٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ } لفظتان، فقوله: {وَمَا تِلْكَ } إشارة إلى العصا، وقوله: {بِيَمِينِكَ } إشارة إلى اليد، وفي هذا نكت، إحداها: أنه سبحانه لما أشار إليهما جعل كل واحدة منهما معجزاً قاهراً وبرهاناً باهراً، ونقله من حد الجمادية إلى مقام الكرامة، فإذا صار الجماد بالنظر الواحد حيواناً، وصار الجسم الكثيف نورانياً لطيفاً، ثم إنه تعالى ينظر كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد، فأي عجب لو انقلب قلبه من موت العصيان إلى سعادة الطاعة ونور المعرفة. وثانيها: أن بالنظر الواحد صار الجماد ثعباناً يبتلع سحر السحرة، فأي عجب لو صار القلب بمدد النظر الإلهي بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء. وثالثها: كانت العصا في يمين موسى عليه السلام فبسبب بركة يمينه انقلبت ثعباناً وبرهاناً، وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن فإذا حصلت ليمين موسى عليه السلام هذه الكرامة والبركة، فأي عجب لو انقلب قلب المؤمن بسبب إصبعي الرحمن من ظلمة المعصية إلى نور العبودية، ثم ههنا سؤالات: الأول: قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } سؤال، والسؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله تعالى محال فما الفائدة فيه. والجواب فيه فوائد: إحداها: أن من أراد أن يظهر من الشيء الحقير شيئاً شريفاً فإنه يأخذه ويعرضه على الحاضرين ويقول لهم: هذا ما هو؟ فيقولون هذا هو الشيء الفلاني ثم إنه بعد إظهار صفته الفائقة فيه يقول لهم خذا منه كذا وكذا. فالله تعالى لما أراد أن يظهر من العصا تلك الآيات الشريفة كانقلابها حية، وكضربه البحر حتى انفلق، وفي الحجر حتى انفجر منه الماء، عرضه أولاً على موسى فكأنه قال له: يا موسى هل تعرف حقيقة هذا الذي بيدك وأنه خشبة لا تضر ولا تنفع، ثم إنه قلبه ثعباناً عظيماً، فيكون بهذا الطريق قد نبه العقول على كمال قدرته ونهاية عظمته من حيث إنه أظهر هذه الآيات العظيمة من أهون الأشياء عنده فهذا هو الفائدة من قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ }. وثانيها: أنه سبحانه لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه، ثم إنه مزج اللطف بالقهر فلاطفه أولاً بقوله: {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ } ثم قهره بإيراد التكاليف الشاقة عليه وإلزامه علم المبدأ والوسط والمعاد ثم ختم كل ذلك بالتهديد العظيم، تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } ليعرف موسى عليه السلام أن يمينه هي التي فيها العصا، أو لأنه لما تكلم معه أولاً بكلام الإلهية وتحير موسى من الدهشة تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة، والنكتة فيه أنه لما غلبت الدهشة على موسى في الحضرة أراد رب العزة إزالتها فسأله عن العصا وهو لا يقع الغلط فيه. كذلك المؤمن إذا مات ووصل إلى حضرة ذي الجلال فالدهشة تغلبه والحياء يمنعه عن الكلام فيسألونه عن الأمر الذي لم يغلط فيه في الدنيا وهو التوحيد، فإذا ذكره زالت الدهشة والوحشة عنه. وثالثها: أنه تعالى لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية، فسأله عن منافع العصا فذكر بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها منافع أعظم مما ذكر، تنبيهاً على أن العقول قاصرة عن معرفة صفات النبي الحاضر فلولا التوفيق والعصمة كيف يمكنهم الوصول إلى معرفة أجل الأشياء وأعظمها. ورابعها: فائدة هذا السؤال أن يقرر عنده أنه خشبة حتى إذا قلبها ثعباناً لا يخافها. السؤال الثاني: قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } خطاب من الله تعالى مع موسى عليه السلام بلا واسطة، ولم يحصل ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم فيلزم أن يكون موسى أفضل من محمد. الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى كما خاطب موسى فقد خاطب محمداً عليه السلام في قوله: { أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 10] إلا أن الفرق بينهما أن الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه الله إلى الخلق، والذي ذكره مع محمد صلى الله عليه وسلم كان سراً لم يستأهل له أحد من الخلق. والثاني: إن كان موسى تكلم معه وهو [تكلم] مع موسى فأمة محمد صلى الله عليه وسلم يخاطبون الله في كل يوم مرات على ما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : المصلي يناجي ربه»تفسير : والرب يتكلم مع آحاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بالتسليم والتكريم والتكليم في قوله: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58]. السؤال الثالث: ما إعراب قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } الجواب، قال صاحب «الكشاف»: (تلك بيمينك) كقوله: { أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخًا } تفسير : [هود: 72] في انتصاب الحال بمعنى الإشارة ويجوز أن يكون تلك اسماً موصولاً وصلته {بِيَمِينِكَ } قال الزجاج: معناه وما التي بيمينك، قال الفراء: معناه ما هذه التي في يمينك، واعلم أنه سبحانه لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك أجاب موسى عليه السلام بأربعة أشياء، ثلاثة على التفصيل وواحد على الإجمال. الأول: قوله: {هِىَ عَصَايَ } قرأ ابن أبي إسحق: (هي عصي) ومثلها: (يا بشرى) وقرأ الحسن (هي عصاي) بسكون الياء والنكث ههنا ثلاثة. إحداها: أنه قال: {هِىَ عَصَاىَ } فذكر العصا ومن كان قلبه مشغولاً بالعصا ومنافعها كيف يكون مستغرقاً في بحر معرفة الحق ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم عرض عليه الجنة والنار فلم يلتفت إلى شيء: { أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ } تفسير : [النجم: 17] ولما قيل له امدحنا، قال: « حديث : لا أحصي ثناء عليك » تفسير : ثم نسي نفسه ونسي ثناءه فقال: « حديث : أنت كما أثنيت على نفسك » تفسير : . وثانيها: لما قال: {عَصَاىَ } قال الله سبحانه وتعالى: {أَلْقَـِهَا }، فلما ألقاها {فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } ليعرف أن كل ما سوى الله فالالتفات إليه شاغل وهو كالحية المهلكة لك. ولهذا قال الخليل عليه السلام: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الشعراء:77] وفي الحديث: « حديث : يجاء يوم القيامة بصاحب المال الذي لم يؤد زكاته ويؤتى بذلك المال على صورة شجاع أقرع » تفسير : الحديث بتمامه. وثالثها: أنه قال هي عصاي فقد تم الجواب، إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر لأنه كان يحب المكالمة مع ربه فجعل ذلك كالوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض. الثاني: قوله: {أتوكأ عليها} والتوكي، والإتكاء، واحد كالتوقي، والإتقاء معناه اعتمد عليها إذا عييت أو وقفت على رأس القطيع أو عند الطفرة فجعل موسى عليه السلام نفسه متوكئاً على العصا وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتكىء على رحمتي» تفسير : بقوله تعالى: { أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأنفال: 64] وقال: { أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67] فإن قيل: أليس قوله: {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يقتضي كون محمد يتوكأ على المؤمنين؟ قلنا قوله: {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } معطوف على الكاف في قوله: {حَسْبَكَ ٱللَّهُ } والمعنى الله حسبك، وحسب من اتبعك من المؤمنين. الثالث: قوله: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي } أي أخبط بها فأضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على غنمي فتأكله. وقال أهل اللغة: هش على غنمه، يهش بضم الهاء في المستقبل، وهششت الرجل أهش بفتح الهاء في المستقبل، وهش الرغيف يهش بكسر الهاء. قاله ثعلب، وقرأ عكرمة: (وأهس) بالسين غير المنقوطة، والهش زجر الغنم، واعلم أن غنمه رعيته فبدأ بمصالح نفسه في قوله: {أتوكأُ عليها} ثم بمصالح رعيته في قوله: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي } فكذلك في القيامة يبدأ بنفسه فيقول: نفسي نفسي ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر الأمة: { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال: 33]. « حديث : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » تفسير : فلا جرم يوم القيامة يبدأ أيضاً بأمته فيقول: « حديث : أمتي أمتي » تفسير : . والرابع: قوله: {وَلِيَ فِيهَا مآرِبُ أُخْرَىٰ } أي حوائج ومنافع واحدتها مأربة بفتح الراء وضمها، وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضاً، والأرب بفتح الراء، والإربة بكسر الألف وسكون الراء الحاجة، وإنما قال أخرى لأن المآرب في معنى جماعة فكأنه قال: جماعة من الحاجات أخرى ولو جاءت أخر لكان صواباً كما قال: { أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } تفسير : [البقرة: 184] ثم ههنا نكت. إحداها: أنه لما سمع قول الله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ } عرف أن لله فيه أسراراً عظيمة فذكر ما عرف وعبر عن البواقي التي ما عرفها إجمالاً لا تفصيلاً بقوله: {وَلِىَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَىٰ }. وثانيها: أن موسى عليه السلام أحس بأنه تعالى إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة. فقال موسى: إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها، لكنك لما سألت عنها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى ومن جملتها أنك كلمتني بسببها فوجدت هذا الأمر العظيم الشريف بسببها. وثالثها: أن موسى عليه السلام أجمل رجاء أن يسأل ربه عن تلك المآرب فيسمع كلام الله مرة أخرى ويطول أمر المكالمة بسبب ذلك. ورابعها: أنه بسبب اللطف انطلق لسانه ثم غلبته الدهشة فانقطع لسانه وتشوش فكره فأجمل مرة أخرى، ثم قال وهب: كانت ذات شعبتين كالمحجن، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا حاول كسره لواه بالشعبتين، [و] إذا سار وضعها على عاتقه يعلق فيها أدواته من القوس والكنانة والثياب، وإذا كان في البرية ركزها وألقى كساء عليها فكانت ظلاً. وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً ويصيران شمعتين في الليالي، وإذا ظهر عدو حاربت عنه. وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت. وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نصب وكانت تقيه الهوام. واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذه الجوابات أمره الله تعالى بإلقاء العصا فقال: {أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ } وفيه نكت، إحداها: أنه عليه السلام لما قال: {وَلِىَ فِيهَا مآرِبُ أُخْرَىٰ } أراد الله أن يعرفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها ولا يعرفها وأنها أعظم من سائر مآربه فقال: {أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَـٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ }. وثانيتها: كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب فقال أولاً: { أية : فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } تفسير : [طه: 12] إشارة إلى ترك الهرب، ثم قال ألقها يا موسى وهو إشارة إلى ترك الطلب. كأنه سبحانه قال: إنك ما دمت في مقام الهرب والطلب كنت مشتغلاً بنفسك وطالباً لحظك فلا تكون خالصاً لمعرفتي فكن تاركاً للهرب والطلب لتكون خالصاً لي. وثالثتها: أن موسى عليه السلام مع علو درجته، وكمال منقبته لما وصل إلى الحضرة ولم يكن معه إلا النعلان والعصا أمره بالقائهما حتى أمكنه الوصول إلى الحضرة فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه. ورابعتها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان مجرداً عن الكل ما زاغ البصر فلا جرم وجد الكل، لعمرك أما موسى لما بقي معه تلك العصا لا جرم أمره بإلقاء العصا، واعلم أن الكعبي تمسك به في أن الاستطاعة قبل الفعل فقال: القدرة على إلقاء العصا، إما أن توجد والعصا في يده أو خارجة من يده فإن أتته القدرة وهي في يده فذاك قولنا: { أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [آل عمران: 182] وإذا أتته وليست في يده وإنما استطاع أن يلقي من يده ما ليس في يده فذلك محال، أما قوله: {فَأَلْقَـٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } ففيه أسئلة: السؤال الأول: ما الحكمة في قلب العصا حية في ذلك الوقت؟ الجواب فيه وجوه: أحدها: أنه تعالى قلبها حية لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه وذلك لأنه عليه السلام إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء، والنداء وإن كان مخالفاً للعادات إلا أنه لم يكن معجزاً لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن فلا جرم قلب الله العصا حية ليصير ذلك دليلاً قاهراً والعجب أن موسى عليه السلام قال: أتوكأ عليها فصدقه الله تعالى فيه وجعلها متكأ له بأن جعلها معجزة له. وثانيها: أن النداء كان إكراماً له فقلب العصا حية مزيداً في الكرامة ليكون توالي الخلع والكرامات سبباً لزوال الوحشة عن قلبه. وثالثها: أنه عرض عليه ليشاهده أولاً فإذا شاهده عند فرعون لا يخافه. ورابعها: أنه كان راعياً فقيراً ثم إنه نصب للمنصب العظيم فلعله بقي في قلبه تعجب من ذلك فقلب العصا حية تنبيهاً على أني لما قدرت على ذلك فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين. وخامسها: أنه لما قال: {قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا } إلى قوله: {وَلِىَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَىٰ } فقيل له: {أَلْقَـِهَا } فلما ألقاها وصارت حية فر موسى عليه السلام منها فكأنه قيل له: ادعيت أنها عصاك وأن لك فيها مآرب أخرى فلم تفر منها، تنبيهاً على سر قوله: { أية : فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الذاريات: 50] وقوله: { أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ } تفسير : [الأنعام: 91]. السؤال الثاني: قال ههنا حية وفي موضع آخر ثعبان وجان، أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير، وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات والجان الدقيق وفيه وجهان: أحدهما: أنها كانت وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ثم تورمت وتزايد جرمها حتى صارت ثعباناً فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها. والثاني: أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان، والدليل عليه قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ }. السؤال الثالث: كيف كانت صفة الحية. الجواب كان لها عرف كعرف الفرس وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، وابتلعت كل ما مرت به من الصخور والأشجار حتى سمع موسى صرير الحجر في فمها وجوفها، أما قوله تعالى: {قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: لما نودي موسى وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه معبوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلم خاف. والجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط. وأيضاً فهذه الأشياء معلومة بدلائل العقول. وعند الفزع الشديد قد يذهل الإنسان عنه. قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري رحمه الله تعالى وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة. وثانيها: قال بعضهم: خافها لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها. وثالثها: أن مجرد قوله: {لاَ تَخَفْ } لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى: { أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأحزاب: 1] لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله: { أية : فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً } تفسير : [النمل: 10] يدل عليه، ولكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه عليه السلام أظهر تعلق القلب بالعصا والنفرة عن الثعبان، وأما محمد عليه السلام فما أظهر الرغبة في الجنة ولا النفرة عن النار. السؤال الثاني: متى أخذها، بعد انقلابها عصا أو قبل ذلك. والجواب: روي أنه أدخل يده بين أسنانها فانقلبت خشبة والقرآن يدل عليه أيضاً بقوله: {سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ } وذلك يقع في الاستقبال، وأيضاً فهذا أقرب للكرامة لأنه كما أن انقلاب العصا حية معجزة فكذلك إدخال يده في فمها من غير ضرر معجزة وانقلابها خشباً معجز آخر فيكون فيه توالي المعجزات فيكون أقوى في الدلالة. السؤال الثالث: كيف أخذه، أمع الخوف أو بدونه. والجواب: روي مع الخوف ولكنه بعيد، لأن بعد توالي الدلائل يبعد ذلك. وإذا علم موسى عليه السلام أنه تعالى عند الأخذ سيعيدها سيرتها الأولى فكيف يستمر خوفه، وقد علم صدق هذا القول وقال بعضهم لما قال له ربه: {لاَ تَخَفْ } بلغ من ذلك ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه إلى أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها. السؤال الرابع: ما معنى سيرتها الأولى، والجواب: قال صاحب «الكشاف»: السيرة من السير كالركبة من الركوب يقال: سار فلان سيرة حسنة ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة. السؤال الخامس: علام انتصب سيرتها، الجواب فيه وجهان: أحدهما: بنزع الخافض يعني إلى سيرتها. وثانيهما: أن يكون سنعيدها مستقلاً بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى أنها كانت أولاً عصا فصارت حية فسنجعلها عصا كما كانت فنصب سيرتها بفعل مضمر أي تسير سيرتها الأولى يعني سنيعدها سائرة بسيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} قيل: كان هذا الخطاب من الله تعالى لموسى وحيا؛ لأنه قال: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} ولا بد للنبي في نفسه من معجزة يعلم بها صحة نبوّة نفسه، فأراه في العصا وفي نفسه ما أراه لذلك. ويجوز أن يكون ما أراه في الشجرة آية كافية له في نفسه، ثم تكون اليد والعصا زيادة توكيد، وبرهاناً يلقى به قومه. واختلف في «ما» في قوله: «وَمَا تِلْكَ» فقال الزجاج والفراء: هي اسم ناقص وصلت بـ«ـيمينك» أي ما التي بيمينك؟ وقال الفرّاء أيضاً: «تلك» بمعنى هذه؛ ولو قال: ما ذلك لجاز؛ أي ما ذلك الشيء: ومقصود السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى: هي عصاي؛ لتثبت الحجّة عليه بعدما اعترف، وإلاّ فقد علم الله ما هي في الأزل. وقال ابن الجوهري: وفي بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن؛ فقيل له: ألقها لترى منها العجب فتعلم أنه لا مِلك لك عليها ولا تنضاف إليك. وقرأ ابن أبي إسحاق «عَصَيَّ» على لغة هُذيل؛ ومثله «يا بُشْرَيَّ» و«مَحْيَيَّ» وقد تقدّم. وقرأ الحسن «عَصَاي» بكسر الياء لالتقاء الساكنين. ومثل هذا قراءة حمزة: {أية : وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} تفسير : [إبراهيم: 22]. وعن ابن أبي إسحاق سكون الياء. الثانية: في هذه الآية دليل على جواب السؤال بأكثر مما سئل؛ لأنه لما قال: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } ذكر معاني أربعة: وهي: إضافة العصا إليه، وكان حقه أن يقول عصا؛ والتوكؤ؛ والهش، والمآرب المطلقة. فذكر موسى من منافع عصاه عُظْمها وجمهورها وأجمل سائر ذلك. وفي الحديث «حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال: «هو الطَّهورُ ماؤه الحلُّ مَيتته»». "حديث : وسألته امرأة عن الصغير حين رفعته إليه فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر»تفسير : . ومثله في الحديث كثير. الثالثة: قوله تعالى: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} أي أتحامل عليها في المشي والوقوف؛ ومنه الاتكاء. {وَأَهُشُّ بِهَا} «وَأَهِشُّ» أيضاً؛ ذكره النحاس. وهي قراءة النَّخَعي، أي أخبط بها الورق، أي أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها، فيسهل على غنمي تناوله فتأكله. قال الراجز:شعر : أَهُشُّ بالعَصَا على أَغْنامِي من ناعِم الأَراكِ والبَشامِ تفسير : يقال: هَشَّ على غنمه يَهُشُّ بضم الهاء في المستقبل. وهشَّ إلى الرجل يَهَش بالفتح. وكذلك هشّ للمعروف يَهَشّ وهشِشت أنا: وفي حديث عمر: هشِشْت يوماً فقبَّلت وأنا صائم. قال شِمْر: أي فرحتِ واشتهيت. قال: ويجوز هَاشَ بمعنى هَشَّ. قال الراعي:شعر : فكبَّرَ للروْيَا وهَاشَ فؤادُهُ وبَشَّرَ نفساً كان قبل يَلُومَها تفسير : أي طَرب. والأصل في الكلمة الرخاوة. يقال: رجل هَشٌّ وزوج هَشٌّ. وقرأ عكرمة «وأَهُسُّ» بالسين غير معجمة؛ قيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: معناهما مختلف؛ فالهشّ بالإعجام خبط الشجر، والهس بغير إعجام زَجْر الغنم؛ ذكره الماوردي؛ وكذلك ذكر الزمخشري. وعن عكرمة: «وأَهُسُّ» بالسين أي أنحى عليها زاجراً لها والهَسُّ زَجْر الغنم. الرابعة: قوله تعالى {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} أي حوائج. واحدها مَأْرُبة ومَأْرَبة ومَأْرِبة. وقال «أخرى» على صيغة الواحد؛ لأن مآرب في معنى الجماعة، لكن المَهْيَع في توابع جمع ما لا يعقل الإفراد والكناية عنه بذلك؛ فإن ذلك يجري مجرى الواحدة المؤنثة؛ كقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} تفسير : [الأعراف: 180] وكقوله: {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} تفسير : [سبأ: 10] وقد تقدّم هذا في «الأعراف». الخامسة: تعرض قوم لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس، قال: إذا انتهيت إلى رأس بئر فقَصُر الرِّشا وصلته بالعَصَا، وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض وألقيت عليها ما يظلني، وإذا خفت شيئاً من هوام الأرض قتلته بها، وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة، وأقاتل بها السباع عن الغنم. وروى عنه ميمون بن مِهْران قال: إمساك العصا سنة للأنبياء، وعلامة للمؤمن. وقال الحسن البصري: فيها ست خصال؛ سنة للأنبياء، وزينة الصلحاء، وسلاح على الأعداء، وعون للضعفاء، وغمّ المنافقين، وزيادة في الطاعات. ويقال: إذا كان مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان، ويخشع منه المنافق والفاجر، وتكون قبلته إذا صلى، وقوّة إذا أعيا. ولقى الحَجّاجُ أعرابياً فقال: من أين أقبلت يا أَعرابي؟ قال: من البادية. قال: وما في يدك؟ قال: عصايَ أَرْكزها لصَلاَتي، وأعدّها لعِداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على سفري، وأعتمد بها في مشيتي لتتسع خطوتي، وأثب بها النهر، وتؤمنني من العَثْر، وألقي عليها كسائي فيقيني الحرّ، ويُدفئني من القرّ، وتدني إليّ ما بعد مني، وهي مَحْمِل سُفْرتي، وعلاقة إداوتي؛ أعصِي بها عند الضِّراب، وأقرع بها الأبواب، وأتّقي بها عَقور الكلاب؛ وتنوب عن الرمح في الطّعان، وعن السيف عند منازلة الأقران؛ ورثتها عن أبي، وأورِّثها بعدي ابني؛ وأهشّ بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى، كثيرة لا تحصى. قلت: منافع العصا كثيرة، ولها مدخل في مواضع من الشريعة: منها تتخذ قبلة في الصحراء؛ وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام عَنزَة تُركز له فيصلّي إليها، وكان إذا خرج يوم العيد أمر بالحَرْبة فتوضع بين يديه فيصلّي إليها؛ وذلك ثابت في الصحيح. والحَرْبة والعَنزَة والنَّيزْك والآلة اسماء لمسمى واحد. وكان له مِحْجَن وهو عصا معوجَّة الطّرَف يشير به إلى الحَجَر إذا لم يستطع أن يقبّله؛ ثابت في الصحيح أيضاً. وفي الموطأ عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيّ بن كعب وتميماً الداريّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وكان القارىء يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصيّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر. وفي الصحيحين: أنه عليه الصلاة والسلام كان له مِخْصَرة. والإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكّئاً على سيف أو عصا، فالعصا مأخوذة من أصل كريم، ومعدن شريف، ولا ينكرها إلا جاهل. وقد جمع الله لموسى في عصاه من البراهين العظام، والآيات الجسام، ما آمن به السحرة المعاندون. واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته. وكان ابن مسعود صاحب عصا النبي صلى الله عليه وسلم وعَنَزته؛ وكان يخطب بالقضيب ـ وكفى بذلك فضلاً على شرف حال العصا ـ وعلى ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء، وعادة العرب العرباء، الفصحاء اللسن البلغاء أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام، وفي المحافل والخطب. وأنكرت الشُّعوبية على خطباء العرب أخذ المخصرة والإشارة بها إلى المعاني. والشُّعوبية تبغض العرب وتفضل العجم. قال مالك: كان عطاء ابن السائب يمسك المِخصرة يستعين بها. قال مالك: والرجل إذا كبر لم يكن مثل الشباب يقوى بها عند قيامه. قلت: وفي مشيته كما قال بعضهم: شعر : قد كنتُ أمشي على رجلين معتمداً فصرتُ أمشي على أخرى من الخشَبِ تفسير : قال مالك رحمه الله ورضي عنه: وقد كان الناس إذا جاءهم المطر خرجوا بالعصي يتوكأون عليها، حتى لقد كان الشباب يحبسون عصيّهم، وربما أخذ ربيعة العصا من بعض من يجلس إليه حتى يقوم. ومن منافع العصا ضرب الرجل نساءه بها فيما يصلحهم، ويصلح حاله وحالهم معه. ومنه قوله عليه السلام: «حديث : وأما أبو جَهْم فلا يضع عصاه عن عاتقه» تفسير : في إحدى الروايات. وقد روي عنه عليه السلام أنه قال لرجل أوصاه: «حديث : لا ترفع عصاك عن أهلك أخفهم في الله» تفسير : رواه عبادة بن الصامت؛ خرجه النسائي. ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : علِّق سوطك حيث يراه أهلك» تفسير : وقد تقدم هذا في «النساء». ومن فوائدها التنبيه على الانتقال من هذه الدار؛ كما قيل لبعض الزهاد: ما لك تمشي على عصا ولست بكبير ولا مريض؟ قال: إني أعلم أني مسافر، وأنها دار قُلعة، وأن العصا من آلة السفر؛ فأخذه بعض الشعراء فقال: شعر : حملتُ العصا لا الضَّعف أوجبَ حملَها عليّ ولا أني تَحنَّيتُ من كِبَرْ ولكنّني ألزمتُ نفسيَ حَملَها لأُعلمها أنَّ المقيمَ على سَفَر
ابن كثير
تفسير : هذا برهان من الله تعالى لموسى عليه السلام، ومعجزة عظيمة، وخرق للعادة باهر، دل على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله عز وجل، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل. وقوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له، وقيل: وإنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي: أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع بها الآن {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} استفهام تقرير {قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا} أي: أعتمد عليها في حال المشي {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى} أي: أهز بها الشجرة ليتساقط ورقها؛ لترعاه غنمي. قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك: الهش: أن يضع الرجل المحجن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود، فهذا الهش، ولا يخبط، وكذا قال ميمون بن مهران أيضاً. وقوله: {وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أُخْرَىٰ} أي: مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك، وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك، لما استنكر موسى عليه الصلاة والسلام صيرورتها ثعباناً، فما كان يفر منها هارباً، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية، وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم عليه الصلاة والسلام، وقول الآخر: إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان اسمها ماشا، والله أعلم بالصواب. وقوله تعالى: {قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ} أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى ألقها، {فَأَلْقَـٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} أي: صارت في الحال حية عظيمة: ثعباناً طويلاً يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر، وفي غاية سرعة الحركة، {تَسْعَىٰ} أي: تمشي وتضطرب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس {فَأَلْقَـٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولى مدبراً، ونودي: أن يا موسى خذها، فلم يأخذها، ثم نودي الثانية: أن خذها ولا تخف، فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين، فأخذها. وقال وهب بن منبه في قوله: {فَأَلْقَـٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} قال: فألقاها على وجه الأرض، ثم حانت منه نظرة، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، فَدَبّ يلتمس كأنه يبتغي شيئاً يريد أخذه، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان ناراً، وقد عاد المحجن منها عرفاً، قيل: شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان منها مثل القليب الواسع، فيه أضراس وأنياب لها صريف، فلما عاين ذلك موسى، ولى مدبراً ولم يعقب، فذهب حتى أمعن، ورأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه، فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى أن ارجع حيث كنت، فرجع موسى وهو شديد الخوف فقال: {خُذْهَا} بيمينك، {وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ} وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها، أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت، فكشف عن يده، ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض، فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين، ولهذا قال تعالى: {سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ} أي: إلى حالها التي تعرف قبل ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا تِلْكَ } كائنة {بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } الاستفهام للتقرير ليرتب عليه المعجزة فيها.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} قال الزجاج والفراء: إن {تلك} اسم ناقص وصلت {بيمينك} أي ما التي بيمينك؟ وروي عن الفراء أنه قال: تلك بمعنى هذه، ولو قال: ما ذلك لجاز، أي ما ذلك الشيء؟ وبالأوّل قال الكوفيون. قال الزجاج: ومعنى سؤال موسى عمّا في يده من العصا التنبيه له عليها لتقع المعجزة بها بعد التثبيت فيها والتأمل لها. قال الفراء: ومقصود السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى: هي عصاي لتثبيت الحجة عليه بعد ما اعترف، وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل، ومحل «ما» الرفع على الابتداء، و{تلك} خبره، و{بيمينك} في محل نصب على الحال إن كانت تلك اسم إشارة على ما هو ظاهر اللفظ، وإن كانت اسماً موصولاً كان {بيمينك} صلة للموصول. {قَالَ هِيَ عَصَايَ } قرأ ابن أبي إسحاق: "عصى" على لغة هذيل. وقرأ الحسن: "عَصَايَ" بكسر الياء لالتقاء الساكنين {أتوكأ عليها} أي أتحامل عليها في المشي وأعتمدها عند الإعياء والوقوف، ومنه الاتكاء. {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} هش بالعصا يهش هشاً: إذا خبط بها الشجر ليسقط منه الورق. قال الشاعر:شعر : أهش بالعصا على أغنامي من ناعم الأوراك والشام تفسير : وقرأ النخعي "أهس" بالسين المهملة، وهو زجر الغنم، وكذا قرأ عكرمة، وقيل: هما لغتان لمعنى واحد {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} أي حوائج، واحدها مَأْرَبَة ومَأْرُبُة ومأربة مثلث الراء، كذا قال ابن الأعرابي وقطرب، ذكر تفصيل منافع العصا، ثم عقبه بالإجمال. وقد تعرّض قوم لتعداد منافع العصا، فذكروا من ذلك أشياء منها قول بعض العرب: عصاي أركزها لصلاتي، وأعدّها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على سفري، وأعتمد بها في مشيتي، ليتسع خطوي، وأثب بها النهر، وتؤمنني العثر، وألقي عليها كسائي، فتقيني الحرّ، وتدفيني من القرّ، وتدني إليّ ما بعد مني وهي تحمل سفرتي، وعلاقة إداوتي، أعصي بها عند الضراب، وأقرع بها الأبواب، وأقي بها عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند منازلة الأقران، ورثتها عن أبي وأورثها بعدي بنيّ. انتهى. وقد وقفت على مصنف في مجلد لطيف في منافع العصا لبعض المتأخرين، وذكر فيه أخباراً وأشعاراً وفوائد لطيفة ونكتاً رشيقة. وقد جمع الله سبحانه لموسى في عصاه من البراهين العظام والآيات الجسام ما أمن به من كيد السحرة ومعرّة المعاندين، واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته، وكان ابن مسعود صاحب عصا النبيّ صلى الله عليه وسلم وعنزته، وكان يخطب بالقضيب وكذلك الخلفاء من بعده، وكان عادة العرب العرباء أخذ العصا والاعتماد عليها عند الكلام، وفي المحافل والخطب. {قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ} هذه جملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، أمره سبحانه بإلقائها ليريه ما جعل له فيها من المعجزة الظاهرة {فَأَلْقَـٰهَا } موسى على الأرض {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} وذلك بقلب الله سبحانه لأوصافها وأعراضها حتى صارت حية تسعى، أي تمشي بسرعة وخفة، قيل: كانت عصا ذات شعبتين فصار الشعبتان فما وباقيها جسم حية، تنتقل من مكان إلى مكان وتلتقم الحجارة مع عظم جرمها وفظاعة منظرها، فلما رآها كذلك خاف وفزع وولى مدبراً ولم يعقب، فعند ذلك {قَالَ } سبحانه: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأولَىٰ } قال الأخفش والزجاج: التقدير: إلى سيرتها، مثل {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ } تفسير : [الأعراف: 155]. قال: ويجوز أن يكون مصدراً؛ لأن معنى سنعيدها: سنسيرها، ويجوز أن يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، أي سائرة، أو بمعنى اسم المفعول، أي مسيرة. والمعنى: سنعيدها بعد أخذك لها إلى حالتها الأولى التي هي العصوية. قيل: إنه لما قيل له: {لا تخف} بلغ من عدم الخوف إلى أن كان يدخل يده في فمها ويأخذ بلحيها. {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ } قال الفراء والزجاج: جناح الإنسان عضده، وقال قطرب: جناح الإنسان جنبه. وعبر عن الجنب بالجناح؛ لأنه في محل الجناح، وقيل: إلى بمعنى مع، أي مع جناحك، وجواب الأمر {تَخْرُجْ بَيْضَاء } أي تخرج يدك حال كونها بيضاء، ومحل {مِنْ غَيْرِ سُوء } النصب على الحال، أي كائنة من غير سوء. والسوء: العيب، كني به عن البرص، أي تخرج بيضاء ساطعاً نورها تضيء بالليل والنهار كضوء الشمس من غير برص. وانتصاب {آيةً أُخْرَى} على الحال أيضاً، أي معجزة أخرى غير العصا. وقال الأخفش: إن آية منتصبة على أنها بدل من بيضاء. قال النحاس: وهو قول حسن. وقال الزجاج: المعنى: آتيناك أو نؤتيك آية أخرى لأنه لما قال: {تَخْرُجْ بَيْضَاء } دلّ على أنه قد آتاه آية أخرى، ثم علل سبحانه ذلك بقوله: {لِنُرِيَكَ مِنْ ءايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ } قيل: والتقدير: فعلنا ذلك لنريك، و{من آياتنا} متعلق بمحذوف وقع حالاً، و{الكبرى} معناها: العظمى، وهو صفة لموصوف محذوف، والتقدير: لنريك من آياتنا الآية الكبرى، أي لنريك بهاتين الآيتين يعني: اليد والعصا بعض آياتنا الكبرى، فلا يلزم أن تكون اليد هي الآية الكبرى وحدها حتى تكون أعظم من العصا، فيرد على ذلك أنه لم يكن في اليد إلا تغير اللون فقط بخلاف العصا، فإن فيها مع تغير اللون الزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة. ثم صرّح سبحانه بالغرض المقصود من هذه المعجزات، فقال: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } وخصه بالذكر؛ لأن قومه تبع له، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُ طَغَىٰ } أي عصى وتكبر وكفر وتجبر وتجاوز الحدّ، وجملة {قَالَ رَبّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قال؟ ومعنى شرح الصدر: توسيعه، تضرّع عليه السلام إلى ربه وأظهر عجزه بقوله: {أية : وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِى } تفسير : [الشعراء: 13]، ومعنى تيسير الأمر: تسهيله. {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّن لّسَانِى } يعني: العجمة التي كانت فيه من الجمرة التي ألقاها في فيه وهو طفل، أي أطلق عن لساني العقدة التي فيه، قيل: أذهب الله سبحانه تلك العقدة جميعها بدليل قوله:{قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ}. وقيل: لم تذهب كلها؛ لأنه لم يسأل حلّ عقدة لسانه بالكلية، بل سأل حلّ عقدة تمنع الإفهام بدليل قوله: {مّن لّسَانِي} أي كائنة من عقد لساني، ويؤيد ذلك قوله: {أية : هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً } تفسير : [القصص: 34]، وقوله حكاية عن فرعون: {أية : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } تفسير : [الزخرف: 52]، وجواب الأمر قوله: {يَفْقَهُواْ قَوْلِي } أي يفهموا كلامي، والفقه في كلام العرب: الفهم، ثم خص به علم الشريعة والعالم به فقيه، قاله الجوهري. {وَٱجْعَل لّى وَزِيراً مّنْ أَهْلِى * هَـٰرُونَ أَخِي} الوزير: الموازر، كالأكيل المواكل، لأنه يحمل عن السلطان وزره، أي ثقله. قال الزجاج: واشتقاقه في اللغة من الوزر، وهو الجبل الذي يعتصم به لينج من الهلكة. والوزير: الذي يعتمد الملك على رأيه في الأمور ويلتجىء إليه. وقال الأصمعي: هو مشتق من الموازرة، وهي المعاونة. وانتصاب {وزيراً} و{هارون} على أنهما مفعولا اجعل، وقيل: مفعولاه: لي وزيراً، ويكون هارون عطف بيان للوزير، والأوّل أظهر، ويكون لي متعلقاً بمحذوف، أي: كائناً لي، و{من أهلي} صفة لـ {وزيراً}، وأخي بدل من هارون. قرأ الجمهور: {اشدد} بهمزة وصل، و {أشركه} بهمزة قطع كلاهما على صيغة الدعاء، أي يا رب أحكم به قوّتي واجعله شريكي في أمر الرسالة، والأزر: القوة، يقال: آزره، أي قوّاه. وقيل: الظهر، أي أشدد به ظهري. وقرأ ابن عامر ويحيـى بن الحارث وأبو حيوة والحسن وعبد الله بن أبي إسحاق "أشدد" بهمزة قطع "وأشركه" بضم الهمزة، أي أشدد أنا به أزري وأشركه أنا في أمري. قال النحاس: جعلوا الفعلين في موضع جزم جواباً لقوله {اجعل لي وزيراً}، وقرأ بفتح الياء من: "أخي" ابن كثير وأبو عمرو. {كَيْ نُسَبّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً } هذا التسبيح والذكر هما الغاية من الدعاء المتقدّم. والمراد التسبيح هنا باللسان. وقيل: المراد به: الصلاة، وانتصاب {كثيراً} في الموضعين على أنه نعت مصدر محذوف، أو لزمان محذوف {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } البصير المبصر والبصير العالم بخفيات الأمور، وهو المراد هنا، أي إنك كنت بنا عالماً في صغرنا فأحسنت إلينا، فأحسن إلينا أيضاً كذلك الآن. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في عصا موسى قال: أعطاه ملك من الملائكة إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل، ويضرب بها الأرض فتخرج له النبات، ويهشّ بها على غنمه ورق الشجر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى } قال: أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق على غنمي، وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلِىَ فِيهَا مَآرِبُ } قال: حوائج. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ نحوه. وأخرج أيضاً عن قتادة قال: كانت تضيء له بالليل، وكانت عصا آدم عليه السلام. وأخرج أيضاً عن ابن عباس في قوله: {فَأَلْقَـٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } قال: ولم تكن قبل ذلك حية فمرّت بشجرة فأكلتها، ومرّت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً، فنودي أن يا موسى خذها، فلم يأخذها، ثم نودي الثانية: أن خذها ولا تخف، فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين فأخذها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه: {سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأولَىٰ } قال: حالتها الأولى. وأخرجا عنه أيضاً: {مِنْ غَيْرِ سُوء } قال: من غير برص. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَٱجْعَل لّي وَزِيراً مّنْ أَهْلِي * هَـٰرُونَ أَخِي} قال: كان أكبر من موسى. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} قال: نبىء هارون ساعتئذٍ حين نبىء موسى.
الماوردي
تفسير : {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} ليس هذا سؤال استفهام، وإنما هو سؤال تقرير لئلاّ يدخل عليه ارتياب بعد انقلابها حيةٌ تسعى. {قَالَ هِيَ عَصَايَ} فتضمن جوابه أمرين: أحدهما: الإِخبار بأنها عصا وهذا جواب كافٍ. الثاني: إضافتها إلى ملكه، وهذه زيادة ذكرها ليكفي الجواب بما سئل عنه. ثم أخبر عن حالها بما لم يُسأل عنه ليوضح شدة حاجته إليها واستعانته بها لئلا يكون عابئاً بحملها، فقال: {أَتَوكَّؤُاْ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَ عَلَى غَنَمِي} أي أخبط بها ورق الشجر لترعاه غنمي. قال الراجز: شعر : أهش بالعصا على أغنامي من ناعم الأراك والبشام. تفسير : وقرأ عكرمة "وأهس" بسين غير معجمة. وفي الهش والهس وجهان: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد. والثاني: أن معناهما مختلف، فالهش بالمعجمة: خبط الشجر، والهس بغير إعجام زجر الغنم. {وَلِيَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى} أي حاجات أخرى، فنص على اللازم وكنّى عن العارض، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان يطرد بها السباع، قاله مقاتل: الثاني: أنه كان يَقْدَحُ بها النار، ويستخرج الماء بها. الثالث: أنها كانت تضيء له بالليل، قاله الضحاك.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا تِلْكَ} سؤال تقرير وجوابه {هِىَ عَصَاىَ} ولكنه أضافها إلى ملكه ليكفي الجواب إن سئل عنها ثم ذكر احتياجه إليها لئلا يكون عابثاً بحملها {وَأَهُشُ} أخبط ورق الشجر، والهش والهس واحد، أو المعجم خبط الشجر، وغير المعجم زجر الغنم {مَآرِبُ} حاجات نص على لوازم الحاجات وكنى عن عارضها من طرد السباع، أو قدح النار واستخراج الماء أو كانت تضيء له بالليل.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} الآية. (مَا) مبتدأة استفهامية و (تِلْكَ) خبره، و "بِيَمِينِكَ" متعلق بمحذوف، لأنه حال كقوله: {أية : وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً}تفسير : [هود:72]، والعامل في الحال المقدرة معنى الإشارةَ وجوَّز الزمخشري أن تكون (تِلْكَ) موصولة بمعنى (التي) و (بِيَمِينِكَ) صلتها. ولم يذكر ابنُ عطية غيره. وهذا ليس مذهب البصريين أنهم لم يجعلوا (من أسماء) الإشارة موصولاً إلا (ذَا) بشروط تقدمت. وأما الكوفيون فيجيزون ذلك جميعها، ومنه هذه الآية عندهم أي: وَمَا التي بيمينك وأنشدوا: شعر : 3651- نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ تفسير : أي والذي تحملين. وقال الفراء معناه: وَمَا هِذهِ التي فِي يمينِكَ. فصل السؤال إنما يكون لطلب العلم، وهو على الله تعالى محال. فما فائدة قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينكَ}؟ والجواب فيه فوائد، الأُولَى: حكمةُ هذا السؤال تنبيهُهُ وتَوْقيفُه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حية عَلِم أنها معجزةٌ عظيمةٌ، وهذا على عادة العرب يقول الرجل لغيره: هَلْ تَعْرِف هَذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه. الثانية: أن يقرَّرُ عنده أنها خشبة حتى إذا قلبها ثعباناً لا يخافُها. الثالثة: أنه تعالى لمَّا أراه الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسْمَعَهُ كلام نفسه، ثم أورد عليه التكليف الشاق، وذكر له المعاد، وختم ذلك بالتهديد العظيم، فتحيَّر موسى - عليه السلام - ودُهِشَ، (فقيل له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينكَ}، وتكلم معه بكلام البشر إزالةً لتلك الدهشة والحيرة). فصل هذا خطاب من الله مع موسى بلا واسطة، ولم يحصل ذلك لمحمد عليه السلام فيلزم أن يكون موسى أفضلَ من محمد عليهما السلام. فالجوابُ: أنَّه تعالى كما خاطبَ موسَى فقد خاطب محمداً في قوله: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم:10] إلا أن الفرق أنَّ الذي ذكره مع موسى عليه السلام أفشاه إلى الخلق، والذي ذكره مع محمد كان سراً لم يستأهل له أحداً من الخلق. وأيضاً إن كان موسى تكلم معه فأمةُ محمد يخاطبون الله تعالى في كل يوم مرات على ما قاله عليه السلام: "حديث : المُصَلِّى يُنَاجِي رَبَّهُ" تفسير : والرَّبُ يتكلم مع آحاد أمة محمد يوم القيامة بالتسليم والتكريم لقوله: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس : 58]. قوله: "هِيَ عَصَايَ" هِيَ يعودُ على المستفهم عنه. وقرأ العامة "عَصَايَ" بفتح الياء. والجَعْفَرِيّ وابنُ أبي إسحاق "عَصَيَّ" بالقلب والإدغام. وقد تقدَّم توجيه ذلك أوّل البقرة، ولِمَنْ تنسب هذه اللغة والشعر المروي في ذلك. وروي عن أبي عمرو ابن أبي إسحاق أيضاً (والحسن "عِصَاي" بكسر الياء لالتقاء الساكنين، وعن أبي إسحاق) "عِصَايْ" بسكونها وصلاً وقد فعل ذلك نافع مثل ذلك في "مَحْيَايَ" فجمع بين ساكنين وصلاً، وقد تقدم الكلام هناك. قوله: "أَتَوَكَّأُ" يجوز أن يكون خبراً ثانياً لـ "هِيَ" ويجوز أنْ يكونَ حالاً إمَّا مِنْ "عَصَايَ" وإمَّا مِنْ "الياء" وفيه بُعدٌ، لأن مجيء الحال من المضاف إليه قليل، وله مع ذلك شروط ليس فيه شيء منها هنا. ويجوز أن تكونَ مستأنفة. وجوَّز أبو البقاء نقلاً عن غيره: أن يكون "عَصَايَ" منصوبة بفعل مقدر، و "أَتَوكَّأُ" هو الخبر. ولا ينبغي أن يقال ذلك. والتَّوكّؤُ: التحامُلُ على الشيء، وهو بمعنى الاتِّكاء، وقد تقدم تفسيره في يوسف فهما من مادة واحدة، وذكر هنا، لاختلاف وزنيهما. والهَشُّ بالمعجمة: الخَبْطُ، يقال: هَشَشْتُ الوَرَقَ أَهُشُّهُ أي: خبطته ليسقط، والمعنى: أَخْبِطُ بِهَا وَأَضْرِبُ أغصانَ الشجر ليسقط ورقُهَا على غنمي لتأكله وأما هَشَّ يَهِشُّ - بكسر العين في المضارع - فبمعنى البشاشة وقد قرأ النخعي بذلك، فقيل: هو بمعنى: أَهُشُّ - بالضم - والمفعول محذوف في القراءتين أي: أَهُشُّ الورقَ أو الشجرَ وقيل: هو في هذه القراءة من هَشَّ هشاشَةً إذا مال. وقرأ الحسن وعكرمة: "وأَهُسُّ" بضم الهاء والسين المهملة وهو السَّوْقُ، ومنه الهَسُّ (والهَسَّاسُ) وعلى هذا فكان ينبغي أن يتعدى بنفسه، ولكنه ضمِّن معنى ما يتعدى بعلى وهو أقوم (وَأَهْوَنُ). ونقل ابن خالوية عن النخعي أنه قرأ "وأُهِسُّ" بضم الهمزة وكسر الهاء من (أَهَسَّ) رباعياً بالمهملة. ونقلها عنه الزمخشري بالمعجمة، فيكون عنه قراءتان ونقل صاحب اللوائح عن مجاهد وعكرمة "وأهُشُ" بضم الهاء وتخفيف الشين، قال ولا أعرف لها وجهاً إلا أن يكون قد استثقل التضعيف مع تفشي الشين فخفف، وهي بمعنى قراءة العامة. وقرأ بعضهم: "غَنْمِي" (بسكون النون)، وقرىء "عَلَيَّ" بتشديد الياء والمَآرِبُ: جمع مَأْرُبَة، وهي الحاجة وكذلك الإرْبَة أيضاً. وفي (راء) المَأرُبَة الحركات الثلاث. وإنما قاال: "مَآرِب" في معنى جماعة، فكأنه قال جماعة من الحاجات أخرى، ولم يقل أخر لرؤوس الآي (و"أُخْرَى") كقوله: "الأسْمَاءُ الحُسْنَى" وقد تقدَّم قريباً. قال أبو البقاء: ولو قال: أخر لكان على اللفظ. يعني أُخَر كقوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر} [البقرة:184،185] بضم الهمزة وفتح الخاء واللفظ لفظ الجمع. ونقل الأهوازي عن شيبة والزهري: مَارِبُ قال: بغير همز كذا أطلق والمراد بغير همز محقق بل مسهل بَيْنَ بَيْن وإلا فالحذف بالكلية شاذ. فصل قيل: كما قال: "هِيَ عَصَايَ" فقد تم الجواب إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر، لأنه كان يحب المكالمة مع ربه تعالى، فجعل ذلك كوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض. "أَتَوكَّأُ عَلَيْهَا" التوَكُّؤُ والاتِّكَاءُ واحد كالتوقي والاتقاء، أي أعتمد عليها إذا عييت، أو وقفت على رأس القطيع {وأهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} أي: أضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على الغنم (فتأكله). {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} أي حوائج ومنافع، وإنما أجمل في المآرب رجاء أن يسأله ربه عن تلك المآرب، فيسمع كلام الله مرة أخرى، ويطول أمر المكالمة بسبب (ذلك). قال وهب: كانت ذات شعبتين (ومحجن، فإذا طلبَ ثمرَ الشجرة جناه بالمحجن، فإذا حاول كسره لواه بالشعبتين). فإذا سارَ وضعهَا على عاتقه يعلق عليها أداته من القوس والكنانة والثياب، وإذا كان في البرية ركزها وألقى عليها كساء فكان ظلاً. وقيل: كانَ فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطولُ طولَ البئر، وتصير شعبتاها دلواً، ويصيران شمعتين في الليل وإذا ظهر عدو حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت يابسة ويركزها فينبع الماء، وإذا رفعها نضب، وكان تقيه الهوام قال مقاتل: كان اسمها نبعة. وروي عن ابن عبَّاس: أنها كانت تماشيه وتحدثه. قال الله تعالى: {أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ} أي انبذها. قال وهب ظن موسى أنه يقول أرفُضْهَا "فَأَلْقَاهَا" على وجه الأرض ثم نظر إليها {فَإِذَا هِيَ حَيَّة تَسْعَىٰ} صفراء أعظم ما تكون من الحيات تمشي بسرعة لها عرف كعرف الفرَس، وكان بين لحييها أربعون ذراعاً، صارت شعبتاها شدقين لها والمِحجن عنقاً يهتز، وعيناها متقدان كالنار، وتمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل فتلتقمها، وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها (صريف عظيم). وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء كُنْ فيكون. فصل والحكمة في قلب العصا حيَّةً في ذلك الوقت من وجوه: أحدها: لتكون معجزةً لموسى - عليه السلام - يعرف بها نبوة نفسه، لأنه عليه السلام - إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء. والنداء وإن كان مخالفاً للعادات إلا أنه لم يكن معجزاً، لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن، فقلب العصا حيَّةً ليكون دليلاً قاهِراً على الممعجزة. الثاني: أنه تعالى عرضهَا عليه ليشاهدها أولاً، فإذا شاهدها عند فرعون لا يخافها. وثالثها: أنه كان راعياً فقيراً ثم نُصِّب للمنِصبِ العظيم فلعله بقي يتعجب من ذلك، فقلب العصا حيَّة تنبيًّا على أني لما قدرت على ذلك، فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين. فإنْ قيل: كيف قال ههنا "حَيَّة" وفي موضع آخر "جَان" وهو الحية الخفية الصغيرة، وقال في موضع "ثُعْبَانٌ" وهو أكبر ما يكون من الحيات؟ فالجواب: أن الحيَّة اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير وأما الجَانُّ فقيل: عبارة عن ابتداء حالها فإنها كانت حيَّةً على قدر العصا ثم تورمت وتزايدت وانتفخت حتى صارت ثعباناً. وقيل: كانت في عظم الثعبان وسرعة الجانِّ لقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} تفسير : [النمل: 10، القصص: 31]. (و "تَسْعَى") يجوز أن تكون خبراً ثانياً عند من يجوز ذلك ويجوز أن تكون صفة لـ "حَيَّةً" فلما عاين موسى ذلك "وَلَّى مُدْبِراً"، وهرب ثم ذكر ربه فوقف استحياءً فنودي: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَها} (وهيئتها) "الأُولَى" أي نردها عصا كما كانت. قوله: "سِيرَتَهَا" في نصبها أوجه: أحدها: أن تكون منصوبةً على الظرف، أي في سيرتها أي: طريقتها. الثاني: أن تكونَ منصوبة على البدل من "ها" "سَنُعِيدُهَا" بدل اشتمال لأن السيرة الصفة، أي سنعيدها صفتها وشكلها. الثالث: أنها منصوبةٌ على إسقاط الخافض أي: إلى سيرتها. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون مفعولاً من عَادَ أي عادَ إليه، فيتعدى لمفعولين، ومنه بيت زهير: شعر : 3652- وَعَادَكَ أَنْ تُلاَقِيهَا عَدَاءُ تفسير : وهذا هو (معنى قول من قال: إنه على إسقاط (إلى) و) كان قد جوَّز أن يكون ظرفاً كما تقدَّم، إلا أن أبا حيَّان ردَّه بأنّه ظرف مختص فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة (في) إلا فيما (شذ. والسيرَةُ) فِعْلَة تدل على الهيئة من السَّيْر كالركبة من الركُوب، ثم اتسع فعبر بها عن المذهب والطريقة، قال خالد الهذلي: شعر : 3653- فَلاَ تَغْضَبَنْ مِنْ سِيرَةٍِ أَنْتَ سِرْتَهَا فَأَوَّلُ رَاضٍ سِيرَةً مَنْ يَسِيرُهَا تفسير : وجوَّز أيضاً أن ينتصب بفعل مضمر، أي: يسير سيرتها الأولى، وتكون هذه الجملة المقدرة في محل نصب على الحال؛ أي: سَنعيدُها سائرةً سيرتَهَا. فإن قيل: لمَّا نوديَ يا مُوسى، وخصَّ بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلماذا خاف؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه - عليه السلام - ما شاهد مثل ذلك قط، وهذا معلوم بدلائل العقول. قال أبو القاسم الأنصاري: وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة. وثانيها: خاف لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها. وثالثها: أن مجرد قوله "وَلاَ تَخَفْ" لا يدل على حصول الخوف كقوله: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الأحزاب: 1، 48] لا يدل على وجود تلك الطاعة، لكن قوله: {أية : فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً} تفسير : [النمل: 10، القصص: 31] يدل عليه. فصل قال المفسرون: كانَ علَى موسى مَدْرَعة من صوف قد خللها بعيدان. فلما قال له: "خُذْهَا" لف طرف المَدْرَعةِ على يده، فأمره الله أن يكشف يده، فكشف. وقيل: إن مَلَكاً قال: أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدْرعة تغني عنك شيئاً؟ فقال: لا ولكني ضعيف، ومِنْ ضَعْفٍ خُلِقَتُ، فكشف يده، ثم وضعَها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتيها في الموضع الذي يضعها إذا تَوَكَّأَ. واعلم إن إدخاله يده في فم الحية من غير ضرر معجزة وانقلابها خشباً معجز آخر، وانقلاب العصا حيَّة معجز آخر، ففيها توالي معجزات مع المآرب التي تقدمت.
السلمي
تفسير : قال فارس: سمع موسى كلامًا لا يشبه كلام الحق فلما سمع ذلك الكلام، كاد أن يهيم، فمرةً أضاف العصا إلى نفسه، ومرةً أجاب عما لم يسئل كذلك الهيمان. وقال: لما غلبت عليه الدعات الصفات رده الحق إلى المخلوق ليسكن ما به. فقال: وما تلك بيمينك، شغله بالإجابة عما يكلمه، ولولا ذلك لتفسخ عند ورود الخطاب عليه بغتة. وقال الواسطى رحمه الله: استلذ الخطاب فأخذه عن التمييز فأجاب عما سأل، وعما لم يسأل وقال وما تلك بيمينك عندك. فقال: عصاى، فقال: ألقها فإن لنا فيه آيات هى عندك عصا، وهى عندنا حيّةُ تسعى. وقال ابن عطاء فى قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} قال: انفراد الله بعلم الغيب فللخلق من الأشياء ظواهرها وحقيقتها عند الله فكان عند موسى أنها عصى. وعند الحق أنها حيّةُ فقال له: وما تلك بيمينك ليعرفه بذلك مقدار علمه، وإن حقائق العلوم لا يعلمها إلا الله فقال: عصاى، فقال له بل محلاً لإظهار قدرتنا فيه. وقال الحسين: فى قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} قال: أثبته بالصفة: فقال له: أعد إليه النظرة فأعاد النظر حتى تيقن أنها عصا فقال: عصاى فلما أجاب بالحقيقة إنها عصا قلب عينها فأحالها عن حالها فأعجزه ذلك فقيل. إعجازها للأمة. وسمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا بكر بن طاهر يقول: فى قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} قال انبسط إليه فى السؤال ليربط على قلبه لعلمه لما يبدو منه فى شهود الكبرياء. وقال أيضًا: أحب الله تعالى أن يبسط موسى فى الكلام كى لا يحتشم فى السؤال. وقال الجنيد رحمه الله: فى قوله: {عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [الآية: 18]. فقال له: ألق كلما يعتمد عليه قلبك، أو تسكن إليه نفسك، وإن الكل مجال العلل فإن كل ما تسكن إليه ستهرب منه عن قلبك ألا تراه قال: فأوجس فى نفسه خيفة. قال الحسين: عدّد موسى منافع العصا على ربه وسكونه إليها وانتفاعه بها فقال: {أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ} أى: ألق من نفسك السكون إلى منافعها، ومن قلبه حبه ليزول عنه بالفرار منه، خذها ولا تخف وراجع إلينا. وقيل: إن الحكمة فى انقلاب العصا حيّةُ فى وقت الكلام أنه جعلها آيته ومعجزته ولا ألقاها بين يدى فرعون، ولم يشاهد منه قبل ذلك ما شهد لهرب منه كما هرب فرعون حين بدهته رؤيته. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول سمعت الجنيد يقول. فى قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} قال: انفرد الحق بعلم الغيوب، فالخلق من الأشياء ظواهرها، وله الحقائق منها، وكان عند موسى أنها عصا فقط فذكر كل ما يعلم من علمها فأراه الله فيها ما تفرد به وجعلها حيّةُ، والحكمة فيه أنه لو لم يره فيها من الآيات لراعه فى وقت الانقلاب فأراه ذلك ليلاً يفزع ولا يجزع فلما رآها حيّةً تهتز كأنها جان ولى مدبرًا أى. ولى ظهره إليه وأقبل على ربه، ولم يعقب فقيل: له أقبل عليها ولا تخف أن يقطعك النظر إليها عنى.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}. كرَّرَ عليه السؤالَ في غير آية من عصاه لمَّا كان المعلوم له سبحانه فيها من إظهاره فيها عظيم المعجزة. ويقال إنما قال ذلك لأنه صَحِبَتْهُ هيبةُ المقام عند فَجْأَةِ سماعِ الخطاب؛ فَلِيُسَكِّنَ بعضَ ما به من بَوَادِهِ الإجلال... رَدَّهُ إلى سماعِ حديث العصَا، وأراه ما فيها من الآيات. ويقال لو تركه على ما كان عليه من غَلَبَاتِ الهيبة لعلَّه كان لا يعي ولا يطيق ذلك... فقال له: وما تلك بيمينك يا موسى؟ {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}. قال هي عصاي, وأخذ يُعدِّد ما له فيها من وجوه الانتفاع فقال له: {قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ}. فإنَّك بنعت التوحيد، واقفٌ على بساط التفريد، ومتى يصحُّ ذلك، ومتى يَسْلَمُ لك أن يكون لَكَ معتمدٌ تتوكأ عليه، ومستند عليه تستعين، وبه تنتفع؟ ثم قال: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}: أَوَّلُ قَدَمٍ في الطريق تَرْكُ كلِّ سَبَبٍ، والتَّنَقِّي عن كل طَلَبٍ؛ فكيف كان يَسْلَمُ له أن يقول: أَفْعَلُ بها، وأمتنع، ولي فيها مآرب أخرى. ويقال ما ازداد موسى - عليه السلام - تفصيلاً في انتفاعه بعصاه إلا كان أقوى وأَوْلَى بأن يؤمن بإلقائها، والتنقي عن الانتفاع بها على موجب التفرُّد لله. ويقال التوحيد التجريد، وعلامةُ صحته سقوط الإضافات بأْسْرِها؛ فَلا جَرَمَ لما ذكر موسى - عليه السلام - ذلك أُمِرَ بإلقائها فجعلها اللَّهُ حَيَّةً تسعى، وولَّى موسى هارباً ولم يُعَقِّب. وقيل له يا موسى هذه صفة العلاقة؛ إذا كوشِفَ صاحبُها بِِسِرِّها يهرب منها. ويقال لمَّا باسطه الحقُّ بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب، فأجاب عما يُسْأَل وعمَّا لم يُسْأَل فقال: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}: وذَكَرَ وجوها من الانتفاع؛ منها أنه قال تؤنسني في حال وحدتي، وتضيءُ لي الليلَ إذا أظلم، وتحملني إذ عَييتُ في الطريق فأركبُها، وأَهُشُّ به على غنمي، وتدفع عني عَدَوِّي. وأعظم مأربٍ لي فيها أَنَّكَ قُلْتَ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ}؟ وأيةُ نعمةٍ أو مأربٍ أو منفعةٍ تكون أعظمَ مِنْ أَنْ تقولَ لي: وما تلك؟ ويقال قال الحقُّ - بعد ما عدَّد موسى وجوهَ الآياتِ وصنوفَ انتفاعِه بها - ولَكَ يا موسى فيها أشياءٌ أخرى أنت غافلٌ عنها وهي انقلابُها حيةً، وفي ذلك لك معجزةٌ وبرهانُ صِدْقٍ. ويقال جميعُ ما عَدَّدَ من المنافع في العصا كان من قِبَلِ الله... فكيف له أن ينسبها ويضيفها إلى نفسه، ولهذا قالوا: شعر : يا جنَّة الخُلْدِ، والهدايا إذا تُهدَى إليك فما مِنْكِ يُهْدَى تفسير : ويقال قال موسى لها رآها حيةً تهتز: لقد عَلِمْتُ كلَّ وصفٍ بهذه العصا، أَمَّا هذه الواحدة فلم أعرفها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} ان الله سبحانه كلم كليمه فطاب ---- من لذة كلامه واختلج فى سره ارادة لقاء المتكلم وكاد ان يقول فى بداية حاله ارنى انظر اليك فعلا الحق سبحانه سر ما فى قلبه وعلم انه لا يطيق ان ينظر اليه كفاحا واراد ان لا يحرمه من سؤله وماصوله ----- وما تلك بيمنك يا موسى قال هى عصاى قال القها فلما القاها صارت حية ففر منها موسى قال سبحانه اين تفر من رؤية ما هو لك انظر اليها بنظر الحقيقة حتى ترى مشاهدة الذات فى الصفات ومشاهدة الصفات فى الأيات فحصل لموسى مشاهدة رؤية العظمة مع الخطاب الخاص وايضا اراد سبحانه ان يريه الاية الكبرى حتى يتعوذ بها ولا يفزع منها عند تقلبها فى ابتلاعها سحر السحرة وايضا كان فى مواجهة كلامه القديم فى رؤية الجلال للعظمة فكان ان يذوب من صولة العظمة ورؤية الكبرياء فشغله الحق فى ذلك بذكر شئ من الحدثان حتى يسكن لحظة من سكن رؤية الجلال وان لا يغنى فى سطوات الكمال وايضا ظن موسى انه تعالى لا يتكلم مع فى شئ محقر انَّما يتكلم فى العظائم فاعلمه الحق موضع انبساطه اليه حتى لنبسط اليه الا ترى لما وجد لذلك انبساط الحق كيف خرج من مقام الهيبة وانبسط اليه بقوله {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} قوله عصاى جواب بالانبساط من لذة وجدان مكانته فى شهود عين الحق ولولا ذلك ما اضاف الى نفسه فى رؤية فردانية الحق وايضا اراد الحق سبحانه ان يعلمه ان فى عصاه كثيرا من معجزته فنبهه عن ذلك فلم يعرف موسى فى ذلك الوقت اشارة الحق فقال عن عصا ولو عرفوا لقال هى موضع أياتك ومسقط قدرتك وايضا اظهر عجزه عند سرادق كبريائه بانه اضاف الحدث الى الحادث وعلم ان الحدث لا يليق الا بالحدث ويمكن انه راى منها بعض الأيات فذكر انعام الله عليه فى حضرته وزاد ذكر لنعمته فقال اتوكئ عليها اى اعتمد عليها بانها أية من أياتك واهش بها على غنمى استمتع بما أريد منها {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} وتلك المعجزة من مأربه فلما ارتهن من الحق بالوسائط قال سبحانه فى غيرة الوحدانية ألقها يا موسى جوابا لقوله اتوكئ عليها لئلا يسكن الى غيره فلما القاها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما تلك} السؤال بما تلك عن ماهية المسمى اى حقيقته الى هو بها هو كقولك ما زيد تعنى ما حقيقة مسمى هذا اللفظ فيجاب بانه انسان لا غير. قال الكاشفى [جون موسى نعلين بيرون كرد در وادى مقدس خطاب رسيدكه] وما تلك. اى أى شئ هذه احال كونها مأخوذة {بيمينك يا موسى} فما استفهامية فى حيز الرفع بالخبرية لتلك المشار اليها اى العصا وهو اوفق بالجواب من عكسه والعامل فى الحال معنى الاشارة ولم يقل بيدك لاحتمال ان يكون فى يساره شئ مثل الخاتم ونحوه فلو اجمل اليه لتحير فى الجواب للاشتباه وسيأتى سر الاستفهام ان شاء الله تعالى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وما}: استفهامية، مبتدأ، و {تلك}: خبر، أو بالعكس، فما: خبر، وتلك: مبتدأ، وهو أوفق بالجواب. و {بيمينك}: متعلق بالاستقرار؛ حالاً، أي: وما تلك قارةً أو مأخوذة بيمينك، والعامل معنى الإشارة. وقيل: {تلك}: موصولة، أي: وما التي هي بيمينك، والاستفهام هنا: إيقاظ وتنبيه له عليه السلام على مما سيبدُو له من العجائب، وتكرير النداء؛ لزيادة التأنيس والتنبيه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما تلك بيمينك يا موسى}، إنما سأله؛ ليريه عظيم ما يفعل بها؛ من قلبها حية، فمعنى السؤال: تقريره على أنها عصي، ليتبين له الفرقُ بين حالها قبل قلبها وبعده، وقيل: إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه، فأجابه بقوله: {هي عَصَايَ}، نسبها لنفسه تحقيقًا لوجه كونها بيمينه، رُوي أنها كانت عصا آدم عليه السلام، فأعطاها له شعيب، حين قدمه لرعي غنمه، على ما يأتي في سورة القصص. وكان في رأسها شُعبتان، وفي أسفلها سنان، واسمها نبعة، في قول مقاتل. {أتوكأ عليها} أي: أعتمد عليها إذا مشيت، وعند الإعياء، والوقوف على رأس قطيع الغنم، {وأهشُّ} أي: أخبط {بها} الورق من الشجر؛ ليسقط {على غنمي} فتأكله. وقرئ بالسين، وهو زجر الغنم، تقول العرب: هَس هَس، في زجرها، وعداه بعلى؛ لتضمنه معنى الإقبال والتوجه. {ولِيَ فيها مآرِبُ أُخرى} أي: حاجات أخرى من هذا الباب. قال ابن عباس: كان موسى عليه السلام يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تأتيه وتحرسه، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل يومَه، ويركز بها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب، وكان يرد بها عن غنمه ونعمه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الاستسقاء من البئر أَدْلاَهَا، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدول فيستقي بها، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل فيستضيء بها، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصّنت غصن تلك الشجرة، وأورقت وأثمرت. فهذه المآرب. وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها، وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء، فلذلك أطنب في كلامه، فلما بدت منها خوارق بديعة عَلِمَ أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة، وأيضًا: الإطناب في مناجاة الأحباب محمود. {قال} له تعالى: {ألْقِهَا يا موسى} لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك، قيل: إنما أُمِر بإلقائها؛ قطعًا للسكون إليها، لِمَا كان فيها من المآربِ، وبالغ الحق تعالى في ذلك بقلبها حية، حتى خاف منها، وحين قطعه عنها، وأخرجها من قلبه، بالفرار منها ردها إليه بقوله: {خذها ولا تخف}؛ {فألقاها} على الأرض {فإِذا هي حيةٌ تَسْعَى}، رُوي أنه عليه السلام ألقاها فانقلبت حية صفراء، في غلظ العصا، ثم انتفخت وعظمت، فلذلك شبهت بالجان تارة، وبالثعبان مرة أخرى، وعبَّر عنها هنا بالاسم العام للحالين، وقيل: انقلبت من أول الأمر ثعبانًا، وهو أليق بالمقام، كما يفصح عنه قوله عزّ وجلّ: {أية : فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأعرَاف: 107]، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي، لا في صغر الجثة. وقيل: الجان عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان عن انتهائه. {قال} تعالى: {خُذها} يا موسى، {ولا تخفْ}، قال ابن عباس رضي الله عنه: انقلبت ثعبانًا ذَكَرًا، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، فلما رآه كذلك خاف ونفر، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. {سنعيدُها سِيرَتَها الأولى} أي: سنعيدها، بعد الأخذ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصًا، قيل: بلغ عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها، ويأخذ بلَحْيَيْهَا. فلما أخذها عادت عصًا، وحكمة قلبها وأخذها هنا؛ ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون، وطمأنينةٍ من أمره، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل. والسيرة: فعلة من السير، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الخافض. ثم أراه معجزة أخرى، فقال: {واضممْ يدكَ إِلى جناحك} أي: أدخلها تحت عضدك، فجناح الإنسان: جنباه، مستعار من جناح الطير، {تخرجْ بيضاءَ}: جواب الأمر، أي: إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية، {من غير سُوءٍ} أي: حال كونها كائنة من غير عيب بها؛ كبرص ونحوه. رُوي أنه عليه السلام كان آدم اللون، فأخرج يده من مدرعته بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، تضيء حال كونها {آيةً أخرى} أي: معجزة أخرى غير العصا، {لنُرِيَك من آياتنا الكبرى} أي: فعلنا ما فعلنا، لنريك بعض أياتنا العظمى، أو: لنريك الكبرى من آياتنا. قال ابن عباس: "كانت يد موسى أكبر آياته". والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير: وما تلك بيمينك أيها الفقير؟ فيقول: هي دنياي أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري، وأُنفق منها على عيالي، ولي فيها حوائج أخرى؛ من الزينة والتصدق وفعل الخير، فيقال له: ألقها من يدك أيها الفقير، واخرج عنها، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها، فألقاها وخرج عنها، فيلقيها، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر. فلما تمكن من اليقين، وحصل على غاية التمكين، قيل له: خذها ولا تخف منها، حيث رفضت الأسباب، وعرفت مسبب الأسباب، فاستوى عندك وجودها وعدمها، ومنعها وإعطاؤها، سنعيدها سيرتها الأولى، تأخذ منها مأربك، وتخدمك ولا تخدمها. يقول الله تعالى: "حديث : يا دنياي، اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك ". تفسير : وأما قوله تعالى: في حديث آخر مرفوعًا:"حديث : تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني"تفسير : ، فالمراد بالمرارة: ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك. وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفًا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الفقر فخري وبه أفتخر"تفسير : ، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: الحديث الأول: في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. هـ. ويقال له أيضًا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه -: اضمم يدَ فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه. وقال في اللباب: اليد: يدَ الفكر، والجيب: جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. هـ. قال الورتجبي: أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يَدُ موسى يدَ قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث: "حديث : كنت له سمعًا وبصرًا ولسانًا ويدًا"تفسير : . هـ. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر ابتداء رسالة موسى عليه السلام
الجنابذي
تفسير : {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} لمّا صار موسى (ع) فى غاية الوحشة والدّهشة والاضطراب من خوف ضياع ماله وعياله ورؤية غرائب لم يكن يرى قبل ذلك مثلها من اشتغال نارٍ بيضاء من شجرةٍ خضراء من اصلها الى فرعها لم تكن تضرّ النّار بخضرتها واهواء النّار اليه كلّما اراد ان يأخذ منها وتكلّم متكلّم من النّار، سأل تعالى عن احبّ الاشياء اليه حتّى يشتغل به ويأنس من وحشته ويسكن من اضطرابه فانّ الاشتغال يسكّن الاضطراب خصوصاً اذا كان فى حقّ المحبوب ومع من كان الاضطراب منه ولذا بسط موسى (ع) فى الجواب و {قَالَ هِيَ عَصَايَ} وزاد على قدر الجواب قوله {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} اى اعتمد فى المشي او حين اريد ان أقوم على غنمى {وَأَهُشُّ بِهَا} اى اخبط الورق من الاشجار {عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} مثل سوق الغنم بها ودفع الذّئب حين تعرضه، والاستظلال بسببه بان كان يركزها فى الشّمس ويعرض الزّندين على شعبتيها ويلقى عليها كساءه، وتطويل حبل الدّلو بها اذا قصر، وغير ذلك، واجمل المآرب مع انّه كان اقتضاء بسط الجواب ان يبسط المآرب امّا للاستحياء، او لعدم مساعدة قلبه على اكثر من ذلك لشدّة اضطرابه، وايضاً لمّا اراد الله ان يجعل عصاه آية نبوّته وآية انّ الكلام رحمانىٌّ لا شيطانىّ اذ قيل: انّ موسى (ع) شكّ فى انّ الكلام شيطانىّ او رحمانىُّ، وقيل: انّه (ع) بعد ما سمع انّى انا الله من الشّجرة قال: ما الدّليل على ذلك؟- سئل من عصاه حتّى يتنبّه انّه جماد ميّت ويتذكّر ذلك فلا يشكّ اذا صارت حيّة حيّةً فى انّه الهىٌّ لا شيطانىٌّ.
اطفيش
تفسير : {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} الباء للظرفية أو للإلصاق. والاستفهام للتقرير يتضمن استيقاظا لما يرتب على عصاه من المعجزات وتثبيته، لئلا يذهله ما يكون من أمرها كذا ظهر لى وسماه السيوطى فى الإتقان إيناسا. وخص اليمين ولم يقل: وما تلك بيدك لما ذكرت من التثبيت لأنها فى يمينه فكأنه قيل له: انظر إلى ما فى يمينك وتَثَبَّتْ فلا يهولنك ما يصير منه وقال أبو عمرو عثمان بن خليفة - رحمه الله -: فإن قيل: لِمَ قال يمينك ولم يقل بيدك لاشتبه عليه أيهما أراد والله لا يلبس على خلقه ولا على رسوله ولا على أمته لأنه أرسل بالبيان والرحمة والحجة انتهى والباء متعلقة بمحذوف وجوبا حال من تلك سواء جعلت خبراً وما مبتدأً أو بالعكس؛ لأنه اسم إشارة وناصب الحال معنى الإشارة. وعلى قول الكوفيين يجوز أن يكون تلك اسما موصولا، ويمينك متعلق بمحذوف صلة له ذكره ابن هشام والشيخ خالد. {يا مُوسَى قَالَ هِىَ عَصَاىَ} ما بعد هذا زيادة فى الجواب عما كان السؤال عنه، كقوله صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ماء البحر -: "حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته"تفسير : . والمستحسن من الجواب أن يكون مطابقا للسؤال أو أعم منه لا أخص ولا مغايرا إلا لحكمة. ويحتمل أن يكون فهم من السؤال أن المراد تمديد النعم، فأجاب بما يطابق. وإنما ذكر المسند إليه وهو قوله: هى مع أنه معلوم؛ لأنه فى مقام يكون سماع السامع مطلوبا للمتكلم لعظمة السامع، وهو هنا الله، فبسط الكلام بذلك بذكر المسند إليه. وقرأ الحسن عصاى بكسر الياء اعتبر أن أصلها للسكون فكسرها لالتقاء الساكنين. كذا ظهر لى وسكنها ابن أبى إسحاق. والمشهور عصى بكسر الصاد وتشديد الياء قلب الألف ياء وأدغمها وكسر ما قبلها وهى لغة هذيل. وحكاها الواحدى فى البسيط عن طىِّء. قال الشيخ خالد: قرأ عاصم الجحدرى وابن إسحاق وعيسى بن عمر هى عَصَىّ ورويت عن النبى صلى الله عليه وسلم قاله الشاطبى. قال ابن هشام: ندر كسر ياء الإضافة بعد الألف فى قراءة الأعمش والحسن هى عصاى. {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} أعتمد عليها إذا عييت، وعند المشى والوثوب، وعند الوقوف على رأس القطيع، أعنى عند الرعى. {وَأَهُشُّ} أخبط الورق من الشجر. وقرأ النخعى أهش بكسر الهاء، وكلاهما من هش الخبز يَهش إذا انكسر لهشاشته. قال لقمان بن عاد: أكلت حِقا وابن لبون وجدعا وهشِشت نخب وسيلا وقع والحمد لله من غير شبع. ووقف على المنصوبين المنونين بالإسكان ونخب: واد قريب من الطائف كثير السِّدر وذلك لقوته وعظمته. وقالوا: الجزور أكلة لقمان والغلة جرعته. وقرأ عكرمة بالسين المهملة وضم الهاء أو كسرها أى أقبل بها على الغنم زاجراً للغنم. {بِهَا عَلَى غَنَمِى} وزعم بعضهم أن الواو فى وأهش واو الحال. والهش: الزجر. وهو ضعيف من جهتين: الأولى أن المضارع المثبت الواقع مع مرفوعه حالا لا يقرن بالواو. وأجاز بعضهم إن فصل عنها فيحتاج هنا إلى تقدير المبتدأ. والأصل عدم الحذف. والثانى: أن فى جعل الواو عاطفة إفادة معنى بقوله: أتوكأ عليها، ومعنى آخر بالهش. وإذا جعلنا الواو للحال كان الهش الذى هو الزجر قَيدا للتوكؤ. فيفيد أنه يتوكأ عليها فى حال الزجر. وذكر حاجتين مما يعمل بالعصى ولى من ذكر حاجة إلا إن جعلنا التوكؤ لغير الزجر وجعلنا الهش بمعنى الزجر وجعلنا الحال مقدرة أى أتوكأ عليها عند الإعياء مثلا مقدراً لزجر الغنم بها إذا احتجت. قيل: اسم العصَى نبعة ولها ألف معجزة. {وَلِىَ فِيهَا مَآرِبُ} جميع مأربة بهمزة ساكنة وقد تقلب ألفاً وتثليث الراء بمعنى حاجة. وإنما قال: {أُخْرَىْ} ولم يقل: أخر بضم الهمزة وفتح الخاء لتأويل المآرب بالجماعة أو الجملة. ومن تلك المآرب: أنه إذا سار ألقاها على عاتقة واعتمد عليها بيده فيستريح ويحمل عليها ما يحتاج إليه من طعام أو ماء وغيرهما كالسلاح. وكان فى رأسها شعبتان يقدح بهما النار وإذا آذاه الحر ألقى عليها كساء واستظل. وقيل: يركزها وتعود شجرة يستظل تحتها وإذا قص حبله وصله بها بل إذا لم يكن عنده حبل أصلا أو كان أدلاها فى البئر فتطول على طول البئر وتصير الشعبتان دلوا وإذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها. وإذا ظهر له عدو قاتل بها أو فضلت عنه وحدها. وروى أنه يحمل عليها وتمشى وحدها كالدابة وتحدثه ويركزها فينبع الماء. قيل: والطعام وإذا اشتهى ثمرة ركزها وأثمرتها. وإذا رفعها زال الماء والطعام وكانت تقيه من الهوام وكانت تثمر له ما يحتاج إليه، وتخرج له من ماء وطعام ما يحتاج إليه فى اليوم، وتضئ له بالليل كالسراج. وكانت قبل من شجر الريحان وهى العصى التى أخذها من بيت عِصِىّ الأنبياء من عند شعيب عليه الصلاة والسلام حين اتفق معه على الرعية. وهى عصى آدم هبط بها من الجنة. وعن بعضهم أنه ذكر المنافع المتعلقة بالعصى تفصيلا بالهش والتوكؤ وإجمالا بقوله: ولى فيها مآرب أخرى كأنه أحس بما يحدث بها بعد السؤال من أمر عظيم فقال: ما هى إلا عصى تنفع نفع نبات جنسها أو أراد الله تعديد المنافع واستكثارها ويريه عقب ذلك الآية العظمى كأنه يقول: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى التى تنسى عندها كل منفعة. وروى أنه سأله ليبسط منه ويقلل هيبته. وقيل: أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد فى إكرامه. وقيل: انقطع لسانه بالهيبة فأجمل. وكان لتِلك العصى اعوجاج فى رأسها إذا طال الغصن جفاه به، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين.
اطفيش
تفسير : {وما تلك} أنث الإشارة لأنها الى العصا، فهى معلومة، فالسؤال التقريرى عن حالها، وأشار بالبعد مع أنها فى يمينه إعظاماً لعلو قدرها، أو لدهشة عنها، حتى كأنها تيعدة عنه، ينبهه على أنها من نعم الإيمان، وترك الصد، وعلى أنها مشتملة على معجزات ومنافع، مع انها ليست إلا عصا شاهدها {بيمينكَ يا موسى} فى يمينك حال من تلك، أو صلة له على قول الكوفيين من جواز استعمال أسماء الإشارات مطلقاً موصولات، وخصّ البصريون ذامع تقدم ما، أو من الاستفهامية.
الالوسي
تفسير : شروع في حكاية ما كلفه عليه السلام من الأمور المتعلق بالخلق إثر حكاية ما أمر به من الشؤون الخاصة بنفسه. فما استفهامية في محل الرفع بالابتداء و {تِلْكَ } خبره أو بالعكس وهو أدخل بحسب المعنى وأوفق بالجواب و {بِيَمِينِكَ } متعلق بمضمر وقع حالاً من {تِلْكَ } أي وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك والعامل فيه ما فيه من معنى الإشارة كما في قوله عز وجل حكاية {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِى شَيْخًا }تفسير : [هود: 72] وتسميه النحاة عاملاً معنوياً. وقال ابن عطية: تلك اسم موصول و {بِيَمِينِكَ } متعلق بمحذوف صلته أي وما التي استقرت بيمينك. وهو على مذهب الكوفيين الذين يقولون إن كل اسم إشارة يجوز أن يكون اسماً موصولاً. ومذهب البصريين عدم جواز ذلك إلا في ذا بشرطه. والاستفهام تقريري وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى بيان المراد منه.
ابن عاشور
تفسير : بقية ما نودي به موسى. والجملة معطوفة على الجمل قبلها انتقالاً إلى محاورة أراد الله منها أن يُري موسى كيفية الاستدلال على المرسَل إليهم بالمعجزة العظيمة، وهي انقلاب العصا حيّة تأكل الحيات التي يظهرونها. وإبراز انقلاب العصَا حيّةً في خلال المحاورة لقصد تثبيت موسى، ودفع الشكّ عن أن يتطرقه لو أمره بذلك دون تجربة لأنّ مشاهدَ الخوارق تسارع بالنفس بادىء ذي بدء إلى تأويلها وتُدخل عليها الشك في إمكان استتار المعتاد بساتر خفي أو تخييل، فلذلك ابتدىء بسؤاله عما بيده ليوقن أنه ممسك بعصاه حتى إذا انقلبت حيّة لم يشك في أنّ تلك الحيّة هي التي كانت عصاه. فالاستفهام مستعمل في تحقيق حقيقة المسؤول عنه. والقصد من ذلك زيادة اطمئنان قلبه بأنه في مقام الاصطفاء، وأن الكلام الذي سمعه كلام من قبل الله بدون واسطة متكلّم معتاد ولا في صورة المعتاد، كما دلّ عليه قوله بعد ذلك {أية : لنريك من آياتنا الكبرى}تفسير : [طه: 23]. فظاهر الاستفهام أنه سؤال عن شيء أشير إليه. وبُنيت الإشارة بالظرف المستقر وهو قوله {بِيَمِينِكَ}، ووقع الظرف حالاً من اسم الإشارة، أي ما تلك حال كونها بيمينك؟. ففي هذا إيماء إلى أن السؤال عن أمر غريب في شأنها، ولذلك أجاب موسى عن هذا الاستفهام ببيان ماهية المسؤول عنه جرياً على الظاهر، وببيان بعض منافعها استقصاء لمراد السائل أن يكون قد سأل عن وجه اتخاذه العصا بيده لأنّ شأن الواضحات أن لا يسأل عنها إلاّ والسائل يريد من سؤاله أمراً غير ظاهر، ولذلك لما حديث : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجّة الوداع: «أيُّ يوم هذا؟» سكت النّاس وظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. وفي رواية أنهم قالوا: «الله ورسوله أعلم، فقال: أليس يوم الجمعة؟...» تفسير : إلى آخره. فابتدأ موسى ببيان الماهية بأسلوب يؤذن بانكشاف حقيقة المسؤول عنه، وتوقع أن السؤال عنه توسل لتطلب بيان وراءه. فقال: {هِيَ عَصَايَ}، بذكر المسند إليه، مع أنّ غالب الاستعمال حذفه في مقام السؤال للاستغناء عن ذكره في الجواب بوقوعه مسؤولاً عنه، فكان الإيجاز يقتضي أن يقول: عصاي. فلما قال: {هِيَ عَصَايَ} كان الأسلوب أسلوب كلام من يتعجب من الاحتياج إلى الإخبار، كما يقول سائل لما رأى رجلاً يعرفه وآخر لا يعرفه: من هذا معك؟ فيقول: فلان، فإذا لقيَهما مرة أخرى وسأله: من هذا معك؟ أجابه: هو فلان، ولذلك عَقب موسى جوابَه ببيان الغرض من اتّخاذها لعلّه أن يكون هو قصد السائل فقال: {أتَوَكَّؤُا عليها وأَهُشُّ بها على غَنَمي ولِي فيها مَئَارِبُ أُخْرَىٰ}. ففصّل ثمّ أجمل لينظر مقدار اقتناع السائل حتّى إذا استزاده بياناً زاده. والباء في قوله {بِيَمِينِكَ} للظرفية أو الملابسة. والتوكّؤ: الاعتماد على شيء من المتاع، والاتّكاء كذلك، فلا يقال: توكّأ على الحائط ولكن يقال: توكأ على وسادة، وتوكأ على عصا. والهَشّ: الخَبْط، وهو ضرب الشجرة بعصاً ليتساقط ورقها، وأصله متعدّ إلى الشجرة فلذلك ضمت عينه في المضارع، ثمّ كثر حذف مفعوله وعدي إلى ما لأجله يوقع الهش بـ(على) لتضمين (أهشّ) معنى أُسقط على غنمي الورق فتأكله، أو استعملت (على) بمعنى الاستعلاء المجازي كقولهم: هو وكيل على فلان. ومَآرب: جمع مَأرُبة، مثلث الراء: الحاجة، أي أمور أحتاج إليها. وفي العصا منافع كثيرة روي بعضها عن ابن عباس، وقد أفرد الجاحظ من كتاب «البيان والتبيين» باباً لمنافع العصا. ومن أمثال العرب: «هو خير من تفارق العصا». ومن لطائف معنى الآية ما أشار إليه بعض الأدباء من أن موسى أطنب في جوابه بزيادة على ما في السؤال لأنّ المقام مقام تشريف ينبغي فيه طول الحديث. والظاهر أنّ قوله {مَئَارب أُخرى} حكاية لقول موسى بمماثله، فيكون إيجازاً بعد الإطناب، وكان يستطيع أن يزيد من ذكر فوائد العصا. ويجوز أن يكون حكاية لقول موسى بحاصل معناه، أي عدّ منافع أخرى، فالإيجاز من نظم القرآن لا من كلام موسى - عليه السلام -. والضمير المشترك في {قال ألقِها} عائد إلى الله تعالى على طريقة الالتفات من التكلّم الذي في قوله إنني أنا الله؛ دعا إلى الالتفات وقوع هذا الكلام حواراً مع قول موسى: {هي عصاي...} إلخ. وقوله {أَلقِهَا} يتضح به أن السؤال كان ذريعة إلى غرض سيأتي، وهو القرينة على أن الاستفهام في قوله {وما تلك بيمينك} مستعمل في التنبيه إلى أهمية المسؤول عنه كالذي يجيء في قوله: {أية : وما أعجلك عن قومك يا موسى}تفسير : [طه: 83]. والحيّة: اسم لصنف من الحنش مسموم إذا عضّ بنابيه قتل المعضوض، ويطلق على الذكر. ووصف الحيّة بـ{تَسعَىٰ} لإظهار أنّ الحياة فيها كانت كاملة بالمشي الشديد. والسعي: المشي الذي فيه شدّة، ولذلك خصّ غالباً بمشي الرجل دون المرأة. وأعيد فعل {قَالَ خُذْهَا} بدون عطف لوقوعه في سياق المحاورة. والسيرة في الأصل: هيئة السير، وأطلقت على العادة والطبيعة، وانتصب {سِيرَتَها} بنزع الخافض، أي سنعيدها إلى سيرتها الأولى التي كانت قبل أن تنقلب حيّة، أي سنعيدها عصاً كما كانت أول مرة. والغرض من إظهار ذلك لموسى أن يعرف أنّ العصا تطبعت بالانقلاب حيّة، فيتذكر ذلك عند مناظرة السحرة لئلا يحتاج حينئذ إلى وحي.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وما تلك بيمينك يا موسى: الاستفهام للتقرير به ليرتب عليه المعجزة وهي انقلابها حية. أتوكأ عليها: أي أعتمد عليها. وأهش بها على غنمي: أخبط بها ورق الشجر فيتساقط فتأكله الغنم. ولي فيها مآرب أخرى: أي حاجات أخرى كحمل الزاد بتعليقه فيها ثم حمله على عاتقه، وقتل الهوام. حية تسعى: أي ثعبان عظيم، تمشي على بطنها بسرعة كالثعبان الصغير المسمى بالجان. سيرتها الأولى: أي إلى حالتها الأولى قبل أن تنقلب حيّة. إلى جناحك: أي إلى جنبك الأيسر تحت العضد إلى الإِبط. بيضاء من غير سوء: أي من غير برص تضيء كشعاع الشمس. إذهب إلى فرعون: أي رسولاً إليه. إنه طغى: تجاوز الحد في الكفر حتى ادعى الألوهية. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم مع موسى وربه تعالى إذ سأله الرب تعالى وهو أعلم به وبما عنده قائلا: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}؟ يسأله ليقرر بأن ما بيده عصا من خشب يابسة، فإذا تحولت إلى حية تسعى علم أنها آية له أعطاه إياها ربه ذو القدرة الباهرة ليرسله إلى فرعون وملائه. وأجاب موسى ربه قائلا: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} يريد يخبّط بها الشجر اليابس فيتساقط الورق فتأكله الغنم {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ} أي حاجات {أُخْرَىٰ} كحمل الزاد والماء يعلقه بها ويضعه على عاتقه كعادة الرعاة وقد يقتل بها الهوام الضارة كالعقرب والحية. فقال له ربه عز وجل {أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ فَأَلْقَاهَا} من يده {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} أي ثعبان عظيم تمشي على بطنها كالثعبان الصغير المسمى بالجان فخاف موسى منها وولى هارباً فقال له الرب تعالى: {خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى} أي نعيدها عصا كما كانت قبل تحولها إلى حية وفعلاً أخذها فإذا هي عصاه التي كانت بيمينه. ثم أمره تعالى بقوله: {وَٱضْمُمْ يَدَكَ} أي اليمنى {إِلَىٰ جَنَاحِكَ} الأيسر {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي برص وفعل فضم تحت عضده إلى إبطه ثم استخرجها فإذا هي تتلألؤ كأنها فلقة قمر، أو كأنها الثلج بياضاً أو أشد، وقوله تعالى {آيَةً أُخْرَىٰ} أي آية لك دالة على رسالتك أخرى إذ الأولى هي انقلاب العصا إلى حية تسعى كأنها جان. وقوله تعالى: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ} أي حولنا لك العصا حية وجعلنا يدك تخرج بيضاء من أجل أن نريك من دلائل قدرتنا وعظيم سلطاننا. وقوله تعالى: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} لما اراه من عجائب قدرته أمره أن يذهب إلى فرعون رسولاً إليه يأمره بعبادة الله وحده وأن يرسل معه بني إسرائيل ليخرج بهم إلى أرض المعاد بالشام وقوله {إِنَّهُ طَغَىٰ} أي تجاوز قدره، وتعدى حده كبشر إذ أصبح يدعي الربوبية والألوهية إذ فقال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24] وقال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي}تفسير : [القصص: 38]، فأي طغيان أكبر من هذا الطغيان. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إذ مثل هذه الأخبار لا تصح إلا ممن يوحى إليه. 2- استحباب تناول الأشياء غير المستقذرة باليمين. 3- مشروعية حمل العصا. 4- سنة رعي الغنم للأنبياء. 5- مشروعية التدريب على السلاح قبل استعماله في المعارك. 6- آية موسى في انقلاب العصا حية وخروج اليد البيضاء كأنها الثلج أو شعاع شمس. 7- بيان الطغيان: وهو ادعاء العبد ما ليس له كالألوهية ونحوها.
القطان
تفسير : أتوكأ عليها: اعتمد عليها في المشي. أهشّ بها على غنمي: اخبط بها ورق الشجر لتأكله الغنم. مآرب: واحدها مأرب، ومأربة: الحاجة. سيرتها الأولى. تعود كما كانت عصا. جناحك: أصل الجناح للطائر، والمراد به هنا: الإبط والجانب. من غير سوء: من غير عاهة كالبرص. آية اخرى: معجزة اخرى. طغى: تجاوز الحد. واحلل عقدةً من لساني: كان في لسان موسى حبسة، وهو يسأل الله تعالى ان يطلق لسانه. يفقهوا قولي: يفهموه. وزيرا: معينا. وأشركه في أمري: اجعله شريكا لي في النبوة والرسالة. انك كنت بنا بصيرا: عالماً بأحوالنا. {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}. وبينما موسى مستغرقٌ في لحظاتٍ ربَّانية، في نشوة روحانية مما سمع وما تلقّى، قد نسي نفسه وما جاء من اجله، كما نسيَ أهلَه وما هم فيه - إذا بنداءٍ قُدُسي وسؤال يلقى عليه: ماذا تحمل بيمينك يا موسى؟ واللهُ أعلمُ بما في يده. فقال موسى مجيبا: إنها عصايَ، أعتمدُ عليها في سَيري، وتوقفي، واسوق بها غنمي، وأضرب بها ورق الشجر ليسقط وتأكله الغنم، وليَ فيها حاجاتٌ ومنافع اخرى. وبعد ان ذكر هذه الأجوبة أمره تعالى بإلقائها لتتبين لها فوائدُ لم يعرفها موسى من قبل. {قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ}. قال الله لموسى: إرمِ بها على الأرض، فألقها فإذا هي ثعبانٌ عظيم ينتقل من مكانٍ الى مكان. وكانت مفاجأةً لموسى جعلتْه يهرب منها كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ}تفسير : [النمل:10] [القصص:31]. فلما خافَ منها طمأنَهُ الله وأمره بأخذِها وهي على حالها: {قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ}. خذها بيمينك ولا تخف منها، إنا سنرجعها الى حالتها الأولى التي كانت عليها من قبل عصا. {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ آيَةً أُخْرَىٰ}. أدخِل يدك في جيبك ثم أخرجْها تخرجْ بيضاءَ ناصعةً من غير مرضٍ كالبرص وغيره وذلك لأن موسى كان أسمر، وكان خروجُ يده بيضاء تتلألأ ويسطع منها النور - معجزةً ثانيةً جعلَها الله له بعد العصا. وذلك كله لترى يا موسى بعض معجزات الله الكبرى فتكون دليلاً لك أمام قومك على صِدقك في الرسالة. وبعد ان زوّده بهذه المعجزات أمره بالذهاب الى فرعون الطاغية فقال: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}. اذهبْ الى الطاغية فرعون المتكبر، وادعُه الى الإيمان بالله الواحد الأحَد، فإنه تجاوز الحدَّ في كفره وطغيانه. بعد هذا سأل موسى ربه بعض الأمور ليستعين على تبليغ رسالته فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي...}. لقد طلب من ربّه أربعةَ أمور: أن يشرح له صدره فلا يغضبَ بسرعة حتى يؤدي رسالته، ويسهّل له امره بأن يُمده بالعون والتوفيق لأداء ما كلّفه به، وان يطلق حُبْسَة لسانه حتى يستطيع تبليغ رسالته، ويُفهم الناس ما يقول. أما الطلب الرابع فهو ان يمده بأخيه هارون يكون نبياً معه يُعينه ويساعده، لأن هارون كان فصيحا، وليّنا رقيقا، ووسيما، بخلاف موسى الذي كان حادّ الطبع سريع الغضب. وهذه امور تعين الانسان على أداء اكبر مهمة تناط به. ثم قال: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً.. إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً}. إننا اذا تعاونّا على أداء الرسالة، بإمدادك لي بأخي، فلسوفَ ننزّهك عما لا يليق بك، ونذكُرك وحدك ابتغاء مرضاتك، لأنك تفضّلتَ علينا وكنت دائماً عليما بأحوالنا، ومتكفلاً بأمرنا. قراءات: قرأ ابن عامر: أشدد بهِ أزري بفتح همزة أشدد، وأشركه في أمري: بضم همزة أشركه، والباقون: اشدد بهمزة وصل، فعل امر، وأشركه: بفتح الهمزة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰمُوسَىٰ} (17) - ثُمَّ سَأَلَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى عَنِ العَصَا التِي يَحْمِلُهَا بِيَمِينِهِ فَقَالَ لَهُ: وَمَا ذلِكَ الشَّيءُ الذِي تَحْمِلُهُ بِيَدِكَ اليُمْنَى؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما: استفهامية. والتاء بعدها إشارة لشيء مؤنَّت، هو الذي يمسكه موسى في يده، والكاف للخطاب، كأنه قال له: ما هذا الشيء الذي معك؟ والجواب عن هذا السؤال يتم بكلمة واحدة: عَصَا. أمّا موسى - عليه السلام - فهو يعرف أن الله تعالى هو الذي يسأل، ولا يَخْفَى عليه ما في يده، ولكنه كلام الإيناس؛ لأن الموقف صعب عليه، ويريد ربه أنْ يُطمئنَه ويُؤنِسَه. وإذا كان الإيناس من الله، فعلى العبد أنْ يستغلّ هذه الفرصة ويُطيل أمدَ الائتناس بالله عز وجل، ولا يقطع مجال الكلام هكذا بكلمة واحدة؛ لذلك رد موسى عليه السلام: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أصناف ألطافه مع خواصه بقوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} [طه: 17] إلى قوله: {كُنتَ بِنَا بَصِيراً} [طه: 35] يشير إلى أنه تعالى كان عالماً بأن في يمينه العصا إذ قال: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} [طه: 17] وتلك تقال للمؤنث والعصا مؤنث، وإنما امتحن موسى بهذا السؤال تنبيهاً له؛ ليعلم أن للعصا عند الله اسماً آخر وحقيقة أخرى غير ما علم منها، فيحيل علمها إلى الله تعالى ويقول: أنت أعلم بها يا رب، فلمَّا أنكل على علم نفسه وقال: هي عصاك، قيل له: أخطأت، هذا الجواب خطأين: أحدهما: في قولك إذ سميتها العصا. والثاني: في إضافتها إلى نفسك لقولك: {عَصَايَ} [طه: 18] وهي ثعبان لا فلمَّا قال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} [طه: 18] قال تعالى اتكأت على غيري، فقال الله القهار: {يٰمُوسَىٰ} [طه: 19] ليعلم أنها ليست تصلح للاتكاء ولا يصلح لك الاتكاء على غير الله إلا على لطفه وكرمه؛ لأنه يكون ثعبان وتحسب أنه متوكأ لك وواسطة رزق أغنامك إذ قلت: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} [طه: 18] وسعيت ونسيت أن الرزاق هو الله تعالى، وأحلت مآربك إليها إذ قلت: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} [طه: 18] ولم تحل مآربك إلى الله هو قاضي الحاجات مجيب الدعوات {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} [طه: 20] لا عصى من خشب يابس فهرب منها موسى خائفاً مستحيياً خجلاً مما جرى عليه قولاً وفعلاً، فرجع إلى الله بقلبه مستغفراً له. ثم أدركته العناية الأزلية وقال: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ} [طه: 21] يعني: كنت تحسب أن لك فيها المآرب والمنافع في البداية، ثم رأيتها وأنت خائف من مغايرها فخذها ولا نخف؛ لتعلم أن الله هو الضار والنافع، فيكون خوفك ورجاؤك منه وإليه لا من غيره {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ} [طه: 22] أي: انزع يدك؛ أي: يد همتك من غير الله وعنهم {تَخْرُجْ} [طه: 22] من ظلمة الدارين نقية {بَيْضَآءَ} [طه: 22] اللون نورانية {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} [طه: 22] مضرة خسارتك تعود إليك من ترك الدارين مع التصرف فيهما بالله في الله ولله وهو {آيَةً أُخْرَىٰ} [طه: 22]. {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ} [طه: 23] وفيه إشارة إلى: إبعاده بالرؤية؛ لأنها من آياته الكبرى؛ يعني: إنك إذا ضممت يد همتك إلى جناحك بقطع تعلق الدارين ولا تلتفت إلى غير الله فتستحق رؤيته، فإنك ما دمت تنظر إلى غيره لا تكون مستحقاً للنظر إليه ألا ترى إلى غير الله فتستحق رؤيته، فإنك ما دمت تنظر إلى غيره لا تكون مستحقاً للنظر إليه ألا ترى أنك لمَّا امتحناك بالنظر إلى الجبل حرمت عن النظر إلينا؟ وأمَّا محمد فلمَّا امتحن بكشف حقائق الدارين {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} تفسير : [النجم: 16] ما التفت إلى ما سوى الله {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17] لا جرم {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النجم: 18]. وبقوله: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} [النازعات: 17] يشير إلى معنيين: * أحدهما: إن السالك الصادق إذا بلغ مرتبة كمال يقضيه الله لدلالة عباده لهدايتهم وتربيتهم ودعوتهم إلى الله. * والثاني: إن كمال الكمال للبالغين في أن يرجعوا إلى الخلق لمخالطتهم والصبر على أذاهم ليخبروا بذلك حلمهم وعفوهم، وفي قوله: {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي * وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي} [طه: 25-28] إشارة إلى أن الواصل الكامل لا يغتر بكماله ولا يعتمد على أحواله، بل يكون مراجعاً إلى الله في جميع حالاته، مراقباً مستعيناً به ساعياً في طلب الزيادة. وفي قوله: {وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي} [طه: 29-32] إشارة إلى أن صحبة الأخيار ومؤازرتهم مرغوب الأنبياء فضلاً عن غيرهم، ولا ينبغي أن يكون المرء مستبداً برأيه مغروراً بقوته وشوكته، وينبغي أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويجوز لنفسه الشريك في أمور المناصب، وبقوله: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} [طه: 33-34] يشير إلى أن للجليس الصالح والصديق الصديق أثراً عظيماً في المعاونة على كثرة الطاعات، والموافقة اقتحام عقبات السلوك وقطع مفاوزه {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً} [طه: 35] في الأزل، وإنك شرفتنا باستعداد الرسالة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما بين الله لموسى أصل الإيمان، أراد أن يبين له ويريه من آياته ما يطمئن به قلبه، وتقر به عينه، ويقوي إيمانه، بتأييد الله له على عدوه فقال: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } هذا، مع علمه تعالى، ولكن لزيادة الاهتمام في هذا الموضع، أخرج الكلام بطريق الاستفهام، فقال موسى: { هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي } ذكر فيها هاتين المنفعتين، منفعة لجنس الآدمي، وهو أنه يعتمد عليها في قيامه ومشيه، فيحصل فيها معونة. ومنفعة للبهائم، وهو أنه كان يرعى الغنم، فإذا رعاها في شجر الخبط ونحوه، هش بها، أي: ضرب الشجر، ليتساقط ورقه، فيرعاه الغنم. هذا الخلق الحسن من موسى عليه السلام، الذي من آثاره، حسن رعاية الحيوان البهيم، والإحسان إليه دل على عناية من الله له واصطفاء، وتخصيص تقتضيه رحمة الله وحكمته. { وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ } أي: مقاصد { أُخْرَى } غير هذين الأمرين. ومن أدب موسى عليه السلام، أن الله لما سأله عما في يمينه، وكان السؤال محتملا عن السؤال عن عينها، أو منفعتها أجابه بعينها، ومنفعتها فقال الله له: { أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } انقلبت بإذن الله ثعبانا عظيما فولى موسى هاربا خائفا ولم يعقب وفي وصفها بأنها تسعى إزالة لوهم يمكن وجوده وهو أن يظن أنها تخييل لا حقيقة فكونها تسعى يزيل هذا الوهم. فقال الله لموسى { خُذْهَا وَلا تَخَفْ } أي ليس عليك منها بأس { سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى } أي هيئتها وصفتها إذ كانت عصا فامتثل موسى أمر الله إيمانا به وتسليما فأخذها فعادت عصاه التي كان يعرفها هذه -آية ثم ذكر الآية الأخرى فقال { وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ } أي أدخل يدك في جيبك وضم عليك عضدك الذي هو جناح الإنسان { تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } أي بياضا ساطعا من غير عيب ولا برص { آيَةً أُخْرَى }. قال الله: {أية : فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ }. تفسير : { لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى } أي فعلنا ما ذكرنا من انقلاب العصا حية تسعى ومن خروج اليد بيضاء للناظرين لأجل أن نريك من آياتنا الكبرى الدالة على صحة رسالتك وحقيقة ما جئت به فيطمئن قلبك ويزداد علمك وتثق بوعد الله لك بالحفظ والنصرة ولتكون حجة وبرهانا لمن أرسلت إليهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):