٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
92
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بهذه الآية من وجوه. أحدها: أن موسى عليه السلام إما أن يكون قد أمر هرون باتباعه أو لم يأمره، فإن أمره به فإما أن يكون هرون قد اتبعه أو لم يتبعه، فإن اتبعه كانت ملامة موسى لهٰرون معصية وذنباً لأن ملامة غير المجرم معصية. وإن لم يتبعه كان هـٰرون تاركاً للواجب فكان فاعلاً للمعصية، وأما إن قلنا: إن موسى عليه السلام ما أمره باتباعه كانت ملامته إياه بترك الاتباع معصية فثبت أن على جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هرون. وثانيها: قول موسى عليه السلام: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } استفهام على سبيل الإنكار فوجب أن يكون هـٰرون قد عصاه، وأن يكون ذلك العصيان منكراً، وإلا لكان موسى عليه السلام كاذباً وهو معصية، فإذا فعل هـٰرون ذلك فقد فعل المعصية. وثالثها: قوله: {يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } وهذا معصية لأن هـٰرون عليه السلام قد فعل ما قدر عليه من النصيحة والوعظ والزجر، فإن كان موسى عليه السلام قد بحث عن الواقعة، وبعد أن علم أن هرون قد فعل ما قدر عليه كان الأخذ برأسه ولحيته معصية وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك أيضاً معصية. ورابعها: إن هـٰرون عليه السلام قال: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } فإن كان الأخذ بلحيته وبرأسه جائزاً كان قول هـٰرون لا تأخذ منعاً له عما كان له أن يفعله فيكون ذلك معصية، وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزاً كان موسى عليه السلام فاعلاً للمعصية فهذه أمثلة لطيفة في هذا الباب. والجواب عن الكل: أنا بينا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا } تفسير : [البقرة: 36] أنواعاً من الدلائل الجلية في أنه لا يجوز صدور المعصية من الأنبياء، وحاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز، إذا ثبتت هذه المقدمة فاعلم أن لنا في الجواب عن هذه الإشكالات وجوهاً. أحدها: أنا وإن اختلفنا في جواز المعصية على الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم، وإن كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنعه الآخر أعني بهما موسى وهـٰرون عليهما السلام لعله كان أحدهما أولى والآخر كان ترك الأولى فلذلك فعَله أحدهما وتركه الآخر، فإن قيل هذا التأويل غير جائز لأن كل واحد منهما كان جازماً فيما يأتي به فعلاً كان أو تركاً وفعل المندوب وتركه لا يجزم به، قلنا: تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع، فنحن نحمل ذلك الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح، وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوماً متقرراً. وثانيها: أن موسى عليه السلام أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه ويفتل أصابعه ويقبض لحيته فأجرى موسى عليه السلام أخاه هرون مجرى نفسه لأنه كان أخاه وشريكه فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب فأما قوله: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } فلا يمتنع أن يكون هرون عليه السلام خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل من سوء ظنهم أنه منكر عليه غير معاون له، ثم أخذ في شرح القصة فقال: {إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْراءِيلَ }، وثالثها: أن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى عليه السلام حتى أن هـٰرون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى عليه السلام: أنت قتلته، فلما واعد الله تعالى موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها بعشر وكتب له في الألواح من كل شيء ثم رجع فرآى في قومه ما رآى فأخذ برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هـٰرون عليه السلام أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له فقال إشفاقاً على موسى: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي لئلا يظن القوم ما لا يليق بك. ورابعها: قال صاحب «الكشاف»: كان موسى عليه السلام رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء شديد الغضب لله تعالى ولدينه فلم يتمالك حين رآى قومه يعبدون عجلاً من دون الله تعالى من بعد ما رأوا من الآيات العظام أن ألقى ألواح التوراة لما غلب على ذهنه من الدهشة العظيمة غضباً لله تعالى وحمية وعنف بأخيه وخليفته على قومه فأقبل عليه إقبال العدو المكاشر، واعلم أن هذا الجواب ساقط لأنه يقال: هب أنه كان شديد الغضب ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلاً مكلفاً أم لا؟ فإن بقي عاقلاً مكلفاً فالأسئلة باقية بتمامها أكثر ما في الباب أنك ذكرت أنه أتى بغضب شديد وذلك من جملة المعاصي فقد زدت إشكالاً آخر. فإن قلتم بأنه في ذلك الغضب لم يبق عاقلاً ولا مكلفاً فهذا مما لا يرتضيه مسلم ألبتة فهذه أجوبة من لم يجوز الصغائر وأما من جوزها فلا شك في سقوط السؤال، والله أعلم. أما قوله: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ } ففيه وجهان: الأول: أن لا صلة والمراد ما منعك أن تتبعني. والثاني: أن يكون المراد ما دعاك إلى أن لا تتبعني فأقام منعك مقام دعاك وفي الاتباع قولان: أحدهما: ما منعك من اتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء. والثاني: أن تتبعني في وصيتي إذ قلت لك: {أية : ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 142] فلم تركت قتالهم وتأديبهم وهذا قول مقاتل ثم قال: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } ومعناه ظاهر وهذا يدل على أن تارك المأمور به عاص والعاصي مستحق للعقاب لقوله: { أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } تفسير : [الجن: 23] ولقوله: { أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا } تفسير : [النساء: 14] فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب، فأجاب هـٰرون عليه السلام وقال: {يبنؤم} قيل: إنما خاطبه بذلك ليدفعه عنه فيتركه، وقيل: كان أخاه لأمه: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } واعلم أنه ليس في القرآن دلالة على أنه فعل ذلك، فإن النهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهى عنه كقوله: { أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [الأحزاب: 48] وقوله: { أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] والذي فيه أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه وهذا القدر لا يدل على الاستخفاف به بل قد يفعل ذلك لسائر الأغراض على ما بيناه، ومن الناس من يقول إنه أخذ ذؤابتيه بيمينه ولحيته بيساره ثم قال: {إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْراءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى } ولقائل أن يقول: إن قول موسى عليه السلام: (ما منعك أن لا تتبعن أفعصيت أمري) يدل على أنه أمره بشيء فكيف يحسن في جوابه أن يقال: إنما لم أمتثل قولك خوفاً من أن تقول: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى } فهل يجوز مثل هذا الكلام على العاقل. والجواب: لعل موسى عليه السلام إنما أمره بالذهاب إليه بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى فساد في القوم فلما قال موسى: (ما منعك أن لا تتبعن) قال لأنك إنما أمرتني باتباعك إذا لم يحصل الفساد فلو جئتك مع حصول الفساد ما كنت مراقباً لقولك. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة كانوا أجانب عن الإيمان وما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا العذاب الشديد في الدنيا ولم يرجعوا عن الإيمان، وأما قومه فإنهم رأوا انقلاب العصا ثعباناً والتقم كل ما جمعه السحرة ثم عاد عصا ورأوا اعتراف السحرة بأن ذلك ليس بسحر وأنه أمر إلهي ورأوا الآيات التسع مدة مديدة ثم رأوا انفراق البحر إثني عشر طريقاً وأن الله تعالى أنجاهم من الغرق وأهلك أعداءهم مع كثرة عددهم، ثم إن هؤلاء مع ما شاهدوا من هذه الآيات لما خرجوا من البحر ورأوا قوماً يعبدون البقر قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، ولما سمعوا صوتاً من عجل عكفوا على عبادته، وذلك يدل على أنه لا يحصل الغرض بالدلائل بل بالهداية، قرأ حمزة والكسائي: (يا ابن أم) بكسر الميم والإضافة ودلت كسرة الميم على الياء والباقون بالفتح وتقديره يا ابن أماه، والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن موسى عليه السلام حين رجع إلى قومه، فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غضباً، وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقد قدمنا في سورة الأعراف بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث: «حديث : ليس الخبر كالمعاينة» تفسير : وشرع يلوم أخاه هارون، فقال: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} أي: فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى} أي: فيما كنت قدمت إليك، وهو قوله: {أية : ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 142] {قَالَ يَبْنَؤُمَّ} ترقق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم ههنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف، ولهذا قال: {يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى} الآية، هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم، قال: {إِنِّى خَشِيتُ} أن أتبعك، فأخبرك بهذا، فتقول لي: لم تركتهم وحدهم، وفرقت بينهم {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى} أي: وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم؟ قال ابن عباس: وكان هارون هائباً مطيعاً له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } موسى بعد رجوعه {يٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } بعبادته.
الشوكاني
تفسير : جملة: {قَالَ يَـا هَـٰرُونَ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، والمعنى: أن موسى لما وصل إليهم أخذ بشعور رأس أخيه هارون وبلحيته وقال: {مَا مَنَعَكَ } من اتباعي واللحوق بي عند أن وقعوا في هذه الضلالة ودخلوا في الفتنة. وقيل: معنى {مَا مَنَعَكَ... ألا تتبعن}: ما منعك من اتباعي في الإنكار عليهم. وقيل: معناه هلا قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم لقاتلتهم. وقيل: معناه: هلا فارقتهم. و"لا" في {ألا تتبعن} زائدة، وهو في محل نصب على أنه مفعول ثانٍ لمنع، أي أيّ شيء منعك حين رؤيتك لضلالهم من اتباعي، والاستفهام في: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر كنظائره، والمعنى: كيف خالفت أمري لك بالقيام لله ومنابذة من خالف دينه وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلٰهاً؟ وقيل: المراد بقوله: {أمري} هو قوله الذي حكى الله عنه: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ لأخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 142] فلما أقام معهم ولم يبالغ في الإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه. {قَالَ يَـا ٱبْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} قرىء بالفتح والكسر للميم، وقد تقدّم الكلام على هذا في سورة الأعراف. ونسبه إلى الأمّ مع كونه أخاه لأبيه وأمه، عند الجمهور؛ استعطافاً له وترقيقاً لقلبه، ومعنى {وَلاَ بِرَأْسِي}: ولا بشعر رأسي، أي لا تفعل هذا بي عقوبة منك لي، فإن لي عذراً هو {إِنّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءيلَ } أي خشيت إن خرجت عنهم وتركتهم أن يتفرقوا فتقول: إني فرقت جماعتهم وذلك لأن هارون لو خرج لتبعه جماعة منهم وتخلف مع السامريّ عند العجل آخرون، وربما أفضى ذلك إلى القتال بينهم، ومعنى {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}: ولم تعمل بوصيتي لك فيهم، إني خشيت أن تقول: فرّقت بينهم، وتقول لم تعمل بوصيتي لك فيهم وتحفظها، ومراده بوصية موسى له هو قوله: {أية : ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ } تفسير : [الأعراف: 142]. قال أبو عبيد: معنى {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}: ولم تنتظر عهدي وقدومي لأنك أمرتني أن أكون معهم، فاعتذر هارون إلى موسى ها هنا بهذا، واعتذر إليه في الأعراف بما حكاه الله عنه هنالك حيث قال: {أية : إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى } تفسير : [الأعراف: 150]. ثم ترك موسى الكلام مع أخيه وخاطب السامريّ فقَال: { فَمَا خَطْبُكَ يٰسَـٰمِرِيُّ } أي ما شأنك وما الذي حملك على ما صنعت {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } أي قال السامريّ مجيباً على موسى: رأيت ما لم يروا أو علمت بما لم يعلموا وفطنت لما لم يفطنوا له، وأراد بذلك: أنه رأى جبريل على فرس الحياة فألقى في ذهنه أن يقبض قبضة من أثر الرسول، وأن ذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حياً. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وخلف: "ما لم تبصروا به" بالمثناة من فوق على الخطاب، وقرأ الباقون بالتحتية، وهي أولى؛ لأنه يبعد كلّ البعد أن يخاطب موسى بذلك ويدّعي لنفسه أنه علم ما لم يعلم به موسى، وقرىء بضم الصاد فيهما وبكسرها في الأوّل وفتحها في الثاني، وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة: "فقبضت قبصة" بالصاد المهملة فيهما، وقرأ الباقون بالضاد المعجمة فيهما، والفرق بينهما أن القبض بالمعجمة: هو الأخذ بجميع الكف، وبالمهملة بأطراف الأصابع. والقبضة بضم القاف: القدر المقبوض. قال الجوهري: هي ما قبضت عليه من شيء، قال: وربما جاء بالفتح، وقد قرىء: "قبضة" بضم القاف وفتحها، ومعنى الفتح: المرّة من القبض، ثم أطلقت على المقبوض وهو معنى القبضة بضم القاف، ومعنى {مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ }: من المحل الذي وقع عليه حافر فرس جبريل، ومعنى {فَنَبَذْتُهَا }: فطرحتها في الحليّ المذابة المسبوكة على صورة العجل {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} قال الأخفش: أي زينت، أي ومثل ذلك التسويل: سوّلت لي نفسي. وقيل: معنى {سوّلت لي نفسي}: حدّثتني نفسي. فلما سمع موسى منه قال: {فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ } أي: فاذهب من بيننا واخرج عنا فإن لك في الحياة، أي ما دمت حياً، وطول حياتك أن تقول: لا مساس. المساس مأخوذ من المماسة، أي لا يمسك أحد ولا تمسّ أحداً، لكن لا بحسب الاختيار منك، بل بموجب الاضطرار الملجىء إلى ذلك؛ لأن الله سبحانه أمر موسى أن ينفي السامريّ عن قومه، وأمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. قيل: إنه لما قال له موسى ذلك هرب، فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش لا يجد أحداً من الناس يمسه، حتى صار كمن يقول: لا مساس، لبعده عن الناس وبعد الناس عنه، كما قال الشاعر:شعر : حمال رايات بها قناعسا حتى تقول الأزد لا مسايسا تفسير : قال سيبويه: وهو مبني على الكسر. قال الزجاج: كسرت السين؛ لأن الكسرة من علامة التأنيث. قال الجوهري في الصحاح: وأما قول العرب: لا مساس، مثل قطام، فإنما بني على الكسر؛ لأنه معدول عن المصدر، وهو المس. قال النحاس: وسمعت عليّ بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد المبرد يقول: إذا اعتلّ الشيء من ثلاث جهات وجب أن يبنى، وإذا اعتل من جهتين وجب ألا ينصرف، لأنه ليس بعد الصرف إلا البناء، فمساس، دراك اعتل من ثلاث جهات: منها أنه معدول، ومنها أنه مؤنث، ومنها أنه معرفة، فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين. وقد رأيت أبا إسحاق، يعني الزجاج، ذهب إلى أن هذا القول خطأ وألزم أبا العباس إذا سميت امرأة بفرعون أن يبنيه وهذا لا يقوله أحد. وقد قرأ بفتح الميم أبو حيوة والباقون بكسرها. وحاصل ما قيل في معنى {لا مساس} ثلاثة أوجه: الأوّل: أنه حرّم عليه مماسة الناس، وكان إذا ماسه أحد حمّ الماس والممسوس، فلذلك كان يصيح إذا رأى أحداً: لا مساس. والثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته؛ واعترض بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول هو: لا مساس، وإنما يقال له. وأجيب بأن المراد الحكاية، أي أجعلك يا سامريّ بحيث إذا أخبرت عن حالك قلت: لا مساس. والقول الثالث: أن المراد انقطاع نسله، وأن يخبر بأنه لا يتمكن من مماسة المرأة، قاله أبو مسلم وهو ضعيف جداً. ثم ذكر حاله في الآخرة فقال: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ } أي لن يخلفك الله ذلك الموعد، وهو يوم القيامة، والموعد مصدر، أي إن لك وعداً لعذابك، وهو كائن لا محالة، قال الزجاج: أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن واليزيدي والحسن: "لن تخلفه بكسر" اللام، وله على هذه القراءة معنيان: أحدهما: ستأتيه ولن تجده مخلفاً كما تقول أحمدته، أي وجدته محموداً. والثاني: على التهديد، أي لا بدّ لك من أن تصير إليه. وقرأ ابن مسعود: "لن نخلفه" بالنون، أي لن يخلفه الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، وبالفوقية مبنياً للمفعول، معناه ما قدّمناه. {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً } ظلت أصله: ظللت فحذفت اللام الأولى تخفيفاً، والعرب تفعل ذلك كثيراً. وقرأ الأعمش بلامين على الأصل. وفي قراءة ابن مسعود: "ظلت" بكسر الظاء. والمعنى: انظر إلى إلٰهك الذي دمت وأقمت على عبادته، والعاكف: الملازم. {لَّنُحَرّقَنَّهُ } قرأ الجمهور بضم النون وتشديد الراء من حرّقه يحرّقه. وقرأ الحسن بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه. وقرأ عليّ وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب والعقيلي: "لنحرقنه" بفتح النون وضم الراء مخففة، من حرقت الشيء أحرقه حرقاً: إذا بردته وحككت بعضه ببعض أي: لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد: المحرق. والقراءة الأولى أولى، ومعناها: الإحراق بالنار، وكذا معنى القراءة الثانية، وقد جمع بين هذه الثلاث القراءات بأنه أحرق، ثم برد بالمبرد، وفي قراءة ابن مسعود: "لنذبحنه ثم لنحرقنه" واللام هي الموطئة للقسم. {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِى ٱلْيَمّ نَسْفاً } النسف: نفض الشيء ليذهب به الريح. قرأ أبو رجاء: "لننسفنه" بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها، وهما لغتان. والمنسف: ما ينسف به الطعام، وهو شيء منصوب الصدر أعلاه مرتفع، والنسافة: ما يسقط منه. {إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } لا هذا العجل الذي فتنتم به السامريّ {وَسِعَ كُلَّ شَيْء عِلْماً } قرأ الجمهور: {وسع} بكسر السين مخففة. وهو متعدّ إلى مفعول واحد، وهو {كل شيء}. وانتصاب {علماً} على التمييز المحوّل عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء. وقرأ مجاهد وقتادة: "وسع" بتشديد السين وفتحها فيتعدى إلى مفعولين، ويكون انتصاب {علماً} على أنه المفعول الأوّل وإن كان متأخراً؛ لأنه في الأصل فاعل، والتقدير: وسع علمه كل شيء، وقد مرّ نحو هذا في الأعراف. {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ } الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف، أي كما قصصنا عليك خبر موسى كذلك نقصّ عليك {مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } أي من أخبار الحوادث الماضية في الأمم الخالية لتكون تسلية لك ودلالة على صدقك، و"من" للتبعيض، أي بعض أخبار ذلك {وَقَدْ آتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً } المراد بالذكر: القرآن، وسمي ذكراً؛ لما فيه من الموجبات للتذكر والاعتبار. وقيل: المراد بالذكر: الشرف كقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }تفسير : [الزخرف: 44]. ثم توعد سبحانه المعرضين على هذا الذكر فقال: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْراً } أي أعرض عنه فلم يؤمن به ولا عمل بما فيه وقيل: أعرض عن الله سبحانه، فإن المعرض عنه يحمل يوم القيامة وزراً، أي إثماً عظيماً وعقوبة ثقيلة بسبب إعراضه {خَـٰلِدِينَ فِيهِ } في الوزر، والمعنى: أنهم يقيمون في جزائه. وانتصاب: {خالدين} على الحال {وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلاً } أي بئس الحمل يوم القيامة، والمخصوص بالذمّ محذوف، أي ساء لهم حملاً وزرهم، واللام للبيان، كما في: {أية : هيت لك} تفسير : [يوسف: 23]. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {يٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ } إلى قوله: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} قال: أمره موسى أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين، فكان من إصلاحه أن ينكر العجل. وأخرج عنه أيضاً في قوله: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى } قال: لم تنتظر قولي ما أنا صانع، وقال ابن عباس: {لم ترقب}: لم تحفظ قولي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَوٰةِ أن تقول مساس} قال: عقوبة له {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ } قال: لن تغيب عنه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً } قال: أقمت {لَّنُحَرّقَنَّهُ } قال: بالنار {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمّ } قال: لنذرينه في البحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "لَّنُحَرّقَنَّهُ" خفيفة، ويقول: إن الذهب والفضة لا تحرق بالنار، بل تسحل بالمبرد ثم تلقى على النار فتصير رماداً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: {اليم}: البحر. وأخرج أيضاً عن عليّ قال: {اليم} النهر. وأخرج أيضاً عن قتادة في قوله: {وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً } قال: ملأ. وأخرج أيضاً عن ابن زيد في قوله: {مِن لَّدُنَّا ذِكْراً } قال: القرآن. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد: {وِزْراً } قال: إثماً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلاً } يقول: بئس ما حملوا.
ابن عطية
تفسير : في سرد القصص اقتضاب يدل عليه ما ذكره تقديره فرجع موسى فوجد الامر كما ذكره الله تعالى له فجعل يؤنب هارون بهذه المقالة، وقرأ الجمهور "تتبعن" بحذف الياء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بإثباتها في الوصل ويقف ابن كثير بالياء وأبو عمرو بغير الياء. ويحتمل قوله {ألا تتبعن} أي بني إسرائيل نحو جبل الطور فيجيء اعتذار هارون أي لو فعلت ذلك مشت معي طائفة وأقامت طائفة على عبادة العجل فيتفرق الجمع فخفت لومك على التفرق، ويحتمل قوله {ألا تتبعن} أي لا تسير بسيري وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد ويجيء اعتذار هارون بمعنى أن الأمر كان متفاقماً فلو تقويت عليه وقع القتال واختلاف الكلمة فكان تفريقاً بين بني إسرائيل وإنما لاينت جهدي. وقوله تعالى: {ألا تتبعن} بمعنى ما منعك أن تتبعني، واختلف الناس في وجه دخول "لا" فقالت فرقة هي زائدة، وذهب حذاق النحاة إلى أنها مؤكدة وأن في الكلام فعلاً مقدراً كأنه قال ما منعك ذلك أو حضك أو نحو هذا على "أن لا تتبعن" وما قبل وما بعد يدل على هذا ويقتضيه. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم "يبنؤم" يحتمل ان يريد يا بن أما فحذف الألف تخفيفاً ويحتمل أن يجعل الاسمين اسماً واحداً وبناه كخمسة عشر، وقرأ ابن كثير عن عاصم وحمزة والكسائي "يا بن أمِ" بالكسر على حذف الياء تخفيفاً وهو شاذ لأنها ليست كالياء في قولك يا غلامي وإنما هي كالياء في قولك يا غلام غلامي وهذه ياء لا تحذف، ويحتمل أن يجعل الاسمين اسماً واحداً ثم أضاف إلى نفسه فحذف الياء كما تحذف من الأسماء المفردة إذا أضيفت نحو يا غلام، وقالت فرقة لم يكن هارون أخا موسى إلا من أمه ع وهذا ضعيف، وقالت فرقة كان شقيقه وإنما دعاه بالأم لأن التداعي بالأم أشفق وأشد استرحاماً، وأخذ موسى عليه السلام بلحية هارون غضباً وكان حديد الخلق عليه السلام.
ابن عبد السلام
تفسير : {ضَلُّواْ} بعبادة العجل.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}. ضاق قلبُ موسى - عليه السلام - لمَّا شاهد من قومه بالمعاينة عبادة العجل. ولقد كان سمع من الله أَنَّ السامريّ أظلَّهم حين قال: {أية : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ} تفسير : [طه: 85]، ولكن قديماً قيل: ليس الخبر كالعيان، فلمَّا عايَنَ ذلك ضاق قلبهُ، فكان يقول لأخيه ذلك فظهر منه ما ظهر، وقيل: مَنْ ضاق قلبُه اتسع لسانُه. ولما ظهر لموسى - عليه السلام - ما ظهر أخذ هارون يقابله بالرفق واللطف وحسن المداراة.. وكذلك الواجب في الصحبة لئلا يرتقي الأمرُ إلى الوحشة، فاستلطفه في الخطاب واستعطفه بقوله: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}. أنت أمَرْتَنِي أَلاَّ أُفارِقَهم. وقد يُقال إن هارون لو قال لموسى: في الوقتِ الذي احتَجْتَ أنْ تَمْضِيَ إلى فرعون قلتَ: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً}تفسير : [القصص: 34]، وقلت: {أية : فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ}تفسير : [القصص: 34]، وقلت حين مضيتَ إلى سماع كلام الحق: {أية : ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي...}تفسير : [الأعراف: 142] فما اكتفيت بأَنْ لم تستصحبني. وخَلَّفْتَنِي! وقد عَلِمْتَ أَني بريءُ الساحةِ مما فعلوا فأخذتَ بلحيتي وبرأسي... ألم ترضَ بما أنا فيه حتى تزيدني حَرْياً على حَرْيٍ؟!....لو قال ذلك لكان مَوْضِعَه، ولكنْ لِحلْمِه، ولِعِلْمِه - بأنَّ ذلك كُلَّه حُكْمُ ربِّهم - فقد قابَلَ كلَّ شيءٍ بالرضا.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استئناف بيانى كأنه قيل فما قال لهارون حين سمع جوابهم له وهل رضى بسكوته بعدما شاهد منهم ما شاهد فقيل قال له وهو مغتاظ وقد اخذ بلحيته ورأسه وكان هارون طويل الشعر {يا هارون ما منعك اذ رأيتهم ضلوا} اخطأوا طريق عبودية الله بعبادة العجل وبلغوا من المكابرة الى ان شافهوك بالمقالة الشنعاء.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} من ان تتّبعنى ولفظة لا مزيدة نظيرة ما منعك ان لا تسجد يعنى ما منعك من اتّباعى فى البعض فى الله والمقاتلة مع عابدى العجل بعد ان لم يقبلوا نصحك او من اللّحوق بى والمفارقة عنهم {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} لك بالخلافة والاصلاح وعدم اتّباع سبيل المفسدين، ولمّا كان موسى (ع) اخذه البغض فى الله ولم يكن الباقون قابلين للومه (ع) وعتابه (ع) توجّه الى هارون (ع) وعاتبه على فعل القوم وفى الحقيقة عتابه كان عتاباً لهم فانّ لومه (ع) هارون (ع) على عدم مفارقتهم لومٌ وتعييرٌ لهم على حالهم الّتى تستدعى الخروج من بينهم.
الأعقم
تفسير : {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا} {ألاَّ تتبعنِ} يعني هلاَّ تبعتني بمن أقام على إيمانه {أفعصيت أمري} فيما أمرتكم، ويقال: ظاهر الآية أنه أمره باللحاق به، وقيل: لم يأمره بذلك وأمره بمجاهدتهم وزجرهم من القبيح، وكان أخاه من أمه وأبيه {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} وكان موسى (عليه السلام) رجلاً حديداً في كل شيء شديد الغضب لله ولدينه، فلم يتمالك حتى رأى قومه يعبدون عجلاً من دون الله بعد ما رأوا الآيات العظام، أن ألقي الألواح - التوراة - وأقبل على هارون فقبض على شعر رأس هارون وكان أقرع، وعلى شعر وجهه يجرّه إليه ولما ظهر براءة هارون وبيَّن العذر علم أن الذنب للسامري، أقبل عليه موبّخاً {فقال ما خطبك} أي ما شأنك وما دعاؤك؟ {قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة} حين أرسل الله إلى موسى جبريل راكب حيزوم فرس الحياة، فأبصره السامري فقال: إن لهذا شأن، فقبض القبضة من تربة موطئة، وقيل: كان معتاداً أن من قبض قبضة فألقاها على جماد فإنه يصير صواتاً {وكذلك سوّلت لي نفسي} ما لا حقيقة له، وإنما صاغ عجلاً وجعل فيه خردقاً، وروي أنه مرَّ به هارون وهو يصنع العجل فسأله، فقال: شيء أفعله مصلحة أدع الله أن يتم ذلك، فدعا له {قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس} أي ما دمت حياً لا تخالط أحداً ولا يخالطك، وكان موسى (عليه السلام) أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه ولا يخالطوه، وقيل: حرم موسى مؤاكلته ومخالطته وذلك أنه عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أعظم منها، وقيل: ألقيت هذه الكلمة على لسانه وكان يغدو في الفيافي ويقول: {لا مساس وإن لك موعداً لن تخلفه} أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك إياه على الشرك والفساد، ينجز ذلك في الآخرة بعدما عاقبك بذلك في الدنيا، فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة {ذلك هو الخسران المبين وانظر إلى إلهك} الذي اتَّخذته إلهاً وعكفت عليه {لنحرقنَّه بالنار ثم لننسفنّه في اليم نسفاً} في البحر، وقيل: أحرق حتى صار رماداً ثم رماه في البحر، وإنما فعل ذلك لإِزالة الشبهة من قلوب العامة {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً} يعني هو خالقكم والمنعم عليكم المستحق للعبادة، هو الله الذي لا إله إلا هو، وقوله: {وسع كل شيء علماً} أي يعلم كل شيء، ثم ذكر تعالى من أنباء الرسل تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعقبه بالوعد والوعيد.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} موسى بعد رجوعه: {يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهُمْ ضَلُّوا ألاّ تَتَّبِعَنِ} هو مفعول ثان لمنع، أو يقدر جار، أى ما منعك عن الاتباع لى فى الغضب لله؛ أو فى المقاتلة، بأن تقاتلهم أنت ومن معك، كما أقاتل من كفر، أو عن الاتباع لى إلى الطور، فيكون زجراً، إذ رأيتهم ضلوا بعبادة العجل. {أَفَعَصَيْتَ أمْرِى} بالصلابة فى الدين والمحاماة عليه.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {قَالَ } استئناف نشأ من حكاية جوابهم السابق أعني قوله تعالى: {أية : مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ } تفسير : [طه: 87] الخ كأنه قيل: فماذا قال موسى لهارون عليهما السلام حين سمع جوابهم وهل رضي بسكوته بعد ما شاهد منهم ما شاهد؟ فقيل: قال له وهو مغتاظ قد أخذ بلحيته ورأسه {يٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } بعبادة العجل ولم يلتفتوا إلى دليل بطلانها.
ابن عاشور
تفسير : انتقل موسى من محاورة قومه إلى محاورة أخيه، فجملة {قَالَ يٰهٰرُونُ} تابعة لجملة {أية : قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً}تفسير : [طه: 86]، ولجملة {أية : قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا}تفسير : [طٰه: 87] وقد وجدت مناسبة لحكاية خطابه هارون بعد أن وقع الفصْل بين أجزاء الحكاية بالجمل المعترضة التي منها جملة {أية : ولقد قال لهم هارون من قبل}تفسير : [طه: 90] الخ فهو استطراد في خلال الحكاية للإشعار بعذر هارون كما تقدم. ويحتمل أن تكون عطفاً على جملة {ولقد قال لهم هارون} الخ على احتمال كون تلك من حكاية كلام قوم موسى. علم موسى أن هارون مخصوص من قومه بأنّه لم يعبد العجل، إذ لا يجوز عليه ذلك لأنّ الرسالة تقتضي العصمة، فلذلك خصه بخطاب يناسب حاله بعد أن خاطب عموم الأمة بالخطاب الماضي. وهذا خطاب التوبيخ والتهديد على بقائه بين عبدة الصنم. والاستفهام في قوله {مَا مَنَعَكَ} إنكاري، أي لا مانع لك من اللحاق بي، لأنه أقامه خليفة عنه فيهم فلما لم يمتثلوا أمره كان عليه أن يرد الخلافة إلى من استخلفه. و {إذْ رأيْتَهُم} متعلق بــــ{مَنَعَكَ}. و (أنْ) مصدرية، و (لا) حرف نفي. وهي مؤذنة بفعل محذوف يناسب معنى النفي. والمصدر الذي تقتضيه (أن) هو مفعول الفعل المحذوف. وأما مفعول {مَنَعَكَ} فمحذوف يدلّ عليه {مَنَعَكَ} ويدل عليه المذكور. والتقدير: ما منَعك أن تتبعني واضطرّك إلى أنْ لا تتبعني، فيكون في الكلام شِبه احتباك. والمقصود تأكيدُ وتشديدُ التوبيخ بإنكار أن يكون لهارونَ مانع حينئذ من اللحاق بموسى ومقتض لعدم اللحاق بموسى، كما يقال: وُجد السبب وانتفَى المانع. ونظيره قوله تعالى: {أية : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} تفسير : في سورة الأعراف (12) فارجعْ إليه. والاستفهام في قوله {أفَعَصَيْتَ أمري} مفرع على الإنكار، فهو إنكار ثان على مخالفة أمره، مشوب بتقرير للتهديد. وقوله في الجواب {يا ابن أم} نداء لقصد الترقيق والاستشفاع. وهو مؤذن بأن موسى حين وبّخه أخذ بِشَعرِ لحية هارون، ويشعر بأنه يجذبه إليه ليلطمه، وقد صرح به في الأعراف (50) بقوله تعالى: {أية : وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه}.تفسير : وقرأ الجمهور «يا ابن أمَّ» بفتح الميم. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بكسر الميم وأصله: يا ابن أمّي، فحذفت ياء المتكلم تخفيفاً، وهو حذف مخصوص بالنداء. والقراءتان وجهان في حذف ياء المتكلّم المضاف إليها لفظ أمّ ولفظ (عَمّ) في النداء. وعطف الرأس على اللحية لأنّ أخذه من لحيته أشد ألماً وأنكى في الإذلال. وابنُ الأم: الأخ. وعدل عن (يا أخي) إلى (ابن أم) لأن ذكر الأم تذكير بأقوى أواصر الأخوّة، وهي آصرة الولادة من بطن واحد والرضاعِ من لبان واحد. واللِحية بكسر اللاّم ويجوز فتح اللاّم في لغة الحجاز اسم للشعر النابت بالوجه على موضع اللحيين والذقْن، وقد أجمع القراء على كسر اللاّم من {لِحيتي}. واعتذر هارون عن بقائه بين القوم بقوله {إني خشيت أن تقول فرقتَ}، أي أن تظن ذلك بي فتقوله لوْماً وتحميلاً لتبعة الفرقة التي ظن أنها واقعة لا محالة إذا أظهر هارون غضبه عليهم لأنه يستتبعه طائفة من الثابتين على الإيمان ويخالفهم الجمهور فيقع انشقاق بين القوم وربما اقتتلوا فرأى من المصلحة أن يظهر الرضى عن فعلهم ليهدأ الجمهور ويصبر المؤمنون اقتداء بهارون، ورأى في سلوك هذه السياسة تحقيقاً لقول موسى له {أية : وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} تفسير : في سورة الأعراف (142). وهو الذي أشار إليه هنا بقوله {ولَمْ تَرْقُب قَوْلي}، فهو من جملة حكاية قول موسى الذي قدره هارون في ظنه. وهذا اجتهاد منه في سياسة الأمة إذ تعارضت عنده مصلحتان مصلحة حفظ العقيدة ومصلحة حفظ الجامعة من الهرج. وفي أثنائها حفظ الأنفس والأموال والأخوة بين الأمّة فرجّح الثانية، وإنما رجحها لأنه رآها أدوم فإن مصلحة حفظ العقيدة يُستدرك فواتُها الوقتيُّ برجوع موسى وإبطاله عبادة العجل حيث غيوا عكوفهم على العجل برجوع موسى، بخلاف مصلحة حفظ الأنفس والأموال واجتماع الكلمة إذا انثلمت عسر تداركها. وتضمن هذا قوله {إنِّي خَشِيتُ أن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إسرائيلَ ولَمْ تَرْقُب قَوْلِي}، وكان اجتهاده ذلك مرجوحاً لأن حفظ الأصل الأصيل للشريعة أهم من حفظ الأصول المتفرعة عليه، لأنّ مصلحة صلاح الاعتقاد هي أم المصالح التي بها صلاح الاجتماع، كما بيناه في كتاب «أصول نظام الاجتماع الإسلامي». ولذلك لم يكن موسى خَافياً عليه أن هارون كان من واجبه أن يتركهم وضلالهم وأن يلتحق بأخيه مع علمه بما يفضي إلى ذلك من الاختلاف بينهم، فإن حرمة الشريعة بحفظ أصولها وعدم التساهل فيها، وبحرمة الشريعة يبقى نفوذها في الأمة والعملُ بها كما بينته في كتاب «مقاصد الشريعة». وفي قوله تعالى: {بين بَني} جناس، وطرد وعكس. وهذا بعض ما اعتذر به هارون، وحكي عنه في سورة الأعراف (150) أنه اعتذر بقوله {أية : إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ}. قال بعض أهل العلم: "لا" في قوله: {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} زائدة للتوكيد. واستدل من قال ذلك بقوله تعالى في "الأعراف": {أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 12] قال لأن المراد: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك. بدليل قوله في القصة بعينها في سورة "ص": {أية : قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} تفسير : [ص: 75] الآية، وقوله تعالى: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحديد: 29] الآية. أي ليعلم أهل الكتاب، وقوله {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [النساء: 65] أي فوربك لا يؤمنون، وقوله: {أية : وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ}تفسير : [فصلت: 34] أي والسيئة، وقوله: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}تفسير : [الأنبياء: 95] على أحد القولين، وقوله: {أية : وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام: 109] على أحد القولين، وقوله: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ} تفسير : [الأنعام: 151] الآية على أحد الأقوال فيها. ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس: شعر : فلا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر تفسير : يعني فوأبيك. وقول أبي النجم: شعر : فما ألوم البيض ألا تسخرا لما رأين الشمط القفندرا تفسير : يعني أن تسخر، وقول الآخر: شعر : ما كان يرضى رسول الله دينهم والأطيبان أبو بكر ولا عمر تفسير : يعني وعمر. وقول الآخر: شعر : وتلحينني في اللهو ألا أحبه وللهو داع دائب غير غافل تفسير : يعني أن أحبه، و "لا" مزيدة في جميع الأبيات لتوكيد الجحد فيها. وقال الفراء: إنها لا تزاد إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد كالأمثلة المتقدمة. والمراد بالجحد النفي وما يشبهه كالمنع في قوله: {مَا مَنَعَكَ} ونحو ذلك. والذي يظهر لنا والله تعالى أعلم. أن زيادة لفظة "لا" لتوكيد الكلام وتقويته أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره. وأنشد الأصمعي لزيادة "لا" قول ساعدة الهذلي: شعر : أفعنك لا برق كان وميضه غاب تسنمه ضرام مثقب تفسير : ويروى "أفمنك" بدل "أفعنك" بدل "تسنمه" يعين أعنك برق و "لا" زائدة للتوكيد والكلام ليس فيه معنى الجحد. ونظيره قول ا لآخر: شعر : تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع تفسير : يعني كاد يتقطع. وأنشد الجوهري لزيادة "لا" قول العجاج: شعر : في بئر لا حور سرى وما شعر بإفكه حتى رأى الصبح جشر تفسير : والحور الهلكة. يعني في بئر هلكة ولا زائدة للتوكيد. قاله أبو عبيدة وغيره. والكلام ليس فيه معنى الجحد. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "البلد". قوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}. الظاهر أن أمره المذكور في هذه الآية هو المذكور في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 142]. وهذه الآية الكريمة تدل على اقتضاء الأمر للوجوب. لأنه أطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة: كقوله تعالى: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [النور: 63]، وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 36] فجعل أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم مانعاً من الاختيار، موجباً للامتثال. وقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 12] فوبخه هذا التوبيخ الشديد على عدم امتثال الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل في قوله تعالى: {أية : ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} تفسير : [البقرة: 34]. وجماهير الأصوليين على أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما هو مماثل لها. وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : وافعل لدى الأكثر للوجوب وقيل للندب أو المطلوب تفسير : الخ.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا هَارُونُ} (92) - وَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً، وَأَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ مِنَ الأَلْواحِ التِي أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ رَبُّهُ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخْيهِ يَجُرُّه إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي مَنَعَكَ مِنْ أَنْ تَكُفَّهُمْ عَنْ هَذِهِ الضَّلاَلَةِ، حِينَمَا رَأَيْتَهُمْ وَقَعُوا فِيهَا؟ مَا مَنَعَكَ - مَا حَمَلَكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا حوار دار بين موسى وأخيه هارون {مَا مَنَعَكَ ..} [طه: 92] وقد وردتْ هذه الكلمة في القرآن بأُسْلوبين: الأول: قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..}تفسير : [ص: 75] أي: ما منعك من السجود. والآخر: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..}تفسير : [الأعراف: 12]. أي: ما منعك أن لا تسجد؛ لأن المانع قد يكون قَهْراً عنك، وأنت لا تريد أن تفعل، وقد يأتي آخر فيُقنِعك أن تفعل. فمَرّة يُرغِمك: أنت لا تريد أنْ تسجد يقول لك: اسجد. إذن: منعك أن تسجد يعني قهراً عنك، لكن أقنعك أن تسجد أنت باختيارك فقد منعك ألاَّ تسجد. إذن: مرة من النفس، ومرة من الغير، وهكذا يلتقي الأسلوبان. فقوله: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 92-93] أي: من اتباعي، لكن هل موسى عليه السلام هنا يستفهم؟ الحقيقة أنه لا يريد الاستفهام، فقد تخاطب إنساناً بذنب، وأنت لا تعلم ذنبه، إنما تخاطبه بصورة الذَّنْب لتسمع الردَّ منه، فيكون رَدًَاً على مَنْ يعترض عليه. ومن ذلك ما كان من سيدنا عمر - رضي الله عنه - عند الحجر الأسود، فلما قَبَّله قال: "اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتُك". إذن: قبّله عمر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّله، إلا أنه جاء بهذا الكلام ليعطينا الجواب المستمر على مَرِّ التاريخ لكل مَنْ يسأل عن تقبيل الحجر. وهنا أثارها موسى شبهة؛ كي نسمع نحن الجواب، ولنسمع الردّ من صاحب الشأن باقياً سائراً في طول الأزمان.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إمارات الفتنة، وأمَّا تأتها بقوله تعالى: {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ} [طه: 92] إلى قوله: {مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} [طه: 99] {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 92-93] إشارة إلى أن موسى عليه السلام لما كان بالميقات مستغرقاً في شواهد الحق ما كان يرى غير الحق تعالى، ويكن محتجباً بحجب الوسائل حتى أن الله تعالى ابتلاه بالوسائط بقوله تعالى: {أية : قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} تفسير : [طه: 85] يا موسى. {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} [طه: 85] أضاف الفتنة إلى نفسه، وأحال الإضلال إلى السامري اختياراً؛ ليعلم منه أنه: هل يرى غير الله في أفعاله الخير والشر؟ فما التفت إلى الوسائط وما رأى العقل في مقام الحقيقة على بساط القربة الآمنة وقال في جوابه: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} تفسير : [الأعراف: 155] أضاف الفتنة والإضلال إليه تعالى مراعياً حق الحقيقة، ولمَّا رجع إلى قومه نبياً مرسلاً رأى الوسائط، وأحال فعل الشر إليهم مراعياً حق الشريعة، فإنه قد بعث إلى الخلق للهداية بأن يخرجهم من ظلمات الطبيعة على قدم الشريعة إلى نور الحقيقة. {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ} [طه: 92] عن صراط عبودية الله تعالى بضلالة عبودية العجل {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} [طه: 93] فتجزني لأرجع عليهم لئلا يقعوا في هلاك هذه الفتنة {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] كما عصى هؤلاء القوم أمري وأمر الله، فلمَّا رأى هارون أن موسى رجع من تلك الحضرة سكران الشوق ملآن الذوق وفيه نخوة القربة والاصطفاء فما وسعه إلا التواضع والخشوع فقال: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: 94] لمعيين: أحدهما: لتأخذه رأفة صلة الرحم فيسكن غضبه، والثاني: ليذكره بذكر أم الحالة التي وقعت له في الميقات حين سأل ربه الرؤية {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} تفسير : [الأعراف: 143] وجاءه الملائكة في حال تلك الصعقة يجرونه برأسه: يا ابن النساء الحائض بالتراب ورب الأرباب أتطمع رؤية رب العزة. وقوله تعالى: {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ} [طه: 94] بخروجك من بينهم. {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94] يعني: منعني ترقب قولك وطاعة أمرك عن أتباعك لا عصيان أمرك، ثم {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ} [طه: 95] ما حملك على الذي فعلت {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ} [طه: 96] يعني: خصصت بكرامة فيما رأيت أثر فرس جبرائيل، وألهمت بأن أنشأنا ما خص بها أحد منكم فقبضت قبضة {فَنَبَذْتُهَا} [طه: 96] يشير بهذا المعنى إلى أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة، ولأهل الغرامة استدراج، والفرق بين الفريقين: أن أهل الكرامة يصرفونها في الحق والحقيقة، وأهل الغرامة يصرفونها في الباطن والطبيعة، كما أن الله تعالى أنطق السامري بنيته الفاسدة الباطلة بقوله: {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 96] أي: لشقاوتي ومحنتي. {قَالَ} [طه: 97] موسى عليه السلام مكافئاً له: {فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} [طه: 97] يشير به إلى أن قصدك ونيتك فيما سولت لك نفسك أن تكون مطاعاً متبوعاً آلفاً مألوفاً، فجزاؤك في الدنيا أن تكون طريداً وحيداً مقتاً ممقوتاً متشرداً منتفراً، تقول لمكن رآك لا تمسني، ولا أمسك فنهلك {وَإِنَّ لَكَ} [طه: 97] يا سامري {مَوْعِداً} [طه: 97] للهلاك والعذاب لمن تخلف في الدنيا والآخرة {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً} [طه: 97] وفيه إشارة إلى عبادة عجل النفس والهوى، فإنهم {أية : وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] منسوفون في بحر القهر نسفا لا خلاص لهم منه إلى الأبد. وفي قوله تعالى: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ} [طه: 98] معبوداً ولا خالقاً {إِلاَّ هُوَ} [طه: 98] إشارة إلى من يعبد إلهاً دونه يحرقه بالنار نار القطيعة، وينسفه في بحر القهر إلى أبد الآباد {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه: 98] فعلم استحقاق كل عبد للطف أو للقهر {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} [طه: 99] إذ أنزل القرآن على قلبك. ثم أخبر عن الاعتراض على أهل الإعراض بقوله تعالى، [والمحققين) معي إلى الحضرة كما هو من خصائص الأنبياء من قبلي، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" أي: في صدق الحق بالإعراض عن الكونين والتوجه إلى الله تعالى {أية : بَلْ أَكْثَرُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 24] أكثر الخلق من مدعي الإسلام {أية : لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ} تفسير : [الأنبياء: 24] من الباطل {أية : فَهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنبياء: 24] عن الحق ومتبوعون الباطل من أهل الأهواء والبدع وعبدة الهوى والدنيا. {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ * وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 25-29]. ثم أخبر عن أهل الحق وقول الصدق بقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] يشير إلى أن الحكمة في بعث جميع الأنبياء والرسل مقصورة على هاتين المصلحتين وهما: إثبات وحدانية الله تعالى، وتعبده بالإخلاص؛ لتكون فائدة تلك المصلحتين راجعة إلى العباد لا إلى الله تعالى، كما قال الله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] أي: ليعرفوني وهي مختصة بالإنسان دون سائر المخلوقات؛ لأنها حقيقة الأمانة التي قال الله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ} تفسير : [الأحزاب: 72]، فافهم جيداً. ثم أخبر عمَّن لم يقبل الدعوة من الأنبياء، ولم يعبد الله ليعرفه فبقي في تيه الضلالة فنسب قوم بجهالتهم وضلالتهم الولد إلى الله تعالى {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ} تفسير : [الأنبياء: 26] يعني: قالوا: الملائكة بنات الله، فالله تعالى نزه ذاته عن هذا الوضع فقال: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26] يعنيك الملائكة. ثم أخبر عن حقيقة إكرامهم بقوله تعالى: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} تفسير : [الأنبياء: 27] يشير إلى أنهم منزهون عن الاحتياج بمأكول أو مشروب أو ملبوس ومنكوح، وبنا يدفع عنهم الحر والبرد، وأمَّا [من] ابتلاهم الله تعالى بالأمراض والعلل والآفات، فيسبقون الله بالقول يستدعون منه دفعها وإزالتها والخلاص منها بالتضرع والابتهال، وكذلك ما ابتلاهم الله تعالى بطبيعة تخالف أوامر الله تعالى، فيمكن منهم خلاف ما يؤمرون فقال الله تعالى: {أية : وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 27] نظيره قوله عز وجل: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6] ولعمري إنهم وإن كانوا مكرمين بهذه الخصال، فإن بني آدم في سر: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} تفسير : [الإسراء: 70] المكرمون منهم بكرامات أكبر منها درجة وأرفع منها منزلة؛ وذلك لأنهم ما خلقوا محتاجين إلى ما لا يحتاج إليه الملائكة بالكرامتين اللتين لم يكرم بهما الملائكة: فأحدهما: الرجوع إلى الله مضطرين فيما يحتاجون إليه، فأكرموا بكرامة الدعاء، والإجابة بقوله تعالى: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النمل: 62] على أنهم في ذلك {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} تفسير : [الأنبياء: 27] كالملائكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):