّلِعَ الجِبَالِ "وعُورَا" تفسير : و "الغَيْبَ" مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيب، كما زعم بعضهم. فصل لمَّا استدل على صحة البعث، وأورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها ذكر عنهم ما قالوه استهزاء طعناً بالقول في الحشر فقال: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا}. قال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين، فأتيت أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمدٍ حيًّا ولا ميتاً. وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث. فقال: وإنّي لميتٌ ثم مبعوثٌ؟ قلت: نعم. قال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثمَّ، فإنه سيكون لي مالٌ وولد. ثم قال تعالى: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ}. "قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ". وقال مجاهد: أعلمَ علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟. والمعنى: أنَّ الذي ادعى حصوله لا يتوصل إليه إلاَّ بأحد هذين الطريقين: إمَّا علم الغيب، وإمَّا عهدٌ من عالم الغيب، فبأيهما توصل إليه. قيل: العهد كلمة الشهادة. وقال قتادة: عملاً صالحاً قدَّمه، فهو يرجو بذلك ما يقول. وقال الكلبي: عهد إليه أن يدخله الجنة. "كَلاَّ" ردٌّ عليه، أي: إنَّه لم يفعل ذلك. قوله: "كَلاَّ" للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب: أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس أنها حرف ردع وزجر. وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية حيث زجرت وردعت ذلك القائل. والثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم، فيكون جواباً، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظاً أو تقديراً، وقد تستعمل في القسم. والثالث: وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن الأنباري، "ونصر بن يوسف" وابن واصل أنها بمعنى حقًّا. والرابع: وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن الباهلي أنها رد لما قبلها. وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى "إي" كذا قيل. وفيه نظر، فإن "إي" حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح، وهو قول "أبي حاتم ولتقرير هذه المذاهب موضع يليق به. وقد قرىء هنا بالفتح والتنوين في كَلاَّ" هذه، وتروى عن ابن نهيك وحكى الزمخشري هذه القراءة، وعزاها لابن نهيك في قوله: "{كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ} كما سيأتي ويحكى أيضاً قراءةٌ بضم الكاف والتنوين، ويعزيها لابن نهيك أيضاً". فأما قولهم: ابن نهيك، فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم أبو نهيك بالكنية. وفي قراءة الفتح "والتنوين أربعة أوجه: أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره": كَلُّوا كَلاًّ، أي: أعيُوا عن الحقِّ إعياء، أو كلُّوا عن عبادة الله، لتهاونهم بها من قول العرب: كَلَّ السَّيْفُ، إذا نبا عن الضرب، وكلَّ زيدٌ، أي: تَعِبَ. وقيل: المعنى: كلُّوا في دعواهم وانقطعوا. والثاني: أنه مفعولٌ به بفعل مقدر من معنى الكلام، تقديره: حُمِّلوا كلاًّ. والكلُّ أيضاً: الثقل: تقول: فلان كلٌّ على الناس، ومنه قوله تعالى: {أية : وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاَهُ} تفسير : [النحل: 76]. والثالث: أن "التنوين بدل من ألف" "كلاَّ"، وهي التي يراد بها الردع والزجر، فتكون حرفاً أيضاً. قال الزمخشري: ولقائل أن يقول: إن صحت هذه الرواية، فهي "كلاَّ" التي للردع قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قوله: "قوارِيرا". قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد، لأنه قال: التي للردع، "والتي للردع" حرف، ولا وجه لقلب ألفها نوناً، وتشبيهه بـ "قَوَارِيراً" ليس بجيد، لأنَّ "قَوَارِيرَ" اسم يرجع به إلى أصله، فالنون ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف، وهذا الجمع مختلف فيه أيتحتَّمُ منع صرفه أم يجوز؟ قولان. ومنقول أيضاً: أن بعض لغة العرب يصرفون ما لا ينصرف، فهذا القول، إما على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة. والرابع: أنه نعتٌ لـ "آلهة"، قاله ابن عطية. وفيه نظر، إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجه، "أن يكون وصف" الآلهة بالكلِّ الذي هو المصدر بمعنى الإعياء والعجز، كأنه قيل: آلهةٌ كالِّين، أي: عاجزين منقطعين. ولمَّا وصفهم وصفهم بالمصدر وحده. وروى ابن عطية والداني وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ "كُلاًّ" بضم الكاف والتنوين، وفيها تأويلان: أحدهما: أن ينتصب على الحال، أي: سيكفرون جميعاً؛ كذا قدره أبو البقاء، واستبعده. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، أي: يرفضون، أي: يجحدون، أو يتركون كلاًّ، قاله ابن عطية. وحكى ابن جرير أن أبا نهيك قرأ "كُلٌّ" بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره. وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في "كلاًّ" الثانية. وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب "ونُمِدُّ" من أمدَّ، وقد تقدم القول في مدَّهُ وأمدَّهُ. قوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}. يجوز في "مَا" وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولاً بها، والضمير في "نَرِثُهُ" منصوب على إسقاط الخافض تقديره: ونرثُ منه "ما يقوله". والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير في "نَرثُهُ" بدل اشتمال. وقدَّر بعضهم مضافاً قبل الموصول، أي: نرثه معنى ما يقول: أو مسمَّى ما يقول، وهو المال والولد، لأن نفس القول لا يورث. "و "فَرْداً" حال إمَّا مقدرة نحو {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر: 73]، أو مقارنة، وذلك مبنيٌّ على اختلاف معنى الآية". قوله تعالى: "سَنكْتبُ" سنحفظ "ما يقُولُ" فنُجازيه في الآخرة. وقيل: نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول. {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} أي: نزيده عذاباً فوق العذاب، وقيل: نطيل عذابه. و {نَرِثُهُ مَا يَقُولُ} "أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال قوله، وقوله "مَا يَقُولُ"، لأنه زعم أنَّ له مالاً وولداً، أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإرث راجعاً إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول. وقيل: معنى قوله {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به "ويَأتِينَا فَرْداً" يوم القيامة بلا مالٍ ولا ولد". قوله تعالى: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية. لمَّا تكلَّم في مسألة الحشر والنشر تكلَّم الآن في الرد على عُبَّاد الأصنام فقال: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً} يعني كفار قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها {ليكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} أي منعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من الهلاك. ثم أجاب الله - تعالى - بقوله: "كَلاَّ" ليس الأمر كما زعموا {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} أي: "كُلُّهم سيكفُرُون بعبادِة" هذه الأوثان. قوله: "سَيَكْفرُونَ" يجوز أن يعود الضمير على الآلهة، لأنه أقرب مذكور، ولأن الضمير في "يَكُونُونَ" أيضاً عائد عليهم فقط، ومثله {أية : وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ} تفسير : [النحل: 86] ثم قال {أية : فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [النحل: 86]. قيل: أراد بذلك الملائكة، لأنهم يكفرون بعبادتهم "ويتبرءون منهم" ويخاصمونهم وهو المراد بقوله: {أية : أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} تفسير : [سبأ: 40]. وقيل: إن الله - تعالى - يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبِّخُوا عبَّادها ويتبرءوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم. وقيل: الضمير يعود على المشركين، ومثله قوله: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:23] إلا أنَّ فيه عدم توافق الضمائر، إذ الضمير في "يَكُونُونَ" عائد إلى الآلهة. و "بِعبَادتهِمْ" مصدر مضاف إلى فاعله، إن عاد الضمير في عبادتهم على المشركين العابدين، وإلى المفعول إن عاد على الآلهة. قوله: "ضِدًّا" إنما وحَّده وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين: إما لأنه مصدر في الأصل، "والمصادر موحَّدة مذكَّرة، وإمَّا لأنه مفرد في معنى الجمع. قال الزمخشري": والضِّدُّ: العَوْن، وحِّد توحيد قوله عليه السلام: "حديث : وهُم يَدٌ على مِنْ سِواهُم" تفسير : لاتفاق كلمتهم، وأنَّهم كشيء واحد لفرط تضامهم وتوافقهم. والضِّدُّ: العونُ والمعاونة، ويقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم. قيل: سمي العونُ ضدًّا، لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانته لك عليه. وفي التفسير: إنَّ الضِّدَّ هنا الأعداء. وقيل: القرن. وقيل: البلاء. وهذه تناسب معنى الآية. قيل: ذكر ذلك في مقابلة قولهم "عِزًّا"، والمراد ضد العِزّ، وهو الذُّلُّ والهوان، أي: يكونون عليهم ضِدًّا لما قصدوه وأرادوه. كأنه قيل: ويكون عليهم ذلاًّ لهُم.
البقاعي
تفسير : ولما تضمن هذا من التهديد بذلك اليوم ما يقطع القلوب، فيوجب الإقبال على ما ينجي منه، عجب من حال من كفر به، موبخاً له، منكراً عليه، عاطفاً على ما أرشد إليه السياق فقال معبراً عن طلب الخير بالرؤية التي هي الطريق إلى الإحاطة بالأشياء علماً وخبرة، وإلى صحة الخبر عنها: {أفرءيت} أي أرأيت الذي يعرض عن هذا اليوم فرأيت {الذي} زاد على ذلك بأن {كفر بآياتنا} الدالات على عظمتنا بالدلالات البينات {وقال} جراءة منه وجهلاً؛ أو يقال: إنه لما هول أمر ذلك اليوم. وهتك أستار مقالاتهم، وبين وهيها، تسبب عن ذلك التعجيبُ ممن يقول: {لأوتين} أي والله في الساعة على تقدير قيامها ممن له الإيتاء هنالك {مالاً وولداً *} أي عظيمين، فلم يكفه في جهله تعجيز القادر حتى ضم إليه إقدار العاجز. ولما كان ما ادعاه لا علم له به إلا بأحد أمرين لا علم له بواحد منهما، أنكر عليه قوله ذلك بقوله: {أطلع الغيب} الذي هو غائب عن كل مخلوق، فهو في بعده عن الخلق كالعالي الذي لا يمكن أحداً منهم الاطلاع عليه، وتفرد به الواحد القهار {أم اتخذ} أي بغاية جهده {عند الرحمن} العام الرحمة بالإنعام على الطائع والانتقام من العاصي ثواباً للطائع {عهداً *} عاهده عليه بأنه يؤتيه ما ذكر بطاعة فعلها له على وجهها ليقف سبحانه فيه عند قوله. ولما كان كل من الأمرين: إطلاع الغيب واتخاذ العهد، وكذا ما ادعاه لنفسه، وما يلزم عن اتخاذ العهد من القرب، منتفياً قال: {كلاًّ} أي لم يقع شيء من هذين الأمرين، ولا يكون ما ادعاه فليرتفع عنه صاغراً. ولما كان النفي هنا عن الواحد مفهماً للنفي عما فوقه اكتفى به، ولما رد ذلك استأنف الجواب لسؤال من كأنه قال: فماذا يكون له؟ بقوله مثبتاً السين للتوكيد في هذا التهديد: {سنكتب ما يقول} أي نحفظه عليه حفظ من يكتبه لنوبخه به ونعذبه عليه بعد الموت فيظهر له بعد طول الزمان أن ما كان فيه ضلال يؤدي إلى الهلاك لا محالة، ويجوز أن تكون السين على بابها من المهلة، وكذا الكتابة، والإعلام بذلك للحث على التوبة قبل الكتابة، وذلك من عموم الرحمة {ونمد له من العذاب مداً *} باستدراجه بأسبابه من كثرة النعم من الأموال والأولاد المحببة له في الدنيا، المعذبة له فيها، بالكدح في جمعها والمخاصمة عليها الموجبة له التمادي في الكفر الموجب لعذاب الآخرة، وإتيان بعضه في إثر بعض { أية : إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} تفسير : [التوبة: 85] {ونرثه} بموته عن جميع ذلك؛ ثم أبدل من ضميره قوله: {ما يقول} أي من المال والولد فنحول بينه وبينهم بعد البعث كما فعلنا بالموت كحيلولة الوارث بين الموروث وبين الموروث عنه {ويأتينا} في القيامة {فرداً *} مسكيناً منعزلاً عن كل شيء لا قدرة له على مال ولا ولد، قلا عز له، ولا قوة بشيء منهما؛ روى البخاري في التفسير عن خباب رضي الله عنه قال: كنت قيناً بمكة فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفاً، فجئت أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، قلت: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يحييك، وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ قلت: نعم! قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى مالاً وولداً فأقضيك، فنزلت هذه الآية {أفرأيت الذي} - إلى قوله: {فرداً}. ولما أخبر تعالى بالبعث، وذكر أن هذا الكافر يأتيه على صفة الذل، أتبعه حال المشركين مع معبوداتهم، فقال معجباً منهم عاطفاً على قوله ويقول الإنسان: {واتخذوا} أي الكفار، وجمع لأن نفي العز عن الواحد قد لا يقتضي نفيه عما زاد {من دون الله} وقد تبين لهم أنه الملك الأعلى الذي لا كفوء له {ءالهة ليكونوا لهم} أي الكافرين {عزاً *} لينقذوهم من العذاب. ولما بين أنه لا يعزه مال ولا ولد، وكان نفع الأوثان دون ذلك بلا شك، نفاه بقوله: {كلاًّ} بأداة الردع، لأن ذلك طلب للعز من معدن الذل من العبيد الذين من اعتز لهم ذل، فإنهم مجبولون على الحاجة، ومن طلب العز للدنيا طلبه من العبيد لا محالة، فاضطر قطعاً - لبنائهم على النقص - إلى ترك الحق واتباع الباطل، فكانت عاقبة أمره الذل وإن طال المدى، فإن الله تعالى ربما أمهل المخذول إلى أن ينتهي في خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل؛ ثم بين سبحانه ذلك بما يكون منهم يوم البعث فقال: {سيكفرون} أي الآلهة بوعد لا خلف فيه وإن طال الزمان {بعبادتهم} أي المشركين، فيقولون لهم {أية : ما كنتم إيَّانا تعبدون} تفسير : [يونس: 28] {أية : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا}تفسير : [البقرة: 166] {ويكونون عليهم} أي الكفار؛ ووحد إشارة إلى اتفاق الكلمة بحيث إنهم لفرط تضامنهم كشيء واحد فقال: {ضداً *} أي أعداء فيكسبونهم الذل، وكذا يفعل الكفار مع شركائهم ويقولون {والله ربنا ما كنا مشركين} فيقع بينهم العداوة كما قال تعالى{أية : ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} تفسير : [العنكبوت: 25]. ولما كان من المستبعد عندهم جواز رجوعهم عنهم فضلاً عن كفرهم بهم، دل على وقوعه بما يشاهد منهم من الأفعال المنافية لرزانة الحلم الناشئة عن وقار العلم، فقال: {ألم تر أنا} بما لنا من العظمة {أرسلنا الشياطين} الذين خلقناهم من النار، إرسالاً مستعلياً بالإبعاد والإحراق {على الكافرين} أي العريقين في الكفر {تؤزهم أزاً *} أي تحركهم تحريكاً شديداً، وتزعجهم في المعاصي والدنايا التي لا يشكون في قباحتها وعظيم شناعتها وهم أشد الناس عيباً لفاعليها وذماً لمرتكبيها إرعاجاً عظيماً بحيث يكونون في تقلبهم ذلك مثل الماء الذي يغلي في القدر، ومثل الشرر المتطاير الذي هو أشد شيء منافاة لطبع الطين وملاءمة لطبع النار، فلما ثبت بذلك المدعى، تسبب عنه النهي عما اتصفوا به من خفة السفه وطيش الجهل فقال: {فلا تعجل عليهم} بشيء مما تريد به الراحة منهم. ولما كانت مراقبة ناصر الإنسان لعدوه في الحركات والسكنات أكبر شاف للولي ومفرح، وأعظم غائط للعدو ومزعج ومخيف ومقلق، علل ذلك بقوله دالاًّ على أن زمنهم قصير جداً بذكر العد: {إنما نعد لهم} بإمهالنا لهم وإدرارنا النعم عليهم {عداً *} لأنفاسهم فما فوقها لا نغفل عنهم بوجه، فإذا جاء أجلهم الذي ضربناه لهم، محونا آثارهم، وأخلينا منهم ديارهم، لا يمكنهم أن يفوتونا، فاصبر فما أردنا بإملائنا لهم إلا إشقاءهم وإرداءهم لا تنعيمهم وإعلاءهم، فهو من قصر الموصوف على صفته إفراداً.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}. أخْبِرْ بقصة ذلك الكافر الذي قال بيمين - من غير حجة - لأُعْطيَنَّ مالاً وولداً، ورأى أن يكون ليمينه تصديق، فهل هو: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}. هل يقول ما يقول بتعريفِ منا؟ أم هل اتخذ مع الله عهداً؟ ليس الأمر كذلك. ودليل الخطاب يقتضي أن المؤمن إذا ظن بالله تعالى ظناً جميلاً، أو أمَّلَ منه أشياء كثيرة فالله تعالى يحققها له، ويَصْدُقُ ظَنُّه لأنه على عهد مع الله تعالى، والله تعالى لا يخلف عهده.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفرأيت الذى كفر بآياتنا} نزلت فيمن سخر بالبعث وهو العاص بن وائل كان لخباب بن الارت عليه مال فتقاضاه فقال له لا حتى تكفر بمحمد فقال لا والله لا اكفر بمحمد حيا ولا ميتا ولا حين نبعث قال واذا بعثت جئتنى فيكون لى مال وولد فاعطيك والهمزة للتعجب من حاله والايذان بانها من الغرابة والشناعة بحيث يجب ان يرى ويقضى منها العجب والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أنظرت فرأيت الذى كفرا بآياتنا التى من جملتها آيات البعث {وقال} مستهزئا بها مصدرا كلامه باليميين الفاجر {لأوتين} فى الآخرة ان بعثت يعنى [بمن دهند]{مالا وولدا} اى انظر اليه يا محمد فتعجب من حالته البديعة وجراءته الشنيعة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: في حق العاص بن وائل: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا}: القرآن المشتمل على البعث والحساب قال خبَّاب بن الأرَت: كان لي على العَاصِ بن وَائِل دَيْنٌ، فاقْتَضيتُه، فقَالَ: لاَ، والله لا أَقْضيكَ حتى تَكْفُرَ بمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لا والله لا أَكْفُرُ بمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ ثم تُبعثَ، قال العاص: فإذا مِتُّ ثم بُعثتُ، جئتني وسيكون لي ثمَّ مالٌ وولدٌ، فأعطيك، لأنكم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة - استهزاء واستخفافًا - وفي رواية البخاري: "كُنت قَيْنَا في الجاهلية، فصنعتُ للعاصي سيفًا فجئتُ أتَقَاضَاهُ..." فذكر الحديث. فالهمزة للتعجيب من حاله، للإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث يقضي منها العجب، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: أنظرت فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي من حقها أن يؤمن بها كل من شاهدها {وقال} مستهزءًا بها، مصدّرًا باليمين الفاجرة: والله {لأُوتَينَّ} في الآخرة {مالاً وولدًا} أي: انظر إلى حاله فتعجب من حالته البديعة وجرأته الشنيعة، {أَطَّلَع الغيبَ} أي: أبلغ من عظمة الشأن إلى أن يرتقي إلى علم الغيب، الذي استأثر به العليم الخبير، حتى ادعى أن يُؤتى في الآخرة مالاً وولدًا، وأقسم عليه، {أم اتخذ عند الرحمن عَهْدًا} بذلك، فإنه لا يتوصل إلى العلم بذلك إلا بأحد هذين الطريقين، وهذا رد لكلمته الشنعاء، وإظهار لبطلانها إثر ما أشير إلى التعجب منها. والتعرض لعنوان الرحمانية للإشعار بِعِلِّية الرحمة للإيتاء، فإن الرحمة تقتضي الإعطاء على الدوام. والعهد: قيل: كلمة الشهادة، أو العمل الصالح، فإن وعده تعالى بالثواب عليها كالعهد، قال القشيري: {أَطَّلَع الغيبَ} فقال بتعريف له منا، {أم اتخذ عند الرحمن عهدًا} أي: ليس الأمر كذلك. ثم قال: ودليل الخطاب يقتضي أن المؤمن إذا أمَّلَ من الله شيئًا جميلاً، فالله تعالى يحققه له؛ لأنه على عهد مع الله تعالى، والله لا يُخلف الميعاد. هـ. ثم أبطل ما أمله الكافر فقال: {كلا} أي: انزجر عن هذه المقالة الشنيعة، فهو ردع له عن التفوه بتلك العظيمة، وتنبيه على خطئه، قال تعالى: {سنكتبُ ما يقول} أي: سنظهر ما كتبنا عليه، فهو كقول الشاعر: شعر : إذَا ما انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ تفسير : أي: تبين أني لم تلدني لَئِيمَةٌ، أو: سنحفظ عليه ما يقول فنجازيه عليه في الآخرة، أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمةً في الحال ويجازى عليها في المآل، فإن نفس الكتابة لم تتأخر عن القول لقوله تعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]، قال ابن جزي: إنما جعله مستقبلاً؛ لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل. هـ. قلت: والظاهر إنما أبرزه بصورة المستقبل، تنبيهًا على عدم نسخه، وأنه ماض نافذ. قاله في الحاشية. {ونَمُدُّ له من العذاب مَدًّا} ، مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والأولاد، أي: نطول له من العذاب ونمد له فيه ما يستحقه، أو نزيد في مضاعفة عذابه، لكفره وافترائه على الله سبحانه، واستهزائه بآياته العظام، ولذلك أكده بالمصدر، دلالةً على فرط الغضب والسخط. {ونَرِثُه ما يقولُ}، قال مكي: حرف الجر محذوف، أي: نرث منه ما يقول. هـ. والظاهر أن {ما}: بدل من الضمير، وهو الهاء، أي: نرث ما يقول وما يدعيه لنفسه اليوم من المال والولد. وفيه إيذان بأنه ليس لما يقول مصداق موجود سوى القول، أي: ننزع منه ما آتيناه، {ويأتينا} يوم القيامة {فرْدًا} لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا، فضلاً أن يؤتى ثمَّةَ مالاً وولدًا زائدًا. وقال القشيري: فردًا بلا حجة على قوله وقَسَمِه: {لأوتين مالاً وولدًا}، وذلك منه استهزاء ومحض كفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: يُفهم من الآية أن الإنسان إذا آمن بآيات الله وعمل بما أمره الله يكون له عهد عند الله، فإذا تمنى شيئًا أو منَّاه غيره لا يخيبه الله، ويتفاوت الناس في العهد عند الله، على قدر تفاوتهم في طاعته ومعرفته، وسيأتي في قوله: {أية : لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} تفسير : [مريَم: 87] زيادة بيانه. والله تعالى أعلم. ثمَّ ردَّ على أهل الضلالة ما زعموا من نفع الاصنام لهم
الجنابذي
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} واعظمها علىّ (ع) {وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} يعنى فى الآخرة، ورد انّه كان لبعض المؤمنين دين على بعضهم فجاءه يتقاضاه فقال: الستم تزعمون انّ فى الجنّة الذّهب والفضّة والحرير؟- قال: بلى، قال: فموعد ما بينى وبينك الجنة فوالله لاوتينّ فيها خيراً ممّا اوتيت فى الدّنيا.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأيْتَ الذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} أي: في الآخرة. قال الله تعالى: {أَطَّلَعَ الغَيْبَ} على الاستفهام، فعلم ما فيه؟. أي: لم يطلع على الغيب. قال تعالى: {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً} أي: لم يفعل. وسنفسّره في آخر هذه الآية. ذكروا عن مسروق، عن خبّاب بن الأرتّ قال: كنت قيناً في الجاهلية، فعملت للعاص بن وائل، حتى اجتمعت لي عنده دراهم فأتيته أتقاضاه. فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال فسيكون لي ثَمَّ مال وولد فأقضيك. فأتيت النبي عليه السلام، فأخبرته، فأنزل الله هذه الآية... إلى قوله: {وَيَأتِينَا فَرْداً}. وقال بعضهم: ذكر لنا أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام أتى رجلاً من المشركين يتقاضاه ديناً له، فقال: أليس يزعم صاحبكم أن في الجنة حريراً وذهباً؟ قال: بلى. قال: فميعادكم الجنة، فوالله لا أؤمن بكتابكم الذي جئتم به، ولأوتين مالاً وولداً. قال الله عز وجل: {أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمنِ عَهْداً}. ذكروا عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : خمس صلوات كتبهن الله على عباده، من جاء بهن تامات فإن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن تامات فليس له عند الله عهد، إن تاب غفر له، وإن لم يتب عذبه . تفسير : وقال بعضهم: {أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمنِ عَهْداً}: بعمل صالح.
اطفيش
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَر بِآيَاتِنَا} أخبرنى عن قصته والمراد التعجيب. استعمل الرؤية بمعنى الإخبار، لأن مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريق إلى الإحاطة بها علما وصحة الإخبار عنها، ولأن رؤيتك الشئ أقوى من أن يخبرك به غيرك. والفاء للترتيب، أى اذكر قصة هذا عقب قصة أولئك. والمشهور أن الآية فى العاص بن وائل. قال خباب بن الأرتّ: كان لى عليه دين فاقتضيته. فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد. قلت: لا والله لا أكفر بمحمد حيا ولا ميتا، ولا حين تُبعث. قال: فإنى إذا مت أُبعث؟ قلت: نعم. قال: إذا بعثت جئتنى وسيكون لى ثَم مال وولد فأعطيك. وقيل: صاغ له خباب حُليّاً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن فى الجنة ذهبا وفضة وحريرا فأنا أقضيك ثَم؛ فإنى أُوتَى مالا وولدا حينئذ. وعن بعض أن خبابا كان فى الجاهلية حدادا فعمل له سيفا فجاء يتقاضاه فى أجرة العمل فكان ما ذكر. وقيل: كان جماز بن الأزد حدادا فى الجاهلية وعمل سيفا للعاصى وكان ما ذكر. والجمهور على أن ذلك من العاص مع خباب وهو مذهبُ مسروق. وقال الحسن: فى الوليد بن المغيرة مع خبَّاب. {وَقَالَ}: والله {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} إن بُعثت. وقرأ الكسائى بإسكان اللام وضم الواو جمع ولد كأَسد وأُسد، أو لغة فى الولد المفرد، كقولهم فى العَرَب بفتحتين: العُرْب بضم فإسكان. وقرأ يحيى بن معمر بكسر الواو.
اطفيش
تفسير : كثيراً إلا أن الولد يطلق على ما فوق الواحد، كما يطلق عليه، قال خباب بن الأرت: كنت قيناً أى حداداً، وكان لى على العاصى بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت، ثم تبعت، قال: فأنى إذا مت ثم بعثت جئتنى ولى ثم مال وولد، فأعطيك، فأنزل الله تعالى قوله: "أفرأيت الذى" الخ، وفى رواية: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حياً ولا ميتاً ولا إذا بعثت، فقال له العاصى: فاذا بعثت جئتنى الخ، وفى رواية: أن رجالا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أتوا العاصى بن وائل يتقاضونه ديناً لهم عليه، فقال ألستم تزعمون أن فى الجنة ذهباً وفضة وحريراً، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى قال: موعدكم الآخرة، والله لأوتين مالا وولدا، ولأوتين مثل كتابكم الذى جئتم به، فنزلت. وقيل نزلت فى الوليد بن المغيرة، وقد كانت له أقوال تشبه ذلك، قلت: نزلت فيهم وفى أمثالهم، إلا أن الأول أولى لوروده فى البخارى ومسلم، والترمذى والطبرانى وابن حبان، والعطف على محذوف، أى أنظرت فرأيت، والهمزة تعجيب من كفرهم بالآيات الواضحة التى من حقها أن يؤمن بها كل من بلغته، ومن جملتها البعث، والمراد: لأوتين فى الآخرة كما صرحت به الأحاديث المذكورة إلا الحديث المذكور الذى فيه: "ولأوتين مثل كتابكم" ففى الدنيا ففسر به بعضهم الآية. وقد يجمع بأن المراد لأوتين إيتاء مستمراً الى الآخرة، والمعنى انظر إليه بعينيك وتعجب من قبح اعتقاده، وقوله: أو الرؤية مجاز عن الأخبار، من إطلاق السبب على المسبب، أو الملزوم على اللازم لزوماً بيانياً، والاستفهام فى الأوجه كلها مجاز عن الأمر بذلك، لأن قولك ما فعلت بمعنى أخبرنى، فهو استفهام تجوز به عن الأمر، فذلك إنشاء عن إنشاء، ولا نسلم ما قيل: من أن أخبرنى المعبر عنه مجاز فى الاستفهام لا أمر، والآية متعلقة بقوله تعالى: "أية : أى الفريقين" تفسير : [مريم: 73] أو قوله: "أية : أَإذا ما مت" تفسير : [مريم: 66].
الالوسي
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـئَايَـٰتِنَا } أي بآياتنا التي من جملتها آيات البعث. أخرج البخاري ومسلم والترمذي والطبراني وابن حبان وغيرهم عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلاً قيناً وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيك فأنزل الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ } الخ. وفي رواية أن خباباً قال له لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حياً ولا ميتاً ولا إذا بعثت فقال العاص: فإذا بعثت جئتني الخ، وفي رواية أن رجالاً من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم أتوه يتقاضون ديناً لهم عليه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى قال: موعدكم الآخرة والله لأوتين مالاً وولداً ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به فنزلت، وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقد كانت له أقوال تشبه ذلك، وقال أبو مسلم: هي عامة في كل من له هذه الصفة، والأول هو الثابت في «كتب الصحيح»، والهمزة للتعجيب من حال ذلك الكافر والإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث يجب أن ترى ويقضى منها العجب، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنظرت فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي حقها أن يؤمن بها كل من وقف عليها. {وَقَالَ } مستهزأ بها مصدراً كلامه باليمين الفاجرة والله {لأُوتَيَنَّ } في الآخرة واردة في الدنيا كما حكاه الطبرسي عن بعضهم تأباه الأخبار الصحيحة إلا أن يحمل الإيتاء على ما قيل على الإيتاء المستمر إلى الآخرة أي لأوتين إيتاء مستمراً {مَالاً وَوَلَدًا } والمراد انظر إليه فتعجب من حالته البديعة وجرأته الشنيعة، وقيل: إن الرؤية مجاز عن الإخبار من إطلاق السبب وإرادة المسبب، والاستفهام مجاز عن الأمر به لأن المقصود من نحو قولك: ما فعلت أخبرني فهو إنشاء تجوز به عن إنشاء آخر والفاء على أصلها. والمعنى أخبر بقصة هذا الكافر عقيب حديث أولئك الذين قالوا: {أية : أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً } تفسير : [مريم: 73] الآية، وقيل: عقيب حديث من قال: {أية : أَءِذَا مَا مِتُّ } تفسير : [مريم: 66] الخ، وما قدمنا في معنى الآية هو الأظهر واختاره العلامة أبو السعود. وتعقب الثاني بقوله: أنت خبير بأن المشهور استعمال أرأيت في معنى أخبرني بطريق الاستفهام جارياً على أصله أو مخرجاً إلى ما يناسبه من المعاني لا بطريق الأمر بالإخبار لغيره وإرادة أخبرني هنا مما لا يكاد يصح كما لا يخفى. وقيل: المراد لأوتين في الدنيا ويأباه سبب النزول، قال العلامة: إلا أن يحمل على الإيتاء المستمر إلى الآخرة فحينئذٍ ينطبق على ذلك. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وطلحة وابن أبـي ليلى وابن عيسى الأصبهاني {وَلَدًا } بضم الواو وسكون اللام فقيل: هو جمع ولد كأسد وأسد وأنشدوا له قوله:شعر : ولقد رأيت معاشراً قد ثَمَّروا مالاً ووُلداً تفسير : وقيل هو لغة في ولد كالعرب والعرب، وأنشدوا له قوله:شعر : فليت فلاناً كان في بطن أمه وليت فلاناً كان وُلد حمار تفسير : والحق أنه ورد في كلام العرب مفرداً وجمعاً وكلاهما صحيح هنا. وقرأ عبد الله ويحيـى بن يعمر {ولدًا } بكسر الواو وسكون اللام وهو بمعنى ذلك.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله {أية : ويقول الإنسان أإذا ما متّ لسوفَ أخرج حياً}تفسير : [مريم: 66] وما اتصل به من الاعتراض والتفريعات. والمناسبة: أن قائل هذا الكلام كان في غرور مثل الغرور الذي كان فيه أصحابه. وهو غرور إحالة البعث. والآية تشير إلى قصة خبّاب بن الأرتّ مع العاصي بن وائل السهمي. ففي «الصحيح»: أن خبّاباً كان يصنع السيوف في مكة، فعمل للعاصي بن وائل سَيفاً وكان ثمنه دَيناً على العاصي، وكان خبّاب قد أسلم، فجاء خبّاب يتقاضى دَينه من العاصي فقال له العاصي بن وائل: لا أقضيكه حتى تكفر بمحمّد، فقال خبّاب (وقد غضب): لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثمّ يبعثك. قال العاصي: أو مبعوثٌ أنا بعد الموت؟ قال: نعم. قال (العاصي متهكماً): إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دَينَك». فنزلت هذه الآية في ذلك. فالعاصي بن وائل هو المراد بالذي كفر بآياتنا. والاستفهام في {أفرأيت} مستعمل في التعجيب من كفر هذا الكافر. والرؤية مستعارة للعلم بقصته العجيبة. نُزلت القصة منزلة الشيء المشاهد بالبصر لأنه من أقوى طرق العلم. وعبر عنه بالموصول لما في الصلة من منشأ العجب ولا سيما قوله {لأُوتين مالاً وولداً}. والمقصود من الاستفهام لفت الذهن إلى معرفة هذه القصة أو إلى تذكرها إن كان عالماً بها. والخطاب لكل من يصلح للخطاب فلم يُرد به معيّن. ويجوز أن يكون خطاباً للنبي - صلى الله عليه وسلم - والآيات: القرآن، أي كفر بما أنزل إليه من الآيات وكذب بها. ومن جملتها آيات البعث. والوَلَد: اسم جَمْع لوَلَد المفرد، وكذلك قرأه الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي ــــ في هذه السورة في الألفاظ الأربعة ــــ «ووُلْد» ــــ بضمّ الواو وسكون اللام ــــ فهو جمع ولد، كأسد وأسد. وجملة {أطلّع الغيب} جواب لكلامه على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل كلامه على ظاهر عبارته من الوعد بقضاء الدّين من المال الذي سيجده حين يبعث، فالاستفهام في قوله {أطلع الغيب} إنكاري وتعجيبي. و {أطّلع} افتعل من طلع للمبالغة في حصول فعل الطلوع وهو الارتقاء، ولذلك يقال لمكان الطلوع مطْلَع بالتخفيف ومُطّلع بالتشديد. ومن أجل هذا أطلق الاطلاع على الإشراف على الشيء، لأنّ الذي يروم الإشراف على مكان محجوب عنه يرتقي إليه من عُلّو، فالأصل أن فعل (اطّلع) قاصر غير محتاج إلى التعدية، قال تعالى: {أية : قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم}تفسير : [الصافات: 54، 55]، فإذا ضُمن {اطّلع} معنى أشرَف عُدي بحرف الاستعلاء كقوله تعالى: {أية : لو اطَلعتَ عليهم لولّيتَ منهم فراراً }تفسير : وتقدّم إجمالاً في سورة الكهف (18). فانتصب {الغيب} في هذه الآية على المفعولية لا على نزع الخافض كما توهمه بعض المفسرين. قال في «الكشاف»: «ولاختيار هذه الكلمة شأنٌ، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب» اهــــ. فالغيبُ: هو ما غاب عن الأبصار. والمعنى: أأشرف على عالم الغيب فرأى مالاً وولداً مَعدّيْنِ له حين يأتي يوم القيامة أو فرأى ماله وولده صائرين معه في الآخرة لأنه لما قال فسيكون لي مال وولد عنى أن ماله وولده راجعان إليه يومئذ أم عهد الله إليه بأنّه معطيه ذلك فأيقن بحصوله، لأنه لا سبيل إلى معرفة ما أعد له يوم القيامة إلا أحد هذين إما مكاشفة ذلك ومشاهدته، وإما إخبار الله بأنه يعطيه إياه. ومتعلّق العهد محذوف يدلّ عليه السياق. تقديره: بأن يعطيه مالاً وولداً. و{عند} ظرف مكان، وهو استعارة بالكناية بتشبيه الوعد بصحيفة مكتوبة بها تعاهُد وتعاقد بينه وبين الله موضوعة عند الله، لأن الناس كانوا إذا أرادوا توثيق ما يتعاهدون عليه كتبوه في صحيفة ووضعوها في مكان حصين مشهور كما كتب المشركون صحيفة القطيعة بينهم وبين بني هاشم ووضعوها في الكعبة. وقال الحارث بن حلزة:شعر : حذر الجور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواءُ تفسير : ولعلّ في تعقيبه بقوله {سنكتب ما يقول} إشارة إلى هذا المعنى بطريق مراعاة النظير. واختير هنا من أسمائه {الرحمن}، لأن استحضار مدلوله أجدر في وفائه بما عهد به من النعمة المزعومة لهذا الكافر، ولأن في ذكر هذا الاسم توركاً على المشركين الذين قالوا{أية : وما الرحمن}تفسير : [الفرقان: 60]. و {كَلاّ} حرف ردع وزجر عن مضمون كلام سابق من متكلّم واحد، أو من كلام يحكى عن متكلم آخر أو مسموع منه كقوله تعالى: {أية : قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي}تفسير : [الشعراء: 61، 62]. والأكثر أن تكون عقب آخر الكلام المبطَل بها، وقد تُقُدِّمَ على الكلام المبطَل للاهتمام بالإبطال وتعجيله والتشويق إلى سماع الكلام الذي سيرد بعدها كما في قوله تعالى: {أية : كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح أسفر إنها لإحدى الكبر}تفسير : [المدثر: 32 ـــ 35] على أحد تأويلين، ولِما فيها من معنى الإبطال كانت في معنى النّفي، فهي نقيض (إي) و(أجلْ) ونحوهما من أحرف الجواب بتقدير الكلام السابق. والمعنى: لا يقع ما حكى عنه من زعمه ولا من غرُوره، والغالب أن تكون متبعة بكلام بعدها، فلا يعهد في كلام العرب أن يقول قائل في ردّ كلام: كَلاّ، ويسكت. ولكونها حرف ردع أفادت معنى تامّاً يحسن السكوت عليه. فلذلك جاز الوقف عليها عند الجمهور، ومنع المبرد الوقف عليها بناء على أنها لا بد أن تُتبع بكلام. وقال الفراء: مواقعها أربعة: ــــ موقع يحسن الوقف عليها والابتداء بها كما في هذه الآية. ــــ وموقع يحسن الوقف عليها ولا يحسن الابتداء بها كقوله: {أية : فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا}تفسير : [الشعراء: 14، 15]. ــــ وموقع يحسن فيه الابتداء بها ولا يحسن الوقف عليها كقوله تعالى: {أية : كلا إنها تذكرة}تفسير : [عبس: 11]. ــــ وموقع لا يحسن فيه شيء من الأمرين كقوله تعالى: {أية : ثم كلا سوف تعلمون}تفسير : [التكاثر: 4]. وكلام الفراء يبين أنّ الخلاف بين الجمهور وبين المبرد لفظي لأنّ الوقف أعم من السكوت التام. وحرف التنفيس في قوله {سنكتب} لتحقيق أنّ ذلك واقع لا محالة كقوله تعالى: {أية : قال سوف أستغفر لكم ربي}تفسير : [يوسف: 98]. والمد في العذاب: الزيادة منه، كقوله: {أية : فليمدد له الرحمان مداً}تفسير : [مريم: 75]. و {ما يقول} في الموضعين إيجاز، لأنه لو حكي كلامه لطال. وهذا كقوله تعالى: {أية : قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبيّنات وبالذي قلتم}تفسير : [آل عمران: 183]، أي وبقربان تأكله النار، أي ما قاله من الإلحاد والتهكم بالإسلام، وما قاله من المال والولد، أي سنكتب جزاءَه ونهلكه فنرثه ما سمّاه من المال والولد، أي نرث أعيان ما ذكر أسماءه، إذ لا يعقل أن يورث عنه قولُه وكلامه. فــــ{ما يقول} بدل اشتمال من ضمير النصب في {نرثه}، إذ التقدير: ونرث ولده وماله. والإرث: مستعمل مجازاً في السلب والأخذ، أو كناية عن لازمه وهو الهلاك. والمقصود: تذكيره بالموت، أو تهديده بقرب هلاكه. ومعنى إرث أولاده أنهم يصيرون مسلمين فيدخلون في حزب الله، فإن العاصي وَلدَ عمَرْاً الصحابي الجليل وهشاماً الصحابي الشهيد يوم أجنادين، فهنا بشارة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونكاية وكمد للعاصي بن وائل. والفرد: الذي ليس معه ما يصير به عدداً، إشارة إلى أنّه يحشر كافراً وحده دون ولده، ولا مال له، و{فرداً} حال.
الشنقيطي
تفسير : أخرج الشيخان وغيرهما من غير وجه عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقاً لي عنده. فقال: لا أعطيك حتى تكفُر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم. فقلت: لا؟ حتى تموت ثُمَّ تبعث. قال: وإني لميث ثم مبعوث؟؟ قلت نعم. قال: إن لي هناك مالاً وولداً فأقضيك. فنزلت هذه الآية: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} [مريم: 77]. وقال بعض أهل العلم: إن مراده بقوله: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} الاستهزاء بالدين وبخباب بن الأرت رضي الله عنه، والظاهر - أنه زعم أنه يؤْتى مالا وولداً قياساً منه للآخرة على الدنيا، كما بينا الآيات الدالة على ذلك. كقوله: {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ}تفسير : [فصلت: 50]، وقوله: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ}تفسير : [المؤمنون: 55-56] الآية، وقوله: {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}تفسير : [سبأ: 35] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي {وولداً} بضم الواو الثانية وسكون اللام. وقرأه الباقون بفتح الواو واللام معاً، وهما لغتان معناهما واحد كالعرب والعرب، والعدم والعدم. ومن إطلاق العرب الولد بضم الواو وسكون اللام كقراءة حمزة والكسائي قول الحارث بن حلزة: شعر : ولقد رأيت معاشراً قد ثمروا مالاً وولدا تفسير : وقول رؤبة: شعر : الحمد لله العزيز فرداً لم يتخذ من ولد شيءٍ ولدا تفسير : وزعم بعض علماء العربية: أن الولد بفتح الواو واللام مفرد. وأن الولد بضم الواو وسكون اللام جمع له. كأسد بالفتح يجمع على أسْد بضم فسكون. والظاهر عدم صحة هذا. ومما يدل على أن "الولد" بالضم ليس بجمع قول الشاعر: شعر : فليت فلاناً كان في بطن أمه وليت فلاناً كان ولد حمار تفسير : لأن "الولد" في هذا البيت بضم الواو وسكون اللام، وهو مفرد قطعاً كما ترى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 77- تعجب - أيها الرسول - من أمر الكافر بآيات الله، الذى فتنته دنياه، فأنكر البعث وقال - مستهزئاً -: إن الله سيعطينى فى الآخرة التى تزعمونها مالاً وولداً أعتز بهما هناك، وظن أن الآخرة كالدنيا، تقاس عليها، ونسى أنها جزاء الخير والشر، وأن الفضل فيها بالعمل الصالح. 78- فهل اطلع ذلك الكافر على الغيب حتى يخبر عن صدق؟، وهل أخذ من الله عهداً بذلك حتى يتعلق بأمل؟. 79- فليرتدع عما يفتريه، فإننا نحصى عليه افتراءه، وسيصل عذابه ممدوداً مدَّا طويلاً لا يتصوره. 80- سيسلبه الله ما يعتز به فى الدنيا من مال وولد، ويهلكه، ويأتى فى الآخرة وحيداً منفرداً، دون مال أو ولد أو نصير. 81- أولئك الكافرون اتخذوا غير الله آلهة مختلفة عبدوها، لتكون لهم شفعاء فى الآخرة. 82- عليهم أن يرتدعوا عما يظنون، سيجحد الآلهة عبادتهم وينكرونها، ويكون هؤلاء المعبودون خصماً للمشركين يطالبون بتعذيبهم. 83- ألم تعلم - أيها الرسول - أننا مكنا الشياطين من الكافرين - وقد استحوذت على هؤلاء الكافرين - تُغريهم وتدفعهم إلى التمرد على الحق فانقادوا لها. 84- فلا يضق صدرك - أيها الرسول - بكفرهم، ولا تستعجل لهم العذاب، فإنما نتركهم فى الدنيا أمداً محدوداً ونحصى عليهم أعمالهم وذنوبهم، لنحاسبهم عليها فى الآخرة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الذي كفر بآياتنا: هو العاص بن وائل. لأوتين مالاً وولداً: يريد في الآخرة. أطلع الغيب: أي فعرف أنه يعطى مالاً وولداً يوم القيامة. كلا: ردع ورد فإنه لم يطلع الغيب ولم يكن له عند الله عهداً. ونمد له من العذاب مداً: أي نضاعف له العذاب يوم القيامة. ونرثه ما يقول: أي نسلبه ما تبجح به من المال والولد ويبعث فرداً ليس معه مال ولا ولد. معنى الآيات: يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم معجباً له {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} اي كذب بالوحي وما يدعوا له من التوحيد والبعث والجزاء وترك الشرك والمعاصي. وهو العاص بن وائل المسمى أبو عمرو بن العاص. {وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} قال هذا لخباب بن الأرت حينما طالبه بدين له عليه فأبى أن يعطيه استصغاراً له لأنه قيَّن "حداداً" وقال له لا أعطيكه حتى تكفر بمحمد فقال له خباب والله ما أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثُمَّ تبعث فقال له العاص إذا أنا مِتُّ ثم بُعثت كما تقول ثم جئتني ولي مال وولد قضيتك دينك فأكذبه الله تعالى ورد عليه قوله بقوله عز وجل: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} فعرف أن له يوم القيامة مالاً وولداً. {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} بذلك بأن سيعطيه مالاً وولداً يوم القيامة {كَلاَّ} لم يطلع على الغيب ولم يكن له عند الرحمن عهداً. وقوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} من الكذب والإِفتراء ونحاسبه به ونضاعف له العذاب به العذاب وهو معنى قوله تعالى: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً}، وقوله تعالى: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً} أي ونسلبه ما يقول من المال والولد حيث يموت ويترك ذلك أو ينصر رسوله على قومه فيسلبهم المال والولد. ويأتينا في عرصات القيامة للحساب فرداً لا مال معه ولا ولد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الكشف عن نفسيات الكافرين لا سيما إذا كانوا أقوياء بمال أو لد أو سلطان فإنهم يعيشون على الغطرسة منه والاستعلاء وتجاهل الفقراء واحتقارهم. 2- تقرير البعث والحساب والجزاء. 3- مضاعفة العذاب على الكافرين الظالمين بعد كفرهم. 4- تقرير معنى آية: إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون.
القطان
تفسير : لأوتينّ: لأُعطين. اطلع الغيب؟: اظهر له علم الغيب. سنكتب ما يقول: سنسجّل كل اقواله ونظهرها له يوم القيامة. ونمدّ له من العذاب: ونزيد له من العذاب. ونرثه ما يقول: ونسلبه كل ما عنده من مالٍ وولد، وذلك لأنه يقول لأوتينَّ مالاً وولداً. ضدا: أعداء. تؤزّهم: تزعجهم. وفدا: وهم القادمون المكرمون. وِرْداً: مشاةً مهانين كأنهم دواب حين ترد الماء. في صحيح البخاري ومسلم عن خباب بن الأرتّ قال: كنتُ حدّادا وكان لي على العاص بن وائل والد عمرو بن العاص، دَين. فأتيتُه أتقاضاه منه فقال: لا واللهِ، لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا واللهِ لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموتَ ثم تُبعث. قال: فإني إذا متّ ثم بُعثت جئتني ولي مال وولد، فأعطيك. فأنزل الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ.. الآية}. وقولُ العاص هذا نموذجٌ من تهكُّم الكفار واستخفافِهم بالبعث. فالقرآنُ هنا يعجب من هذه الجُرأة والاستخفاف. انظُر ايها الرسول الى حالِ هذا الجاحد المتكبر. واعجبْ من مقاله الشنيع، وجُرأته على الله إذ قال: سيكون لي مالٌ وولد في الآخرة. هل اطّلعَ هذا الكافر على الغيب، حتى يتجرأ ويقول ما قال، ام أخذ من الله عهداً بذلك!! "كلاّ"، وهي لفظة نفيٍِ وزجر، ليس الأمرُ كذلك. إنه لم يطّلع على الغيب ولم يأخذ عند الله عهداً، سنسجّل عليه كلَّ أقواله، ونزيدُه من العذاب ونُطيله عليهم في جهنم. {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ.....}. ونسلبُه ما عنده من المال والولَد وكلَّ ما يعتز به في الدنيا، ويأتي في الآخرة وحيداً منفردا، لا مالَ معه ولا ولد ولا نصير. أولئك الذين كفروا عبدوا غير الله آلهة مختلفة، لتكونَ لهم شفعاءَ يعتزّون بها يوم القيامة. كلا: فسيكفر بهم الملائكةُ والجنّ وكلّ المعبودات، ويبرأون الى الله منهم، ويكونون لهم أعداء وخصوما. ألم تعلم أيها الرسول أنا سلَّطنا الشياطينَ على الكافرين واستحوذوا عليهم، يُغْرونَهم بالمعاصي ويدفعونهم إلى التمرُّدِ والوقوع فيها. فلا يضيقُ صدرك أيها الرسول بكفرِهم، ولا تستعجلْ لهم بالعذاب، فإنما نتركهم في الدنيا لمدة محدودة، ونُحصي عليهم أعمالهم وذنوبهم، لنحاسبَهم عليها في الآخرة. ثم يبين الله ما يكون في ذلك اليوم، وكيف يستقبل المتقين بالتكريم، ويسوق المجرمين كالدواب. {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدا}. اذكر أيها الرسول ذلك اليوم الذي نجمع المؤمنين فيه الى جنة الخلد وفودا مكرمين، كما نسوق المجرمين الى جهنم وندفعهم عِطاشاً كالدوابّ الواردين الى الماء، لا شفاعةَ لأحدٍ في ذلك اليوم الا لمن قدّم عملاً صالحاً، فهو عهدٌ له عند الله ينجيه ويجعله من الفائزين.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ} {بِآيَاتِنَا} (77) - كَانَ لِخَبَابِ بْنِ الأَرَتِّ دَيْنٌ عِنْدَ العَاصِ بِنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ فَأَتَاهُ يَطْلُبُ مِنْهُ دَيْنَه، فَقَالَ لَهُ العَاص: وَاللهِ لاَ أَدْفَعُ إِلَيْكَ دَينَكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقَالَ لَهُ خَبَابُ: لاَ وَالله لاَ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. فَقَالَ لَهُ العَاص: فَإِنَّي إِنْ مِتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي وَلِيَ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأُعْطِيكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: انظُرْ إِلَى هَذَا الكَافِرِ، وَاعْجَبْ مِنْ مَقَالَتِهِ، وَجُرْأَتِهِ عَلَى اللهِ، إِذْ قَالَ سَأُعْطى فِي الآخِرَةِ مَالاً وَوَلَداً. أَفَرَأَيْتَ - أَخْبِرْنِي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلاحظ هنا أن القرآن لم يذكر لنا هذا الشخص الذي قال هذه المقولة ولم يُعيِّنه، وإنْ كان معلوماً لرسول الله الذي خُوطب بهذا الكلام؛ وذلك لأن هذه المقولة يمكن أنْ تُقال في زماننا وفي كل زمان، إذنْ: فليس المهم الشخص بل القول نفسه. وقد أخبر عنه أنه أمية بن خلف، أو العاصي بن وائل السَّهْمي. وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ} [مريم: 77] يعني: ألم تَرَ هذا، كأنه يستدلّ بالذي رآه على هذه القضية {ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} [مريم: 77] ويروي أنه قال: إنْ كان هناك بَعْثٌ فسوف أكون في الآخرة كما كنت في الدنيا، صاحبَ مال وولد. كما قال صاحب الجنة لأخيه: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً}تفسير : [الكهف: 36]. والإنسان لا يعتزّ إلا بما هو ذاتيّ فيه، وليس له في ذاتيته شيء، وكذلك لا يعتز بنعمة لا يقدر على صيانتها، ولا يصون النعمة إلا المنعِم الوهاب سبحانه إذن: فَلِمَ الاغترار بها؟ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ}تفسير : [الملك: 30]. ويقول: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الملك: 28]. ثم يردُّ الحق ـ تبارك وتعالى ـ على هذه المقولة الكاذبة: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ والتقريع للكافر المستكبر: {أَفَرَأَيْتَ} أيها الرائي الباغي {ٱلَّذِي كَفَرَ} أنكر وأغرض واستكبر {بِآيَاتِنَا} الدالة على عظمة ذاتنا وكما أوصافنا وأسمائنا {وَقَالَ} مقسماً مبالغاً على سبيل الاستهزاء والسخرية: والله {لأُوتَيَنَّ} وأعطين في النشأة الأخرى أيضاً إن فُرضَ وجودُها {مَالاً وَوَلَداً} [مريم: 77] مثلما أُعطيت في هذه النشأة، هذا من غاية اغتراره ونهاية ذهوله وغفلته واعقاده كبراً وخيلاْ أنه حقيقٌ بهذه المرتبة حيثما كان. فردَّ الله سبحانه عليه على أبلغ الوجوه وآكده بقوله: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} أي: أبدعي هذا الطاغي التائه في تيه الغفلة والجهل علم الغيب واطلاع السرائر {أَمِ ٱتَّخَذَ} واخذ {عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: من عنده على لسان نبي من أنبيائه أو مَلَكٍ من ملائكته {عَهْداً} [مريم: 78] ليعطيه في الآخرة مالاً وولداً؟! إذ لا معنى للجزم بهذه الدعوى وتأكدها بالحلف إلا بأحدِ هذين الطرفين. {كَلاَّ} وحاشا يس لهذا الجاهل الكذاب ولا ذاك ولا هذا، بل {سَنَكْتُبُ} ونأمر الحفظةَ أن يكتبوا {مَا يَقُولُ} هذا المسرف المغرور اغتراراً وجاهه {وَنَمُدُّ لَهُ} ونزيد عليه يوم الجزاء {مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} [مريم: 79] أي: عذاباً فوق العذاب أضعافاً وآلافاً بكفره وإصراره واغتراره على كفره وعتوه على أهل الإيمان واستهزائه إياهم. {وَ} بعدما نهلكه ونميته {نَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي: نرث ما يقول ويفتخر به من الأموال والأولاد وغيرها، ونخلعها عه ونجرده؛ بحيث لا يبقى معه شيء منه {وَيَأْتِينَا} يوم العرض والجزاء {فَرْداً} [مريم: 80] صفراً خالياً بلا أهلس ولا مالٍ ولا إيمانٍ ولا عملٍ. {وَ} من غاية جهلهم بالله ونهاية غفلتهم من حقِّ قدْره وقدْر توحيده واستقلاله واستيلائه {ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً} من تلقاء أنفسهم وعلى مقتضى أهويتهم الفاسدة {لِّيَكُونُواْ} أي: آلهتهم {لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81] أي: بسبب عزهم وتوقيرهم عند الله يشفعون لهم ويخفون عذابهم. {كَلاَّ} ردعُ لهم عما اعتقدوا من الفوائد العائدة لهم من عبادة الأوثان والأصنام من الوصلة والشفاعة والتسبب للنجاة، بل {سَيَكْفُرُونَ} وينكرون أولئك المعبودون يومئذ {بِعِبَادَتِهِمْ} أي: بعبادة الكفرة إياهم {وَ} كيف يشفعون لهم حينئذٍ، بل {يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} [مريم: 82] يضادون عليهم، ويعادون بل يريدون مقتهم وازياد عذابهم. ثم لما تعجب صلى الله عليه وسلم من قسوة قلوب الكفرة، وشدة عمههم وسكرتهم في الغفلة، وعدم تفطنهم وتنبههم بحقية آيات التوحيد مع وضوحها وسطوعها، مع أنهم من زمرة العقلاء المجبولين على فطرة المعرفة والإيقان، سيما بعد ظهور الحق وعلو شأنه، وارتفاع قدره برسالته صلى الله عليه سلم، ونزول القرآن له، واختتام أمر البعثة والتشريع به صلى الله عليه وسلم، وهم بعد منكرون. أشار سبحانه إلى سبب غيِّهم وضلالهم وتماديهم فيها على وجهٍ يزيح تعجبه صلى الله عليه وسلم فقال مخاطباً له: {أَلَمْ تَرَ} يا أكمل الرسل ولم تتفطن {أَنَّآ} بمقتضى اسمنا المذل {أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ} المضلين {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} الذين أردنا إضلالهم وإذلالهم في سابق علمنا ولوح قضائنا وسلطانهم عليهم؛ بحيث {تَؤُزُّهُمْ} أي: تهزهم وتحركهم وتغريهم بتسويلاتهم نحو المعاصي والآثام، وتوقعهم بأنواع الفتن والإجراء، وتحبب عليهم الشهوات واللذات النفسانية المستلزمة المستجبلة لأنواع العقوبات، المبعدة عن المثوبات والفوز بالمرادات {أَزّاً} [مريم: 83] هزاً دائماً؛ بحث صارت قلوبهم المعدة بالفطرة الأصلية للمعرفة والتوحيد مطبوعةً مختومةً بغشاوةٍ عظيمةٍ وغطاءٍ كثيفٍ، لا يُرجى انجلاؤها أصلاً. لذلك لم يتفطنوا بظهور الحق ولوائح آياته ولوامع علاماته، مع كمال وضوحها وانجلائها وتشعشعها. {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} يا أكمل الرسل بعدما علمتَ حالهم بإهلاكنا إياهم وانتقامنا عنهم، ولا تيأس من إمهالنا وتأخيرنا إهلاكهم أن نهمل عن أخذهم وانتقامهم، بل {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ} بإمهالنا إياهم أياهم آجالهم وأوقاتها {عَدّاً} [مريم: 84] متى وصل وقتها أخذناهم واستأصلناهم، بحيث أمِنت أنت ومن معك من المؤمنين من شرورهم وفسادهم. اذكر يا أكمل الرسل {يَوْمَ} الحسرة للكافرين؛ إذ {نَحْشُرُ} ونجع فيه {ٱلْمُتَّقِينَ} أي: المؤمنين الذين يحفظون نفوسهم عن المنهيات والمحظورات الواردة في الكتب الإلهية المنزلة على الرسل المبينين لها {إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} [مريم:85] وافدين فرقةً بعد فرقةٍ؛ ليجازوا بالرحمة والمغفرة، ويستغرقوا بها جزاء إيمانهم وتقواهم، ويتفضلوا بالضوان تفضلاً عليهم وزيادة كرامة لهم. {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ} يومئذ سَوق البهائم المجرمة الجانية إلى السجن والحبس بالقهر والغضب التام {إِلَىٰ جَهَنَّمَ} التي هي أسوأ الأماكن وأظلمها وأعمقها {وِرْداً} [مريم: 86] ورود البهائم إلى المجلس والأغوار بزجرٍ تامٍ من الضرب المؤلم والتصويب وغيرهما. وهم في تلك الحالة حيارى مضطربين، لا تنفعهم أعمالهم ولا معبوداتهم الباطلة، ولا يشفعون لهم ولا ينقذونهم من النار كما زعموا. وكيف يشفعون له معبوداتهم؛ إذ هم {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ} لأنفهسم ليخففوا العذاب عنهم متى أرادوا، بل لا شفاعة لهم {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ} وحصل له {عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: من عنده {عَهْداً} [مريم: 87] إذناً بالشفاعة لمن أراد سبحانه إنقاذه بشفاع ذلك الشفيع كشفاعة بعض الأنبياء لعصاة أممهم، وإن أذن لهم الرحمن المستعان. {وَ} كيف يحصل لهؤلاء الهالكين النجاة من نيران الحرمان، والخلاص من سعير الخذلان والخسران، مع جرمهم الذي هو أعظم الجرائم عند الله وأفحشها؛ حيث {قَالُواْ} مفرطين في حق الله من غاية انهماكهم في الغفلة عنه وعن قدْره ورتبته: {ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} المنزَّهُ عن وصمة الكثر وشين النقصان، المقدش عن سمة الحدوث والإمكان {وَلَداً} [مريم: 88] هو أقوى أمارات الإمكان وعلامات الاستكمال والنقصان.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أهل الريب أنهم بمعزل من إطلاع الغيب بقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} [مريم: 77] إلى قوله: {عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} [مريم: 78] {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} [مريم: 77] يشير إلى: من كفر ستر الحق، وأنكر على أهل الصدق من أرباب الطلب وأصحاب الحقائق الذين أنعم الله عليهم بالكشوف والعلوم اللدنية، وهم يتكلمون بها، فالمنكر يعترض عليهم وعلى أقوالهم وأحوالهم، ويقول: إنكم أعرضتم عن الكسب، واعتمدتم على أموال الناس وصدقاتهم، واعتزلتم النساء، وحرمتم عن الأولاد والأموال وأنا أعبد الله، كما تعبدونه {وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} [مريم: 77] ونجاة في الآخرة فقال الله في جوابه: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} [مريم: 78] أي أعلم الغيب بأن يكون له في الدنيا المال والولد، وفي الآخرة النجاة {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} [مريم: 78] في الميثاق أن يكون له المال والولد والنجاة {كَلاَّ} [مريم: 79] أي: لم يكن له ذلك {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} [مريم: 79] أي: سنكتب عليه ما يدل عليه ونؤاخذه به {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} [مريم: 79] وهو عذاب البعد والهجران {وَنَرِثُهُ} [مريم: 80] يعني: هو على قراءة من يقرأ بالياء {مَا يَقُولُ} [مريم: 80] أي: وبال ما يقول بالاستهزاء والإنكار {وَيَأْتِينَا فَرْداً} [مريم: 80] ما يكون معه ما ينجيه من العذاب، وذلك بأنهم آلهة {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً} [مريم: 81] من الهوى والدنيا والأهل والمال والولد {لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81] أي: ليكون لهم منهم عزة {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} [مريم: 82] حين لا ينفعهم الإيمان {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} [مريم: 82] أي يكون الذين يعبدونهم من دون الله {عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي: ضد ما يتمنون من العزة وهو الهوان والذلة، وبقوله: {تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} [مريم: 83] يشير إلى: شياطين الإنس منهم فيأخذهم لأنهم يهيجون الفتنة على كافري النقمة ومنكري الكرامة، ويعاونونهم على إنكار أهل الأقدار، ويوافقونهم في إيذائهم والطعن فيهم، نظيره قوله: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} تفسير : [الأنعام: 112]. ثم قال: تهديداً لهم وتسلية لأرباب القلوب. {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} [مريم: 84] بالجزاء والمكافآت {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ} [مريم: 84] أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم وأنفاسهم وخواطرهم {عَدّاً} [مريم: 84] لا سهو فيه ولا غلط فيجازيهم بها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أفلا تتعجب من حالة هذا الكافر، الذي جمع بين كفره بآيات الله ودعواه الكبيرة، أنه سيؤتى في الآخرة مالا وولدا، أي: يكون من أهل الجنة، هذا من أعجب الأمور، فلو كان مؤمنا بالله وادعى هذه الدعوى، لسهل الأمر. وهذه الآية -وإن كانت نازلة في كافر معين- فإنها تشمل كل كافر، زعم أنه على الحق، وأنه من أهل الجنة، قال الله، توبيخا له وتكذيبا: { أَطَّلَعَ الْغَيْبَ } أي: أحاط علمه بالغيب، حتى علم ما يكون، وأن من جملة ما يكون، أنه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا؟ { أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } أنه نائل ما قاله، أي: لم يكن شيء من ذلك، فعلم أنه متقول، قائل ما لا علم له به. وهذا التقسيم والترديد، في غاية ما يكون من الإلزام وإقامة الحجة؛ فإن الذي يزعم أنه حاصل له خير عند الله في الآخرة، لا يخلو: إما أن يكون قوله صادرا عن علم بالغيوب المستقبلة، وقد علم أن هذا لله وحده، فلا أحد يعلم شيئا من المستقبلات الغيبية، إلا من أطلعه الله عليه من رسله. وإما أن يكون متخذا عهدا عند الله، بالإيمان به، واتباع رسله، الذين عهد الله لأهله، وأوزع أنهم أهل الآخرة، والناجون الفائزون. فإذا انتفى هذان الأمران، علم بذلك بطلان الدعوى، ولهذا قال تعالى: { كَلا } أي: ليس الأمر كما زعم، فليس للقائل اطلاع على الغيب، لأنه كافر، ليس عنده من علم الرسائل شيء، ولا اتخذ عند الرحمن عهدا، لكفره وعدم إيمانه، ولكنه يستحق ضد ما تقوله، وأن قوله مكتوب، محفوظ، ليجازى عليه ويعاقب، ولهذا قال: { سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا } أي: نزيده من أنواع العقوبات، كما ازداد من الغي والضلال. { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } أي: نرثه ماله وولده، فينتقل من الدنيا فردا، بلا مال ولا أهل ولا أنصار ولا أعوان { وَيَأْتِينَا فَرْدًا } فيرى من وخيم العذاب وأليم العقاب، ما هو جزاء أمثاله من الظالمين.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 590 : 40 : 12 - سفين عن الأعمش عن ابي الضحى عن مسروق عن حباب قال، كنت قينا بمكة. فجاءني العاص بن وايل بسيف له أعمله. فانطلقت إليه أتقاضاه أجره. قال: "لا أعطيك ابداً حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم". فقلت: لا "لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يبعثك". قال: "فأني إذا مت، بعثت ولي مال وولد" متهاذيا في قوله. فنزلت {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} إلى آخر [الآية 77].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} [77] 342 - أنا محمد بن العلاءِ، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب قال: كُنت رجلاً قيناً، وكان لي على العاصي بن وائلٍ دينٌ، فأتيتُهُ أتقاضاه، فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت، ثم تُبعثَ، قال: فإني إذا مِتُّ ثم بُعثتُ جئتني ولي ثم مالٌ وولدٌ، فأُعطيك فأنزل اللهُ عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} إلى قوله: {وَيَأْتِينَا فَرْداً} [80]. 343 - أنا هنادُ بن السَّريِّ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أحد أصبرُ على أذىً يسمعُهُ من الله، إنهُ يشرك به، ويُجعلُ له ندٌّ، وهو يعافيهم ويرزقهم، ويدفع عنهم ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):