Verse. 2366 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالَ ہِىَ عَصَايَ۝۰ۚ اَتَـوَكَّؤُا عَلَيْہَا وَاَہُشُّ بِہَا عَلٰي غَنَمِيْ وَلِيَ فِيْہَا مَاٰرِبُ اُخْرٰى۝۱۸
Qala hiya AAasaya atawakkao AAalayha waahushshu biha AAala ghanamee waliya feeha maaribu okhra

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال هي عصاي أتوكَّأ» أعتمد «عليها» عند الوثوب والمشي «وأهش» أخبط ورق الشجر «بها» ليسقط «على غنمي» فتأكله «ولي فيها مآرب» جمع مأربة مثلث الراء أي: حوائج «أخرى» كحمل الزاد والسقاء وطرد الهوام زاد في الجواب بيان حاجاته بها.

18

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُاْ } أعتمد {عَلَيْهَا } عند الوثوب والمشي {وَأَهُشُّ } أخبط ورق الشجر {بِهَا } ليسقط {عَلَىٰ غَنَمِى } فتأكله {وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ } جمع (مأربة) مثلث الراء أي: حوائج {أُخْرَىٰ } كحمل الزاد والسقاء وطرد الهوام، زاد في الجواب بيان حاجاته بها.

النسفي

تفسير : {قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا } أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى } أخبط ورق الشجر على غنمي لتأكل {وَلِيَ فِيهَا مَأَرِبُ } ـ {وَلِيُّ } ـ حفص جمع مأربة بالحركات الثلاث وهي الحاجة {أُخْرَىٰ } والقياس أخر. وإنما قال {أُخْرَىٰ } رداً إلى الجماعة أو لنسق الآي وكذا {ٱلْكُبْرَىٰ } ولما ذكر بعضها شكراً أجمل الباقي حياء من التطويل، أو ليسأل عنها الملك العلام فيزيد في الإكرام. والمآرب الأخر أنها كانت تماشيه وتحدثه وتحارب العدو والسباع وتصير رشاء فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين بالليل وتحمل زاده ويركزها فتثمر ثمرة يشتهيها ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام. والزيادة على الجواب لتعداد النعم شكراً، أو لأنها جواب سؤال آخر لأنه لما قال {هِىَ عَصَايَ} قيل له: ما تصنع بها فأخذ يعدد منافعها. {قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ} اطرح عصاك لتفزع مما تتكىء عليه فلا تسكن إلا بنا وترى فيها كنه ما فيها من المآرب فتعتمد علينا في المطالب {فَأَلْقَـٰهَا } فطرحها {فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } تمشي سريعاً قيل انقلبت ثعباناً يبتلع الصخر والشجر، فلما رآها تبتلع كل شيء خاف. وإنما وصفت بالحية هنا وبالثعبان ــ وهو العظيم من الحيات وبالجان وهو الدقيق ــ في غيرها لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير، وجاز أن تنقلب حية صفراء دقيقة ثم يتزايد جرمها حتى تصير ثعباناً فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها، أو لأنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان. وقيل: كان بين لحييها أربعون ذراعاً. ولما {قَالَ } له ربه {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ } بلغ من ذهاب خوفه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها {سَنُعِيدُهَا } سنردها {سِيَرتَهَا ٱلأَولَىٰ } تأنيث الأول، والسيرة: الحالة التي يكون عليها الإنسان غريزية كانت أو مكتسبة وهي في الأصل فعلة من السير كالركبة من الركوب ثم استعملت بمعنى الحالة والطريقة. وانتصبت على الظرف أي سنعيدها في طريقتها الأولى أي في حال ما كانت عصا. والمعنى نردها عصاً كما كانت، وأرى ذلك موسى عند المخاطبة لئلا يفزع منها إذا انقلبت حية عند فرعون، ثم نبه على آية أخرى فقال. {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ } إلى جنبك تحت العضد وجناحا الإنسان جنباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين لأنه يجنحهما أي يميلهما عند الطيران والمعنى أدخلها تحت عضدك {تَخْرُجْ بَيْضَاء } لها شعاع كشعاع الشمس يغشى البصر {مِنْ غَيْرِ سُوء } برص {آيةً أُخرى} لنبوتك بيضاء وآية حالان معاً ومن غير سوء صلة بيضاء كقولك «ابيضت من غير سوء» وجاز أن ينتصب {ءايَةً } بفعل محذوف يتعلق به الأَمر. {لِنُرِيَكَ مِنْ ءايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ } أي خذ هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى العظمى، أو نريك بهما الكبرى من آياتنا أو المعنى فعلنا ذلك لنريك من آياتنا الكبرى. {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } جاوز حد العبودية إلى دعوى الربوبية، ولما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي وعرف أنه كلف أمراً عظيماً يحتاج إلى صدر فسيح.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ هِيَ عَصَاىَ} نسبها إلى نفسه تحقيقاً لوجه كونِها بـيمينه وتمهيداً لما يعقُبه من الأفاعيل المنسوبةِ إليه عليه الصلاة والسلام، وقرىء عَصَيَّ على لغة هذيل {أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيْهَا} أي أعتمد عليها عند الإعياءِ أو الوقوفِ على رأس القطيع {وَأَهُشُّ بِهَا} أي أخبِط بها الورقَ وأُسقطه {عَلَىٰ غَنَمِى} وقرىء أهِشّ بكسر الهاء وكلاهما من هشّ الخبزُ يهش إذا انكسر لهشاشته، وقرىء بالسين غيرِ المعجمة وهو زجرُ الغنم وتعديتُه بعلى لتضمين معنى الإنحاءِ والإقبال، أي أزجُرها مُنْحِياً ومُقبلاً عليها {وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أُخْرَىٰ} أي حاجاتٌ أخرى من هذا الباب مثلُ ما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلّق بها أدواتِه من القوس والكِنانة والحِلاب ونحوِها، وإذا كان في البرية ركَزها وعرض الزنذين على شعبتيها وألقى عليها الكِساء واستظل به، وإذا قصُر الرِّشاءُ وصله بها، وإذا تعرضت لغنمه السباعُ قاتل بها، قيل: ومن جملة المآربِ أنها كانت ذاتَ شعبتين ومِحْجَن فإذا طال الغصنُ حناه بالمحجن وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، وكأنه عليه الصلاة والسلام فهم أن المقصودَ من السؤال بـيانٌ حقيقتها وتفصيلُ منافعِها بطريق الاستقصاءِ حتى إذا ظهرت على خلاف تلك الحقيقةِ وبدت منها خواصُّ بديعةٌ علم أنها آياتٌ باهرة ومعجزاتٌ قاهرة أحدثها الله تعالى، وليست من الخواصّ المترتبةِ عليها، فذكرُ حقيقتَها ومنافعَها على التفصيل والإجمال على معنى أنها من جنس العِصِيّ مستتبِعةٌ لمنافعِ بناتِ جنسِها ليطابقَ جوابُه الغرضَ الذي فهمه من سؤال العليم الخبـير. {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ينساق إليه الذهنُ، كأنه قيل: فماذا قال عز وجل؟ فقيل: قال: {أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ} لترى من شأنها ما لم يخطُر على بالك من الأمور، وتكرارُ النداءِ لتأكيد التنبـيه. {فَأَلْقَـٰهَا} على الأرض {فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} رُوي أنه عليه الصلاة والسلام حين ألقاها انقلبت حيةً صفراءَ في غِلَظ العصا ثم انتفخت وعظُمت، فلذلك شُبّهت بالجانّ تارةً وسميت ثُعباناً أخرى وعبّر عنها هٰهنا بالاسم العامّ للحالين، وقيل: قد انقلبت من أول الأمر ثعباناً وهو الأليقُ بالمقام كما يفصح عنه قوله عز وجل: { أية : فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأعراف: 107 والشعراء: 32] وإنما شبهت بالجان في الجلادة وسُرعة الحركةِ لا في صِغَر الجُثة، وقوله تعالى: {تَسْعَىٰ} إما صفةٌ لحيّةٌ أو خبرٌ ثان عند من يجوز كونَه جملة. {قَالَ} استئناف كما سبق {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} عن ابن عباس رضي الله عنهما: انقلبت ثعباناً ذكَراً يبتلع كلَّ شيء من الصخر والشجَر، فلما رآه كذلك خاف ونفَر، وما يملك البشرُ عند مشاهدةِ الأهوال والمخاوفِ من الفزع والنّفار، وفي عطف النهي على الأمر إشعارٌ بأن عدمَ المنهيّ عنه مقصودٌ لذاته لا لتحقيق المأموريةِ فقط وقوله تعالى: {سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ} مع كونه استئنافاً مسوقاً لتعليل الامتثال بالأمر والنهي فإن إعادتَها إلى ما كانت عليه من موجبات أخذها، وعدمِ الخوفِ منها عِدَةٌ كريمةٌ بإظهار معجزةٍ أخرى على يده عليه الصلاة والسلام، وإيذانٌ بكونها مسخَّرةً له عليه الصلاة والسلام ليكون على طُمَأْنينة من أمره ولا يعتريه شائبةُ تَزلزُلٍ عند مُحاجّة فرعون، أي سنعيدها بعد الأخذ إلى حالتها الأولى التي هي الهيئةُ العَصَوية. قيل: بلغ عليه الصلاة والسلام عند ذلك من الثقة وعدمِ الخوف إلى حيث كان يُدخل يدَه في فمها ويأخذ بلَحْيَـيها. والسِّيرةُ فِعْلةٌ من السير تجوز بها للطريقة والهيئة، وانتصابُها على نزع الجارِّ أي إلى سيرتها، أو على أنّ أعاد منقولٌ من عاده بمعنى عاد إليه، أو على الظرفية أي سنعيدها في طريقها، أو على تقدير فعلها وإيقاعِها حالاً من المفعول أي سنعيدها عصاً كما كانت من قبل تسير سيرتَها الأولى، أي سائرةً سيرتَها الأولى فتنتفعَ بها كما كنت تنتفع من قبل.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}[18] قال: أول من ملك العصا آدم، وهي من آس الجنة، ثم انتقلت من نبي إلى نبي حتى صارت إلى شعيب، فلما زوجه بنته أعطاها إياه، فكان موسى عليه السلام يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، وينثر الورق إلى غنمه، ثم يأخذ بها من الشجر ما يريد، ويرسلها على السباع والوحوش وهوام الأرض فيضربها. وإذا اشتد الحر نصبها في الأرض فتكون كالظلة، وإذا نام حرسته حتى يستيقظ، وإذا كانت له ليلة مظلمة أضاءت له كالسراج، وإذا كان يوم غيم وغم عليه وقت الصلاة بينت له بشعاع طرفها، وإذا جاع غرزها في الأرض فأثمرت من ساعتها، فهذه مآرب عصاه. فقد ذكر موسى عليه السلام من العصا منافع ومآرب ظهرت له، فأراد الله تعالى مآرب ومنافع كانت خافية عليه، كانقلابها ثعباناً، وضربها بالحجر لتنجاش عيون الماء، وضربها بالبحر وغير ذلك، فأراه أن علوم الخلق، وإن كانوا مؤيدين بالنبوة، قاصرة عن علم الحق بالأكوان.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [الآية: 18]. قال فارس: ذكر كلما فيها من وجوه المنافع ليلاً تكون له معاودة إلى ذلك فيستلذ بخطاب سيّده وعتابه. قال أبو بكر الوراق: قوله: {عَصَايَ} جواب والذى بعده ذكر ما أنعم الله عليه بالعصا من المنافع فكان بعد قوله: {عَصَايَ} لسان الشكر. قال ابن عطاء: فى قوله: {عَصَايَ} إضافة بالملك إلى نفسه ولم يكن له بواجب فى الحقيقة أن يرى لنفسه ملكًا وهو بين يدى الحق فلما أضافها إلى نفسه قال: ألقها فألقاها فإذا هى حيَّةٌ تسعى. قال خذها: أى خذ عصاك ولا تهرب مما ادعيت الملك فيه لنفسك فخاف، وتبرأ من إضافتها ملكًا إلى نفسه فتعطف الحق عليه فقال: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} فإنها لن تضرك. قوله تعالى: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} [الآية: 18]. قال ابن عطاء: سرائر مغيبة عنى فى العصا. غطّيتها على تبدوا لى ذلك فإن تكشفه لى من الآيات والكرامات. وقال جعفر: منافع شتى وأكبر منفعة لى فيها خطابك إياى بقولك: وما تلك بيمينك يا موسى. قال سهل: ذكر موسى من العصا مآرب ومنافع فأراه الله فى عصاه منافع ومآرب كانت خافية مع موسى من انقلابه العصا ثعبان، وضربه الحجر فى انحباس الماء، وضربه البحر فانفلق وغير ذلك أراه بذلك أن علم الخلق وإن كانوا مؤيدين بالنبوة قاصر على علم الحق فى الأكوان.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} موسى {هى عصاى} نسبها الى نفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه وتمهديا لما يعقبه من الافاعيل المنسوبة اليه عليه السلام {اتوكؤا عليها} اى اعتمد عليها عند الاعياء فى الطريق وحال المشى وحين الوقوف على رأس القطيع فى المرعى {واهش بها على غنمى} الهش [بيفشاندن برك ازدرخت] يقال هش الورق يهشه ويهشه خبطه بعصا ليتحات اى ضربه ضربا شديدا ليسقط. والمعنى اخبط بها الورق واسقطه على رؤس غنمى لتأكله. وبالفارسية [وفروميريزم برك ازدر ختها]{ولى فيها مآرب} جمع مأربة بفتح الراء وضمها وهى الحاجة {اخرى} لم يقل آخر لرعاية الفاصلة اى حاجات اخر غير التوكى والهش وهى انه اذا سار القاها على عاتقه وعلق بها قومه وكنانته وحلابه ومطهرته وحمل عليها زاده وتحدثه. يعنى [درراه باموسى سخنى كفتى] وكان لها شعبتان ومحجن فاذا طال الغصن حناه بالمحجن واذا حاول كسره لواه بالشعبتين وفى اسفلها سنان ويركزها فيخرج الماء وتحمل أى ثمرة احب وربما يدليها فى البئر وتصير شعبتاها كالدلو فيخرج الماء واذا قصر الرشاء وصله بها وتضيئ بالليل كالشمع وتحارب عنه. يعنى [بادشمن وى حرب كردى] واذا تعرضت لغنمه السباع قاتل بها وتطرد الهوام فى النوم واليقظة ويستظل بها اذا كان قعد يعنى اذا كان فى البرية ركزها والقى كساءه عليها فكان ظلا وكانت اثنى عشر ذراعا بذراعه عليه السلام من عود آس من شجر الجنة استودعها عند شعيب ملك من الملائكة فى صورة انسان. وقال الكاشفى [آن عصا ازجوب مرد بهشت بود طول اوده كز وسراو دوشاخه ودر زيراو سنانى نشانده نامش عليق بود يانيعه از آدم ميراث بشعيب رسيده بود وازو بموسى رسيد] وفى العصا اشارة الى ان الانبياء عليهم السلام رعاة الخلق والخلق مثل البهائم محتاجون الى الرعى والكلاءة من ذئاب الشياطين واسد النفس فلا بد من العمل بارشادهم والوقوف بالخدمة عند باب دراهم: قال الحافظ شعر : شبان وادى ايمن كهى رسد بمراد كه جند سال بجان خدمت شعيب كند تفسير : قال بعض اهل المعرفة لما كانت العصا صورة النفس المطمئنة المفنية للموهومات والمتخيلات لان صورة الحية تستعد للايمان كما ظهر بعض الجن بالمدينة فى صورة الحية ونهوا عن قتلها كما ذكر فى الصحاح لذلك قال موسى عليه السلام {هى عصاى اتوكأ عليها} اى استعين بها على مطالبى فى السر {وأهش بها على غنمى} اى على رعايا اعضائى وحواسى وعلى ما تحت يدى من اقوى الطبيعية والبدنية {ولى فيها مآرب اخرى} اى مقاصد لا تحصل الا بها من الكمالات المكتسبة بالمجاهدات البدنية والرياضات النفسية فاذا جاهدت وارتاضعت وانابت الى ربها انقلبت المعصية التى هى السيئة طاعة اى حسنة كما قال تعافى فى صلة التائبين {أية : يبدل الله سيآتهم حسنات } تفسير : فان قيل السؤال للاستعلام وهو محال على العلام فما الفائدة فيها قال ان فائدته ان من ارد ان يظهر من الحقير شيئا نفسيا يعرضه اولا على الحاضرين ويقول ما هذا فيقال فلان ثم انه يظهر صنعه الفائق فيه فيقول لهم خذوا منه كذا وكذا كما يريك الزراد زبرة من حديد ويقول لك ما هى فتقول زبرة حديد ثم يريك بعد ايام لبوسا مسردا فيقول لك هى تلك الزبرة صيرتها الى ما ترى من عجيب الصنعة وانيق السرد فالله تعالى لما اراد ان يظهر من العصا تلك الآيات الشريفة عرضها اولا عليه فقال هل حقيقة ما فى يدك الا خشبة لا تضر ولا تنفع ثم قلبها ثعبانا عظيما فنبه به على كمال قدرته ونهاية حكمته. قال الكاشفى [ استفهام متضمن تنبيه است يعنى حاضر شو تاعجايب ببنى]. وقال فى التأويلات انما امتحن موسى بهذا السؤال تنبيها له يعلم ان للعصا عند الله اسما آخر وحقيقة اخرى غير ما علمه منها فيحيل علمها اليه تعالى فيقول انت اعلم بها يا رب فلما اتكل على علم نفسه وقال هى عصاى فكأنه قيل له اخطأت فى هذا الجواب خطأين احدهما فى التسمية بالعصا والثانى فى اضافتها الى نفسك وهو ثعبانى لا عصاك. فان قيل هذا سؤال من الله مع موسى ولم يحصل لمحمد عليه السلام. قلنا خاطبه ايضا فى قوله {أية : فاوحى الى عبده ما اوحى}تفسير : الا انه ما افشاه وكان سرا لم يؤهل له احدا من الخلق وايضا فان دار الكلام بينه وبين موسى فأمة محمد يخاطبونه فى كل يوم مرات على ما قاله عليه السلام "المصلي يناجى ربه" وقال بعضهم فهم موسى ان هذا السؤال ليس للاستعلام لانه تعالى منزه عن ذلك بل للتذكر لاستحاضر حقيقتها وما يعلم من منافعها ولذا زاد فى الجواب. وقال الكاشفى [جواب داد وجهت تعداد نعم ربانى برآن افزود] وقال بعضهم سأل الله عما فى يده للتقريرعلى انها عصا حتى لا يخاف اذا صارت ثعبانا ويعلم انها معجزة عظيمة ولا زالة الوحشة عن موسى ولذا كرر يا موسى يعنى ليحصل زيادة الانبساط والاستئناس وازالة تلك الهيبة والدهشة الحاصرة من استماع ذلك الكلام الذى لم يشبه كلام الخلق مع مشاهدة تلك النار وتلك الشجرة وسمع تسبيح الملائكة ومن ثمة لما زالت بذلك اطنب فى الجواب قال نبينا عليه السلام قلت اى ليلة المعراج اللهم انه لما لحقنى استيحاش سمعت مناديا ينادى بلغة تشبه لغة ابى بكر رضى الله عنه فقال لى قف فان ربك يصلى فعجبت من هاتين هل سبقنى ابو بكر الى هذا المقام وان برى لغنى عن ان يصلى فقال تعالى انا الغنى عن ان اصلى لاحد وانما اقول سبحانى سبحانى سبقت رحمتى على غضبى أقرا يا محمد هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور وكان بالمؤمنين رحيما فصلاتى رحمة لك ولامتك واما امر صاحبك يا محمد فان اخاك موسى كان انسه بالعصا فلما اردنا كلامه قلنا وما تلك بيمنك يا موسى قال هى عصاى وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة وكذلك انت يا محمد لما كان انسك بصاحبك ابى بكر خلقنا ملكا على صورته ينادى بلغته ليزول عنك الاستيحاش لما يلحقك من عظيم الهيبة كذا فى انسان العيون. وذكر الراغب الاصفهانى فى المحاضرات انه قال الامام الشاذلى قدس سره صاحب الحزب البحر اضطجعت فى المسجد الاقصى فرأيت فى المنام قد نصب تحت خارج الاقصى فى وسط الحرم فدخل خلق كثير افواجا افواجا فقلت ما هذا الجمع فقالوا جمع الانبياء والرسل عليهم السلام قد حضروا ليشفعوا فى حسين الحلاج عند محمد عليه السلام فى اساءة ادب وقعت منه فنظرت الى التخت فاذا نبينا صلى الله عليه وسلم جالس عليه بانفراد وجميع الانبياء على الارض جالسون مثل ابراهيم وموسى وعيسى ونوح عليهم السلام فوقفت انظر واسمع كلامهم فخاطب موسى نبينا عليه السلام وقال له انك قد قلت (علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل فارنا منهم واحدا فقال هذا واشار الى الامام الغزالى قدس سره فسأله موسى سؤالا فاجابه بعشرة اجوبة فاعترض عليه موسى بان الجواب ينبغى ان يطابق السؤال والسؤال واحد والجواب عشرة فقال الامام هذا الاعتراض وارد عليك ايضاحين سئلت {أية : وما تلك بيمينك}تفسير : وكان الجواب عصاى فاوردت صفات كثيرة فقال فبينما انا متفكر فى جلالة قدر محمد عليه السلام وكونه جالسا على التخصت بانفراده والخليل والكليم والروح جالسون على الارض اذ رفسنى شخص برجله رفسة مزعجة اى ضربنى فانتبهت فاذا بقيم يشعل قناديل الاقصى قال لا تعجب فان الكل خلقوا من نوره فخررت مغشيا فلما اقاموا الصلاة افقت وطلبت القم فلم اجده الى يومى هذا ومن هذا قال فى قصيدة البردة شعر : وانسب الى ذاته ما شئت من شرف وانسب الى قدره ما شئت من عظم تفسير : وقال آخر شعر : سرخيل انبيا وسيهدار اتقيا سلطان باركاه دنا قائد امم

اطفيش

تفسير : {قال هى عصاى} مقتضى الظاهر هى عصا، ولكن أضافها لنفسه ليعقبها بالأفاعيل، كأنه قال: هى عصاى المعهودة فى أفاعيل واسمها نبعة، أخذها من عصى الأنبياء التى عند شعيب حين استأجره للرعى من آس الجنة، هبط بها آدم، أو من العوسج طولها عشرة أذرع على قدر قامة موسى، أو اثنتا عشرة بذراعه، وهذا عجيب كيف يصح أن تكون بذلك العدد مع مساواتها لقامته خلقت فى الجنة، من جنس شجر الدنيا حطباً كالشجرة التى أكل منها آدم، وذكر هى على الأصل لرغبته فى المناجاة والعصا مؤنث بلا علامة، وأول تحريف سمع بالعراق كما قال الفراء هذه عصاتى بالتاء. {أتوكأ عَليها} فى الوقوف على الغنم، وفى المشى، والجملة خبر ثان أو مستأنفة {وأهشُّ بها على غنمى} أضرب بها الورق ليسقط فتأكله أو أميل بها على غنمى فى صلاحها من السوق وإسقاط الورق، يقال هش اليه أى مال ذكر مصلحته أولا، وهو التوكؤ عليها، ومصلحة غنمه ثانياً على الأصل فى بدء الخير لنفس الإنسان، ولأن توكؤه ترجع مصلحته عليها أيضاً، أو لأنه كان قريب العهد بالتوكؤ. {ولى فيها مآربُ أخْرى} حاجات، والمفرد مأربة مثلث الراء، ولم يقل أخر بضم الهمزة وفتح الخاء وإسقاط الألف بعد الراء للفاصلة، فإن الجمع يجوز نعته ومجىء الحال منه، والإخبار عنه بمفرد مؤنث بتأويل الجماعة غير جمع المذكر السالم، ومن المآرب الأخرى أن لها شعبتين ومحجناً تحتهما، يجنى به الغصن إن طال، ويكسره بالشعبتين، وإنه يضعها على عاتقه، ويعلق بها قوسه وكنانته ومخلاته وثوبه وزاده، يستظل بثوب يلقيه على شعبتها تتسعان كما شاء، يصل بها الماء فى البئر الطويلة، وتصير شعبتاها دلواً، وتقاتل السباع والهوام والعدوّ وتماشيه وتحدثه، وتكونان شمعتين فى الليل، ويركزها وينبع الماء، وإذا قلعها نضب، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتورق فتثمرها وتحدثه وتؤنسه، وزاد موسى فى الجواب على السؤال استطابة للكلام مع الله عز وجل كما قيل: شعر : وأملى حديثاً يستطاب فليتنى أطلت ذنوباً كى يطول عتاب تفسير : ولذلك ذكر لفظ هى والآية دليل على جواز الزيادة على ما بوّب له يحسب ظاهر اللفظ من السؤال عن نفس العصا، فقط تقريراً إذ زاد ياء المتكلم، وما بعدها، وأما على أن المراد حال العصا فالجواب طبق السؤال بلا زيادة، وقيل: لا زيادة بل أتوكأ عليها جواب سؤال الله عز وجل ما تصنع بها، وقيل سأله عن العصا بقوله: {وما تلك} فأجاب بـ {هى عصاى} وعما يملك منها بقوله: {بيمينك} فأجاب بـ {أتوكأ عليها} وهذان القولان ولا سيما الثانى ليسا مما يتوكأ عليه، إذ لا سؤال فى يمينك، ويستحب لهذه الآية المشى بالعكاز. وعن ميمون ابن مهران، عن ابن عباس: امساك العصا سنة الأنبياء، وعلامة المؤمن، وعن الحسن البصرى: للعكاز ست خصال: سنة الأنبياء، وعلامة المؤمن، وزينة الصلحاء، وسلاح على الأعْداء يعنى ما يضره من كلب وحية وغيرهما، وعون الضعفاء، ورغم المنافقين، وزيادة فى الطاعات، ويقال: إذا كان مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان، ويخضع له المنافق والفاجر، وتكون قبلته إذا صلى، وقوته إذا عيى، وفيها منافع كثيرة كما قال: {ولى فيها مآرب أخرى} قيل فيها ألف من المنافع، وخبط الورق دون قطع الغصن للرعى استبقاء لمنافع الشجر، وكأنه قيل: فما قال الله تعالى فقال.

الالوسي

تفسير : {قَالَ هِىَ عَصَاىَ } نسبها عليه السلام إلى نفسه تحقيقاً لوجه كونها بيمينه وتمهيداً لما يعقبه من الأفاعيل المنسوبة إليه عليه السلام. واسمها على ما روي عن مقاتل نبعة. وكان عليه السلام قد أخذها من بيت عصي الأنبياء عليهم السلام التي كانت عند شعيب حين استأجره للرعي هبط بها آدم عليه السلام من الجنة وكانت فيما يقال من آسها. وقال وهب: كانت من العوسج وطولها عشرة أذرع على مقدار قامته عليه السلام. وقيل: اثنتا عشرة ذراعاً بذراع موسى عليه السلام. وذكر المسند إليه وإن كان هو الأصل لرغبته عليه السلام في المناجاة ومزيد لذاذته بذلك. وقرأ ابن أبـي إسحاق والجحدري {عصي} بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء المتكلم على لغة هذيل فإنهم يقلبون الألف التي قبل ياء المتكلم ياء للمجانسة كما يكسر ما قبلها في الصحيح. قال شاعرهم:شعر : سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع تفسير : وقرأ الحسن {عصاى } بكسر الياء وهي مروية عن ابن أبـي إسحاق أيضاً وأبـي عمرو، وهذه الكسرة / لالتقاء الساكنين كما في «البحر». وعن ابن أبـي إسحاق {عصاى } بسكون الياء كأنه اعتبر الوقف ولم يبال بالتقاء الساكنين، والعصا من المؤنثات السماعية ولا تلحقها التاء، وأول لحن سمع بالعراق كما قال الفراء: هذه عصاتي وتجمع على عصي بكسر أوله وضمه وأعص وأعصاء. {أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا } أي أتحامل عليها في المشي والوقوف على رأس القطيع ونحو ذلك {وَأَهُشُّ بِهَا } أي أخبط بها ورق الشجر وأضربه ليسقط {عَلَىٰ غَنَمِى } فتأكله. وقرأ النخعي كما ذكر أبو الفضل الرازي وابن عطية {أهش} بكسر الهاء ومعناه كمعنى مضموم الهاء، والمفعول على القراءتين محذوف كما أشرنا إليه. وقال أبو الفضل: يحتمل أن يكون ذلك من هش يهش هشاشة إذا مال أي أميل بها على غنمي بما يصلحها من السوق وإسقاط الورق لتأكله ونحوهما، ويقال: هش الورق والكلأ والنبات إذا جف ولان انتهى. وعلى هذا لا حذف. وقرأ الحسن وعكرمة {أهس} بضم الهاء والسين المهملة من الهس وهو زجر الغنم، وتعديته بعلى لتضمين معنى الإنحاء يقال: أنحى عليه بالعصا إذا رفعها عليه موهماً للضرب أي أزجرها منحياً عليها. وفي كتاب «السين والشين» لصاحب «القاموس» يقال: هس الشيء وهشه إذا فته وكسره فهما بمعنى. ونقل ابن خالويه عن النخعي أنه قرأ {أهش} من أهش رباعياً. وذكر صاحب «اللوامح» عن عكرمة ومجاهد {أهش} بضم الهاء وتخفيف الشين المعجمة ثم قال لا أعرف وجهه إلا أن يكون بمعنى أهش بالتضعيف لكن فر منه لأن الشين فيه تفش فاستثقل الجمع بين التضعيف والتفشي فيكون كتخفيف ظلت ونحوه اهـ وهو في غاية البعد. وقرأت جماعة {غنمي } بسكون النون. وأخرى {عَلَىٰ غَنَمِى } على أن {عَلَىٰ } جار ومجرور و {غنمي } مفعول صريح للفعل السابق، ولم أقف على ذكر كيفية قراءة هذه الجماعة ذلك الفعل وهو على قراءة الجمهور مما لا يظهر تعديه للغنم، وكذا على قراءة غيرهم إلا بنوع تكلف، والغنم الشاه وهو اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكر والإناث وعليهما جميعاً ولا واحد له من لفظه وإنما واحده شاة وإذا صغرته قلت غنيمة بالهاء ويجمع على أغنام وغنوم وأغانم، وقالوا: غنمان في التثنية على إرادة قطعتين. وقدم عليه السلام بيان مصلحة نفسه في قوله: {أتوكأ عليها} وثنى بمصلحة رعيته في قوله: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى } ولعل ذلك لأنه عليه السلام كان قريب العهد بالتوكؤ فكان أسبق إلى ذهنه ويليه الهش على غنمه. وقد روى الإمام أحمد أنه عليه السلام بعد أن ناداه ربه سبحانه وتحقق أنه جل وعلا هو المنادي قال سبحانه له: ادن مني فجمع يديه في العصا ثم تحامل حتى استقل قائماً فرعدت فرائصه حتى اختلفت واضطربت رجلاه وانقطع لسانه وانكسر قلبه ولم يبق منه عظم يحمل آخر فهو بمنزلة الميت إلا أن روح الحياة تجري فيه ثم زحف وهو مرعوب حتى وقف قريباً من الشجرة التي نودي منها فقال له الرب تبارك وتعالى ما تلك بيمينك يا موسى؟ فقال ما قص عز وجل، وقيل: لعل تقديم التوكؤ عليها لأنه الأوفق للسؤال بما تلك بيمينك. ثم إنه عليه السلام أجمل أوصافها في قوله: {وَلِىَ فِيهَا مَئَاَرِبُ أُخْرَىٰ } أي حاجات أخر ومفرده مأربة مثلثة الراء. وعومل في الوصف معاملة مفرده فلم يقل أخر وذلك جائز في غير الفواصل وفيها كما هنا أجوز وأحسن. / ونقل الأهوازي في كتاب «الإقناع» عن الزهري وشيبة أنهما قرآ {مارب } بغير همز وكأنه يعني بغير همز محقق، ومحصله أنهما سهلا الهمزة بين بين، وقد روى الإمام أحمد وغيره عن وهب في تعيين هذه المآرب أنه كان لها شعبتان ومحجن تحتهما فإذا طال الغصن حناه بالمحجن وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين وكان إذا ساء عليه السلام ألقاها على عاتقه فعلق بها قوسه وكنانته ومخلاته وثوبه وزاداً إن كان معه وكان إذا رتع في البرية حيث لا ظل له ركزها ثم عرض بالزندين الزند الأعلى والزند السفلى على شعبتيها وألقى فوقها كساءه فاستظل بها ما كان مرتعاً، وكان إذا ورد ماء يقصر عنه رشاؤه وصل بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. وذكر بعضهم أنه كان عليه السلام يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً وتكونان شمعتين في الليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ويركزها فينبع الماء وإذا رفعها نضب وكانت تقيه الهوام وكانت تحدثه وتؤنسه؛ ونقل الطبرسي كثيراً مما ذكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. والظاهر أن ذلك مما كان فيها بعد، وتكلف بعضهم للقول بأنه مما كان قبل. ويحتمل إن صح خبر في ذلك ولا أراه يصح فيه شيء، وكأن المراد من سؤاله تعالى إياه عليه السلام أن يعدد المرافق الكثيرة التي علقها بالعصا ويستكثرها ويستعظمها ثم يريه تعالى عقب ذلك الآية العظيمة كأنه جل وعلا يقول: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل منفعة ومأربة كنت تعتد بها وتحتفل بشأنها فما طالبة للوصف أو يقدر المنفعة بعدها. واختيار ما يدل على البعد في اسم الإشارة للإشارة إلى التعظيم وكذا في النداء إيماء إليه والتعداد في الجواب لأجله؛ و {مَئَاَرِبُ أُخْرَىٰ } تتميم للاستعظام بأنها أكثر من أن تحصى، وذكر العصا في الجواب ليجري عليها النعوت المادحة وفيه من تعظيم شأنها ما ليس في ترك ذكرها، ويندفع بهذا ما أورد من أنه يلزم على هذا الوجه استدراك {هِىَ عَصَاىَ } إذ لا دخل له في تعداد المنافع. ويجوز أن يكون المراد إظهاره عليه السلام حقارتها ليريه عز وجل عظيم ما يخترعه في الخشبة اليابسة مما يدل على باهر قدرته سبحانه كما هو شأن من أراد أن يظهر من الشيء الحقير شيئاً عظيماً فإنه يعرضه على الحاضرين ويقول: ما هذا؟ فيقولون هو الشيء الفلاني ويصفونه بما يبعد عما يريد إظهاره منه ثم يظهر ذلك فما طالبة للجنس و {تِلْكَ } للتحقير والتعداد في الجواب لأجله و{مَئَاَرِبُ أُخْرَىٰ } تتميم لذلك أيضاً بأن المسكوت عنه من جنس المنطوق فكأنه عليه السلام قال: هي خشبة يابسة لا تنفع إلا منافع سائر الخشبات ولذلك ذكر عليه السلام العصا وأجرى عليها ما أجرى، وقيل: إنه عليه السلام لما رأى من آيات ربه ما رأى غلبت عليه الدهشة والهيبة فسأله سبحانه وتكلم معه إزالة لتلك الهيبة والدهشة فما طالبة إما للوصف أو للجنس وتكرير النداء لزيادة التأنيس، ولعل اختيار ما يدل على البعد في اسم الإشارة لتنزيل العصا منزلة البعيد لغفلته عليه السلام عنها بما غلب عليه من ذلك، والإجمال في قوله: {وَلِىَ فِيهَا مَئَاَرِبُ أُخْرَىٰ } يحتمل أن يكون رجاء أن يسأله سبحانه عن تلك المآرب فيسمع كلامه عز وجل مرة أخرى وتطول المكالمة وتزداد اللذاذة التي لأجلها أطنب أولاً، وما ألذ مكالمة المحبوب، ومن هنا قيل:شعر : وأملي حديثاً يستطاب فليتني أطلت ذنوباً كي يطول عتابه تفسير : / ويحتمل أن يكون لعود غلبة الدهشة إليه عليه السلام، وزعم بعضهم أنه تعالى سأله عليه السلام ليقرره على أنها خشبة حتى إذا قلبها حية لا يخافها وليس بشيء، وعلى جميع هذه الأقوال السؤال واحد والجواب واحد كما هو الظاهر، وقيل: {أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا } الخ جواب لسؤال آخر وهو أنه لما قال: {هِىَ عَصَاىَ } قال له تعالى: فما تصنع بها؟ فقال: {أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا } الخ، وقيل: إنه تعالى سأله عن شيئين عن العصا بقوله سبحانه {وَمَا تِلْكَ } وعما يملكه منها بقوله عز وجل: {بِيَمِينِكَ } فأجاب عليه السلام عن الأول بقوله: {هِىَ عَصَاىَ } وعن الثاني بقوله: {أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا } الخ، ولا يخفى أن كلا القولين لا ينبغي أن يتوكأ عليهما لا سيما الأخير. هذا واستدل بالآية على استحباب التوكؤ على العصا وإن لم يكن الشخص بحيث تكون وتراً لقوسه وعلى استحباب الاقتصاد في المرعى بالهش وهو ضرب الشجر ليسقط الورق دون الاستئصال ليخلف فينتفع به الغير. وقد ذكر الإمام فيها فوائد سنذكر بعضها في باب الإشارة لأن ذلك أوفق به.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَتَوَكَّأُ} {مَآرِبُ} (18) - فَقَالَ مُوسَى: إِنَّهَا عَصَا يَعتَمِدُ عَلَيْهَا فِي مَشْيِهِ (أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا) وَيُحَرِّكُ بِهَا أَغْصَانَ الشَّجَرِ لِيَتَسَاقَطَ وَرَقُهَا، وَثَمَرُهَا، فَتَأْكُلَهُ الغَنَمُ، دُونَ ضَرْبٍ أَوْ خَبْطٍ (أَهُشُّ بِهَا)، وَإِنَّ لَهُ فِيهَا مَنَافِعَ أُخْرَى، وَحَاجَاتٍ غَيْرَ مَا ذَكَرَ. أَهُشُّ بِهَا - أُحَرِّكُ بِهَا أَغْصَانَ الشَّجَرِ لِيَتَسَاقَطَ وَرَقُهَا. مَآرِبُ أُخْرى - مَنَافِعُ وَاسْتِعْمَالاَتٌ أُخْرى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قال موسى: {هِيَ عَصَايَ} [طه: 18]، ثم يفتح لنفسه مجالاً آخر للكلام: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} [طه: 18] وهنا يرى موسى أنه تمادى وزاد، فيحاول الاختصار: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} [طه: 18]. وكان موسى ينتظر سؤالاً يقول: وما هذه المآرب؟ ليُطيل أُنْسه بربه، وإذا كان الخطاب مع الله فلا يُنهِيه إلا زاهد في الله. وللعصا تاريخ طويل مع الإنسان، فهي لازمة من لوازم التأديب والرياضة، ولازمة من لوازم الأسفار، ولها أهميتها في الرعي.. الخ وهنا يذكر موسى - عليه السلام - بعض هذه الفوائد - يقول: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه: 18] أي: أعتمد عليها، وأستند عندما أمشي، والإنسان يحتاج إلى الأعتماد على عصا عند السير وعند التعب؛ لأنه يحتاج إلى طاقتين: طاقة للحركة والمشي، وطاقة لحمل الجسم والعصا تساعده في حَمْل ثقل جسمه، خاصة إنْ كان مُتْعباً لا تقوَى قدماه على حَمْله. فقوله: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه: 18] أي: أعتمد عليها حين المشي وحين أقف لرعي الغنم فأستند عليها، والاتكاء يراوح الإنسان بين قدميْه فيُريح القدم التي تعبتْ، وينتقل من جنب إلى جنب. والإنسان إذا ما استقرّ جسمه على شيء لمدة طويلة تنسدّ مسامّ الجسم في هذا المكان، ولا تسمح بإفراز العرق، فيُسبِّب ذلك ضرراً بالغاً نراه في المرضى الذين يلازمون الفراش لمدة طويلة، ويظهر هذا الضرر في صورة قرحة يسمونها "قرحة الفراش"؛ لذلك ينصح الأطباء هؤلاء المرضى بأن يُغيِّروا من وضْعِهم، فلا ينامون على جنب واحد. لذلك شاءت قدرة الله عز وجل أنْ يُقلِّب أهل الكهف في نومهم من جَنْب إلى جَنْب، كما قال سبحانه: {أية : وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ..}تفسير : [الكهف: 18]. لذلك إذا وقف الإنسان طويلاً، أو جلس طويلاً ولم يجد له متكأ تراه قَلِقاً غير مستقر، ومن هنا كان المتَّكأ من مظاهر النعمة والترف في الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى في شأن امرأة العزيز: {أية : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ..}تفسير : [يوسف: 31]. وقال عن نعيم الآخرة: {أية : مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ..}تفسير : [الطور: 20]. وقال: {أية : مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ..}تفسير : [الرحمن: 54]. وقال الحق تبارك وتعالى: {أية : مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}تفسير : [الرحمن: 76]. فالاتكاء وسيلة من وسائل الراحة، وعلى الإنسان أنْ يُغيِّر مُتكأهُ من جنب إلى جنب حتى لا يتعرّض لما يسمى بـ "قرحة الفراش". ومن فوائد العصا: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي ..} [طه: 18] أي: أضرب بها أوراق الشجر فتتساقط فتأكلها الغنم والماشية؛ لأن الراعي يمشي بها في الصحراء، فتأكل من العِذْي، وهو النبات الطبيعي الذي لم يزرعه أحد، ولا يسقيه إلا المطر، فإن انتهى هذا العُشْب اتجه الراعي إلى الشجر العالي فيُسقِِط ورقه لتأكله الغنم، فيحتاج إلى العصا ليؤدي بها هذه المهمة. إذن: قوله: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ..} [طه: 18] لراحته هو، و{وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي ..} [طه: 18] لخدمة الرعية، وفيها سياسة إدارة الرزق كلها للماشية وللناس، ورَعْي الغنم وسياستها تدريب على سياسة الأمة بأسْرها؛ لذلك ما بعث الله من نبي إلا ورَعَى الغنم ليتعلم من سياسة الماشية سياسة الإنسان. وفي الحديث الشريف: "حديث : ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ". تفسير : ولما أحسَّ موسى - عليه السلام - أنه أطال في خطاب ربه عز وجل أجمل فقال: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} [طه: 18] أي: منافع. وقد حاول العلماء جزاهم الله عَنَّا خيراً البحث في هذه المآرب الأخرى التي لم يذكرها موسى عليه السلام، فتأملوا حال الرعاة، وما وظيفة العصا في حياتهم فوجدوا لها منافع أخرى غير ما ذكر. من هذه المنافع أن الراعي البدائي يضع عصاه على كتفه ويُعلِّق عليها زاده من الطعام والشراب، وبعض الرعاة يستغل وقته أيضاً في الصيد، فيحتاج إلى أدوات مثل: القوس، والنبل، والسهام والمخلاة التي يجمع فيها صَيْده، فتراه يضع عصاه على كتفه هكذا بالعرض، ويُعلِّق عليها هذه الأدوات من الجانبين. فإذا ما اشتدت حرارة الشمس ولم يجد ظلالاً غرز عصاه في الأرض، وألقى بثوبه عليها فجعل منها مثل الخيمة أو المظلة تقيه حرارة الجو. فإن احتاج للماء ذهب للبئر، وربما وجده غائر الماء لا يبلغه الدلو فيحتاج للعصا يربطها ويُطيل بها الحبل، إلى غير ذلك من المنافع. وبعض العلماء يقولون: لقد كان موسى عليه السلام ينتظر أن يسأله ربه عن هذه المآرب ليطيل الحديث معه، لكن الحق سبحانه لم يسأله عن ذلك؛ لأنه سينقله إلى شيء أهم من مسألة العصا، فما ذكْرتَه يا موسى مهمة العصا معك، أمّا أنا فأريد أنْ أخبرك بمهمتها معي: ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ أَلْقِهَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} يعني حوائجَ. واحدتُها مَأرُبةٌ. ومَأربَةٌ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 601 : 8 : 15 - سفين في قوله {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} حاجات اخرى. [الآية 18].

همام الصنعاني

تفسير : 1808- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة: في قوله تعالى: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} [الآية: 18]. قال: أخبط بها الشجر. 1809- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَآرِبُ أُخْرَىٰ} [الآية: 18]، قالَ: حاجات أخرى، منافع أخرى.