٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ} أي لموسى واللام لتضمن الفعل معنى الاتباع. وقرأ قنبل وحفص {آمنتم له } على الخبر والباقون على الاستفهام. {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ } في الإِيمان له. {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } لعظيمكم في فنكم وأعلمكم به أو لأستاذكم. {ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} وأنتم تواطأتم على ما فعلتم. {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} اليد اليمنى والرجل اليسرى، ومن ابتدائية كأن القطع ابتدأ من مخالفة العضو العضو وهي مع المجرور بها في حيز النصب على الحال، أي لأقطعنها مختلفات وقرىء «لأقطعن» «ولأصلبن» بالتخفيف. {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} شبه تمكن المصلوب بالجذع بتمكن المظروف بالظرف وهو أول من صلب. {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا } يريد نفسه وموسى لقوله {آمنتم له} واللام مع الإِيمان في كتاب الله لغير الله أراد به توضيع موسى والهزء به، فإنه لم يكن من التعذيب في شيء. وقيل رب موسى الذي آمنوا به. {أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} وأدوم عقاباً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل، حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم، وغلب كل الغلب، شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة، فتهددهم وتوعدهم وقال: {ءَامَنتُمْ لَهُ} أي: صدقتموه {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ} أي: ما أمرتكم بذلك، وافتتم علي في ذلك، وقال قولاً يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} أي: أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي لتظهروه؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 123]، ثم أخذ يتهددهم فقال: {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} أي: لأجعلنكم مثلة، ولأقتلنكم ولأشهرنكم، قال ابن عباس: فكان أول من فعل ذلك، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} أي: أنتم تقولون: إني وقومي على ضلالة، وأنتم مع موسى وقومه على الهدى، فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه، فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل و{قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين، {وَٱلَّذِى فَطَرَنَا} يحتمل أن يكون قسماً، ويحتمل أن يكون معطوفاً على البينات، يعنون: لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدي خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع، لا أنت، {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} أي: فافعل ما شئت، وما وصلت إليه يدك، {إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ} أي: إنما لك تسلط في هذه الدار، وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا} أي: ما كان منا من الآثام؛ خصوصاً ما أكرهتنا عليه من السحر لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ} قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالفَرَمَا، وقال: علموهم تعليماً لا يعلمه أحد في الأرض، قال ابن عباس: فهم من الذين آمنوا بموسى، وهم من الذين قالوا: {آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ} وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقوله: {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي: خير لنا منك {وَأَبْقَىٰ} أي: أدوم ثواباً مما كنت وعدتنا ومنيتنا، وهو رواية عن ابن إسحاق رحمه الله. وقال محمد بن كعب القرظي: {وَٱللَّهُ خَيْرُ} أي: لنا منك، إن أطيع {وَأَبْقَىٰ} أي: منك عذاباً إن عصي، وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضاً. والظاهر أن فرعون - لعنه الله - صمم على ذلك، وفعله بهم رحمة لهم من الله، ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } فرعون {ءَامَنتُمْ } بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً {لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ } أنا {لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } معلمكم {ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَـٰفٍ } حال بمعنى مختلفة أي الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } أي عليها {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنآ } يعني نفسه وربّ موسى {أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ } أدوم على مخالفته.
الشوكاني
تفسير : قوله: {قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ } يقال: آمن له وآمن به، فمن الأوّل: قوله: {أية : فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ }تفسير : [العنكبوت: 26]، ومن الثاني: قوله في الأعراف: {أية : ءامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذن لكم} تفسير : [الأعراف: 123]. وقيل: إن الفعل هنا متضمن معنى الاتباع. وقرىء على الاستفهام التوبيخي، أي كيف آمنتم به من غير إذن مني لكم بذلك؟ {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ } أي إن موسى لكبيركم، أي أسحركم وأعلاكم درجة في صناعة السحر، أو معلمكم وأستاذكم كما يدلّ عليه قوله: {ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ } قال الكسائي: الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال: جئت من عند كبيري. وقال محمد بن إسحاق: إنه لعظيم السحر. قال الواحدي: والكبير في اللغة: الرئيس، ولهذا يقال للمعلم: الكبير. أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس حتى لا يؤمنوا، وإلا فقد علم أنهم لم يتعلموا من موسى، ولا كان رئيساً لهم، ولا بينه وبينهم مواصلة {فَلأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } أي: والله لأفعلنّ بكم ذلك. والتقطيع للأيدي والأرجل من خلاف هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، و"من" للابتداء {وَلأُصَلّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } أي على جذوعها كقوله: {أية : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } تفسير : [الطور: 38] أي عليه، ومنه قول سويد بن أبي كاهل:شعر : هم صلبوا العبديّ في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا تفسير : وإنما آثر كلمة "فِي" للدلالة على استقرارهم عليها كاستقرار المظروف في الظرف {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ } أراد: لتعلمنّ هل أنا أشدّ عذاباً لكم أم موسى؟ ومعنى {أبقى}: أدوم، وهو يريد بكلامه هذا: الاستهزاء بموسى، لأن موسى لم يكن من التعذيب في شيء، ويمكن أن يريد: العذاب الذي توعدهم به موسى إن لم يؤمنوا. وقيل: أراد بموسى ربّ موسى على حذف المضاف. {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءنَا مِنَ ٱلْبَيّنَـٰتِ } أي لن نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات الواضحة من عند الله سبحانه كاليد والعصا. وقيل: إنهم أرادوا بالبينات ما رأوه في سجودهم من المنازل المعدّة لهم في الجنة {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا } معطوف على {ما جاءنا} أي لن نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات وعلى الذي فطرنا، أي خلقنا. وقيل هو قسم، أي والله الذي فطرنا لن نؤثرك، أو لا نؤثرك، وهذان الوجهان في تفسير الآية ذكرهما الفراء والزجاج {فَٱقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ } هذا جواب منهم لفرعون لما قال لهم: {لأقطعنّ} إلخ، والمعنى: فاصنع ما أنت صانع، واحكم ما أنت حاكم، والتقدير: ما أنت صانعه {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي إنما سلطانك علينا ونفوذ أمرك فينا في هذه الدنيا ولا سبيل لك علينا فيما بعدها، فاسم الإشارة في محل نصب على الظرفية أو على المفعولية و"ما" كافة، وأجاز الفراء الرفع على أن تجعل ما بمعنى الذي، أي أن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا فقضاؤك وحكمك منحصر في ذلك. {إِنَّا آمَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا } التي سلفت منا من الكفر وغيره {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسّحْرِ } معطوف على {خطايانا} أي ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من عمل السحر في معارضة موسى فما في محل نصب على المفعولية وقيل: هي نافية، قال النحاس: والأوّل أولى. قيل: ويجوز أن يكون في محل رفع بالابتداء والخبر مقدّر، أي وما أكرهتنا عليه من السحر موضوع عنا {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } أي خير منك ثواباً وأبقى منك عقاباً، وهذا جواب قوله: {ولتعلمنّ أينا أشدّ عذاباً وأبقى}. {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ } المجرم هو المتلبس بالكفر والمعاصي، ومعنى {لا يموت فيها ولا يحيـى}: أنه لا يموت فيستريح ولا يحيـى حياة تنفعه. قال المبرد: لا يموت ميتة مريحة ولا يحيا حياة ممتعة، فهو يألم كما يألم الحي، ويبلغ به حال الموت في المكروه، إلا أنه لا يبطل فيها عن إحساس الألم، والعرب تقول: فلان لا حيّ ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا:شعر : ألا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم تفسير : وهذه الآية من جملة ما حكاه الله سبحانه من قول السحرة. وقيل: هو ابتداء كلام. والضمير في: {إنه} على هذا الوجه للشأن {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي ومن يأت ربه مصدّقاً به قد عمل الصالحات، أي الطاعات، والموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، وجملة: {قد عمل} في محل نصب على الحال وهكذا {مؤمناً} منتصب على الحال، والإشارة بـ {أُوْلَـٰئِكَ } إلى من باعتبار معناه {لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ } أي المنازل الرفيعة التي قصرت دونها الصفات {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بيان للدرجات أو بدل منها، والعدن: الإقامة، وقد تقدّم بيانه، وجملة {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } حال من الجنات؛ لأنها مضافة إلى عدن، وعدن علم للإقامة كما سبق. وانتصاب {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } على الحال من ضمير الجماعة في لهم، أي ماكثين دائمين، والإشارة {ذلك} إلى ما تقدّم لهم من الأجر، وهو مبتدأ، و {جَزَاء مَن تَزَكَّىٰ } خبره، أي جزاء من تطهر من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسّحْرِ } قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالفَرَما، قال: علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض. قال ابن عباس: فهم من الذين آمنوا بموسى، وهم الذين قالوا: {آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر}. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في قوله: {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } قال: خير منك إن أطيع، وأبقى منك عذاباً إن عصى. وأخرج أحمد ومسلم وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما أهلها الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له: الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل»تفسير : . وأخرج أبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدريّ في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما»تفسير : ، وفي الصحيحين بلفظ: «حديث : إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء».
الماوردي
تفسير : {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} وقيل إن امرأة فرعون كانت تسأل: من غلب؟ فقيل لها: موسى وهارون. فقالت: آمنت برب موسى وهارون فأرسل إليها فرعون فقال: فخذواْ أعظم صخرة فحذَّرُوها، فإن أقامت على قولها [فألقوها عليها]، فنزع [الله] روحها، فألقيت الصخرة على جسدها وليس فيه روح. {وَالَّذِي فَطَرَنَا} فيه وجهان: أحدهما: أنه قسم. الثاني: بمعنى [ولا] على الذي فطرنا. {فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} فيه وجهان: أحدهما: فاصنع ما أنت صانع. الثاني: فاحكم ما أنت حاكم. {إِنَّمَا تَقْضِي هذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَآ} يحتمل وجهين: أحدهما: إن التي تنقضي وتذهب هذه الحياة الدنيا، وتبقى الآخرة. قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} فيه وجهان: أحدهما: والله خير منك وأبقى ثواباً إن أُطيع، وعقاباً إن عُصِي. الثاني: خير منك ثواباً إن أطيع وأبقى منك عقاباً إن عُصِي.
ابن عادل
تفسير : (فصل) قوله: {ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} اعلم أن فرعون لما شاهد منهم السجود والإقرار خاف أنْ يصير ذلك سبباً لاقتداء سائر الناس بهم في الإيمان بالله وبرسوله ففي الحال ألقى هذه الشبهة في النبي، وهي مشتملة على التنفير من وجهين: الأول: أن الاعتماد على أول خاطر لا يجوز بل لا بد فيه من البحث، والمناظرة، والاستعانة بخواطر الغير، فلمَّا لم تفعلوا شيئاً من ذلك بل في الحال "آمَنْتُمْ لَهُ" دَلَّ ذلك على أن إيمانكم ليس عن بصيرة بل لسبب آخر. والثاني: قوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} يعني: أنكم تلامذته في السحر، فاصطلحتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجاً لأمره وتفخيماً لشأنه. ثم بعد إيراد هذه الشبهة اشتغل بالتهديد تنفيراً لهم عن الإيمان، وتنفيراً لغيرهم عن الاقتداء بهم، فقال: {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْديكُم وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ}. قوله: "لأُقَطِّعَنَّ" تقدم نحوه، و "مِنْ خِلاَفٍ" حال أي مختلفة و "مِنْ" لابتداء الغاية، وتقدم تحرير هذا، وما قرىء به وقوله: "فِي جُذُوعِ النَّخْلِ" يحتمل أن يكون حقيقة، ففي التفسير أنه نَقَّر جذوع النخل حتى جوَّفَها ووضعَهُم فيها فماتوا جوعاً وعطشاً وأن يكون مجازاً، وله وجهان: أحدهما: أنه وضع (فِي) مكان (عَلَى)، والأصل: على جذوع النخل، كقول الآخر: شعر : 3675- بَطَلٌ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ (بتَوْأَمِ) تفسير : والثاني: أنه شبه تمكنهم بتمكن مَنْ حواء الجذع واشتمل عليه، شبه تمكن المصلوب في الجِذْع بتمكُّن الشيء الموعَى في وعائه، فلذلك قيل "فِي جُذُوعِ النَّخْلِ". ومِنْ تَعدِّي (صَلَبَ) بـ (فِي) قوله: شعر : 3676- وَقَدْ صَلَبُوا العَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلاَ عَطَسَتْ شَيْبَانُ إلاَّ بِأَجْدَعَا تفسير : قوله: "أَيُّنَا أَشَدُّ" مبتدأ وخبر، وهذه الجملة سادة مسد المفعولين إنْ كانت (علم) على بابها، ومسد واحد إنْ كانت عِرفَانِيَّة. ويجوز على جعلها عِرْفانية أن تكون "أيَّنَا" موصولة بمعنى (الذي) وبنيت لأنها قد أضيفت وحذف صدر صلتها و "أَشَدُّ" خبر مبتدأ محذوف، والجملة من ذلك المبتدأ وهذا الخبر صلة لـ "أَيّ"، و "أَيُّ" وما في خبرها في محل نصب مفعولاً به كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [مريم: 69] في أحد وجهيه كما تقدم. و "أَشَدُّ عذاباً" أي: أَنَّا عَلى إيمانُكم بهِ أو رَبّ موسى على ترك الإيمان به، "وَأَبْقَى" أي: أَدْوَم. فإن قيل: إنَّ فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حيَّة عظيمة، وذكر أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون، وآلَ الأمرُ إلى أنْ استغاثَ بموسى من شر ذلك الثعبان، فمع قرب عهده بذلك، وعجزه عن دفعه كيف يعقل أن يهدد السحرة، ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد، ويستهزىء بموسى، ويقول: {أيّنا أَشَدُّ عذاباً}؟ فالجواب: يجوز أن يقال: إنَّه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنَّه كان يظهر الجلادة والوقاحة تمشيةً لِنَامُوسِهِ، وترويجاً لأمره. ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أنَّ العاجز قد يفعل أمثال هذه الأشياء، ويدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذابَ الله أشدُّ من عذاب البشر، ثم إنه أنكر ذلك. وأيضاً: فقد كان عالماً بكذبه في قوله: {إنَّه لكبيرُكُم الذي علَّمكم السِّحر} لأنه علم أنَّ موسى ما خالطهم البتة، وما لقيهم، وكان يعرف من سحرته ويعرف أستاذ كل واحد من هو، وكيف حصَّل ذلك العلم، ثم إنه مع ذلك قال هذا الكلام، فثبت أن سبيله في ذلك ما ذكرناه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا في النهار سحرة، وفي آخره شهداء.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} أي فرعونُ للسحرة: {ءَامَنْتُم لَهُ} أي لموسى عليه الصلاة والسلام، واللامُ لتضمين الفعلِ معنى الاتباعِ، وقرىء على الاستفهام التوبـيخي {قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ} أي من غير أن آذنَ لكم في الإيمان له كما في قوله تعالى: {أية : لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى } تفسير : [الكهف: 109] لا أن إذنَه لهم في ذلك واقعٌ بعده أو متوقَّع {أَنَّهُ} يعني موسى عليه الصلاة والسلام {لَكَبِيرُكُمُ} أي في فنكم وأعلمُكم به وأستاذكُم {ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ} فتواطأتم على ما فعلتم أو فعلّمكم شيئاً دون شيء فلذلك غلبكم، وهذه شُبهةٌ زوّرها اللعينُ وألقاها على قومه وأراهم أن أمرَ الإيمان منوطٌ بإذنه فلما كان إيمانُهم بغير إذنه لم يكن معتدًّا به وأنهم من تلامذته عليه الصلاة والسلام، فلا عبرةَ بما أظهره كما لا عبرةَ بما أظهروه وذلك لِما اعتراه من الخوف من اقتداء الناسِ بالسحرة في الإيمان بالله تعالى ثم أقبل عليهم بالوعيد المؤكّد حيث قال: {فَلأقَطّعَنَّ} أي فوالله لأُقطعن {أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ} أي اليدَ اليمنى والرجلَ اليسرى، ومن ابتدائيةٌ كأن القطعَ ابتداءٌ من مخالفة العضو، فإن المبتدِىءَ من المعروض مبتدِىءٌ من العارض أيضاً، وهي مع مجرورها في حيّز النصبِ على الحالية أي لأقطعنّها مختلفاتٍ، وتعيـينُ تلك الحال للإيذان بتحقيق الأمر وإيقاعِه لا محالة بتعيـين كيفيتِه المعهودة في باب السياسة لا لأنها أفظعُ من غيرها {وَلأصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} أي عليها، وإيثارُ كلمةِ (في) للدلالة على إبقائهم عليها زماناً مديداً تشبـيهاً لاستمرارهم عليها باستقرار المظروفِ المشتملِ عليه، قالوا: وهو أولُ من صَلَب، وصيغةُ التفعيل في الفعلَين للتكثير وقد قرئا بالتخفيف {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا} يريد به نفسه وموسى عليه الصلاة والسلام لقوله: آمنتم له قبل أن آذَنَ لكم، واللامُ مع الإيمان في كتاب الله تعالى لغيره تعالى وهذا إما لقصد توضيعِ موسى عليه الصلاة والسلام والهُزْءِ به لأنه لم يكن من التعذيب في شيء، وإما لإراءة أن إيمانَهم لم يكن عن مشاهدة المعجزة ومعاينةِ البرهان بل كان عن خوف من قِبل موسى عليه الصلاة والسلام حيث رأوا ابتلاعَ عصاه لحبالهم وعِصِيَّهم فخافوا على أنفسهم أيضاً، وقيل: يريد به ربَّ موسى الذي آمنوا به بقولهم: آمنا برب هارون وموسى {أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} أي أدوم. {قَالُواْ} غير مكترثين بوعيده {لَن نُّؤْثِرَكَ} لن نختارك بالإيمان والاتّباع {عَلَىٰ مَا جَاءنَا} من الله على يد موسى عليه الصلاة والسلام {مِنَ ٱلْبَيّنَـٰتِ} من المعجزات الظاهرة فإن ما ظهر بـيده عليه الصلاة والسلام من العصا كان مشتملاً على معجزات جمّة كما مر تحقيقه فيما سلف، فإنهم كانوا عارفين بجلائلها ودقائِقها {وَٱلَّذِى فَطَرَنَا} أي خلقنا وسائرَ المخلوقات وهو عطفٌ على ما جاءنا وتأخيرُه لأن ما في ضمنه آيةٌ عقليةٌ نظرية وما شاهدوه آيةٌ حسيةٌ ظاهرة، وإيرادُه تعالى بعنوان فاطريته تعالى لهم للإشعار بعلة الحُكم فإن خالقيتَه لهم وكونَ فرعونَ من جملة مخلوقاتِه مما يوجب عدَم إيثارِهم له عليه سبحانه وتعالى، وهذا جوابٌ منهم لتوبـيخ فرعونَ بقوله: {قَالَ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ} [طه: 71]، وقيل: هو قسَمٌ محذوفُ الجواب لدِلالة المذكورِ عليه أي وحقَّ الذي فطرنا لا نؤثرك الخ، ولا مساغَ لكون المذكورِ جواباً له عند من يجوّز تقديمَ الجواب أيضاً لما أن القسمَ لا يجاب بلن إلا على شذوذ، وقوله تعالى: {فَٱقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} جوابٌ عن تهديده بقوله: لأقطعن الخ، أي فاصنع ما أنت صانعُه أو فاحكم به وقوله تعالى: {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} مع ما بعده تعليلٌ لعدم المبالاة المستفادِ مما سبق من الأمر بالقضاء، أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الحياةِ الدنيا فحسبُ، وما لنا من رغبة في عذْبها ولا رهبةٍ من عذابها.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} فرعون للسحرة بطريق التوبيخ {آمنتم له} اى لموسى واللام لتضمين الفعل معنى الاتباع واللام مع الايمان فى كتاب الله لغيره. وفى بحر العلوم له اى لربهما على ان اللام بمعنى الباء والدليل القاطع عليه قوله {قال} اى فرعون {آمنتم به قبل ان آذن لكم} فى سور الاعراف وآمنتم بالمد على الاخبار اى فعلتم هذا الفعل توبيخا لهم {قبل ان آذن لكم} اى من غير ان آذن لكم فى الايمان له وامركم به كما فى قوله تعالى {أية : لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربى}تفسير : لا ان الاذن لهم فى ذلك واقع بعده او متوقع والاذن فى الشىء اعلام باجازته واذنته بكذا وآذنته بمعنى {انه} يعنى موسى {لكبيركم} اى فى فنكم واعلمكم به واستاذكم {الذى علمكم السحر} فتواطأتم على ما فعلتم. قال الكاشفى [يعنى استادومعلم ومهترجادوانست شماباهم خواهيدكه ملك برابراندازند] واراد التلبيس على قومه لئلا يتبعون السحرة فى الايمان لانه عالم ان موسى ما علمهم السحر يعنى ان هذه شبهة زورها اللعين والقاها على قومه واراهم ان امر الايمان منوط باذنه فلما كان ايمانهم بغير اذنه لم يكن معتدا به وانهم من تلامذته عليه السلام فلا عبرة بما اظهره كما لا عبرة بما اظهروه وذلك لما اعتراه من الخوف من اقتداء الناس بالحسرة فى الايمان بالله ثم اقبل عليهم بالوعيد المؤكد حيث قال {فلأقطعن} اى فوالله لاقطعن وصيغة التفيل للتكثير وكذا فى الفعل الآتى والقطع فصل شئ مدركا بالبصر كالاجسام او مدركا بالبصيرة كالاشياء المعقولة {ايديكم وارجلكم من خلاف} الخلاف اعم من الضد لان كل ضدين مختلفان دون العكس. والمعنى من كل شق طرفا وهو ان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ومن فيه لابتداء الغاية اى ابتداء القطع من مخالفة العضو العضو لا من وفاقه اياه فان المبتدئ من المعروض مبتدئ من العارض ايضا وهى مع مجرورها فى حيز النصب على الحالية اى لاقطعنها مختلفا لانها اذا خالف بعضها بعضا بان هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك يسار فقد اتصفت بالاختلاف وتعيين القطع وكيفيته لكونه افظع من غيره {ولأصلبنكم فى جذوع النخل} الصلب الذى هو تعليق الانسان للقتل قيل هو شد صلبه على خشب اى على اصول النخل فى شاطئ النيل: وبالفارسية [وهرآيينه بر آويزم شمارا درتن خرما بن كه دراز ترين درختانست تاهمه كس شمارا به بيند وعبرت كيرد] وايثار كلمة فى للدلالة على ابقائهم عليها زمانا طويلا تشبيها لاستقرارهم عليها باستقرار المظروف فى الظرف المشتمل عليه. قالوا فرعون موسى هو اول من استعمل الصلب. فان قيل مع قرب عهده بانقلاب العصا حية وقصدها ابتلاع قصره واستغاثته بموسى من شرها كيف يعقل ان يهدّد السحر الى هذه الحد ويستهزئ بموسى. قلنا يجوز ان يكون فى اشد الخوف ويظهر الجلادة تمشية لناموسه وترويجا لامره والاستقراء يوقفك على امثاله {ولتعلمن أينا} اى انا وموسى {اشد عذابا وابقى} ادوم وموسى لم يكن فى شئ من التعذيب الا ان فرعون ظن السحرة خافوا من قبل موسى على انفسهم حين رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم فقال ما قال وعلى ما سبق من بحر العلوم فى {آمنتم له} يكون المراد بـ{أينا} نفسه ورب موسى. وفى التأويلات النجمية وانما قال {اشد عذابا} لانه كان بصيرا بعذاب الدنيا وشدته وقد كان اعمى بعذاب الاخرة وشدته.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وحفص وورش {آمنتم} على لفظ الخبر. وقرأ اهل الكوفة إلا حفصاً بهمزتين. الباقون بهمزة واحدة بعدها مدة. قال ابو علي: من قرأ على الخبر، فوجهه أنه قرّعهم على تقدمهم بين يديه، وعلى استبدارهم بما كان منهم من الايمان بغير اذنه وأمره، والاستفهام يؤل الى هذا المعنى. ووجه قراءة أبي عمرو انه أتى بهمزة الاستفهام وهمزة الوصل، وقلب الثانية مدة، كراهية اجتماع الهمزتين. وقد مضى شرح ذلك فيما مضى. حكى الله تعالى ما قال فرعون للسحرة حين آمنوا بموسى وهارون {آمنتم له} أي صدقتموه واتبعتموه {قبل أن آذن لكم} وقال فى موضع آخر {أية : آمنتم به} تفسير : وقيل فى الفرق بينهما {إن آمنتم له} يفيد الاتباع، وليس كذلك {آمنتم به} لانه قد يوقن بالخير من غير اتباع له فيما دعا اليه إلا أنه إذا قبل قول الداعي الى أمر أخذ به. ومن قرأ "آمنتم على الخبر" كأن فرعون أخبر بذلك. ومن قرأ على لفظ الاستفهام كأنه استفهم عن ايمانهم على وجه التقريع لهم. والفرق بين الاذن والأمر، أن فى الامر دلالة على إرادة الفعل المأمور به، وليس في الاذن دلالة على إرادة المأذون فيه، كقوله {أية : وإذا حللتم فاصطادوا} تفسير : فهذا إذن. ثم قال فرعون {إنه} يعني موسى {لكبيركم} اي رئيسكم ومتقدمكم {الذي علمكم السحر} ثم هددهم فقال {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} يعني قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى او اليد اليسرى والرجل اليمنى. وقيل أول من فعل ذلك فرعون، وأول من صلب فى جذوع النخل هو، و {في} بمعنى (على) قال الشاعر: شعر : وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا تفسير : وقوله {ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى} قال ابن اسحاق ومحمد بن كعب القرطي معناه: ابقى عقاباً ان عصي وثواباً ان اطيع، ورفع "أيّنا" لانه وقع موقع الاستفهام، ولم يعمل فيه ما قبله من العلم. وقيل انما نسبهم الى اتباع رئيسهم في السحر ليصرف بذلك الناس عن اتباع موسى (ع) فأجابته السحرة فقالوا {لن نؤثرك} أي لا نختارك يا فرعون {على ما جاءنا من البينات} يعني الادلة الدالة على صدق موسى وصحة نبوته. وقوله {والذي فطرنا} يعني وعلى الذي خلقنا فيكون عطفاً على {ما جاءنا من البينات} فيكون جراً، ويحتمل أن يكون جراً بأنه قسم. وقوله {فاقض ما أنت قاض} معناه فاصنع ما انت صانع على تمام من قولهم: قضى فلان حاجتي إذا صنع ما اريد على اتمام، قال ابو ذؤيب: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع تفسير : وقوله {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} يعنى انما تصنع بسلطانك وعذابك فى هذه الحياة الدنيا دون الاخرة. وقيل: معناه ان الذي يفنى وينقضي هذه الحياة الدنيا دون حياة الآخرة. وقوله {إنا آمنا بربنا} اي صدقنا به، نطلب بذلك أن يغفر لنا خطايانا ويغفر لنا ما اكرهتنا عليه من السحر. قال ابن زيد وابن عباس: إن فرعون رفع غلماناً الى السحرة يعلمونهم السحر بالغرائم قالوا {والله خير} لنا منكم {وأبقى} لنا ثواباً من ثوابك. ثم حكى قول السحرة انهم قالوا {إنه من يأت ربه مجرماً} وقيل انه خبر من الله تعالى بذلك دون الحكاية عن السحرة {فإن له جهنم} جزاء على جرمه وعصيانه {لا يموت فيها} يعني جهنم {ولا يحيى} اي لا يموت فيها فيستريح من العذاب، ولا يحيى حياة فيها راحة، بل هو معاقب بأنواع العقاب. ثم اخبر تعالى فقال {ومن يأته مؤمناً} أي مصدقا بتوحيده وصدق أنبيائه و {قد عمل} الطاعات التى أمره بها {فأولئك لهم الدرجات العلى} أي العاليه والعلى جمع عليا مثل ظلمة وظلم والكبرى والكبر.
الجنابذي
تفسير : ولذلك {قَالَ} فرعون {آمَنتُمْ لَهُ} قرئ بهمزةٍ واحدةٍ على صورة الاخبار، وقرئ بهمزتين على الاستفهام الانكارىّ {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ} رئيسكم ومعلّمكم فى هذا الفنّ وكنتم مطّلعين عليه وتواطئتم على ذلك {ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} نقل انّهم ايقنوا قبل هذا بانّ موسى (ع) الهىّ لكنّهم ارادوا بذلك ظهوره على رؤس الاشهاد {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} اليد اليمنى والرّجل اليسرى او بالعكس {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} جمع الجذع وهو اصل الشّجرة او اصل اغصانها {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ} يعنى اىّ منّا ومن موسى (ع)، او منّى ومن ربّ موسى (ع) {أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} المعجزات الواضحات والدّلائل الظّاهرات {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا} عطف او قسّم {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} فامض اىّ شيءٍ تريد امضاءه من القتل والقطع والصّلب والحبس، او فاحكم ما تريد من الاحكام لانّا لا نبالى بعد ما ارانا ربّنا مقامنا وحجّتنا، قيل: انّهم حين سجدوا اراهم الله منازلهم فى الجنّة {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} انّما تصنع او تحكم فى هذه الحيٰوة الدّنيا ولا صنع لك ولا حكم فى الحيٰوة الآخرة، والحيٰوة الآخرة هى المطلوبة الباقية لا الدّنيا، او هذه الحيٰوة الدّنيا ولا صنع لك ولا حكم فى الحيٰوة الآخرة، والحيٰوة الآخرة هى المطلوبة الباقية لا الدّنيا، او هذه الحيٰوة الدّنيا مفعول به والمعنى انّما تمضى وتُذهب هذه الحيٰوة الدّنيا، والآخرة خيرٌ وابقى وقد اخترنا الآخرة على الدّنيا ولا تسلّط لك عليها.
اطفيش
تفسير : {قالَ} فرعون: {آمَنْتُمْ} بهمزة الاستفهام والألف بعدها هو همزة آمن يؤمن، فلبت الفا. وأما ألف آمن فمحذوفة وكتبت حمراء إعلاما بأنها قد كانت لا لتقرأ. كذا قيل. والحق أنها كتبت لتقرأ لأن تمد الهمزة مدا مطولا فى قدر ألفين. وقرأ حفص وقنبل بهمزة وألف واحدة، على الإخبار على جهة الإنكار، أو على تقدير همزة الاستفهام. وقرأ حمزة والكسائى وأبو بكر بهمزتين مختلفتين بعدهما ألف {لهُ} أى به، أو اللام على أصله، فيضمَّن آمنتم معنى خضعتم، أو صرتم له أتباعا. {قَبْلَ أَنْ آذَنَ} أنا. {لَكُمْ} فى الإيمان به. {إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ} عظيمكم فى السحر وأعلمكم به أو أستاذكم {الَّذِى عَلّمَكُمُ السِّحْرَ} وأهل مكة يقولون لمعلمهم القرآن أو غيره: كبير. يقولون: أمرنى كبيرى. وقال لى كبيرى. وروى أنه قال لهم: قد تواطأتم على فعلتم. {فَلأقَطِّعَنَّ} التشديد للتأكيد. وقرئ بفتح الطاء غير مشددة وإسكان القاف وفتح الهمزة {أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ} اليد اليمنى والرجل اليسرى وكل واحد من العضوين خالف الآخر؛ لأن هذه يد وهذه رجل واليد يمنى والرجل شمال ومن للابتداء، لأن القطع مبتدأ وناشئ من مخالفة العضو الآخر لا من وفقه إياه، متعلقة بأَقطعن، أو بمحذوف حال من الأيدى والأرجل وهما جمعا قلة، وأراد بهما الكثرة. والأصل أيديكم بضم الدال كسرت لئلا تقلب الياء واوا ويجوز كون من للمصاحبة. {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ} بالتشديد للتأكيد. وقرئ بكسر اللام غير مشددة وإسكان الصاد وفتح الهمزة. وهو أول من قطع الأيدى والأرجل وصلب {فِى جُذُوعِ النَّخْلِ} قال ابن هشام: {فى} للاستعلاء بمعنى على. انتهى وإيضاحه أنه شبه الاستعلاء المطلق بالظرفية المطلقة بجامع التمكن فسرى التشبيه بجزئيات كل فاستعار لفظ {فى} لمعنى على وهو استعلاء جزئى استعارة تبعية تحقيقية هذا مذهب الكوفيين. وقال البصريون: {فى} هنا للظرفية. شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحالّ فيه، على طريق الاستعارة بالكناية، أو شبه الجذوع بالظروف بجامع التمكن فى كل على طريق الاستعارة بالكناية. و {فى} على الوجهين تخييل ومن أراد تحقيق ذلك فعليه بشرحى على شرح عصام الدين. وعن أبى حِبان: حفر لهم فى الجذوع فالظرفية حقيقة. وقد يقال حقيقة بلا حفر باعتبار أن الجذوع قد ألصقوا بها، وفضلت عنهم أطرافها بل أو لم تفضل فافهم. {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا} أنا أو موسى، أو أنا ورب موسى. وعلى الأقل ففى الكلام رفع نفسه بما اعتاده من القهر بالعذاب وتحقير موسى والتهكم به، حيث أثبت له التعذيب مع أنه لا يقدر فى ذلك المقام على تعذيب أحد بل يقدر على سبيل المعجزة، ولكنه ليس من التعذيب فى شئ. قال جار الله: اللام مع الإيمان فى كتاب الله لغير الله كقوله: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين. {أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} مذابا وقيل: أبقى عقابا وهو أعم، وكذا قول بعضهم على المخالفة.
اطفيش
تفسير : {قال آمنتُمْ لَهُ} أأذعنتم لموسى باتباعه، أو صدقتم به أى برسالته، أو اللام للتعليل أى آمنتم بالله لأجل موسى، فحذف بالله أو الهاء لرب موسى وهارون، وفيه تفكيك الضمائر، أن الضمير في: {إنه لكبيركم} لموسى لا للرب، وما تقدم أولى الأن الايمان يكون بالباء مع الله، وباللام مع غيره كقوله عز وجل: "أية : يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين" تفسير : [التوبة: 61] "أية : فما آمن لموسى" تفسير : [يونس: 83] "أية : لن نؤمن لك" تفسير : [الإسراء: 90] "أية : وما أنت بمؤمن لنا" تفسير : [يوسف: 17]"أية : فآمن له لوط" تفسير : [العنكبوت: 26] {قبل أن آذن لكُم} أى من غير إذنى لأنه لم يقال لهم من قبل لا تؤمنوا حتى آذن لكم، ولا عرفوا ولا اعتقدوا أنه يأذن لهم فى الإيمان كائنا ما كان ذلك كقوله تعالى: "أية : قبل أن تنفد كلمات ربى" تفسير : [الكهف: 109] مع أنه لا نفاد لها البتة ولا مانع أن يكون لما رأى معجزة موسى الغالبة لسحرهم فقال: لا تعلنوا الإيمان حتى آذن لكم فيه، ذكر بعض أن الأمر يدل على إرادة الأمر الفعل المأمور به، وليس فى الإذن ذلك. {إنَّهُ لَكبيركُم} في السِّحر {الذى علمَّكُم السِّحر} فأنتم وهو على غير هدًى، والهدى ما أنا عليه، وقد ضللتم عنه، واتفقتم أنتم وموسى في ذلك علىَّ فليس إيمانكم لحجة قامت عليكم، أو خذلكم فى التعليم لم ينصح لكم فقبلكم {فلأقطِّعنَّ} شدد مبالغة {أيْديكُم وأرْجُلكم مِن خلاف} الجانب المخالف أو الجهة المخالفة، وهو مصدر، كأنه قيل: من جانب ذى خلاف للآخر، أو من جهة ذات مخالفة للأخرى، أو مصدر بمعنى الوصف، ومن للابتداء، وان أبقيناه على المصدرية بلا تقدير مضاف، ولا تأويل للوصف، فمن بمعنى عن، أو على ولا إشكال كما زعم بعض، وهى متعلقة بأقطعن، ولا حاجة الى تقدير تقطيعاً مبتدأ من جانب مخالف، واو من جهة مخالفة، أو لأقطِّعنَّها متخالفات، وذلك قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، أو الرجل اليمنى، واليد اليسرى، وفي بيان هذه الهيئة لهم رضى الله عنهم إخبار بأن القطع لا بد منه، ولم يقطع وفاقا إبقاء عليهم للرحمة أو الألفة سبقت لهم معه، أو لأنه دون القطع من خلاف في الفظاعة. {ولأُصلبِّنَّكم} شدد مبالغة {في جُذُوع النخْل} أى عليها من ظاهرها بلا حفر فيها، شبه إعلاءهم فيها مدة طويلة، جعلهم فى داخلها لجامع التمكن استعارة أصلية، واستعارة فى من جانب المشبه به لمعنى، على من جانب المشبه تبعية، وقيل: حفر لهم فى الجذوع، أو أراد الحفر فلا استعارة، وهو بعيد، بل لا ندرى أوقع الصلب، ولعله أخبرهم فرعون به، ولم يفعل، والظاهر أنه فعل فقيل هو أول صالب وشهر، واستظهر بعض البقاء على الأصل، وهو عدم الفعل. {ولتعْلَمُنَّ أيُّنا} أنا أو موسى {أشد عذاباً وأبقَى} أدوَم لم يعرف من موسى تعذيباً ولا شدة ولا طولا، لكن استهزأ به ونسب إليه أنه يعذب بشدة، وطول أو اتهمهم أنهم خافوا من أن يعذبهم بعصاه التى بلعت سحرهم أو أينا أنا ورب موسى الذى وعدكم موسى أنه يعذبكم إن لم تؤمنوا به، وقد قالوا آمنا برب هارون وموسى، أو أبقى بمعنى أعظم عطاء، والبقاء بمعنى العطاء، وكان يعطى لمن يرضاه، كقول نمروذ: أنا أُحيى وأُميت، وذلك بعيد، لأن البقاء بمعنى العطاء غير مشهور، وإذا ثبت فنادر، والأنه لا وجه لذكره العطاء لهم بعد قنوطهم من فرعون، وإقناطه لهم، وقد يقال: الشاهد فى: {أشد عذاباً} فيكون ذكر لهم العطاء السابق، والعذاب الحاضر، ولا يستبعد عنه قبيحة ما من القبائح، ألا تراه لم يؤمن وتمادى حتى طلب الموعد بعد ما رأى من العصا، وقد قصدت بلع قبته معه، فاستغاث بموسى، فهو يفحش ويبرق ويرعد، ولو رأى إقبال ما أوعد.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } أي فرعون للسحرة {ءامَنتُمْ لَهُ } أي لموسى كما هو الظاهر. والإيمان في الأصل متعد بنفسه ثم شاع تعديه بالباء لما فيه من التصديق حتى صار حقيقة. وإنما عدي هنا باللام لتضمينه معنى الانقياد وهو يعدى بها يقال: انقاد له لا الاتباع كما قيل: لأنه متعد بنفسه يقال: اتبعه ولا يقال: اتبع له، وفي «البحر» إن آمن يوصل بالباء إذا كان متعلقه الله عز اسمه وباللام إن كان متعلقه غيره تعالى في الأكثر نحو {أية : يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [التوبة: 61]. {أية : فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ} تفسير : [يونس: 83] الخ. {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } تفسير : [البقرة: 55] {أية : وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } تفسير : [يوسف: 17] {أية : فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } تفسير : [العنكبوت: 26]، وجوز أن تكون اللام تعليلية والتقدير آمنتم بالله تعالى لأجل موسى وما شاهدتم منه، واختاره بعضهم ولا تفكيك فيه كما توهم، وقيل: يحتمل أن يكون ضمير {لَهُ } للرب عز وجل، وفي الآية حينئذٍ تفكيك ظاهر. وقرأ الأكثر {أَءمِنتُمْ } على الاستفهام التوبيخي. والتوبيخ هو المراد من الجملة على القراءة الأولى أيضاً لا فائدة الخبر أو لازمها {قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } أي من غير إذني لكم في الإيمان كما في قوله تعالى: {أية : لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى } تفسير : [الكهف: 109] لا أن إذنه لهم في ذلك واقع بعد أو متوقع، وفرق الطبرسي بين الإذن والأمر بأن الأمر يدل على إرادة الآمر الفعل المأمور به وليس في الإذن ذلك. {أَنَّهُ } يعني موسى عليه السلام {لَكَبِيرُكُمُ } لعظيمكم في فنكم وأعلمكم به وأستاذكم {ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ } كأن اللعين وبخهم أولاً على إيمانهم له عليه السلام من غير إذنه لهم ليرى قومه أن إيمانهم غير معتد به حيث كان بغير إذنه. ثم استشعر أن يقولوا: أي حاجة إلى الإذن بعد أن صنعنا ما صنعنا وصدر منه عليه السلام ما صدر فأجاب عن ذلك بقوله: {إِنَّهُ } الخ أي ذلك غير معتد به أيضاً لأنه أستاذكم في السحر فتواطأتم معه على ما وقع أو علمكم شيئاً دون شيء فلذلك غلبكم فالجملة تعليل لمحذوف، وقيل: هي تعليل للمذكور قبل. وبالجملة قال ذلك لما اعتراه من الخوف من اقتداء الناس بالسحرة في الإيمان لموسى عليه السلام ثم أقبل عليهم بالوعيد المؤكد حيث قال: {فَلأُقَطّعَنَّ } أي إذا كان الأمر كذلك فأقسم لأقطعن {أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } أي اليد اليمنى والرجل اليسرى وعليه عامة المفسرين وهو تخصيص من خارج وإلا فيحتمل أن يراد غير ذلك. و {مِنْ } ابتدائية. وقال الطبرسي: بمعنى عن أو على وليس بشيء. والمراد من الخلاف الجانب المخالف أو الجهة المخالفة. والجار والمجرور حسبما يظهر متعلق بأقطعن، وقيل: متعلق بمحذوف وقع صفة مصدر محذوف أي تقطيعه مبتدأ من جانب مخالف أو من جهة مخالفة وابتداء التقطيع من ذلك ظاهر، ويجوز أن يبقى الخلاف على حقيقته أعني المخالفة وجعله مبتدأ على التجوز فإنه عارض ما هو مبدأ حقيقة، وجعل بعضهم الجار والمجرور في حيز النصب على الحالية، والمراد لأقطعنها مختلفات فتأمل، وتعيين هذه الكيفية قيل للإيذان بتحقيق الأمر وإيقاعه لا محالة بتعيين كيفيته المعهودة في باب السياسة. ولعل اختيارها فيها دون القطع من وفاق لأن فيه إهلاكاً وتفويتاً للمنفعة، وزعم بعضهم أنها أفظع {وَلأُصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } أي عليها. وإيثار كلمة في للدلالة على إبقائهم عليها زماناً مديداً تشبيهاً لاستمرارهم عليها باستقرار الظرف في المظروف المشتمل عليه. وعلى ذلك قوله:شعر : وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا تفسير : وفيه استعارة تبعية. والكلام في ذلك شهير. وقيل: لا استعارة أصلاً لأن فرعون نقر جذوع النخل وصلبهم في داخلها ليموتوا جوعاً وعطشاً ولا يكاد يصح بل في أصل الصلب كلام. فقال بعضهم: إنه أنفذ فيهم وعيده وصلبهم وهو أول من صلب. ولا ينافيه قوله تعالى: {أية : أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [القصص: 35] لأن المراد الغلبة بالحجة. وقال الإمام: لم يثبت ذلك في الأخبار. وأنت تعلم أن الظاهر السلامة. وصيغة التفعيل في الفعلين للتكثير. وقرىء بالتخفيف فيهما. {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ } يريد من -نا- نفسه وموسى عليه السلام بقرينة تقدم ذكره في قوله تعالى: {ءامَنتُمْ لَهُ } بناءً على الظاهر فيه. واختار ذلك الطبري وجماعة. وهذا إما لقصد توضيع موسى عليه السلام والهزء به لأنه عليه السلام لم يكن من التعذيب في شيء، وإما لأن إيمانهم لم يكن بزعمه عن مشاهدة المعجزة ومعاينة البرهان بل كان عن خوف من قبله عليه السلام حيث رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم فخافوا على أنفسهم أيضاً، واختار أبو حيان أن المراد من الغير الذي أشار إليه الضمير رب موسى عز وجل الذي آمنوا به بقولهم: {أية : امَنَّا بِرَبّ هَـٰرُونَ ومُوسَىٰ } تفسير : [طه: 70]. {وَلَتَعْلَمُنَّ } هنا معلق و {أيُّنا أَشَدٌّ} جملة استفهامية من مبتدأ وخبر في موضع نصب سادة مسد مفعوليه إن كان العلم على بابه أو في موضع مفعول واحد له إن كان بمعنى المعرفة. ويجوز على هذا الوجه أن يكون {أَيُّنَا } مفعولاً وهو مبني على رأي سيبويه و {أَشَدُّ} خبر مبتدأ محذوف أي هو أشد. والجملة صلة أي والعائد الصدر، و {عَذَاباً } تمييز. وقد استغنى بذكره مع {أَشَدُّ} عن ذكره مع {أَبْقَىٰ } وهو مراد أيضاً. واشتقاق أبقى من البقاء بمعنى الدوام. وقيل: لا يبعد والله تعالى أعلم أن يكون من البقاء بمعنى العطاء فإن اللعين كان يعطي لمن يرضاه العطايا فيكون للآية شبه بقول نمروذ {أية : أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ } تفسير : [البقرة: 258] وهو في غاية البعد عند من له ذوق سليم. ثم لا يخفى أن اللعين في غاية الوقاحة ونهاية الجلادة حيث أوعد وهدد وأبرق وأرعد مع قرب عهده بما شاهد من انقلاب العصا حية وما لها من الآثار الهائلة حتى أنها قصدت ابتلاع قبته فاستغاث بموسى عليه السلام ولا يبعد نحو ذلك من فاجر طاغ مثله.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن سحرة فرعون لما آمنوا برب هارون وموسى قال لهم فرعون منكراً عليهم: {آمَنتُمْ لَهُ} أي صدقتموه في أنه نبي مرسل من الله، وآمنتم بالله قبل أن آذن لكم. يعني أنهم لم يكفوا عن الإيمان حتى يأذن لهم، لأنه يزعم أنهم لا يحق لهم أن يفعلوا شيئاً إلا بعد إذنه هو لهم. وقال لهم أيضاً: إن موسى هو كبيرهم. أي كبير السحرة وأستاذهم الذي علمهم السحر. ثم هددهم مقسماً على أنه يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف: يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلاً. لأنه أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة. لأنه إن كان قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شق كامل صحيح، بخلاف قطعهما من خلاف. فالجنب الأيمن يضعف بقطع اليد، والأيسر يضعف بقطع الرجل كما هو معلوم. وأنه يصلبهم في جذوع النخل، وجذع النخلة هو أخشن جذع من جذوع الشجر، والتصليب عليه أشد من التصليب على غيره من الجذوع كما هو معروف. وما ذكره جل وعلا عنه هنا أوضحه في غير هذا الموضع أيضاً. كقوله في سورة "الشعراء": {أية : قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الشعراء: 49]. وذكر هذا أيضاً في سورة "الأعراف" وزاد فيها التصريح بفاعل قال: وادعاء فرعون أن موسى والسحرة تمالؤوا على أن يظهروا أنه غلبهم مكراً ليتعاونوا على إخراج فرعون وقومه من مصر. وذلك في قوله: {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الأعراف: 123-124] وقوله في "طه": {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} يبين أن التصليب في جذوع النخل هو مراده بقوله في "الأعراف، والشعراء": {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}. أي في جذوع النخل وتعدية التصليب بـ "في" أسلوب عربي معروف، ومنه قول سويد بن أبي كاهل: شعر : هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطصت شيبان إلا بأجدعا تفسير : ومعلوم عند علماء البلاغة: أن في مثل هذه الآية استعارة تبعية في معنى الحرف كما سيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح كلامهم في ذلك ونحوه في سورة "القصص". وقد أوضحنا في كتابنا المسمى (منع جواز المجاز في المنزل التعبد والإعجاز). أن ما يسميه البلاغيون من أنواع المجاز مجازاً كلها أساليب عربية نطقت بها العرب في لغتها. وقد بينا وجه عدم جواز المجاز في القرآن وما يترتب على ذلك من المحذور. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} قال بعض أهل العلم: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ}: يعني أنا، أم رب موسى أشد عذاباً وأبقى. واقتصر على هذا القرطبي. وعليه ففرعون يدعي أن عذابه أشد وأبقى من عذاب الله. وهذا كقوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24]، وقوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38]، وقوله: {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ}تفسير : [الشعراء: 29]. وقال بعضهم: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ} أنا، أم موسى أشد عذاباً وأبقى. وعلى هذا فهو كالتهكم بموسى لاستضعافه له، وأنه لا يقدر على أن يعذب من لم يطعمه. كقوله: {أية : أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ} تفسير : [الزخرف: 52] الآية. والله جل وعلا أعلم. واعلم أن العلماء اختلفوا: هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به، أو لم يفعله بهم؟ فقال قوم: قتلهم وصلبهم. وقوم أنكروا ذلك، وأظهروهما عندي: أنه لم يقتلهم، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله تعالى. لأن الله يقول لموسى وهارون {أية : أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [القصص: 35] والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {قال آمنتم له} صدّقتموه {قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم} معلّمكم {الذي علمكم السحر فلأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم من خلاف} اليد اليمنى والرِّجل اليسرى {ولأصلبنكم في جذوع النخل} على رؤوس النَّخل {ولتعلمن أينا أشد عذاباً} أنا أو ربُّ موسى {وأبقى} وأدوم. {قالوا لن نؤثرك} لن نختار دينك {على ما جاءنا من البينات} اليقين والهدى {والذي فطرنا} ولا نختارك على الذي خلقنا {فاقض ما أنت قاض} فاصنع ما أنت صانعٌ من القطع والصَّلب {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} إنَّما سلطانك وملكك في هذه الحياة الدُّنيا. {إنَّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} الشِّرك الذين كنَّا فيه {وما أكرهتنا عليه من السحر} وإكراهك إيانا على تعلُّم السِّحر {والله خير} لنا منك {وأبقى} لأنَّك فانٍ هالكٌ. {إنَّه مَنْ يأت ربَّه مجرماً} مات على الشِّرك {فإنَّ له جهنم لا يموت فيها} فيستريح بالموت {ولا يحيا} حياةً تنفعه. {ومَنْ يأته مؤمناً} مات على الإيمان {قد عمل الصالحات} قد أدَّى الفرائض {فأولئك لهم الدرجات العلى} في الجنَّة. وقوله: {جزاء من تزكى} تطهَّر من الشِّرك بقول: لا إله إلاَّ الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنتُمْ} {ءَاذَنَ} {خِلاَفٍ} (71) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ كُفْرِ فِرْعَوْنَ وَعِنَادِهِ، وَمُكَابَرَتِهِ الحَقَّ بِالبَاطِلِ، حِينَ رَأَى المُعْجِزَةَ البَاهِرَةَ، وَرَأَى الذِينَ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ قَدْ آمَنُوا بِحَضْرَتِهِ، وَأَمَامَ النَّاسِ جَمِيعاً، وَغُلِبَ عَلَى أَمْرِهِ، فَشَرَعَ فِي المُكَابَرَةِ وَالتَّهْدِيدِ، وَتَوَعَّدَ السَّحَرَةَ وَقَالَ لَهُمْ: آمَنْتُمْ بِهِ وَصَدَّقْتُمُوهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ بِذلِكَ، وَهذا كَائِنٌ مِنْكُمْ عَنِ اتِّفَاقٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ عَلَيَّ، فَهُوَ كَبِيرُكُمْ فِي السِّحْرِ، وَهُوَ الذِي عَلَّمَكُمْ إِيَّاهُ، ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ سَيَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، فَإِذا قَطَعَ اليَدَ اليُمْنَى قَطَعَ الرِّجْلَ اليُسْرَى... وَإِنَّهُ سَيَصْلُبُهُمْ عَلَى جُذوعِ النَّخْلِ، وَسَيَجْعَلُهُمْ عِبْرَةً وَمُثْلَةً. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّنِي وَقَوْمِي عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَإِنَّكُمْ وَمُوسَى عَلَى حَقًٍّ وَهُدًى، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَكُونُ أَشَدَّ عَذَاباً وَأَدْوَمَ زَمَناً، أَنَا أَمْ إِله مُوسَى؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : طبيعي أن يشتاط فرعون غضباً بعدما سمعه من سحرته، فقد جمعهم لينصروه فإذا بهم يخذلونه، بل ويُقوِّضون عرشه من أساسه فيؤمنون بإله غيره، ويا ليتهم لما خذلوه سكتوا، إنما يعلنونها صريحة عالية مدوية: {أية : آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 70]. {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ...} [طه: 71] فمع الخيبة التي مُنِي بها ما يزال يتمسك بفرعونيته وألوهيته، ويهرب من الاستخزاء الذي حاق به، يريد أن يعطي للقوم صورة المتماسك الذي لم تُؤثّر فيه هذه الأحداث، فقال {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ..} [طه: 71] فأنا كبيركم الذي علّمكم السحر، وكان عليكم أنْ تحترموا أستاذيته، وقد كنت سآذنُ لكم. وكلمة (آمنتم) مادتها: أمِنَ. وقد أخذت حيزاً كبيراً في القرآن الكريم، والأصل فيها: أمِنَ فلان آمناً يعني: اطمأن. فليس هناك ما يُخوّفه. لكن هذه المادة تأتي مرة ثلاثية (أَمِنَ) وتأتي مزيدة بالهمزة (آمن). وهذا الفعل يأتي متعدياً إلى المفعول مباشرة، كما في قوله تعالى {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}تفسير : [قريش: 3-4] يعني: آمن سكان مكة من الخوف. وقد يتعدى بالباء كما في: آمنت بالله، أو يتعدى باللام كما في قوله تعالى: {أية : فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ..}تفسير : [يونس: 83] وآمن له يعني: صدَّقه فيما جاء به. إذن: لدينا: آمَنَهُ يعني أعطاه الأمن، وآمن به: يعني اعتقده، وآمن له: يعني صَدَّقه. وقد تأتي أَمن وآمن بمعنى واحد، كما في قول سيدنا يعقوب: {أية : هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ..}تفسير : [يوسف: 64]. فلماذا اختلفت الصيغة من آمن إلى أَمِن؟ قالوا: لأن قوله {أية : كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ..}تفسير : [يوسف: 64] كانت تجربة أولى، فجاء الفعل (أَمن) مُجرّداً على خلاف الحال في المرة الثانية، فقد احتاجت إلى نوع من الاحتياط للأمر، فقال {أية : هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ ..}تفسير : [يوسف: 64] فزاد الهمزة للاحتياط. فمعنى قول فرعون: {آمَنتُمْ لَهُ ..} [طه: 71] يعني أي: صدَّقتموه. وتأمل هنا بلاغة القرآن في هذا التعبير {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ..} [طه: 71] ومَنِ الذي يقولها؟ إنه فرعون الآمر الناهي في قومه يتحدث الآن عن الإذن. وفَرْق بين أمر وأذن، أمر بالشيء يعني: أنه يحب ما أمر به، ويجب عليك أنت التنفيذ. أما الإذن فقد يكون في أمر لا يحبه ولا يريده، فهو الآن يأذن؛ لأنه لا يقدر على الأمر. وما دُمْتُمْ قد آمنتم له قبل أن آذن لكم فلا بُدَّ أن يكون هو كبيركم الذي علّمكم السحر، فكان وفاؤكم له، واحترمتم هذا الكِبَر وساعدتموه على الفوز. وهذا من فرعون سوء تعليل لواقع الإيمان، ففي نظره أن موسى تفوّق عليهم، لا لأنه يُجيد فنَّ السحر أكثر منهم، إنما تفوّق عليهم لأنهم جاملوه وتواطأوا معه؛ لأنه كبيرهم ومُعلِّمهم. لذلك يتهدَّدهم قائلا: {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..} [طه: 71]. جاء هذا التهديد والوعيد جزاءً لهم؛ لأنهم - في نظره - هزموه وخذلوه في معركته الفاصلة أمام موسى عليه السلام، ومعنى: {مِّنْ خِلاَفٍ ..} [طه: 71] الخِلاَف أن يأتي شيء على خلاف شيء آخر، والكلام هنا عن الأيدي والأرجل، فيكون المراد اليد اليمنى مع الرِّجْل اليسرى، أو اليد اليُسْرى مع الرِّجْل اليُمْنى. وقوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..} [طه: 71] المعروف أن التَّصلْيب يكون على الجذوع؛ لذلك حاول بعض المفسرين الخروج من هذا الإشكال فقالوا: (في) هنا بمعنى (على). لكن هذا تفسير لا يليق بالأسلوب الأعلى للبيان القرآنيّ، ويجب أن نتفق أولاً على معنى التصليب: وهو أن تأتي بالمصلوب عليه وهو الخشب أو الحديد مثلاً، ثم تأتي بالشخص المراد صَلْبه، وتربطه في هذا القائم رباطاً قوياً، ثم تشدّ عليه بقوة. ولك أنْ تُجرِّب هذه المسألة، فتربط مثلاً عود كبريت على إصبعك، ثم تشدُّ عليه الرباط بقوة، وسوف تجد أن العود يدخل في اللحم، ساعتها تقول: العود في إصبعك، لا على إصبعك. إذن قوله تعالى: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..} [طه: 71] (في) هنا على معناها الأصلي للدلالة على المبالغة في الصَّلْب تصليباً قوياً، بحيث يدخل المصلوب في المصلوب فيه، كأنه ليس عليه، بل داخل فيه. ثم يقول: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} [طه: 71] أينا: المراد فرعون وموسى، أو فرعون ورب موسى الذي أرسله {أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} [طه: 71] فجمع في العذاب شدته من حيث الكيفية، ودوامه وبقاءه في الزمن. ولم يذكر القرآن شيئاً عن تهديد فرعون، أفعله أم لا؟ والأقرب أنه نفّذ ما هدد به. وكان من المفروض في تهديد فرعون أن يأخذ من قلوب السَّحرة ويُرهبهم، فيحاولون على الأقل الاعتذار عَمَّا حدث، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل قالوا ما أهاجه أكثر: {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ} معناه مُعلمُكُم. تفسير : وقوله تعالى: {فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} يعني عَلَى جِذُوعِها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):