Verse. 2418 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

فَاُلْقِيَ السَّحَرَۃُ سُجَّدًا قَالُوْۗا اٰمَنَّا بِرَبِّ ہٰرُوْنَ وَمُوْسٰى۝۷۰
Faolqiya alssaharatu sujjadan qaloo amanna birabbi haroona wamoosa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فألقي السحرة سجدا» خرّوا ساجدين لله تعالى «قالوا آمنا برب هارون وموسى».

70

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في قوله: {فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً } دلالة على أنه ألقى ما في يمينه وصار حية تلقف ما صنعوا وظهر الأمر فخروا عند ذلك سجداً وذلك لأنهم كانوا في الطبقة العليا من علم السحر فلما رأوا ما فعله موسى عليه السلام خارجاً عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر ألبتة ويقال: قال رئيسهم كنا نغالب الناس بالسحر وكانت الآلات تبقى علينا لو غلبنا فلو كان هذا سحراً فأين ما ألقيناه فاستدلوا بتغير أحوال الأجسام على الصانع العالم القادر وبظهورها على يد موسى عليه السلام على كونه رسولاً صادقاً من عند الله تعالى، فلا جرم تابوا وآمنوا وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود، أما قوله تعالى: {فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً } فليس المراد منه أنهم أجبروا على السجود إلا لما كانوا محمودين بل التأويل فيه ما قال الأخفش وهو أنهم من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا، وقال صاحب «الكشاف»: ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود. فما أعظم الفرق بين الإلقاءين، وروى أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها. وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة. قال القاضي: هذا بعيد لأنه تعالى لو أراهم عياناً لصاروا ملجئين، وذلك لا يليق به قولهم: { أية : إِنَّا آمَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا } تفسير : [طه: 73]. وجوابه: لما جاز لإبراهيم عليه السلام مع قطعه بكونه مغفوراً له أن يقول: { أية : وَٱلَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِي } تفسير : [الشعراء: 82] فلم لا يجوز مثله في حق السحرة، واعلم أن هذه القصة تنبه على أسرار عجيبة من أمور الربوبية ونفاذ القضاء الإلهي وقدره في جملة المحدثات، وذلك لأن ظهور تلك الأدلة كانت بمرأى من الكل ومسمع فكان وجه الاستدلال فيها جلياً ظاهراً وهو أنه حدثت أمور فلا بد لها من مؤثر والعلم بذلك ضروري، وذلك المؤثر إما الخلق، وإما غيرهم. والأول بديهي البطلان لأن كل عاقل يعلم بالضرورة من نفسه أنه لا يقدر على إيجاد الحيوانات وتعظيم جثتها دفعة واحدة ثم يصغرها مرة أخرى كما كانت وهذه العلوم الجلية متى حصلت في العقل أفادت القطع بأنه لا بد من مدبر لهذا العالم، فماذا يقول ألا ترى أن أولئك المنكرين جهلوا صحة هذه المقدمات وهذا في نهاية البعد، لأنا بينا أن كل واحد منها بحيث لا يمكن ارتياب العاقل فيه وإذاً فقد عرفوا صحتها لكنهم أصروا على الجهل وكرهوا تحصيل العلم والسعادة لأنفسهم وأحبوا تحصيل الجهل والشقاوة لأنفسهم ما أرى أن عاقلاً يرضى بذلك لنفسه قط، فلم يبق إلا أن يقال: العقل والدليل لا يكفي بل لا بد من مدبر يخلق هذه المقدمات في القلوب، ويخلق الشعور بكيفية ترتيبها وبكيفية استنتاجها للنتيجة حتى أنه متى فعل ذلك حصلت النتائج في القلوب وذلك يدل على أن الكل بقضائه وقدره فإنه لا اعتماد على العقول والقلوب في مجاريها وتصرفاتها ومن طرح التعصب عن قلبه ونظر إلى أحوال نفسه في مجاري أفكاره وأنظاره ازداد وثوقاً بما ذكرناه. أما قوله: {قَالُواْ آمَنَّا بِرَبّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ } فاعلم أن التعليمية احتجوا بهذه الآية وقالوا: إنهم آمنوا بالله الذي عرفوه من قبل هـٰرون وموسى فدل ذلك على أن معرفة الله لا تستفاد إلا من الإمام، وهذا القول ضعيف بل في قولهم: {امَنَّا بِرَبّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ } فائدتان سوى ما ذكروه. الفائدة الأولى: وهي أن فرعون ادعى الربوبية في قوله: { أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [النازعات: 24] والإلهية في قوله: { أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي } تفسير : [القصص: 38] فلو أنهم قالوا: آمنا برب العالمين لكان فرعون يقول: إنهم آمنوا بي لا بغيري فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة، والدليل عليه أنهم قدموا ذكر هـٰرون على موسى لأن فرعون كان يدعي ربوبيته لموسى بناء على أنه رباه في قوله: { أية : أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } تفسير : [الشعراء: 18] فالقوم لما احترزوا عن إيهامات فرعون لا جرم قدموا ذكر هـٰرون على موسى قطعاً لهذا الخيال. الفائدة الثانية: وهي أنهم لما شاهدوا أن الله تعالى خصهما بتلك المعجزات العظيمة والدرجات الشريفة لا جرم قالوا: رب هـٰرون وموسى لأجل ذلك، ثم إن فرعون لما شاهد منهم السجود والإقرار خاف أن يصير ذلك سبباً لاقتداء سائر الناس بهم في الإيمان بالله تعالى وبرسوله ففي الحال ألقى شبهة أخرى في النبي فقال: {قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ السحر} وهذا الكلام مشتمل على شبهتين. إحداهما: قوله: {ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لكم} وتقريره أن الاعتماد على الخاطر الأول غير جائز بل لا بد فيه من البحث والمناظرة والاستعانة بالخواطر، فلما لم تفعلوا شيئاً من ذلك بل في الحال: {آمنتم له } دل ذلك على أن إيمانكم ليس عن البصيرة بل عن سبب آخر. وثانيها: قوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ } يعني أنكم تلامذته في السحر فاصطلحتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجاً لأمره وتفخيماً لشأنه، ثم بعد إيراد الشبهة اشتغل بالتهديد تنفيراً لهم عن الإيمان وتنفيراً لغيرهم عن الاقتداء بهم في ذلك فقال: {لأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } قرىء لأقطعن ولأصلبن بالتخفيف. والقطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لأن كل واحد من العضوين خلاف الآخر، فإن هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك شمال وقوله: {مّنْ خِلَـٰفٍ } في محل النصب على الحال أي: لأقطعنها مختلفات لأنها إذا خالف بعضها بعضاً فقد اتصفت بالاختلاف ثم قال: {وَلأُصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } فشبه تمكن المصلوب في الجذع يتمكن الشيء الموعى في وعائه فلذلك قال في جذوع النخل والذي يقال في المشهور أن في بمعنى على فضعيف ثم قال: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ } أراد بقوله: {أَيُّنَا } نفسه لعنه الله لأن قوله: {أَيُّنَا } يشعر بأنه أراد نفسه وموسى عليه السلام بدليل قوله: {آمنتم له} وفيه تصالف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس بأنواع العذاب واستضعاف موسى عليه السلام مع الهزء به لأن موسى عليه السلام قط لم يكن من التعذيب في شيء، فإن قيل: إن فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حية بتلك العظمة التي شرحتموها وذكرتم أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون وآل الأمر إلى أن استغاث بموسى عليه السلام من شر ذلك الثعبان فمع قرب عهده بذلك وعجزه عن دفعه كيف يعقل أن يهدد السحرة ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد ويستهزىء بموسى عليه السلام في قوله: {أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ } قلنا لم لا يجوز أن يقال: إنه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنه كان يظهر تلك الجلادة والوقاحة تمشية لناموسه وترويجاً لأمره، ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أن العاجز قد يفعل أمثال هذه الأشياء، ومما يدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذاب الله أشد من عذاب البشر، ثم إنه أنكر ذلك، وأيضاً فقد كان عالماً بكذبه في قوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ } لأنه علم أن موسى عليه السلام ما خالطهم ألبتة وما لقيهم وكان يعرف من سحرته أن أستاذ كل واحد من هو وكيف حصل ذلك العلم، ثم إنه مع ذلك كان يقول هذه الأشياء فثبت أن سبيله في كل ذلك ما ذكرناه وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخره شهداء».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً } خرُّوا ساجدين لله تعالى {قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ }.

ابن عطية

تفسير : في خلال هذه الآيات تقدير وحذف يدل عليه ظاهر القول فالمقدر من ذلك هنا فألقى موسى عصاه فالتقمت كل ما جاؤوا به او نحو هذا، وروي أن السحرة لما رأوا العصا لا أثر فيها للسحر ثم رأت انقلابها حية وأكلها للحبال والعصي ثم رجوعها إلى حالها وعدم الحبال والعصي أيقنوا بنبوءة موسى وأن الأمر من عند الله تعالى وقدم {هارون} قبل {موسى} لتستوي رؤوس آي السور فنقل معنى السحرة وهذا كقوله عز وجل: {أية : أزواجاً من نبات شتى} تفسير : [طه: 53] تأخر شتى إنما هو لتستوي رؤوس الآي، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وورش عن نافع "آمنتم" على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر "ءامنتم" بهمزة بعدها مدة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم "أأمنتم" بهمزتين، وقوله {قبل أن آذن لكم} مقاربة منه وبعض إذعان. وقوله {من خلاف} يريد قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، قوله {في جذوع النخل} اتساع من حيث هو مربوط في الجذع وليست على حد قولك ركبت على الفرس، وقوله {أينا} يريد نفسه ورب موسى عليه السلام، وقال الطبري يريد نفسه وموسى عليه السلام والأول أذهب مع مخرفة فرعون.

ابن عبد السلام

تفسير : {سُجَّداً} طاعة لله ـ تعالى ـ وتصديقاً بموسى فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما، فلذلك {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ}، وسألت امرأة فرعون عن الغالب فقيل: موسى وهارون، فقالت: آمنت برب موسى وهارون، فأمر فرعون بأن يُلقى عليها أعظم صخرة توجد إن أقامت على قولها فلما أتوها رفعت رأسها إلى السماء فرأت منزلها في الجنة، فمضت على قولها فانتزعت روحها فأُلقيت الصخرة على جسد لا روح فيه.

اسماعيل حقي

تفسير : {فالقى السحره} الفاء فصيحة اى فالقاه فوقع ما وقع من اللقف فالقى السحرة حال كونهم {سجدا} ساجدين كأنما القاهم ملقى لشدة خرورهم وبالفارسية [حضرت موسى عصا بيفكند فى الحال ازدهايى شد ودهن خود كشادة تمام ادوات جادوانرا فروبرد ومردم ازترس روى بكريز آوردند وموسى اورا بكرفت همان عصا شد جادوان دانستند كه آن سحر نيست زيرا كه سحر سحر ديكررا باطل نكند بلكه قدرت خدا ومعجزه موسىاست بس درافكنده شدند يعنى تأمل اين معنى ايشانرا درروى افنكند درحالتى كه سجده كنندكان بودند مرخدايرا ازروى صدق] وانما عبر عن الخرور بالالقاء ليشاكل تلك الالقاآت – روى – ان رئيسهم قال كنا نغلب الناس وكانت الآلات تبقى علينا فلو كان هذا سحرا فاين ما القيناه من الآلات فاستدل بتغير احوال الاجسام على الصانع العالم القادر وبظهور ذلك على يد موسى على صحة رسالته فتابوا واتوا بنهاية الخضوع وهو السجود قال جار الله ما اعجب امرهم القوا حبالهم للكفر والجحود ثم القوا رؤسهم للشكر والسجود فما اعظم الفرق بين الالقاءين {قالوا} فى سجودهم وهو استئناف بيانى {آمنا برب هارون وموسى} تأخر موسى عند حكاية كلامهم لرعاية الفواصل ولان فرعون ربى موسى فى صغره فلو اقتصر على موسى او قدم ذكره فربما توهم ان المراد فرعون وذكر هارون على الاستتباع ومعنى اضافة الرب اليهما انه هو الذى يدعوان اليه واجرى على يديهما ما اجرى. قال بعض الكبار من كان له استعداد النظر الى عالم الغيب وباشر حظوظ النفس احتجب عنه فاذا انقطع الى الله نظر الله الى قلبه بنعت الاخلاص واليقين وكشف الله له انوار حضرته وجذبه الى قربه فالسحرة مجذوبون مهتدون بالله الى الله مؤمنون بالبرهان لا بالتقليد وان فرعون ما رأى برهان الربوبية فلم يؤمن.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {في جذوع النخل}، قال المحلي: أي: عليها، وهو مذهب كوفي، وأما مذهب البصريين فيقولون: ليست "في" بمعنى "على"، ولكن شبه المصلوب، لتمكنه في الجذع، بالحالّ في الشيء، وهو من الاستعارة التعبيرية، و {من خلاف}: في موضع الحال، أي: مختلفات. يقول الحقّ جلّ جلاله: فلما ألقى موسى عصاه انقلبت حية عظيمة، فابتلعت تلك الحبال والعصي، {فألقي السحرةُ سُجّدًا} لما تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر، وإنما هي آية من آيات الله. رُوي أن رئيسهم قال: كنا نغلب أعين الناس، وكانت الآلات تُبقى علينا، فلو كان هذا سحرًا، فأين ما ألقينا من الآلات؟ فاستدلوا بما رأوا على صحة رسالة موسى. فألقاهم ما شاهدوه على وجوههم، فتابوا وآمنوا، وأتوا بما هو غاية الخضوع، قيل: لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، والثواب والعقاب. وعن عكرمة: لما خروا سُجدًا، أراهم الله تعالى، في سجودهم، منازلهم في الجنة. ولا ينافيه قولهم: {إِنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا}، لأن كون تلك المنازل منازلهم هو السبب في صدور هذا القول منهم. {قالوا آمنا بربّ هارون وموسى}، قدّموا هارون؛ إما لكبر سنه، أو للمبالغة في الاحتراز عن التوهم الباطل من جهة فرعون، حيث كان ربَّى موسى عليه السلام في صغره، فلو قدّموا موسى لربما توهم اللعين وقومه، من أول الأمر، أن مرادهم فرعون، فأزاحوا تلك الخطرة من أول مرة. {قال آمنتم له} أي: لموسى، واللام؛ لتضمن الفعل معنى الانقياد والخضوع، أي: أذعنتم له {قبل أن آذن لكم} أي: من غير أن آذن لكم، {إِنه} أي: موسى {لكبيرُكُم} أي: أستاذكم وأعلمُكم في فنكم، {الذي عَلّمكُمُ السحرَ}، فتواطأتم على ما فعلتم، وهذه منه شبهة واهية؛ أين كان موسى عليه السلام، وأين كان السحرة، حتى علمهم؟ ولكن صدر منه هذا؛ خوفًا على الناس أن يتبعوا موسى عليه السلام، ويقتدوا بالسحرة، فأوهم عليهم، مع ما سبق في علم الله من ضلالتهم. ثم اقبل على السحرة بالوعيد، فقال: {فلأقَطِّعَنّ أيديَكم} أي: فوالله لأقطعن أيديَكم {وأرجُلَكم من خلافٍ} أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى. وتعيين تلك الحال؛ للإيذان بتحقيق هذا الأمر وإيقاعه لا محالة، فتعيين تلك الحالة المعهودة من باب السياسة، أو لأنها معهودة لمن خرج عن حكم طاعته. {ولأصلبَنَّكم في جذوع النخل} أي: عليها، وإتيان كلمة "في"؛ للدلالة على إبقائهم عليها زمنًا مديدًا، تشبيهًا في استمرارهم عليها باستقرار الظرف في المظروف المشتمل عليه، وقيل: هو أول من صلب. {ولتعلمنّ أيُّنا}، يريد نفسه أو موسى عليه السلام، حيث خافوا من عصاه فأسلموا، فَهِم اللعين أن إيمانهم لم يكن للمعجزة، إنما كان خوفًا، حيث رأوا عصاه ابتلعت حبالهم وعصيهم، أو يريد {أينا} أي: أنا أو رب موسى وهارون، الذي آمنتم به، {أشدُّ عذابًا وأبقى} أي: أدوم. قالوا: لم يثبت في القرآن أن فرعون فعل بأولئك المؤمنين ما أوعدهم به، ولم يثبت في الأخبار، لكن رُوي عن ابن عباس، وغيره، أنه أنفذه. ورُوي أن امرأة فرعون كانت تسأل: من غلب؟ فيقال لها: موسى، فقالت: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون يُهددها، وقال: انظروا أعظم صخرة، فإن استقرت على قولها فألقوها عليها، فلما ألقوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة، فمضت على قولها، وانتزعت روحها منها، وألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه. قاله الثعلبي. والله تعالى أعلم. الإشارة: من سبقت له العناية، لا تضره الجِنَايَة. هؤلاء السحرة جاؤوا يحادون الله ورسوله، فأضحوا أولياء الله. رُوي أن موسى عليه السلام لما قال لهم: {ألقوا ما أنتم ملقون}، سمع هاتفًا يقول: ألقوا يا أولياء الله، فتحير موسى عليه السلام، وأوجس في نفسه خيفة، وقال: كيف أعارض أولياء الله، فلما ألقى عصاه ظهرت ولايتهم. فكم من لصوص خرج منهم الخصوص. ففي أمثال هؤلاء تقوية لرجاء أهل الجناية، إذا طلبوا من الله سِرَّ العناية، وإدراك مقام الولاية، ولذلك ابتدأ القشيري في رسالته بذكر من تقدم له جنايات من الأولياء، كالفضيل، وابن أدهم، وأضرابهم - رضي الله عن جميعهم -. ثمَّ ذكر ثبوت السحرة على الإيمان وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون

الجنابذي

تفسير : {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً} يعنى لمّا القى موسى (ع) عصاه فلقفت جميع ما صنعوا وادارت حول قبّة فرعون واحاطت بفكّيها قبّته واحدث فرعون وهامان كما سنذكر، ورأوا انّ ذلك ليس الاّ الهيّاً اضطربوا والتجأوا ولم يتمالكوا كأنّهم القاهم ملقٍ فالقوا سجّداً تعظيماً لله وتفخيماً لما رأوا {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} كأنّهم من دهشتهم وتحيّر قلوبهم لم يمكنهم مراعاة الادب والرّتبة فقدّموا هارون (ع) على موسى (ع) لذلك، ولمراعاة رؤس الآى ولم يستأذنوا فرعون وآمنوا قبل ان يقولوا له انّه لحقّ ولا يجوز انكاره ولذلك {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ...}.

الأعقم

تفسير : {فألقي السحرة سجّداً} يعني سجدوا لله تعالى، و{قالوا آمنَّا برب} العالمين رب {هارون وموسى} فقال فرعون للسحرة {آمنتم له قبل أن آذن لكم} في الإِيمان {إنه} يعني موسى {لكبيركم الذي علَّمكم السحر فلأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف} يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى {ولأصلبنكم في جذوع النخل}، قيل: على جذوع النخل {ولتعلمن أيَّنا اشد عذاباً} على كفركم بي وأبقى يعني أنا أم رب موسى، فلما سمع القوم المستبصرون وعيده لهم آثروا طاعة والدار الآخرة ونعيمها، و{قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا} يعني خلقنا {فاقض ما أنت قاض} اصنع ما أنت صانع وتقديره اصنع ما شئت فلسنا نرجع عن دين الله {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} يعني إنما تملك الحكم والأمر في الدنيا دون الدار الآخرة {إنا آمنَّا بربِّنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر} أي ما أمرتنا به من عمل السحر، لما علموا وعيد الله هان عليهم وعيد فرعون {والله خير وأبقى}، قيل: خير ثواباً للمؤمنين، وأبقى للعاصين منك لأنك فان هالك، وقيل: قالوا لفرعون: أرنا موسى إذا نام فأراهم فإذا هو نائم وعصاه تحرسه، فقالوا: ليس هذا سحر، إن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلاَّ يعملوا فذلك اكراههم وروي أن رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين ساحراً، الاثنان من القبط والباقي من بني اسرائيل، وكان فرعون أكرههم على السحر {إنه من يأت ربه مجرماً}، قيل: إنه خبر من الله اعتراض بين القصتين على غير وجه الحكاية، وقيل: هو حكاية عن السحرة، من يأت إلى الموضع الذي وعد ربه مجرماً مشركاً أي عاصياً {فإن له جهنم لا يموت فيها} فيستريح {ولا يحيى} حياة هنيئة {ومن يأته مؤمناً} أي مات على الإِيمان وأتى الآخرة {قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} الرفيعة، ثم فسَّر الدرجات فقال سبحانه: {جنات عدن} امامه يعني دائمة {تجري من تحتها الأنهار} تحت أشجارها وأبنيتها {وذلك جزاء من تزكّى} تطهّر من أدناس الذنوب، وعن ابن عباس قال: لا إله إلا الله، ثم بيَّن تعالى إصرارهم على الكفر وإهلاك قوم فرعون فقال سبحانه: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} أي أسر بهم ليلاً من أرض مصر {فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً} أي اجعل لهم طريقاً في البحر لا ماء فيه {لا تخاف دركا} أي يدركك فرعون {ولا تخشى} شيئاً من أمر البحر، قيل: لا تخاف كون فرعون خلفك ولا كون البحر أمامك {فأتبعهم فرعون} أي مضى خلفهم ولحقهم {بجنوده} وخيله وإنما أدخله فرسه، وقيل: تقدمهم جبريل {فغشيهم من اليمِّ ما غشيهم} أي أصابهم في البحر ما أصابهم وغمرهم الماء {وأضل فرعون قومه وما هدى}، قيل: أهلكهم في البحر وما نجاهم من الغرق وقيل: أضلهم عن الدين وما هداهم إلى خير، ثم عاد الكلام إلى خطاب بني إسرائيل وذكر نعمته عليهم فقال سبحانه وتعالى: {يا بني إسرائيل} وهذا خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون، وقيل: خطاب للذين كانوا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {قد أنجيناكم من عدوّكم} أي من فرعون وأعوانه واستعادة النعمة على الأسلاف تكون نعمة الأخلاف، فلهذا ذكرهم بها على قول من يقول: إنه خطاب لمن كان على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وواعدناكم جانب الطور الأيمن}، قيل: وعدنا موسى جانب الجبل الذي هو الطور فاختار موسى سبعين رجلاً وذهب بهم إلى الموعد وأعطي التوراة {ونزّلنا عليكم المنَّ والسلوى} يعني في التيه وقد تقدم {كلوا من طيبات ما رزقناكم}، قيل: الطيب الحلال {ولا تطغوا فيه} لا تجاوزوا الحد ولا تأكلوا الحلال {فيحلَّ عليكم غضبي} أي يجب أو ينزل على اختلاف القرآن {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} أي هلك {وإني لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} يعني لزم الإِيمان إلى أن مات.

اطفيش

تفسير : {فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ} أى ألقاهم تلقُّفُ العصى الذى هو معجزة دالة على الله {سُجَّدًا} لله تعالى على الأرض بوجوههم توبة وتعظيما للمعجزة جمع ساجد. وإنما أسندنا الإلقاء للتلقف لأنه السبب، أو الأصل: ألقاهم الله سجدا بسبب التلقف. قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم! ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر والسجود. فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. وروى أنهم لم يرفعوا رءوسهم حتى رأوا الجنة وثواب أهلها، والنار وعقاب أهلها. وعن عكرمة: لما خروا سجدا أراهم الله سبحانه فى سجودهم منازلهم التى يصيرون إليها فى الجنة. {قَالُوا أمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} قدم هارون لكبر سنه أو للفاصلة، أو لأن فرعون ربّى موسى فى صغر سنه، فلو اقتصروا على موسى وقدموه فربما توهم السامع وقتئذ أن المراد يا رب فرعون - لعنه الله، وأن ذكر هارون استتباع، أو تعميم لربوبيته. وهذا تحقيق الكلام فى هذا المقام.

الالوسي

تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً } فصيحة معربة عن جمل غنية عن التصريح أي فزال الخوف وألقى ما في يمينه وصارت حية وتلقفت حبالهم وعصيهم وعلموا أن ذلك معجز فألقي السحرة على وجوههم سجداً لله تعالى تائبين مؤمنين به عز وجل وبرسالة موسى عليه السلام. روي أن رئيسهم قال: كنا نغلب الناس وكانت الآلات تبقى علينا فلو كان هذا سحراً فأين ما ألقينا؟ فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القدير العليم وبظهور ذلك على يد موسى عليه السلام على صحة رسالته. وكأن هاتيك الحبال والعصي صارت هباءً منبثاً وانعدامها بالكلية ممكن عندنا، وفي التعبير بألقي دون فسجد إشارة إلى أنهم شاهدوا ما أزعجهم فلم يتمالكوا حتى وقعوا على وجوههم ساجدين، وفيه إيقاظ السامع لإلطاف الله تعالى في نقله من شاء من عباده من غاية الكفر والعناد إلى نهاية الإيمان والسداد مع ما فيه من المشاكلة والتناسب، والمراد أنهم أسرعوا إلى السجود، قيل: إنهم لم يرفعوا رؤوسهم من السجود حتى رأوا الجنة والنار والثواب والعقاب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن عكرمة أنهم لما خروا سجداً أراهم الله تعالى في سجودهم منازلهم في الجنة. واستبعد ذلك القاضي بأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف. وأجيب بأنه حيث كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء، وفي «إرشاد العقل السليم» أنه لا ينافيه قولهم: {أية : إِنَّا ءَامَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا } تفسير : [طه: 73] الخ لأن كون تلك المنازل منازلهم باعتبار صدور هذا القول عنهم. {قَالُواْ } استئناف كما مر غير مرة {ءامَنَّا بِرَبّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ } تأخير موسى عليه السلام عند حكاية كلامهم المذكورة في سورة الأعراف [122] المقدم فيه موسى عليه السلام لأنه أشرف من هارون والدعوة والرسالة إنما هي له أولاً وبالذات وظهور المعجزة على يده عليه السلام لرعاية الفواصل، وجوز أن يكون كلامهم بهذا الترتيب وقدموا هارون عليه السلام لأنه أكبر سناً، وقول السيد في «شرح المفتاح»: إن موسى أكبر من هارون عليهما السلام سهو. وإما للمبالغة في الاحتراز عن التوهم الباطل من جهة فرعون وقومه حيث كان فرعون ربـي موسى عليه السلام فلو قدموا موسى لربما توهم اللعين وقومه من أول الأمر أن مرادهم فرعون وتقديمه في سورة الأعراف تقديم في الحكاية لتلك النكتة. وجوز أبو حيان أن يكون ما هنا قول طائفة منهم وما هناك قول أخرى وراعى كل نكتة فيما فعل لكنه لما اشترك القول في المعنى صح نسبة كل منهما إلى الجميع. واختيار هذا القول هنا لأنه أوفق بآيات هذه السورة.

ابن عاشور

تفسير : الفاء عاطفة على محذوف يدلّ عليه قوله {أية : وألق ما في يمينك}تفسير : [طه: 69]. والتقدير: فألقى فتلقفت ما صنعوا، كقوله تعالى: {أية : أن اضرب بعصاك البحر فانفلق}تفسير : [الشعراء: 63]. والإلقاء: الطرح على الأرض. وأسند الفعل إلى المجهول لأنّهم لا ملقي لهم إلاّ أنفسهم، فكأنّه قيل: فألقوا أنفسهم سُجّداً، فإنّ سجودهم كان إعلاناً باعترافهم أنّ موسى مرسل من الله. ويجوز أن يكون سجودهم تعظيماً لله تعالى. ويجوز أن يكون دلالة على تغلب موسى عليهم فسجدوا تعظيماً له. ويجوز أن يريدوا به تعظيم فرعون، جعلوه مقدمة لقولهم {ءَامَنَّا بِرَبّ هٰرُونَ ومُوسَىٰ} حذراً من بطشه. وسُجّد: جمع ساجد. وجملة {قَالُوا} يصح أن تَكون في موضع الحال، أي ألقَوْا قائلين. ويصح أن تكون بدل اشتمال من جملة {فَأُلقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً} فإن سجودهم اشتمل على إيمانهم، وأن تكون مستأنفة ابتدائية لافتتاح المحاورة بينهم وبين فرعون. وإنما آمنوا بالله حينئذ لأنّهم أيقنوا أن ما جرى على يد موسى ليس من جنس السحر لأنّهم أيمّة السحر فعلموا أنّه آية من عند الله. وتعبيرهم عن الرب بطريق الإضافة إلى هارون وموسى لأن الله لم يكن يعرف بينهم يومئذ إلا بهذه النسبة لأن لهم أرباباً يعبدونها ويعبدها فرعون. وتقديم هارون على موسى هنا وتقديم موسى على هارون في قوله تعالى في سورة الأعراف (121، 122): {أية : قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون}تفسير : لا دلالة فيه على تفضيل ولا غيره، لأنّ الواو العاطفة لا تفيد أكثر من مطلق الجمع في الحكم المعطوف فيه، فهم عرفوا الله بأنه ربّ هذين الرجلين؛ فحكي كلامهم بما يدلّ على ذلك؛ ألا ترى أنه حكي في سورة الأعراف (121) قول السحرة {أية : قالوا آمنا برب العالمين}تفسير : ، ولم يحك ذلك هنا، لأن حكاية الأخبار لا تقتضي الإحاطة بجميع المحكي وإنما المقصود موضع العبرة في ذلك المقام بحسب الحاجة. ووجه تقديم هارون هنا الرعاية على الفاصلة، فالتقديم وقع في الحكاية لا في المحكي، إذ وقع في الآية الأخرى {أية : قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون}تفسير : [الشعراء: 47، 48]. ويجوز أن يكون تقديم هارون في هذه الآية من حكاية قول السحرة، فيكون صدر منهم قولان، قدموا في أحدهما اسم هارون اعتباراً بكبر سنّه، وقدموا اسم موسى في القول الآخر اعتباراً بفضله على هارون بالرسالة وكلام الله تعالى، فاختلاف العبارتين باختلاف الاعتبارين. ويقال: آمن له، أي حصل عنده الإيمانُ لأجله. كما يقال: آمن به، أي حصل الإيمان عنده بسببه. وأصل الفعل أن يتعدى بنفسه لأنّ آمنه بمعنى صَدقه، ولكنه كاد أن لا يستعمل في معنى التصديق إلاّ بأحد هذين الحرفين. وقرأ قالون وورش من طريق الأزرق، وابن عامر، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وروحٌ عن يعقوب {ءامنتم} بهمزة واحدة بعدها مَدّة وهي المدّة الناشئة عن تسهيل الهمزة الأصلية في فعل آمن، على أنّ الكلام استفهام. وقرأه ورش من طريق الأصفهاني، وابنُ كثير، وحفص عن عاصم، ورويسٌ عن يعقوب بهمزة واحدة على أنّ الكلام خبر، فهو خبر مستعمل في التوبيخ. وقرأه حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بهمزتين على الاستفهام أيضاً. ولما رأى فرعون إيمان السحرة تغيّظ ورام عقابهم ولكنه علم أنّ العقاب على الإيمان بموسى بعد أن فتح باب المناظرة معه نكث لأصول المناظرة فاختلق للتشفّي من الذين آمنوا علّة إعلانهم الإيمان قبل استئذانِ فرعون، فعدّ ذلك جرأة عليه، وأوهم أنّهم لو استأذنوه لأذن لهم، واستخلص من تسرعهم بذلك أنهم تواطؤوا مع موسى من قبلُ فأظهروا العجز عند مناظرته. ومقصد فرعون من هذا إقناع الحاضرين بأنّ موسى لم يأت بما يعجز السحرة إدخالاً للشكّ على نفوس الذين شاهدوا الآيات. وهذه شِنْشِنة من قديم الزمان اختلاق المغلوب بارد العذر. ومن هذا القبيل اتهام المحكوم عليهم الحاكمين بالارتشاء، واتهام الدول المغلوبة في الحروب قواد الجيوش بالخيانة. وضمير {لَهُ} عائد إلى موسى مثل ضمير {إنه لكبيركُم}. ومعنى {قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُم} قبل أن أسوّغ لكم أن تؤمنوا به. يقال: أذِن له، إذ أباح له شيئاً. والتقطيع: شدّة القطع. ومرجع المبالغة إلى الكيفية، وهي ما وصفه بقوله {مِن خِلاف} أي مختلفة؛ بأن لا تقطع على جانب واحد بل من جانبين مختلفين، أي تقطع اليد ثمّ الرجلُ من الجهة المخالفة لجهة اليد المقطوعة ثم اليد الأخرى ثم الرجل الأخرى. والظاهر: أنّ القطع على هذه الكيفية كان شعاراً لقطع المجرمين، فيكون ذكر هذه الصفة حكاية للواقع لا للاحتراز عن قطع بشكل آخر، إذ لا أثر لهذه الصفة في تفظيع ولا في شدّة إيلام إذا كان ذلك يقع متتابعاً. وأما ما جاء في الإسلام في عقوبة المحارب فإنما هو قطع عضو واحد عند كل حرابة فهو من الرحمة في العقوبة لئلا يتعطّل انتفاع المقطوع بباقي أعضائه من جرّاء قطع يَد ثمّ رجل من جهة واحدة، أو قطع يد بعد يد وبقاء الرجلين. و (من) في قوله {مِنْ خِلٰفٍ} للابتداء، أي يبدأ القطع من مبدأ المخالفة بين المقطوع. والمجرور في موضع الحال، وقد تقدّم نظيره في سورة الأعراف وفي سورة المائدة. والتصليب: مبالغة في الصلب. والصلب: ربط الجسم على عود مُنتصب أو دَقُّهُ عليه بمسامير، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : وما قتلوه وما صلبوه}تفسير : في سورة النساء (157). والمبالغة راجعة إلى الكيفية أيضاً بشدّة الدقّ على الأعواد. ولذلك عدل عن حرف الاستعلاء إلى حرف الظرفية تشبيهاً لشدّة تمكّن المصلوب من الجذع بتمكن الشيء الواقع في وعائه. والجذوع: جمع جذع ــــ بكسر الجيم وسكون الذال ــــ وهو عود النخلة. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وهزي إليك بجذع النخلة} تفسير : [مريم: 25]. وتعدية فعل {ولأُصلّبَنَّكُم} بحرف (في) مع أنّ الصلب يكون فوق الجذع لا داخله ليدل على أنه صلب متمكن يُشبه حصول المظروف في الظرف، فحرف (في) استعارة تبعيّة تابعة لاستعارة متعلَّق معنى (في) لمتعلَّق معنى (على). وأيّنا: استفهام عن مشتركيْن في شدّة التعذيب. وفعل {لتعلمُن} معلق عن العمل لوقوع الاستفهام في آخره. وأراد بالمشتركين نفسَه وربّ موسى سبحانه لأنه علم من قولهم {أية : آمنا برب هارون وموسى}تفسير : [الشعراء: 47] أن الذي حملهم على الإيمان به ما قدم لهم موسى من الموعظة حين قال لهم بمسمع من فرعون {أية : ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب}تفسير : [طه: 61]، أي وستجدون عذابي أشد من العذاب الذي حُذرتموه. وهذا من غروره. ويدل على أن ذلك مراد فرعون ما قابل به المؤمنون قوله {أينا أشدّ عذاباً وأبقى} بقولهم {أية : والله خير وأبقى}تفسير : [طه: 73]، أي خير منك وأبقى عملاً من عملك، فثوابه خير من رضاك وعذابه أشد من عذابك.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن سحرة فرعون لما عاينوا عصا موسى تبتلع جميع حبالهم وعصيهم خروا سجداً لله تعالى قائلين: آمنا بالله الذي هو رب هارون وموسى. فهداهم الله بذلك البرهان الإلهي، هذه الهداية العظيمة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله في "الأعراف": {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} تفسير : [الأعراف: 117] {أية : وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} تفسير : [الأعراف: 120-122]، وقوله في "الشعراء": {أية : فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} تفسير : [الشعراء: 45-48]، وقوله: { فَأُلْقِيَ} يدل على قوة البرهان الذي عاينوه. كأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التي عاينوها. وذكر في قصتهم أنهم عاينوا منازلهم في الجنة في سجودهم. والظاهر أن ذلك من نوع الإسرائيليات، وأطلق عليهم اسم السحرة في حال سجودهم لله مؤمنين به نظراً إلى حالهم الماضية. كقوله: {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 2] فأطلق عليهم اسم اليتم بعد البلوغ نظراً إلى الحال الماضية كما هو معروف في محله. والظاهر أن تقديم هارون على موسى في هذه الآية لمراعاة فواصل الآيات. واعلم أن علم السحر مع خسته، وأن الله صرح بأنه يضر ولا ينفع، قد كان سبباً لإيمان سحرة فرعون. لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا معجزة العصا خارجة عن طور السحر، وأنها أمر إلهي فلم يداخلهم شك في ذلك. فكان ذلك سبباً لإيمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد. ولو كانوا غير عالمين بالسحر جداً، لأمكن أن يظنوا أن مسألة العصا من جنس الشعوذة. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَّا} {هَارُونَ} (70) - وَلَمَّا عَايَنَ السَّحَرَةُ ذلِكَ وَشَاهَدُوهُ، وَهُمْ أَصْحَابُ الخِبْرَةِ بِفُنُونِ السِّحْرِ، وَطُرُقِهِ، عَلِمُوا عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ وَالحِيَلِ، وَأَنَّهُ حَقٌّ لاَ مِرْيَةَ فِيهِ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللهِ وَحْدَهُ، وَحِينَئِذٍ وَقَعُوا سَاجِدِينَ للهِ، وَقَالُوا: آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قال الزجاج في هذا الموقف: عجيب أمر هؤلاء، فقد ألقوا حبالهم وعِصيّهم للكفر والجحود، فإذا بهم يُلْقُون أنفسهم للشكر والسجود. نعم، لقد دخلوا كافرين فجرة فخرجوا مؤمنين بررة، لأنهم جاءوا بكل ما لديهم من الكَيْد، وجمعوا صَفْوة السحر وأساتذته ممنْ يَعْلمون السحر جيداً، ولا تنطلي عليهم حركات السحرة وألاعيبهم، فلما رَأوا العصا وما فعلتْ بسحرهم لم يخالطهم شكٌّ في أنها معجزة بعيدة عَمّا يصنعونه من السحر؛ لذلك سارعوا ولم يترددوا في إعلان إيمانهم بموسى وهارون. وهذا يدلُّنا على أن الفطرة الإيمانية في النفس قد تطمسها الأهواء، فإذا ما تيقظتْ الفطرة الإيمانية وأُزيلَتْ عنها الغشاوة سارعتْ إلى الإيمان وتأثرتْ به. لقد سارع السحرة إلى الإيمان، وكان له هَوىً في نفوسهم، بدليل أنهم سيقولون فيما بعد: {أية : وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ..}تفسير : [السحر: 73] فكانوا مكرهين، كانوا أيضاً مُسخَّرين، بدليل قولهم: {أية : .. إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ}تفسير : [الأعراف: 113]. كأنهم كانوا لا يأخذون على السحر أجراً، فلما كانت هذه المهمة صعبة طلبوا عليها أجراً، فهي معركة تتوقف عليها مكانته بين قومه، أما ممارستهم للسحر إرهاباً للناس وتخويفاً لمن تُسوِّل له نفسه الخروج والتمرد على فرعون، فكان سُخْرة، لا يتقاضَوْن عليه أجراً. لذلك لم يعارض فرعون سحرته في طلبهم، بل زادهم منحة أخرى {أية : وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ}تفسير : [الأعراف: 114] فسوف تكونون سدنة الفرعونية، يريد أنْ يشحن هِمَمهم، ويشحذَ عزائمهم، حتى لا يدخروا وُسْعاً في فَنِّ السحر في هذه المعركة. إذن: فطباعهم وفطرتهم تأبى هذا الفعل، وتعلم أنه كذب وتلفيق، لكن مذا يفعلون وكبيرهم يأمرهم به، بل ويُكرههم عليه، ويلزمهم أنْ يُعلِّموا غيرهم، لماذا؟ لأن السحر والشعوذة والتلفيق هي رأس ماله وبضاعته التي يسعى إلى ترويجها، فعليها يقوم مُلْكه وتُبْنى ألوهيته. وقوله تعالى: {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً ..} [طه: 70] فَرْق بين {أية : فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ..}تفسير : [الشعراء: 44] وهذا منهم عمل اختياري، وبين {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً ..} [طه: 70]: يعني على غير اختيارهم وعلى غير إرادتهم، كأن صَوْلة الحق فاجأتْ صحوة الفطرة، فلم يملكوا إلا أنْ خرُّوا لله ساجدين، فالإلقاء هنا عمل تلقائي دون تفكير منهم ودون شعور، فقد فاجأهم الحق الواضح والمعجزة الباهرة في عصا موسى، لأنها ليستْ سِحْراً فهم أعلم الناس بالسحر. ونلحظ في هذه الآية أنها جاءت بصيغة الجمع؛ أُلقي السحرةُ، قالوا، آمنا. لتدل على أنهم كانوا يَداً واحدة لم يشذْ منهم واحد، مما يدل على أنهم كانوا مكرهين مُسخَّرين. كما أن إعلان إيمانهم جاء بالفعل المرئي المشاهد للجميع {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً ..} [طه: 70]، ثم بالقول المسموع {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} [طه: 70] وفي آية أخرى: {أية : قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}تفسير : [الشعراء: 47-48]. ونعلم أن موسى - عليه السلام - هو الأصل، ثم أُرسِل معه أخوه هارون، ولما عرضَ القرآن موقف السحرة مع موسى حكى قولهم: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} [طه: 70] وقولهم: {أية : آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}تفسير : [الشعراء: 47-48]. لذلك كانت هذه المسألة مثارَ جَدَل من خصوم الإسلام، يقولون: ماذا قال السحرة بالضبط؟ أقالوا الأولى أم الثانية؟ ولك أن تتصور جمهرة السحرة الذين حضروا هذه المعركة، فكان رؤساؤهم وصفوتهم سبعين ساحراً، فما بالك بالمرؤوسين؟ إذن: هم كثيرون، فهل يُعقل مع هذه الكثرة وهذه الجمهرة أن يتحدوا في الحركة وفي القول؟ أم يكون لكل منهم انفعاله الخاص على حَسْب مداركه الإيمانية؟ لا شَكَّ أنهم لم يتفقوا على قول واحد، فمنهم مَنْ قال {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} [طه: 70] وآخرون قالوا: {أية : آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}تفسير : [الشعراء: 47-48]. كذلك كان منهم سطحيّ العبارة، فقال {أية : آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}تفسير : [الشعراء: 47-48] ولم يفطن إلى أن فرعون قد ادّعى الألوهية وقال أنا ربكم الأعلى فربما يُفهم من قوله {أية : رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}تفسير : [الشعراء: 48] أنه فرعون، فهو الذي ربّى موسى وهو صغير. وآخر قد فطن إلى هذه المسألة، فكان أدقَّ في التعبير، وأبعد موسى عن هذه الشبهة، فقال: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} [طه: 70] وجاء أولاً بهارُون الذي لا علاقة لفرعون بتربيته، ولا فضل له عليه، ثم جاء بعده بموسى. إذن: هذه أقوال متعددة ولقطات مختلفة لمجتمع جماهيري لا تنضبط حركاته، ولا تتفق تعبيراته، وقد حكاها القرآن كما كانت فليس لأحد بعد ذلك أن يقول: إنْ كان القول الأول صحيحاً، فالقول الآخر خطأ أو العكس. وما أشبه هذا الموقف الآن بمباراة رياضية يشهدها الآلاف ويُعلِّقون عليها، تُرى أتتفق تعبيراتهم في وصف هذه المباراة؟ نقول: إذن، تعددت اللقطات وتعددت الأقوال للقصة الواحدة لينقل لنا القرآن كل ما حدث. ثم يقص الحق سبحانه رد فعل فرعون على ما حدث، فيقول: {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ...}.