Verse. 2420 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالُوْا لَنْ نُّؤْثِرَكَ عَلٰي مَا جَاۗءَنَا مِنَ الْبَيِّنٰتِ وَالَّذِيْ فَطَرَنَا فَاقْضِ مَاۗ اَنْتَ قَاضٍ۝۰ۭ اِنَّمَا تَقْضِيْ ہٰذِہِ الْحَيٰوۃَ الدُّنْيَا۝۷۲ۭ
Qaloo lan nuthiraka AAala ma jaana mina albayyinati waallathee fatarana faiqdi ma anta qadin innama taqdee hathihi alhayata alddunya

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا لن نؤثرك» نختارك «على ما جاءنا من البيانات» الدالة على صدق موسى «والذي فطرنا» خلفنا قسم أو عطف على ما «فاقض ما أنت قاض» أي اصنع ما قتله «إنما تقضي هذه الحياة الدنيا» النصب على الاتساع أي فيها وتجزى عليه في الآخرة.

72

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى تهديد فرعون لأولئك حكى جوابهم عن ذلك بما يدل على حصول اليقين التام والبصيرة الكاملة لهم في أصول الدين، فقالوا: {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءنَا مِنَ ٱلْبَيّنَـٰتِ } وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم فقالوا: {لَن نُّؤْثِرَكَ } جواباً لما قاله وبينوا العلة وهي أن الذي جاءهم بينات وأدلة، والذي يذكره فرعون محض الدنيا، ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض منافع الآخرة ومضارها، أما قوله: {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا } ففيه وجهان: الأول: أن التقدير لن نؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا أي وعلى طاعة الذي فطرنا وعلى عبادته. الوجه الثاني: يجوز أن يكون خفضاً على القسم. واعلم أنهم لما علموا أنهم متى أصروا على الإيمان فعل فرعون ما أوعدهم به فقالوا: {فَٱقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ } لا على معنى أنهم أمروه بذلك لكن أظهروا أن ذلك الوعيد لا يزيلهم ألبتة عن إيمانهم وعما عرفوه من الحق علماً وعملاً، ثم بينوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك فقالوا: {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} وقرىء: (نقضي هذه الحياة الدنيا) ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف فاتسع في الظرف باجرائه مجرى المفعول به كقولك: في صمت يوم الجمعة صيم والمعنى أن قضاءك وحكمك إنما يكون في هذه الحياة الدنيا وهي كيف كانت فانية وإنما مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني المتوصل به إلى السعادة الباقية ثم قالوا: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا } ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر، قالوا: {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسّحْرِ } وذكروا في ذلك الإكراه وجوهاً. أحدها: أن الملوك في ذلك الزمان كانوا يأخذون البعض من رعيتهم ويكلفونهم تعلم السحر فإذا شاخ بعثوا إليه أحداثاً ليعلمهم ليكون في كل وقت من يحسنه فقالوا هذا القول لأجل ذلك أي كنا في التعلم أولاً والتعليم ثانياً مكرهين قاله ابن عباس. وثانيها: أن رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين، إثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل فقالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً فرأوه فوجدوه تحرسه عصاه فقالوا: ما هذا بساحر، الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه. وثالثها: قال الحسن: إن السحرة حشروا من المدائن ليعارضوا موسى عليه السلام فأحضروا بالحشر وكانوا مكرهين في الحضور وربما كانوا مكرهين أيضاً في إظهار السحر. ورابعها: قال عمرو بن عبيد: دعوة السلطان إكراه وهذا ضعيف لأن دعوة السلطان إذا لم يكن معها خوف لم تكن إكراهاً، ثم قالوا: {وَٱللَّهُ خَيْرُ } ثواباً لمن أطاعه. {وَأَبْقَىٰ } عقاباً لمن عصاه، وهذا جواب لقوله: { أية : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ } تفسير : [طه: 71]. قال الحسن: سبحان الله القوم كفار وهم أشد الكافرين كفراً ثبت في قلوبهم الإيمان في طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا: {فَٱقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ } في ذات الله تعالى والله إن أحدكم اليوم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم إنه يبيع دينه بثمن حقير، ثم ختموا هذا الكلام بشرح أحوال المؤمنين وأحوال المجرمين في عرصة القيامة، فقالوا في المجرمين: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الهاء في قوله: {إِنَّهُ } ضمير الشأن يعني أن الأمر والشأن كذا وكذا. المسألة الثانية: استدلت المعتزلة بهذه الآية في القطع على وعيد أصحاب الكبائر قالوا: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم لقوله: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } وكلمة من في معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنه يجوز استثناء كل واحد منها والإستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، واعترض بعض المتكلمين من أصحابنا على هذا الكلام، فقال: لا نسلم أن صاحب الكبيرة مجرم والدليل عليه أنه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فإنه قال في هذه الآية: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } وقال: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ } تفسير : [المطففين: 29] وأيضاً فإنه قال: {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ } والمؤمن صاحب الكبيرة وإن عذب بالنار لا يكون بهذا الوصف، وفي الخبر الصحيح: « حديث : يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » تفسير : . واعلم أن هذه الاعتراضات ضعيفة، أما قوله: إن الله تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فهذا مسلم لكن هذا إنما ينفع لو ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، ومذهب المعتزلة أنه ليس بمؤمن فهذا المعترض كأنه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط، قوله ثانياً: إنه لا يليق بصاحب الكبيرة أن يقال في حقه: إن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، قلنا: لا نسلم فإن عذاب جهنم في غاية الشدة قال تعالى: { أية : رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } تفسير : [آل عمران: 192] وأما الحديث فيقال: القرآن متواتر فلا يعارضه خبر الواحد . ويمكن أن يقال: ثبت في أصول الفقه أنه يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد وللخصم أن يجيب فيقول ذلك يفيد الظن فيجوز الرجوع إليه في العمليات، وهذه المسألة ليست من العمليات بل من الاعتقادات، فلا يجوز المصير إليها ههنا. فإن اعترض إنسان آخر، وقال: أجمعنا على أن هذه الآية مشروطة بنفي التوبة وبأن لا يكون عقابه محبطاً بثواب طاعته والقدر المشترك بين الصورتين هو أن لا يوجد ما يحبط ذلك العقاب ولكن عندنا العفو محبط للعقاب، وعندنا أن المجرم الذي لا يوجد في حقه العفو لا بد وأن يدخل جهنم، واعلم أن هذا الاعتراض أيضاً ضعيف أما شرط نفي التوبة فلا حاجة إليه لأنه قال: {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } أي حال كونه مجرماً والتائب لا يصدق عليه أنه أتى ربه حال كونه مجرماً. وأما صاحب الصغيرة فلأنه لا يسمى مجرماً لأن المجرم اسم للذم فلا يجوز إطلاقه على صاحب الصغيرة، بل الاعتراض الصحيح أن نقول: عموم هذا الوعيد معارض بما جاء بعده من عموم الوعد وهو قوله تعالى: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ } وكلامنا فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم أتى بعد ذلك ببعض الكبائر. فإن قيل: عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة، قلنا: لم لا يجوز أن يقال: ثواب الإيمان يدفع عقاب المعصية فإن قالوا: لو كان كذلك لوجب أن لا يجوز لعنه وإقامة الحد عليه. قلنا: أما اللعن الغير جائز عندنا، وأما إقامة الحد عليه فقد تكون على سبيل المحنة كما في حق التائب وقد تكون على سبيل التنكيل. قالت المعتزلة قوله تعالى: { أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلاً مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 38] فالله تعالى نص على أنه يجب عليه إقامة الحد على سبيل التنكيل، وكل من كان كذلك استحال أن يكون مستحقاً للمدح والتعظيم، وإذا لم يبق ذلك لم يبق الثواب كما قلنا. فدلنا ذلك على أن عقاب الكبيرة أولى بإزالة ثواب الطاعة المتقدمة من الطاعات بدفع عقاب الكبيرة الطارئة. هذا منتهى كلامهم في مسألة الوعيد قلنا حاصل الكلام يرجع إلى أن النص الدال على إقامة الحد عليه على سبيل التنكيل صار معارضاً للنصوص الدالة على كونه مستحقاً للثواب، فلم كان ترجيح أحدهما على الآخر أولى من العكس وذلك لأن المؤمن كان ينقسم إلى السارق وغير السارق، فالسارق ينقسم إلى المؤمن وإلى غير المؤمن فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر في العموم والخصوص فإذا تعارضا تساقطا. ثم نقول: لا نسلم أن كلمة من في إفادة العموم قطعية بل ظنية ومسألتنا قطعية فلا يجوز التعويل على ما ذكرته، وتمام الكلام فيه مذكور في كتاب المحصول في الأصول. المسألة الثالثة: تمسكت المجسمة بقوله: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } فقالوا: الجسم إنما يأتي ربه لو كان الرب في المكان. وجوابه: أن الله تعالى جعل إتيانهم موضع الوعد إتياناً إلى الله مجازاً كقول إبراهيم عليه السلام: { أية : إِنّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّي سَيَهْدِينِ } تفسير : [الصافات: 99]. المسألة الرابعة: الجسم الحي لا بد وأن يبقى إما حياً أو يصير ميتاً فخلوه عن الوصفين محال، فمعناه في الآية أنه يكون في جهنم بأسوء حال لا يموت موتة مريحة ولا يحيا حياة ممتعة. ثم ذكر حال المؤمنين فقال: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ } واعلم أن قوله: {قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } يقتضي أن يكون آتياً بكل الصالحات. وذلك بالإتفاق غير معتبر ولا ممكن فينبغي أن يحمل ذلك على أداء الواجبات، ثم ذكر أن من أتى بالإيمان والأعمال الصالحات كانت له الدرجات العلى، ثم فسرها فقال: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وفي الآية تنبيه على حصول العفو لأصحاب الكبائر لأنه تعالى جعل الدرجات العلى من الجنة لمن أتى ربه بالإيمان والأعمال الصالحة فسائر الدرجات التي هي غير عالية لا بد وأن تكون لغيرهم. ما هم إلا العصاة من أهل الإيمان، أما قوله: {وَذٰلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّىٰ } فقال ابن عباس: يريد من قال لا إله إلا الله، وأقول لما دلت هذه الآية على أن الدرجات العالية هي جزاء من تزكى أي تطهر عن الذنوب وجب بحكم ذلك الخطاب أن الدرجات التي لا تكون عالية أن لا تكون جزاء من تزكى فهي لغيرهم ممن يكون قد أتى بالمعاصي وعفا الله بفضله ورحمته عنهم، واعلم أنه ليس في القرآن أن فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم به ولكن ثبت ذلك في الأخبار.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ} يعني السحرة {لَن نُّؤْثِرَكَ} أي لن نختارك {عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} قال ابن عباس: يريد من اليقين والعلم. وقال عكرمة وغيره: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة؛ فلهذا قالوا: {لَن نُّؤْثِرَكَ}. وكانت امرأة فرعون تسأل من غلب، فقيل لها: غلب موسى وهارون؛ فقالت: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة فإن مضت على قولها فألقوها عليها؛ فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت منزلها في الجنة، فمضت على قولها فانتزع روحها، وألقيت الصخرة على جسدها وليس في جسدها روح. وقيل: قال مقدّم السّحرة لمن يثق به لما رأى من عصا موسى ما رأى: انظر إلى هذه الحية هل تخوفت فتكون جنياً أو لم تتخوف فهي من صنعة الصانع الذي لا يعزب عليه مصنوع؛ فقال: ما تخوفت؛ فقال: آمنت برب هارون وموسى. {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا} قيل: هو معطوف على {مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} أي لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ولا على الذي فطرنا أي خلقنا. وقيل: هو قسم أي والله لن نؤثرك. {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} التقدير ما أنت قاضيه. وليست «ما» هاهنا التي تكون مع الفعل بمنزلة المصدر؛ لأن تلك توصل بالأفعال، وهذه موصولة بابتداء وخبر. قال ابن عباس: فاصنع ما أنت صانع. وقيل: فاحكم ما أنت حاكم؛ أي من القَطْع والصَّلْب. وحذفت الياء من قاض في الوصل لسكونها وسكون التنوين. واختار سيبويه إثباتها في الوقف لأنه قد زالت علة التقاء الساكنين. {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} أي إنما ينفذ أمرك فيها. وهي منصوبة على الظرف، والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا. أو وقت هذه الحياة الدنيا، فتقدر حذف المفعول. ويجوز أن يكون التقدير: إنما تقضي أمور هذه الحياة الدنيا، فتنتصب انتصاب المفعول و«ما» كافة لإنّ. وأجاز الفراء الرفع على أن تجعل «ما» بمعنى الذي وتحذف الهاء من تقضي ورفعت «هذه الحياة الدنيا». {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا} أي صدقنا بالله وحده لا شريك له وما جاءنا به موسى {لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} يريدون الشِّرْك الذي كانوا عليه. {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ} «ما» في موضع نصب معطوفة على الخطايا. وقيل: لا موضع لها وهي نافية؛ أي ليغفر لنا خطايانا من السّحر وما أكرهتنا عليه. النحاس: والأول أولى. المهدوي: وفيه بعدٌ؛ لقولهم: {أية : أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ} تفسير : [الشعراء: 41] وليس هذا بقول مُكْرَهين؛ ولأن الإكراه ليس بذنب، وإن كان يجوز أن يكونوا أكرهوا على تعليمه صغاراً. قال الحسن: كانوا يعلَّمون السحر أطفالاً ثم عملوه مختارين بعد. ويجوز أن تكون «ما» في موضع رفع بالابتداء ويضمر الخبر، والتقدير: وما أكرهتنا عليه من السحر موضوع عنَّا. و«من السحر» على هذا القول والقول الأوّل يتعلق بـ«ـأكرهتنا». وعلى أنّ «ما» نافية يتعلق بـ«ـخطايانا». {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي ثوابه خير وأبقى فحذف المضاف؛ قاله ابن عباس. وقيل: الله خير لنا منك وأبقى عذاباً لنا من عذابك لنا. وهو جواب قوله: {أية : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} تفسير : [طه: 71] وقيل: الله خير لنا إن أطعناه، وأبقى عذاباً منك إن عصيناه. قوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} قيل: هو من قول السحرة لما آمنوا. وقيل: ابتداء كلام من الله عز وجل. والكناية في «إنه» ترجع إلى الأمر والشأن. ويجوز إنّ من يأت، ومنه قول الشاعر:شعر : إنّ من يَدخلِ الكنيسة يوماً يلْقَ فيها جآذِراً وظبَاءَ تفسير : أراد إنه من يدخل؛ أي إن الأمر هذا؛ وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة. والمجرم الكافر. وقيل: الذي يقترف المعاصي ويكتسبها. والأول أشبه؛ لقوله: {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} وهذه صفة الكافر المكذّب الجاحد ـ على ما تقدم بيانه في سورة «النّساء» وغيرها ـ فلا ينتفع بحياته ولا يستريح بموته. قال الشاعر:شعر : ألا مَنْ لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياةً لها طَعْمُ تفسير : وقيل: نفس الكافر معلقة في حنجرته؛ كما أخبر الله تعالى عنه فلا يموت بفراقها، ولا يحيا باستقرارها. ومعنى {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} من يأت موعد ربه. ومعنى {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً} أي يمت عليه ويوافيه مصدقاً به. {قَدْ عَمِلَ} أي وقد عمل {ٱلصَّالِحَاتِ} أي الطاعات وما أمر به ونهي عنه. {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ} أي الرفيعة التي قصرت دونها الصفات. ودل قوله: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً} على أن المراد بالمجرم المشرك. قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بيان للدرجات وبدل منها، والعَدْن الإِقامة؛ وقد تقدم بيانه. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا} أي من تحت غرفها وسررها {ٱلأَنْهَارُ} من الخمر والعسل واللبن والماء وقد تقدم. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين دائمين. {وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} أي من تطهّر من الكفر والمعاصي. ومن قال هذا من قول السّحرة قال: لعل السّحرة سمعوه من موسى، أو من بني إسرائيل إذ كان فيهم بمصر أقوام، وكان فيهم أيضاً المؤمن من آل فرعون. قلت: ويحتمل أن يكون ذلك إلهاماً من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا؛ والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ} لن نختارك. {عَلَىٰ مَا جَاءَنَا } موسى به، ويجوز أن يكون الضمير فيه لما. {مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ} المعجزات الواضحات. {وَٱلَّذِى فَطَرَنَا } عطف على ما جاءنا أو قسم. {فَٱقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ } ما أنت قاضيه أي صانعه أو حاكم به. {إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الدنيا {أية : وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [الأعلى: 17] فهو كالتعليل لما قبله والتمهيد لما بعده. وقرىء {تقضي هذه الحياة الدنيا} كقولك: صيم يوم الجمعة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ } نختارك {عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ } الدالة على صدق موسى {وَٱلَّذِى فَطَرَنَا } خلقنا، قسم أو عطف على ما {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ } أي اصنع ما قلته {إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ ٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَآ} النصب على الاتساع أي فيها وتُجْزَى عليه في الآخرة.

ابن عطية

تفسير : قال السحرة لفرعون لما تدعوهم {لن نؤثرك} أي نفضلك ونفضل السلامة منك على ما رأينا من حجة الله تعالى وآياته {البينات} وعلى {الذي فطرنا} هذا على قول جماعة أن الواو في قوله {والذي فطرنا} عاطفة، وقالت فرقة هي واو القسم، و {فطرنا} معناه خلقنا واخترعنا فافعل يا فرعون ما شئت وإنما قضاؤك في هذه الحياة الدنيا والآخرة من وراء ذلك لنا بالنعيم ولك بالعذاب وهؤلاء السحرة اختلف الناس هل نفذ فيهم وعيد فرعون فقالت طائفة صلبهم على الجذوع كما قال فأصبح القوم سحرة وأمسوا شهداء بلطف الله لهم وبرحمته، وقالت فرقة إن فرعون لم يفعل ذلك وقد كان الله تعالى وعد موسى أنه ومن معه الغالبون. قال القاضي ابو محمد: وهذا كله محتمل وصلب السحرة وقطعهم لا يدفع في أن موسى ومن معه غلب إلا بظاهر العموم والانفصال عن ذلك بين وقوله: {وما أكرهتنا عليه من السحر} قالت فرقة أرادوا ما ضمهم اليه من معارضة موسى وحملهم عليه من ذلك، وقالت فرقة بل كان فرعون قديماً يأخذ ولدان الناس بتعليم السحر ويجبرهم على ذلك فأشار السحرة إلى ذلك. وقولهم {خير وأبقى} رد على قوله {أية : أينا أشد عذاباً وأبقى} تفسير : [طه: 71].

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالَّذِى فَطَرَنَا} قسم، أو معطوف {فَاقْضِ} فاصنع ما أنت صانع أو احكم ما أنت حاكم.

النسفي

تفسير : {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ } لن نختارك {عَلَىٰ مَا جَاءنَا مِنَ ٱلْبَيّنَـٰتِ } القاطعة الدالة على صدق موسى {وَٱلَّذِى فَطَرَنَا } عطف على {مَا جَاءنَا } أي لن نختارك على الذي جاءنا ولا على الذي خلقنا، أو قسم وجوابه {لَن نُّؤْثِرَكَ } مقدم على القسم {فَٱقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ } فاصنع ما أنت صانع من القتل والصلب قال: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما تفسير : أي صنعهما أو احكم ما أنت حاكم {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي في هذه الحياة الدنيا فانتصب على الظرف أي إنما تحكم فينا مدة حياتنا. {أَنَاْ ءامَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ } «ما» موصولة منصوبة بالعطف على {خَطَـٰيَـٰنَا } {مِنَ ٱلسّحْرِ } حال من «ما»، روي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجدوه تحرسه عصاه فقالوا: ما هذا بسحر الساحر إذا نام بطل سحره فكرهوا معارضته خوف الفضيحة فأكرههم فرعون على الإتيان بالسحر وضر فرعون جهله به ونفعهم علمهم بالسحر فكيف بعلم الشرع {وَٱللَّهُ خَيْرُ } ثواباً لمن أطاعه {وَأَبْقَىٰ } عقاباً لمن عصاه وهو رد لقول فرعون {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ }. {أَنَّهُ} هو ضمير الشأن {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } كافراً {فَإِنَّ لَهُ } للمجرم {جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح بالموت {وَلاَ يَحْيَىٰ } حياة ينتفع بها {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً } مات على الإيمان {قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } بعد الإيمان {فَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ } جمع العليا {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بدل من {ٱلدَّرَجَـٰتُ } {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } دائمين {وَذٰلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّىٰ } تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله. قيل: هذه الآيات الثلاث حكاية قولهم. وقيل: خبر من الله تعالى لا على وجه الحكاية وهو أظهر {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } لما أراد الله تعالى إهلاك فرعون وقومه أمر موسى أن يخرج بهم من مصر ليلاً ويأخذ بهم طريق البحر {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ } اجعل لهم من قولهم ضرب له في ماله سهماً {يَبَساً } أي يابساً وهو مصدر وصف به يقال: يبس يَبسا ويُبسا {لاَّ تَخَافُ } حال من الضمير في {فَٱضْرِب } أي اضرب لهم طريقاً غير خائف. {لاَ تَخَفْ } حمزة على الجواب {دَرَكاً } هو اسم من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك {وَلاَ تَخْشَىٰ } الغرق وعلى قراءة حمزة {وَلاَ تَخْشَىٰ } استئناف أي وأنت لا تخشى أو يكون الألف للإطلاق كما في {أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ }تفسير : [الأحزاب: 10] فخرج بهم موسى من أول الليل وكانوا سبعين ألفاً وقد استعاروا حليهم فركب فرعون في ستمائة ألف من القبط فقص أثرهم فذلك قوله {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ } هو حال أي خرج خلفهم ومعه جنوده {فَغَشِيَهُمْ مّنَ ٱلْيَمّ } أصابهم من البحر {مَا غَشِيَهُمْ } هو من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة أي غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله عز وجل {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ } عن سبيل الرشاد {وَمَا هَدَىٰ } وما أرشدهم إلى الحق والسداد وهذا رد لقوله {أية : وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ }تفسير : [غافر: 29]. ثم ذكر منته على بني إسرائيل بعد ما أنجاهم من البحر وأهلك فرعون وقومه بقوله {يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ } أي أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي وقلنا يا بني إسرائيل {قَدْ أَنجَيْنَـٰكُمْ مّنْ عَدُوّكُمْ } أي فرعون {وَوَاعَدْنَـٰكُمْ } بإيتاء الكتاب {جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ } وذلك أن الله عز وجل وعد موسى أن يأتي هذا المكان ويختار سبعين رجلاً يحضرون معه لنزول التوراة. وإنما نسب إليهم المواعدة لأنها كانت لنبيهم ونقبائهم وإليهم رجعت منافعها التي قام بها شرعهم ودينهم. و {ٱلأَيْمَـن} نصب لأنه صفة {جَانِبٍ } وقرىء بالجر على الجواز {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } في التيه وقلنا لكم. {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ } حلالات {مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } {أنجيتكم} {وواعدتكم} {ورزقتكم} كوفي غير عاصم { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } ولا تتعدوا حدود الله فيه بأن تكفروا النعم وتنفقوها في المعاصي أو لا يظلم بعضكم بعضاً {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى } عقوبتي {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ } هلك أو سقط سقوطاً لا نهوض بعده، وأصله أن يسقط من جبل فيهلك وتحقيقه سقط من شرف الإيمان إلى حفرة من حفر النيران. قرأ علي {فَيَحِلَّ } {ويحلل} والباقون بكسرهما. فالمكسور في معنى الوجوب من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه، والمضموم في معنى النزول { وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } عن الشرك {وَءامَنَ } وحد الله تعالى وصدقه فيما أنزل {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } أدى الفرائض {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } ثم استقام وثبت على الهدى المذكور وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح. {وَمَا أَعْجَلَكَ } أي وأي شيء عجل بك {عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} أي عن السبعين الذين اختارهم وذلك أنه مضى معهم إلى الطور على الموعد المضروب ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وأمرهم أن يتبعوه قال الله تعالى {وَمَا أَعْجَلَكَ } أي وأي شيء أوجب عجلتك استفهام إنكار و {مَا } مبتدأ و {أَعْجَلَكَ } الخبر {قَالَ هُمْ أُوْلاء عَلَىٰ أَثَرِى } أي هم خلفي يلحقون بي وليس بيني وبينهم إلا مسافة يسيرة. ثم ذكر موجب العجلة فقال {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ } أي إلى الموعد الذي وعدت {لِتَرْضَىٰ } لتزداد عني رضاً وهذا دليل على جواز الاجتهاد.

ابن عادل

تفسير : قوله: {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} أي لن نختارك على ما جاءنا من الدلالات. لمَّا هددهم فرعون أجابوه بما يدل على حصول اليقين التام والبصيرة الكاملة في أصول الدين، فقالوا: "لَنْ نُؤْثِرك"، وهذا يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان وإلاَّ فَعَل بهم وما وعدهم، (فأجابوه بقولهم): "لَنْ نُؤْثِرَكَ"، وبيَّنوا العلة، وهي أنَّ الذي جاءهم ببيِّنات وأدلة، والذي يذكره فرعون محض الدنيا. وقيل: كان استدلالهم أنهم قالوا: لو كان هذا سحراً فأين حبالُنا وعصيُّنا. قوله: "والَّذِي فَطَرَنَا" فيه وجهان: أحدهما: أن الواوَ عاطفة عطفت (هذا الموصول) على "مَا جَاءَنَا" أي: لن نؤثرك على الذي جاءَنا وَلاَ عَلَى الذي فطَرنَا، أي على طاعة الذي فطرنا وعلى عبادته، وإنما أخروا ذكر الباري تعالى لأنَّه من باب الترقي من الأدْنَى إلى الأعلى. والثاني: أنَّه واو قسم، والموصول مقسم به، وجواب القسم محذوف، أي وحق الذي فطرنا لن نؤثرك على الحق، ولا يجوز أن يكونَ الجواب "لَنْ نُؤْثِرَكَ" عند من يجوز تقديم الجواب، لأنه لا يجاب القسم بـ "لَنْ" إلا في شذوذ من الكلام. قوله: {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} يجوز في "مَا" وجهان: أظهرهما: أنها موصولة بمعنى الذي، و "أَنْتَ قَاضٍ" صلتها والعائد محذوف، أي قاضية، وجاز حذفه وإن كان مخفوضاً، لأنه منصوب المحل، أي فاقضِ الذي أنت قاضيه. والثاني: أنها مصدرية ظرفية، والتقدير: فاقْضِ أمرَك مدة ما أنتَ قاضٍ. ذكر ذلك أبو البقاء. ومنع بعضهم جعلَها مصدرية، قال: لأنَّ "مَا" المصدرية لا توصل بالجمل الاسمية. وهذا المنع ليس مجمعاً عليه بل جوَّز ذلك جماعة كثيرة، ونقل ابن مالك أن ذلك إذا دلَّت (ما) على الظرفية وأنشد: شعر : 3677- وَاصِلْ خَلِيلَكَ مَا التَّوَاصُلُ مُمْكِنٌ فَلأَنْتَ أَوْ هُوَ عَنْ قَلِيلٍ ذَاهِبُ تفسير : ويقل إن كانت غيره ظرفية وأنشد: شعر : 3678- أَحْلاَمُكُمْ لِسَقَامِ الجَهْلِ شَافِيَةٌ كَمَا دِمَاؤُكُمُ تَشْفِي مَنَ الكَلَبِ تفسير : قوله: {إِنَّمَا تَقْضِي هَـذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} يجوز في "ما" هذه وجهان: أحدهما: أن تكون المهيئة لدخول "إنْ" على الفعل، و "الحَيَاةَ الدُّنْيَا" ظرف لـ "تَقْضِي"، ومفعوله محذوف، أي: يقضي غرضك وأمرك. ويجوز أن تكون الحياة مفعولاً به على الاتساع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به كقولك صُمْتُ يومَ الجمعة، وبدل لذلك قراءة أبي حَيْوة: "تُقْضَى هَذِهِ الحَيَاة" ببناء الفعل للمفعول، ورفع "الحَيَاةُ" لقيامها مقام الفاعل، وذلك أنه اتسع فيه فقام مقام الفاعل فرفع. والثاني: أنْ تكون "مَا" مصدرية هي اسم "إنَّ"، والخبر الظرف والتقدير: إنَّ قَضاءَك في هذه الحياة الدنيا، يعني: إن لَكَ الدنيا فقط، ولنا الآخرة. وقال أبو البقاء: فإنْ كانَ قد قُرِىء بالرفع فهو خبر "إن" يعني لو قرىء برفع "الحَيَاةُ" لكان خبراً لـ "إنَّ"، ويكون اسمها حينئذ "مَا" وهي موصولة بمعنى الذي، وعائدُها محذوف تقديره: إن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا لا غيرها. قوله: "وَمَا أَكْرَهْتَنَا" يجوز في "مَا" هذه وجهان: أحدهما: أنها موصولة بمعنى "الَّذِي"، وفي محلها احتمالان: أحدهما: أنَّها منصوبة المحل نسقاً على "خَطَايَانَا" أي ليغفرَ لنا أيضاً الذي أكرهتنا. والاحتمال الثاني: أنَّها مرفوعة المحل على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: والذي أكرهتنَا عليه من السحر محطوط عنا، أو لا يؤاخذ به (ونحوه) والوجه الثاني: أنَّها نافية، قال أبو البقاء: وفي الكلام تقديم تقديره: ليغفر لنا خطايَانَا من السحر ولم تكرهنا عليه. وهذا بعيد عن المعنى، والظاهر هو الأول. و "مِنَ السِّحْرِ" يجوز أن يكون حالاً من الهاء في "عَلَيْه" أو من الموصول. ويجوز أن تكون لبيان الجنس. فصل قال المفسِّرون: لمَّا علم السحرة أنهم متى أصرُّوا على الإيمان أوقع بهم فرعون ما أوعدهم به فقالوا: "اقْضِ مَا أْنْتَ قَاضٍ" لا على وجه الأمر، لكن أظهروا أنَّ ذلك الوعيد لا يزيلهم عن إيمانهم البتة، ثم بيَّنُوا ما لأجله يسهل عليهم احتمال ذلك، فقالوا: {إِنَّمَا تَقْضِي هَـذِهِ الحَيَٰوةَ الدُّنْيَا} أي قضاؤك وحكمك أن يكون في هذه الحياة (الدنيا). وهي نافية تزول عن قريب، ومطلوبنا سعادة الآخرة، وهي باقية. والعقل يقتضي تحمل الضَّرَر الفاني للتوصل إلى السعادة الباقية. ثم قالوا: {إِنَّا ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا}، ولمَّا كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا: {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ}، وفي ذلك الإكراه وجوه: الأول: قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنَّ ملوك ذلك الزمان كانوا يأخذون بعض رعيتهم ويكلفونهم تعلم السحر، فإذا شاخ أحدهم بعثوا إليه أحداثاً ليعلمهم ليكون في كل وقتٍ مَنْ يُحسنه، فقالوا ذلك أي: كُنَّا في التعلم الأول والتعليم ثانياً تكرهُنَا، وهو قول الحسن. وقال مقاتل: كانت السَّحَرةُ اثنين وسبعين اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل كان فرعون أكرههم على تعليم السحر. وقال عبد العزيز بن أبان: قالت السحرة لفرعون أَرِنَا مُوسَى إذا نام، فأراهم نائماً، فوجدوه تحرسه عصان، فقالوا لفرعون: إن هذا ليس بسحر، إن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى عليهم إلا أن يعارضوه. وقال الحسن: إن السحرةَ جَرُوا من المدائن ليعارضوا موسى فأحْضَرُوا بالحشر وكانوا مكرهين في الحضور لقوله {أية : وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 36، 37] وقال عمرو بن عبيد: دعوة السلطان إكراه. وهذا ضعيف، لأن دعوة السلطان إذا لم يكن معها خوف لم تكن إكراهاً. ثم قالوا: {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} قال محمد بن إسحاق: خَيْرٌ منكَ ثواباً، وأبقَى عقاباً لمن عصاه. وقال محمد بن كعب: خيرٌ منكَ إن أطيع وأبْقَى عذاباً منك إن عُصِي. (وهذا جواب لقوله: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ}).

البقاعي

تفسير : ولما علموا ما خيل به على عقول الضعفاء، نبهوهم فأخبر تعالى عن ذلك بقوله مستأنفاً: {قالوا لن نؤثرك} أي نقدم أثرك بالاتباع لك لنسلم من عذابك الزائل {على ما جاءنا} به موسى عليه السلام {من البينات} التي عايناها وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضاهاتها. ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل الخارق، ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله، إشارة إلى عليّ قدره فقالوا: {والذي} أي ولا نؤثرك بالاتباع على الذي {فطرنا} أي ابتدأ خلقنا، إشارة إلى شمول ربوبيته سبحانه وتعالى لهم وله ولجميع الناس، وتنبيهاً على عجز فرعون عند من استحقه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم. ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به، علماً بأن ما فعله فهو بإذن الله، قالوا: {فاقض ما} أي فاصنع في حكمك الذي {أنت قاض} ثم عللوا ذلك بقولهم: {إنما تقضي} أي تصنع بنا ما تريد أن قدرك الله عليه {هذه الحياة الدنيا*} أي إنما حكمك في مدتها على الجسد خاصة، فهي ساعة تعقب راحة، ونحن لانخاف إلا ممن يحكم على الروح وإن فني الجسد، فذاك هو الشديد العذاب، الدائم الجزاء بالثواب أو العقاب، ولعلهم أسقطوا الجار تنزلاً إلى أن حكمه لو فرض أنه يمتد إلى آخر الدنيا لكان أهلاً لأن لا يخشى لأنه زائل وعذاب الله باق. ثم عللوا تعظيمهم لله واستهانتهم بفرعون بقولهم: {إنا ءامنا بربنا} أي المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره {ليغفر لنا} من غير نفع يلحقه بالفعل أو ضرر يدركه بالترك {خطايانا} التي قابلنا بها إحسانه: ثم خصوا بعد العموم فقالوا: {وما أكرهتنا عليه} وبينوا ذلك بقولهم: {من السحر} لتعارض به المعجزة، فإن كان الأكمل لنا عصيانك فيه لأن الله أحق بأن يتقى. روي أن الذي كان من القبط من السحرة اثنان فقط، والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر، وروي أنهم رأوا موسى عليه السلام نائماً وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون إن الساحر إذا نام بطل سحره، فهذا لا يقدر على معارضته، فأبى عليهم وأكرههم على المعارضة. ولما كان التقدير: فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة، عطفوا عليه مستحضرين لكماله: {والله} أي الجامع لصفات الكمال {خير} جزاء منك فيما وعدتنا به {وأبقى*} ثواباً وعقاباً، والظاهر أن الله تعالى سلمهم من فرعون، ويؤيده قوله تعالى {أية : أنتما ومن اتبعكما الغالبون}تفسير : [القصص: 35] - قاله أبو حيان. وسيأتي في آخر الحديد ما هو صريح في نجاتهم؛ ثم عللوا هذا الختم بقولهم: {إنه من يأت ربه} أي الذي رباه وأحسن إليه بأن أوجده وجعل له جميع ما يصلحه {مجرماً} أي قاطعاً ما أمره به أن يوصل {فإن له جهنم} دار الإهانة {لا يموت فيها} أبداً مع شدة عذابها. بخلاف عذابك الذي إن اشتد أمات فزال سريعاً، وإن خف لم يُخِفْ وكان آخره الموت وإن طال {ولا يحيى *} فيها حياة ينتفع بها {ومن يأته} أي ربه الذي أوجده ورباه {مؤمناً} أي مصدقاً به. ولما قدم أن مجرد الكفر يوجب العذاب. كان هذا محلاًّ يتوقع فيه الإخبار عن الإيمان بمثل ذلك فقال: {قد} أي ضم إلى ذلك تصديقاً لإيمانه أنه {عمل} أي في الدنيا {الصالحات} التي أمر بها فكأن صادق الإيمان مستلزم لصالح الأعمال {فأولئك} أي العالو الرتبة {لهم} أي لتداعي ذواتهم بمقتضى الجبلة {الدرجات العلى*} التي لا نسبة لدرجاتك التي وعدتنا بها منها؛ ثم بينوها بقولهم: {جنات عدن} أي أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها {تجري من تحتها الأنهار} أي من تحت غرفها وأسرتها وأرضها؛ فلا يراد موضع منها لأن يجري فيه نهر إلا جرى؛ ثم بين بقوله: {خالدين فيها} أن أهلها هيئوا أيضاً للإقامة. ولما أرشد السياق والعطف على غير معطوفٍ عليه ظاهر إلى أن التقدير: ذلك الجزاء العظيم والنعيم المقيم جزاء الموصوفين، لتزكيتهم أنفسهم، عطف عليه قوله: {وذلك جزاء} كل {من تزكى*} أي طهر نفسه بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وفي هذا تسلية للصحابة رضوان الله عليهم فيما كان يفعل بهم عند نزول هذه السورة إذ كانوا مستضعفين.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة‏:‏ أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة فقالوا لفرعون‏:‏ إن يكونا هذان ساحرين، فإنا نغلبهم، فإنه لا أسحر منا، وإن كان من رب العالمين، فلما كان من أمرهم ‏ {خروا سجدا‏ً} ‏ أراهم الله في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها قالوا‏:‏ ‏ {‏لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏والله خير وأبقى‏}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن القاسم بن أبي بزة قال‏:‏ لما وقعوا سجداً رأوا أهل النار، وأهل الجنة وثواب أهليهما فقالوا‏:‏ ‏ {‏لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات‏}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وما أكرهتنا عليه من السحر‏} ‏ قال‏:‏ أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالعوماء، وقال‏:‏ علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ فهم من الذين قالوا‏:‏ ‏ {‏إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر‏} ‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله‏:‏ ‏ {‏والله خير وأبقى‏}‏ قال‏:‏ خير منك أن أطيع وأبقى منك عذاباً إن عصي‏. وأخرج مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري‏:‏ ‏ ‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية ‏ {‏إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا‏} ‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "‏أما أهلها الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها، فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السبيل والله أعلم" ‏‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني، عن أبي الدرداء، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاث من كن فيه، لم ينل الدرجات العلى‏:‏ من تكهن، أو استقسم، أو رده من سفره طيرة‏ "‏. تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب، عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : من كان وصلة لأخيه إلى سلطان في مبلغ بر، أو مدفع مكروه، رفعه الله في الدرجات‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المبارك في الزهد وأبو نعيم في الحلية، عن عون بن عبد الله قال‏:‏ إن الله ليدخل خلقاً الجنة فيعطيهم حتى يملوا، وفوقهم ناس في ‏ {‏الدرجات العلى‏} ‏ فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون‏:‏ يا ربنا إخواننا كنا معهم فبم فضلتهم علينا‏؟‏ فيقال‏:‏ هيهات‏.‏‏.‏‏!‏ إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمؤون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويستحصون حين تختصون‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عمير قال‏:‏ إن الرجل وعبده يدخلان الجنة، فيكون عبده أرفع درجة منه، فيقول‏:‏ يا رب هذا كان عبدي في الدنيا‏؟‏‏!‏ فيقال‏:‏ إنه كان أكثر ذكراً لله تعالى منك‏. وأخرج أبو داود وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الذري في أفق السماء، وأن أبا بكر وعمر منهم وانعما‏ "‏‏.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} [الآية: 72]. قال ذو النون: من آثر الله على الأشياء هان عليه فيلقى فى ذات الله لأنه آثر الأثير، وحصل فى حمله اللطيف الخفيف. قال الله: جاء كيسًا على السحرة لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، والذى فطرنا فاقضِ ما أنت قاضٍ، افعل بنا ما كنت فاعلاً، والذى كشف لنا عنه سهل فى مشاهدته حمل المون، وملاقاة المكاره والضرر.

القشيري

تفسير : أي بالله الذي فطرنا إنَّا لن نُؤْثِرَكَ على ما جاءَنا من البينات. ولما طلعت في أسرارهم شموسُ العرفان، وانبسطت عليهم أنوار العناية أبصروا الحقَّ سبحانه بأسرارهم، فنطقوا ببيان التصديق، وسجدوا بقلوبهم لمشهودهم، ولم يحتشموا مما توعدهم به من العقوبة، ورأوا ذلك من الله فاستعذبوا البلاء، وتحملوا اللأواء، فكانوا في الغَدَاةِ كُفَّاراً سَحَرَةً، وأَمْسَوْا أَخياراً بَرَرَةَ. قوله: {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ...} عَلِمُوا أَنَّ البَلاَءَ في الدنيا يَنْقَضي - وإنْ تمادى، وينتهي وإن تناهى.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} ان القوم شاهد فى رؤية الأيات مشاهدة الذات والصفات فهان عليهم عظائم البليات قال ذو النون من اثر الله على الأشياء هان عليه ما يلقى فى ذات الله لانه اثر الاثير وحصل فى حمله اللطيف الخبير قال الله حاكيا عن الشجرة لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذى فطرنا فاقض ما أنت قاض افعل بنا ما كنت فاعلا فان الذى كشف لنا عنه يسهل فى مشاهدته تحمل المؤت وعلاقاة المكاره والضمور.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} غير مكترثين بوعيده. قال الكاشفى [ساحران جون ازجام جذبه حقانى مست شده بودند واز انوار تواتر ملاطفات ربانى كه بردل ايشان تافته بود ازدست شده. شعر : خورده يكجرعه از كف ساقى هرجه فانيست كرده درباقى دامن از فكر غير افشانده ليس فى الدار غيره خوانده تفسير : لا جرم درجواب فرعون كفتند] {لن نؤثرك} لن نختارك بالايمان والاتباع {على ما جاءنا} من الله على يد موسى {من البينات} من المعجزات الظاهرة التى لا شبهة فى حقيتها وكان من استدلالهم انهم قالوا لو كان هذا سحرا فاين حبالنا وعصينا. وفيه اشارة الى ان القوم شاهدوا فى رؤية الآيات انوار الذات والصفات فهان عليهم عظائم البليات ومن آثر الله على الاشياء هان عليه ما يلقى فى ذات الله. وقد قال بعض الكبار ليخفف ألم البلاء عنك علمك ان الله هو المبلى {والذى فطرنا} اى خلقنا وسائر المخلوقات عطف على ما جاءنا وتأخيره لان ما فى ضمنه آية عقلية نظرية وما شاهده آية حسية ظاهرة. وقال بعضهم هو قسم محذوف الجواب لدلالة المذكور عليه اى وحق الذى فطرنا لا نؤثرك فان القسم لايجاب بلن الاعلى شذوذ. وفى التفسير الفارسى [وسوكنده ميخوريم بخدايى كه مارا آفريد]. وفى التأويلات اى بالذى فطرنا على فطرة الاسلام والتعرض للفاطرية لايجابها عدم ايثارهم فرعون عليه تعالى {فاقض ما انت قاض} جواب عن تهديده بقوله لاقطعن اى فاصنع ما انت صانعه او احكم فينا ما انت فيه حاكم من القطع والصلب. وفى التأويلات اى فاحكم واجر علينا ما قضى الله لنا فى الازل من الشهادة {انما تقضى هذه الحياة الدنيا} اى انما تصنع ما تهواه او تحكم بما تراه فى هذه الحياة الدنيا ومدة حياتنا فحسب فسيزول امرك وسلطانك عن قريب ومالنا من رغبة فى عذبها ولا رهبة من عذابها [امروز بجور هرجه خواهى ميكن فردا بتونيز هرجه خواهند كنند]

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {هذه الحياة الدنيا}: نصب على إسقاط الخافض. اتساعًا، لا نصب على الظرفية؛ لأن الظرف المختص لا ينتصب على الظرفية، على المشهور، و {الذي فطرنا}: عطف على {ما جاءنا}، أو قَسَمٌ حُذف جوابه، أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك... الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: حاكيًا عن السحرة، لمَّا خوفهم فرعونُ: {قالوا} غير مكترثين بوعيده: {لن نُؤْثِرَكَ} أي: لن نختارك، باتباعك {على ما جاءنا} من الله تعالى على يد موسى عليه السلام {من البينات} أي: المعجزات الظاهرة؛ لأن ما ظهر من العصا كان مشتملاً على معجزات جمة، كما تقدم. {والذي فَطَرَنَا}: خلقنا وخلق سائر المخلوقات، أي: لن نختارك على ما ظهر لنا من دلائل صحة نبوة موسى، ولا على الذي خلقنا، حتى نتبعك ونترك الحق، وكان ما شاهدوه آية حسية، وهذه آية عقلية. وإيراده بعنوان فاطريته تعالى؛ للإشعار بعِلِّية الحكم، فإن خالقيته تعالى لهم ولفرعون - وهو من جملة مخلوقاته - مما يوجب عدم إيثارهم له عليه سبحانه، أو: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ما جاءنا، {فاقض ما أنت قاضٍ} أي: فاصنع ما أنت صانعه، أو: فاحكم ما أنت حاكمه. وهو جواب لقوله: {لأقطعن أيديكم...} الخ. {إنما تقضي هذه الحياةَ الدنيا} أي: إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدنيا الفانية، ولا رغبة لنا في البقاء فيها، رغبة في سكنى الدار الدائمة، بسبب موتنا على الإيمان. {إِنّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} التي اقترفنا، من الكفر والمعاصي، ولا يؤاخذنا بها في الآخرة، فلا نغتر بتلك الحياة الفانية، حتى نتأثر بما أوعدتنا به من القطع والصلب، {و} يغفر لنا أيضًا {ما أكرهتنا عليه من السحر} الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام، بإكراهك وحشرك لنا من المدائن القاصية، وخصوه بالذكر، مع اندراجه في خطاياهم؛ إظهارًا لغاية نفرتهم عنه، ورغبة في مغفرته، وفي ذكره الإكراه: نوع اعتذار؛ لاستجلاب المغفرة، وقيل: أرادوا الإكراه على تعلم السحر، لما رُوي أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين؛ اثنان منهم من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر، وقيل: إنه أكرههم على المعارضة، حيث رُوي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائمًا، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه. لكن يأباه تصديهم للمعارضة بالرغبة والنشاط، كما يُعرب عنه قولهم: {أية : إِنَّ لَنَا لأَجْراً...} تفسير : [الأعرَاف: 113] الخ، وقولهم: {أية : بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 44]، إلا أن يُقال: لما رأوا جدَّهُ طمعوا وطلبوا الأجر. {والله خيرٌ وأبقى} أي: وثواب الله خير من إيثار الدنيا الفانية، وأبقى في الدار الباقية، أو: والله في ذاته خير، وجزاؤه أبقى، نعيمًا كان أو عذابًا. ثم عللوا خيريته وبقاءه فقالوا: {إِنه مَن يأت ربه مجرمًا} بأن يموت على الكفر والمعاصي، {فإِنّ له جهنمَ لا يموتُ فيها} فيستريح وينتهي عذابه، وهذا تحقيق لقوله: {وأبقى}، {ولا يحيا} حياة ينتفع بها، وضمير {إنه}: للشأن، وفيه تنبيه على فخامة مضمون الجملة؛ لأن مناط وضع الضمير موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره، مع ما فيه من زيادة التقرير، فإن الضمير لا يفهم منه أول الأمر إلا شأنٌ مبهَمٌ له خطر، فيبقى الذهن مترقبًا لما يعقبه، فيتمكن، عند وروده، فَضل تمكن، كأنه قيل الشأن الخطير هذا. {ومَن يأتِهِ مؤمنًا} به تعالى، وما جاء من عنده من المعجزات، التي من جملتها ما شهدناه، حال كونه {قد عمل الصالحات} أي: الأعمال الصالحات، وهي كل ما استقام شرعًا وخلص عقدًا، {فأولئك} أي: من يأت مؤمنًا... الخ. وجمع الإشارة؛ باعتبار معنى "مَن"، كما أن الإفراد في الفعلين السابقين باعتبار لفظها، وما فيه من معنى البُعد؛ للإشعار بعلو درجتهم وبُعد منزلتهم، أي: فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات، {لهم} بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحات {الدرجات العُلى} أي: المنازل الرفيعة، وليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد عن العمل في استتباع الثواب؛ لأن ما نيط بالإيمان المقرون بالأعمال الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى، لا بالثواب مطلقًا. ثم فسر تلك الدرجات، فقال: {جناتُ عَدْنٍ} أي: إقامة على الخلود، حال كونها {تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها وذلك جزآء من تزكى} الإشارة إلى ما أنتج لهم من الفوز بالدرجات العلى. والبعد في الإشارة؛ للتفخيم، أي: ما تقدم من الفوز بالدرجات العلى هو جزاء من تطهر من دنس الكفر والمعاصي، بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وهذا تحقيق لكون ثوابه تعالى أبقى. وتقدم ذكر حال المجرم، للمسارعة إلى بيان أشدية عذابه ودوامه، ردًا على ما ادعاه فرعون بقوله: {أينا أشدُ عذابًا وأبقى}، هذا وقد قيل: إن قوله: {إِنه من يأت...} الخ، ابتداء كلام من الله عزّ وجلّ. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تحريض للفقراء أهل النسبة وأرباب الأحوال، على الثبوت في طريق السلوك، وعدم الرجوع عنها، حين يكثر عليهم الإنكار والتهديد، والتخويف بأنواع العذاب، فلا يكترثون بذلك ولا يتضعضعون، وليقولوا كما قال سحرة فرعون: {لن نُؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقضِ ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا...} الآية. وقد جرى هذا على كثير من الصوفية، أُوذوا على النسبة، فمنهم من قُتل، ومنهم من طُوف، ومنهم من أُجلى عن وطنه، إلى غير ذلك مما جرى عليهم، ومع ذلك لم يرجعوا عما هم عليه، حتى وصلوا إلى حضرته تعالى وذاقوا. وما رجع من رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدًا، ولو قُطع إربًا إربًا. والله ولي المتقين. ثمَّ ذكر خروج بني إسرائيل إلى الشام

الهواري

تفسير : {قَالُوا لَن نُّؤثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالذِي فَطَرَنا} أي: ولا على الذي فطرنا أي خلقنا. {فَاقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيَآ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} أي: خير مما تدعونا إليه، وخير منك يا فرعون. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء . تفسير : قوله: {إِنَّهُ مَن يَأتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} أي: مشركاً {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى وَمَن يَأْتِهِ مُؤمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ العُلَى} قد فسّرنا الدّرجات في الجنة في غير هذا الموضع. قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} قد فسّرناه في سورة مريم {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} وقد فسّرنا الأنهار أيضاً. {خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون فيها ولا يخرجون منها. {وَذَلِكَ جَزَآءُ مَنْ تَزَكَّى}. أي من آمن. وقال بعضهم: من عمل صالحاً. قوله: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} أي: ليلاً {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً}. قال الحسن: أتاه جبريل على فرس فأمره، فضرب البحر بعصاه، فصار طريقاً يبساً. قال بعضهم: بلغنا أنه صار اثني عشر طريقاً، لكل سبط طريق. قوله عز وجل: {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى} أي لا تخاف أن يدركك فرعون من بعدك، ولا تخشى الغرق أمامك.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ} لن نختارك {عَلَى مَا جَاءَنَا} الضمير المستتر لما ولا يجوز أن يكون لموسى، ويقدر الرابط أى ما جاءنا به موسى؛ لأن هذا الربط مجرور بما لم يجربه الموصول، ومتعلق بما لم يشبه ما تعلق به جار الموصول. كذا ظهر لى وأجازه الماضى. {مِنَ الْبَيِّنَاتِ} بيان لما، أو لضميره المستتر، أو للباء المقدرة - على ما قال القاضى. {وَالَّذِى فَطَرَنَا} خلقنا. والعطف على ما. ويجوز أن تكون الواو للقسم وجواب محذوف دل عليه {لن نؤثرك} كذا فسرت كلام القاضى، ولكن قال ابن هشام: تلقى القسم لمن ولم نادر جدا كقول أبى طالب: شعر : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أُوسَّدَ فى التراب دفينا تفسير : وأجازه بعضهم بلا ندور. {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} افعل ما أردت أن تفعله. وهذا الأمر يسميه علماء الأصول تفويضا. وكذلك سموا الأمر فى قوله: {أية : ألقوا ما أنتم ملقون} تفسير : لاحتقار سحرهم بالنظر لمعجزة موسى التى أعلم موسى أو ظن أنها تكون. ويصح أن يكون الأمر هنا للإنذار مثل: {أية : قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} تفسير : ويسمى تهديداً، كأنه قيل: من وراء فعلك الآخرة لنا بالرحمة ولك بالعذاب. وبعضهم يفرق بين التهديد والإنذار بذكر الوعيد مع الإنذار. وعليه فالأمر تهديد، والرابط محذوف مضاف إليه، أى قاضيه، أو مفعول به، أى قاض إياه، أو مجرور بلام التقوية، أى قاض له ولام التقوية زائدة أو كالزائدة فلا يبحث بأَنه كيف يحذف العائد المجرور بالحرف مع أن الموصول لم يجرّ يمثل الجار له. قال ابن هشام: ويجوز حذف العائد المجرور بالإضافة، إن كان المضاف وصفًا غير ماض نحو: {فاقض ما أنت قاض}. قال خالد خلافا للكسائى: وإن قلت: كيف أجزت تقدير قاض إياه بالانفصال مع إسكان الاتصال؟ قلت: لأن انفصاله على المفعولية واتصاله على الإضافة فلم يكن الاتصال إلا على جهة غير جهة الانفصال، ولأنه إنما يمتنع الانفصال مع إمكان الانفصال فى الاستعمال لا فى التقدير. قال ابن هشام فى حاشية التسهيل: و {ما} هذه يحتمل أن تكون مصدرية أى اقض قضاءك أو مدة قضائك، بدليل قوله تعالى: {إنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا} أهـ. وإنما أجاز ذلك لأن الجملة الاسمية بعدها، الخبر فيها مشتق، أى المعنى افعل ما شئت، إنما تفعل ما تهواه فى الدنيا، والآخرة خير، فإنما تقضى الخ كتمهيد لما بعده وتعليل لما قبله وتهديد له، أى تفعل اليوم تجازى غداً وهذه ظرف زمان لوصفه بالمصدر الدال على الزمان أو لإبدال المصدر المذكور منه، أو عطفه عليه عطف بيان. تقول: كان كذا وكذا حياة فلان، أى فى حياته. وقيل: منصوب على نزع فى. وقرئ تُقضَى هذه الحياةُ الدنيا، بالبناء للمفعول والرفع، كقولك: صِيم يومُ الجمعة.

اطفيش

تفسير : {قالُوا لَن نؤْثرك} نختارك باتباعك {عَلى ما جاءنا} على موسى من الله عز وجل "من البينات" المعجزات، وكما جاءهم البينات على يد موسى، وبعث اليهم بعث الى غيرهم، وذكروا أنفسهم، لأن المقام لذكرهم أنفسهم، وذكر ما شاهدوا وأيضا لعلهم لا يدرون أنه بعث الى غيرهم أيضا، وفي جاء ضمير ما الواقعة على البينات، وأجيز عوده على موسى، ويقدر الرابط، أى على ما جاءنا به، والمشهور أنه لا يحذف الرابط المجرور إلا إن جر الموصول بمثل جاره، وعلق بمثل متعلقه. {والذى فَطَرنا} خَلَقنا، وهو الله، والعطف على ما، ويجوز أن يكون قسماً أغنى عن جوابه معنى قوله: {لن نؤثرك} لا لفظه، لأن القسم لا يجاب بلن، وأما قول أبى طالب، والله لن يصلوا إليك البيت فنادر جدا {فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ} جواب لقول فرعون لأقطعن الخ، احكم بما شئت، أو افعل ما شئت، كقوله تعالى:"أية : فقضاهن سبع سماوات" تفسير : [فصلت: 12] أي فعلهن وأمرهم إياه بالقضاء تسليم الأمر لله، بمعنى أنه لا طاقة لنا على دفعك، واقناط عن الكفر، ولو أحرقتنا أو أقرضتنا بالمقاريض، أو نحو ذلك، مما هو أعظم من القطع من خلاف، ولا يبعد عن قوة قلوبهم بالله عز وجل أن يكون تهديدا له، بما في الآخرة، والرابط محذوف، أى ما أنت قاضيه بالاضافة، أو ما أنت إياه قاض، وليست مصدرية لضعف وصلها بالجملة الاسمية. {إنَّما تَقْضى} تفعل أو تحكم ما تريد {هذه الحياة الدُّنيا} نصب محل هذه على الظرفية، وما كافة حاضرة، مع أن مالك إلا ما تفعل أن تحكم في هذه الزمان الفانى القصير، الذى لا نرغب في عذبه، ولا نرهب من عذابه، ولنا في الآخر الدائمة رغبه، نرجو إتمامها من خالقنا، ويجوز كون ما مصدرية، والمصدر مبتدأ، وهذه ظرف خبر، أى إن قضاءك ثابت في هذه الحياة الدنيا، ويجوز أن لا يقدر اتقضى مفعولا تنزيلا له منزلة اللازم.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ } غير مكترثين بوعيده {لَن نُّؤْثِرَكَ } لن نختارك بالإيمان والانقياد {عَلَىٰ مَا جَاءنَا } من الله تعالى على يد موسى عليه السلام {مِنَ ٱلْبَيّنَـٰتِ } من المعجزات الظاهرة التي اشتملت عليها العصا. وإنما جعلوا المجىء إليهم وإن عم لأنهم المنتفعون بذلك والعارفون به على أتم وجه من غير تقليد. وما موصولة وما بعدها صلتها والعائد الضمير المستتر في جاء. وقيل العائد محذوف وضمير {جَاءنَا } لموسى عليه السلام أي على الذي جاءنا به موسى عليه السلام وفيه بعد وإن كان صنيع بعضهم اختياره مع أن في صحة حذف مثل هذا المجرور كلاماً. {وَٱلَّذِى فَطَرَنَا } أي أبدعنا وأوجدنا وسائر العلويات والسفليات. وهو عطف على {مَا جَاءنَا } وتأخيره لأن ما في ضمنه آية عقلية نظرية وما شاهدوه آية حسية ظاهرة. وإيراده تعالى بعنوان الفاطرية لهم للإشعار بعلة الحكم فإن إبداعه تعالى لهم وكون فرعون من جملة مبدعاته سبحانه مما يوجب عدم إيثارهم إياه عليه عز وجل. وفيه تكذيب للعين في دعواه الربوبية. وقيل: الواو للقسم وجوابه محذوف لدلالة المذكور عليه أي وحق الذي فطرنا لن نؤثرك الخ. ولا مساغ لكون المذكور جواباً عند من يجوز تقديم / الجواب أيضاً لما أن القسم لإيجاب كما قال أبو حيان: بلن إلا في شاذ من الشعر. وقولهم: هذا جواب لتوبيخ اللعين بقوله: {أية : ءامَنتُمْ} تفسير : [طه: 71] الخ. وقوله تعالى: {فَٱقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ } جواب عن تهديده بقوله: {أية : لأُقَطّعَنَّ } تفسير : [طه: 71] الخ أي فاصنع ما أنت بصدد صنعه أو فاحكم بما أنت بصدد الحكم به فالقضاء إما بمعنى الإيجاد الإبداعي كما في قوله تعالى: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } تفسير : [فصلت: 12] وإما بمعناه المعروف. وعلى الوجهين ليس المراد من الأمر حقيقته، وما موصولة والعائد محذوف. وجوز أبو البقاء كونها مصدري وهو مبني على ما ذهب إليه بعض النحاة من جواز وصل المصدرية بالجملة الاسمية ومنع ذلك بعضهم. وقوله تعالى {إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } مع ما بعده تعليل لعدم المبالاة المستفاد مما سبق من الأمر بالقضاء، وما كافة و {هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ } منصوب محلاً على الظرفية لتقضي والقضاء على ما مر ومفعوله محذوف أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الحياة الدنيا فحسب وما لنا من رغبة في عذبها ولا رهبة من عذابها، وجوز أن تكون ما مصدرية فهي وما في حيزها في تأويل مصدر اسم إن وخبرها {هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ } أي إن قضاءك كائن في هذه الحياة، وجوز أن ينزل الفعل منزلة اللازم فلا حذف. وقرأ ابن حيوة وابن أبـي عبلة {إِنَّمَا تَقْضِى } بالبناء للمفعول {هَـٰذِهِ ٱلْحيوٰة } بالرفع على أنه اتسع في الظرف فجعل مفعولاً به ثم بنى الفعل له نحو صيم يوم الخميس.

ابن عاشور

تفسير : أظهروا استخفافهم بوعيده وبتعذيبه، إذ أصبحوا أهل إيمان ويقين، وكذلك شأن المؤمنين بالرسل إذا أشرقت عليهم أنوار الرسالة فسرعان ما يكون انقلابهم عن جهالة الكفر وقساوته إلى حكمة الإيمان وثباته. ولنا في عمر بن الخطّاب ونحوه ممن آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - مَثَلُ صدق. والإيثار: التفضيل. وتقدّم في قوله تعالى: {أية : لقد آثرك الله علينا} تفسير : في سورة يوسف (91). والتفضيل بين فرعون وما جاءهم من البيّنات مقتض حذف مضاف يناسب المقابلة بالبيّنات، أي لن نؤثر طاعتك أو دينك على ما جاءنا من البيّنات الدالة على وجوب طاعة الله تعالى، وبذلك يلتئم عطف {والذي فَطَرنا}، أي لا نؤثرك في الربوبية على الذي فطرنا. وجيء بالموصول للإيماء إلى التّعليل، لأنّ الفاطر هو المستحق بالإيثار. وأخر {الذي فطرنا} عن {ما جَاءَنَا مِنَ البَيّنٰتِ} لأنّ البيّنات دليل على أنّ الذي خلقهم أراد منهم الإيمان بموسى ونبذ عبادة غير الله، ولأنّ فيه تعريضاً بدعوة فرعون للإيمان بالله. وصيغة الأمر في قوله {فَاقْضِ مَا أنتَ قَاضٍ} مستعملة في التسوية، لأن {ما أنت قاض} مَا صْدَقُه ما توعدهم به من تقطيع الأيدي والأرجل والصّلبِ، أي سواء علينا ذلك بعضه أو كلّه أو عدم وقوعه، فلا نطلب منك خلاصاً منه جزاء طاعتك فافعل ما أنت فاعل (والقضاء هنا التنفيذ والإنجاز) فإنّ عذابك لا يتجاوز هذه الحياة ونحن نرجو من ربنا الجزاء الخالد. وانتصب {هذه الحياة} على النيابة عن المفعول فيه، لأنّ المراد بالحياة مُدّتُها. والقصر المستفاد من (إنما) قصر موصوف على صفة، أي إنك مقصور على القضاء في هذه الحياة الدنيا لا يتجاوزه إلى القضاء في الآخرة، فهو قصر حقيقيّ. وجملة {إنَّا آمَنَّا بِرَبنا} في محلّ العلّة لما تضمنه كلامهم. ومعنى {وما أكْرَهْتَنَا عليْهِ مِنَ السِّحْرِ} أنه أكرههم على تحدّيهم موسى بسحرهم فعلموا أن فعلهم باطل وخطيئة لأنّه استعمل لإبطال إلهيّة الله، فبذلك كان مستوجباً طلب المغفرة. وجملة {والله خَيْرٌ وأبْقَىٰ} في موضع الحال، أو معترضة في آخر الكلام للتذييل. والمعنى: أنّ الله خير لنا بأن نؤثره منك، والمراد: رضى الله، وهو أبقى منك، أي جزاؤه في الخير والشرّ أبقى من جزائك فلا يهولنا قولك {أية : ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى}تفسير : [طه: 71]، فذلك مقابلة لوعيده مقابلة تامة.

الشنقيطي

تفسير : قوله: {لَن نُّؤْثِرَكَ} أي لن نختار اتباعك وكوننا من حزبك، وسلامتنا من عذابك على ما جاءنا من البينات. كمعجزة العصا التي أتتنا وتيقنا صحتها. والواو في قوله {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا} عاطفة على "ما" من قوله: {عَلَىٰ مَا جَآءَنَا} أي لن نختارك {عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} ولا على {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا} أي خلقنا وأبرزنا من العدم إلى الوجود. وقيل: هي واو القسم والمقسم عليه محذوف دل عليه ما قبله. أي {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا} لا نؤثرك {عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ}، {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} أي اصنع ما أنت صانع. فلسنا راجعين عما نحن عليه {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} أي إنما ينفذ أمرك فيها. فـ "هَذِهِ" منصوب على الظرف على الأصح. أي وليس فيها شيء يهم لسرعة زوالها وانقضائها. وما ذكره جل وعلا عنهم في هذا الموضع: من ثباتهم على الإيمان، وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون ووعيده رغبة فيما عند الله ـ قد ذكره في غير هذا الموضع. كقوله في "الشعراء" عنهم في القصة بعينها: {أية : قَالُواْ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} تفسير : [الشعراء: 50]. وقوله في "الأعراف": {أية : قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 125-126]. وقوله: {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} عائد الصلة محذوف، أي ما أنت قاضيه لأنه مخفوض بالوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : كذاك حذف ما يوصف خفضا كأنت قاض بعد أمر من قضى تفسير : ونظيره من كلام العرب قول سعد بن ناشب المازني: شعر : ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا تفسير : أي طالبه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 72- ثبت السحرة على إيمانهم، ودفعوا تهديد فرعون بقولهم: لن نبقى على الكفر معك بعدما تبيَّن لنا الحق فى معجزة موسى، ولن نختارك على إله موسى الذى خلقنا، فافعل ما تريد أن تفعله، إن سلطانك لا يتجاوز هذه الحياة القصيرة. 73- فإننا مقيمون على الإيمان بربنا الحق، ليتجاوز لنا عمَّا سلف من السيئات، وليغفر لنا ممارسة السحر الذى أكرهتنا على تعلمه والعمل به، وربنا خير منك ثواباً، إذا أُطيع، وأبقى منك سلطاناً وقدرة على الجزاء. 74- إن من يموت على الكفر ويلقى الله مجرماً فجزاؤه جهنم لا يموت فيها فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة يتمتع فيها بنعيم. 75- ومن يلاقى ربه على الإيمان وصالح العمل فله المنازل السامية. 76- تلك المنازل هى الإقامة فى جنات النعيم تجرى بين أشجارها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء لمن طهر نفسه بالإيمان والطاعة بعد الكفر والمعصية. 77- ثم تتابعت الأحداث بين موسى وفرعون، وأوحى الله إلى رسوله موسى أن يخرج ببنى إسرائيل من مصر ليلا، وأن يضرب البحر بعصاه فتحدث معجزة أخرى، إذ يفتح له الطريق يبساً فى الماء، وطمأنه ألا يخاف من إدراك فرعون لهم، ولا أن يغرقهم الماء.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لن نؤثرك: أي لن نفضلك ونختارك. والذي فطرنا: أي خلقنا ولم نكن شيئاً. فاقض ما أنت قاض: أي اصنع ما قلت إنك تصنعه بنا. والله خير وأبقى: أي خير منك ثواباً إذا أطيع وأبقى منك عذاباً إذا عصى. مجرما: مجرما أي على نفسه مفسداً لها بآثار الشرك والكفر والمعاصي. جزاء من تزكى: أي ثواب من تتطهر من آثار الشرك والمعاصي وذلك بالإِيمان والعمل الصالح. معنى الآيات: ما زال السياق مع فرعون والسحرة المؤمنين أنه لما هددهم فرعون بالقتل والصلب على جذوع النخل لإِيمانهم بالله وكفرهم به وهو الطاغوت قالوا له ما أخبر تعالى به عنهم في هذه الآية [72] {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ} يا فرعون {عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} الدلائل والحجج القاطعة على أن رب موسى وهارون هو الرب الحق الذي تجب عبادته وطاعته فلن نختارك على الذي خلقنا فنؤمن بك ونكفر به لن يكون هذا أبداً واقض ما أنت عازم على قضائه علينا من القتل والصلب. {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} في هذه الحياة الدنيا لما لك من السلطان فيها أما الآخرة فسوف يقضى عليك فيها بالخلد في العذاب المهين. وأكدوا إيمانهم في غير خوف ولا وجل فقالوا: {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا} أي خالقنا ورازقنا ومدبر أمرنا {لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} أي ذنوبنا، {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ} أي من تعلمه والعمل به، ونحن لا نريد ذلك ولا شك أن فرعون كان قد ألزمهم بتعلم السحر والعمل به من أجل محاربة موسى وهارون لما رأى من معجزة العصا واليد. وقولهم {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي خير ثوابا وجزاء حسنا لمن آمن به وعمل صالحاً، وأبقى عذاباً لمن كفر به وآمن بغيره وعصاه. هذا ما دلت عليه الآيتان [72] و [73]. أما الآية الثالثة [74] وهي قوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} أي على نفسه بإفسادها بالشرك والمعاصي {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} فيستريح من العذاب فيها، {وَلاَ يَحْيَىٰ} حياة يسعد فيها. وقولهم {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ} أي مؤمناً به كافراً بالطاغوت قد عمل بشرائعه فأدى الفرائض واجتنب المناهي {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ} جزاء إيمانهم وعملهم الصالح {ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي في جنات عدن {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون ولا يخرجون منها، {وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} أي تتطهر بالإِيمان وصالح الأعمال بعد تخليه عن الشرك والخطايا والذنوب. لا شك أن هذا العلم الذي عليه السحرة كان قد حصل لهم من طريق دعوة موسى وهارون إذ أقاموا بينهم زمناً طويلاً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا يؤثر الكفر على الإِيمان والباطل على الحق والخرافة على الدين الصحيح إلا أحمق جاهل. 2- تقرير مبدأ أن عذاب الدنيا يتحمل ويصبر عليه بالنظر إلى عذاب الآخرة. 3- الاكراه نوعان: ما كان بالضرب الذي لا يطاق يغفر لصاحبه وما كان لمجرد تهديد ومطالبة فإنه لا يغفر إلا بالتوبة الصادقة وإكراه السحرة كان من النوع الآخر. 4- بيان جزاء كل من الكفر والمعاصي، والإِيمان والعمل الصالح في الدار الآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَيِّنَاتِ} {ٱلْحَيَاةَ} (72) - وَلَمَّا صَالَ عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ وَتَوَعَّدَهُمْ، هَانَتْ عَلَيْهِمْ نُفُوسُهُمْ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالُوا لَهُ: لَنْ نَخْتَارَكَ عَلَى رَبِّنَا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَخَالِقِنا وَخَالِقِ كُلِّ شَيءٍ مِنْ عَدَمٍ، فَهُوَ المُسْتَحِقُّ وَحْدَهُ العِبَادَةَ لاَ أَنْتَ، فَافْعَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْعَلَ شَيْئاً إِلاَّ فِي هَذِهِ الدَّارِ الدُّنْيَا، وَهِيَ دَارٌ زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ، وَنَحْنُ قَدْ رَغْبِنَا فِي دَارِ القَرارِ، الدَّارِ الآخِرَةِ. الذِي فَطَرَنَا - الذِي أَبَدَعَنَا وَأَوْجَدَنَا وَهُوَ اللهُ تَعَالَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الإيثار: تفضيل شيء على شيء في مجال متساوٍ تقول: آثرتُ فلاناً على فلان، وهما في منزلة واحدة، أو أن معك شيئاً ليس معك غيره، ثم جاءك فقير فآثرْتَهُ على نفسك. ومنه قوله تعالى: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ..}تفسير : [الحشر: 9]. فقولهم: {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ..} [طه: 72] لأنه قال {أية : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ}تفسير : [طه: 71] أنا أمْ موسى؟ فالمعركة في نظره مع موسى، فأرادوا أنْ يُواجهوه بهذه الحقيقة التي اتضحتْ لهم جميعاً، وهي أن المعركة ليستْ مع موسى، بل مع آيات الله البينات التي أُرسِل بها موسى، ولن نُفضّلك على آيات الله التي جاءتْنا واضحة بيِّنة. ولما رأى السحرة معجزة العصا كانوا هم أكثَر القوم إيماناً، وقد وَضُحَ عُمْق إيمانهم لما قالوا: {أية : آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 70] ولم يقولوا: آمنا بموسى وهارون، إذن: فإيمانهم صحيح صادق من أول وَهْلة. وقد تعرضنا لهذه المسألة في قصة سليمان مع ملكة سبأ، حين قالت: {أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [النمل: 44] فأنا وهو مسلمان لله، ولم تقل: أسلمت لسليمان، فهناك رب أعلى، الجميع مُسلِّم له. إذن: فقوْل السَّحَرة لفرعون: {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ..} [طه: 72] تعبير دقيق وواعٍ وحكيم لا تلحظ فيه ذاتيةَ موسى إنما تلحظُ البينة التي جاء بها موسى من الله. لذلك يقول تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}تفسير : [البينة: 1] ثم يُبين عند منْ جاءت البينة: {أية : رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً}تفسير : [البينة: 2]. فالارتقاء من الرسول إلى البينة إلى مَنْ أعطى له البينة، فهذه مراحل ثلاث. والبينات، هي الأمور الواضحة التي تحسم كل جَدَلٍ حولها، فلا تقبل الجدل والمهاترات؛ لأن حجتها جليّة واضحة. وقولهم: {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ..} [طه: 72] أي: ولن نُؤثرك أيضاً على الله الذي فطرنا، أو تكون {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ..} [طه: 72] قسَم على ما يقولون، كما تقول: لن أفعل كذا والذي خلقك، فأنت تُقسِم ألاَّ تفعل هذا الشيء. وهذه حيثية عدم الرجوع فيما قالوه وهو الإيمان بربِّ هارون وموسى. ثم لم يَفُتْهم الإشارة إلى مسألة التهديدات الفرعونية: {أية : فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..}تفسير : [طه: 71]. لذلك يقولون: {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ..} [طه: 72] أي: نفِّذ ما حكمتَ به من تقطيع الأيدي والأرجل، أو اقْضِ ما أنت قاض من أمور أخرى، وافعل ما تريد فلم تعُدْ تخيفنا هذه التهديدات {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} [طه: 72]. فأنت إنسان يمكن أن تموتَ في أي وقت، فما تقضي إلا مُدَّة حياتك، وربما يأتي من بعدك مَنْ هو أفضل منك فلا يدّعي ما ادَّعيْته من الألوهية. وهَبْ أن مَنْ جاء بعدك كان على شاكلتك، فحياته أيضاً منتهية، وحتى لو ظَلَّ ما سننته للناس من ادعاء الألوهية إلى يوم القيامة، وامتدّ طغيان غيرك من بعدك، فالمسألة ستنتهي، ولو حتى بقيام الساعة. كما سبق أن قُلْنا: إن نعيم الدنيا مهما بلغ فيتهدده أمران: إما أن تفوته أو يفوتك، أما نعيم الآخرة فنعيم بَاقٍ دائم، لا تفوته ولا يفوتك. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} يعني فاصنعْ مَا أنتَ. صَانعٌ.

الأندلسي

تفسير : {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ} الآية أي لن نختار اتباعك وسلامتنا من عذابك على ما جاءنا من البينات وهي المعجزة التي أتتنا وعلمنا صحتها وفي قولهم: هذا توهين له واستصغار لما هدّدهم به وعدم اكتراث بقوله: وفي نسبة المجيء إليهم وإن كانت البينات جاءت لهم ولغيرهم لأنهم كانوا هم أعرف بالسحر من غيرهم وقد علموا أن ما جاءهم به موسى عليه السلام ليس بسحر وكانوا على جلية من العلم بالمعجز وغيرهم يقلدهم في ذلك والواو في والذي فطرنا واو عطف على ما جاءنا أي وعلى الذي فطرنا لما لاحت لهم حجة الله تعالى في المعجز بدؤوا بها ثم ترقوا إلى القادر على خرق العادة وهو الله وذكر وأوصف الاختراع وهو قولهم الذي فطرنا تبييناً لعجز فرعون وتكذيبه في ادعاء الربوبية والإِلهية وما موصولة بمعنى الذي وصلته أنت قاض والعائد محذوف تقديره ما أنت قاضيه ونظيره قول الشاعر: شعر : وتصغر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإِدراك الذي كنت طالباً تفسير : أي طالبه وفي قولهم فاقض أمر تحقير لفرعون وعدم مبالاة بما هددهم به وانتصب هذه الحياة على الظرف وما مهيئة وتحتمل أن تكون مصدرية أي إن قضاءك في هذه الحياة الدنيا لا في الآخرة ولم يصرح في القرآن بأنه أنفذ فيهم وعيده السابق بل الظاهر أنه تعالى سلمهم منه ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [القصص: 35] وإكراههم إياه على السحر حملهم على معارضته موسى عليه السلام مع علمهم أنه ليس بساحر. {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} رد على قوله: أينا أشد عذاباً وأبقى أي وثواب الله تعالى وما أعده لمن آمن به خير وأبقى. {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} قيل هو حكاية قولهم عظة لفرعون وقيل خبر من الله تعالى لا على وجه الحكاية تنبيهاً على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة وموعظة وتحذيراً والضمير في انه ضمير الأمر والشأن والجملة الشرطية بعده وجوابها في موضع خبر ان وحملت الضمائر فيها على لفظ من فأفردت وفي الجملة الآتية بعدها حملت أولاً على لفظ من فأفرد ثم ثانياً على معنى من فجمع في قوله: فأولئك لهم وجنات بدل من قوله: الدرجات ومعنى: {تَزَكَّىٰ} أي تطهر من المعاصي. {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ} الآية هذا استئناف إخبار عن شىء من أمر موسى عليه السلام وبينه وبين مقال السحرة المتقدم مدة من الزمان حدث فيها لموسى وفرعون حوادث وذلك أن فرعون لما انقضى أمر السحرة وغلب موسى وقوي أمره وعده فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل فأقام موسى على وعده حتى غدره فرعون ونكث فأعلمه أنه لا يرسلهم معه فبعث الله حينئذٍ الآيات المذكورة في غير هذه الآيات كلما جاءت آية وعد فرعون أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف العذاب فإِذا انكشف نكث حتى تأتي أخرى فلما كملت الآيات أوحى ألله إلى موسى أن يخرج ببني إسرائيل في الليل سارياً والسري سير الليل ويحتمل أن تكون مفسرة وأن تكون الناصبة للمضارع وبعبادي إضافة تشريف والظاهر أن الإِيحاء إليه بذلك وبأن يضرب البحر كان متقدماً بمصر على وقت اتباع فرعون موسى وقومه بجنوده ويروى أن موسى عليه السلام نهض ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف إنسان فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم واتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وحشرهم ونهض وراءه فأوحى الله إلى موسى أن يقصد البحر فجزع بنو إسرائيل ورأوا أن العدو من ورائهم والبحر أمامهم وموسى يثق بصنع الله فلما رآهم فرعون قد نهضوا نحو البحر طمع فيهم وكان مقصدهم إلى موضع ينقطع فيه الفحوص والطرق الواسعة قيل وكان في خيل فرعون سبعون ألف أدهم ونسبة ذلك من سائر الألوان وقيل أكثر من ذلك فضرب موسى عليه السلام البحر فانفلق اثنتي عشرة فرقة طرقاً واسعة بينها حيطان الماء واقفة فدخل موسى عليه السلام البحر بعد أن بعث الله ريح لصبا فجففت تلك الطرق حتى يبست ودخل بنو إسرائيل ووصل فرعون إلى المدخل وبنو إسرائيل كلهم في البحر فرأى الماء على تلك الحالة فجزع قومه واستعظموا الأمر فقال لهم إنما انفلق من هيبتي وتقدّم غرق فرعون وقومه في البقرة والاعراف ويونس والظاهر أن لفظة اضرب هنا على حقيقتها من مس العصا البحر بقوة وتحامل على العصا ويوضحه في آية أخرى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق والمعنى أن اضرب بعصاك البحر لينفلق لهم فيصير طريقاً فتعدى إلى الطريق بدخول هذا المعنى لما كان الطريق متسبباً عن الضرب جعل كأنه المضروب. و{يَبَساً} مصدر وصف به الطريق وصفه بما آل إليه إذ كان حالة الضرب لم يتصف باليبس بل مرت عليه الصبا فجففته كما روي ويقال: يبس يبساً ويبساً كالعدم والعدم ومن كونه مصدراً وصف به المؤنث قالوا: شاة يبس وناقة يبس إذا جف لبنها وقرىء: {لاَّ تَخَافُ} وهي جملة في موضع الحال وقرىء: لا تخف على جواب الأمر والدرك والدرك اسمان من الإِدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده. {وَلاَ تَخْشَىٰ} والظاهر أن الضمير في غشيهم في الموضعين عائد على فرعون وقومه والفاعل بغشيهم ما الموصولة أي الذي غشيهم وفي لفظة ما إبهام وتهويل وتعظيم كقوله تعالى: {أية : فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ}تفسير : [النجم: 54]. {وَمَا هَدَىٰ} أي ما هدى قومه إلى الدين أو ما اهتدى في نفسه لأن هدى قد يأتي بمعنى اهتدى. {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ} الآية ذكرهم بأنواع نعمه وبدأ بإِزالة ما كانوا فيه من الضرر من الإِذلال والخراج والذبح وهي آكد أن تكون مقدمة على المنفعة الدنياوية لأن إزالة الضرر أعظم في النعمة من اتصال تلك المنفعة ثم أعقب ذلك بذكر المنفعة الدينية وهو قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَاكُمْ} جانب الطور الأيمن إذ أنزل على نبيهم موسى عليه السلام كتاباً فيه بيان دينهم وشرح شريعتهم ثم بذكر المنفعة الدنياوية وهو قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} قال الزمخشري: وقرىء: الأيمن بالجر على الجوار نحو جحر ضب خرب "انتهى" هذا من الشذوذ والقلة بحيث ينبغي أن لا تخرّج القراءة عليه والصحيح أنه نعت للطور لما فيه من اليمن وإما لكونه على يمين من يستقبل الجبل والظاهر أن الخطاب لمن نجا مع موسى عليه السلام بعد إغراق فرعون وقومه فيحل منصوب بإِضمار أن بعد الفاء في جواب النهي فقد هوى أي سقط وهو كناية عن الهلاك. {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ} الآية وما أعجلك سؤال عن سبب العجلة وأجاب بقوله: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} لأن قوله: وما أعجلك تضمن تأخر قومه عنه فأجاب مشيراً إليهم لقربهم منه أنهم على أثره جائين للموعد وذلك على ما كان عهد إليهم أن يجيئوا للموعد ثم ذكر السبب الذي حمله على العجلة وهو ما تضمنه قوله: وعجلت إليك رب لترضى من طلبه رضا الله تعالى في السبق إلى ما وعده ربه ومعنى إليك أي إلى مكان وعدك ولترضى أي ليدوم رضاك ويستمر لأنه تعالى كان راضياً عنه. {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ} الآية أي اختبرناهم بما فعل السامري والسامري قيل اسمه موسى بن مظفر وقيل غير ذلك وتقدم في الاعراف كيفية اتخاذ العجل. {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ} وذلك بعدما استوفى الأربعين وانتصب غضبان أسفاً على الحال والأسف أشد الحزن ثم أخذ موسى عليه السلام يوبخهم على إضلالهم والوعد الحسن ما وعدهم من الوصول إلى جانب الطور الأيمن وما بعد ذلك من الفتوح في الأرض. {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} توقيف على أعذار لم تكن ولا تصح لهم وهو طول العهد حتى تبين لهم خلف في الموعد وقرىء: {بِمَلْكِنَا} بفتح الميم وضمها وكسرها قال أبو علي الفارسي فمعنى الضم أنه لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك بسلطانه وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري فليس المعنى أن لهم ملكاً وفتح الميم مصدر من ملك والمعنى ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب ولا وقفنا له بل غلبتنا أنفسنا وكسر الميم كثر استعماله فيما تحوزه اليد ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإِنسان ومعناها كمعنى التي قبلها والمصدر في هذين الوجهين مضاف إلى الفاعل والمفعول مقدر أي بملكنا الصواب والأوزار الأثقال أطلق على ما كانوا استعادوا من القبط برسم التزين أوزاراً لثقلها أو بسبب أنهم أثموا في ذلك فسميت أوزاراً لما حصلت الأوزار التي هي الآثام بسببها والقوم هنا القبط. {فَقَذَفْنَاهَا} أي الحلي في النار وكان أشار عليهم بذلك السامري فحفرت حفرة وسجرت فيها النار وقذف كل من كان معه شىء من ذلك الحلي في النار وقذف السامري ما معه ومعنى فكذلك أي مثل إلقائنا إياها ألقى السامري ما كان معه فأخرج لهم أي السامري. {عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} تقدم الكلام على مثل هذا في الاعراف والضمير في فقالوا لبني إسرائيل: أي: ضلوا حين قال كبارهم لصغارهم: وهذه إشارة إلى العجل والظاهر أن الضمير في: {فَنَسِيَ} عائد على السامري أي فنسي إيمانه وإسلامه قاله ابن عباس: ثم بين تعالى فساد اعتقادهم بأن الألوهية لا تصلح لمن سلبت عنه هذه الصفات فقال: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} والرؤية هنا بمعنى العلم ولذلك جاء بعدها أن المخففة من الثقيلة كما جاء ألم يروا أنه لا يكلمهم. {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ} الآية أشفق هارون على نفسه وعليهم وبذل لهم لا مساس أي لا مماسة ولا إذاية. النصيحة وبين أن ما ذهبوا إليه من أمر العجل إنما هو فتنة إذ كان مأموراً من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن أخيه موسى عليه السلام أخلفني في قومي ولا يمكنه أن يخالف أمر الله وأمر أخيه والضمير في به عائد على العجل زجرهم أولاً هارون عن الباطل وإزالة الشبهة بقوله: إنما فتنتم به ثم نبههم على معرفة ربهم وذكر صفة الرحمة تنبيهاً على أنهم متى تابوا قبلهم وتذكير لتخليصهم من فرعون زمان لم يوجد العجل ثم أمرهم باتباعه تنبيهاً على أنه نبي يجب أن يتبع ويطاع أمره ولما وعظهم هارون ونبههم على ما فيه رشدهم اتبعوا سبيل الغي وقالوا: لن نبرح على عبادته مقيمين ملازمين له وعينوا ذلك برجوع موسى عليه السلام وفي قولهم: ذلك دليل على عدم رجوعهم إلى الاستدلال وأخذ بتقليدهم السامري * أن لا تتبعني أن هي الناصبة للمضارع وينسبك مصدراً أي ما منعك من اتباعي. {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} استفهام إنكار وهو عليه السلام لم يعص كلام أخيه. {قَالَ يَبْنَؤُمَّ} تقدّم الكلام على ابن أم في الاعراف. {لاَ تَأْخُذْ} وكان قد شرع في أخذ رأس أخيه كما تقدم في قوله: وأخذ برأس أخيه يجره إليه لأن في ذلك إهانة واستعذر هارون لأخيه بقوله: {إِنِّي خَشِيتُ} والتفريق الذي خشيه هو التقاتل بينهم لتكون أنت المتدارك لأمرهم ولما فزع من عتابه لأخيه وجواب لأخيه له رجع إلى مخاطبة الذي أوقعهم في الضلال وهو السامري قال ابن عطية: ما خطبك كما تقول ما شأنك وما أمرك لكن لفظ الخطب يقتضي انتهاراً لأن الخطب مستعمل في المكاره فكأنه قال: ما نحسك وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء من قبلك "انتهى" هذا ليس كما ذكر ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ}تفسير : [الحجر: 57] وهو قول إبراهيم لملائكة الله فليس هذا يقتضي انتهاراً ولا شيئاً مما ذكر وقرىء: {فَقَبَضْتُ} بالضاد المعجمة فيهما أي أخذت بكفي مع الأصابع وقرىء: بالصاد فيهما وقال المفسرون الرسول هنا جبريل عليه السلام وتقديره من أثر حافر فرس الرسول والأثر التراب الذي تحت حافره وقال أبو مسلم الأصبهاني ليس في القرآن تصريح بما ذكره المفسرون وهنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى وأثره سنته ورسمه الذي أمر به فقد يقول الرجل فلان يقفو أثر فلان ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه والتقدير أن موسى لما أقبل على السامري باللوم والمسئلة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في العجل. {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أي شيئاً من دينك فنبذتها أي طرحتها فعند ذلك أعلمه موسى بماله من العذاب في الدنيا والآخرة وإنما أراد لفظ الاخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له ما يقول الأمير في كذا أو بماذا يأمر الأمير وأما تسميته رسولاً مع جحده وكفره فعلى مذهب من حكى الله عنه قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الحجر: 6]، وإن لم يؤمنوا بالإِنزال قيل وما ذكره أبو مسلم أقرب إلى التحقيق إلا أن فيه مخالفة المفسرين، قيل: ويبعد ما قالوه ان جبريل عليه السلام ليس معهوداً باسم رسول ولم يجر له فيما تقدم ذكر حين تكون اللام في الرسول السابق للذكر ولأن ما قالوه لا بد فيه من إضمار أي من أثر حافر فرس الرسول والاضمار خلاف الأصل ولأن اختصاص السامري برؤية جبريل ومعرفته من بين الناس يبعد جداً وكيف عرف أن أثر حافر فرسه يؤثر هذا الأثر الغريب العجيب من إحياء الجماد به وصيرورته لحماً ودماً وكيف عرف أن جبريل يتردد إلى نبي وقد عرف نبوته وصحت عنده فحاول الإِضلال وكيف اطلع كافر على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول لعل موسى اطلع على شىء آخر يشبه هذا فلأجله أتى بالمعجزات فيصير ذلك قادحاً فيما أتوا به من الخوارق. {فَنَبَذْتُهَا} أي ألقيتها على الحلي الذي تصور منه العجل. {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} أي كما حدث ووقع قربت لي نفسي وجعلته لي سولاً وأرباً حتى فعلته كان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلا في حد أو وحي فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحاه عن الناس وأمر بني إسرائيل باجتنابه واجتناب قبيلته وأن لا يؤاكلوا ولا يناكحوا وجعل له أن يقول مدة حياته.