Verse. 2381 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيْرًا۝۳۳ۙ
Kay nusabbihaka katheeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كي نسبحك» تسبيحا «كثيرا».

33

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَىْ نُسَبِّحَكَ } تسبيحاً {كَثِيراً }.

البقاعي

تفسير : ولما أفهم سؤاله هذا أن له فيه أغراضاً، أشار إلى أنها ليست مقصودة له لأمر يعود على نفسه بذكر العلة الحقيقية، فقال: {كي نسبحك} أي بالقول والفعل بالصلاة وغيرها {كثيراً*} فأفصح عن أن المراد بالمعاضدة إنما هو لتمهيد الطريق إليه سبحانه. ولما كان التسبيح ذكراً خاصاً لكونه بالتنزيه الذي أعلاه التوحيد، أتبعه العام فقال: {ونذكرك} أي بالتسبيح والتحميد {كثيراً} فإن التعاون والتظاهر أعون على تزايد العبادة أنه مهيج للرغبات؛ ثم علل طلبه لأخيه لأجل هذا الغرض بقوله: {إنك كنت بنا بصيراً*} قبل الإقامة في هذا الأمر في أنك جبلتنا على ما يلائم ذكرك وشكرك، وأن التعاضد مما يصلحنا، وكل ذلك تدريب لمن أنزل عليه الذكر على مثله وتذكير بنعمة تيسيره بلسانه ليزداد ذكراً وشكراً. ولما تم ذلك، كان موضع توقع الجواب، فأتبعه قوله: {قال} أي الله : {قد أوتيت} بأسهل أمر {سؤلك} أي ما سألته {يا موسى} من حل عقدة لسانك وغير ذلك ولو شئت لم أفعل ذلك ولكني فعلته منة مني عليك. ولما كان إنجاؤه من فرعون يث ولد في السنة التي يذبح فيها الأبناء - قالوا: وهي الرابعة من ولادة هارون عليه السلام - بيد فرعون وفي بيته أمراً عظيماً، التفت إلى مقام العظمة مذكراً له بذلك تنويراً لبصيرته وتقوية لقلبه، إعلاماً بأنه ينجيه منه الآن، كما أنجاه في ذلك الزمان، ويزيده بزيادة السن والنبوة خيراً، فيجعل عزه في هلاكه كما جعل إذ ذاك عزه في وجوده فقال: {ولقد مننا} أي أنعمنا إنعاماً مقطوعاً به على ما يليق بعظمتنا {عليك} فضلاً منا {مرة أخرى*} غير هذه؛ ثم ذكر وقت المنة فقال: {إذ} أي حين {أوحينا} أي بما لنا من العظمة {إلى أمك} أي بالإلهام {ما} يستحق لعظمته أن {يوحى*} به، ولا يعلمه إلا نبي أو من هو قريب من درجة النبوة؛ ثم فسره بقوله: {أن اقذفيه} أي ألقي ابنك {في التابوت} وهو الصندوق، فعلوت من التوب الذي معناه تفاؤلاً به، وقال الحرالي: هو وعاء ما يعز قدره، والقذف مجاز عن المسارعة إلى وضعه من غير تمهل لشيء أصلاً، إشارة إلى أنه فعل مضمون السلامة كيف ما كان، والتعريف لأنه نوع من الصناديق أشد الناس معرفة به بنو إسرائيل {فاقذفيه} أي موسى عليه السلام عقب ذلك بتابوته، أو التابوت الذي فيه موسى عليه السلام {في اليم} أي البحر وهو النيل. ولما كانت سلامته في البحر من العجائب، لتعرضه للغرق بقلب الريح للتابوت، أو بكسره في بعض الجدر أو غيرها، أو بجريه مستقيماً مع أقوى جرية من الماء إلى البحر الملح وغير ذلك من الآفات، أشار إلى تحتم تنجيته بلام الأمر عبارة عن معنى الخبر في قوله، جاعلاً البحر كأنه ذو تمييز ليطيع الأمر: {فليلقه} أي التابوت الذي فيه موسى عليه السلام أو موسى بتابوته {اليم بالساحل} أي شاطىء النيل، سمي بذلك لأن الماء يسحله، أي ينشره إلى جانب البيت الذي الفعل كله هرباً من شر صاحبه، وهو فرعون، وهو المراد بقوله: {يأخذه} جواباً للأمر، أي موسى {عدو لي} ونبه على محل العجب بإعادة لفظ العدو في قوله: {وعدو له} فإنه ما عادى بني إسرائيل بالتذبيح إلا من أجله {وألقيت عليك محبة} أي عظيمة؛ ثم زاد الأمر في تعظيمها إيضاحاً بقوله: {مني} أي ليحبك كل من رآك لما جبلتك عليه من الخلال الحميدة، والشيم السديدة، لتكون أهلاً لما أريدك له {ولتصنع} أي تربى بأيسر أمر تربية بمن هو ملازم لك لا ينفك عن الاعتناء بمصالحك عناية شديدة {على عيني*} أي مستعلياً على حافظيك غير مستخفى في تربيتك من أحد ولا مخوف عليك منه، وأنا حافظ لك حفظ من يلاحظ الشيء بعينه لا يغيب عنها، فكان كل ما أردته، فلما رآك هذا العدو أحبك وطلب لك المراضع، فلما لم تقبل واحدة منهن بالغ في الطلب، كل ذلك إمضاء لأمري وإيقافاً لأمره به نفسه لا بغيره ليزداد العجب من إحكام السبب، ثم ذكر ظرف الصنع فقال: {إذ} أي حين {تمشي أختك} أي في الموضع الذي وضعوك به لينظروا لك مرضعة {فتقول} بعد إذ رأتك، لآل فرعون: {هل أدلكم على من يكفله} أي يقوم بمصالحه من الرضاع والخدمة، ناصحاً له، فقالوا: نعم! فجاءت بأمك فقبلت ثديها {فرجعناك} أي فتسبب عن قولها هذا أن رجعناك {إلى أمك} حين دلتهم عليها {كي تقر} أي تبرد وتسكن {عينها} وتربيك آمنة عليك غير خائفة، ظاهرة غير مستخفية {ولا تحزن} بفراقك أو بعدم تربيتها لك وبذلها الجهد في نفعك {وقتلت نفساً} أي بعد أن صرت رجلاً من القبط دفعاً عن رجل من قومك فطلبت بها وأرادوا قتلك {فنجيناك} بما لنا من العظمة {من الغم} الذي كان قد نالك بقتله خوفاً من جريرته، بأن أخرجناك مهاجراً لديارهم نحو مدين {وفتناك فتوناً} أي خلصناك من محنة بعد محنة مرة بعد مرة، على أنه جمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بالتاء، ويجوز أن يكون مصدراً كالشكور، إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع من غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفاً يترقب، ثم إيجار نفسه عشر سنين، ثم إضلاله الطريق، ثم تفرق غنمه في ليلة مظلمة {فلبثت سنين} أي كثيرة {في أهل مدين} مقيماً عند نبينا شعيب عليه السلام يربيك بآدابه، وصاهرته على ابنته {ثم جئت} أي الآن {على قدر} أي وقت قدّرته في الأزل لتكليمي لك، وهو بلوغ الأشد والاستواء، وإرسالك إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء بني اسرائيل خوفاً منه، فجئت غير مستقدم ولا مستأخر {يا موسى * واصطنعتك} أي ربيتك بصنائع المعروف تربية من يتكلف تكوين المربى على طريقة من الطرائق {لنفسي *} أي لتفعل من مرضاتي في تمهيد شرائعي وإنفاذ أوامري ما يفعله من يصنع للنفس من غير مشارك، فهو تمثيل لما حوله من منزلة التقريب والتكريم. فلما تمهد ذلك كله بعد علم نتيجته، أعادها في قوله: {اذهب أنت} كما تقدم أمري لك به {وأخوك} كما سألت {بآياتي} التي أريتك وغيرها مما أظهره على يديك {ولا تنيا} أي تفترا وتضعفا {في ذكري*} الذي تقدم أنك جعلته غاية دعائك، بل لتكن - مع كونه ظرفاً محيطاً بجميع أمرك - في غاية الاجتهاد فيه وإحضار القلب له، وليكن أكثر ما يكون عند لقاء فرعون أن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه، فإن ذلك أعون شيء على المراد، ثم بين المذهوب إليه بقوله، مؤكداً لنفس الذهاب لأنه لشدة الخطر لا يكاد طبع البشر يتحقق جزم الأمر به فقال: {اذهبا إلى فرعون} ثم علل الإرسال إليه بقوله، مؤكداً لما مضى، ولزيادة التعجيب من قلة عقله، فكيف بمن تبعه {إنه طغى*} ثم أمرهما بما ينبغي لكل آمر بالمعروف من الأخذ بالأحسن فالأحسن والأسهل فالأسهل، فقال مسبباً عن الانتهاء إليه ومعقباً: {فقولا له قولاً ليناً} لئلا يبقى له حجة، ولا يقبل له معذرة {لعله يتذكر} ما مر له من تطوير الله له في أطوار مختلفة، وحمله فيما يكره على ما لم يقدر على الخلاص منه بحيلة، فيعلم بذلك أن الله ربه، وأنه قادر على ما يريد منه، فيرجع عن غيّه فيؤمن {أو يخشى*} أي أو يصل إلى حال من يخاف عاقبة قولكما لتوهم الصدق فيكون قولكما تذكرة له فيرسل معكما بني إسرائيل، ومعنى الترجي أن يكون حاله حال من يرجى منه ذلك، لأنها من ثمرة اللين في الدعاء، جرى الكلام في هذا وأمثاله على ما يتعارفه العباد في محاوراتهم، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون، فالمراد: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم، وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما، وأما علمه تعالى فقد أتى من وراء ما يكون - قاله سيبويه في باب من النكرة يجري مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: لا يخطرن بسرك ما خطر لموسى. حيث قال: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً} استكثر ما منا من العبادة والتسبيح لا يخطرن بك ما خطر به. قال جعفر: قيل لموسى: استكثرت تسبيحك وتكبيرك ونسيت بدايات فضلنا عليك فى حفظك فى اليم وردك إلى أمك وتربيتك فى حجر عدوك، وأكثر من هذا كله خطابنا معك وكلامنا إياك، وأكثر من هذا كله إخبارنا باصطناعنا لك. قال ابن عطاء: اشرح لى صدرى بنور القربة، واحلل عقدة من لسانى. أى: عقدة الاختيار. وقال أيضًا: واحلل عقدة من لسانى. أى: عقدة الإنسانية حتى لا يكون كلامى إلا عنك وبك. كان الواسطى: إذا ضرب عليه ضربته نسى كثير تسبيحه وأرجع إلى حال الالتجاء.

القشيري

تفسير : بين أن طَلَبَه مُشاركةَ أخيه له بحقِّ ربه لا بحظِّ نَفْسِه حيث قال: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً}.

البقلي

تفسير : {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} اراد بالذكر والتسبيح الكثير --- لك ما من الله عليهما بنعت الحمد والشكر والحمد اذا كان بلسان الحدث يكون قليلا ولكن اذا كان العارف بذكر اشياء ويسبح الله بالله يكون بالله لله كثيرا حيث من عين الجمع فى محل الاتصاف والاتحاد ثناء موسى وهارون تنام على نفسه اذ لم يبق فى البين غير الله فان الكل هو الله وذكره موازى وصف قدمه وذلك الذكر الكثير وما دونه فو فى محل القليل قال ابن عطا لا يخطرن بسرك ما خطر بموسى حيث قال كى نسبحك كثيرا استكثر ما منا من العبادة والتسبيح فلا يخطرن بك كما خطر به قال جعفر قيل لموسى استكثرت تسبيحك وتكبيرك ونسيت بدايات فضلنا عليك فى حفظك فى اليم وردّك الى امك وتربيتك فى حجر عدوك واكثر من هذا كله خاطبنا معك وكلمنا اياك واكثر منه اخبارنا باصطنا عنا لك ولما كان قصد موسى بسواله انقاذ مراد الحق لامراء نفسه وقع الاجابة على موافقة الاصطفائية الازلية بقوله {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {كى} غاية للادعية الثلاثة الاخيرة: والمعنى بالفارسية [تا] {نسبحك} تسبيحا {كثيرا} اى ننزهك عما لا يليق بك من الافعال والصفات التى من جملتها ما يدعيه فرعون.

الجنابذي

تفسير : لمّا كان عماد امر الرّسالة والعبادة هو التّسبيح والتّحميد بل كان اساس جملة الامور على الطّرح والاخذ والخلع واللّبس الّذين صورتهما الزّكٰوة والصّلٰوة والتّسبيح والتّحميد والتّبرّى والتّولّى، جمع فى غاية مسؤله بينهما وجعل غاية سؤال الموازرة ذلك للاشعار بانّ منظوره من السّؤال ليس الاّ ما هو ملاك جملة الامور؛ وفيه اشعار بانّ الاجتماع اذا كان على سبيل الموافقة يعين على جهة العبادة.

اطفيش

تفسير : {كَىْ نُسَبِّحَكَ} ننزهك باللسان والقلب تسبيحاً {كَثِيرًا} وقيل: المراد بالتسبيح الصلاة.

اطفيش

تفسير : {كى نُسبِّحك كثيراً} عن صفات النقص {ونذْكرك كثيراً} بصفات الجلال، وذلك تعليل لطلب الوزير، وشد الأزر، والإشراك فى الأمر على معنى طلبت ذلك كى الخ، أو على التنازع فى المصدر، وكل من التسبيح والذكر يكثر الآخر بانضمامه إليه، يقوى كل مع الآخر ما لا يقوى وحده، وذلك حال تحمل الوحى، وحال الدعاء إليه، والمراد تسبيحاً كثيراً، وذكراً، وزماناً كثيراً، والأولى المصدرية لأنه لم يعهد زمان كثير بل طويل، وتقديم التسبيح على المذكر من تقديم التخلية على التحلية. وقيل لأن التسبيح تنزيه عما لا يليق، وهو بالقلب، والذكر باللسان، والقلب مقدم، وفيه أن التسبيح لا يختص بالقلب، والذكر لا يختص باللسان، ويبعد أن يفسر التسبيح بالصلاة، والذكر بالحمد على الوحى وسائر النعم.

الالوسي

تفسير : غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة فإن فعل [فيها] كل واحد منهما من التسبيح والذكر مع كونه مكثراً لفعل الآخر ومضاعفاً له بسبب انضمامه إليه مكثر له في نفسه أيضاً بسبب تقويته وتأييده إذ ليس المراد بالتسبيح والذكر ما يكون منهما بالقلب أو في الخلوات حتى لا يتفاوت حاله عند التعدد والانفراد بل ما يكون منهما في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة إلى الحق وذلك مما / لا ريب في اختلاف حاله في حالتي التعدد والانفراد فإن كلاً منهما يصدر عنه بتأييد الآخر من إظهار الحق ما لا يكاد يصدر عنه مثله حال الانفراد، و {كَثِيراً } في الموضعين نعت لمصدر محذوف أو زمان محذوف أي ننزهك عما لا يليق بك من الصفات والأفعال التي من جملتها ما يدعيه فرعون الطاغية ويقبله منه فئته الباغية من [ادعاء] الشركة في الألوهية ونصفك بما يليق بك من صفات الكمال ونعوت الجمال والجلال تنزيهاً كثيراً ووصفاً كثيراً أو زماناً كثيراً من جملته زمان دعوة فرعون وأوان المحاجة معه كذا في «إرشاد العقل السليم». وجوز أبو حيان كونه منصوباً على الحال أي نسبحك التسبيح في حال كثرته، وكذا يقال في الأخير وليس بذاك، وتقديم التسبيح على الذكر من باب تقديم التخلية على التحلية، وقيل: لأن التسبيح تنزيه عما يليق ومحله القلب والذكر ثناء بما يليق ومحله اللسان والقلب مقدم على اللسان، وقيل: إن المعنى كي نصلي لك كثيراً ونحمدك ونثني عليك كثيراً بما أوليتنا من نعمك ومننت به علينا من تحمل رسالتك، ولا يخفى أنه لا يساعده المقام.

د. أسعد حومد

تفسير : (33) - وَالأَمْرُ الجَلِيلُ الَّذِي كَلَّفَ اللهُ بِهِ مُوسَى يَحْتَاجُ إِلى الكَثيرِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَذِكْرِ اللهِ، لِتَقْوَى النَّفْسُ وَتَطْمَئِنَّ وَتَهْدَأَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فهذه هي العِلّة في مشاركة هارون لأخيه في مهمته، لا طلباً لراحة نفسه، وإنما لتتضافر جهودهما في طاعة الله، وتسبيحه وذِكْره. والتسبيح: تقديس الله وتنزيهه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، ذاتاً. فلا ذات مثل ذاته تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11] لا في الذات، ولا في الصفات ولا في الأفعال، فلا تقل: إن سَمْع الله كسَمْعك، أو أن بصره تعالى كبصرك، أو أن فِعْله كفِعْلك. والمعنى: نُسبِّحك ونُقدِّسك تقديساً يرفعك إلى مستوى الألوهية الثابتة لك، فلا نزيد شيئاً من عندنا. وقوله: {نُسَبِّحَكَ كَثِيراً} [طه: 33] أي: دائماً، فكأن التسبيح يُورِث المسبِّح لذة في نفسه، والطاعة من الطائع تُورثه لذة في نفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ... وجُعِلتْ قرّة عيني في الصلاة ". تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ".

الأندلسي

تفسير : {كَيْ نُسَبِّحَكَ} أي ننزهك عما لا يليق بك. {وَنَذْكُرَكَ} بالدعاء والثناء عليك وقدم التسبيح لأنه تنزيهه تعالى في ذاته وصفاته وبراءته عن النقائص ومحل ذلك القلب والذكر الثناء على الله تعالى بصفات الكمال ومحله اللسان فلذلك قدّم ما محله القلب * وكثيراً نعت لمصدر محذوف. {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً} أي عالماً بأحوالنا والسؤل فعل بمعنى المسؤول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول والمعنى أعطيت طلبتك وما سألته من شرح الصدر وتيسير الأمر وحل العقدة وجعل أخيك وزيراً وذلك من المنة عليه ثم ذكره تعالى تقديم منته عليه على سبيل التوقيف ليعظم اجتهاده وتقوى بصيرته * ومرة معناه منة وأخرى تأنيث أخر بمعنى غير أي منة غير هذه المنة. {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ} قال الجمهور: هو وحي إلهام كقوله تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}تفسير : [النحل: 68] وقيل وحي إعلام إما بإراءة ذلك في المنام وامّا ببعث ملك إليها لا على جهة النبوة كما بعثه إلى مريم وهذا هو الظاهر لظاهر قوله: يأخذه عدو لي وعدو له ولظاهر آية القصص {أية : إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 7] * وان يحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي: لأنه تقدم أوحينا وهو بمعنى القول ويحتمل أن تكون مصدرية وصلت الأمر * التابوت كان من خشب سدت خروقه وفرشت فيه نطعاً وقطناً محلوجاً وسرت فمه وجصصته وألقته في اليم وهو اسم للبحر العذب والظاهر أن الضمير في: {فَٱقْذِفِيهِ} عائد على موسى وكذلك الضمير ان بعده إذ هو المحدث عنه لا التابوت إنما ذكر التابوت على سبيل الوعاء والفضلة. {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ} إنما ذكره بلفظ الأمر لسابق علمه بوقوع المخبر به على ما أخبر به وكان البحر مأمور متمثل للأمر. {يَأْخُذْهُ} جواب الأمر الذي هو فليقله والظاهر أن البحر ألقاه بالساحل فالتقطه منه والعدو الذي لله ولموسى هو فرعون وأخبرت به أم موسى على طريق الإِلهام ولذلك قالت لأخته قصيه وهي لا تدري أين استقر. {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} قيل محبة آسية وفرعون وكان فرعون أحبه حباً شديداً حتى لا يتمالك أن يصبر عنه وكذا من رآه ومني يجوز أن يكون متعلقاً بألقيت ويجوز أن يكون في موضع الصفة فيتعلق بمحذوف تقديره كائنة مني وقرأ الجمهور: ولتصنع بكسر لام كي وضم التاء ونصب الفعل أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك وراقبك كما يراعي الرجل الشىء بعينه إذا اعتنى به وهو معطوف على محذوف أي ليتلطف بك ولتصنع أو متعلقة بفعل متأخر تقديره فعلت ذلك. {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ} قيل إسمها مريم * قيل سبب ذلك أن آسية عرضته للرضاع فلم يقبل امرأة فجعلت تنادي عليه في المدينة ويطاف به ويعرض للمراضع فيأبى وبقيت أمه بعد قذفه في اليم مغمومة فأمرت أخته بالتفيتش في المدينة لعلها تقع على خبره فبصرت به في طوافها فقالت: أنا أدلكم على من يكفله لكم وهم له ناصحون فتعلقوا بها وقالوا: أنت تعرفين هذا الصبي فقالت: لا ولكني أعلم من أهل هذا البيت الحرص على التقرب إلى الملكة والجد في خدمتها ورضاها فتركوها وسألوها الدلالة فجاءت بأم موسى عليه السلام فلما قربته شرب ثديها فسرت آسية بذلك وقالت لها: كوني معي في القصر، فقالت: ما كنت لأدع بيتي وولدي ولكنه يكون عندي، قالت: نعم، فأحسنت إلى أهل ذلك البيت غاية الإِحسان واعتز بنو إسرائيل بهذا الرضاع والنسب من الملكة ولما كمل رضاعه أرسلت آسية إليها أن جيئيني بولدي ليوم كذا وأمرت خدمها ومن لها أن يلقينه بالهدايا والتحف واللباس فوصل إليها على ذلك وهو بخير حال وأجمل شأن فسرت به ودخلت به على فرعون ليراه وليهبه فأعجبه وقربه إليه فأخذ موسى عليه السلام بلحيته وتقدم ما جرى له عند ذكر العقدة * وإذ بدل من إذ في قوله: إذ أوحينا فالعامل فيها مشى وقرىء: تقر بكسر القاف وتقدم أنهما لغتان في قوله: {أية : وَقَرِّي عَيْناً} تفسير : [مريم: 26] وقرأ جناح بن حبيش بضم التاء وفتح القاف مبنياً للمفعول. {وَقَتَلْتَ نَفْساً} هو القبطي الذي استغاثه عليه الإِسرائيلي قتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة واغتم بذلك خوفاً من عقاب الله ومن اقتصاص فرعون فغفر الله له ذلك باستغفاره حين قال: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي} تفسير : [القصص: 16] ونجاه من فرعون حين هاجر به إلى مدين والغم ما يغم على القلب بسبب الخوف من القتل * وفتوناً مصدر وفتناك خلصناك من محنة إلى محنة ولد في عام كان يقتل فيه الولدان وألقته أمه في البحر وهم فرعون بقتله وقتل قبطياً فخرج خائفاً إلى أهل مدين فلبث سنين وكان عمره حين ذهب إلى مدين اثني عشر عاماً والسنون التي لبثها في مدين عشر سنين وأقام عشرة أعوام في رعي غنم شعيب ثم ثمانية عشرة عاماً بعد بنائه بامرأته بنت شعيب وولد له فكمل له أربعون سنة وهي المدة التي عادة الله إرسال الأنبياء على رأسها. {ثُمَّ جِئْتَ} أي المكان الذي ناجيتك فيه وكلمتك واستنبأتك. {عَلَىٰ قَدَرٍ} أي وقت معين قدرته لم تتقدم ولم تتأخر عنه. {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} أي جعلتك موضع الصنيعة ومقر الإِجمال والإِحسان وأخلصتك بالالطاف واخترتك لمحبتي يقال اصطنع فلان فلاناً اتخذه صنيعه وهو افتعال من الصنع وهو الإِحسان إلى الشخص حتى يضاف إليه فيقال هذا صنيع فلان. {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} أمره الله أولاً بالذهاب إلى فرعون فلما دعا ربه وطلب منه أشياء كان منهما أن يشرك أخاه هارون فذكر الله عالى أنه آتاه سؤله وكان منه إشراك أخيه فأمره هنا وأخاه بالذهاب * وأخوك معطوف على الضمير المستكن في اذهب المؤكد بأنت وتقدم الكلام على نظيره في قوله: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ} تفسير : [الآية: 24] في المائدة وظاهر بآياتي الجمع فقيل هي العصا واليد وحل عقدة لسانه. {وَلاَ تَنِيَا} أي لا تفترا ولا تقصرا والوني الفتور يقال ونايني ولما حذف من يذهب إليه في الأمر قبله نص عليه في هذا الأمر الثاني فقيل. {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} أي بالرسالة ونبه على سبب الذهاب إليه بالرسالة من عنده بقوله: {إِنَّهُ طَغَىٰ} أي مجاوزاً الحد في الفساد ودعواه الربوبية والألوهية من دون الله. {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} القول اللين هو مثل ما في سورة النازعات هل لك إلى أن تزكى الآيات وهذا من لطيف الكلام إذا أبرز ذلك في صورة الاستفهام والعرض لما فيه من الفوز العظيم. {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} والترجي بالنسبة لهما إذ هو مستحيل وقوعه من الله أي اذهبا على رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه وقوله: يتذكر حالة نشأته صغيراً وأنه حدث بعد أن لم يكن موجوداً. {أَوْ يَخْشَىٰ} عقاب الله في دعواه الربوبية وفرط سبق ومنه الفارط السابق والمعنى أننا نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها أو أن يطغى في التخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجرأته عليك وقسوة قلبه وفي المجيء به هكذا على سبيل الإِطلاق والرمز باب من حسن الأدب وتجاف عن التفوه بالعظيمة. {إِنَّنِي مَعَكُمَآ} المعية هنا بالنصرة والعون. {أَسْمَعُ} أقوالكما. {وَأَرَىٰ} أفعالكما وقال ابن عباس: أسمع جوابه لكما وأرى ما يفعل بكما وهما كناية عن العلم. {فَأْتِيَاهُ} كرر الأمر بالإِتيان. {فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} وخاطباه بقولكما ربك تحقيراً له وإعلاماً أنه مربوب مملوك إذ كان هو يدعي الربوبية وأمراً بدعواته إلى أن يبعث معهما بني إسرائيل ويخرجهم من ذل خدمة القبط وكانوا يعذبونهم بتكليف الأعمال الشاقة من الحفر والبناء ونقل الحجارة والسخرة في كل شىء مع قتل الولدان واستخدام النساء وقد ذكر في هذه الآية دعاءه إلى الإِيمان فجملة ما دعي إليه فرعون الإِيمان وإرسال بني إسرائيل ثم ذكرا ما يدل على صدقهما في إرسالهما إليه فقالا: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} وتكرر أيضاً قولهما من ربك على سبيل التوكيد بأنه مربوب مقهور والآية التي أحالا عليها هي العصا واليد ولما كانا مشتركين في الرسالة صح نسبة المجيء بالآية إليهما وإن كانت صادرة من أحدهما قد جئناك بآية من ربك جارية من الجملة الأولى وهي انا رسولا ربك مجرى البيان والتفسير لأن دعوى الرسالة لا يثبت الدعوى برهانها وكأنه قال: قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من الرسالة وكذلك قد جئتكم ببينة من ربكم فائت بآية ان كنت من الصادقين. {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} مندرج متصل بقوله انا قد أوحي إلينا فيكون إذ ذاك خبراً بسلامة المهتدين من العذاب وفيه تنبيه على أن فرعون ليس من اتبع الهدى.