Verse. 2438 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

وَلَقَدْ قَالَ لَہُمْ ہٰرُوْنُ مِنْ قَبْلُ يٰقَوْمِ اِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِہٖ۝۰ۚ وَاِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمٰنُ فَاتَّبِعُوْنِيْ وَاَطِيْعُوْۗا اَمْرِيْ۝۹۰
Walaqad qala lahum haroonu min qablu ya qawmi innama futintum bihi wainna rabbakumu alrrahmanu faittabiAAoonee waateeAAoo amree

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد قال لهم هارون من قبل» أي قبل أن يرجع موسى «يا قوم إنما فُتنْتم به وإنَّ ربكم الرحمن فاتَّبعوني» في عبادته «وأطيعوا أمري» فيها.

90

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هـٰرون عليه السلام إنما قال ذلك شفقة منه على نفسه وعلى الخلق أما شفقته على نفسه فلأنه كان مأموراً من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان مأموراً من عند أخيه موسى عليه السلام بقوله: { أية : ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 142] فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان مخالفاً لأمر الله تعالى ولأمر موسى عليه السلام وذلك لا يجوز، أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم وستين ألفاً من شرارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال: إنهم لم يغضبوا لغضبي. وقال ثابت البناني قال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصبح وهمه غير الله تعالى فليس من الله في شيء ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم".تفسير : وعن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : مثل المؤمنين في تواددهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » تفسير : وقال أبو علي الحسن الغوري: كنت في بعض المواضع فرأيت زورقاً فيها دنان مكتوب عليها لطيف فقلت للملاح: إيش هذا فقال: أنت صوفي فضولي وهذه خمور المعتضد، فقلت له: أعطني ذلك المدرى، فقال لغلامه: اعطه حتى نبصر إيش يعمل، فأخذت المدرى وصعدت الزورق فكنت أكسر دنا دنا والملاح يصيح حتى بقي واحد فأمسكت فجاء صاحب السفينة فأخذني وحملني إلى المعتضد وكان سيفه قبل كلامه فلما وقع بصره علي قال من أنت؟ قلت المحتسب، قال من ولاك الحسبة؟ قلت: الذي ولاك الخلافة. قال: لم كسرت هذه الدنان؟ قلت شفقة عليك إذا لم تصل يدي إلى دفع مكروه عنك. قال: فلم أبقيت هذا الواحد قلت إني لما كسرت هذه الدنان فإني إنما كسرتها حمية في دين الله فلما وصلت إلى هذا أعجبت فأمسكت ولو بقيت كما كنت لكسرته، فقال: اخرج يا شيخ فقد وليتك الحسبة، فقلت كنت أفعله لله تعالى فلا أحب أن أكون شرطياً. وأما الشفقة على المسلمين فلأن الإنسان يجب أن يكون رقيق القلب مشفقاً على أبناء جنسه وأي شفقة أعظم من أن يرى جمعاً يتهافتون على النار فيمنعهم منها، وعن أبي سعيد الخدري عنه عليه السلام: « حديث : يقول الله تعالى اطلبوا الفضل عند الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم فإني جعلت فيهم رحمتي ولا تطلبوها في القاسية قلوبهم فإن فيهم غضبي » تفسير : ، وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: «خرجت أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أبو بكر وعمر معه فجاء صغير فبكى فقال لعمر: ضم الصبي إليك فإنه ضال فأخذه عمر فإذا امرأة تولول كاشفة رأسها جزعاً على ابنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أدرك المرأة" تفسير : فناداها فجاءت فأخذت ولدها وجعلت تبكي والصبي في حجرها فالتفتت فرأت النبي صلى الله عليه وسلم فاستحيت فقال عليه السلام عند ذلك: "حديث : أترون هذه رحيمة بولدها؟" تفسير : قالوا: يا رسول الله كفى بهذه رحمة فقال «حديث : والذي نفسي بيده إن الله أرحم بالمؤمنين من هذه بولدها » تفسير : . ويروى: « أنه بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أصحابه إذ نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: "حديث : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا" تفسير : فسمع الشاب ذلك فولى، فقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد علي بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتشعل النار بي حتى تبر يمينه ولا تشعل النار بأحد آخر، فهبط جبريل عليه السلام وقال: «يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقذته من النار بتصديقه لك وفدائه أمتك بنفسه وشفقته على الخلق ». إذا ثبت ذلك فاعلم أن الأمر بالمعروف والشفقة على المسلمين واجب. ثم إن هـٰرون عليه السلام رأى القوم متهافتين على النار ولم يبال بكثرتهم ولا بقوتهم بل صرح بالحق فقال: {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } الآية وههنا دقيقة وهي أن الرافضة تمسكوا بقوله عليه السلام لعلي: « حديث : أنت مني بمنزلة هرون من موسى » تفسير : ثم إن هرون ما منعته التقية في مثل هذا الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعة نفسه والمنع من متابعة غيره، فلو كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الخطأ لكان يجب على علي عليه السلام أن يفعل ما فعله هـٰرون عليه السلام وأن يصعد على المنبر من غير تقية وخوف وأن يقول: {فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُواْ أَمْرِى } فلما لم يفعل ذلك علمنا أن الأمة كانوا على الصواب، واعلم أن هرون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم عن الباطل أولاً بقوله: {إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } ثم دعاهم إلى معرفة الله تعالى ثانياً بقوله: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } ثم دعاها ثالثاً إلى معرفة النبوة بقوله: {فَٱتَّبِعُونِى } ثم دعاهم إلى الشرائع رابعاً بقوله: {وَأَطِيعُواْ أَمْرِى } وهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق وهو إزالة الشبهات ثم معرفة الله تعالى هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة، فثبت أن هذا الترتيب على أحسن الوجوه، وإنما قال: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } فخص هذا الموضع باسم الرحمن لأنه كان ينبئهم بأنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو الرحمن الرحيم، ومن رحمته أن خلصهم من آفات فرعون ثم إنهم لجهلهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال بالتقليد والجحود فقالوا: {لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } كأنهم قالوا: لا نقبل حجتك ولكن نقبل قول موسى وعادة المقلد ليس إلا ذاك.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ} أي من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} أي ابتليتم وأضللتم به؛ أي بالعجل {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} لا العجل {فَٱتَّبِعُونِي} في عبادته {وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي} لا أمر السامريّ. أو فاتبعوني في مسيري إلى موسى ودعوا العجل؛ فعصوه و{قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} فننظر هل يعبده كما عبدناه؛ فتوهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل قال للسبعين معه: هذا صوت الفتنة؛ فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضباً و{قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ } أي أخطأوا الطريق وكفروا. {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} «لا» زائدة أي أن تتبع أمري ووصيتي. وقيل: ما منعك عن اتباعي في الإنكار عليهم. وقيل: معناه هلاّ قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم لقاتلتهم على كفرهم. وقيل: ما منعك من اللحوق بي لما فُتنوا. {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله تعالى عصيان منك لي؛ قاله ابن عباس. وقيل: معناه هلاّ فارقتهم فتكون مفارقتك إياهم تقريعاً لهم وزجراً. ومعنى {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} قيل: إن أمره ما حكاه الله تعالى عنه {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 142] فلما أقام معهم، ولم يبالغ في منعهم، والإنكار عليهم، نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره. مسألة: وهذا كله أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضياً حكمه كحكمهم. وقد مضى هذا المعنى في آل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال. وسئل الإمام أبو بكر الطُّرْطوشي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأُعلِم ـ حرس الله مدته ـ أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشياً عليه، ويحضرون شيئاً يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه:شعر : يا شيخُ كُفَّ عن الذُّنوبْ قبلَ التَّفرُّق والزَّلَلْ واعْمَلْ لنفسكَ صالحاً ما دام ينفعك العَملْ أمّا الشبابُ فقد مَضَى ومَشيبُ رأسكَ قد نَزلْ تفسير : وفي مثل هذا ونحوه. الجواب: ـ يرحمك الله ـ مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامريّ، لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خُوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعبّاد العجل؛ وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَحضُر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما كان من نهي هارون عليه السلام لهم عن عبادتهم العجل وإخباره إياهم، أنما هذا فتنة لكم وأن ربكم الرحمن الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، ذو العرش المجيد الفعال لما يريد {فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِى} أي: فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه، {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون في ذلك، وحاربوه وكادوا أن يقتلوه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَٰرُونُ مِن قَبْلُ } أي قبل أن يرجع موسى { يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِى } في عبادته {وَأَطِيعُواْ أَمْرِى } فيها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ يَا هارُونَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ} يعني بعبادة العجل. {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} فيه وجهان: أحدهما: ألا تتبعني في الخروج ولا تقم مع من ضل. الثاني: ألا تتبع عادتي في منعهم والإِنكار عليهم، قاله مقاتل. {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} وقال موسى لأخيه هارون: أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين فلمّا أقام معهم ولم يبالغ في منعهم والإِنكار عليهم نسبه إلى العصيان ومخالفة أمره. {قَالَ يَا بْنَ أُمَّ} فيه قولان: أحدهما: لأنه كان أخاه لأبيه وأمه. الثاني: أنه كان أخاه لأبيه دون أمه، وإنما قال يا ابن أم ترفيقاً له واستعطافاً. {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} فيه قولان: أحدهما: أنه أخذ شعره بيمينه، ولحيته بيسراه، قاله ابن عباس. الثاني: أنه أخذ بأذنه ولحيته، فعبر عن الأذن بالرأس، وهو قول من جعل الأذن من الرأس. واختلف في سبب أخذه بلحيته ورأسه على ثلاثة أقوال: أحدها: ليسر إليه نزول الألواح عليه، لأنها نزلت عليه في هذه المناجاة. وأراد أن يخفيها عن بني إسرائيل قبل التوبة، فقال له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ليشتبه سراره على بني إسرائيل. الثاني: فعل ذلك لأنه وقع في نفسه أن هارون مائل إلى بني إسرئيل فيما فعلوه من أمر العجل، ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء. الثالث: وهو الأشبه - أنه فعل ذلك لإِمساكه عن الإِنكار على بني إسرئيل الذين عبدوا العجل ومقامه بينهم على معاصيهم. {إِنِّي خَشيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرآئِيلَ} وهذا جواب هارون عن قوله: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} وفيه وجهان: أحدهما: فرقت بينهم بما وقع من اختلاف معتقدهم. الثاني: [فرقت] بينهم بقتال مَنْ عَبَدَ العجل منهم. وقيل: إنهم عبدوه جميعاً إلا اثني عشر ألفاً بقوا مع هارون لم يعبدوه. {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} فيه وجهان: أحدهما: لم تعمل بوصيتي، قاله مقاتل. الثاني: لم تنتظر عهدي، قاله أبو عبيدة.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَٰرُونُ مِن قَبْلُ} إنما قال ذلك شفقة منه على نفسه وعلى الخلق، أما شفقته على نفسه، فلأنه كان مأموراً من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مأموراً من عند أخيه موسى - عليه السلام - {أية : ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 142]، فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن المنكر كان مخالفاً لأمر الله ولأمر موسى وذلك لا يجوز. وأما الشفقة على الخلق فلأن الإنسان يجب أن يكون مشفقاً على خلق الله خصوصاً على أبناء جنسه، وأي شفقة أعظم من أن يرى جَمعاً يتهافتون على النار فيمنعهم منها. ولمَّا ثبت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشفقة على المسلمين واجب، ثم إن هارون - عليه السلام - رأى القوم متهافتين على النار فلم يبال بكثرتهم بل صرح بالحق فقال: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ}. (واعلم أن هارون عليه السلام سَلَكَ في هذا الوعط أحسن الوجوه، لأنه زجرهم عن الباطل أولاً بقوله: {إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ}، ثم دعاهم إلى معرفة الله ثانياً بقوله: {وَإِنَّ رَبَّكُم ٱلرَّحْمَـنُ}) ثم دعا إلى ثالثاً إلى النبوة بقوله: "فَاتَّبِعُونِي" ثم دعاهم رابعاً بقوله "وَأَطِيعُوا أَمْرِي". وهذا هو الترتيب الجيد، لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق، وهو إزالة الشبهات، ثم معرفة الله تعالى، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، فثبت أن هذا الترتيب أحسن الوجوه. وإنما قال: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـنُ} فخص هذا الموضع باسم الرحمن، تنبيهاً على أنهم متى تابوا قَبِلَ الله توبتهم، لأنه هو الرحمن، ومن رحمته أن خلصهم من آفات فرعون، ثم إنهم لجهلهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال بالتقليد فقالوا: {لَن نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} كأنهم قالوا: لا نقبل حجتك ولكن نقبل قول موسى، وهذه عادة المقَلِّدِ. قوله: "إِنَّما فُتِنتُم". قرأ العامة: "إِنَّما فُتِنتُم" {وإنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـنُ} بالكسر فيهما، لأنها بعد القول لا بمعنى الظن وقرأت فرقة بفتحهما، وخُرِّجت على لغة سُلَيْم، وهي أنهم يفتحون "أنَّ" بعد القول مطلقاً. وقرأ أبو عمرو في رواية الحسن وعيسى بن عمر بفتح "أنَّ ربَّكُمْ" فقط، وخرجت على وجهين: أحدهما: أنها وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: والأمر أنَّ رَبَّكُم الرَّحْمنُ، فهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات. والثاني: أنها مجرورة بحرف مقدر، أي: لأنَّ رَبَّكُم الرَّحْمنُ. "فَاتَّبِعُونِي" وقد تقدم القول في نظير ذلك بالنسبة إلى هذه الفاء. فصل لمَّا قالوا لهارون {لَن نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} أي: مقيمين على عبادة العجل {حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} اعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العِجْل قال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله. وقال له: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا} أشركوا. قوله: "إذْ" منصوب بـ "مَنَعَكَ"، أي: أي شيء منعك وقت ضلالهم. و "لاَ" فيها قولان: أحدهما: أنَّها مزيدة، أي ما منعك من أن تتبعني. والثاني: أنَّها دخلت حملاً على المعنى، إذ المعنى ما حملك على أن لا تتبعني، وما دَعَاك إلى أن لا تتبعني، ذكره عَلِيُّ بن عِيسَى. وقد تقدم تحقيق هذين القولين في (سورة الأعراف، والقراءة في)، "يَبْنَؤُمَّ". فصل ومعنى تَتَّبِعني تتَّبع أمري ووصيَّتي، يعني هلاَّ قاتلتهم، وقد علمت أنِّي لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل: {أنْ لاَ تَتَّبِعَنِي} أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالهم فتكون مفارقتك إياهُم زَجْراً لهم عما أتوا {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}. فصل تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه: أحدها: أنَّ موسى - عليه السلام - إما أن يكون قد أمر هارون باتباعه أو لم يأمره، فإن أمره، فإما أن يكون هارون قد اتبعه أو لم يتبعه، فإن اتبعه كان كلام موسى لهارون معصيةً وذنباً، لأن ملامة غير المجرم معصية. وإن لم يتبعه كان هارون تاركاً للواجب فكان فاعلاً للمعصية، وإن قلنا: إن موسى ما أمره باتباعه كانت ملامته إيَّاه بترك الاتباع معصية، وعلى جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هارون. وثانيها: قول موسى {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} استفهام على سبيل الإنكار، فوجب أن يكون هارون قد عصاه، وأن يكون ذلك العصيان منكراً، وإلا كان موسى كاذباً، وهو معصية، وإذا فعل هارون ذلك فقد فعل المعصية. ثالثها: قوله: {أية : يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} تفسير : [طه: 94] وهذا معصية، لأن هارون - عليه السلام - قد فعل ما قدر عليه، فكان الأخذ بلحيته وبرأسه معصية، وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك معصية. ورابعها: أن هارون قال: {أية : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} تفسير : [طه: 94]، فإن كان الأخذ بلحيته ورأسه جائزاً كان قول هارون "لاَ تَأْخُذْ" منعاً له عما كان له أن يفعله، فيكون ذلك القول معصية. وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزاً كان موسى - عليه السلام - فاعلاً للمعصية. والجواب عن الكل: أنَّ حاصلَ هذه الوجوه تمسكٌ بظواهر قابلة للتأويل، ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز. وإذا ثبتت هذه المقدمة ففي الجواب وجوه: أحدها: أنَّا وإن اختلفنا في جواز عصمة الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم. وإذا كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنع منه الآخر، أعني: موسى وهارون - عليهما السلام - لعله كان أحدهما أولى، والآخر كان ترك الأولى، فلذلك فعله أحدهما وتركه الآخر. فإن قيل: هذا التأويل غير جائز، لأن كل واحد منهما كان جازماً فيما يأتي به فعلاً كان أو تركاً، وفعل المندوب وتركه لا يجزمونه قلنا: تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع، فيحمل الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح، وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوماً متقرراً. وثانيها: أن موسى - عليه السلام - أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجرّه إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك الغضب، فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه وأصابعه ويفتل لحيته، فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه، لأنه كان أخاه وشريكه، فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب، وأما قوله: {أية : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} تفسير : [طه: 94] فلا يمتنع أن يكون هارون - عليه السلام - خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل أنه منكر عليه، فبين أنه معاون له، ثم أخذ في شرح القصة فقال: {أية : إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} تفسير : [طه: 94]. وثالثها: أنَّ بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى، حتى إن هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى: أنت قتلته، فلما وعد الله موسى، وكتب له في الألواح من كل شيء، ثم رجع فرأى من قومه ما رأى، أخذ برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هارون أن يَسْبِق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقاً على موسى: {أية : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} تفسير : [طه: 94]، لئلا يظن القوم ما لا يليق بك. ورابعها: قال الزمخشري: كان موسى - عليه السلام - رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة، والخشونة، والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلاً من دون الله بعد ما رأوا من الآيات العظام أن ألقى ألواح التوراة لما غلب عليه من الدهشة العظيمة غضباً لله وحميّة، وعنَّف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدو. قال ابن الخطيب: وهذا الجواب ساقط، لأنه يقال: هَبْ أنه كان شديد الغضب، ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلاً مكلفاً أم لا؟ فإن بقي عاقلاً فالأسئلة باقية بتمامها، أكثر ما في الباب أنك ذكرت أنه يغضب شديداً وذلك من جملة المعاصي. فإن قلتم: إنه في ذلك الغضب لم يبق عاقلاً ولا مكلفاً فهذا مما لا يرتضيه مسلم البتة، فهذه أجوبة من لم يجوِّز الصغائر، وأما من جوزها فالسؤال ساقط. وجواب آخر: وهو أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا رجع إلى بني إسرائيل كان عالماً بأنهم قد فُتِنُوا، وأن السامري قد أضلهم، والدليل عليه قوله تعالى لموسى ({إِنَّا قَدْ فَتَنَّا) قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} وإذا كان كذلك فموسى - عليه السلام - إنما جاء وهو عالم بحالهم، فإنكاره على هارون لعلمه بحالهم قبل مجيئه إليهم لا لما أثبتوه في سؤالهم. وقوله: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} يدل على أن تارك المأمور به عاص، والعاصي مستحق للعقاب، لقوله: {أية : وَمَنْ يَعْصِ ٱللهَ (وَرَسُولَه فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ)}تفسير : [الجن:23] فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب.

القشيري

تفسير : إنهم لم يحفظوا أمر موسى وهو فوق هارون، والإشارة في هذا أن من لم يحفظ أمر مَنْ هو أعلى رتبةً يحفظ كيف أمر من هو أدنى منزلةً؟ فَمَنْ تَرَكَ أَمْرَاً الحقِّ.. كيف يُطْمَعُ فيه أن يحترم الشيوخَ وأكلَ الناس؟ لهذا قيل: لا حُرْمَةَ لفاسق؛ لأنه إذا تَرَكَ حقَّ الحقَّ فمتى يحفظ حَقَّ الخَلْقِ؟

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد قال لهم هارون من قبل} اى وبالله لقد نصح لهم هارون ونبههم على كنه الامر من قبل رجوع موسى اليهم وخطابه اياهم بما ذكر من المقالات {يا قوم}[اى كروه من]{انما فتنتم به} اى اوقعتم فى الفتنة بالعجل واضللتم به على توجيه القصر المستفاد من كلمة انما الى نفس الفعل بالقياس الى مقابله الذى يدعيه القوم لا الى قيده المذكور بالقياس الى قيد آخر على معنى انما فعل بكم الفتنة لا الارشاد الى الحق لا على معنى انما فتنتم بالعجل لا بغيره {وان ربكم} المستحق للعبادة هو {الرحمن} المنعم بجميع النعم لا العجل وانما ذكر الرحمن تنبيها على انهم غن تابوا قبل توبتهم واذا كان الامر كذلك {فاتبعونى} فى الثبات على الدين {واطيعوا امرى} هذا واتركوا عبادة ما عرفتم شأنه وما احسن هذا الوعظ فانه زجرهم عن الباطل بقوله {انما فتنتم به} وازال الشبهات اولا وهو كاماطة الاذى عن الطريق ثم دعاهم الى معرفة الله بقوله {وان ربكم الرحمن} فانها الاصل ثم الى معرفة النبوة بقوله {فاتبعونى} ثم الى الشرائع فقال {واطيعوا امرى} وفى هذا الوعظ شفقة على نفسه وعلى الخلق اما على نفسه فانه كان مأمورا من عند الله بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر ومن عند اخيه بقوله {اخلفنى فى قومى واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} فلو لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر لخالف امر الله وامر موسى وانه لا يجوز. اوحى الله الى يوشع انى مهلك من قومك اربعين الفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم فقال يا رب هؤلاء الاشرار فما بال الاخيار قال انهم لم يغضبوا لغضبى وفى الحديث "حديث : مثل الؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"تفسير : : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بنى آدم اعضاى يكديكرند كه در آفرينش ريك كوهرند جو عضوى بدرد آوردروزكار دكر عضوهارا نماند قرار توكز محنت ديكران بى غمى نشايد كه نامت نهند آيمى تفسير : ثم ان هارون رأى المتهافتين على النار فلم يبال بكثرتهم ولانفرتهم بل صرح بالحق شعر : بكوى آنجه دانى سخن سودمند وكر هيج كس را نيايد بسند كه فردا بشيمان برآرد خروش كه آوخ جرا حق نكردم بكوش تفسير : وههنا دقيقة وهى ان الرافضة تمسكوا بقوله عليه السلام"حديث : انت منى بمنزلة هارون من موسى"تفسير : ثم ان هارون ما منعه التقية فى مثل هذا الجمع العظيم بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس الى متابعة نفسه والمنع من متابعة غيره فلو كانت امة محمد على الخطأ لكان يجب ان يفعل مثل ما فعل هارون وان يصعد المنبر من غير تقية وخوف ويقول فاتبعونى واطيعوا امرى فلما لم يقل كذلك علمنا ان الامة كانوا على الصواب وقد ثبت ان علينا احراق الزنادقة الذين قالوا بآلهيته لما كانوا على الباطل.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ} اى من قبل عود موسى (ع) اليهم، او من قبل دعوة السّامرىّ الى عبادته حين ظهوره، او من قبل عبادتهم له بعد دعوة السّامرىّ {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} الفتن الاحراق، والفتنة الاختبار، والاعجاب بالشّيء، والضّلال، والاثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، واذابة الذّهب، والاضلال، والجنون، والمحنة، والايقاع فى الاختلاف، والايقاع فى الفتنة، والكلّ مناسب ههنا الاّ انّه لا بدّ فى بعض المعانى من جعل الماضى بمعنى المستقبل {وَإِنَّ رَبَّكُمُ} الّذى يستحقّ العبادة {ٱلرَّحْمَـٰنُ} الّذى قوام كلّ شيءٍ ووجوده وبقاؤه ووجود ما يحتاج اليه به {فَٱتَّبِعُونِي} كما استخلفنى عليكم موسى (ع) {وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي} فانّى من جانب هذا الرّحمن ادعوكم وآمركم والمقصود اعتبار مفهوم المخالفة من تعليق الفعل على المفعول الخاصّ بقرينة المقام كأنّه قال: فاتّبعونى لا السّامرىّ واطيعوا امرى لا امر السّامرىّ.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ} قبل رجوع موسى، كما يناسبه حتى يرجع ألينا موسى، أو قبل قول السامرى، كأنه أول ما وقع عليه بصره، حين طلع من الحفرة، توهم أنهم يُفتنون به ويعبدونه، فبادر يحذرهم. {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} بالعجل. الحصر واقع على الفتن، أى ما أمْر العجل إلا فتنة، أو على {به} أى ما فتنتم عن التوحيد إلى الشرك إلا به؛ بإنهم ولو صدر منهم شئ قبله لم يقع موقع العجل فى التعظيم وكثرة الأتباع، وهو أولى لأن الغالب كون المقصور عليه بعد إنما هو المتأخر. {وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ} لا غيره، كما يفيده تعريف الطرفين. {فَاتَّبِعُونِى} فى عبادة الله. وقيل: إلى الطور الذى وعدكم الله إليه {وَأَطِيعُوا أَمْرِى} فى عبادة الله عز وجل، أو فى الذهاب إلى الطور، أو فى الثبات على الدين وهو قريب من الأول ولله دره ما أحسن كلامه! أظهر لهم أولا أنهم قد أخطأوا الطريق وفتنوا عنه، ودلهم عليه ثانيا. وعبر بالرحمن فى دلالته إشعاراً بأنه جل وعلا كثير الرحمة فهو يقبل توبة من تاب ويثيبه، وأخبرهم ثالثا بأنه عارف بالدلالة على الطريق الموصل للجنّة، من حيث إنه نبى فلا يبقى لهم اتباعه فى الأصل وطاعته فى الفروع. كذا ظهر لى بفضل الله، وإنى لعاجز

اطفيش

تفسير : {ولَقدْ قال لَهُم هارون من قَبْل} قبل رجوع موسى من الطور إليهم، أو من قبل قول السامرى: "أية : هذا إلهكم وإله موسى فنسى" تفسير : [طه: 88] سارع الى تحذيرهم قبل أن يفتنهم السامرى، لانه تفرس فيهم الفتنة والعطف على ما قيل عطف قصة على أخرى، أو على أن لا يرجع فتتسلط عليه الرؤية، أى أفلا يرون عدم الرجع والضر والنفع، وقول هارون وعظاً لهم، ولا تصح أن تكون حالا لكونها إنشائية. {يا قوم إنَّما فتُنْتُم به} محط الحصر، قوله به، أى ما فتنتم إلا به تدعون أنه هدى لكم، وما هو الإضلال بشبه قصر القلب، كأنهم قالوا: ما هدينا إلا به، فأجيبوا ما فتنتم إلا به، لا كما زعم بعض أن الحصر متوجه الى فتنتم به، بمعنى ما وقع إلا فتنتكم به، وهو غلط لأن الحصر بإنما يتوجه الى آخر كلام، وإن لم يكن له آخر متحيز، كان متوجهاً الى الجملة، كما إذا ختمت بالضمير المتصل غير المفصول بحرف جر، نحو: إنما قمتم إنما أمرتكم، ولو كان مفصولا بحرف، أو منفصلا كان الحصر عليه كالآية، وكقولك، إنما أعطيتكم إياه، أى ما أعطيتكم إلا إياه. {وإنَّ ربَّكم الرَّحْمن فاتَّبعونى وأطيعُوا أمرى} حصر الربوبية لله حصر قلب، بتعريف الطريفين، وكان بذكر الربوبية والرحمة استجلاباً لهم الى التوبة، وتلويحاً بأنها تقبل، والفاء لعطف فعلية إنشائية، على اسمية إخبارية، أو فى جواب إذا، أى إذا كان ذلك فاتبعون على الثبات في توحيد الله عز وجل وطاعته، وأطيعوا أمرى فيهما، وقيل: اتبعونى الى الطور، وأطيعونى في ترك العجل، ويبحث فيه بأن هارون لم يؤمر بالذهاب الى الطور، وإلا لم يتخلف، لا هم وعدوا بالذهاب اليه، فيذهب بهم اليه.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ } مع ما بعد جملة قسمية مؤكدة لما سبق من الإنكار والتشنيع ببيان عتوهم واستعصائهم على الرسول إثر بيان مكابرتهم لقضية العقول أي وبالله لقد نصح لهم هارون ونبههم على كنه الأمر من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم وخطابه إياهم بما ذكر من المقالات، وإلى اعتبار المضاف إليه قبل ما ذكر ذهب الواحدي، وقيل: من قبل قول السامري {أية : هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} تفسير : [طه: 88] كأنه عليه السلام أول ما أبصره حين طلع من الحفيرة تفرس فيهم الافتتان فسارع إلى تحذيرهم، واختاره صاحب «الكشف» تبعاً لشيخه وقال: هو أبلغ وأدل على توبيخهم بالإعراض عن دليل العقل والسمع في {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ} تفسير : [طه: 89]. {وَلَقَدْ قَالْ} واختار بعضهم الأول وادعى أن الجواب يؤيده، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك. وجوز العلامة الطيبـي في هذه الجملة وجهين كونها معطوفة على قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ } تفسير : [طه: 89] وقال: إن في إيثار المضارع فيه دلالة على استحضار تلك الحالة الفظيعة في ذهن السامع واستدعاء الإنكار عليهم، وكونها في موضع الحال من فاعل {أية : يَرَوْنَ } تفسير : [طه: 89] مقررة لجهة الإنكار أي أفلا يرون والحال أن هارون نبههم قبل ذلك على كنه الأمر وقال لهم: {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } أي أوقعتم في الفتنة بالعجل أو أضللتم على توجيه القصر المستفاد من كلمة {إِنَّمَا } في أغلب استعمالاتها إلى نفس الفعل بالقياس إلى مقابله الذي يدعيه القوم لا إلى قيده المذكور بالقياس إلى قيد آخر على معنى إنما فعل بكم الفتنة لا الإرشاد إلى الحق لا على معنى إنما فتنتم بالعجل لا بغيره. وقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } بكسر همزة {إن} عطفاً على {إِنَّمَا } الخ إرشاد لهم إلى الحق إثر زجرهم عن الباطل. والتعرض لعنوان الربوبية والرحمة للاعتناء باستمالتهم إلى الحق، وفي ذلك تذكير لتخليصهم من فرعون زمان لم يوجد العجل. وكذا على ما قيل تنبيه على أنهم متى تابوا قبلهم. وتعريف الطرفين لإفادة الحصر أي وإن ربكم المستحق للعبادة هو الرحمن لا غير. وقرأ الحسن وعيسى وأبو عمرو في رواية {وأن ربكم } بفتح الهمزة، وخرج على أن المصدر المنسبك خبر مبتدأ محذوف أي والأمر أن ربكم الرحمن، والجملة معطوفة على ما مر، وقال أبو حاتم: التقدير ولأن ربكم الخ وجعل الجار والمجرور متعلقاً باتبعوني. وقرأت فرقة {أنما...وأن ربكم} بفتح الهمزتين، وخرج على لغة سليم / حيث يفتحون همزة إن بعد القول مطلقاً. والفاء في قوله تعالى: {فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُواْ أَمْرِى} لترتيب ما بعدها على ما قبلها من مضمون الجملتين أي إذا كان الأمر كذلك فاتبعوني وأطيعوا أمري في الثبات على الدين. وقال ابن عطية: أي فاتبعوني إلى الطور الذي واعدكم الله تعالى إليه، وفيه أنه عليه السلام لم يكن بصدد الذهاب إلى الطور ولم يكن مأموراً به وما واعد الله سبحانه أولئك المفتونين بذهابهم أنفسهم إليه، وقيل: - ولا يخلو عن حسن - أي فاتبعوني في الثبات على الحق وأطيعوا أمري هذا وأعرضوا عن التعرض لعبادة ما عرفتم أمره أو كفوا أنفسكم عن اعتقاد ألوهيته وعبادته.

ابن عاشور

تفسير : الجملة في موضع الحال من ضمير {أية : أفلا يرون}تفسير : [طه: 89] على كلا الاحتمالين، أي كيف لا يستدلّون على عدم استحقاق العجل الإلهيّة، بأنه لا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضرّاً ولا نفعاً فيقلعون عن عبادة العجل، وتلك دلالة عقلية، في حال أنّ هارون قد وعظهم ونبههم إلى ذلك إذ ذكّرهم بأنه فتنة فتنهم بها السامريّ، وأن ربّهم هو الرحمان لا ما لا يملك لهم نفعاً فضلاً عن الرحمة، وأمرهم بأن يتبعوا أمره، وتلك دلالة سمعيّة. وتأكيد الخبر بحرف التحقيق ولام القسم لتحقيق إبطال ما في كتاب اليهود من أن هارون هو الذي صنَع لهم العِجل، وأنه لم ينكر عليهم عبادته. وغاية الأمر أنه كان يستهزىء بهم في نفسه، وذلك إفك عظيم في كتابهم. والمضاف إليه (قبلُ) محذوف دل عليه المقام، أي من قبلِ أن يرجعَ إليهم موسى وينكر عليهم. وافتتاح خطابه بــــ{يا قوم} تمهيد لمقام النصيحة. ومعنى {إنَّمَا فُتِنْتُم بِه}: ما هو إلاّ فتنة لكم وليس ربّاً، وإن ربّكم الرحمان الذي يرحمكم في سائر الأحوال، فأجابوه بأنّهم لا يزالون عاكفين على عبادته حتى يرجع موسى فيصرّح لهم بأن ذلك العجل ليس هو ربّهم. ورتب هارون خطابه على حسب الترتيب الطبيعي لأنه ابتدأه بزجرهم عن الباطل وعن عبادة ما ليس برب، ثمّ دعاهم إلى معرفة الرب الحق، ثمّ دعاهم إلى اتباع الرسول إذ كان رسولاً بينهم، ثم دعاهم إلى العمل بالشرائع، فما كان منهم إلاّ التصميم على استمرار عبادتهم العجل فأجابوا هارون جواباً جازماً. و {عَلَيهِ} متعلّق بــــ{عٰكِفِينَ} قدم على متعلقه لتقوية الحكم، أو أرادوا: لن نبرح نخصه بالعكوف لا نعكف على غيره. والعكوف: الملازمة بقصد القربة والتعبد، وكان عبَدة الأصنام يَلزمونها ويطوفون بها.

الشنقيطي

تفسير : بين جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: أن بني إسرائيل لما فتنهم السامري وأضلهم بعبادة العجل، نصحهم نبي الله هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبين لهم عبادتهم العجل فتنة فتنوا بها. أي كفر وضلال ارتكبوه بذلك، وبين لهم أن ربهم الرحمن خالق كل شيء جل وعلا، وأن عجلاً مصطنعاً من حلي لا يعبده إلا مفتون ضال كافر. وأمرهم باتباعه في توحيد الله تعالى، ,الوفاء بموعد موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام وأن يطيعوه في ذلك. فصارحوه بالتمرد والعصيان والديمومة على الكفر حتى يرجع موسى. وهذا يدل على أنه بلغ معهم غاية جهده وطاقته، وأنهم استضعفوه وتمردوا عليه ولم يطيعوه. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في "الأعراف": {أية : قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 150]. فقوله عنهم في خطابهم له {لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} يدل على استضعافهم له وتمردهم عليه المصرح به في "الأعراف" كما بينا. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات الكريمات ما نصه. وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ واعلم حرس الله مدته: أنه اجتمع جماعة من رجال فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشياً عليه، ويحضرون شيئاً يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين. وهذا القول الذي يذكرونه. شعر : يا شيخ كف عن الذنوب قبل التفرق والزلل واعمل لنفسك صالحاً ما دام ينفعك العمل أما الشباب فقد مضى ومشيب رأسك قد نزل تفسير : وفي مثل هذا ونحوه الجواب يرحمك الله: مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما الرقص والتواجد: فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار، قاموا يرقصون حواليه، ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما القضيب: فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى. وإنما كان يجلس النَّبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار. فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من حضور المساجد وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا أن يعينهم على باطلهم. هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق ـ انتهى منه بلفظه. قال مقيده ـ عفا الله عنه وغفر له: قد قدمنا في سورة "مريم" ما يدل على أن بعض الصوفية على الحق. ولا شك أن منهم ما هو على الطريق المستقيم من العمل بكتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها، وراقبوها وعرفوا أحوالها، وتكلموا على أحوال القلوب كلاماً مفصلاً كما هو معلوم، كعبد الرحمن بن عطية، أو ابن أحمد بن عطية، أو ابن عسكر أعني أبا سليمان الداراني، وكعون بن عبدالله الذي كان يقال له حكيم الأمة، وأضرابهما، وكسهل بن عبدالله التستري، أبي طالب المكي، وأبي عثمان النيسابوري، ويحيى بن معاذ الرازي، والجنيد بن محمد، ومن سار على منوالهم، لأنهم عالجوا أمراض أنفسهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يحيدون عن العمل بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع. فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغي ولا يصح على إطلاقه، والميزان الفارق بين الحق والباطل في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن كان منهم متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، وهديه وسمته، كمن ذكرنا وأمثالهم، فإنهم من جملة العلماء العاملين، ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال. وأما من كان على خلاف ذلك فهو الضال. نعم، صار المعروف في الآونة الأخيرة، وأزمنة كثيرة قبلها بالاستقراء، أن عامّة الذين يدعون التصوف. في أقطار الدنيا إلا من شاء الله منهم دجاجلة يتظاهرون بالدين ليضلوا العوام الجهلة وضعاف العقول من طلبة العلم، ليتخذوا بذلك أتباعاً وخدماً، وأموالاً وجاهاً، وهم بمعزل عن مذهب الصوفية الحق، لا يعلمون بكتاب الله ولا بسنة نبيه، واستعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين. فيجب التباعد عنهم، والاعتصام من ضلالتهم بكتاب الله وسنة نبيه، ولو ظهر على أيديهم بعض الخوارق، ولقد صدق من قال: شعر : إذا رأيت رجلاً يطير وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف عند حدود الشرع فإنه مستدرج أو بدعي تفسير : والقول الفصل في ذلك هو قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} تفسير : [النساء: 123-125]، فمن كان عمله مخالفاً للشرع كمتصوفة آخر الزمان فهو الضال. ومن كان عمله موافقاً لما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام فهو المهتدي. نرجو الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المؤمنين، وألا يزيغنا ولا يضلنا عن العمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي هي محجّة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فتنتم به: أي ابتليتم به أي بالعجل. لن نبرح عليه عاكفين: أي لن نزال عاكفين على عبادته. إذ رأيتهم ضلوا: أي بعبادة العجل واتخاذه إلهاً من دون الله تعالى. لا تأخذ بلحيتي: حيث أخذ موسى من شدة غضبه بلحية أخيه وشعر رأسه يجره إليه يعذله ويلوم عليه. ولم ترقب قولي: أي ولم تنتظر قولي فيما رأيته في ذلك. معنى الآيات: ما زال السياق في الحوار الذي دار بين موسى وقومه بعد رجوعه إليهم من المناجاة فقوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ} أي من قبل رجوع موسى قال لهم أثناء عبادتهم العجل يا قوم إن العجل ليس إلهكم ولا إله موسى وإنما هو فتنة فتنتم به ليرى الله تعالى صبركم على عبادته ولزوم طاعة رسوله، وليرى خلاف ذلك فيجزى كلاً بما يستحق وقال لهم: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} الذي شاهدتم آثار رحمته في حياتكم كلها فاذكروها {فَٱتَّبِعُونِي} في عبادة الله وحده وترك عبادة غيره {وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي} فإني خليفة موسى الرسول فيكم فأجاب القوم الضالون بما أخبر تعالى عنهم بقوله: {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} أي لن نزول عن عبادته والعكوف حوله {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ}. ولما سمع موسى من قومه ما سمع التفت إلى هارون قائلاً معاتباً عاذلاً لائماً {يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ} أي بعبادة العجل {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} أي بمن معك من المسلمين وتترك المشركين، {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}، ومن شدة الوجد وقوة اللوم والعذل أخذ بشعر رأس أخيه بيمينه وأخذ بلحيته بيساره وجره إليه وهو يعاتبه ويلوم عليه فقال هارون: {يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} إن لي عذراً في عدم متابعتك وهو أني خشيت إن أنا أتيتك ببعض قومك وهم المسلمون وتركت بعضاً آخر وهو عباد العجل {أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ} وذلك لا يرضيك. {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} أي ولم تنظر قولي فيما رأيت في ذلك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- معصية الرسول تؤدي إلى فتنة العاص في دينه ودنياه. 2- جواز العذل والعتاب للحبيب عند تقصيره فيما عهد به إليه. 3- جواز الاعتذار لمن اتهم بالتقصير وإن حقا. 4- قد يخطئ المجتهد في اجتهاده وقد يصيب.

القطان

تفسير : انما فتنتم به: اتبعتم اهواءكم في عبادة العجل. لن نبرح عليه عاكفين: لا نزال عليه مقيمين. ولم ترقب قولي: لم تحفظ وصيتي ولم تعمل بقولي. فما خطبك: فما شأنك. بصُرت بما لم يبصروا به: علمت ما لم يعلمه القوم. قبضة من اثر الرسول: الرسول جبريل او موسى. فنبذتها: فطرحتها. سولت نفسي: زينت وحسنت. لا مساس: لا مخالطة، فلا يخاطله احد، فعاش وحيدا طريدا. لن تخلفه: سيأتيك حتما. ظلت: ظللت، اقمت. اليمّ: البحر. {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ....}. في هذه الآيات تتمةٌ للقصة، فقد نصح هارونُ لقومه الذين عبدوا العِجل قبل رجوع موسى، فقال لهم: يا قوم، ما الذي غركم من عبادة هذا العجل فوقعتم في فتنة السامري؟ إن إلهكم الحق هو الرحمن، فاتبعوني فيما أنصحكم به واطيوني أهدِكم سبيل الرشاد. فلم يسمعوا نصحه، ولم يطيعوا أمره وأجابوه بعناد: {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ}. سنبقى مستمرّين على عبادة العجل الى أن يعود إلينا موسى. وجاء موسى: فالتفت الى أخيه هارون بعد ان فرغ من خطاب قومه وبيان خطأهم {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}. قال موسى متأثرا مما رآه من عمل قومه: يا هارون، اي سبب منعك ان تلحقني الى الطور بمن آمنَ معك من قومك، حين رأيت الباقين قد ضلّوا بعبادتهم للعجل؟ أخرجتَ عن طاعتي وخالفت امري؟. فقال هارون مجيباً أخاه في رفق ولين: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}. قال هارون لموسى: يا ابن أمي، لا تغضبْ عليّ ولا تجرَّني بلحيتي، ومن شعر رأسي. لقد خفتُ إن شددتُ عليهم ان يتفرقوا، فتقول لي: لقد فرّقت بين بني اسرائيل، ولم تخلُفْني فيهم كما أمرتُك، ولم تحفظ وصيتي كما عهدت اليك. وقد رأيت من الصواب ان أحفظ العامة، وأداريهم على وجه لا يختلّ به نظامهم حتى ترجع فنتداركَ الأمر بحسب ما ترى. ولقد كادوا يقتلونني، كما جاء في سورة الأعراف الآية 50 {أية : إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي}. تفسير : وبعد ان انتهى موسى من سماع اقوال قومه واسنادهم الفساد الى السامري، ومن سماع اعتذار هارون، التفت الى السامري ووجه الخطاب اليه: {قَالَ: فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ}. ما هذا الأمر الخطير الذي أتيتَ، وأفسدتَ به بني اسرائيل؟. {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}. قال السامري لموسى: إني علمتُ ما لم يعلمه قومك، وصنعتُ لهم العِجل من الذهب فعبدوه. وقد اتّبعتُك مدةً واخذتُ من دينك، ثم تبيّن لي أنه غير صحيح فتركته. كذلك زينتْ لي نفسي أن أفعلَ ما فعلته. فكأن السامريّ يريد ان يهرب من ذكر الحقائق ويموّه على موسى. هذا ما أراه أقرب الى الصواب في تفسير هذه الآية، وبهذا المعنى قال عدد من المفسرين المحدَثين، ولكن اكثر المفسّرين القدامى قالوا: إن المراد بالرسول هو جبريل، وان السامريّ رآه راكبا على فرس، واخذ ترابا من أثرِ الفرس، وألقاه على العِجل حتى صار له خوار. وذكروا أقوالا كثيرة، وروايات عديدة.!! وهناك معركة كبيرة بين المرحوم عبد الوهاب النجار، ولجنة من علماء الأزهر حول السامري والعجل وحقيقتهما، لمن اراد الاطلاع عليها ان يجدها في كتاب "قصص الانبياء" ص 220 - 223. {قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ.... }. قال موسى للسامري: اذهبْ فأنت طريدٌ لا يمسّك أحد، ولا تمس أحداً، بعيداً عن الناس، معزولا عنهم، لا يخالطك احد. وخرج السامري طريدا في البراري. هذا جزاؤه في الدنيا. أما في الآخرة فله موعدٌ محدد لعذابه لا مفرّ منه. وقد ندد موسى به وبالهه قائلا: انظر الى إلهك الذي عبدته، ماذا نصنع به؟ سنحرقه ونلقيه في البحر حتى نتخلّص منه. ثم يعلنُ بعد ذلك كلّه حقيقة العقيدة، والدين الحق فيقول: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}. وبهذه الآية وما فيها من إعلان عن الاله الحقيقي الذي لا اله الا هو ينتهي هذا القدْر من قصة موسى في هذه السورة، وتتجلى فيه رحمةُ الله ورعايته بحَمَلِة دعوته من عباده. قراءات: قرأ الجمهور: يا ابن أمَّ بفتح الميم. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر وخلف: يا ابن أُم بكسر الميم. وقرأ الجمهور: بصرت بما لم يبصروا: بالياء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: بما لم تبصروا بالتاء، على انه خطاب لموسى وقومه. وقرأ الجمهور: لن تخلفه: بفتح اللام. وقرأ ابن كثير ويعقوب: لن تخلفه: بكسر اللام.

د. أسعد حومد

تفسير : {هَارُونُ} {يٰقَوْمِ} (90) - وَقَدْ نَهَاهُمْ هَارُونُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ مُوسَى، عَنْ عِبَادَةِ العِجْلِ، وَأَخَبْرَهُمْ أَنَّ العِجْلَ فِتْنَةٌ وَاخْتِبَارٌ لَهُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّ اللهَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمِ هُوَ رَبُّهُمْ، فَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَقَدَّرَهُ. ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلى إِطَاعَةِ أَمْرِهِ، وَالانْتِهَاءِ عَنْ عِبَادَةِ العِجْلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان هارون - عليه السلام - خليفة لأخيه في غَيْبته، كما قال تعالى: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [الأعراف: 142]. اخْلُفْنِي واعمل الصالح، فكان هذا تفويضاً من موسى لأخيه هارون أن يقضي في القوم بما يراه مناسباً، وأنْ يُقدِّر المصلحة كما يرى. وقد شُفِع هذا التفويض لهارون أمام أخيه بعد ذلك. فقوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ ..} [طه: 90]. وهكذا وعظهم هارون على قَدْر استطاعته، وبيّن لهم أن مسألة العِجْل هذه اختبار من الله. وكان تقديره في هذه القضية ألاَّ يدخل مع هؤلاء في معركة؛ لأن القومَ كانوا جميعاً ثلاثمائة ألف، عبد العجل منهم اثنا عشر ألفاً، ولو جعلها هارون - عليه السلام - معركة لأفْنى كل هذا العدد. لذلك اكتفى بالوعظ {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي} [طه: 90] كما أخذتم العهد عند موسى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: إن اتخاذهم العجل، ليسوا معذورين فيه، فإنه وإن كانت عرضت لهم الشبهة في أصل عبادته، فإن هارون قد نهاهم عنه، وأخبرهم أنه فتنة، وأن ربهم الرحمن، الذي منه النعم الظاهرة والباطنة، الدافع للنقم وأنه أمرهم أن يتبعوه، ويعتزلوا العجل، فأبوا وقالوا: { لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى }. فأقبل موسى على أخيه لائما له، وقال: { يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلا تَتَّبِعَنِ } فتخبرني لأبادر للرجوع إليهم؟ { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } في قولي {أية : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ }. تفسير : فأخذ موسى برأس هارون ولحيته يجره من الغضب والعتب عليه فقال هارون { يَا ابْنَ أُمَّ } ترقيق له وإلا فهو شقيقه { لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } فإنك أمرتني أن أخلفك فيهم فلو تبعتك لتركت ما أمرتني بلزومه وخشيت لائمتك و { أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } حيث تركتهم وليس عندهم راع ولا خليفة فإن هذا يفرقهم ويشتت شملهم فلا تجعلني مع القوم الظالمين ولا تشمت فينا الأعداء فندم موسى على ما صنع بأخيه وهو غير مستحق لذلك فـ {أية : قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } تفسير : ثم أقبل على السامري.