٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : (القصة السادسة، قصة أيوب عليه السلام) اعلم أن في أمر أيوب عليه السلام وما ذكره الله تعالى من شأنه ههنا وفي غيره من القرآن من العبر والدلائل ما ليس في غيره، لأنه تعالى مع عظيم فضله أنزل به من المرض العظيم ما أنزله مما كان غبرة له ولغيره ولسائر من سمع بذلك وتعريفاً لهم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الواجب على المرء أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها، ويجتهد في القيام بحق الله تعالى ويصبر على حالتي الضراء والسراء وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال وهب بن منبه: كان أيوب عليه السلام رجلاً من الروم وهو أيوب ابن أنوص وكان من ولد عيص بن إسحق وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله تعالى قد اصطفاه وجعله نبياً، وكان مع ذلك قد أعطاه من الدنيا حظاً وافراً من النعم والدواب والبساتين وأعطاه أهلاً وولداً من رجال ونساء، وكان رحيماً بالمساكين، وكان يكفل الأيتام والأرامل ويكرم الضيف وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وعرفوا فضله، قال وهب: وإن لجبريل عليه السلام بين يدي الله تعالى مقاماً ليس لأحد من الملائكة مثله في القربة والفضيلة، وهو الذي يتلقى الكلام فإذا ذكر الله عبداً بخير تلقاه جبريل عليه السلام ثم تلقاه ميكائيل عليه السلام ثم من حوله من الملائكة المقربين، فإذا شاع ذلك فهم يصلون عليه. ثم صلت ملائكة السموات ثم ملائكة الأرض. وكان إبليس لم يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهن حيثما أراد، ومن هناك وصل إلى آدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة. ولم يزل على ذلك حتى رفع عيسى عليه السلام فحجب عن أربع. فكان يصعد بعد ذلك إلى ثلاث إلى زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فحجب عند ذلك عن جميع السموات إلا من استرق السمع، قال: فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب فأدركه الحسد، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه، فقال: يا رب إنك أنعمت على عبدك أيوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجربه بشدة ولا بلاء وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك، فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله. فانقض الملعون حتى وقع إلى الأرض وجمع عفاريت الشياطين، وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب؟ قال عفريت: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار فأحرقت كل شيء آتى عليه، فقال إبليس: فأت الإبل ورعاءها فذهب ولم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها شيء إلا احترق فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها، فذهب إبليس على شكل بعض أولئك الرعاة إلى أيوب فوجده قائماً يصلي، فلما فرغ من الصلاة قال: يا أيوب هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته بإبلك ورعائها؟ فقال أيوب: إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه. قال إبليس: فإن ربك أرسل عليها ناراً من السماء فاحترقت ورعاؤها كلها وتركت الناس مبهوتين متعجبين منها. فمن قائل يقول: ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور، ومن قائل يقول: لو كان إله أيوب يقدر على شيء لمنع من وليه، ومن قائل آخر يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت عدوه به ويفجع به صديقه. فقال أيوب عليه السلام: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً أعود في التراب، وعرياناً أحشر إلى الله تعالى، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيداً وآجرني فيك، ولكن الله علم منك شراً فأخرك. فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً. فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتاً لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه، فقال إبليس: فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها. فخرج إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول: ورد عليه أيوب الرد الأول، فرجع إبليس صاغراً. فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه، قال فاذهب إلى الحرث والثيران فأتاهم فأهلكهم ثم رجع إبليس متمثلاً حتى جاء أيوب وهو يصلي، فقال مثل قوله الأول فرد عليه أيوب الرد الأول، فجعل إبليس يصيب أمواله شيئاً فشيئاً حتى أتى على جميعها. فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف الذي كان يقفه عند الله تعالى، وقال: يا إلهي هل أنت مسلطي على ولده، فإنها الفتنة المضلة. فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ولده، فأتى أولاد أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم، ثم جاء إلى أيوب متمثلاً بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه ودماغه، فقال: لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل أدمغتهم من أنوفهم لتقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب عليه السلام وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه، فاغتنم ذلك إبليس، ثم لم يلبث أيوب عليه السلام حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال: يا إلهي إنما يهون على أيوب خطر المال والولد، لعلمه أنك تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك، فقال تعالى: انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه فانقض عدو الله سريعاً فوجد أيوب عليه السلام ساجداً لله تعالى فأتاه من قبل الأرض فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده وخرج به من فرقه إلى قدمه ثآليل وقد وقعت فيه حكة لا يملكها، وكان يحك بأظفاره حتى سقطت أظفاره، ثم حكها بالمسوح الخشنة ثم بالفخار والحجارة، ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وتغير ونتن، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً ورفضه الناس كلهم غير امرأته رحمة بنت افرايم بن يوسف عليه السلام فكانت تصلح أموره، ثم إن وهبا طول في الحكاية إلى أن قال: إن أيوب عليه السلام أقبل على الله تعالى مستغيثاً متضرعاً إليه فقال: يا رب لأي شيء خلقتني يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، ويا ليتني كنت عرفت الذنب الذي أذنبته، والعمل الذي عملت حتى صرفت وجهك الكريم عني، ألم أكن للغريب داراً، وللمسكين قراراً، ولليتيم ولياً، وللأرملة قيماً، إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضاً، وللفتنة نصباً، وسلطت علي ما لو سلطته على جبل لضعف من حمله. إلهي تقطعت أصابعي، وتساقطت لهواتي، وتناثر شعري وذهب المال، وصرت أسأل اللقمة فيطعمني من يمن بها علي ويعيرني بفقري وهلاك أولادي. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله، وفي جملة هذا الكلام: ليتك لو كرهتني لم تخلقني، ثم قال: ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنمه إبليس، فإن قصده أن يحمله على الشكوى، وأن يخرجه عن حلية الصابرين، والله تعالى لم يخبر عنه إلا قوله: {أَنّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ } ثم قال: { أية : إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً نّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } تفسير : [ص: 44] واختلف العلماء في السبب الذي قال لأجله: {أَنّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ } وفي مدة بلائه. فالرواية الأولى: روى ابن شهاب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن أيوب عليه السلام بقي في البلاء ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان ويروحان إليه، فقال أحدهما للآخر ذات يوم: والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ فقال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى ولم يكشف ما به. فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك لأيوب عليه السلام. فقال أيوب: ما أدري ما تقولون، غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله عز وجل فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق". تفسير : وفي رواية أخرى: "حديث : أن الرجلين لما دخلا عليه وجدا ريحاً فقالا: لو كان لأيوب عند الله خير ما بلغ إلى هذه الحالة، قال: فما شق على أيوب شيء مما ابتلى به أشد مما سمع منهما، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعاناً وأنا أعلم بمكان جائع فصدقني فصدقه وهما يسمعان، ثم خر أيوب عليه السلام ساجداً ثم قال: اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي قال فكشف الله ما به. تفسير : الرواية الثانية: قال الحسن رحمه الله: مكث أيوب عليه السلام بعد ما ألقى على الكناسة سبع سنين وأشهراً، ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته رحمة صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام وتحمد الله تعالى مع أيوب وكان أيوب مواظباً على حمد الله تعالى والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه، فصرخ إبليس صرخة جزعاً من صبر أيوب، فاجتمع جنوده من أقطار الأرض وقالوا له ما خبرك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فلم أدع له مالاً ولا ولداً ولم يزدد بذلك إلا صبراً وحمداً لله تعالى، ثم سلطت على جسده فتركته ملقى في كناسة وما يقربه إلا امرأته، وهو مع ذلك لا يفتر عن الذكر والحمد لله، فاستعنت بكم لتعينوني عليه فقالوا له: أين مكرك! أين عملك الذي أهلكت به من مضى؟ قال: بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا علي، قالوا: أدليت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته؟ قال من قبل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها لأنه لا يقربه أحد غيرها. قال: أصبتم فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده، فلما سمعها طمع أن يكون ذلك كله جزعاً، فوسوس إليها وذكرها ما كان لها من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه. قال الحسن رحمه الله: فصرخت، فلما صرخت علم أنها قد جزعت فأتاها بسخلة، وقال ليذبح هذه لي أيوب ويبرأ، قال: فجاءت تصرخ إلى أيوب يا أيوب حتى متى يعذبك ربك، ألا يرحمك أين المال، أين الماشية، أين الولد، أين الصديق، أين اللون الحسن، أين جسمك الذي قد بلى وصار مثل الرماد، وتردد فيه الدواب أذبح هذه السخلة واسترح؟ فقال أيوب عليه السلام: أتاك عدو الله ونفخ فيك فأجبتيه! ويلك أترين ما تبكين عليه مما تذكرين مما كنا فيه من المال والولد والصحة، من أعطانا ذلك؟ قالت الله. قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة. قال: فمنذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟ قالت: منذ سبع سنين وأشهر، قال ويلك، والله ما أنصفت ربك، ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة. والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة. أمرتيني أن أذبح لغير الله، وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به، فطردها فذهبت، فلما نظر أيوب في شأنه وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق، وقد ذهبت امرأته خر ساجداً، وقال: {رَبِّ إِنّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ } فقال: ارفع رأسك فقد استجبت لك {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ } فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت منه، ثم ضرب برجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً، وعاد إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن ما كان، ثم كسى حلة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والولد والمال، إلا وقد ضعفه الله تعالى حتى صار أحسن مما كان، حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب، قال: فجعل يضمه بيده فأوحى الله إليه يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها، قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعاً وتأكله السباع لأرجعن إليه، فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة ولا تلك الحال وإذا بالأمور قد تغيرت، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعين أيوب عليه السلام، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه وتسأله عنه فأرسل إليها أيوب عليه السلام ودعاها وقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلي الذي كان ملقى على الكناسة، فقال لها أيوب عليه السلام: ما كان منك، فبكت وقالت بعلي، فقال: أتعرفينه إذا رأيتيه، قالت وهل يخفى على أحد يراه! فتبسم وقال: أنا هو، فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال إنك أمرتيني أن أذبح سخلة لإبليس، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله تعالى فرد علي ما ترين. الرواية الثالثة: قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات وقال وهب رحمه الله بقي في البلاء ثلاث سنين، فلما غلب أيوب إبليس لعنه الله ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها: أنت صاحبة أيوب؟ قالت: نعم، قال: فهل تعرفيني؟ قالت لا: قال: أنا إله الأرض أنا صنعت بأيوب ما صنعت، وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليك وعليه جميع مالكما من مال وولد فإن ذلك عندي، قال وهب وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله تعالى لعوفي مما هو فيه من البلاء، وفي رواية أخرى: بل قال لها لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال والولد وأعافي زوجك، فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها، فقال لها أيوب: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجدلنك مائة جلدة، وقال عند ذلك {مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ } يعني من طمع إبليس في سجودي له وسجود زوجتي ودعائه إياها وإياي إلى الكفر. الرواية الرابعة: قال وهب: كانت امرأة أيوب عليه السلام تعمل للناس وتأتيه بقوته، فلما طال عليه البلاء سئمها الناس فلم يستعملوها فالتمست ذات يوم شيئاً من الطعام فلم تجد شيئاً فجزت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها: أين قرنك فأخبرته بذلك، فحينئذ قال: {مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ }. الرواية الخامسة: قال إسماعيل السدي: لم يقل أيوب مسني الضر إلا لأشياء ثلاث. أحدها: قول الرجلين له لو كان عملك الذي كنا نرى لله تعالى لما أصابك الذي أصابك. وثانيها: كان لامرأته ثلاث ذوائب فعمدت إلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً فجاءت إلى أيوب عليه السلام فقال من أين هذا؟ فقالت: كل فإنه حلال فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية وكذلك فعلت في اليوم الثالث، وقالت: كل فإنه حلال فقال: لا آكل ما لم تخبريني فأخبرته، فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم، وقيل: إنما باعت ذوائبها لأن إبليس تمثل لقوم في صورة بشر، وقال: لئن تركتم أيوب في قريتكم فإني أخاف أن يعدي إليكم ما به من العلة فأخرجوه إلى باب البلد، ثم قال لهم: إن امرأته تدخل في بيوتكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فباعت ضفيرتها. وثالثها: حين قالت له امرأته ما قالت فحينئذ دعا. الرواية السادسة: قيل: سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها إلى موضعها، وقال قد جعلني الله تعالى طعمة لك فعضته عضة شديدة، فقال: مسني الضر. فأوحى الله تعالى إليه لولا أني جعلت تحت كل شعرة منك صبراً لما صبرت. المسألة الثانية: إعلم أن المعتزلة قد طعنوا في هذه القصة من وجوه. أحدها: قال الجبائي: ذهب بعض الجهال إلى أن ما كان به من المرض كان فعلاً للشيطان سلطه الله عليه، لقوله تعالى حكاية عنه: {مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } وهذا جهل، أما أولاً فلأنه لو قدر على إحداث الأمراض والأسقام وضدهما من العافية لتهيأ له فعل الأجسام، ومن هذا حاله يكون إلهاً، وأما ثانياً فلأن الله تعالى أخبر عنه وعن جنوده بأنه قال: { أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [إبراهيم: 22] والواجب تصديق خبر الله تعالى، دون الرجوع إلى ما يروى عن وهب بن منبه رضي الله عنه. واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف لأن المذكور في الحكاية أن الشيطان نفخ في منخره فوقعت الحكة فيه، فلم قلتم إن القادر على النفخة التي تولد مثل هذه الحكة لا بد وأن يكون قادراً على خلق الأجسام، وهل هذا إلا محض التحكم، وأما التمسك بالنص فضعيف لأنه إنما يقدم على هذا الفعل متى علم أنه لو أقدم عليه لما منعه الله تعالى عنه، وهذه الحالة لم تحصل إلا في حق أيوب عليه السلام على ما دلت الحكاية عليه من أنه استأذن الله تعالى فأذن له فيه، ومتى كان كذلك لم يبق بين ذلك النص وبين هذه الحكاية مناقضة. وثانيها: قالوا: ما روي أنه عليه السلام لم يسأل إلا عند أمور مخصوصة فبعيد، لأن الثابت في العقل أنه يحسن من المرء أن يسأل في ذلك ربه ويفزع إليه كما يحسن منه المداواة، وإذا جاز أن يسأل ربه عند الغم مما يراه من إخوانه وأهله جاز أيضاً أن يسأل ربه من قبل نفسه، فإن قيل: أفلا يجوز أنه تعالى تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا في آخر أمره، قلنا: يجوز ذلك بأن يعلمه بأن إنزال ذلك به مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لا محالة، فعلم عليه السلام أنه لا وجه للمسألة في هذا الأمر الخاص، فإذا قرب الوقت جاز أن يسأل ذلك، من حيث يجوز أن يدوم ويجوز أن ينقطع. وثالثها: قالوا: انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير عنه غير جائز، لأن الأمراض المنفرة من القبول غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام فهذا جملة ما قيل في هذه الحكاية. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» قوله تعالى: {أَنّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ } أي ناداه بأني مسني الضر، وقرىء إني بالكسر على إضمار القول أو لتضمين النداء معناه، والضر بالفتح الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال. المسألة الرابعة: أنه عليه السلام ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب، فإن قيل: أليس أن الشكوى تقدح في كونه صابراً. والجواب: قال سفيان بن عيينة رحمه الله من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله تعالى إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء، ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام: {أية : إِنَّمَا أَشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [يوسف: 86] أما قوله: {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ } فالدليل على أنه سبحانه: {أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ } أمور. أحدها: أن كل من رحم غيره فأما أن يرحمه طلباً للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو دفعاً للرقة الجنسية عن الطبع، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم منفعة نفسه، أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه، ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات الكمال، فكان سبحانه أرحم الراحمين. وثانيها: أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى لأن من أعطى غيره طعاماً أو ثوباً أو دفع عنه بلاء، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء، ثم بعد وصول تلك العطية إليه، فلولا أنه سبحانه جعله سبباً للراحة لما حصل النفع بذلك، فإذاً رحمة العباد مسبوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة في البحر، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين. وثالثها: أن الله تعالى لو لم يخلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه، فكان الراحم هو الحق سبحانه، من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك الداعية، فثبت أنه أرحم الراحمين فإن قيل كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه سبحانه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام وسلط البعض على البعض بالذبح والكسر والإيذاء، وكان قادراً على أن يغني كل واحد عن إيلام الآخر وإيذائه؟ والجواب: أن كونه سبحانه ضاراً لا ينافي كونه نافعاً، بل هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة وإنفاعه ليس لجلب منفعة، بل لا يسأل عما يفعل. أما قوله تعالى: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } فإنه يدل على أنه دعا ربه، لكن هذا الدعاء قد يجوز أن يكون واقعاً منه على سبيل التعريض، كما يقال إن رأيت أو أردت أو أحببت فافعل كذا. ويجوز أن يكون على سبيل التصريح وإن كان الأليق بالأدب وبدلالة الآية هو الأول، ثم إنه سبحانه بين أن كشف ما به من ضر وذلك يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله، وبين الله تعالى أنه آتاه أهله ويدخل فيه من ينسب إليه من زوجة وولد وغيرهما ثم فيه قولان: أحدهما: وهو قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والكلبي وكعب رضي الله عنهم أن الله تعالى أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم. والثاني: روى الليث رضي الله عنه، قال: أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال: قيل له إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا. فقال: يكونون لي في الآخرة وأوتي مثلهم في الدنيا. والقول الأول أولى لأن قوله: {وآتيناه أهله} يدل بظاهره على أنه تعالى أعادهم في الدنيا وأعطاه معهم مثلهم أيضاً. وأما قوله تعالى: {وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ } ففيه دلالة على أنه تعالى فعل ذلك لكي يتفكر فيه فيكون داعية للعابدين في الصبر والإحتساب، وإنما خص العابدين بالذكر[ى] لأنهم يختصون بالانتفاع بذلك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} أي واذكر أيوب إذ نادى ربه. {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} أي نالني في بدني ضرّ وفي مالي وأهلي. قال ابن عباس: سمي أيوب لأنه آب إلى الله تعالى في كل حال. وروي أن أيوب عليه السلام كان رجلاً من الروم ذا مال عظيم، وكان براً تقياً رحيماً بالمساكين، يكفل الأيتام والأرامل، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، شاكراً لأنعم الله تعالى، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم فخاطبوه في أمر، فجعل أيوب يلين له في القول من أجل زرع كان له فامتحنه الله بذهاب ماله وأهله، وبالضر في جسمه حتى تناثر لحمه وتدوّد جسمه، حتى أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية، وكانت امرأته تخدمه. قال الحسن: مكث بذلك تسع سنين وستة أشهر. فلما أراد الله أن يفرّج عنه قال الله تعالى له: {أية : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} تفسير : [صۤ: 42] فيه شفاؤك، وقد وهبت لك أهلك ومالك وولدك ومثلهم معهم. وسيأتي في «ص» ما للمفسرين في قصة أيوب من تسليط الشيطان عليه، والرد عليهم إن شاء الله تعالى. واختلف في قول أيوب: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} على خمسة عشر قولاً: الأوّل: أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} إخباراً عن حاله، لا شكوى لبلائه؛ رواه أنس مرفوعاً. الثاني: أنه إقرار بالعجز فلم يكن منافياً للصبر. الثالث: أنه سبحانه أجراه على لسانه ليكون حجة لأهل البلاء بعده في الإفصاح بما ينزل بهم. الرابع: أنه أجراه على لسانه إلزاماً له في صفة الآدمي في الضعف عن تحمل البلاء. الخامس: أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوماً فخاف هجران ربه فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. وهذا قول جعفر بن محمد. السادس: أن تلامذته الذين كانوا يكتبون عنه لما أفضت حاله إلى ما انتهت إليه محوا ما كتبوا عنه، وقالوا: ما لهذا عند الله قدر؛ فاشتكى الضر في ذهاب الوحي والدين من أيدي الناس. وهذا مما لم يصح سنده. والله أعلم؛ قاله ابن العربي. السابع: أن دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها فعقرته فصاح {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} فقيل: أعلينا تتصبر. قال ابن العربي: وهذا بعيد جداً مع أنه يفتقر إلى نقل صحيح، ولا سبيل إلى وجوده. الثامن: أن الدود كان يتناول بدنه فصبر حتى تناولت دودة قلبه وأخرى لسانه، فقال: «مسَّنِي الضُّرُّ» لاشتغاله عن ذكر الله. قال ابن العربي: وما أحسن هذا لو كان له سند ولم تكن دعوى عريضة. التاسع: أنه أبهم عليه جهة أخذ البلاء له هل هو تأديب، أو تعذيب، أو تخصيص، أو تمحيص، أو ذُخر أو طهر، فقال: «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» أي ضرّ الإشكال في جهة أخذ البلاء. قال ابن العربي: وهذا غلوّ لا يحتاج إليه. العاشر: أنه قيل له سل الله العافية فقال: أقمت في النعيم سبعين سنة وأقيم في البلاء سبع سنين وحينئذٍ أسأله فقال: «مَسَّنِيَ الضُّرُّ». قال ابن العربي: وهذا ممكن ولكنه لم يصح في إقامته مدّةٌ خبرٌ ولا في هذه القصة. الحادي عشر: أن ضره قول إبليس لزوجه اسجدي لي فخاف ذهاب الإيمان عنها فتهلك ويبقى بغير كافل. الثاني عشر: لما ظهر به البلاء قال قومه: قد أضر بنا كونه معنا وقذره فليخرج عنا، فأخرجته امرأته إلى ظاهر البلد؛ فكانوا إذا خرجوا رأوه وتطيروا به وتشاءموا برؤيته، فقالوا: ليبعد بحيث لا نراه. فخرج إلى بعدٍ من القرية، فكانت امرأته تقوم عليه وتحمل قوته إليه. فقالوا: إنها تتناوله وتخالطنا فيعود بسببه ضره إلينا. فأرادوا قطعها عنه؛ فقال: «مَسَّنِيَ الضُّرُّ». الثالث عشر: قال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما من بعيد لا يقدران أن يدنوا منه من نتن ريحه، فقال أحدهما: لو علم الله في أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا البلاء؛ فلم يسمع شيئاً أشد عليه من هذه الكلمة؛ فعند ذلك قال: «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» ثم قال: «اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعان قط وأنا أعلم مكان جائع فصدقني» فنادى مناد من السماء «أن صدق عبدي» وهما يسمعان فخرّا ساجدين. الرابع عشر: أن معنى «مَسَّنِي الضُّرُّ» من شماتة الأعداء؛ ولهذا قيل له: ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال شماتة الأعداء. قال ابن العربي: وهذا ممكن فإن الكليم قد سأله أخوه العافية من ذلك فقال: {أية : إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ} تفسير : [الأعراف: 150]. الخامس عشر: أن امرأته كانت ذات ذوائب فعرفت حين منعت أن تتصرف لأحد بسببه ما تعود به عليه، فقطعت ذوائبها واشترت بها ممن يصلها قوتاً وجاءت به إليه، وكان يستعين بذوائبها في تصرفه وتنقله، فلما عدمها وأراد الحركة في تنقله لم يقدر قال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. وقيل: إنها لما اشترت القوت بذوائبها جاءه إبليس (لعنه الله) في صفة رجل وقال له: إن أهلك بغت فأخذت وحلق شعرها. فحلف أيوب أن يجلدها؛ فكانت المحنة على قلب المرأة أشد من المحنة على قلب أيوب. قلت: وقول سادس عشر: ذكره ابن المبارك: أخبرنا يونس بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوماً أيوب النبي صلى الله عليه وسلم وما أصابه من البلاء؛ الحديث. وفيه أن بعض إخوانه ممن صابره ولازمه قال: يا نبي الله لقد أعجبني أمرك وذكرته إلى أخيك وصاحبك، أنه قد ابتلاك بذهاب الأهل والمال وفي جسدك، منذ ثمانية عشرة سنة حتى بلغتَ ما ترى؛ ألا يرحمك فيكشف عنك! لقد أذنبت ذنباً ما أظن أحداً بلغه! فقال أيوب عليه السلام: «ما أدري ما يقولان غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان وكل يحلف بالله ـ أو على النفر يتزاعمون ـ فأنقلب إلى أهلي فأكفر عن أيمانهم إرادة ألا يأثم أحد ذَكَره ولا يذكره أحد إلا بالحق» فنادى ربه {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} وإنما كان دعاؤه عَرْضاً عرضه على الله تبارك وتعالى يخبره بالذي بلغه، صابراً لما يكون من الله تبارك وتعالى فيه. وذكر الحديث. وقول سابع عشر: سمعته ولم أقف عليه أن دودة سقطت من جسده فطلبها ليردّها إلى موضعها فلم يجدها فقال: «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» لما فقد من أجر ألم تلك الدودة، وكان أراد أن يبقى له الأجر موفراً إلى وقت العافية، وهذا حسن إلا أنه يحتاج إلى سند. قال العلماء: ولم يكن قوله «مَسَّنِيَ الضُّرُّ» جزعا؛ لأن الله تعالى قال: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} تفسير : [صۤ: 44] بل كان ذلك دعاء منه، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول؛ حضرت مجلساً غاصاً بالفقهاء والأدباء في دار السلطان، فسئلت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى؛ {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} تفسير : [صۤ: 44] فقلت: ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء؛ بيانه {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: عرّفه فاقة السؤال ليمنّ عليه بكرم النّوال. قوله تعالى: {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} قال مجاهد وعكرمة قيل لأيوب صلى الله عليه وسلم: قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت تركناهم لك في الجنة وإن شئت آتيناكهم في الدنيا. قال مجاهد: فتركهم الله عز وجل له في الجنة وأعطاه مثلهم في الدنيا. قال النحاس: والإسناد عنهما بذلك صحيح. قلت: وحكاه المهدوي عن ابن عباس. وقال الضحاك: قال عبد الله بن مسعود كان أهل أيوب قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله عز وجل في أقل من طرف البصر، وآتاه مثلهم معهم. وعن ابن عباس أيضاً: كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له مثلهم معهم. وقاله قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم. قال ابن مسعود: مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له، وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات. قال الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية. قلت: لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في سورة «البقرة» في قصة {أية : ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [البقرة: 243]. وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أُحيوا؛ وذلك أنهم ماتوا قبل آجالهم، وكذلك هنا والله أعلم. وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ} في الآخرة {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} في الدنيا. وفي الخبر: إن الله بعث إليه جبريل عليه السلام حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت عين ماء حار، وأخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان، وغَاص في الماء غوصة فنبت لحمه وعاد إلى منزله، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم، ونشأت سحابة على قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثة أيام بلياليها جراداً من ذهب. فقال له جبريل: أشبعت؟ فقال: ومن يشبع من فضل الله! فأوحى الله إليه: قد أثنيت عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده، ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك صبراً ما صبرت. {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا. وقيل: ابتليناه ليعظم ثوابه غداً. {وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} أي وتذكيراً للعباد؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له وهو أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب، فيكون هذا تنبيهاً لهم على إدامة العبادة، واحتمال الضرر. واختلف في مدة إقامته في البلاء؛ فقال ابن عباس: كانت مدّة البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال. وهب: ثلاثين سنة. الحسن: سبع سنين وستة أشهر. قلت: وأصح من هذا والله أعلم ثماني عشرة سنة؛ رواه ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره ابن المبارك وقد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ } بأني مسني الضر، وقرىء بالكسر على إضمار القول أو تضمين النداء معناه و {ٱلضُّرُّ } بالفتح شائع في كل ضرر، وبالضم خاص بما في النفس كمرض وهزال. {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ } وصف ربه بغاية الرحمة بعدما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لطفاً في السؤال، وكان رومياً من ولد عيص بن إسحاق استنبأه الله وكثر أهله وماله فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله، والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعاً وسبعة أشهر وسبع ساعات. روي أن امرأته ماخير بنت ميشا بن يوسف، أو رحمة بنت إفراثيم بن يوسف قالت له يوماً: لو دعوت الله فقال: كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال: أستحيـي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى عن أيوب عليه السلام، ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده، يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله عز وجل، حتى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد، ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه سوى زوجته كانت تقوم بأمره، ويقال: إنها احتاجت، فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة، زيد في بلائه» تفسير : وقد كان نبي الله أيوب عليه السلام غاية في الصبر. وبه يضرب المثل في ذلك. وقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب عليه السلام بذهاب الأهل والمال والولد، ولم يبق شيء له، أحسن الذكر، ثم قال: أحمدك رب الأرباب، الذي أحسنت إليّ، أعطيتني المال والولد، فلم يبق من قلبي شعبة إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرغت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء، ولو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت، حسدني. قال: فلقي إبليس من ذلك منكراً. قال: وقال أيوب عليه السلام: يا رب إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك، وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها، وأقول لنفسي: يا نفس إنك لم تخلقي لوطء الفراش، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك. رواه ابن أبي حاتم. وقد روي عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة، ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول، وقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن وقتادة: ابتلي أيوب عليه السلام سبع سنين وأشهراً، ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. وقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص. وقال السدي: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه، وتأتيه بالرماد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب لو دعوت ربك يفرج عنك، فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحاً، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة، فجزعت من ذلك، فخرجت، فكانت تعمل للناس بالأجر، وتأتيه بما تصيب فتطعمه، وإن إبليس انطلق إلى رجلين من أهل فلسطين، كانا صديقين له وأخوين، فأتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه، واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن شرب منه برىء، فأتياه، فلما نظرا إليه، بكيا، فقال: من أنتما؟ فقالا: نحن فلان وفلان، فرحب بهما، وقال: مرحباً بمن لا يجفوني عند البلاء، فقالا: يا أيوب لعلك كنت تسر شيئاً وتظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء فقال: هو يعلم، ما أسررت شيئاً أظهرت غيره، ولكن ربي ابتلاني لينظر أصبر أم أجزع؟ فقالا له: يا أيوب اشرب من خمرنا، فإنك إن شربت منه، برأت. قال: فغضب، وقال: جاءكما الخبيث، فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما علي حرام، فقاما من عنده، وخرجت امرأته تعمل للناس، فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم قرصاً، وكان ابنهم نائماً، فكرهوا أن يوقظوه، فوهبوه لها، فأتت به إلى أيوب، فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر، قال: فلعل الصبي قد استيقظ، فطلب القرص فلم يجده، فهو يبكي على أهله، فانطلقي به إليه، فأقبلت حتى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطاء، فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ، وهو يطلب القرص ويبكي على أهله، لا يقبل منهم شيئاً غيره، فقالت: رحمه الله، يعني: أيوب، فدفعت إليه القرص ورجعت، ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك قد طال سقمه، فإن أرادأن يبرأ فليأخذ ذباباً فليذبحه باسم صنم بني فلان، فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك، فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث، لله عليّ إن برأت أن أجلدك مائة جلدة، فخرجت تسعى عليه، فحظر عنها الرزق، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها، فلما اشتد عليها ذلك، وخافت على أيوب الجوع، حلقت من شعرها قرناً فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعاماً طيباً كثيراً، فأتت به إلى أيوب، فلما رآه أنكره وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني، فأكل منه، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد، فحلقت أيضاً قرناً فباعته من تلك الجارية، فأعطوها أيضاً من ذلك الطعام، فأتت به أيوب فقال: والله لا أطعمه حتى أعلم من أين هو، فوضعت خمارها، فلما رأى رأسها محلوقاً، جزع جزعاً شديداً، فعند ذلك دعا الله عز وجل، فقال: {أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي: أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له: مبسوط، قال: وكانت امرأة أيوب تقول: ادع الله فيشفيك، فجعل لا يدعو حتى مر به نفر من بني إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه، ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: {أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}. وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب عليه السلام أخوان، فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيراً، ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء قط، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان، وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني، فصدق من السماء، وهما يسمعان، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عار، فصدقني، فصدق من السماء، وهما يسمعان، ثم قال: اللهم بعزتك، ثم خر ساجداً، فقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبداً حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف عنه. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعاً بنحو هذا، فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إليه، لم يصبر الرجل حتى ذكر له، فقال أيوب عليه السلام: ما أدري ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي، فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم، أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه: أن «اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب» تفسير : رفع هذا الحديث غريب جداً. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: وألبسه الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله أين ذهب هذا المبتلى الذي كان ههنا، لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب، فجعلت تكلمه ساعة. فقال: ويحك أنا أيوب. قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي، وبه قال ابن عباس: ورد عليه ماله وولده عياناً ومثلهم معهم. وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى أيوب: قد رددت عليك أهلك ومالك، ومثلهم معهم. فاغتسل بهذا الماء؛ فإن فيه شفاءك، وقرب عن صحابتك قرباناً، واستغفر لهم؛ فإنهم قد عصوني فيك. رواه ابن أبي حاتم. وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما عافى الله أيوب، أمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذ منه بيده ويجعله في ثوبه، قال: فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: يا رب ومن يشبع من رحمتك؟» تفسير : أصله في "الصحيحين"، وسيأتي في موضع آخر. وقوله: {وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} قد تقدم عن ابن عباس أنه قال: ردوا عليه بأعيانهم، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس أيضاً، وروي مثله عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن وقتادة، وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية، فقد أبعد النجعة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب، وصح ذلك عنهم، فهو مما لا يصدق ولا يكذب، وقد سماها ابن عساكر في تاريخه رحمه الله تعالى: قال: ويقال اسمها ليا بنت مِنَشّا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ويقال: ليا بنت يعقوب عليه السلام زوجة أيوب كانت معه بأرض البَثَنيَّة، وقال مجاهد: قيل له: يا أيوب إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة، وعوضناك مثلهم، قال: لا، بل اتركهم لي في الجنة، فتركوا له في الجنة، وعوض مثلهم في الدنيا. وقال حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني عن نوف البكالي قال: أوتي أجرهم في الآخرة، وأعطي مثلهم في الدنيا. قال: فحدثت به مطرفاً، فقال: ما عرفت وجهها قبل اليوم، وكذا روي عن قتادة والسدي وغير واحد من السلف، والله أعلم. وقوله: {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي: فعلنا به ذلك رحمة من الله به {وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ} أي: وجعلناه في ذلك قدوة؛ لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر { أَيُّوبَ } ويبدل منه {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ } لما ابتلي بفقد جميع ماله وولده وتمزيق جسده وهجر جميع الناس له إلا زوجته سنين ثلاثاً أو سبعاً أو ثماني عشرة وضيق عيشه {أَنِّى } بفتح الهمزة بتقدير الباء {مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ } أي الشدّة {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي} الآية. حكى الحسن البصري: أن أيوب آتاه الله مالاً وولداً فهلك ماله، ومات أولاده، فقال: ربِّ قد أَحْسَنْتَ إِليَّ الإِحسانَ كُلَّه، كنتُ قبل اليوم شَغَلَنِي حُبُّ المالِ بالنهارِ، وشَغَلَنِي حُبُّ الولدِ بالليلِ، فالآن أُفَرِغُ لك سمعي وبصري وليلي ونهاري بالحمد والذكر فلم ينفذ لإِبليس فيه مكر، ولا قدر له على فتنة، فَبُلِي في بَدَنِهِ حتى قرح وسعى فيه الدود، واشتد به البلاء حتى طرح على مزبلة بني إسرائيل، ولم يبق أحد يدنو منه غير زوجته صبرت معه، تتصدق وتطعمه، وقد كان آمن به ثلاثة من قومه، رفضوا عند بلائه، وأيوب يزداد حمداً لله وذكراً، وإبليس يجتهد في افتتانه فلا يصل إليه حتى شاور أصحابه، فقالوا: أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته، فقالوا شأنك أيوب من قبل امرأته قال: أصبتم فأتاها فذكر لها ضر أيوب بعد جماله وماله وولده، فصرخت، فطمع عدو الله فيها، فأتاها بسخلة، فقال ليذبح أيوب هذه السخلة لي ويبرأ، فجاءت إلى أيوب فصرخت وقالت يا أيوب حتى متى يعذبك ربك ولا يرحمك؟ أين المال؟ أين الولد؟ أين لونك الحسن؟ قد بلى، وقد تردد الدواب، اذبح هذه السخلة واسترح. قال لها أيوب أتاك عدو الله فنفخ فيك فوجد فيك رفقاً فأجبتيه؟ أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد والشباب والصحة من أعطانيه؟ فقالت الله، قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: منذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟ فقالت: منذ سبع سنين وأشهر قال: ويلك والله ما أنصفت ربك، ألا صبرت حتى نكون في هذا البلاء ثمانين سنة والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، ثم طردها وقال: ما تأتيني به عليَّ حرام إن أكلته،فيئس إبليس من فتنته. ثم بقي أيوب وحيداً فخر ساجداً وقال: ربِّ، {مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأنتَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وفيه خمسة أوجه: أحدها: أن الضر المرض، قاله قتادة. الثاني: أنه البلاء الذي في جسده، قاله السدّي، حتى قيل إن الدودة كانت تقع من جسده فيردها في مكانها ويقول: كلي مما رزقك الله. الثالث: أنه الشيطان كما قال في موضع آخر {أية : أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بنُصُبٍ وَعَذَابٍ} تفسير : [ص: 41] قاله الحسن. الرابع: أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض، فقال: مسني الضر، إخباراً عن حاله، لا شكوى لبلائه، رواه أنس مرفوعاً. الخامس: أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوماً فخاف هجران ربه، فقال: مسني الضر، وهذا قول جعفر الصادق رحمه الله. وفي مخرج قوله: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} أربعة أوجه: أحدها: أنه خارج مخرج الاستفهام، وتقديره أيمسني الضر وأنت أرحم الراحمين. الثاني: أنت أرحم بي أن يمسني الضر. الثالث: أنه قال [ذلك] استقالة من ذنبه ورغبة إلى ربه. الرابع: أنه شكا ضعفه وضره استعطافاً لرحمته، فكشف بلاءه فقيل له: {أية : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ} تفسير : [ص: 42] فركض برجله فنبعت عين، فاغتسل منها وشرب فذهب باطن دائه وعاد إليه شبابه وجماله، وقام صحيحاً، وضاعف الله له ما كان من أهل ومال وولده. ثم إن امرأته قالت: إن طردني فإلى من أكلِه؟ فَرَجَعَتْ فلم تَرَهُ، فجعلت تطوف وتبكي، وأيوب يراها وتراه فلا تعرفه فلما سألته عنه وكلمته فعرفته، ثم إن الله رحمها لصبرها معه على البلاء، فأمره أن يضربها بضِغث ليبّر في يمينه، قاله ابن عباس. وكانت امرأته ماخيرا بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ}. قال ابن مسعود: رد الله إليه أهله الذين أهلكهم بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم. قال الفراء كان لأيوب سبع بنين وسبع بنات فماتواْ في بلائه، فلما كشف الله ضره رَدّ عليه بنيه وبناته وولد له بعد ذلك مثلهم، قال الحسن: وكانوا ماتوا قبل آجالهم فأحياهم الله فوفاهم آجالهم، وأن الله أبقاه حتى أعطاهم من نسلهم مثلهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَيُّوبَ} كان ذا مال وولده فهلك ماله، ومات أولاده، ثم بُلي في بدنه فقرح وسعى فيه الدود واشتد بلاؤه فطرح على مزبلة بني إسرائيل ولم يبقَ أحدٌ يدنو منه إلا امرأته. {الضُّرُّ} المرض، أو البلاء الذي بجسده حتى كانت الدود تسقط منه فيردها ويقول كُلي مما رزقك الله، أو الشيطان لقوله {أية : مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ}تفسير : [ص: 41]، أو وثب ليصلي فلم يقدر فقال: {مَسَّنِىَ الضُّرُّ} إخباراً عن حاله لا شكوى لبلائه، أو انقطع عنه الوحي أربعين يوماً فخاف هجران ربه فقال: {مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ} تقديره أيمسني الضر وأنت أرحم الراحمين، أو أنت أرحم بي أن يمسني الضر، أو قاله استقالة من ذنبه ورغباً إلى ربه، أو شكا ضره استعطافاً لرحمته وكشف بلائه.
النسفي
تفسير : {وَأَيُّوبَ } أي واذكر أيوب {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى } أي دعا بأني {مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ } الضر بالفتح الضرر في كل شيء وبالضم الضرر في النفس من مرض أو هزال {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ } ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب فكأنه قال: أنت أهل أن ترحم وأيوب أهل أن يرحم فارحمه واكشف عنه الضر الذي مسه. عن أنس رضي الله عنه: أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى الصلاة ولم يشتك وكيف يشكو من قيل له {أية : إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً نّعْمَ ٱلْعَبْدُ } تفسير : [ص:44 ] وقيل: إنما شكا إليه تلذذاً بالنجوى لا منه تضرراً بالشكوى، والشكاية إليه غاية القرب كما أن الشكاية منه غاية البعد {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } أجبنا دعاءه {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ } فكشفنا ضره إنعاماً عليه {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} روي أن أيوب عليه السلام كان رومياً من ولد إسحاق بن إبراهيم عليه السلام وله سبعة بنين وسبع بنات وثلاثة آلاف بعير وسبعة الاف شاة وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ونخيل، فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده وماله وبمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو ثلاث سنين، وقالت له امرأته يوماً: لو دعوت الله عز وجل. فقال: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة. فقال: أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. فلما كشف الله عنه أحيا ولده بأعيانهم ورزقه مثلهم معهم {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا } هو مفعول له {وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ } يعني رحمة لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كصبره فيثابوا كثوابه. {وَإِسْمَـٰعِيلَ } بن إبراهيم {وَإِدْرِيسَ } بن شيت بن آدم {وَذَا ٱلْكِفْلِ } أي اذكرهم وهو الياس أو زكريا أو يوشع بن نون، وسمي به لأنه ذو الحظ من الله والكفل الحظ {كُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } أي هؤلاء المذكورون كلهم موصوفون بالصبر.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} الآية. قوله: "وَأَيُّوبَ" كقوله: "وَنُوحاً" [الأنبياء:76]وما بعده. وقرأ العامة "أَنِّي" بالفتح لتسلط النداء عليها بإضمار حرف الجر بأني. وعيسى بن عمر بالكسر فمذهب البصريين إضمار القول أي: نادى فقال: إني ومذهب الكوفيين أجرى النداء مجرى القول. والضُّرّ بالضم المرض في البدن وبالفتح الضرر في كل شيء فهو أعم من الأول. فصل قال وهب بن منبه: كان أيوب - عليه السلام - رجلاً من الروم، وهو أيوب بن أنوص بن زارح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البَثَنِيَّة من أرض الشام كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمر والبساتين ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدة والكثرة والأهل والولد من الرجال والنساء، وكان رحيماً بالمساكين يكفل الأيتام والأرامل ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل. وكان معه ثلاثة نفر قد ءَامنوا به، وعرفوا فضله؛ قال: كان أحدهم من أهل اليمن يقال له: اليقن، ورجلان من أهل بلدة يقال لأحدهما: يلدد، والآخر ضافر، وكانوا كهؤلاء. وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى رفع الله عيسى، فحجب من أربع، فما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - حجب من الثلاث الباقية، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه فأدركه البغي والحسد، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه، فقال: إلهي نظرت في عبدك أيوب فوجدته عبداً أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك ولخرج من طاعتك. فقال الله - تعالى -: انطلق فقد سلطتك على ماله فانقض عدو إبليس حتى وقع إلى الأرض، ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين، وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب؟ فقال عفريت من الشياطين: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار فأحرق كل شيء، فقال له إبليس: فأت الإبل ورعاتها فذهب فأتى الإبل حين وضعت رؤوسها وانبثت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصاراً من نار لا يدنو منه أحد إلا احترق، فأحرق الإبل ورعاتها حتى أتى على آخرها. ثم جاء إبليس في زي بعض الرعاة إلى أيوب، فوجده قائماً يصلي، فقال: يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري فقال أيوب: الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها، وقديماً وطّنْتُ نفسي ومالي على الفناء، فبقي الناس مبهوتين متعجبين، فمن قائل يقول: ما كان أيوب يعبد شيئاً، وما كان إلا في غرور. ومنهم مَنْ يقول: لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئاً لمنع وليه. ومنهم مَنْ يقول: هو الذي فعل ما فعل ليشمت به عدوه، ويفجع به صديقه فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً أعود في التراب، وعرياناً أحشر إلى الله، ولو علم الله فيك خيراً أيها العبد لنقل روحك مع تلك الأرواح، وصرت شهيداً ولكنه علم منك شراً فأخرك. فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً ذليلاً، فقال لهم: ماذا عندكم من القوة، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت روحه. فقال له إبليس: فأت الغنم ورعاتها، فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاتها، ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه أيوب الرد الأول. فرجع إبليس صاغراً إلى أصحابه، فقال لهم: ما عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب؟ فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفاً أقلع كل شيء أتيت عليه. فقال: اذهب إلى الحرث والفدادين، فأتاهم، فأهلكهم. ثم أتى إبليس متمثلاً إلى أيوب، فقال مثل قوله: فرد عليه أيوب الرد الأول. وكلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه ورضي عنه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر على البلاء حتى لم يبق له مال. فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف الذي كان يقفه عند الله. فقال: إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بولده، فأنت معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها المعصية التي لا تقوم لها قلوب الرجال؟ قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ولده. فأتى أولاد أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم. ثم جاء أيوب متمثلاً بالمعلم الذي يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه والرأس يسيل دمه ودماغه، فقال: لو رأيت بنيك حتى رَقَّ ايوب - عليه السلام - وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه، وقال: ليت أمي لم تلدني، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعاً، ووقف موقفه. ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته، فسبقت توبته إلى الله - تعالى - وهو أعلم. فوقف إبليس ذليلاً فقال: يا إلهي إنما هوّن على أيوب المال والولد لعلمه أنه يرى أنك متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده؟ فقال الله - عزَّ وجلَّ - انطلق فقد سلطتك على جسده، وليس لك على قلبه وعقله ولسانه سلطان، وكان الله - عزَّ وجلَّ - أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين، وكل بلاء نزل بهم ليتأسوا به في الصبر، ورجاء للثواب. فانْقَضّ عدو الله سريعاً، فوجد أيوب ساجداً، فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل فيها جسده فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكّة لا يملكها، فكان يحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة حتى تقطع لحمه وتغير وأنتن، فأخرجوه أهل القرية وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشاً، ورفضه الناس كلهم إلا امرأته رحمة بن افرايم بن يوسف، فكانت تصلح أموره ويختلف إليه مما يصلحه. ثم إنَّ وَهْباً طول الحكاية إلى أن قال: إنَّ أيوب - عليه السلام - أقبل على الله - تعالى - متضرعاً إليه فقال: رب لأي شيء خلقتني يا ليتني عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك عني ألم أكن للغريب داراً، وللمسكين قراراً، ولليتيم ولياً، وللمرأة قيماً، إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فَالمَنُّ لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي جعلتني للبلاء غرضاً، وللفتنة نصباً، وسلطت عليّ ما لو سلطته على جبل لضعف عن حمله، إلهي تقطعت أصابعي، وتساقطت لهواتي، وتناثر شعري، وذهب المال فصرت أسأل اللقمة فيطعمني من يمن بها علي، ويعيرني بفقري وهلاك أولادي. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري - رحمه الله -: وفي جملة هذا الكلام ليتك إذا كرهتني لم تخلقني، ثم قال: ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنم إبليس بأن يحمله على الشكوى، وأن يخرجه عن حلية الصابرين، والله لم يخبر عنه إلا قوله {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وقال: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} تفسير : [ص: 44]. واختلف العلماء في السبب الذي قاله لأجله {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} حديث : فروى ابن شهاب عن أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن أيوب - عليه السلام - بقي في البلاء ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلاَّ رجلين كانا يغدوان ويروحان، فقال أحدهما للآخر ذات يوم: والله إن أيوب أذنب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين. فقال صاحبه: وما ذاك. فقال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، ولم يكشف ما به. فلما راحا إلى أيوب لم يصبر حتى ذكر ذلك له. فقال أيوب: ما أدري ما يقولان غير أن الله - تعالى - يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق. وروي أنّ الرجلين لما دخلا عليه قالا: لو كان لأيوب عند الله منزلةً ما بلغ في هذه الحالة. فما شق على أيوب شيء مما بلي به أشد مما سمع منهما، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعاناً وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق. ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصي وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق. وهما يسمعان، ثم خرَّ أيوب ساجداً، ثم قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي قال: فكشف الله ما به" . تفسير : وروى الحسن قال: مكث أيوب بعد ما ألقي على الكناسة سبع سنين وأشهراً، ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته رحمة، صبرت معه، وكانت تأتيه بطعام. وتحمد الله مع أيوب والصبر على ما ابتلاه، فصرخ إبليس صرخة جزعاً من أيوب، فاجتمع جنوده من أقطار الأرض، وقالوا له: ما خبرك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فلم أدع له مالاً ولا ولداً، ولم يزدد بذلك إلا صبراً وحمداً، ثم سلطت على جسده فتركته ملقى في كناسة ما يقربه إلا امرأته، وهو مع ذلك لا يفتر عن الذكر والحمد، فاستغثت بكم لتعينوني، فأشيروا علي. قالوا: أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته. قالوا: فشأنك من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها، لأنه لا يقربه أحد غيرها. قال: أصبتم. فانطلق حتى أتى امرأته، فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ فقالت: هو ذَا يَحُكُّ قُرُوحَهُ وتتردد الدواب في جسده. فلما سمعها طمع أن يكون ذلك جزعاً فوسوس إليها وذكرها ما كان لها من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه. قال الحسن: فصرخت، فلما صرخت علم أنها قد جزعت، فأتاها بسخلة فقال: ليذبح هذا أيوب لغير الله فيبرأ، قال: فجاءت تصرخ إلى أيوب تقول: حتى متى يعذبك ربك، ألا يرحمك، أين المال، أين الولد، أين الماشية، أين الصديق، أين الحسن، أين جسمك الذي قد بلي وصار مثل الرماد وتردد فيك الدواب، اذبح هذه السخلة واسترح؟ قال أيوب - عليه السلام -: أتاك عدو الله ونفخ فيك فأجبتيه، أما تذكرين ما كنا فيه من المال والولد والصحة، من أعطانا ذلك؟ قالت: الله. قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة. قال: فمنذ كم ابتلانا بهذا البلاء؟ قالت سبع سنين قال: ما أنصفت ربك ألاَّ صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتيني أن أذبح لغير الله، وحرام عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به، فطردها، فذهبت، فلما نظر أيوب في شأنه، وليس عنده طعام، ولا شراب، ولا صديق، وقد ذهبت امرأته، خَرَّ ساجداً، وقال: {رَبِّ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} فقال: ارفع رأسك فقد استجبت لك {أية : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ} تفسير : [ص: 42] فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت، ثم ضرب برجله مرة أخرى، فنبعت عين أخرى، فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلاَّ خرج، وقام صحيحاً، وعاد إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن ما كان، ثم كسي حلة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والمال إلا وقد ضاعفه الله، حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب، فجعل يضمه بيده، فأوحى الله إليه: يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى، ولكن من يشبع من نعمك، قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعاً وتأكله السباع، لأرجعن إليه فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة، ولا تلك الحال، وإذا الأمور قد تغيرت، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه، وتسأل عنه، فأرسل إليها أيوب، ودعاها، فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت، وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة. قال لها أيوب: ما كان منك، فبكت، وقالت: بعلي، قال أتعرفينه إذا رأيتيه، قالت: وهل يخفى علي فتبسم وقال: أنا هو. فعرفته بضحكه فاعتنقته، ثم قال: إنك أمرتيني أن أذبح لإبليس سخلة، وإني أطعت الله، وعصيت إبليس، ودعوت الله، فرد عليَّ ما ترين. وروى الضحاك ومقاتل: أنّ أيوب بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وقال وهب: بقي في البلاء ثلاث سنين، فلما غلب أيوب - عليه السلام - إبليس ذهب إبليس - لعنه الله - إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والحسن والجمال، وعلى مركب ليس من مراكب الناس، فقال لها: أنت صاحبة أيوب، قالت: نعم. قال: فهل تعرفيني؟ قالت: لا. قال: فأنا إله الأرض، صنعت بأيوب ما صنعت، وذلك لأنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما من مال وولد فإن ذلك عندي. قال وهب: وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله لعوفي مما في البلاء، وفي رواية أخرى قال لها: لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة لرجعت المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها. فقال لها أيوب - عليه السلام - أتاك عدو الله ليفتنك، ثم أقسم إن عافاه الله ليضربنها مائة سوط. فقال عند ذلك: "مَسَّنِيَ الضُّرُّ" يعني من طمع إبليس في سجودي له وسجود زوجتي له، ودعائه إيَّاها وإيَّايَ إلى الكفر. وفي رواية قال وهب: كانت امرأة أيوب تعمل للناس وتأتيه بقوته، فلما طال عليه البلاء، وسئمها الناس، فلم يستعملوها، فالتسمت ذات يوم شيئاً من الطعام، فلم تجد شيئاً، فجزت قرنها من رأسها فباعته برغيف، فأتته، فقال لها: أين قرنك؟ فأخبرته بذلك. فحينئذ قال: "مَسَّنِيَ الضُّرُّ". وفي رواية قال إسماعيل السّدّيّ: لم يقل أيوب "مَسَّنِيَ الضُّرُّ" إلا لأشياء ثلاثة: أحدها: قول الرجل له: لو كان عملك خالصاً لما أصابك ما أصابك. والثاني: كانت لامرأته ثلاث ذوائب فعمدت إلى إحداهن فقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً، وجاءت إلى أيوب، فقال: من أين هذا؟ قالت: كُلْ فإنَّهُ حلال. فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية، وكذلك فعلت في اليوم الثالث، وقالت: كُلْ فإنَّه حلال، فقال لا آكل ما لم تخبريني، فأخبرته، فبلغ ذلك من أيوب ما الله أعلم به. وقيل: إنما باعت، لأن إبليس تمثل لقومه في صورة بشر، وقال: لئن تركتم أيوب في قريتكم فإني أخاف أن يعدي إليكم ما به من العلة فأخرجوه إلى باب البلد، ثم قال لهم: إنَّ امرأته تدخل في بيوتكم وتعمل وتمس زوجها، فأقول: إنَّه يتعدى إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فباعت ضفيرتها. والثالث: حين قالت له امرأته ما قالت. وفي رواية: قيل: سقطت دودة من فخذه فردها إلى موضعها، وقال: قد جعلني الله طعمة لك، فعضته عضة شديدة. فقال: "مَسَّنِيَ الضُّرُّ". وأوحى الله إليه: لولا أني جعلت تحت كل شعرة صبراً لما صبرت. فصل طعنت المعتزلة في هذه القصة من وجوه: الأول: قال الجبائي: ذهب بعض الجهال إلى أن ما كان به من المرض كان فعلاً للشيطان سلطه عليه لقوله تعالى عنه {أية : مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} تفسير : [ص: 41]. وهذا جهل أما أولاً: فإنه لو قدر على إحداث الأمراض والأسقام وضدها من العافية لتهيأ له فعل الأجسام، ومن هذا حاله يكون إلهاً. وأما ثانياً: فلأن الله تعالى أخبر عنه وعن جنوده بأن قال: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22] فالواجب تصديق خبر الله - تعالى - دون الرجوع إلى وهب بن منبه. وهذا اعتراض ضعيف، لأن المذكور في الحكاية أنَّ الشيطان نفخ في منخره فوقعت الحكة فيه. فلم قلتم: إنَّ القادر على النفخة التي تولد منها هذه الحكة لا بدَّ وأن يكون قادراً على خلق الأجسام، وهذا إلا محض التحكم. وأما التمسك بالنصّ فضعيف، لأنه إنَّما يقدم على هذا الفعل مع علمه أنه لو أقدم عليه لما منعه الله تعالى. وهذه الحالة لم تحصل إلا في حق أيوب - عليه السلام - من أنه استأذن الله فأذن له، وإن كان كذلك لم يكن بين ذلك النص وبين هذه الحكاية مناقضة. وثانيها: قالوا: ما روي أنه - عليه السلام - لم يسأل إلا عند أمور مخصوصة. فبعيد، لأنّ الثابت في العقل أنه يحسن من المرء أن يسأل ذلك ربه ويفزع إليه كما يحسن منه المداواة، وإذا جاز أن يسأل ربه عند الغم بما يراه من أهله جاز أيضاً أن يسأل ربه من قبل نفسه. فإن قيل: أفلا يجوزون أنه تعالى تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا في آخر أمره. قلنا: يجوز ذلك بأن يعلمه أن إنزال ذلك بعد مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لا محالة، فعلم عليه السلام أنه لا وجه للمسألة في هذا الأمر الخاص، فإذا قرب الوقت جاز أن يسأل ذلك من حيث يجوز أن يدوم ويجوز أن ينقطع. وثالثها: قالوا: انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير غير جائز على الأنبياء. فصل اعلم أنه - عليه السلام - ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب. فإن قيل: أليس أن الشكوى تقدح في كونه صابراً. فالجواب: قال سفيان بن عيينة: ولو شكى إلى الله فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله إذ ليس من شرطه استحلاء البلاء، ألم تسمع قول يعقوب: {أية : إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [يوسف: 86]. قوله: {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} وذلك أنَّ كلَّ من يرحم غيره فإمَّا أن يرحمه طلباً للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو للرقة الجنسية في الطبع، فيكون مطلوب ذلك الراحم حظ نفسه، وأما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير طلب زيادة أو نقصان من الثناء، ومن صفات الكمال فهو أرحم الراحمين. وأيضاً فكل من رحم غيره فإنما ذلك بمعونة رحمة الله، لأن من أعطى غيره طعاماً أو ثوباً أو دفع عنه بلاء فلولا الله - سبحانه - خلق المطعوم والملبوس والأدوية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ولولا فضل الله لما حصل النفع النفع بذلك، فإذن رحمة العباد مسبوقة برحمة الله، وملحوقة برحمته، فما بين الطرفين كالقطرة في البحر، فوجب أن يكون أرحم الراحمين. وأيضاً فلولا أن الله - تعالى - خلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور تلك الرحمة عنه، فكان الراحم في الحقيقة هو الحق سبحانه لأنه هو الذي أنشأ تلك الداعية فكان تعالى أرحم الراحمين. فإن قيل: كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام، وسلط البعض على البعض بالإيذاء، وكان قادراً على أن يغني كل واحد عن إيلام الآخر وايذائه؟ فالجواب: أن كونه - سبحانه - ضاراً لا ينافي كونه راحماً بل هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة، ونفعه لي لجلب منفعة، بل لا يسأل عما يفعل. قوله: "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ" يدل على أنه دَعَا ربَّه لكن هذا الدعاء يجوز أن يكون وقع منه على سبيل التعريض، كما يقال: إن رأيت لو أردت أو أجبت فافعل كذا، ويجوز أن يكون على سبيل التصريح لإزالة ما به من ضر. وبيّن تعالى أنه آتاه أهله، ويدخل فيه من ينسب إليه من زوجة وولد وغيرهما قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والحسن والكلبي وكعب: إن الله تعالى أحيا له أهله، يعني أولاده بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم وهو ظاهر القرآن. قال الحسن: آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رده إليه وأهله، ويدل عليه ما روى الضحاك عن ابن عباس: أن الله رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكراً. قال وهب: كان له سبع بنات وثلاثة بنين. وقال ابن يسار: كان له سبعة بنين وسبع بنات. وروي عن أنس يرفعه: أنه كان له أندران أندر للقمح وأنذر للشعير، فبعث الله سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض. حديث : وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فجعل أيّوب يَحْثى في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيوب ألم أكن أَغْنَيْتُكَ عَمَّا ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى عن بركتك" تفسير : وروى الليث قال: أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال: قيل لأيوب إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا، فقال: يكونون لي في الآخرة وأوتي مثلهم في الدنيا فعلى هذا يكون معنى الآية "وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ" في الآخرة "وَمثلَهُمْ مَعَهُمْ" في الدنيا. وأراد بالأهل الأولاد. فأما الذين أهلكوا فإنَّهم لم يردوا عليه في الدنيا. قوله: "رَحْمَةً" فيها وجهان: أظهرهما: أنها مفعول من أجله. والثاني: أنها مصدر لفعل مقدر، أي: رحمناه رحمةً. و "مِنْ عِنْدِنَا" صِفَة لـ "رَحْمَةً". قوله: "وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ" أي: فعل به تلك الرحمة، وهي النعمة لكي يتفكروا فيه بالذكر، ويتعظون فيعتبرون. وخص العابدين، لأنهم المنتفعون بذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم من طريق سمرة عن كعب قال: كان أيوب بن أموص نبي الله الصابر طويلاً جعد الشعر واسع العينين حسن الخلق، وكان على جبينه مكتوب: المبتلى الصابر، وكان قصير العنق عريض الصدر غليظ الساقين والساعدين، كان يعطي الأرامل ويكسوهم جاهداً ناصحاً لله. وأخرج الحاكم عن وهب قال: أيوب بن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال: أول نبي بعث إدريس، ثم نوح ثم إبراهيم، ثم إسماعيل وإسحاق، ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود، ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهارون، ثم إلياس ثم اليسع ثم يونس ثم أيوب. وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: كان أيوب أعبد أهل زمانه وأكثرهم مالاً، فكان لا يشبع حتى يشبع الجائع، وكان لا يكتسي حتى يكسي العاري، وكان إبليس قد أعياه أمر أيوب لقوته فلا يقدر عليه، وكان عبداً معصوماً. وأخرج أحمد في الزهد وابن عساكر، عن وهب أنه سئل: ما كانت شريعة قوم أيوب؟ قال: التوحيد وإصلاح ذات البين. وإذا كانت لأحد منهم حاجة خر لله ساجداً ثم طلب حاجته. قيل: فما كان ماله؟ قال: كان له ثلاثة آلاف فدان، مع كل فدان عبد، مع كل عبد وليدة ومع كل وليدة أتان وأربعة عشرة ألف شاة، ولم يبت ليلة له إلا وضيف وراء بابه، ولم يأكل طعامه إلا ومعه مسكين. وأخرج البيهقي في الشعب عن سفيان الثوري قال: ما أصاب إبليس من أيوب في مرضه إلا الأنين. وأخرج ابن عساكر عن عقبة بن عامر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم. "حديث : قال الله لأيوب: تدري ما جرمك إليّ حتى ابتليتك؟ فقال: لا يا رب. قال: لأنك دخلت على فرعون فداهنت عنده في كلمتين ". تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنما كان ذنب أيوب، أنه استعان به مسكين على ظلم يدرؤه عنه فلم يعنه، ولم يأمر بمعروف وينه الظالم عن ظلم المسكين فابتلاه الله. وأخرج ابن عساكر عن الليث بن سعد قال: كان السبب الذي ابتلي فيه أيوب، أنه دخل أهل قريته على ملكهم - وهو جبار من الجبابرة - وذكر بعض ما كان ظلمه الناس، فكلموه فأبلغوا في كلامه ورفق أيوب في كلامه له مخافة منه لزرعه، فقال الله: "اتقيت عبداً من عبادي من أجل زرعك؟" فأنزل الله به ما أنزل من البلاء. وأخرج ابن عساكر عن أبي إدريس الخولاني، قال: أجدب الشام، فكتب فرعون إلى أيوب: أن هلم إلينا فإن لك عندنا سعة. فأقبل بخيله وماشيته وبنيه فأقطعهم، فدخل شعيب فقال فرعون: أما تخاف أن يغضب غضبة فيغضب لغضبه أهل السموات والأرض والجبال والبحار؟ فسكت أيوب، فلما خرجا من عنده أوحى الله إلى أيوب: أوسكت عن فرعون لذهابك إلى أرضه؟ استعد للبلاء. قال: فديني؟ قال: أسلمه لك. قال: لا أبالي. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن عساكر، عن يزيد بن ميسرة قال: لما ابتلى الله أيوب بذهاب المال والأهل والولد، فلم يبق له شيء، أحسن الذكر والحمد لله رب العالمين. ثم قال: أحمدك رب الذي أحسنت إليّ.... قد أعطيتني المال والولد لم يبق من قلبي شعبة إلا قد دخلها ذلك، فأخذت ذلك كله مني وفزعت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء لا يعلم عدوي إبليس الذي وصفت إلا حسدني، فلقي إبليس من ذها شيئاً منكراً. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن عبدالله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب أخوان فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء قط مثله، قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعاً، وأنا أعلم مكان جائع فصدقني. فصدّق من في السماء وهما يسمعان، ثم خر ساجداً وقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني. فما رفع رأسه حتى كشف الله عنه. وأخرح ابن عساكر عن الحسن قال: ضرب أيوب بالبلاء، ثم بالبلاء بعد البلاء بذهاب الأهل والمال، ثم ابتلي في بدنه، ثم ابتلي حتى قذف في بعض مزابل بني إسرائيل، فما يعلم أيوب دعا الله يوماً أن يكشف ما به ليس إلا صبراً وإحتساباً، حتى مر به رجلان فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله في هذا حاجة ما بلغ به هذا كله. فسمع أيوب فشق عليه فقال: رب {مسني الضر} ثم رد ذلك إلى ربه فقال: {وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال: {وآتيناه أهله} في الدنيا {ومثلهم معهم} في الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال: قيل له: يا أيوب، إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت آتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوّضناك مثلهم. قال: لا، بل اتركهم لي في الجنة، فتركوا له في الجنة وعوّض مثلهم في الدنيا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن نوف البكالي في قوله: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال: إني أدخرهم في الآخرة وأعطي مثلهم في الدنيا. فحدث بذلك مطرف فقال: ما عرفت وجهها قبل اليوم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني، عن الضحاك قال: بلغ ابن مسعود أن مروان قال في هذه الآية: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال: أوتي بأهل غير أهله، فقال ابن مسعود: بل أوتي بأعيانهم ومثلهم معهم. وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال: لم يكونوا ماتوا ولكنهم غيبوا عنه، فأتاه أهله {ومثلهم معهم} في الآخرة. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال: أحياهم بأعيانهم وزاد إليهم مثلهم. وأخرج ابن جرير عن الحسن وقتادة في قوله: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قال: أحيا الله له أهله بأعيانهم وزاده الله مثلهم. وأخرج ابن جرير عن الحسن {ومثلهم معهم} قال: من نسلهم. وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال: ما كان بقي من أيوب عليه السلام إلا عيناه وقلبه ولسانه، فكانت الدواب تختلف في جسده؛ ومكث في الكناسة سبع سنين وأياماً. وأخرج أحمد عن نوف البكالي قال: مر نفر من بني إسرائيل بأيوب فقالوا: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه. فسمعها أيوب فعند ذلك قال: {مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} وكان قبل ذلك لا يدعو. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: لقد مكث أيوب مطروحاً على كناسة سبع سنين وأشهراً ما يسأل الله أن يكشف ما به وما على وجه الأرض، خلق أكرم من أيوب، فيزعمون أن بعض الناس قال: لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به هذا. فعند ذلك دعا. وأخرج ابن جريرعن وهب بن منبه قال: لم يكن بأيوب الأكلة، إنما يخرج منه مثل ثدي النساء ثم يتفقأ. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} قال: إنه لما مسه الضر أنساه الله الدعاء أن يدعوه فيكشف ما به من ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيراً ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيقان، فلما انتهى الأجل وقضى الله أنه كاشف ما به من ضر أذن له في الدعاء ويسرّه له، كان قبل ذلك يقول تبارك وتعالى: "حديث : لا ينبغي لعبدي أيوب أن يدعوني ثم لا أستجيب له" تفسير : . فلما دعا استجاب له وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين، رد أهله ومثلهم معهم، وأثنى عليه فقال: {إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أوّاب}. وأخرج ابن جرير عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلاً يقال له قاسم إلى عكرمة يسأله عن قول الله لأيوب {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} فقال: قيل له: إن أهلك لك في الآخرة، فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا؛ وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا. فقال: يكونون في الآخرة وأوتى مثلهم في الدنيا. فرجع إلى مجاهد فقال: أصاب. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله: {رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} وقوله: {أية : رحمة منا وذكرى لأولي الألباب} تفسير : [ص: 43] قال: إنما هو من أصابه بلاء فذكر ما أصاب أيوب فليقل: إنه قد أصاب من هو خير مني نبي من الأنبياء. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: بقي أيوب على كناسةٍ لبني إسرائيل سبع سنين وأشهراً تختلف فيه الدواب. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: إن أيوب آتاه الله تعالى مالاً وولداً وأوسع عليه، فله من الشياه والبقر والغنم والإبل. وإن عدو الله إبليس قيل له: "هل تقدر أن تفتن أيوب؟ قال: رب، إن أيوب أصبح في دنيا من مال وولد فلا يستطيع إلا شكرك، فسلطني على ماله وولده فسترى كيف يطيعني ويعصيك. فسلط على ماله وولده فكان يأتي الماشية من ماله من الغنم فيحرقها بالنيران، ثم يأتي أيوب وهو يصلي متشبهاً براعي الغنم فيقول: يا أيوب، تصلي لرب؟ ما ترك الله لك من ماشيتك شيئاً من الغنم إلا أحرقها بالنيران. وكنت ناحية فجئت لأخبرك. فيقول أيوب: اللهم أنت أعطيت وأنت أخذت، مهما يبق شيء أحمدك على حسن بلائك. فلا يقدر منه على شيء مما يريد، ثم يأتي ماشيته من البقر فيحرقها بالنيران. ثم يأتي أيوب فيقول له ذلك، ويرد عليه أيوب مثل ذلك. وكذلك فعل بالإبل حتى ما ترك له ماشية حتى هدم البيت على ولده، فقال: يا أيوب، أرسل الله على ولدك من هدم عليهم البيوت حتى يهلكوا! فيقول أيوب مثل ذلك. وقال: رب هذا حين أحسنت إلي الإحسان كله قد كنت قبل اليوم يشغلني حب المال بالنهار ويشغلني حب الولد بالليل شفقة عليهم، فالآن أفرغ سمعي لك وبصري وليلي ونهاري بالذكر والحمد والتقديس والتهليل. فينصرف عدو الله من عنده ولم يصب منه شيئاً مما يريد. ثم إن الله تعالى قال: كيف رأيت أيوب؟ قال إبليس: إن أيوب قد علم أنك سترد عليه ماله وولده، ولكن سلطني على جسده فإن أصابه الضر فيه أطاعني وعصاك. فسلط على جسده، فأتاه فنفخ فيه نفخة أقرح من لدن قرنه إلى قدمه، فأصابه البلاء بعد البلاء حتى حمل فوضع على مزبلة كناسة لبني إسرائيل، فلم يبق له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقربه غير رحمة صبرت عليه، تصدق عليه وتأتيه بطعام وتحمد الله معه إذا حمده، وأيوب على ذلك لا يفر من ذكر الله والتحميد والثناء على الله والصبر على ما ابتلاه الله، فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطاء الأرضين جزعاً من صبر أيوب، فاجتمعوا إليه وقالوا له: اجتمعنا إليك، ما أحزنك؟! ما أعياك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت ربي أن يسلطني على ماله وولده، فلم أدع له مالاً ولا ولداً فلم يزدد بذلك إلا صبراً وثناء على الله تعالى وتحميداً له، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل لا تقربه إلا امرأته، فقد افتضحت بربي فاستعنت بكم لتعينوني عليه. فقالوا له: أين مكرك؟ أين علمك الذي أهلكت به من مضى؟ قال: بطل ذلك كله في أيوب، فأشيروا علي. قالوا: نشير عليك، أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة؟ من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته. قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته، فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقربه غيرها. قال: أصبتم. فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدق، فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: ها هو ذاك يحك قروحه ويتردد الدود في جسده. فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع، فوضع في صدرها فوسوس إليها فذكرها ما كانت فيه من النعم والمال والدواب، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر، وإن ذلك لا ينقطع عنهم أبداً فصرخت، فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة فقال: ليذبح هذا إلى أيوب ويبرأ. فجاءت تصرخ: يا أيوب، يا أيوب.... حتى متى يعذبك ربك؟ ألا يرحمك؟ أين المال؟ أين الشباب؟ أين الولد؟ أين الصديق؟ أين لونك الحسن الذي بلي وتلدد فيه الدواب..؟ اذبح هذه السخلة واسترح. قال: أيوب: أتاكِ عدو الله فنفخ فيك فوجد فيك رفقاً فأجبِتِه، ويلكِ أرأيتِ ما تبكين عليه مما تذكرين مما كنا فيه من المال والولد والصحة والشباب من أعطانيه؟ قالت: الله.. قال: فكم متعنا؟ قالت: ثمانين سنة. قال: فمذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء الذي ابتلانا به؟ قالت: سبع سنين وأشهراً. قال: ويلكِ... والله ما عدلت ولا أنصفت ربك، إلا صبرت حتى نكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربنا ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة! والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة حيت أمرتني أن أذبح لغير الله. طعامك وشرابك الذي أتيتني به عليّ حرام أن أذوق شيئاً مما تأتي به بعد إذ قلتِ لي هذا، فاعزبي عني فلا أراكِ. فطردت فذهبت، فقال الشيطان: هذا قد وطّن نفسه ثمانين سنة على هذا البلاء الذي هو فيه، فباء بالغلبة ورفضه. ونظر إلى أيوب قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق، ومرّ به رجلان وهو على تلك الحال ولا والله، ما على ظهر الأرض يومئذ أكرم على الله من أيوب فقال أحد الرجلين لصاحبه: لو كان الله في هذا حاجة ما بلغ به هذا. فلم يسمع أيوب شيئاً كان أشد عليه من هذه الكلمة فقال: رب، {مسني الضر} ثم رد ذلك إلى الله فقال: {وأنت أرحم الراحمين} فقيل له: {أية : اركض برجلك هذا مغتسل بارد} تفسير : [ص: 42] فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط، فأذهب الله عنه كل ألم وكل سقم وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج. فقام صحيحاً وكسي حلة فجعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله له، حتى ذكر لنا أن الماء الذي اغتسل به تطاير على صدره جراد من ذهب، فجعل يضمه بيده فأوحى الله إليه: "يا أيوب، ألم أغنك عن هذا؟ قال: بلى، ولكنها بركتك فمن يشبع منها"؟ فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني، إلى من أكله؟ أدعه يموت جوعاً أو يضيع فتأكله السباع؟ لأرجعن إليه. فرجعت فلا كناسة ترى ولا تلك الحال التي كانت، وإذا الأمور قد تغيرت فجعلت تطوف حيث الكناسة وتبكي، وذلك بعين أيوب، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأل عنه. فأرسل إليها أيوب فدعاها فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أريد ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة، لا أدري أضاع أم ما فعل! قال لها أيوب: ما كان منكِ؟ فبكت وقال: بعلي، فهل رأيته؟ فقال: وهل تعرفيته إذا رأيته؟ قالت: وهل يخفى على أحد رآه؟ ثم جعلت تنظر إليه ويعرّفها به، ثم قالت: أما إنه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحاً. قال: فإني أيوب الذي أمرتني أن أذبح للشيطان، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله فرّد علي ما ترين. ثم إن الله رحمها لصبرها معه على البلاء فأمره تخفيفاً عنها أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها ضربة واحدة تخفيفاً عنها بصبرها معه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن وهب قال: لم يكن الذي أصاب أيوب الجذام ولكنه أصابه أشد من ذلك، كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم يتفقأ. وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن الحسن قال: إن كانت الدودة لتقع من جسد أيوب فيأخذها إلى مكانها ويقول: كلي من رزق الله. وأخرج الحاكم والبيهقي في الشعب وابن عساكر، عن ابن عباس أن امرأة أيوب قالت له: والله قد نزل بي من الجهد والفاقة ما إن بعت قرني برغيف فأطعمتك، وإنك رجل مجاب الدعوة فادع الله أن يشفيك. فقال: ويحك... كنا في النعماء سبعين عاماً فنحن في البلاء سبع سنين. وأخرج ابن أبي الدنيا وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن عساكر، عن طلحة بن مطرف قال: قال إبليس: ما أصبت من أيوب شيئاً قط أفرح به، إلا أني كنت إذا سمعت أنينه علمت أني أوجعته. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن مجاهد قال: أن أول من أصابه الجدري أيوب عليه السلام. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد. قال: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف عنه ما به. فلما جاء إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك، فقال أيوب: لا أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتباعدان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فاؤلف بينهما كراهة أن يذكر الله لا في حق. وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} [ص: 42] فاستبطأته فأتته فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله المبتلى؟ والله على ذاك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً. قال: فإني أنا هو. قال: وكان له اندران، اندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض ". تفسير : وأخرج ابن مردويه وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم} قال: رد الله امرأته وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ذكراً، وأهبط الله إليه ملكاً فقال: يا أيوب، ربك يقرئك السلام بصبرك على البلاء، فاخرج إلى اندرك. فبعث الله سحابة حمراء فهبطت عليه بجراد الذهب والملك قائم يجمعه، فكانت الجراد تذهب فيتبعها حتى يردها في أندره. قال الملك: يا أيوب، أو ما تشبع من الداخل حتى تتبع الخارج؟ فقال: إن هذه بركة من بركات ربي ولست أشبع منها. وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بينا أيوب يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه: "يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : لما عافى الله أيوب أمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذه بيده ويجعله في ثوبه، فقيل له: يا أيوب، أما تشبع؟ قال: ومن يشبع من فضلك ورحمتك؟ ". تفسير : وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس أن أيوب عاش بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنفية، وعلى ذلك مات، وتغيروا بعد ذلك وغيروا دين إبراهيم كما غيره من كان قبلهم. وأخرج الحاكم عن وهب قال: عاش أيوب ثلاثاً وتسعين سنة وأوصى عند موته إلى ابنه حرمل، وقد بعث الله بعده بشر بن أيوب نبياً وسماه ذا الكفل، وكان مقيماً بالشام عمره حتى مات ابن خمس وسبعين سنة، وأن بشراً أوصى إلى ابنه عبدان ثم بعث الله بعدهم شعيباً. وأخرج ابن عساكر عن أبي عبدالله الجدلي قال: كان أيوب عليه السلام يقول: "اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة أطفأها وإن رأى سيئة أذاعها". وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي في الشعب عن مجاهد قال: يؤتى بثلاثة يوم القيامة: بالغني، والمريض، والعبد المملوك، فيقال للغني: ما منعك من عبادتي؟ فيقول: يا رب، أكثرت لي من المال فطغيت. فيؤتى بسليمان عليه السلام في ملكه فيقول: أنت كنت أشد شغلاً من هذا؟ فيقول: لا، بل هذا. قال: فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني. ثم يؤتى بالمريض فيقول: ما منعك من عبادتي؟ فيقول: شغلت على جسدي، فيؤتى بأيوب في ضره فيقول: أنت كنت أشد ضراً من هذا؟ قال: لا، بل هذا. قال: فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني. ثم يؤتى بالمملوك فيقول: ما منعك من عبادتي؟ فيقول: يا رب، جعلت علي أرباباً يملكونني. فيؤتى بيوسف في عبوديته فيقول: أنت كنت أشد عبودية أم هذا؟ قال: لا بل هذا قال: فإن هذا لم يمنعه أن عبدني. والله أعلم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وذا الكفل} قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك فسمي {ذا الكفل}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتى أنظر كيف يعمل فجمع الناس فقال: من يتكفل لي بثلاث: أستخلفه يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب؟ قال: فقام رجل تزدريه العين فقال: أنا. فقال: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب؟ قال: نعم. قال: فردّه من ذلك اليوم وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال: أنا. فاستخلفه. قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم ذلك فقال: دعوني وإياه... فأتاه في صورة شيخ كبير فقير فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة - وكان لا ينام من الليل والنهار إلا تلك النومة - فدق الباب فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم. قال: فقام ففتح الباب، فجعل يكثر عليه فقال: إن بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا... وجعل يطول عليه حتى حضره وقت الرواح وذهبت القائلة، وقال: إذا رحت فائتني آخذ لك بحقك. فانطلق وراح وكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ الكبير المظلوم، فلم يره فقام يبغيه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس فينتظره فلا يراه، فلما راح إلى بيته جاء فدق عليه الباب فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم، ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فائتني؟ قال: إنهم أخبث قوم. قال: إذا رحت فائتني، ففاتته القائلة فراح فجعل ينظر ولا يراه، وشق عليه النعاس فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: ما وراءك؟ قال: إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري. فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا يدع أحداً يقربه. فلما أعياه نظر فرأى كوّة في البيت فتسوّر منها فإذا هو في البيت، فإذا هو يدق الباب من داخل فاستيقظ الرجل فقال: يا فلان، ألم آمرك؟ قال: من قبلي والله لم تؤت، فانظر من أين أتيت. فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا برجل معه في البيت فعرفه فقال له: عدو الله؟! قال: نعم، أعييتني في كل شيء ففعلت ما ترى لأغضبك. فسماه الله {ذا الكفل} لأنه تكفل بأمر فوفى به. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قاض في بني إسرائيل فحضره الموت فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ فقال رجل: أنا فسمي {ذا الكفل} فكان ليله جميعاً يصلي ثم يصبح صائماً فيقضي بين الناس، وله ساعة يقيلها فكان بذلك فأتاه الشيطان عند نومته فقال له أصحابه: ما لك؟ قال: إنسان مسكين له على رجل حق قد غلبني عليه. فقالوا: كما أنت حتى يستيقظ. قال وهو فوق نائم: فجعل يصيح عمداً حتى يغضبه. فسمع فقال: ما لك؟ قال: إنسان مسكين لي على رجل حق. قال: اذهب فقل له يعطيك. قال: قد أبى. قال: اذهب أنت إليه. فذهب ثم جاء من الغد فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأساً. قال: اذهب إليه أنت. فذهب ثم جاء من الغد حين قال فقال له أصحابه: أخرج فعل الله بك تجيء كل يوم حين ينام لا تدعه ينام؟ فجعل يصيح: من أجل أني إنسان مسكين؟ لو كنت غنياً... فسمع أيضاً قال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فضربني. قال: امش حتى أجيء معك، فهو ممسك بيده فلما رآه ذهب معه نثر يده منه فذهب ففر. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الحارث قال: قال نبي من الأنبياء لمن معه: أيكم يكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب، ويكون معي في درجتي ويكون بعدي في مقامي؟ قال شاب من القوم: أنا. ثم أعاد فقال الشاب: أنا، ثم أعاد فقال الشاب أنا، ثم أعاد فقال الشاب أنا، فلما مات قام بعده في مقامه فأتاه إبليس بعدما قال ليغضبه يستعديه فقال لرجل: اذهب معه. فجاء فأخبره أنه لم ير شيئاً، ثم أتاه فأرسل معه آخر فجاءه فأخبره أنه لم ير شيئاً، ثم أتاه فقام معه فأخذ بيده فانفلت منه، فسمي {ذا الكفل} لأنه كفل أن لا يغضب. وأخرج ابن سعيد النقاش في كتاب القضاة، عن ابن عباس قال: كان نبي جمع أمته فقال: أيكم يتكفل لي بالقضاء بين أمتي، على أن لا يغضب؟ فقام فتى فقال: أنا يا رسول الله، ثم عاد فقال الفتى أنا، ثم قال لهم الثالثة أيكم يتكفل لي بالقضاء بين الناس على أن لا يغضب؟ فقال الفتى أنا فاستخلفه، فأتاه الشيطان بعد حين وكان يقضي حتى إذا انتصف النهار، ثم رجع ثم راح فأتاه الشيطان نصف النهار وهو نائم، فناداه حتى أيقظه فاستعداه فقال: إن كتابك رده ولم يرفع به رأساً ثنتين وثلاثاً، فأخذ الرجل بيده ثم مشى معه ساعة، فلما رأى الشيطان ذلك نزع يده من يده ثم فر فسمي {ذا الكفل}. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن حجيرة الأكبر، أنه بلغه أنه كان ملك من ملوك بني إسرائيل عتى في ملكه، فلما حضرته الوفاة أتاه رؤوسهم فقالوا: استخلف علينا ملكاً نفزع إليه. فجمع إليه رؤوسهم فقال: من رجل تكفل لي بثلاث وأوليه ملكي؟ فلم يتكلم إلا فتى من القوم قال أنا. قال: اجلس. ثم قالها ثانية فلم يتكلم أحد إلا الفتى، قال: تكفل لي بثلاث وأوليك ملكي؟ قال: نعم. قال: تقوم الليل فلا ترقد، وتصوم النهار فلا تفطر، وتحكم فلا تغضب. قال: نعم. قال: قد وليتك ملكي، فلما أن كان مكانه قام الليل وصام النهار وحكم فلا يعجل ولا يغضب، يغدو فيجلس لهم فتمثل له الشيطان في صورة رجل، فأتاه وقد تحين مقيله فقال: أعدني على رجل ظلمني. فأرسل معه رسولاً فجعل يطوف به وذو الكفل ينظره حتى فاتته رقدته، ثم انسل من وسط الناس فأتاه رسول فأخبره، فراح للناس فجلس لهم فقال الشيطان: لعله يرقد الليل ولم يصم النهار، فلما أمسى صلى صلاته التي كان يصلي، ثم أتاه الغد وقد تحين مقيله فقال: أعدني على صاحبي. فأرسل معه وانتظره وتبطأ حتى فات ذو الكفل رقدته، ثم أتاه الرسول فأخبره فراح ولم ينم فقال الشيطان: الليلة يرقد. فأمسى يصلي صلاته كما كان يصلي. ثم أتاه فقال: قد صنعت به ما صنعت لعله يغضب. قال: أعدني على صاحبي. فقال: ألم أرسل معك رسولاً؟ قال: بلى... ولكن لم أجده. فقال له ذو الكفل: انطلق فأنا ذاهب معك. فانطلق فطاف به ثم قال له: أتدري من أنا؟ قال: لا. قال: أنا الشيطان، كنت تكفلت لصاحبك بأمر فأردت أن تدع بعضه، وإن الله قد عصمك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ما كان ذو الكفل بنبي، ولكن كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة. فتوفي فتكفل له ذو الكفل من بعده. فكان يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق سعيد مولى طلحة، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت. فقال: ما يبكيك؟ أكرهتك؟... قالت: لا، ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة. فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته، اذهبي فهي لك. وقال: والله لا أعصي الله بعدها أبداً. فمات من ليلته فأصبح مكتوباً على بابه: إن الله قد غفر لذي الكفل ". تفسير : وأخرجه ابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمرو: قال فيه ذو الكفل.
ابو السعود
تفسير : {وَأَيُّوبَ} الكلام فيه كما مر في قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ} أي واذكر خبرَ أيوبَ {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى} أي بأني {مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ} وقرىء بالكسر على إضمار القولِ أو تضمينِ النداء معناه، والضرُّ شائع في كل ضررٍ وبالضم خاص بما في النفس من مرض وهُزال ونحوهما {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ} وصفه تعالى بغاية الرحمةِ بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى به عن عرض المطلب لطفاً في السؤال، وكان عليه السلام رومياً من ولد عيص بن إسحاقَ استنبأه الله تعالى وكثُر أهلُه وماله فابتلاه الله تعالى بهلاك أولادِه بهدم بـيت عليهم وذهابِ أمواله والمرضِ في بدنه ثمانيَ عشرةَ سنة، أو ثلاثَ عشرةَ سنة، أو سبعاً وسبعةَ أشهر وسبعة أيام وسبعَ ساعات، روي أن امرأتَه ماخيرَ بنتَ ميشا بنِ يوسفَ عليه السلام أو رحمةَ بنتَ أفرايمَ بنِ يوسف قالت له يوماً: لو دعوتَ الله تعالى، فقال: كم كانت مدةُ الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة، فقال: أستحيـي من الله تعالى أن أدعوَه وما بلغتْ مدةُ بلائي مدةَ رخائي، وروي أن إبليسَ أتاها على هيئة عظيمة فقال: أنا إلٰهُ الأرضِ فعلتُ بزوجك ما فعلت لأنه تركني وعبدَ إلٰهَ السماء، فلو سجد لي سجدةً لرددتُ عليه وعليك جميعَ ما أخذتُ منكما، وفي رواية: لو سجدتِ لي سجدةً لرَجعتُ المالَ والولد وعافيتُ زوجَك، فرجعت إلى أيوبَ وكان ملْقًى في الكُناسة لا يقرُب منه أحدٌ فأخبرته بالقصة فقال عليه السلام: كأنك افتُتِنْتِ بقول اللعين لئن عافاني الله عز وجل لأضرِبنّك مائة سَوْط وحرامٌ عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابِك، فطردها فبقيَ طريحاً في الكُناسة لا يحوم حوله أحدٌ من الناس فعند ذلك خر ساجداً فقال: ربّ إني مسّنيَ الضرُّ وأنت أرحمُ الراحمين، فقيل له: ارفعْ رأسك فقد استُجيب لك، اركُضْ برجلك فركض فنبعتْ من تحته عينُ ماء فاغتسل منها فلم يبقَ في ظاهر بدنه دابةٌ إلا سقطتْ ولا جراحةٌ إلا برِئت، ثم ركض مرة أخرى فنبعت عينٌ أخرى فشرب منها فلم يبقَ في جوفه داءٌ إلا خرج وعاد صحيحاً ورجع إليه شبابُه وجمالُه ثم كُسِيَ حلة وذلك قوله تعالى: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ} فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والمالِ إلا وقد ضاعفه الله تعالى وذلك قوله تعالى: {وَءَاتًيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهمْ مَعْهمْ} وقيل: كان ذلك بأن وُلد له ضِعفُ ما كان، ثم إن امرأتَه قالت في نفسها: هبْ أنه طردني أفأترُكه حتى يموتَ جوعاً وتأكلَه السباع لأرجِعنّ إليه، فلما رجعت ما رأت تلك الكُناسة ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمورُ فجعلت تطوفُ حيث كانت الكُناسة وتبكي وهابت صاحبَ الحُلة أن تأتيَه وتسألَ عنه، فأرسل إليها أيوبُ ودعاها فقال: ما تريدين يا أمةَ الله؟ فبكت وقالت: أريد ذلك المُبْتلىٰ الذي كان ملقًى على الكناسة، قال لها: ما كان منك؟ فبكت وقالت: بعْلي، قال: أتعرِفينه إذا رأيتِه؟ قالت: وهل يخفى عليّ؟ فتبسم فقال: أنا ذلك فعرفته بضحكه فاعتنقتْه {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ} أي آتيناه ما ذُكر لرحمتنا أيوبَ وتذكرةً لغيره من العابدين ليصبِروا كما صبر فيُثابوا كما أثيب، أو لرحمتنا العابدين الذين من جملتهم أيوبُ وذكْرِنا إياهم بالإحسان وعدمِ نسياننا لهم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}[83] قال: الضر على وجهين: ضر ظاهر وضر باطن؛ فالباطن حركة النفس عند الوارد واضطرابها، والظاهر إظهار ما في السر من ذلك، فمتى احتل الضر الباطن سكن الظاهر عن إظهاره وصبر على الآلام، وإذا تحرك الباطن تحت الوارد انزعج الظاهر بالصياح والبكاء، فكان شكواه إلى الله عزَّ وجلَّ كي يعطي المعونة على رضا قلبه بالوارد، وذلك أن القلب إذا كان راضياً بأمر الله لم يضر العبد ما فعلت جوارحه، ألا ترى إلى بكاء النبي صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم كيف بكى عليه رحمة له بطبع البشرية، فلم يضره ما فعلت جوارحه، لأن قلبه كان راضياً به. وكان سهل يقول لأصحابه: قولوا في دعائكم: إلهي إن طبختني فأنا قدر، وإن شويتني فأنا محنوذ، ولا بد أن تُعرف، فَمُنَّ عليَّ بمعرفتك. وسئل سهل عن الدار، دار إسلام أم دار كفر؟ فقال: الدار دار بلوى واختبار. وقال عبد الرحمن المروزي لسهل: يا أبا محمد، ما تقول في رجل منذ خمسة وعشرين يوماً تطالبه نفسه أن تشبع ورق السدر من منذ ثمانية عشر يوماً؟ فقال له سهل: ما تقول في رجل تطالبه نفسه أن يشم ورق السدر. قال: فوثب عبد الرحمن وانتفخت أوداجه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى ذكره: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} [الآية: 83]. حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن شاذان قال: حدثنا عبدالله بن جعفر بن على الموصلى، قال: حدثنا الحسن بن داود قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن أنس قال: جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فسأله عن قول أيوب: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} فبكى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : والذى بعثنى بالحق نبيًا ما شكى نبيًا فقرًا نزل إليه من ربه، ولكن كان فى بلائه سبع سنين، وسبع أشهر، وسبع أيام، وسبع ساعات، فلما كان فى بعض ساعات وثب ليصلى قائماً فلم يطق النهوض فجلس ثم قال: مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين". تفسير : قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكل الدود سائر جسده حتى بقى عظامًا نخرة فكانت الشمس تطلع من قُبله وتخرج من دبره" تفسير : ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بقى إلا قلبه ولسانه، وكان قلبه لا يخلو من ذكر الله جل وعز، ولسانه لا يخلو من ثنائه على ربه، فلما أحب الله له الفرج بعث إليه الدودتين إحداهما إلى لسانه، والأخرى إلى قلبه، فقال: يا رب ما بقى إلا هاتان الجارحتان، قلبى ولسانى أذكرك بهما، وقد أقبلت هاتان الدودتان إحداهما إلى قلبى، والأخرى إلى لسانى، يقطعانى عنك ويطلعانى على سرى: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} ". تفسير : قال أبو عبد الرحمن السلمى: وإنى برئ من عهدة هذا الحديث، وليس يشبه هذا كلام النبى صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطاء: استعذب الأولياء البلاء للمناجاة مع المولى لذلك قال الحسين بن على: ذكر الله على الصفاء ينسى العبد مرارة البلاء. وقال جعفر: خرج منه هذا الكلام على المناجاة مستدعيًا للجواب من الحق ليسكن إليه لا على حد الشكوى. وقال النصرآباذى: الخلق كلهم فى ميادين فضله يتروحون، وألسنتهم منبسطة بالشكوى فصيحة به. قال جعفر: لما سلط الله البلاء على أيوب وطال به الأمر أتاه الشيطان فقال: إن أردت أن تتخلص من هذا البلاء فاسجد لى سجدة فلما سمع ذلك فقال: {أية : مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ }تفسير : [ص: 41] ومسنى الضر حين طمع الشيطان فى أن أسجد له. وقال أيضًا: لما تناهى أيوب في البلاء واستعذبه صار البلاء وطنًا له، فلما اطمأنت إليه نفسه وسكن عنه البلاء شكره الناس على صبره، ومدحوه عليه فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} لفقد الضر وأنشد فى معناه: شعر : تَعودتُ مَس الضُّـر حَتَى ألفِتُهُ وأسلَمنى حُسن العَزاء إلى الصبرِ وصيّرنى يأسى من النَّاسِ راجيًا لسرعة لطفِ من حَيْث لا أدرى تفسير : وقال الجنيد رحمة الله عليه: قال الله لأيوب: لولا أنى جعلت تحت كل شعرة منك صبرًا لما صبرت وكنت مع هذا تشكو وتقول: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. وقال ابن عطاء: تبدد همه، وليس فى العقوبات شىء أشد من تبدد الهم فمرة كان يطالع فى بلائه العقوبة، فيقول: لعلى فيه معاقب، ومرة كان يطالع الكرامة فيقول: لعلى ما دفعت إليه كرامة من الله، ومرة يطالع الاستدراج ويقول: لعلى فى صبرى مستدرجًا، فلما تشتتت عليه الخواطر، قال: مسنى الضر من تشتت هذه الخواطر لأن فيه شبه التحير. وقال بعضهم: كان أيوب قائمًا مع الحق فى حال الوجد فلما كشف عنه البلاء وأظهره، وكشف ما به قال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. وقال الجنيد رحمة الله عليه: عمل الدود فى جسده فصبر فلما قصدوا قلبه غار عليه لأنه موضع المعرفة، ومعدن التوحيد، ومأوى النبوة والولاية، وقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} افتقارًا إلى الله مع ملازمة آداب النبوة. وقال ابن عطاء: لما أراد الله كشف ضر نبيه أيوب أحب أن يكون من أيوب فيه حركة لإقامة العبودية أبلاه بما الصبر فيه مذموم. وهو الغيرة، فخاف أن يكون قد جعل العدو على أهله سبيلاً فقال: {أية : مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ}تفسير : [ص: 41] فنودى في سره مسك الضر يا أيوب. فقال صلى الله عليه وسلم معتذرًا عما قال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} على معنى الأستفهام "أيمسنى الضر وأنت أرحم الراحمين؟". وقال سهل فى قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} قال أظهر فى أيوب عليه السلام البلاء، وأعطاه الصبر فلما أن قام بأحكام الصبر ورثه الرضا بالبلاء فصار شكواه إليه مناجاة له فى مس البلاء. وقال ابن خفيف: كان أيوب مستترًا بحال الصبر عن البلاء، فلما أراد الله إظهاره للخلق ضجّ فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. وقال أبو على المغازلى: أوحى الله إلى أيوب فى حال بلائه، يا أيوب: إن هذا البلاء قد اختاره سبعون نبيًا قبلك فما اخترته إلا لك. فلما أراد الله كشفه عنه قال: آه مسنى الضر. وقال سهل: الضر على وجهين: ضر ظاهر، وضر باطن، فالباطن حركة النَّفْس عند الوارد واضطرابها، والظاهر الآلام. وإذا تحرك الباطن تحت الوارد انزعج الظاهر بالصياح والدعاء. وقال الحسين: تجلى الحق لسره، وكشف عنه أنوار كرامته فلم يجد للبلاء ألمًا فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} لفقدان ثواب البلاء والضر، إذ صار البلاء وطنًا وعلى نعمة. وقال بعضهم فى قوله: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}: أى أنت أرحم بى من أن يمسنى معك الضر. وقال الجنيد رحمة الله عليه: ليس من صفات البشر أن يتجلد على البلاء إلا بالنظر إلى المبلى، إذ ذاك يصير البلاء عنده نعمة، وإنما معنى هذه الآية: أيمسنى الضر وأنت لى؟ هذا ما لا يكون. وقال غيره: نال كل عضو منه البلاء إلى موضع البداء فنادى الضر فى الباقى منه على العافية لا من موضع البلاء فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} نداء، لا شكوى. وأنشد شعرًا: شعر : ولو مضى الكل منى لم يكن عجبًا وإنما عجبى للبعض كيف بقى أدرك بقية روح فيك قـد تلفــت قبل الفـراق وهذا آخر الرمق تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} طاعتك خاصة نداء فذكر ضره ومحبته، وفزع إلى ما عرف من صفته ونعته، كما فزع محمد صلى الله عليه وسلم إلى قوله: "حديث : أعوذ برضاك من سخطك" تفسير : فاستجبنا له وكشفنا ما به من ضر لأدبه فى وقت السؤال، وقلة حيلته فى وقت الدعاء. وقال الجنيد رحمة الله عليه: أنت أرحم بى من أن ترينيه ضرًا بعد أن جعلتنى فى حقيقة الرضاء، وهو الوقوف معك بلا طلب زيادة أو نقصان. سمعت المنصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى عن على بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد فى قوله {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} قال: حُبس عنى الوحى أربعين يومًا فخشى الهجران من ربه، والقطيعة فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. سُئل الجنيد رحمة الله عليه عن قوله {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} قال: عَرّفه فاقة السؤال ليَمُن عليه بكرم النوال.
القشيري
تفسير : أي واذكر أيوبَ حين نادى ربَّه. وسمِّي أيوب لكثرة إيابه إلى الله في جميع أحواله في السرَّاء والضرَّاء، والشِّدَّة والرَّخاءِ. ولم يَقُلْ: ارحمني، بل حَفِظَ أدب الخطاب فقال: {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}. ومن علامات الولاية أن يكونَ العبدُ محفوظاً عليه وقتُه في أوانِ البلاء. ويقال إخبارُه عنه أنه قال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} لم يَسْلُبْه اسمَ الصبرِ حيث أخبر عنه سبحانه بقوله: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً}تفسير : [ص: 44] لأنَّ الغالبَ كان من أحواله الصبر، فنادِرُ قالتِه لم يَسْلبْ عنه الغالِبَ من حالته. والإشارة من هذا إلى أنَّ الغالبَ من حال المؤمن المعرفةُ، أو الإيمانُ بالله فهو الذي يستغرقُ جميعَ أوقاته، ولا يخلو منه لحظةً؛ ونادِرُ زلاَّتِهِ - مع دائمِ إيمانِه - لا يُزَاحِمُ الوصفَ الغالب. ويقال؛ لمَّا لم يكن قوله: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} على وجه الاعتراض على التقدير - بل كان على وجه إظهار العجز - فلم يكن ذلك مُنافياً لصفة الصبر. ويقال: استخرج منه هذا القولَ ليكونَ فيه مُتَنَفَّسٌ للضعفاء في هذه الأمة حتى إذا ضَجَّوا في حالِ البلاء لم يكن ذلك منافياً لصفة الصبر. ويقال لم يكن هذا القولُ منه على جهة الشكوى، وإنما كان من حيث الشكر {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} الذي تخصُّ به أولياءك، ولولا أنك أرحم الراحمين لَمَا خصصتني بهذا، ولكن برحمتك أهَّلْتني لهذا. ويقال لم يكن هذا القولُ من أيوب ولكنه استغاثةُ البلاء منه، فلم يُطِقْ البلاءُ صُحْبَتَه فضجَّ منه البلاءُ لا أيوبُ ضَجَّ من البلاء... وفي معناه أنشدوا: شعر : صابَرَ الصبرَ فاستغاثَ به الصبرُ فصاح المحبُّ بالصبر صبرا تفسير : ويقال همزة الاستفهام فيه مضمرة، ومعناه: أيمسني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين؟ كما قال: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ}تفسير : [الشعراء: 22] أي أتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل؟ ويقال إن جبريلَ - عليه السلام - أتى أيوبَ فقال: لِمَ تسكت؟ فقال: ماذا أصنع؟ فقال: إن الله سيان عنده بلاؤك وشفاؤك...فاسأل الله العافيةَ فقال أيوب: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} فقال تعالى: {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ} [الأنبياء: 84] والفاء تقتضي التعقيب، فكأنه قال: فعافيناه في الوقت. وكأنه قال: يا أيوب، لو طلبتَ العافيةَ قبل هذا لاستَجْبْنَا لك. ويقال سقطت دودةٌ كانت تأكل من بدنه على الأرض فرفعها أيوبُ ووضعها على موضعها، فعقرته عقرةً عِيلَ صَبْرُه فقال: مسني الضر، فقيل له: يا أيوب: أتصبر معنا؟ لولا أني ضربتُ تحت كل شَعْرَةٍ من شعراتك كذا خيمة من الصبر.. ما صَبَرْتَ ساعةً! ويقال كانت الدوداتُ التي تأكل منه أكلت ما عَلاَ بَدَنَه، فلم يَبْقَ منه إلا لسانهُ وقلبه، فصعدت دودوة إلى لسانه، وأخرى إلى قلبه فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}... فلم يبق لي إلا لسانٌ به أذكرك، أو قلبٌ به أعرفك، وإذا لم يَبْقَ لي ذلك فلا يمكنني أن أعيش وأصبر! ويقال استعجمت عليه جهةُ البلاء فلم يعلم أن يصيبه بذلك تطهيراً أو تأديباً أو تعذيباً أو تقريباً أو تخصيصاً أو تمحيصاً.... وكذلك كانت صحبته. ويقال قيل لأيوب عليه السلام سَلْ العافية فقال: عِشْتُ في النِّعم سبعين سنة فحتى يأتي عليَّ سبعون سنة في البلاء... وعندئذٍ أسأل الله العافية! وقيل لمَّا كَشَفَ الله عنه البلاء قيل له: ما أشدُّ ما لقيتَ في أيام البلاء؟ فقال شماتة الأعداء. وفي القصة أن تلامذة أيوب كسروا أقلامهم، وحرَّقوا ماكتبوه عنه وقالوا: لو كان لك عند الله منزلةٌ لمَا ابْتلاكَ بكل هذا البلاء! وقيل لم يبقَ معه إلا زوجُه، وكانت من أولاد يوسف النبي عليه السلام، فهي التي بقيت معه وكانت تخدمه وتتعهده. ويقال إنما بقيت تلك المرأة معه لأنها كانت من أهل البلاء من آل يعقوب - عليه السلام. وقيل إنما قال: مسني الضرُّ لمَّا قال لها الشيطان: إنْ أردتِ أنْ يَشْفَى مريضُكِ فاسجدي لي، ولم تعلم أنه إبليس لأنه ظَهَرَ لها في صورة إنسان، فأخبرت أيوبَ بذلك فقال عندذٍ: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. ويقال لمَّا ظهر به البلاءُ اجتمع قومُه وقالوا لها: أخْرِجي هذا المريضَ من قريتنا، فإننا نخاف العَدْوَى وأنْ يَمَسَّنَا بلاؤه، وأنْ تُعْدَى إلينا عِلَّتُه، فأخْرَجَتْه إلى باب القرية فقالوا: إنا إذا أصبحنا وقعت أبصارُنا عليه، فنتشاءم به، فأبْعِديه عن أبصارنا، فحملَتْه إلى أرضٍ قَفْرٍ، وكانت تدخل البلد، وتُسْتَأْجَر للخَبْزِ والعمل في الدور، فتأخذ الأجرة وتحملها إليه، فلما عَلِموا أنَّها امرأتُه استقذروها ولم يستعلموها. ويقال إنها كانت ذات ذوائب وقرون، وكان أيوب يأخذ بذوائبها عند نهوضه، فباعت ذوائبها برغيفٍ أخذته لتحمله إليه، فوسوس له الشيطان بأنها فعلت الفحشاء، وأن شعرها جُزَّ في ذلك فَحَلَفَ أيوبُ أنْ يَجْلِدَها إذا صحَّ حَدْسُه، وكانت المحنةُ على قلبِ تلك المرأة أشَدَّ مما على بَدَنِ أيوب من كل المحن. وقيل إن امرأته غَابَتْ ودخلَتْ البلدَ، فعافى اللَّهُ أيوبَ عليه السلام، وعاد شاباً طرياً كما قال في قصته قوله: {أية : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}تفسير : [ص: 42] فلما رجعت امرأته ولم تَرَه حسبت أنه أكله سَبْعٌ أو أصابته آفةٌ، فأخذت تبكي وتولول، فقال لها أيوب - وهي لم تعرفه لأنه عاد صحيحاً - مالَكِ يا امرأة؟ قالت: كان لي ها هنا مريض فَفَقَدْته. فقال لها أيوب: أنا ذاك الذي تطلبينه! وفي بعض الأخبار المروية أنه بقي في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وقيل تعرَّضَ له إبليسُ فقال: إنْ أردتَ العافيةَ فاسجُدْ لي سجدةً، فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. ويقال إن أيوب - عليه السلام - كان مُكَاشَفَاً بالحقيقة، مأخوذاً عنه، فكان لا يُحِسُّ بالبلاء، فَسَتَرَ عليه مرةً، ورَدَّه إليه، فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. ويقال أَدْخَلَ على أيوب تلك الحالة، واستخرج منه هذه القالة ليظهر عليه إقامة العبودية. ويقال أوحى الله إلى أيوب - عليه السلام - أنَّ هذا البلاء اختاره سبعون نبياً قَبْلَكَ فما اخْتَرْتُه إلا لَكَ، فلمَّا أراد كَشْفَه عنه قال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. وقيل كوشف بمعنىً من المعاني فلم يَجِدْ أَلَمَ البلاء فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} لِفَقْدِي ألَمْ الضُّرِّ. وقال جعفر الصادق: حَبَسَ عنه الوحيَ أربعين يوماً فقال: {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} لما لِحَقَه من الضعف بقيام الطاعة فاستجاب إليه بأنْ ردَّ عليه قُوَّتَه ليقوم بحقِّ الطاعة. ويقال طلب الزيادةَ في الرضا فاستُجِيبَ له بكَشْفِ ما كان به من ضعف الرضا. ويقال إن الضرَّ الذي شكا منه أنه بقيت عليه بقية، وبليته كانت ببقيته، فلمَّا أُخِذَ عنه بالكلية زال البلاء، ولهذا قال: {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ} [الأنبياء: 84] وكانت نَفْسُه ضُرَّه، ورَدَّ عليه السلامةَ والعافية والأمل - في الظاهر- لمَّا صار مأخوذاً بالكلية عنه، مُنْقَّىً عن كل بقية، وعند ذلك يستوي البلاء والعافية، والوجود والفقد.
اسماعيل حقي
تفسير : {وايوب} اى واذكر خبر ايوب. واختلفوا فى اسماء نسبه بعد الاتفاق على الانتهاء الى روم بن عيص بن ابراهيم عليه السلام - روى - ان الله تعالى استنبأ ايوب وارسله الى اهل حران وهى قرية بغوطة دمشق وكثر اهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع بنات ومن اصناف البهائم مالا يحصى فحسده ابليس وقال [الهى بنده بتودر عافيت وسعت عيش است مال بسيار وفرزندان بزركوار دارد اكر اورا بانتزاع مال واولاد مبتلا سازى زود ازتو بكردد وطريق كفران نعمت بيش كيرد حق سبحانه وتعالى فرمودكه جنين نيست كه توميكويى او مارا بنده ايست بسنديده اكر هزار باردر بوته ابتلابكداختم بى غش وخالص العيار آيد شعر : جنان در عشق يكرويم كه كرتيغم زنى برسر برو زامتحان باشم جوشمع استاده بابرجا تفسير : بس حق سبحانه وتعالى اقسام محن بروى كما شت شترانش بصاعقه هلاك شدند وكوسفندان بسببب سيل دركرداب فنا افتادند وزراعت بريح متلاشى شد واولاد در زير ديوار ماندند وقروح درجسد مباركش ظاهر شدوديدان بيدا كشتند وخلق ازوى كريخت بجززن او] فكان نظير ابراهيم عليه السلام فى الابتلاء بالمال والولد والبدن. وقد قال بعض الكبار ان بلاء ايوب اختاره قبله سبعون نبيا فما اختاره الله الاله وبقى فى مرضه ثمانى عشرة سنة او سبع سنين وسبعة اشهر وسبعة ايام وسبع ساعات قالت له يوم امرأته رحمة بنت افراييم بن يوسف لو دعوت الله فقال لها كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال انا استحيى من الله ان ادعوه وما بلغت مدة بلائى مدة رخائى [وهرحسر اين خطاب مستطاب بايوب مكروب رسيدى كه اى ايوب جكونه وايوب بذوق وشوق اين برسش كوه بلا بجان مى كشيد وبآن بيمارى خوش بود] شعر : كربرسر بيمار خود آيى بعيادت صد ساله باميد توبيمار توان بود تفسير : وقد سلط الله على جسده اثنى عشر الف دودة لانها عدد الجند الكامل كما قال عليه السلام "حديث : اثنا عشر الفالن يغلب عن قلة ابدا"تفسير : ولله عساكر كالدود والبعوض للنمرود والابابيل لاصحاب الفيل والهدهد لعوج والعنكبوت والحمامة لرسول الله عليه السلام واكل الدود جميع جسده حتى بقى العظام والقلب واللسان والاذن والعينان ولما قصد قلبه الذى هو منبع المعرفة ومعدن النبوة والولالية ولسانه هو مصدر الذكر ومورد التوحيد غار عليه وخاف ان ينقطع عن طاعة الله وتسبيحه بالكلية فانه كان من ضعف الحال بحيث لا يستطيع القيام للصلاة فلما انتهى وقت الابتلاء وحصل الفناء التام فى مقام البلاء والهمه الله الدعاء ليوصله الى مرتبة البقاء ويتجلى له بالجمال واللقاء بعد الجلال والاذى كما اخبر عنه بقوله {اذ نادى ربه} اى دعاه {انى} اى بانى {مسنى} اصابنى {الضر}[رنج وسختى] قالوا الضر بالفتح شائع فى كل ضرر وبالضم خاص بما فى النفس من مرض وهزال ونحوهما {وانت ارحم الراحمين} بين افتقاره اليه تعالى ولم يقل ارحمنى لطفا فى السؤال وحفظا للادب فى الخطاب فان اكثر اسئلة الانبياء فى كشف البلاء عنهم انما هى على سبيل التعريض شعر : وفى النفس حاجات وفيه فطانة سكوتى بيان عندها وخطاب تفسير : وقال الحافظ شعر : ارباب حاجيتم وزبان سؤال نيست درحضرت كريم تمناجه حاجتست تفسير : فان قيل أليس صرح زكريا فى الدعاء قال {أية : فهب لى من لدنك وليا } تفسير : قلنا هذا سؤال العطاء لا يجمل به التعريض ودلك كشف البلاء فيجمل به التعريض لئلا يشتبه بالشكاية - ويحكى - ان عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا امير المؤمنين مشت جرذان بيتى على العصى فقال لها الطفت فى السؤال لا جرم لاردنها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا. فهذا القول من ايوب دعاء وتضرع وافتقار لا جزع وشكاية كما هو حال الاضطرار ولذا جاء جوابه بلفظ الاستجابة وقال تعالى فى حقه {أية : انا وجدناه صابرا نعم العبد}تفسير : وعلى تقدير تضمنه الشكاية فقد اشتكى من البلوى اليه تعالى لا الى غيره وهو لا ينافى الصبر الجميل كما قال يعقوب انما اشكوا بثى وحزنى الى الله فصبر جميل والعارف الصادق اذا كان متحققا فى معرفته فشكواه حقيقة الانبساط ومناداته تحقيق المناجاة واساه فى بلاء حبيبه حقيقة المباهاة ولسان العشق لسان التضرع والحكاية لا لسان الجزع والشكاية كما اشار العاشق شعر : بشنوازنى جون حكايت ميكند از جداييها شكايت ميكند تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان كل ما كان لا يوب من الشكر والشكاية فى تلك الحالة كان مع الله لا مع غيره والى ان بشرية ايوب كانت تتأمل بالضر وهو يخبر عنها ولكن روحانيته المؤيدة بالتأييد الالهى تنظر بنور الله وترى فى البلاء كمال عناية المبتلى وعين مرحمته فى تلك الصورة تربية لنفسه ليبلغها مقام الصبر ورتبة نعمة العبدية وهو يخبر عنها ويقول {مسنى الضر} من حيث البشرية بنور فضلك {انك ارحم الراحمين} علىّ بانك تترحم علىّ بهذا البلاء ومس الضر وقوة الصبر عليه لتفنى نفسى عن صفاتها وفى العجلة وتبقى بصفاتك ومنها الصبر والصبر من صفات الله لا من صفات العبد كقوله تعالى {أية : واصبر وما صبرك الا بالله}تفسير : والصبور هو الله تعالى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر خبر {أيوبَ} عليه السلام {إِذْ نادى ربَّه}: دعاه: {إني} أي: بأني {مسَّنيَ الضرُّ} وهو بالضم: ما يصيب النفس من مرض وهزال، وبالفتح: الضرر في كل شيء، {وأنت أرحمُ الراحمين}، تلطف في السؤال؛ حيث ذكر نفسَه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب؛ من كمال أدبه، فكأنه قال: أنت أهل أن تَرحم، وأيوب أهل أن يُرحَم، فارحمه، واكشف عنه ضره الذي مسه. عن أنس: أنه أخبر عن ضعفه حين لم يقدر على النهوض إلى الصلاة، ولم يشتك، وكيف يشكو، والله تعالى يقول: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ} تفسير : [ص: 44]. وقيل: إنما اشتكى إليه؛ تلذذًا بالنجوى، لا تضررًا بالشكوى، والشكاية إليه غاية في القُرب، كما أن الشكاية منه غاية في البُعد، وسيأتي في الإشارة تكميله، إن شاء الله. رُوي أن أيوب عليه السلام، كان من الروم، وهو أيوب بن أمُوص ابن تارَح بن رعويل بن عيص بن إسحاق. وكانت أمه من ولد لوط عليه السلام اصطفاه الله للنبوة والرسالة، وبسط عليه الدنيا؛ فكان له ثلاثة آلاف بعير، وسبعة آلاف شاة، وخمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد، وكان له سبعة بنين، وسبع بنات. قاله النسفي. زاد الثعلبي: وكانت له المشيئةُ من أرض الشام كلها، وكان له فيها من صنوف المال ما لم يكن لأحد؛ من الخيل والبقر والغنم والحُمُر وغيره، وكان برًا تقيًا رحيمًا بالمساكين، يكفل الأرامل والأيتام، ويُكرم الضيف، ويُبلغ ابن السبيل، شاكرًا لأنعم الله، لا يصيب منه إبليس ما يصيب من أهل الغنى من الغفلة والغِرَّة، وكان معه ثلاثةً قد آمنوا به: رجل من اليمن واثنان من بلده، كُهُولا. قال وهب: فسمع إبليس تَجَاوُبَ الملائكة بالصلاة عليه في السماء فحسده، فقال: إلهي، عبدك أيوب أنعمتَ عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجرّبه بشدّة ولا بلاء، فلو جربته بالبلاء ليكفرنّ بك وبنعمتك، فقال له تعالى: انطلق، فقد سلطتك على ماله، فجمع عفاريته وأخبرهم، فقال عفريت من الجن: أُعطيتُ من القوة ما إذا تحوّلت إعصارًا من نار أحرقتُ كل شيء آتي عليه، فقال له إبليس: دونك الإبل ورعاتها، فجاءها حتى وثبت في مراعيها، فأثار من تحت الأرض إعصارًا من نار فأحرقها وأحرق رعاءها. فلما فرغ منها تمثل إبليس براعيها، وجلس على قَعُودٍ منها، فأتاه، وقال: يا أيوب، إن ربك الذي عبدته قد أحرق إبلك ورُعَاءَها، فقال أيوب: هو ماله، أعارنيه، يفعل فيه ما يشاء، فرجع إبليس خاسئًا، حين حمد أيوبُ ربه، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا صِحتُ لم يسمع صوتي ذو رُوح إلا خرجت روحه، قال له إبليس: ائت الغنم ورعاءَها، فأتى، فصاح، فصارت أمواتًا ورعاتها، ثم خرج إبليس متمثلاً بقهرَمَان الرعاة، فقال له كمقالته في الإبل، فأجابه أيوب بمثل ما أجابه فيها، فرجع خاسئًا، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا تحولتُ ريحًا عاصفًا نسفتُ كل شيء أتيت عليه، قال إبليس: فأتِ الفدادين والحرث، فجاءها، فَهبَّتْ ريح عاصفة فنسفت كل شيء، حتى كأنه لم يكن ثَمَّ شيء، فخرج إبليس متمثلاً بقهْرَمَان الحرث، فقال له مثل قوله الأول، وردَّ عليه مثل رده، حتى أتى على جميع ماله، وأيوب يحمد الله تعالى. فقال إبليس: إلهي؛ إن أيوب يقول: إنك ما متعْتَهُ إلا بنفسه وولده، فهل تسلطني على ولده، فإنها الفتنة؟ قال الله تعالى: قد سلطتك على ولده، فجاء إبليس فقلب عليهم القصر منكسين، وانطلق إلى أيوب متمثلاً بالمُعلم الذي يُعلمهم الحكمة، وهو جريح، فقال: يا أيوب؛ لو رأيت بنيك كيف عُذبوا؟ ونُكِّسوا على رؤوسهم، وسال دماغهم من أنوفهم، فلم يزل من قوله حتى رقَّ أيوبُ وبكى، وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، فصعد إبليس مسرورًا، ثم ذهب أيوب، فلما أبصر ذلك استغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة، بتوبته فبادروا إلى الله تعالى، وهو أعلم، فوقف إبليس خاسئًا، فقال: إلهي؛ إنما هوّن أيوب خطر المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده، فإني لك زعيم إن سَلَّطَّني على جسده ليكفرنّ بك، قال الله تعالى: قد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه وقلبه وعقله، فجاءه إبليس فوجده ساجدًا، فجاء من قِبل الأرض، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فَوهِلَ، وخرج من قرنه إلى قدمه تآليل مثل آليَاتِ الغنم، ووقعت به حكة لا يملكها، فحك بأظفاره، ثم بالمسُوح الخشنة، ثم بالحجارة، حتى نغل لحمه، وتغير، ونش، وتدود، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشًا، ورفضه الخلق كلهم، إلا {رحمةً}؛ امرأته بنت إفراثيم بن يوسف عليه السلام، فقامت عليه بما يصلحه. روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ أيُّوبَ نبي الله لَبث به بَلاؤُه ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَة، فَرَفَضه الْقَرِيبُ والبَعِيدُ"تفسير : . الحديث، وقال كعب: سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وما قاله - عليه الصلاة والسلام - إن ثبت، هو الصحيح. وقال الحسن: مكث أيوب مطرودًا على كناسة، في مزبلة بني إسرائيل سبع سنين وشهرًا، يختلف فيه الدود. ويمكن الجمع بين الأقوال بأن الشدة كانت سبعًا والباقي مقدمات لها. رُوِيَ أن امرأته قالت له يومًا: لو دعوتَ الله عزّ وجلّ؟ فقال لها: كم كانت مدة الرخاء؟ قالت: ثمانين سنة. فقال: إني أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. هـ. ورُوي أن الدود أكل جميع جسده حتى بقي عظامًا نخرة، وهو مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله وحمده وشكره، فصرخ إبليس صرخة، وقال: أعياني هذا العبد الذي سألتُ ربي أن يسلطني عليه، قالت له العفاريت: أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة، ما أتيته إلا من قِبَلِ امرأته، فتمثل بها بصورة رجل طيب، وفي رواية الحسن: في هيئة ليست كهيئة بني آدم، في أحسن صورة، فقال لها: أين بعلك يا أمة الله؟ فقالت: هو ذاك، يحك قروحه، ويتردد الدود في جسده، فقال لها: أنا إله الأرض الذي صنعتُ بصاحبك ما صنعت؛ لأنه عبد إله السماء وتركني، فلو سجد لي سجدة واحدة لرددت لكما ما كان لكما. وقال وهب: قال لها: لو أكل طعامًا ولم يسمّ عليه لعُوفيَ من البلاء، فأخبرت أيوب، فقال: أتاك عدوُ الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم، إن عافه الله، ليضربنها مائة ضربة. ثم حلف لا يأكل لها طعامًا، فبقي مهملاً لا يأتي إليه أحد، وقال عند ذلك: {مسّني الضر} من طمع إبليس في سجودي له، {وأنت أرحم الراحمين}، فقيل له: {اركض برجلك} فركض، فنبعت عين ماء، فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء، وسقطت الدود من جسده، وعاد شبابه وجماله. ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، وكانت امرأته "رحمة" حين حلف، تركته مدة، ثم ندمت وعادت، فوجدته في أحسن هيئة، فلم تعرفه، فقالت له: أين الرجل المبتلى الذي كان هنا؟ قال: أنا هو، شفاني الله، ثم عرفته بضحكه، فتعانقا، ثم أمره الله تعالى أن يأخذ جماعة من القضبان فيضربها ضربة واحدة ليبرّ في يمينه. هـ. قلت: تسليط الشيطان على بشرية الأنبياء الظاهرة: جائز وواقع. وأما الأمراض المنفرة، فإن كانت بعد التبليغ وتقرير الشرائع، فجائز عند بعضهم، وهو الصواب، جمعًا بين ما ثبت في الأخبار عن السلف وبين الدلائل العقلية في تنزيه الأنبياء - عليهم السلام -، لأن العلة هي تنفير الخلق عنهم، وبَعْد التبليغ فلا يضر، وقد ورد أن شُعيبًا عليه السلام عَمى في آخر عمره، وكذلك يعقوب، وكان بعد تبليغ الرسالة، فلم يضر. ثم قال تعالى في حق أيوب عليه السلام: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضُرّ}؛ إنعامًا عليه، فلمّا قام من مرضه جعل يلتفت فلا يرى شيئًا مما كان له من الأهل، والمال، ثم أحيا الله أولاده بأعيانهم، ورزقه مثلهم، ورد عليه ماله، بأن أخلف له مثله، وذلك قوله تعالى: {وآتيناه أهلَه ومثلهم معهم} وقيل: كان ذلك بأن ولد له ضعف ما كان له. وقال عكرمة: آتيناه أهله في الآخرة، ومثلهم معهم في الدنيا، والأول هو ظاهر الآية، ردهم الله تعالى بأعيانهم؛ إظهارًا لكمال قدرته تعالى. ثم قال {رحمةً من عندنا}: مفعول من أجله، أي: آتينا ما ذكر لرحمتنا أيوب، {وذكرى للعابدين} أي: وتذكرة لغيره من العابدين؛ ليصبروا كما صبر، ويُثابوا كما أُثيب، أو لرحمتنا العابدين، الذين من جملتهم أيوب، وذكرنا إياهم بالإحسان، وعدم نسياننا لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما ينزل بالمؤمن من الأوجاع والأسقام والشدائد والنوائب، في النفس أو في الأهل، كله رحمة، عظيمة، ومنَّة جسيمة، ويقاس عليه: مفارقة الأحباب والأوطان ومشاق الأسفار والمتاعب البدنية، ويُسمى عند الصوفية: التعرفات الجلالية؛ لأن الله تعالى يتعرف إليهم بها؛ ليعرفوه عيانًا، ولذلك تجدهم يفرحون بها، وينبسطون عند ورودها؛ لما يتنسمون فيها، ويجدون بعدها، من مزيد الاقتراب وكشف الحجاب، وطي مسافة البُعد بينهم وبين رب الأرباب، فهم يؤثرونها على الأعمال الظاهرة؛ لِمَا يتحققون بها من وجود الأعمال الباطنية؛ كالصبر والزهد والرضا والتسليم، وما ينشأ عنها، عند ترقيق البشرية، من تشحيذ الفكرة والنظرة، وغير ذلك من أعمال القلوب. وفي الحكم: "إذا فتح لك وجهة من التعرف، فلا تُبالي معها إن قلَّ عملك؛ فإنه ما فتحها لك إلاَّ وهو يريد أن يتعرف إليك منها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟". قال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: معرفة الله تعالى هي غاية المطالب، ونهاية الأماني والمآرب، فإذا واجه اللهُ عبده ببعض أسبابها، وفتح له باب التعرّف له منها، فذلك من النعم الجزيلة عليه، فينبغي ألا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر، وما يترتب عليها من جزيل الأجر، وليعلم أنه سلك به مسلك الخاصة المقرّبين، المؤدي إلى حقائق التوحيد واليقين، من غير اكتساب من العبد ولا تَعَمُّلٍ، والأعمالُ التي من شأنها أن يتلبس بها هي باكتسابه وتعمله، وقد لا يسلم من دخول الآفات عليها، والمطالبة بوجود الإخلاص فيها، وقد لا يحصل له ما أمّله من الثواب عند مناقشة الحساب، وأين أحدهما من الآخرة. ومثاله: ما يُصاب به الإنسان من البلايا والشدائد التي تُنَغِّصُ عليه لذات الدنيا، وتمنعه من كثير من أعمال البر، فإنَّ مرادَ العبد أن يستمر بقاؤه في الدنيا، طيَّبَ العيش ناعمَ البال، ويكون حاله في طلب سعادة الاخرة حال المترفين؛ فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة، التي لا كثير مُؤْنَةٍ عليه فيها ولا مشقة، ولا تقطع عنه لذة، ولا يفوته شهوة، ومراد الله منه أن يُطهره من أخلاقه اللئيمة، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة، ويُخرجه من أَسْرِ وجوده إلى متسع شهوده، ولا سبيل إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام، إلا بما يُضادُ مراده، ويشوّش عليه معتادَه، وتكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن، ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة، فإذا فَهِمَ هذا عَلِمَ أن اختيار الله له، ومرادَه منه، خيرٌ من اختياره لنفسه ومراده لها. وقد رُوِيَ أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: "حديث : إني إذا أنزلت بعبدي بلائي، فدعاني، فماطلتُه بالإجابة، فشكاني، قلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك"تفسير : ؟ وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عُوّاده، أنشطته من عقالي، وبدَّلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ويستأنف العمل "تفسير : . ثم نقل عن أبي العباس ابن العريف رضي الله عنه قال: كان رجل بالمغرب يُدعى أبا الخيَّار، وقد عمّ جسده الجذامُ، ورائحة المسك تُوجد منه على مسافة بعيدة، لقيه بعضُ الناس، فقال له: يا سيدي كأن الله تعالى لم يجد للبلاء مَحلاً من أعدائه حتى أنزله بكم، وأنتم خاصة أوليائه!! فقال لي: اسكت، لا تقل ذلك؛ لأنا لمّا أشرفنا على خزائن العطاء، لم نجد عند الله أشرف ولا أقرب من البلاء، فسألناه إِيّاه، وكيف بك لو رأيت سيّد الزهّاد، وقطبَ العباد، وإمام الأولياء والأوتاد، في غار بأرض طرطوس وجبالها، ولحمُه يتناثر، وجلده يسيل قيحًا وصديدًا، وقد أحاط به الذباب والنمل، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر الله وشكره على ما أعطاه من الرحمة، حتى يشدّ نفسه بالحديد، ويستقبل القبلة عامَّةَ ليله حتى يطلع الفجر. هـ. وقد تكلم الصوفية في قول أيوب عليه السلام: {مسّني الضر}؛ هل شكى ضرر جسمه، أو ضرر قلبه من جهة دينه؟ قال بعضهم: قيل: إنه أراد النهوضِ إلى الصلاة فلم يستطع، فقال: {مسّني الضر}، وقيل: إنه أكل الدود جميع جسده، حتى بقي عظامًا، فلما قصد الدودُ قلبَه ولسانَه غار على قلبه؛ لأنه موضع المعرفة والتوحيد، والنبوة والولاية، وأسرار الله تعالى، وخاف انقطاع الذكر، فقال: {مسّني الضر}، وقيل: خاف تبدد همه وتفرق قلبه، وليس في العقوبة شيء أشد من تبدد الهم، فتارة يقول: لعلي ببلائي مُعاقب، وتارة يقول: بضري مُستدرج، فلما خاف تشتيت خاطِره عليه، قال: {مسّني الضر}. هـ. قلت: هذا المقام لا يليق بالأنبياء، وإنما يجوز على غيرهم؛ إذ الأولياء يترقون عن هذا المقام فكيف بالأنبياء! وقال بعضهم: قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، واقتصر عليه ابنُ جُزي، وفيه شيء؛ إذ كثير من الأولياء سقط الناس من عينهم، فلا يُبالون بخيرهم ولا شرهم، ولا مدحهم ولا ذمهم، فكيف بالأنبياء - عليهم السلام -؟! وقال القشيري" كان ذلك منه إظهارًا للعجز، لا اعتراضًا، فلا يُنافي الصبر، مع ما فيه من التنفيس عن الضعفاء من الأمة، ليكون أسوة. وقال: إن جبريل أمره بذلك، وقال له: إن الله يغضبُ إن لم يُسأل، وسيان عنده البلاء والعافية، فسَله العافية. ويقال: إن أيوب كان مُكَاشَفًا بالحقيقة، مأخوذًا عنه، وكان لا يُحِسُّ بالبلاء، فَسَتَر عليه، فردَّه إليه، فقال: مَسني الضُّرُّ، وقيل: أَدْخَل على أيوب تلك الحالة، فاستخرج منه تلك المقالة؛ ليظهر عليه سمة العبودية. هـ. وقال الورتجبي: سُئل الجنيد عن قوله: {مسّني الضر}، فقال عرّفه فاقة السؤال، ليمنّ عليه بكرم النوال، وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه جاء إليه رجل فسأله عن قول أيوب {مسّني الضر} فبكى - عليه الصلاة والسلام - وقال: والذي بعثني بالحق نبيًا ما شكى فقرًا نزل من ربه، ولكن كان في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات، فلما كان في بعض الساعات وثب ليُصلي، فلم يستطع النهوض، فقال: {مسني الضر} الخ. ثم قال: - عليه الصلاة والسلام -: أكل الدود عامة جسده حتى بقي عظامًا نخرة، فكادت الشمس تطلع من قُبله وتخرج من دُبره، وما بقي إلا قلبه ولسانه، وكان قلبه لا يخلو من ذكر الله، ولسانه لا يخلو من ثنائه على ربه، فلما أحب الله له الفرج، بعث إليه الدودتين؛ إحداهما إلى لسانه والأخرى إلى قلبه، فقال: يا رب ما بقي إلا هاتان الجارحتان، أذكرك بهما، فأقبلت هاتان الدودتان إليهما ليشغلاني عنك ويطلعان على سري، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. هـ. وفي قوله تعالى: {رحمة من عندنا وذكرى للعابدين}: تسلية لمن أصيب بشيء من هذه التعرفات الجلالية، وقد تقدم في أول الإشارة الكلام على هذا. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر ما بقي من مشاهير الأنبياء
الجنابذي
تفسير : {وَأَيُّوبَ} عطف او بتقدير فعل مثل نوحاً {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} اى بانّى مَسّنى الضّر وقرئ بكسر الهمزة بتقدير القول او تضمين النّداء معنى القول {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} اكتفى باظهار حاله المقتضية للرّحمة وتوصيف ربّه بغاية الرّحمة عن سؤال العافية وهو ابلغ فى مقام الطّلب وأقرب الى الحياء واكمل فى حفظ حرمة المسؤل منه، قيل: كان ايّوب (ع) روميّاً من ولد عيص بن اسحق (ع) استنبأه الله وكثّر ماله وولده فابتلاه الله بهلاك اولاده بهدم بيتٍ عليهم وذهاب امواله وبالمرض فى بدنه ثمانى عشرة سنةً او ثلاث عشر او سبعاً وسبعة اشهر، وانّ امراته كانت رحمة بنت افرائيم بن يوسف، وفى خبرٍ كانت بنت يوسف بن يعقوب (ع)، وقيل: كان ايّوب فى زمان يعقوب، وتزوّج ليّا بنت يعقوب فقالت له يوماً: لو دعوت الله فقال: كم كانت مدّة الرّخاء؟- فقالت: ثمانين سنةً، فقال: استحيى من الله ان ادعوه وما بلغت مدّة بلائى مدّة رخائى؛ هكذا قيل: وسيجيء فى سورة ص تفصيل حاله.
الأعقم
تفسير : {وأيّوب إذ نادى ربه} لما اشتدت المحنة به وانقرضت أحواله ونفدت أولاده وسوس له الشيطان بما ضيق صدره فدعا ربه وكان أيوب (عليه السلام) من ولد إسحاق بن يعقوب وقد استثناه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله، وكان له سبعة بنين وسبع بنات، وكان له أصناف البهائم وخمس مائة فدّان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد، فأبلاه بذهاب ولده، انهدم عليهم البيت فهلكوا، وبذهاب ماله، وبالمرض في بدنه ثمان عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل: سبع سنين، وقيل: أربعون، وقيل: ثمانون سنة {وآتيناه أهله} ورد الله عليه أهله وجميع ماله {ومثلهم معهم رحمة من عندنا} أي نعمة منا عليه {وذكرى للعابدين} أي لكل مؤمن في الصبر والانقطاع إلى الله والتوكل عليه لأن كل من تذكر أمر أيوب سهل عليه الأمر وهان عليه المحن، وقيل: لئلا يعجبوا بعبادتهم إذا علموا حال أيوب، وقيل: ليقتدي به أهل البلاء ويعلموا أن عاقبة الصبر محمودة {وإسماعيل} هو أكبر ولد إبراهيم وأمه هاجر، وقيل: هو الذبيح، قال في الحاكم: وهو الصحيح {وذا الكفل} هو الياس، وقيل: زكريا، وقيل: يوشع بن نون، قال جار الله: كأنه سمي بذلك لأنه ذو الحظ من الله، وقيل: كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه، وقيل: ضعف ثوابهم وقيل: كان يتكفل، وقيل: كان يتكفل بأمر من قام به {وأدخلناهم في رحمتنا} أي أنعمنا عليهم، بالنبوة، وقيل: بالجنة والثواب {إنهم من الصالحين} أي الفاعلين للصلاح في أمر دينهم، ثم ذكر قصة يونس وزكريا فقال سبحانه: {وذا النون} أي صاحب النون وهو يونس {إذ ذهب مغاضباً} لقومه يعني غضب على قومه حين عصوه ولم يؤمنوا به فخرج قبل أن يؤذن، وظنّ أنه لا يعدّ ذنباً فكانت صغيرة مغفورة من جهته {فظن أن لن نقدر عليه} يعني نضيق عليه، وقيل: ظنّ أن لن نقضي عليه بالعقوبة، وقيل: ظنّ أن لن نقضي عليه بالرجوع إلى قومه، والقدرة بمعنى القضاء {فنادى في الظلمات}، قيل: ظلمة الليل، وقيل: ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، وقيل: حوت في بطن حوت آخر، وروي أنه اقترع أهل السفينة وخرجت القرعة عليه ثلاث مرات فقام وقال: أنا العبد الآبق وألقى نفسه في الماء فابتلعه حوت واختلفوا كم مكث في بطنه قيل: أربعون يوماً وليلة، وقيل: سبع أيام، وقيل: ثلاثة، وأمسك الله نفسه في بطن الحوت حيَّاً معجزة له، وقوله: {أن لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} لنفسي {فاستجبنا له} أي أجبنا دعاءه {ونجّيناه من الغم} من غم البحر، وقيل: قذفه الحوت إلى الساحل ثم أرسله الله إلى قومه {وكذلك ننجي المؤمنين} إذا دعونا، وعن سعيد بن المسيب يرفعه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : اسم الله إذا دعي به أجاب دعاء يونس". قال الراوي: قلت: يا رسول الله أله خاصة؟ قال: "له خاصة ولجميع المسلمين عامَّة ألم تسمع إلى قوله: {وكذلك ننجي المؤمنين} ".
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ} أي: المرض. وقال الحسن: هو كقوله: {أية : أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بنُصْبٍ وَعَذَابٍ )تفسير : [سورة ص: 41]. قال الحسن: إن إبليس قال: يا ربّ، هل من عبيدك عبد إن سلطتني عليه امتنع مني؟ قال: نعم، عبدي أيوب. قال: فسلّطني عليه. قال: فسلّطه عليه ليجهد جهده ويضلّه بخباله وغروره، فامتنع منه. قال إبليس: يا ربّ، إنه قد امتنع مني، فسلّطني على ماله. فسلّطه على ماله فجعل يُهلك ماله صنفاً صنفاً، ويأتيه فيقول له: يا أيوب، هلك مالك في كذا وكذا، فيقول: الحمد لله، اللهم أنت الذي أعطيتني، وأنت الذي أخذته منّي، إن تبق لي نفسي أحمدك على بلائك. فقال إبليس: يا ربّ، إن أيوب لا يبالي بماله، فسلّطني على ولده، [فسلطه الله عليهم] فجعل يهلكهم واحداً واحداً حتى هلكوا جميعاً. فقال إبليس: يا رب، إن أيوب لم يبال بولده، فسلّطني على جسده، فسلّطه الله عليه. فمكث سبع سنين وأشهراً حتى وقعت الأكلة في جسده. وبلغنا أن الدودة كانت تقع من جسده فيردّها في مكانها فيقول: كُلِي مما رزقك الله من لحمي. قال الحسن: فدعا ربه: (أية : أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) تفسير : [سورة ص: 41] وقال في هذه الآية: {أَنّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. فأوحى الله إليه أن اركض برجلك. فركض برجله ركضة فإذا هو يستطيع القيام، وإذا عين فاغتسل منها، فأذهب الله تبارك وتعالى ظاهر دائه. ثم مشى على رجليه أربعين ذراعاً، ثم قيل له: اركض برجلك أيضاً ركضة، فركض ركضة أخرى [فإذا عين فشرب منها]، فأذهب الله تبارك وتعالى باطن دائه، وردّ عليه أهله وأولاده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء أهلك بعينه. ثم أبقاه الله فيها حتى وهب الله له من نسولها أمثالها. فهو قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ}. وقال الحسن: إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم، وكانوا ماتوا قبل آجالهم، وإن الله أبقاهم حتى أعطاه من نسولهم مثلهم. ثم إن إبليس قال: يا أيوب، وهو يأتيه عياناً، اذبح لي سخلة من غنمك، قال: لا، ولا كفّاً من تراب. ذكروا عن ابن مسعود أنه كان يقول: لا يبلغ العبد الكفر والإِشراك بالله حتى يصلي لغير الله، أو يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله. ذكروا عن الحسن أنه قال: إن الله تبارك وتعالى يحتج على الناس يوم القيامة بثلاثة من الأنبياء، فيجيء العبد فيقول: رب أعطيتني في الدنيا جمالاً فأعجبت به، ولولا ذلك لعملت بطاعتك، فيقول الله: الجمال الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الجمال الذي أعطي يوسف؟ فيقول العبد: بل الجمال الذي أعطي يوسف. فيقول الله: إن يوسف كان يعمل بطاعتي فيحتج عليه بذلك. ويأتي العبد فيقول: يا رب، ابتليتني في الدنيا، ولولا ذلك لعملت بطاعتك، فيقول البلاء: أالبلاء الذي ابتليت به في الدنيا أشد أم البلاء الذي ابتلي به أيوب؟ فيقول العبد: بل البلاء الذي ابتلي به أيوب. فيقول الله: قد كان أيوب يعمل بطاعتي، فيحتج عليه بذلك. ويجيء العبد فيقول: يا رب، أعطيتني ملكاً في الدنيا فأعجبت به، ولولا ذلك لعملت بطاعتك، فيقول الله تبارك وتعالى: أالملك الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الملك الذي أعطي سليمان بن داوود؟ فيقول العبد: بل الملك الذي أعطي سليمان بن داوود. فيقول الله: قد كان سليمان يعمل بطاعتي، فيحتج عليه بذلك. ذكر الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم: لو كان نبيّاً ما ابتلي بالذي ابتلي به. فدعا الله فقال: اللهمّ إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت مثلها في السرّ، فاكشف ما بي من الضر، وأنت أرحم الراحمين. فاستجاب الله له، فوقع ساجداً، وأمطر عليه فراش الذهب، فجعل يلتقطه ويجمعه. قوله عز وجل: {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى للْعَابِدِينَ} أي أن الذي كان ابتلي به أيوب لم يكن من هوانه على الله، ولكن أراد الله كرامته بذلك. وجعل ذلك عزاء للعابدين بعده فيما يبتلون به. وهو قوله عزّ وجل: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}.
اطفيش
تفسير : {وَأَيُّوبُ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِى الضُّرُّ} أى بأنى. وقرأ أنَّى بكسر الهمزة تضمينا للنداء معنى القول، أو تقديرا للقول. والضر، بالضم: ما فى النفس من مرض أو هزال أو نحوهما، وبالفتح شائع فى كل ضرر. فالضر هنا: مرضه وهزاله واتشار لحمه. وقيل: المضموم كالمفتوح. وقد فسره بعض هنا بما ذكر، وذهابِ أولاده ومالِه، وتفرقِ الناس عنه غير زوجته. بقى كذلك ثمانى عشرة سنة. وقال قتادة: ثلاث عشرة سنة. وقال مقاتل: سبع سنين، وسبعة أشهر، وسبع ساعات. وقيل: ثلاث سنين. وهو قول وهب. وقال كعب: سبع سنين. وقال الحسن: سبع سنين وأشهرا. وكان - عليه السلام - من الروم، من ولد عيص بن إسحاق. وسكن حمزة ياء مسَّنى، فتحذف للساكن بعدها. {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وصفَ خالقَه بغاية الرحمة، بعد ذكر نفسه بما يقتضى الرحمة، مما مسَّه. وذلك تعريض لطيف فى السؤال، كقول الفقير للسلطان: عندى كذا وكذا ولدا، وقد بلغنى جودك العام. تعرضت عجوز لسليمان بن عبد الملك وقالت: يا أمير المؤمنين مشت جُرذان بيتى على العصى، أرادت أن الفئران لم تجد ما تأكل فى بيتها حتى كأنها رجال ضعيفة، تجرى على العصى. فقال: ألطفتِ فى السؤال لا جرم، لأردّنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا. وروى أن امرأته رحمة بنت أفراثيم بن يوسف، أو ما خير بنت ميشا بنت يوسف. قالت له: لو دعوتَ الله. فقال: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة. فقال: أنا أستحيى من الله أن أدعوه، وما بلغتْ مدةُ بلائى مدةَ رخائى.
اطفيش
تفسير : {وأيُّوب} عطف على نوحاً أو اذكر أيوب، أو لا تنس أيوب إذا ذكرت لك شأنه، وهو ابن أموص بن رزاح بن عيض بن إسحاق، وقيل أمه بنت لوط، ويقال أيوب بن أموص بن تارخ بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، ويقال كان أبوه مؤمناً بإبراهيم، وقال ابن جرير، كان بعد شعيب، وقال ابن خيثمة: بعد سليمان، وقال الكلبى: بعد يونس، وهو من بنى إسرائيل فى قول، وقيل من الروم، وأنه لا نبى منهم إلا هو، ويقال امرأته ما ضر بنت ميشا بن يوسف. {إذْ نادَى ربَّه أنِّى} بأنى {مسَّنى الضُّر} هو ما فى الناس من مرض وهزال نحوهما، وبالتفتح يعم ذلك وغيره، وقيل عامان سواء سلط الله عليه مرضا حتى كان كلحم فى وضم، وحتى بولغ بأنه لم يبق إلا لسانه وقلبه وعيناه، وتأويله أنه لم يصبهن مرض، وأصاب باقى جسده، وكان ملقى فى كناسة بيت المقدس، لا يقربه أحد إلا زوجه رحمة بنت أفرائيم ابن يوسف ابن يعقوب، وتسلط الدود فى جسده، وتقع واحدة فيردها ويقال: كلى رزقك، قلت: لا يصح هذا، بل لا يجوز فكيف يفعله ويخرج فى بدنه مثل ثدى المرأة، ثم ينفتق. قيل: سببه أنه استعان به مسكين على دفع ظلم، فلم يعنه، وقيل أجدب الشام فقال له فرعون: الحق بى فعندى سعة، فأقطع له أرضا واتفق أنه دخل شعيب على فرعون وهو عنده وقال: أما تخاف أن يغضب الله فتغضب له السماوات والأرض والجبال والبحار، ولم يعنه أيوب فقال الله عز وجلّ: اتسكت على إعانة شعيب على فرعون لأجل أن دعاك الى أرضه أنى أبتليك قال: فدينى، قال: أسلمه لك، فقال: لا أبالى والله أعلم بصحة ذلك. وكان غليظ البدن والأعضاء طويلها، جميلاً، وله سبعة بنين وسبع بنات، وأصناف البهائم، وخمسمائة فدان، فى كل واحد عبد له بزوج وولد، ويقال له ثلاثة آلاف بعير، وسبعة آلاف شاة، وذهب ذلك كله، وصحة بدنه، بقى كذلك ثمانى عشرة سنة، أو ثلاث عشرة، أو سبعاً أو ثلاثا أو سبعة أيام وسبع ساعات، وعمره إذا ذاك سبعون أو ثمانون أو أكثر، وعمره كله ثلاث وتسعون أو أكثر، وسبب دعائه أن إبليس أتى زوجه فى صورة عظيمة، وقال: أنا إله الأرض، غضبت على زوجك إذ عبد إله السماء دونى، فإن سجدت لى سجدة أرده الى حاله، فأخبرت أيوب بذلك، فقال: لعلك افتتنت باللعين وطردها، وحلف لا يقبل طعامها وشرابها، ولئن عفانى الله لأضربنك مائة سوط، فبقى فريداً، فحينئذ قال: {رب إنى} الخ. وعن الحسن مر به رجلان فقال أحدهما للآخر: لو أحبه الله لم يفعل به هذا، فقال: {رب} إلخ، ومثله ما قيل إنه لو كان نبيا لم يفعل الله تعالى به ذلك، وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : نهض ليصلى فلم يقدر فقال رب إنى مسنى الضر ".تفسير : {وأنت أرْحَم الراحِمِين} أرحم من كلّ راحم، وكل رحمة من مخلوق رحمة من الله، خلقها على يده، وذلك دعاء بألطف وجه وأبلغه، إذ لم يقل: اشفنى أو أزل عنى هذا الضر، ومن هذا الباب أن امرأة شكت الى بعض ولد سعد بن عبادة قلة الفأر فى بيتها، فقال: املئوا بيتها خبزاً وسمنا ولحما، تريد ما فى بيتى ما يأكل الفأر.
الالوسي
تفسير : {وَأَيُّوبَ} الكلام فيه كما مر في قوله تعالى: { أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ } تفسير : [الأنبياء:78] {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى} أي بأني {مَسَّنيَ ٱلضُّرُّ} وقرأ عيسى بن عمر بكسر الهمزة على إضمار القول عند البصريين أي قائلاً إني، ومذهب الكوفيين إجراء نادى مجرى قال، والضر بالفتح شائع في كل ضرر وبالضم خاص بما في النفس من مرض وهزال ونحوهما {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرٰحِمِينَ} أي وأنت أعظم رحمة من كل من يتصف بالرحمة في الجملة وإلا فلا راحم في الحقيقة سواه جل شأنه وعلاه، ولا يخفى ما في وصفه تعالى بغاية الرحمة بعدما ذكر نفسه بما يوجبها مكتفياً بذلك عن عرض الطلب من استمطار سحائب الرحمة على ألطف وجهه. ويحكى في التلطف في الطلب أن امرأة شكت إلى بعض ولد سعد بن عبادة قلة الفار في بيتها فقال: املؤا بيتها خبزاً وسمناً ولحماً، وهو عليه السلام على ما قال ابن جرير: ابن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحٰق، وحكى ابن عساكر / أن أمه بنت لوط عليه السلام وأن أباه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام فعلى هذا كان قبل موسى عليه السلام، وقال ابن جرير: كان بعد شعيب عليه السلام، وقال ابن أبـي خيثمة: كان بعد سليمان عليه السلام. وأخرج ابن سعد عن الكلبـي قال: أول نبـي بعث إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم إسمٰعيل وإسحٰق ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهٰرون ثم إلياس ثم اليسع ثم يونس ثم أيوب عليهم السلام، وقال ابن إسحٰق: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل ولم يصح في نسبه شيء إلا أن اسم أبيه أموص. وكان عليه السلام على ما أخرج الحاكم من طريق سمرة عن كعب طويلاً جعد الشعر واسع العينين حسن الخلق قصير العنق عريض الصدر غليظ الساقين والساعدين وكان قد اصطفاه الله تعالى وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله فكان له سبعة بنين وسبع بنات وله أصناف البهائم وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده بهدم بيت عليهم وبذهاب أمواله وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعاً وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات أو ثلاث سنين، وعمره إذ ذاك سبعون سنة، وقيل ثمانون سنة، وقيل أكثر، ومدة عمره على ما روى الطبراني ثلاث وتسعون سنة وقيل أكثر. روي أن امرأته وكونها ماضر بنت ميشا بن يوسف عليه السلام أو رحمة بنت افراثيم بن يوسف إنما يتسنى على بعض الروايات السابقة في زمانه عليه السلام ـ قالت له يوماً: لو دعوت الله تعالى فقال: كم كانت مدة الرخاء فذكرت مدة كثيرة وفي بعض الروايات ثمانين سنة فقال عليه السلام: أتسحي من الله تعالى أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. وروي أن إبليس عليه اللعنة أتاها على هيئة عظيمة فقال لها: أنا إلٰه الأرض فعلت بزوجك ما فعلت لأنه تركني وعبد إلٰه السماء فلو سجد لي سجدة رددت عليه وعليك جميع ما أخذت منكما. وفي رواية لو سجدت لي سجدة لرددت المال والولد وعافيت زوجك فرجعت إلى أيوب عليه السلام وكان ملقى في الكناسة ببيت المقدس لا يقرب منه أحد فأخبرته بالقصة فقال عليه السلام: لعلك افتتنت بقول اللعين لئن عافاني الله عز وجل لأضربنك مائة سوط وحرام على أن أذوق بعد هذا من طعامك وشرابك شيئاً فطردها فبقي طريحاً في الكناسة لا يحوم حوله أحد من الناس فعند ذلك خر ساجداً فقال ربي اني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه عليه السلام قال ذلك حين مر به رجلان فقال أحدهما لصاحبه: لو كان لله تعالى في هذا حاجة ما بلغ به هذا كله فسمع عليه السلام فشق عليه فقال رب الخ، وروى أنس مرفوعاً أنه عليه السلام نهض مرة ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال: رب الخ وقيل غير ذلك ولعل هذا الأخير أمثال الأقوال. وكان عليه السلام بلاؤه في بدنه في غاية الشدة، فقد أخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال: كان يخرج في بدنه مثل ثدي النساء ثم يتفقأ، وأخرج أحمد في «الزهد» عن الحسن أنه قال: ما كان بقي من أيوب عليه السلام إلا عيناه وقلبه ولسانه فكانت الدواب تختلف في جسده، وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عنه أن الدودة لتقع من جسد أيوب عليه السلام فيعيدها إلى مكانها ويقول: كلي من رزق الله تعالى، وما أصاب منه إبليس في مرضه كما أخرج البيهقي في «الشعب» إلا الأنين. وسبب ابتلائه على ما أخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه استعان به مسكين على درء ظلم عنه فلم يعنه. / وأخرج ابن عساكر عن أبـي إدريس الخولاني في ذلك أن الشام أجدب فكتب فرعون إليه عليه السلام أن هلم إلينا فإن لك عندنا سعة فأقبل بما عنده فأقطعه أرضاً فاتفق أن دخل شعيب على فرعون وأيوب عليه السلام عنده فقال: أما تخاف أن يغضب الله تعالى غضبة فيغضب لغضبه أهل السمٰوات والأرض والجبال والبحار فسكت أيوب فلما خرجا من عنده أوحى الله تعالى إلى أيوب أَوَسَكَتَّ عن فرعون لذهابك إلى أرضه؟ استعد للبلاء قال: فديني قاله سبحانه: أسلمه لك قال: لا أبالي، والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخبار. ثم إنه عليه السلام لما سجد فقال ذلك قيل له: ارفع رأسك فقد استجيب لك اركض برجلك فركض فنبعت من تحته عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت ولا جراحة إلا برئت ثم ركض مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وعاد صحيحاً ورجع إليه شبابه وجماله وذلك قوله تعالى:{فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ}
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : وداوود وسليمان}تفسير : [الأنبياء: 78] أي وآتينا أيوب حكماً وعلماً إذ نادى ربه. وتخصيصه بالذكر مع من ذكر من الأشياء لما اختصّ به من الصبر حتى كان مثلاً فيه. وتقدمت ترجمة أيوب في سورة الأنعام. وأما القصة التي أشارت إليها هذه الآية فهي المفصلة في السفر الخاص بأيوب من أسفار النبيئين الإسرائلية. وحاصلها أنه كان نبياً وذا ثروة واسعة وعائلة صالحة متواصلة، ثم ابتلي بإصابات لحقت أمواله متتابعة فأتت عليها، وفقد أبناءه السبعة وبناته الثلاثَ في يوم واحد، فتلقى ذلك بالصبر والتسليم. ثم ابتلي بإصابة قروح في جسده وتلقى ذلك كله بصبر وحكمة وهو يبْتهل إلى الله بالتمجيد والدعاء بكشف الضر. وتلقى رثاءَ أصحابه لحاله بكلام عزيز الحكمة والمعرفة بالله، وأوحى الله إليه بمواعظ. ثم أعاد عليه صحته وأخلفه مالاً أكثر من ماله وولدت له زوجه أولاداً وبناتتٍ بعدد من هَلكوا له من قبلُ. وقد ذكرت قصته بأبْسط من هنا في سورة ص، ولأهل القصص فيها مبالغات لا تليق بمقام النبوءة. و (إذْ) ظرف قيّد به إيتاءُ أيوب رباطة القلب وحكمة الصبر لأن ذلك الوقت كان أجلى مظاهر علمه وحكمته كما أشارت إليه القصة. وتقدم نظيره آنفاً عند قوله تعالى: {أية : ونوحاً إذ نادى من قبل}تفسير : [الأنبياء: 76] فصار أيوب مضرب المثل في الصبر. وقوله {أنِّي مسنِي الضرُ} ــــ بفتح الهمزة ــــ على تقدير باء الجر، أي نادى ربه بأني مسني الضر. والمسّ: الإصابة الخفيفة. والتعبير به حكاية لما سلكه أيوب في دعائه من الأدب مع الله إذ جعل ما حلّ به من الضر كالمس الخفيف. والضرّ ــــ بضمّ الضاد ــــ ما يتضرر به المرء في جسده من مرض أو هزال، أو في ماله من نقص ونحوه. وفي قوله تعالى: {وأنت أرحم الراحمين} التعريض بطلب كشف الضرّ عنه بدون سؤال فجعل وصفَ نفسه بما يقتضي الرحمة له، ووصفَ ربه بالأرحمية تعريضاً بسؤاله، كما قال أمية بن أبي الصلت:شعر : إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه عن تعرضه الثناء تفسير : وكونُ الله تعالى أرحم الراحمين لأن رحمته أكمل الرحمات لأن كل من رحِم غيرَه فإما أن يرحمه طلباً للثناء في الدنيا أو للثواب في الآخرة أو دفعاً للرقة العارضة للنفس من مشاهدة من تحق الرحمة له فلم يخل من قصد نفع لنفسه، وإما رحمته تعالى عباده فهي خلية عن استجلاب فائدة لذاته العلية. ولكون ثناء أيوب تعريضاً بالدعاء فرع عليه قوله تعالى: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر}. والسين والتاء للمبالغة في الإجابة، أي استجبنا دعوته العُرْضية بإثر كلامه وكشفنا ما به من ضرّ، إشارة إلى سرعة كشف الضرّ عنه، والتعقيب في كل شيء بحَسَبه، وهو ما تقتضيه العادة في البُرء وحصولِ الرزق وولادة الأولاد. والكشف: مستعمل في الإزالة السريعة. شبهت إزالة الأمراض والأضرار المتمكنة التي يعتاد أنها لا تزول إلا بطول بإزالة الغطاء عن الشيء في السرعة. والموصول في قوله تعالى: {ما به من ضر} مقصود منه الإبهام. ثم تفسيره بــــ (مِن) البيانية لقصد تهويل ذلك الضرّ لكثرة أنواعه بحيث يطول عدّها. ومثله قوله تعالى: {أية : وما بكم من نعمة فمن الله}تفسير : [النحل: 53] إشارة إلى تكثيرها. ألا ترى إلى مقابلته ضدها بقوله تعالى: {أية : ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون}تفسير : [النحل: 53]، لإفادة أنهم يهرعون إلى الله في أقل ضرّ وينسون شكره على عظيم النعم، أي كشفنا ما حلّ به من ضرّ في جسده وماله فأعيدت صحته وثروته. والإيتاء: الإعطاء، أي أعطيناه أهله، وأهل الرجل أهل بيته وقرابته. وفهم من تعريف الأهل بالإضافة أن الإيتاء إرجاع ما سلب منه من أهل، يعني بموت أولاده وبناته، وهو على تقدير مضاف بيّن من السياق، أي مثل أهله بأن رُزق أولاداً بعدد ما فَقَد، وزاده مثلهم فيكون قد رزق أربعة عشر ابناً وست بنات من زوجه التي كانت بلغت سنّ العقم. وانتصب {رحمةً}على المفعول لأجله. ووصفت الرحمة بأنها من عند الله تنويهاً بشأنها بذكر العندية الدالة على القرب المراد به التفضيل. والمراد رحمة بأيوب إذ قال {وأنت أرحم الراحمين}. والذكرى: التذكير بما هو مظنة أن ينسى أو يغفل عنه. وهو معطوف على {رحمة} فهو مفعول لأجله، أي وتنبيهاً للعابدين بأن الله لا يترك عنايته بهم. وبما في {العابدين}من العموم صارت الجملة تذييلاً.
الشنقيطي
تفسير : الظاهر أن قوله {وَأَيُّوبَ} منصوب باذكر مقدراً، ويدل على ذلك قوله تعالى في "ص" {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}تفسير : [ص: 41]. وقد أمر جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين نبيه صلى الله عليه وسلم: أن يذكر أيوب حين نادى ربه قائلاً: {نِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} وأن ربه استجاب له فكشف عنه جميع ما به من الضر، وأنه آتاه أهله، وآتاه مثلهم معهم رحمة منه جل وعلا به، وتذكيراً للعابدين أي الذين يعبدون الله لأنهم هم المنتفعون بالذكرى. وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضاً في سورة "ص" في قوله: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} تفسير : [ص: 41] إلى قوله {أية : لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [ص: 43] والضر الذي مس أيوب، ونادى ربه ليكشفه عنه كان بلاء أصابه في بدنه وأهله وماله. ولما أراد الله إذهاب الضر عنه أمره أن يركض برجله ففعل، فنبعت له عين ماء فاغتسل منها فزال كل ما بظاهر بدنه من الضر، وشرب منها فزال كل ما بباطنه. كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله: {أية : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}تفسير : [ص: 42]. وما ذكره في "الأنبياء": من أنه آتاه أهله ومثلهم رحمة منه وذكرى لمن يعبده ـ بينه في "ص" في قوله: {أية : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}تفسير : [ص: 43]، وقوله في "الأنبياء"، {وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} مع قوله في "ص"، {وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} فيه الدلالة الواضحة على أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، هم الذين يعبدون الله وحده ويطيعونه. وهذا يؤيد قول من قال من أهل العلم، إن من أوصى بشيء من ماله لأعقل الناس ـ أن تلك الوصية تصرف لأتقى الناس وأشدهم طاعة لله تعال. لأنهم هم أولو الألباب. أي العقول الصحيحة السالمة من الاختلال. تنبيه في هذه الآيات المذكورة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن قول أيوب المذكور في "الأنبياء" في قوله، {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} [الأنبياء: 83] وفي "ص" في قوله، {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}تفسير : [ص: 41] يدل على أنه ضجر من المرض فشكا منه. مع أن قوله تعالى عنه، {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً }تفسير : [ص: 44] يدل على كمال صبره؟ والجواب ـ أن ما صدر من أيوب دعاء وإظهار فقر وحاجة إلى ربه، لا شكوى ولا جزع. قال أبو عبدالله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة، ولم يكن قوله {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} [الأنبياء: 83] جزعاً. لأن الله تعالى، قال: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً}تفسير : [ص: 44] بل كان ذلك دعاء منه. والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلساً غاصاً بالفقهاء والأدباء في دار السلطان. فسئلت عن هذه الآية الكريمة بعد اجتماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً}تفسير : [ص: 44] فقلت: ليس هذا شكاية، وإنما كان دعاء. بيانه {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 84] والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية الكريمة فقال: عرفة فاقة السؤال ليمن عليه بكرم النوال ـ انتهى منه. ودعاء أيوب المذكور ذكره الله في سورة "الأنبياء" من غير أن يسند مس الضر أيوب إلى الشيطان في قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] وذكره في سورة "ص" وأسند ذلك للشيطان في قوله: {أية : أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}تفسير : [ص: 41] والنصب على جميع القراءات معناه: التعب والمشقة، والعذاب: الألم. وفي نسبة ما أصابه من المشقة والألم إلى الشيطان في آية "ص" هذه إشكال قوي معروف. لأن الله ذكر في آيات من كتابه: أن الشيطان ليس له سلطان على مثل أيوب من الأنبياء الكرام. كقوله: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}تفسير : [النحل: 99-100]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ}تفسير : [سبأ: 21] الآية، وقوله تعالى عنه مقرراً له: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي}تفسير : [إبراهيم: 22]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ}تفسير : [الحجر: 42]. وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة. منها ما ذكره الزمخشري قال: فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان، ولا يجوز أن يسلطه على أنبيائه ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحاً إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟ قلت: لما كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل. وروي أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين. فارتد أحدهم فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء الصالحين. وذكر في سبب بلائه: أن رجلاً استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه. وقيل. أعجب بكثرة ماله ـ انتهى منه. ومنها ما ذكره جماعة من المفسرين: أن الله سلط الشيطان على ماله وأهله ابتلاء لأيوب. فأهلك الشيطان ماله وولده، ثم سلطه على بدنه ابتلاء له فنفخ في جسده نفخة اشتعل منها، فصار في جسده ثآليل، فحكها بأظافره حتى دميت، ثم بالفخار حتى تساقط لحمه، وعصم الله قلبه ولسانه. (وغالب ذلك من الإسرائيليات) وتسليطه للابتلاء على جسده، وماله وأهله ممكن، وهو أقرب من تسليطه عليه بحمله على أن يفعل ما لا ينبغي. كمداهنة الملك المذكور، وعدم إغاثة الملهوف، إلى غير ذلك من الأشياء التي يذكرها المفسرون. وقد ذكروا هنا قصة طويلة تتضمن البلاء الذي وقع فيه، وقدر مدته (وكل ذلك من الاسرائيليات) وقد ذكرنا هنا قليلاً. وغاية ما دل عليه القرآن: أن الله ابتلى نبيه أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه ناداه فاستجاب له وكشف عنه كل ضر، ووهبه أهله ومثلهم معهم، وأن أيوب نسب ذلك في "ص" إلى الشيطان. ويمكن أن يكون سلطه الله على جسده وماله وأهله. ابتلاء ليظهر صبره الجميل، وتكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، ويرجع له كل ما أصيب فيه، والعلم عند الله تعالى وهذا لا ينافي أن الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب، لأن التسليط على الأهل والمال والجسد من جنس الأسباب التي تنشأ عنها الأعراض البشرية كالمرض، وذلك يقع للأنبياء، فإنهم يصيبهم المرض، وموت الأهل، وهلاك المال لأسباب متنوعة. ولا مانع من أن يكون جملة تلك الأسباب تسليط الشيطان على ذلك للابتلاء وقد أوضحنا جواز وقوع الأمراض والتأثيرات البشرية على الأنبياء في سورة "طه" وقول الله لنبيه أيوب في سورة "ص": {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ}تفسير : [ص: 44] الآية، قال المفسرون فيه: إنه حلف في مرضه ليضربن زوجه مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ ضغثاً فيضربها به ليخرج من يمينه، والضغث: الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو نحو ذلك. والمعنى: أنه يأخذ حزمة فيها مائة عود فيضربها بها ضربة واحدة، فيخرج بذلك من يمينه. وقد قدمنا في سورة "الكهف" الاستدلال بآية {وَلاَ تَحْنَثْ} على أن الاستثناء المتأخر لا يفيد. إذ لو كان يفيد لقال الله لأيوب قل إن شاء الله. ليكون ذلك استثناء في يمينك.
الواحدي
تفسير : {وأيوب إذ نادى ربه} دعا ربَّه {أني مسني الضرُّ} أصابني الجهد. وقوله: {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} وهو أنَّ الله تعالى أحيا مَنْ أمات من بنيه وبناته، ورزقه مثلهم من الولد {رحمة} نعمةً {من عندنا وذكرى للعابدين} عظةً لهم ليعلموا بذلك كمال قدرتنا. وقوله: {وذا الكفل} هو رجلٌ من بني إسرائيل تكفَّل بخلافه نبيٍّ في أُمَّته، فقام بذلك.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وأيوب: أي واذكر أيوب. إذ نادى ربه: أي دعاه لما ابتلي بفقد ماله وولده ومرض جسده. مسني الضر: هو ما ضر بجسمه أو ماله أو ولده. وذكرى للعابدين: أي عظة للعابدين، ليصبروا فيثابوا. وأدخلناهم في رحمتنا: بأن نبأناهم فانخرطوا في سلك الأنبياء إنهم من الصالحين. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر إفضالات الله تعالى وإنعامه على من شاء من عباده الصالحين فقوله تعالى في الآية الأولى [83] {وَأَيُّوبَ} أي واذكر عبدنا في شكره وصبره وسرعة أَوْبِتَه، وقد ابتليناه بالعافية والمال والولد، فشكر وابتليناه بالمرض وذهاب المال والأهل والولد فصبر. أذكره {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} أي داعياً ضارعاً بعد بلوغ البلاء منتهاه ربّ أي يا رب {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} دعاءه {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ} من زوجة وولد {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} أي ضاعف له ما أخذه منه بالابتلاء بعد الصبر وأما المال فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم انه أنزل عليه رَجْلاً من جَرَادٍ من ذهب فكان أيوب يحثو في ثوبه حثيثاً فقال له ربّه في ذلك فقال من ذا الذي يستغني عن بركتك يا رب. وقوله تعالى: {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي رحمناه رحمة خاصة، وجعلنا قصته ذكرى وموعظة للعابدين لنا لما نبتليهم بالسراء والضراء فيشكرون ويصبرون ائتساء بعبدنا أيوب {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} تفسير : [ص: 44]. وقوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ} أي واذكر في عداد المصطفين من أهل الصبر والشكر إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وإدريس وهو أخنوخ وذا الكفل {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} على عبادتنا الشاكرين لنعمائنا، وأدخلناهم في رحمتنا فنبأنا منهم من نبأنا وأنعمنا عليهم وأكرمناهم بجوارنا إنهم من الصالحين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- علو مقام الصبر ومثله الشكر فالأول على البأساء والثاني على النعماء. 2- فضيلة الدعاء وهو باب الاستجابة وطريقها من ألهمه ألهم الاستجابة. 3- في سير الصالحين مواعظ وفي قصص الماضيين عبر. 4- من ابتلي بفقد مال أو أهل أو ولد فَصَبَر كان له من الله الخلف وما يقال عند المصيبة "إنا لله وإنا إليه لراجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها".
القطان
تفسير : الضُر: الضرر بالنفس كالمرض ونحوه. والضَر: بالفتح الضرر من كل شيء. ذو النون: النبي يونس بن متّى. والنون: الحوت. مغاضِبا: غضبان من قومه. الظلمات: جمع ظلمة، المكان المظلم. اصلحنا له زوجه: جعلناها تلد وكانت عقيما. {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ}. اذكر أيها النبي قصة أيوب حين دعا ربه وقد أضناه المرض، ومسّه البلاء، فقال: يا رب، قد أصابني الضر وأنت الكريم الجواد، وانت أرحم الراحمين. فاستجبنا له دعاءه، وعافيناه ورفعنا عنه الضر، وأعطيناه أولاداً بقدْر من مات من أولاده، وزدناه مثلهم، رحمةً به من فضلنا، وتذكرة لغيره من العابدين. وقصة أيوب من القصص الرائعة، والنصوصُ القرآنية تشير الى مجملها دون تفصيل. وقد ذُكر صاحبها في القرآن أربع مرات: في سورة النساء، والأنعام، والانبياء، وص. وله سِفر خاص به في العهد القديم يحتوي على 42 إصحاحا في خمسة فصول كبيرة: الأول: يتضمن تقوى ايوب وأملاكه واقاربه وصفاته. الثاني: يتضمن ما جرى بينه وبين أصحابه من الجدال. الثالث: يذكر أقوال الحكمة التي نطق بها "الياهو" اصغر اصحاب ايوب. الرابع: يذكر مخاطبة الله إياه من العاصفة. الخامس: يتضمن خضوعه وشفاءه وتعويض ما فقده من المال والأهل. وأيوب من أنبياء العرب كان يسكن أرض "عُوص" في شرق فلسطين او في حوران. وهو من بني ابراهيم كما جاء في سورة الأنعام الآية 84 {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ}.تفسير : وسِفر ايوب عربي الأصل بما فيه من أسماء للأشخاص والأماكن، ومن وصف لبادية الشام وحيواناتها ونباتاتها.... يقول الأب لويس شيخو في كتابه: النصرانية وآدابها، وهو يذكر علم النجوم: ولنا شاهدٌ في سِفر أيوب على معرفة العرب لأسماء النجوم وحركاتها في الفلك، إذ كان ايوب النبي عربي الأصل عاش غربي الجزيرة حيث امتحن الله صبره. ويقول الدكتور جواد علي في كتابه: تاريخ العرب قبل الاسلام.. من القائلين بأن سفر أيوب عربي الاصل والمتحمسين في الدفاع عن هذا الرأي المستشرقُ "مرجليوث". وقد عالج هذا الموضوع بطريقة المقابلات اللغوية ودراسة الاسماء الواردة في سفر ايوب. وقد اكد هذا الرأي كثير من المؤرخين. وخلاصة قصته انه كان صاحب أموال كثيرة، وابتلاه الله بان أذهبَ اموالَه حتى صار فقيرا، وابتلاه بجسده حتى نفر عنه أقاربه، وبقي طريحاً مدة من الزمن، وهو صابر مستمرٌّ على عبادته وشكره لربه. ثم ان الله تعالى عافاه ورزقه وردّ له احسن مما ذهب عنه من المال والولد. {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}. اذكُر أيها النبي اسماعيل وادريس وذا الكفل، كل منهم كان من الصابرين على احتمال التكاليف والشدائد، وكل هؤلاء ادخلناهم جناتِ النعيم، إنهم من عبادنا الصالحين. {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ}. واذكر ايها الرسول يونسَ، صاحبَ الحوت، حين بعثه الله الى أهل "نينوى" في العراق، فدعاهم الى توحيد الله وعبادته فأبَوا عليه وتمادوا في كفرهم، فغضب منهم وتركهم. وركب مع قوم في سفينة، فهاج البحر وكان لا بد من إلقاء أحدٍ ممن في السفينة، فوقعت القرعة على يونس، كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ}تفسير : [الصافات:141]، فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت. فدعا ربه وهو في الظلمات، واعتراف بأنه من الظالمين، فاستجاب الله له دعاءه، ونجّاه من ذلك الكرب الشديد. هكذا ننجي المؤمنين الذي يعترفون باخطائهم ويدعون ربهم مخلصين. قراءات: قرأ يعقوب: فظن ان لن يُقدَر عليه بضم الياء وفتح الدال. والباقون: نقدر بفتح النون وكسر الدال. {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ}. اذكر يا محمد خبر زكريا حين نادى ربّه وطلب منه أن يرزقه ولدا، فرزقه يحيى من خيرة الأنبياء. وأصلحنا له زوجته بأن جعلناها تلد، فهم أهل بيتٍ صالحون، يعملون الخير ويعبدوننا رغبة منهم في رحمتنا، وخوفا من عذابنا. وقد مر ذكر زكريا في سورة آل عمران، وسورة مريم. {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}. كذلك اذكر يا محمد مع هؤلاء الأبرار قصة مريم التي صانت نفسها، فأَلقينا فيها سرّاً من أسرارنا، ومعجزة كبيرة بأن حملت دون زوج، وجعلنا امرها هي وابنها آية للناس يستدلّون بها على قدرة الله وحكمته.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلرَّاحِمِينَ} (83) - يذْكُرُ اللهُ تَعالى مَا أَصابَ عَبْدَهُ أَيُّوبَ عَليْه السلامُ، مِنَ البَلاءِ في مَالِهِ وولَدِهِ وجَسَدِهِ، ولبِثَ فِي ذلِكَ البلاءِ مُدَّةً طَويلةً فَنادَى رَبَّه: يَا رَبِّ لَقَدْ مَسَّنِي الضُّرُّ فَارْحَمْنِي، وأفِضْ عَليَّ مِنْ جُودِكَ وَرَحْمَتِكَ مَا يُسْعِفُنِي، ويَدْفَعُ الضُّرَّ عَنِّي، وأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
الثعلبي
تفسير : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} الآية. قال وهب بن منبّه: كان أيّوب رجلاً من الروم، وهو أيّوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أُمّه من ولد لوط بن هاران، وكان الله تعالى قد اصطفاه ونبّأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البثينة من أرض الشام كلّها سهلها وجبلها بما فيها، وكان له من أصناف المال كلّه من الابل والبقر والخيل والحمير ما لا يكون لرجل أفضل منه في العُدّة والكثرة، وكان له بها خمسمائة فدّان يتبعها خمسمائة عبد، لكلّ عبد امرأة وولد ومال، ويحمل له كلّ فدان أتان، لكلّ أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك، وكان الله سبحانه أعطاه أهلاً وولداً من رجال ونساء، وكان برّاً تقيّاً رحيماً بالمساكين، يكفل الأرامل والأيتام ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكراً لأنعم الله سبحانه، مؤدياً لحقّ الله تعالى، قد امتنع من عدوّ الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من العزّة والغفلة والسهو والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثة قد آمنوا به وصدّقوه وعرفوا فضله: رجل من أهل اليمن يقال له اليفن، ورجلان من أهل بلاده يقال لأحدهما بلدد وللآخر صافر، وكانوا كهولاً. قال وهب: إنّ لجبرئيل (عليه السلام) بين يدي الله سبحانه مقاماً ليس لأحد من الملائكة في القربة والفضيلة، وإنّ جبرئيل هو الذي يتلقّى الكلام، فإذا ذكر الله عبداً بخير تلقّاه جبرئيل ثم لقّاه ميكائيل وحوله الملائكة المقرّبون حافّين من حول العرش، فإذا شاع ذلك في الملائكة المقرّبين صارت الصلاة على ذلك العبد من أهل السموات، فإذا صلّت عليه ملائكة السموات هبطت عليه بالصلاة إلى ملائكة الأرض، وكان إبليس لعنه الله لا يحجب عن شيء من السماوات، وكان يقف فيهنّ حيث ما أراد، ومن هنالك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنّة، فلم يزل على ذلك يصعد في السموات حتى رفع الله سبحانه عيسى ابن مريم فحجب من أربع، وكان يصعد في ثلاث، فلمّا بعث الله تعالى محمداً (عليه السلام) حجب من الثلاث الباقية، فهو وجنوده محجوبون من جميع السموات إلى يوم القيامة {أية : إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الحجر: 18] . قال: فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب وذلك حين ذكره الله سبحانه وأثنى عليه، فأدركه البغي والحسد وصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه فقال: يا إلهي نظرت في أمر عبدك أيوّب فوجدته أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ثمّ لم تجرّبه بشدّة ولا بلاء وأنا لك زعيم، لئن ضربته بالبلاء ليكفرنّ بك ولينسينّك، فقال الله سبحانه وتعالى له: انطلق فقد سلّطتك على ماله، فانقض عدوّ الله حتى وقع إلى الأرض ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم وقال لهم: ماذا عندكم من القوّة والمعرفة؟ فإنّي قد سُلّطتُ على مال أيوب، وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال. قال عفريت من الشياطين: أُعطيتُ من القوّة ما إذا شئت تحوّلت إعصاراً من النار وأحرقت كلّ شيء آتي عليه، قال له إبليس: فاتِ الإبل ورِعاها فانطلق يؤم الإبل وذلك حين وضعت رؤوسها ويثبت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار ينفخ منها أرواح السّموم، لا يدنو منها أحد إلاّ احترق، فلم يزل يحرقها ورعاها حتى أتى على آخرها، فلمّا فرغ منها تمثّل إبليس على قعود منها يراعها ثم انطلق يؤم أيوّب حتّى وجده قائماً يصلّي فقال: يا أيّوب، قال: لبيّك، قال: هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعائها؟ قال أيوب: انّها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه، وقديماً وطّنت مالي ونفسي على الفناء. قال إبليس: فإنّ ربّك أرسل عليها ناراً من السّماء فاحترقت ورعاؤها كلّها، فتركت الناس مبهوتين وقفاً عليها يتعجّبون منها، منهم من يقول: ما كان أيّوب يعبد شيئاً وما كان إلاّ في غرور، ومنهم من قال: لو كان إله أيّوب يقدر على أن يصنع شيئاً لمنع وليّه، ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت به عدوّه ويفجع به صديقه. قال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع منّي، عرياناً خرجت من بطن أُمّي، وعرياناً أعود في التراب، وعرياناً أُحشر إلى الله سبحانه، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيّها العبد خيراً لتقبّل روحك مع تلك الأرواح فآجر لي فيك وصرت شهيداً، ولكنه علم منك شراً فاخّرك، وخلصك من البلاء كما يخلص الزوّان من القمح الخالص. فرجع إبليس لعنه الله إلى أصحابه خاسئاً ذليلاً فقال: ماذا عندكم من القوّة فإني لم أكلّم قلبه، قال عفريت من عظمائهم: عندي من القوة اما إذا شئت صحت صوتاً لا يسمعه ذو روح إلاّ خرجت مهجة نفسه، قال له ابليس: فأتِ الغنم ورعاها فانطلق يأتي الغنم ورعاها حتى إذا توسطها صاح صوتاً جثمت أمواتاً من عند آخرها، ومات رعاؤها، ثم خرج إبليس متمثّلاً بقهرمان الرعاء حتى إذا جاء أيوب وهو قائم يصلّي، فقال له القول الأول وردّ عليه أيّوب الردّ الأول. ثمّ إن إبليس رجع إلى أصحابه فقال لهم: ماذا عندكم من القوّة فإنّي لم أُكلّم قلب أيوّب، فقال عفريت من عظمائهم: عندي من القوّة ما إذا شئت تحوّلت ريحاً عاصفاً تنسف كلّ شيء تأتي عليه حتى لا أُبقي شيئاً، قال له إبليس: فأت الفدادين والحرث، فانطلق يؤمهم وذلك حين قرنوا الفدادين وأنسؤوا في الحرث، وأولادها رتوع، فلم يشعروا حتى هبّت ريح عاصف فنسفت كلّ شيء من ذلك حتّى كأنّه لم يكن، ثم خرج إبليس متمّثلاً بقهرمان الحرث حتى جاء أيّوب وهو قائم يصلّي فقال له مثل قوله الأوّل وردّ عليه أيوّب مثل ردّه الأوّل، فجعل إبليس يصيب ماله مالاً مالاً حتى مرَّ على آخره، كلّما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء ووطّن نفسه للصبر على البلاء حتى لم يبق له مال. فلمّا رأى إبليس أنّه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعاً حتى وقف الموقف الذي كان يقفه فقال: إلهي إنّ أيّوب يرى أنّك ما متّعته بنفسه وولده فأنت معطيه المال، فهل أنت مسلطي على ولده فإنّها الفتنة المضلّة والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال ولا يقوى عليها صبرهم. قال الله سبحانه: انطلق فقد سلّطتك على ولده، فانقضّ عدوّ الله حتى جاء بني أيّوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب والجندل حتى إذا مثّل بهم كلّ مثلة رفع بهم القصر وقلبه فصاروا منكّسين، وانطلق إلى أيّوب متمثّلاً بالمعلّم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه، فأخبره بذلك وقال: يا أيوب لو رأيت بنيك كيف عذّبوا وكيف قلبوا فكانوا منكّسين على رؤوسهم، تسيل دماؤهم ودماغهم من أُنوفهم وأشفارهم وأجوافهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه ويرقّقه حتى رقّ أيوب فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعاً بالذي كان من جزع أيّوب مسروراً به، ثمّ لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر، فاستغفر وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته، فبدروا إبليس إلى الله سبحانه وهو أعلم، فوقف إبليس خازياً ذليلاً فقال: يا إلهي إنّما هوّن على أيّوب خطر المال والولد إنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده، فأنى لك زَعم لئن ابتليته في جسدِهِ ليُنَسِينّك وليكفِرنّ بك ولجحدنّك نعمتك. فقال الله سبحانه: انطلق فقد سلّطتُك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله، وكان الله تعالى هو أعلم به، لم سلطه عليه إلاّ رحمة ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كلّ بلاء نزل بهم ليتأسّوا به في الصبر ورّجاء الثواب. وانقض عدو الله إبليس سريعاً فوجد أيوب ساجداً فعجّل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قِبل الأرض في موضع وجهه فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده فذهل وخرج به من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم وقعت فيه حكّة لا يملكها، فحكّ بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخّار والحجارة الخشنة فلم يزل حكها حتى نفل لحمه وتقطع وتغير وانتن. فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً ورفضه خلق الله كلهم غير امرأته، وهي رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب، وكانت تختلف إليه بما يصلحه ويلزمه، فلما رأى الثلاثة من أصحابه وهم: أليفر ويلدد وصافر ما إبتلاه الله سبحانه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه ولاموه وقالوا له: تب إلى الله سبحانه من الذنب الذي عوقبت به، قال: وحضر معهم فتى حديث السِن وكان قد آمن به وصدّقه فقال لهم: إنكم تكلمتم أيها الكهول وكنتم أحق بالكلام لأسنانكم، ولكن قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان لا يؤت عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عِبتم واتهمتم؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض يومكم هذا، ثم لم تعلموا أو لم يطلعكم الله على أنه قد سخط شيئاً من أمره منذ أتاه ما أتاه إلى يومكم هذا، ولا على أنه نزع منه شيئاً من الكرامة التي اكرمه بها، ولا أن أيوب غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا، وإن كان البلاء هو الذي أزري به عندكم ووضعه في أنفسكم، فقد علمتم أان الله سبحنه يبتلي النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم ليس بلاؤه لأولئك بدليل على سخطه عليهم، ولا هوانه لهم، ولكنها كرامة وخيرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله تعالى بهذه المنزلة إلاّ أنه أخٌ اجتبيتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء ولا يعيّره بالمصيبة ولا يعيبه بما لا يعلم، وهو مكروب جرين، ولكنه يرحمه ويبكي معه ويستغفر له ويحزن بحزنه ويدله على مراشد أمره، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم. ألم تعلموا أن لله عباداً أسكتتهم خشية من غير عيّ ولا بُكْم، وأنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الأولياء العالمون بالله وبأيامه، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم واقشعرّت جلودهم، وانكسرت قلوبهم، وطاشت عقولهم إعظاماً لله وإعزازاً وإجلالاً، فإذا استفاقوا من ذلك اسْتَبَقُوا إلى الله بالأعمال الزاكية، يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأَنْزَاه برآء، ويعدون أنفسهم مع المقصرين المفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء، ولكنهم لا يستكثرون لله الكثير ولا يرضون لله بالقليل، ولا يدلون عليه بالأعمال فهم مروّعون مفزَّعون خاشعون مستكينون. فقال أيوب: إن الله سبحانه يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير فمتى ثبتت في القلب يظهرها الله على اللسان، وليست تكون الحكمة من قبل السنّ والشيبة ولا طول التجرية، ولئن جعل الله تعالى العبد حكيماً في الصبا لم يسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله سبحانه عليه نور الكرامة. ثم أقبل أيوب على الثلاثة فقال: أتيتموني غضاباً رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم من قبل أن تضربوا، كيف بي لو قلتُ لكم تصدّقوا عنّي بأموالكم لعلّ الله أن يخلّصني، أو قرّبوا عنّي قرباناً لعلّ الله يتقبّله ويرضى عني، وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم وظننتم أنكم عوقبتم بإحسانكم فهنالك بغيتم وتعزّزتم ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربّكم ثمّ صدقتم لوجدتم لكم عيوباً سترها الله بالعافية التي ألبسكم، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقّرونني وأنا مسموع كلامي، معروف حقّي، منصف من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم، فإنّكم كنتم علىَّ أشدّ من مصيبتي. ثمّ أعرض عنهم وأقبل على ربّه مستعيناً به متضرعاً إليه فقال: ربّ لأىّ شيء خلقتني؟ ليتني إذ كرهتني لم تخلقني، يا ليتني كنت حيضة ألقتني أُمّي، أو يا ليتني عرفت الذّنب الذي أذنبتُ والعمل الذي عملتُ فصرفت وجهك الكريم عنّي، لو كنت أمتّني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل لي، ألم أكن للغريب داراً وللمسكين قراراً ولليتيم وليّاً وللأرملة قيّماً؟ الهي أنا عبد ذليل، إن أحسنتُ فالمنّ لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضاً وللفتنة نصباً، وقد وقع عليَّ بلاء لو سلّطته على جبل ضَعُف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي، إلهي تقطّعت أصابعي فإنّي لأرفع الأكلة من الطعام بيديَّ جميعاً فما تبلغان فمي إلاّ على الجهد منّي، تساقطت لهواتي ولحم رأسي، فما بين أُذنيَّ من سداد حتى أنّ إحداهما تُرى من الأُخرى، وإنّ دماغي يسيل من فمي. تساقط شعر عيني فكأنما حُرّق بالنار وجهي، وحدقتاي هما متدلّيتان على خدّي، ورم لساني حتى ملأ فمي، فما أدخل منه طعاماً إلاّ غصّني، ورمتْ شفتاي حتّى غطّت العليا أنفي والسفلى ذقني، تقطّعت أمعائي في بطني فإنّي لأُدخله الطعام فيخرج كما دخل ما أُحسّه ولا ينفعني، ذهبت قوّة رجليَّ فكأنهما قربتا ماء أُطيق حملهما، ذهب المال فصرت أسأل بكفّي فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة، فيمنّها عليّ ويعيّرني، هلك أولادي ولو بقي أحد منهم أعانني على بلائي ونفعني، قد ملّني أهلي وعقّني أرحامي وتنكّرت معارفي ورغب عنّي صديقي وقطعني أصحابي وجُحدتْ حقوقي ونُسيتْ صنايعي، أصرخ فلا يصرخونني وأعتذر فلا يعذرونني، ودعوت غلامي فلم يجبني وتضرّعت لأمتي فلم ترحمني وأنحل جسمي ولو أنّ ربىّ نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتّى أتكلّم بملء فمي، ثمّ كان ينبغي للعبد أن يحاجّ عن نفسه، لرجوت أن يعافيني عند ذلك ممّا بي ولكنّه ألقاني وتعالى عنّي فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه، لا نظر إلىّ فرحمني ولا دنا منّي ولا أدناني، فأتكلم ببراءتي وأُخاصم عن نفسي. فلمّا قال ذلك أيّوب وأصحابه أظلّه غمام حتّى ظنّ أصحابه أنّه عذاب، ثمّ نودي منه: يا أيّوب إنّ الله يقول: ها أنا دنوت منك ولم أزل منك قريباً، فقم فأدل بعذرك وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك واشدد إزارك وقم مقام جبّار فإنّي لا ينبغي لي أن يخاصمني إلاّ جبّار مثلي ولا ينبغي أن يخاصمني إلاّ من يجعل الزمّار، في فم الأسد والسّخال في فم العنقاء واللجام في فم التنينّ، ويكتال مكيالاً من النّور ويزن مثقالاً من الرّيح ويصرّ صرّةً من الشّمس ويردّ أمس، لقد منّتك نفسك أمراً ما يبلغ بمثل قوتّك ولو كنت إذ منّتك ذلك ودعتك إليه، تذكّرت أىّ مرام رامت بك. أردت أن تخاصمني بفيك أم أن تحاجّني بخطابك أم أردت ان تكابرني بضعفك؟ أين أنت منّي يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها؟ هل علمت بأي مقدار قدّرتها أم كنت معي تمد بأطرافها، أم تعلم ما بعد زواياها أم على أىّ شيء وضعت أكنافها؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض، أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاءً؟ أين كنت منّي يوم رفعت السّماء سقفاً في الهواء لا بعلائق سُيّبت ولا يحملها دعم من تحتها؟ هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسيّر نجومها أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها؟ أين أنت منّي يوم سخّرت البحار ونبعت الأنهار؟ أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدّتها؟ أين أنت منّي يوم صببت الماء على التراب ونصبت شوامخ الجبال؟ هل لك من ذراع يطيق حملها أم هل تدري كم من مثقال فيها، أم أين الماء الذي أنزلت من السماء؟ هل تدري أُمٌّ تلده أو أبٌ يولدهُ؟ أحكمتك أحصت القطر وقَسمت الأرزاق، أم قدرتك تثير السحاب وتغشيه الماء؟ هل تدري ما أصوات الرعود أم من أىّ شيء لهب البرق؟ وهل رأيت عمق البحر، أم هل تدري ما بعد الهواء، أم هل خزنت أرواح الأموات، أم هل تدري أين خزانة الثلج، أو أين خزائن البرد، أم أين جبال البرد، أم هل تدري أين خزانة الليل بالنهار، وأين خزانة النهار بالليل، وأين طريق النور، وبأىّ لغة تتكلّم الأشجار، وأين خزانة الريح؟ وكيف تحبسه الأغلاق؟ ومن جعل العقول في الرّجال؟ ومن شق الأسماع؟ ومن ذلّت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته وقسم أرزاق الدوابّ بحكمته؟ من قسّم للأُسد رزقها وعرّف الطير معاشها وعطفها على أفراخها؟ من أعتق الوحش من الخدمة وجعل مساكنها البريّة، لا تستأنس بالأصوات ولا تهاب المسلّطين، أم حكمتك عطفت أمهاتها عليها حتى أخرجت لها الطعام من بطونها وآثرتها بالعيش على نفوسها، أم من حكمتك تُبصّر العقاب الصيد البصر البعيد وأصبح في أماكن القتلى؟ أين أنت منّي يوم خلقت يهموت مكانه في مقطع التراب والوثبان يحملان الجبال والقرى والعمران، آذانهما كأنها شجر الصنوبر الطوال، ورؤسهما كأنها كوم الجبال، وعروق أفخاذها كأنها عمد النحاس، أنت ملأت جلودهما لحماً أم أنت ملأت رؤسهما دماغاً؟ هل لك في خلقهما من شرك أم لك بالقوة التي غلبتها يدان؟ هل تبلغ من قوّتك أن تضع يدك على رؤوسهما أو تقعد لهما على طريق فتحبسهما أو تصدّهما من قوتهما؟ أين أنت يوم خلقت للتنّين رزقه في البحر ومسكنه في السحاب؟ عيناه توقدان ناراً ومنخراه يثوران دخاناً، أُذناه مثل قوس السحاب، يثور منهما لهب كأنّه إعصار العجاج، جوفه يحترق ونفسه تلتهب وزبده جمر كأمثال الصخور، وكأنّ صريف أسنانه أصوات الصواعق، وكأنّ نظر عينيه لهب البرق، وتمرّ به الجيوش وهو متكئ لا يفزعه شيء، ليس فيه مفصل الحديد، عنده مثل الطين، والنحاس، عنده مثل الخيوط لا يفزع من النشّاب ولا يحسّ وقع الصخور على جسده، ويسير في الهواء كأنّه عصفور، ويهلك كلّ شيء يمرّ به، هل أنت آخذه بأُحبولتك أو واضع اللجام في شدقه؟ هل تحصي عمره أم هل تعرف تقّوت رزقه أم هل تدري ماذا خرّب من الأرض؟ وماذا يخرّب فيما بقي من عمره؟ أتطيق غضبه حين يغضب أم تأمره فيطيعك؟ تبارك الله وتعالى. فقال أيّوب: قصرت عن هذا الأمر الذي يعرض علىّ ليت الأرض انشقّت فذهبت فيها ولم أتكلّم بشيء يسخط ربّي، اجتمع علىّ البلاء إلهي فجعلتني مثل العدوّ، وقد كنت تكرمني وتعرف نصحي، وقد علمت أنّ كلّ الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من هذا، ما شئت عملت، لا يعجزك شيء ولا تخفى عليك خافية ولا تغيب عنك غائبة، من هذا الذي يظن أن يسرّ عنك سرّاً وأنت تعلم ما يخطر على القلوب؟ وقد علمت منك في بلائي هذا ما لم أكن أعلم، وخفت حين بلوت أمرك أكثر ممّا كنت أخاف، إنّما كنت أسمع بسطوتك سمعاً فأمّا الآن فهو نظر العين، إنّما تكلمت حين تكلمت لتعذرني، وسكتُّ حين سكتُّ لترحمني، كلمة زلّت فلن أعود، قد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني وألصقت بالتراب خدّي ودسست فيه وجهي لِصَغاري، وسكتُّ كما أسكتتني خطيئتي، فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشيء تكرهه مني. فقال الله سبحانه: يا أيوب فقد نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي إذ خطئت فقد غفرت لك، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم ليكون لمن خلفك آية، ويكون عبرة لأهل البلاء وغزاءً للصابرين فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، فيه شفاؤك، وقرّب عن صحابتك قرباناً واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك. فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها، فاغتسل فأذهب الله عنه كلّما كان به من البلاء، ثمَّ خرج فجلس وأقبلت امرأته فقامت تلتمسه في مضجعه فلم تجده فقامت كالواله مترددة متحيّرة ثم قالت: يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا؟ فقال لها: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم ومالي لا أعرفه؟ فتبسم وقال: أنا هو فعرفته بمضحكه فاعتنقته. قال ابن عباس: فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مرّ بهما كلّ مال لهما وولد، فذلك قوله {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ}. واختلف العلماء في وقت ندائه، والسبب الذي قال: لأجله أنّي مسّني الضرّ وفي مدّة بلائه. فحدَّثنا الإمام أبو الحسن علىّ بن سهل الماسرخسي إملاء يوم الجمعة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو طالب عمر بن الربيع بن سليمان الخشّاب بمصر قال: حدَّثنا يحيى بن أيوب العلاّف قال: حدَّثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدَّثنا نافع بن يزيد عن عقيل عن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أيوب نبيّ الله لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلاّ رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلمّا راحا إلى أيوّب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك، فقال أيّوب: ما أدري ما يقولان غير أنّ الله سبحانه يعلم أني كنت أمرّ بالرجلين يتنازعان فيذكران الله سبحانه وتعالى، فأرجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلاّ في حقّ ". تفسير : قال: فكان يخرج بحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلمّا كان ذات يوم أبطأعليها، وأُوحي إلى أيّوب في مكانه {أية : ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} تفسير : [ص: 42] فاستبطأته فتلقته تنظر، وأقبل عليها وقد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلمّا رأته قالت: هل رأيت نبىّ الله هذا المبتلى؟ قال: إنّي أنا هو، وكان له اندران: أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سبحانه سحابتين، فلمّا كانت أحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأُخرى في أندر الشعير الوَرَق حتى فاض. وقال الحسن: مكث أيّوب مطروحاً على كناسة في مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهراً تختلف فيه الدوابّ. وقال وهب: لم يكن بأيّوب أكلة إنّما كان يخرج منه مثل ثدي النّساء ثم يتفقّأ. قال الحسن: ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقرّبه غير رحمة صبرت معه، تصّدّق وتأتيه وتحمد الله إذا حمد، وأيّوب على ذلك لا يفتر من ذكر الله سبحانه والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه، فصرخ عدوّ الله إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعاً من صبر أيوّب فلمّا اجتمعوا إليه قالوا: ما جزعك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت ربّي أن يسلّطني على ماله وولده فلم أدع له مالاً، وولداً فلم يزدد بذلك إلاّ صبراً وثناءً على الله سبحانه، ثمّ سلّطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل، لا تقربه إلاّ إمرأته، فقد افتضحت بربي فاستعنت بكم لتعينوني عليه، قالوا له: أين مكرك؟ أين عملك الذي أهلكت به من مضى؟ قال: بطل ذلك كله في أيّوب فأشيروا عليَّ، قالوا: نشير عليك، أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة؟ قال: من قبل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنّه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقرّبه غيرها، قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدّق، فتمثّل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو ذاك يحكّ قروحه، وتتردّد الدوابّ في جسده، فلمّا سمعها طمع أن يكون كلمة جزع، فوسوس إليها فذكّرها ما كانت فيه من النعيم والمال، وذكّرها جمال أيّوب وشبابه، وما هو فيه من الضرّ، وأنّ ذلك لا ينقطع عنهم أبداً. قال الحسن: فصرخت، فلمّا صرخت علم أن قد جزعت، فأتاها بسخلة فقال: ليذبح هذا لي أيّوب ويبرأ. قال: فجاءت تصرخ: يا أيُوب حتى متى يعذّبك ربّك؟ ألا يرحمك؟ أين المال؟ أين الماشية؟ أين الولد؟ أين الصديق؟ إنّ لونك الحسن قد تغيّر وصار مثل الرّماد، أين جسمك الحسن الذي قد بلي وتردّد فيه الدواب؟ اذبح هذه السخلة واسترح. قال أيّوب: أتاكِ عدوّ الله فنفخ فيك وأجبته؟ ويلك أرأيت ما تبكين عليه ممّا تذكرين ممّا كنا فيه من المال والولد والصحة، من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متّعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فمذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟ قالت: منذ سبع سنين وأشهر. قال: ويلك والله ما عدلت ولا أنصفت رَبك، ألا صبرتِ يكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربّنا به ثمانين سنة، كما كنا في الرخاء ثمانين سنة والله لئن شفاني الله لأجلدنّك مائة جلدة، أمرتِني أن أذبح لغير الله طعامك وشرابك الذي أتيت به؟ علي حرام أن أذوق شيئاً ممّا تأتينني به بعد إذ قلت لي هذا، فاغربي عنّي فلا أراك، فطردها فذهبت فلمّا نظر أيّوب إلى إمرأته قد طردها، وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خرَّ ساجداً وقال: رب مسّني الضر ثم ردّ ذلك إلى ربّه فقال {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} فقيل له: إرفع رأسك فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها فلم يبق عليه من دابّةِ شيء ظاهر إلاّ سقط، فأذهب الله كلّ ألم وكلّ سقم، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان وأفضل ما كان، ثم ضرب رجله فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلاّ خرج، فقام صحيحاً وكُسي حلّة. قال: فجعل يلتفت فلا يرى شيئاً ممّا كان له من أهل ومال إلاّ وقد أضعفه الله له حتى والله ذكر لنا أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب، قال: فجعل يضمّه بيده فأوحى إليه: يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى ولكنّها بركتك فمن يشبع منها، قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثمَّ إنّ امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني، إلى من أكِله؟ أدعه يموت جوعاً وتأكله السباع لأرجعنّ إليه، فرجعت إليه فلا كناسة ترى ولا تلك الحال التي كانت، وإذا الأمور قد تغيّرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي، وذلك بعين أيّوب. قال: وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأله عنه، فأرسل إليها أيّوب فدعاها فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان منبوذاً على الكناسة لا أدري أضاع أم ما فعل؟. فقال لها أيوب: ما كان منك؟ فبكت وقالت: أردت بعلي فهل رأيته؟ قال: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: وهل يخفى على أحد رآه؟ ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه، ثم قالت: أما إنّه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحاً، قال: فإنّي أنا أيّوب الذي أمرتني أنّ أذبح لإبليس، وإنّي أطعتُ الله وعصيت الشيطان ودعوت الله سبحانه وتعالى فردَّ عليَّ ماترين. وقال كعب: كان أيّوب في بلائه سبع سنين. وقال وهب: لبث أيّوب في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد يوماً واحداً، فلمّا غلب أيّوب إبليس ولم يستطع منه شيئاً اعترض امرأته في هيئة ليس كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال، على مركب ليس من مراكب الناس، له عظم وبهاء وجمال، فقال لها: أنت صاحبة أيّوب هذا الرجل المبتلى؟ قالت: نعم قال: هل تعرفينني؟ قالت: لا، قال: فأنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت، بصاحبك ما صنعت وذلك أنّه عبد إله السّماء وتركني فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان لكما من مال وولد فإنّه عندي، ثم أراها إيّاهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه. قال وهب: وقد سمعت أنّه إنّما قال: لو أنّ صاحبك أكل طعاماً ولم يسمّ عليه لعُوفي ممّا به من البلاء، والله أعلم، وأراد إبليس لعنه الله أن يأتيه من قِبلها. ورأيت في بعض الكتب أنّ إبليس قال لرحمة: وإن شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أردّ عليك المال والأولاد وأُعافي زوجك، فرجعت إلى أيّوب فأخبرته بما قال لها وما أراها، قال: قد أتاكِ عدوّ الله ليفتنكِ عن دينكِ، ثمَّ أقسم إن عافاه اللّه ليضربنّها مائة جلدة. وقال عند ذلك: مسّني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي له، ودعائه إياّها وإيّاي إلى الكفر، قالوا: ثمَّ الله سبحانه رحم رحمة امرأة أيّوب بصبرها معه على البلاء، وخفّف عنها، وأراد أن يبرئ يمين أيوب فأمره أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها بها ضربة واحدة كما قال الله سبحانه {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} تفسير : [ص: 44] الآية. وقال وهب وغيره: كانت امرأة أيوب تكسب له وتعمل للناس وتجيئه بقوته، فلمّا طال عليهما البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها التمست له يوماً من الأيّام ما تطعمه، فما وجدت شيئاً فجزّت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها: أين قرنك فأخبرته بذلك فحينئذ قال: مسّني الضر. وقال قوم: إنّما قال: مسّني الضر حين قصدت الدود إلى قلبه ولسانه فخشي أن يعيى عن الذكر والفكر. وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما من بعيد لا يقدران أن يدنوا منه من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم في أيّوب خيراً ما ابتلاه بما نرى: قال: فلم يسمع أيوب شيئاً كان عليه أشدّ من هذه الكلمة، وما جزع من شيء أصابه جزعه من تلك الكلمة، فعند ذلك قال: مسّني الضرّ، ثم قال: اللهمَّ إن كنت تعلم أني لم أبتْ ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدّقني فصدّق، وهما يسمعان، ثمّ قال: اللهمّ إن كنت تعلم أنّي لم أتّخذ قميصين قطّ وأنا أعلم مكاناً عار فصدقني فصدّق وهما يسمعان فخرَّ ساجداً. وقيل معناه: مسّني الضر من شماتة الأعداء، يدلّ عليه ما روي أنّه قيل له بعدما عوفي: ما كان أشدّ عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء. وقيل: إنّما قال ذلك حين وقعت دودة من فخذه فرفعها وردّها إلى وضعها وقال: كلي فقد جعلني الله طعامك، فعضّتهُ عضّة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عضّ الديدان. وسمعت أبا عبد الله بن محمد بن جعفر الأبيوردي يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبّاد البغدادي يقول: سئل أبو القاسم جنيد عن هذه الآية فقال: عرَّفه فاقة السؤال ليمنّ عليه بكرم النوال. وسمعت استاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلساً غاصّاً بالفقهاء والأُدباء في دار سلطان فسئلت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أنّ قول أيوب {مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} شكاية وقد قال الله سبحانه {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً}تفسير : [ص: 44] فقلت: ليس هذا شكاية وإنما هو دعاء، بيانه قوله سبحانه {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} والإجابة تعقب الدعاء لا الاشتكاء، فاستحسنوه وارتضوه. {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} واختلفوا في كيفية ذلك فقال قوم: إنما آتى الله سبحانه أيّوب في الدُنيا مثل أهله الذين هلكوا، فأما الذين هلكوا فإنّهم لم يُردّوا عليه، وإنّما وعد الله أيّوب أن يؤتيه إيّاهم في الآخرة. وروى عبد الله بن إدريس عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلاً يقال له قاسم إلى عكرمة يسأله عن هذه الآية فقال: قيل له: إنّ أهلك لك في الآخرة، فإن شئت عجّلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا؟ فقال: يكونون لي في الآخرة، وأُوتي مثلهم في الدنيا. قال: فرجع إلى مجاهد فقال: أصاب، ويكون معنى الآية على هذا التأويل وآتيناه أهله في الآخرة، ومثلهم معهم في الدنيا، وأراد بالأهل الأولاد. قال وهب: كان له سبع بنات وثلاثة بنين. وقال ابن يسار: كان له سبع بنين وسبع بنات، وقال آخرون: بل ردّهم الله سبحانه بأعيانهم وأعطاه مثلهم معهم، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة وكعب قال: أحياهم الله وأُوتي مثلهم، وهذا القول أشبه بظاهر الآية. وقال الحسن: آتاه الله المثل من نسل ماله الذي ردّ عليه وأهله، فأمّا الأهل والمال فإنه ردّهما عليه بأعيانهما. {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} عظة لهم {وَإِسْمَاعِيلَ} يعني ابن إبراهيم {وَإِدْرِيسَ} وهو أخنوخ {وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} على أمر الله، واختلفوا في ذي الكفل، فأخبرني ابن فنجويه بقراءتي عليه في داري قال: حدَّثنا عمر بن الخطاب قال: حدَّثنا عبد الله الرازي عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر قال: سمعت حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم لو لم أسمعه إلاّ مرة أو مرّتين لم أُحدّث به، سمعته منه أُكثر من سبع مرات، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : كان في بني إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل لا ينزع عن ذنب عمله، فاتبع امرأة فأعطاها ستّين ديناراً على أن تعطيه نفسها، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من المرأة أُرعدت وبكت فقال: ما يبكيك؟ قالت: من هذا العمل، ما عملته قطّ، قال: أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن حملتْني عليه الحاجة، قال: اذهبي فهو لك، ثم قال: والله لا أعصي الله أبداً، فمات من ليلته فقيل مات ذو الكفل، فوجدوا على باب داره مكتوباً: إنّ الله قد غفر لذي الكفل ". تفسير : وروى الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحرث أنّ نبيّاً من الأنبياء قال: من يكفل لي أن يصوم النّهار ويقوم الليل ولا يغضب؟ فقام شاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم عاد فقال: من يكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: انا، فقال: اجلس، ثم عاد فقام الشاب فقال: أنا فقال: تقوم الليل وتصوم النهار ولا تغضب؟ قال: نعم. فمات ذلك النبي فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بين الناس فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضرباً شديداً فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل معه رجلاً فرجع فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر، فقال: لا أرضى بهذا، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاّه وذهب، فسمّي ذا الكفل. وقال مجاهد: لما كبر اليسع (عليه السلام) قال: لو أنّي استخلفتُ رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى انظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس فقال: من يتقبّل لي بثلاث استخلفه: يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب، فقام رجل تزدريه العين فقال: أنا فردّه ذلك اليوم. وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان فأعياهم فقال: دعوني وإياه فأتاه في صورة شيخ فقير حين أخذ مضجعه للقائلة وكان لا ينام بالليل والنهار إلاّ تلك النومة فدّق الباب فقال: من هذا؟ قال: شيخ فقير كبير مظلوم، فقام ففتح الباب فجعل يقصّ عليه فقال: إنّ بيني وبين قومي خصومة وإنّهم ظلموني وفعلوا، وفعلوا فجعل يطوّل عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة، قال: إذا رحت فإنّني آخذ لك بحقّك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره فقام يتبعه، فلمّا كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلمّا رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدّق الباب فقال: من هذا؟ قال: الشيخ المظلوم، ففتح له فقال: ألم أقل إذا قعدت فأتني قال: إنّهم أخبّ قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نعطيك حقّك، وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق فإذا رحت فأتني، ففاتته القائلة فراح فجعل ينظر ولا يراه وشقّ عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعنّ أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام فإنّي قد شقَّ عليَّ النوم. فلمّا كان تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل فلمّا أعياه نظر فرأى كوّة في البيت فتسوّر منها فإذا هو في البيت، وإذا هو يدّق الباب من داخل فاستيقظ الرجل فقال: يا فلان ألم آمرك؟ فقال: أمّا من قبلي فلم تُؤتَ والله، فانظر من أين أُتيت؟ فقام إلى الباب فهو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فقال له: أتنام والخصوم ببابك؟ فعرفه فقال: أعدوّ الله؟ قال: نعم أعييتني في كلّ شيء ففعلت ما ترى لأغضبك فعصمك الله منّي، فسمّي ذا الكفل لأنه تكفّل بأمر فوفى به. وقال أبو موسى الأشعري: إنَّ ذا الكفل لم يكن نبيّاً ولكن كان عبداً صالحا تكفّل بعمل رجل صالح عند موته وكان يصلّي لله سبحانه وتعالى كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله عزّ وجلّ عليه الثناء. وقيل: كان رجلاً تكفّل بشأن رجل وقع في بلاء فأنجاه الله على يديه. وقيل: ذو الكفل إلياس، وقيل: هو زكريّا، والله أعلم. {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَذَا ٱلنُّونِ} واذكر صاحب النون وهو يونس بن متّى {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} اختلفوا في معنى الآية ووجهها فقال الضحّاك: ذهب مغاضباً لقومه، وهي رواية العوفي وغيره عن ابن عباس قال: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك فسبي منهم تسعة أسباط ونصف سبط وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله تعالى إلى شعياً النبي أن سر إلى حزقيا الملك وقل له حتى يوجّه نبياً قويّاً أميناً فإنّي أُلقي في قلوب أُولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال له الملك: فمن ترى؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال: يونس، فإنّه قوي أمين، فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا، قال: فهل سمّاني لك؟ قال: لا، قال: فها هنا غيري أنبياء أقوياء أُمناء، فالحّوا عليه فخرج مغاضباً للنبىّ وللملك ولقومه، فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة فركبها فلمّا تلججت السفينة تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملاّحون، ها هنا رجل عاص أو عبد آبق، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر. ولئن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها، فاقترعوا ثلاث مرّات فوقعت القرعة في كلّها على يونس. فقام يونس فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى نفسه في الماء فجاء حوت فابتلعه، ثمَّ جاء حوت آخر أكبر منه فابتلع هذا الحوت، وأوحى الله إلى الحوت: لا تؤذ منه شعرة فإنّي جعلت بطنك سجنه، ولم أجعله طعاماً لك. وقال الآخرون: بل ذهب عن قومه مغاضباً لرّبه إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه، وذلك أنّه كره أن يكون بين قوم قد جرّبوا عليه الخلف فيما وعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي به دفع عنهم العذاب والهلاك، فخرج مغاضباً وقال: والله لا أرجع إليهم كذّاباً أبداً، وإنّي وعدتهم العذاب في يوم فلم يأتِ. وفي بعض الأخبار: إنّ قومه كان من عادتهم أن يقتلوا من جرّبوا عليه الكذب، فلمّا لم يأتهم العذاب للميعاد الذي وعدهم خشي أن يقتلوه، فغضب وقال: كيف أرجع إلى قومي وقد أخلفتهم الوعد؟ ولم يعلم سبب صرف العذاب عنهم، وكيفية القصّة، وذلك أنّه كان خرج من بين أظهرهم، وقد ذكرتْ القصة بالشرح في سورة يونس. قال القتيبي: المغاضبة مفاعلة، وأكثر المفاعلة من اثنين كالمناظرة والمخاصمة والمجادلةُ وربّما تكون من واحد كقولك: سافرت وعاقبت الرجل وطارقت النعل وشاركت الأمر ونحوها، وهي ها هنا من هذا الباب، فمعنى قوله: مغاضباً أي غضبان أنفاً، والعرب تسمّي الغضب أنفاً، والأنف غضباً لقرب أحدهما من الآخر، وكان يونس وعد قومه أن يأتيهم العذاب لأجل، فلمّا فات الأجل ولم يعذّبوا غضب وأنف أن يعود إليهم فيكذّبوه، فمضى كالنادّ الآبق إلى السفينة، وكان من طول ما عاين وقاسى من بلاء قومه يشتهي أن ينزل الله بهم بأسه. وقال الحسن: إنّما غاضب ربّه من أجل أنّه أمر بالمصير إلى قومه لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربّه أن يُنظره ليتأهّب للشخوص إليهم، فقيل له: إنّ الأمر أسرع من ذلك ولم يُنظر حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلاً يلبسها، فقيل له نحو القول الأول، وكان رجلاً في خلقه ضيق، فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلا؟ فذهب مغاضباً. وقال وهب بن منّبه اليماني: إنّ يونس بن متّى كان عبداً صالحاً، وكان في خلقه ضيق، فلمّا حملت عليه أثقال النبوّة تفسّخ تحتها تفسّخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها من يده وخرج هارباً منها، فلذلك أخرجه الله سبحانه من أُولي العزم، فقال لنبيّه محمد (عليه السلام): {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 35] وقال: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48] أي لا تلق أمري كما ألقاه. {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أن لن نقضي عليه العقوبة، قاله مجاهد وقتادة والضحّاك والكلبي، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، تقول العرب: قدّر الله الشيء بقدره تقديراً وقدره يقدره قدراً، ومنه قوله {أية : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} تفسير : [الواقعة: 60] وقوله {أية : وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 3] في قراءة من خفّفهما، ودليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزّهري {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} بضم النون وتشديد الدال من التقدير، وقرأ عبيد بن عمير وقتادة: فظنّ أن لن يُقدّر عليه بالتشديد على المجهول، وقرأ يعقوب يُقدَر بالتخفيف على المجهول. وقال الشاعر في القدر بمعنى التقدير: شعر : فليست عشيّات الحمى برواجع لنا أبداً ما أورق السلم النضر ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر نفع ولك الشكر تفسير : وقال عطاء وكثير من العلماء: معناه فظنّ أن لن نضيّق عليه الحبس من قوله سبحانه {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26] أي يضيّق. وقال سبحانه وتعالى {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7]، وقال ابن زيد: هو استفهام معناه: أفظنّ أن لن نقدر عليه؟. وروى عوف عن الحسن أنّه قال: معناه: فظنّ أنّه يعجز ربّه فلا يقدر عليه. قال: وبلغني أن يونس لمّا أذنب انطلق مغاضباً لربّه واستزلّه الشيطان حتّى ظنّ أن لن يقدر عليه. قال: وكان له سلف وعبادة فأبى الله أن يدعه للشيطان فقذفه في بطن الحوت، فمكث في بطن الحوت أربعين من بين يوم وليلة، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة، وأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربّه في بطن الحوت وراجع نفسه فقال: {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته. قال عوف: وبلغني أنّه قال: وبنيت لك مسجداً في مكان لم يبنه أحد قبلي. والتأويلات المتقدمة أولى بالأنبياء وأبعد من الخطأ. {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} أي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، قاله أكثر المفسّرين، وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة جوف الحوت، ثم ظلمة جوف الحوت الآخر الذي ابتلعه في ظلمة البحر. {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} قال محمد بن قيس: قال يونس: {إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} حين عصيتك، وما صنعت من شيء فلم أعبد غيرك. وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لمّا أراد الله سبحانه حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً، فأخذه ثمّ هوى به إلى مسكنه في البحر، فلمّا انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسّاً فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله سبحانه إليه وهو في بطن الحوت: إنّ هذا تسبيح دوابّ البحر، قال: فسبّح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنّا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة قال: ذاك عبدي يونس عصاني، فحبسته في بطن الحوت، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كلّ يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله سبحانه {وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 145] ". تفسير : وروى أبو هلال محمد بن سليمان عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: أتى جبرئيل يونس (عليهما السلام) فقال له: انطلق إلى السفينة، فركبها فاحتبست السفينة فساهموا فسهم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه فنودي الحوت: إنّا لم نجعل يونس لك رزقاً، إنّا جعلناك له حرزاً ومسجداً، فالتقمه الحوت فانطلق به من ذلك المكان حتى مرّ به على الإبلّة، ثمَّ مرَّ به على دجلة ثم انطلق حتى ألقاه في نينوى، فكان ابن عباس يقول: إنّما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، ودليل هذا القول أنَّ الله تعالى ذكر قصة يونس في سورة والصافّات ثم عقّبها بقوله {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147]. وقال الآخرون: بل كانت قصّة الحوت بعد دعائه قومه وتبليغهم رسالة ربّه كما قد بيّنا ذكره. {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا. وروى علي بن زيد عن سعيد بن المسيّب قال: سمعت سعد بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : "اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متّى" قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامّة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} إلى قوله {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : وهو شرط الله لمن دعاه بها. واختلفت القراءة في قوله «ننج» فقرأه العامة بنونين الثانية منهما ساكنة من الإنجاء على معنى نحن ننجي، فإن قيل: لم كتبت في المصاحف بنون واحدة؟ قيل: لأنّ النون الثانية لمّا سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفت، كما فعلوا ذلك بإلاّ فحذفوا النون من لجعلها أو كاشفة إذا كانت مدغمةً في اللام، وقرأ ابن عامر وعاصم برواية ابن بكر {نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء، واختلف النحاة في هذه القراءة فمنهم من صوّبها وقال: فيه اضمار معناه: نجي المؤمنين كما يقال: ضرب زيداً بمعنى ضرب الضرب زيداً. قال الشاعر: شعر : ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسُبَّ بذلك الجرو الكلابا تفسير : أراد لسبّه بذلك الجرو ولسبّ الكلابا. قالوا: وإنّما سكّن الياء في نجّي كما سكّنوها في بقر فقالوا بقره ونحوها وإنّما اتبع أهل هذه القراءة المصحف لأنّها مكتوبة بنون واحدة. وقال القتيبي: من قرأ بنون واحدة والتشديد فإنّه أراد ننجي من التنجية إلاّ أنّه أدغم وحذف نوناً على طلب الخفّة. وقال النحويون: وهو رديء لبعد مخرج النون من الجيم، وممن جوّز هذه القراءة أبو عبيد، وأما أبو حاتم السجستاني فإنه لحّنها ونسب قارئها إلى الجهل وقال: هذا لحن لايجوز في اللغة، ولا يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله سبحانه وتعالى إلاّ أن يقول: وكذلك نُجي المؤمنين، ولو قرئ كذلك لكان صواباً، والله أعلم. {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ} دعا {رَبَّهُ} فقال {رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} وحيداً لا{وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ * فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ} ولد لي ولا عقب وارزقني وارثاً، ثمّ ردّ الأمر إلى الله سبحانه فقال {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} بأن جعلناها ولوداً بعد ما كانت عقيماً، قاله أكثر المفسّرين، وقال بعضهم: كانت سيئة الخلق فأصلحها له بأن رزقها حسن الخلق. {إِنَّهُمْ} يعني الأنبياء الذين سمّاهم في هذه السورة. {كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} خوفاً وطمعاً رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله، وقرأ الأعمش، رُغباً ورُهباً بضم الراء وجزم الغين والهاء وهما لغتان مثل السقم والسُقم والثَكل والثُكل والنَحل والنُحل والعَدم والعُدم. {وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ} خاضعين متواضعين. {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ} حفظت ومنعت {فَرْجَهَا} ممّا حرم الله سبحانه وهي مريم بنت عمران {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} أي أمرنا جبرئيل حتى نفخ في جيب درعها وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه على معنى الملك والتشريف لمريم وعيسى بتخصيصها بالإضافة إليه. {وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} أي دلالة على كمال قدرتنا وحكمتنا، حمل امرأة بلا مماسّة ذكر، وكون ولد من غير أب، وإنّما قال «آية» ولم يقل آيتين لأن معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما آية للعالمين. {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ} ملّتكم {أُمَّةً وَاحِدَةً} ملّة واحدة وهي الإسلام فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان، وأصل الأُمّة الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت بالشريعة أُمة واحدة لاجتماع أهلها بها على مقصد واحد، ونصب أمّة على القطع، وقرأ ابن أبي إسحاق أُمّةٌ بالرفع على التكرير. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} أي اختلفوا في الدين صاروا فيه فرقاً وأحزاباً، ثم قال {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} فنجزيهم بأعمالهم. {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} لا نبطل عمله ولا نجحده بل يُشكر ويثاب عليه {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} لعمله حافظون.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : (نَادَى): قلنا النداء لمثلك طلب إقبال، أما بالنسبة لله تعالى فهو بمعنى الدعاء، فمعنى {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ ..} [الأنبياء: 83] أي: دعاه وناداه بمطلوب هو: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] والضُّر: ابتلاء من الله في جسده بمرض أو غيره. أما الضرَّ بفتح الضاد، فهو إيذاء وابتلاء في أي شيء آخر غير الجسد، ولا مانع أن يمرض الأنبياء لكن بمرض غير مُنفِّر. لكن، كيف ينادي أيوب عليه السلام ربه ويتوجع {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ ..} [الأنبياء: 83] أليس في علم الله أن أيوبَ مسَّه الضرُّ؟ وهل يليق بالنبي أنْ يتوجّع من ابتلاء الله؟ نعم، يجوز له التوجُّع؛ لأن العبد لا يَشْجَعُ على ربه؛ لذلك فإن الإمام علياً رضي الله عنه لما دخل عليه رجل يعوده وهو يتألم من مرضه ويتوجع، فقال له: أتتوجَّع وأنت أبو الحسن؟ فقال: أنا لا أشجع على الله يعني: أنا لست فتوة أمام الله. ألا ترى أنه من الأدب مع مَنْ يريد أن يُثبِت لك قوته فيمسك بيدك مثلاً، ويضغط عليها لتضجّ وتتألم، أليس من الأدب أن تطاوعه فتقول: آه وتُظهِر له ولو مجاملة أنه أقوى منك؟ ومعنى: {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] ساعةَ أنْ ترى جَمْعاً في صفة من الصفات يُدخِل الله فيه نفسه مع خَلْقه، كما في: {أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] و {أية : أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] و {أية : خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 54] فاعلم أن الله تعالى يُثبِت نفس الصفة لعباده، ولا يبخسهم حقهم. فالرحمة من صفات البشر، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : الراحمون يرحمهم الرحمن ". تفسير : وفي "حديث : ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في السماء ". تفسير : فالرحمة تخلُّق بأخلاق الحق سبحانه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : تخلَّقوا بأخلاق الله . تفسير : إذن: للخَلْق صفة الرحمة، لكن الله هو أرحم الراحمين جميعاً؛ لأن رحمته تعالى وسعَتْ كل شيء. كما قلنا في صفة الخَلْق: فيمكنك مثلاً أن تصنع من الرمل كوباً، وتُخرِِجه إلى الوجود، وتنتفع به، لكن أخَلْقك للكوب كخَلْق الله؟ ثم يقول الحق سبحانه: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى جملةً من الأنبياء "إبراهيم، نوح، لوط، داود، سليمان" وما نال كثيراً منهم من الابتلاء، ذكر هنا قصة أيوب وابتلاء الله له بأنواع المحن ثم أعقبها بذكر محنة يونس وزكريا وعيسى وكلُّ ذلك بقصد التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم. اللغَة: {ذَا ٱلنُّونِ} النون: الحوت وذا النون لقب ليونس بن متّى لابتلاع النون له {أَحْصَنَتْ} الإِحصان: العفة يقال: رجل محصنٌ وامرأة محصنة أي عفيفة {رَغَباً وَرَهَباً} الرغب: الرجاء، والرهب: الخوف {كُفْرَانَ} الكفر والكفران: الجحود وأصله الستر لأن الكافر يستر نعمة الله ويجحدها {حَدَبٍ} الحدب: ما ارتفع من الأرض مأخوذ من حدبة الظهر قال عنترة: شعر : فما رعِشتْ يداي ولا ازدهاني تواترهم إِليَّ من الحِداب تفسير : {يَنسِلُونَ} يسرعون يقال: نسل الذئب ينسل نسلاناً أي أسرع {حَصَبُ} الحصب: ما توقد به النار كالحطب وغيره {زَفِيرٌ} أنين وتنفس شديد {حَسِيسَهَا} الحسيس: الصوتُ والحسُّ والحركة الذي يُحس به من حركة الأجرام {ٱلسِّجِلِّ} الصحيفة لأن بها يُسجل المطلوب. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} شقَّ ذلك على كفار قريش وقالوا: شتم آلهتنا وأتوا ابن الزَّبعري وأخبروه فقال: لو حضرتُه لرددتُ عليه قالوا: وما كنت تقول له؟ قال أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى، وهذا عزير تعبده اليهود؛ أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنَّ محمداً قد خصم فأنزل الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. التفسِير: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} أي واذكر قصة نبيّ الله أيوب حين دعا ربَّه بتضرع وخشوع {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} أي نالني البلاء والكرب والشدة قال المفسرون: كان أيوب نبياً من الروم، وكان له أولاد ومال كثير، فأذهب الله ماله فصبر، ثم أهلك الأولاد فصبر، ثم سلَّط البلاء والمرض على جسمه فصبر فمر عليه ملأ من قومه فقالوا: ما أصابه هذا إِلا بذنب عظيم فعند ذلك تضرَّع إِلى الله فكشف عنه ضره {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} أي أكثرهم رحمة فارحني، ولم يصرّح بالدعاء ولكنه وصف نفسه بالعجز والضعف، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان فيه من حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} أي أجبنا دعاءه وتضرعه {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ} أي أزلنا ما أصابه من ضر وبلاء {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} قال ابن مسعود: مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإِناث فلما عوفي أُحيوا له وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات. والمعنى أعطيناه أهله في الدنيا ورزقناه من زوجته مثل ما كان له من الأولاد والأتباع {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي من أجل رحمتنا إِيّاه {وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} أي وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر قال القرطبي: أي وتذكيراً للعُبَّاد لأنهم إِذا ذكروا بلاء أيوب ومحنته وصبره وطّنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا مثل ما فعل أيوب وهو أفضل أهل زمانه، يُروى أنَّ أيوب مكث في البلاء ثمان عشرة سنة فقالت له امرأته يوماً: لو دعوتَ الله عز وجل فقال لها: كم لبثنا في الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: إِني أستحيي من الله أن أدعوه وما مكثت في بلائي المدة التي مكثتها في رخائي {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ} أي واذكر لقومك قصة إِسماعيل بن إِبراهيم وإِدريس بن شيث وذا الكفل {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} أي كل من هؤلاء الأنبياء من أهل الإِحسان والصبر، جاهدوا في الله وصبروا على ما نالهم من الأذى {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا} أي أدخلناهم بصبرهم وصلاحهم الجنة دار الرحمة والنعيم {إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي لأنهم من أهل الفضل والصلاح {وَذَا ٱلنُّونِ} أي واذكر لقومك قصة يونس الذي ابتلعه الحوت، والنونُ هو الحوتُ نُسب إِليه لأنه التقمه {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} أي حين خرج من بلده مغاضباً لقومه إِذ كان يدعوهم إِلى الإِيمان فيكفرون حتى أصابه ضجر منهم فخرج عنهم ولذلك قال الله تعالى {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48] ولا يصح قول من قال: مغاضباً لربه قال أبو حيان: وقولُ من قال مغاضباً لربه يجب طرحه إِذ لا يناسب منصب النبوة وقال الرازي: لا يجوز صرف المغاضبة إِلى الله تعالى لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي، والجاهلُ بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً، ومغاضبتُه لقومه كانت غضباً لله، وأنفةً لدينه، وبغضاً للكفر وأهله {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي ظنَّ يونس أنْ لن نضيّق عليه بالعقوبة كقوله {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7] أي ضُيّق عليه فيه فهو من القدر لا من القُدرة قال الإِمام الفخر: من ظنَّ عجز الله فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إِلى آحاد المؤمنين فكيف إِلى الأنبياء عليهم السلام! روي أنه دخل ابن عباس على معاوية فقال له معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقتُ فيها فلم أجدْ لي خلاصاً إِلا بك، فقال: وما هي؟ قال: يظنُّ نبيُّ الله يونس أن لن يقدر الله عليه؟ فقال ابن عباس: هذا من القدْر لا من القُدرة {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} أي نادى ربه في ظلمة الليل وهو في بطن الحوت قال ابن عباس: جمعت الظلمات لأنها ظلمة الليل، وظلمةُ البحر، وظلمةُ بطن الحوت {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ} أي نادى بأن لا إِله إِلا أنت يا رب {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي تنزَّهت يا ربّ عن النقص والظلم، وقد كنتُ من الظالمين لنفسي وأنا الآن من التائبين النادمين فاكشفْ عني المحنة وفي الحديث "حديث : ما من مكروبٍ يدعو بهذا الدعاء إِلا استجيب له"تفسير : {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ} أي استجبنا لتضرعه واستغاثته ونجيناه من الضيق والكرب الذي ناله حين التقمه الحوت {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي كما نجينا يونس من تلك المحنة ننجي المؤمنين من الشدائد والأهوال إِذا استغاثوا بنا {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} أي واذكر يا محمد خبر رسولنا زكريا حين دعا ربه دعاء مخلص منيب قائلاً: ربّ لا تتركني وحيداً بلا ولد ولا وارث قال ابن عباس: كان سنُّه مائة وسنُّ زوجته تسعاً وتسعين {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} أي وأنت يا رب خير من يبقى بعد كل من يموت قال الألوسي: وفيه مدحٌ له تعالى بالبقاء، وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء، واستمطارٌ لسحائب لطفه عز وجل {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} أي أجبنا دعاءه {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ} أي رزقناه ولداً اسمه يحيى على شيخوخته {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} أي جعلناها ولوداً بعد أن كانت عاقراً وقال ابن عباس: كانت سيئة الخُلُق طويلة اللسان فأصلحها الله تعالى فجعلها حسنة الخُلُق {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} أي إِنما استجبنا دعاء من ذُكر من الأنبياء لأنهم كانوا صالحين يجدّون في طاعة الله ويتسابقون في فعل الطاعات وعمل الصالحات {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} أي طمعاً ورجاءً في رحمتنا وخوفاً وفزعاً من عذابنا {وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ} أي كانوا متذللين خاضعين للّه يخافونه في السر والعلن {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي واذكر مريم البتول التي أعفت نفسها عن الفاحشة وعن الحلال والحرام كقوله {أية : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} تفسير : [مريم: 20] قال ابن كثير: ذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى مقرونة بقصة زكريا وابنه يحيى لأن تلك مربوطة بهذه فإِنها إِيجاد ولدٍ من شيخ كبير قد طعن في السن وامرأة عجوز لم تكن تلد في حال شبابها، وهذه أعجب فإِنها إِيجاد ولدٍ من أنثى بلا ذكر ولذلك ذكر قصة مريم بعدها {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} أي أمرنا جبريل فنفخ في فتحة درعها - قميصها - فدخلت النفخة إِلى جوفها فحملت بعيسى، وأضاف الروح إِليه تعالى على جهة التشريف {وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} أي وجعلنا مريم مع ولدها عيسى علامةً وأعجوبة للخلق تدل على قدرتنا الباهرة ليعتبر بها الناس {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي دينكم وملتكم التي يجب ان تكونوا عليها أيها الناس ملةٌ واحدة غير مختلفة وهي ملة الإِسلام، والأنبياء كلهم جاءوا برسالة التوحيد قال ابن عباس: معناه دينكم دينٌ واحد {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ} أي وأنا إِلهكم لا ربَّ سواي فأفردوني بالعبادة {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي اختلفوا في الدين وأصبحوا فيه شيعاً وأحزاباً فمن موحّد، ومن يهودي، ونصراني ومجوسّي {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} أي رجوعهم إِلينا وحسابهم علينا قال الرازي: معنى الآية جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قِطعاً كما تتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه تمثيلاً لاختلافهم في الدين وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي من يعمل شيئاً من الطاعات وأعمال البرّ والخير بشرط الإِيمان {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي لا بُطلان لثواب عمله ولا يضيع شيء من جزائه {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} أي نكتب عمله في صحيفته والمراد أمر الملائكة بكتابة أعمال الخلق {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} قال ابن عباس: أي ممتنعٌ على أهل قرية أهلكناهم أن يرجعوا بعد الهلاك إِلى الدنيا مرة ثانية وفي رواية عنه {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي لا يتوبون قال ابن كثير: والأول أظهر وقال في البحر: المعنى وممتنع على أهل قرية قدرنا إِهلاكهم لكفرهم رجوعهم في الدنيا إِلى الإِيمان إِلى أن تقوم الساعة فحينئذٍ يرجعون {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} أي حتى إذا فتح سدُّ يأجوج ومأجوج {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} أي وهم لكثرتهم من كل مرتفع من الأرض ومن كل أكمة وناحية يسرعون النزول والمرادُ أن يأجوج ومأجوج لكثرتهم يخرجون من كل طريق للفساد في الأرض {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} أي اقترب وقت القيامة قال المفسرون: جعل الله خروج يأجوج ومأجوج علماً على قرب الساعة قال ابن مسعود: الساعةُ من الناس بعد يأجوج ومأجوج كالحامل المتّمم لا يدري أهلُها متى تفْجؤهم بولدها ليلاً أو نهاراًً {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الضمير للقصة والشأن أي فإِذا شأن الكافرين أنَّ أبصارهم شاخصة من هول ذلك اليوم لا تكاد تطرف من الحيرة وشدة الفزع {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا في الدنيا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} أي ويقولون يا ويلنا أي يا حسرتنا وهلاكنا قد كنا في غفلةٍ تامة عن هذا المصير المشئوم واليوم الرهيب {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} أضربوا عن القول السابق وأخبروا بالحقيقة المؤلمة والمعنى لم نكن في غفلةٍ حيث ذكَّرتنا الرسلُ ونبَّهتنا الآيات بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الإِيمان {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي إِنكم أيها المشركون وما تعبدونه من الأوثان والأصنام {حَصَبُ جَهَنَّمَ} أي حطب جهنم ووقودها قال أبو حيان: الحَصب ما يحصب به أي يُرمى بهْ في نار جهنم، وقبل أن يُرمى به لا يُطلق عليه حصبٌ إِلا مجازاً {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أي أنتم داخلوها مع الأصنام، وإِنما جمع الله الكفار مع معبوداتهم في النار لزيادة غمّهم وحسرتهم برؤيتهم الآلهة التي عبدوها معهم في عذاب الجحيم {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} أي لو كانت هذه الأصنام التي عبدتموها آلهةً ما دخلوا جهنم {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} أي العابدون والمعبدون كلهم في جهنم مخلَّدون {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} أي لهؤلاء الكفرة في النار زفير وهو صوت النَّفس الذي يخرج من قلب المغموم وهو يشبه أنين المحزون والمكلوم {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} أي لا يسمعون في جهنم شيئاً لأنهم يُحشرون صُماً كما قال تعالى {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} تفسير : [الإسراء: 97] قال القرطبي: وسماعُ الأشياء فيها روح وأُنس، فمنع الله الكفار ذلك في النار وقال ابن مسعود: إِذا بقي من يُخلَّد في نار جهنم جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار فلا يسمعون شيئاً، ولا يرى أحد منهم أنه يُعذَّب في النار غيره ثم تلا الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} أي سبقت لهم السعادة {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} أي هم عن النار مبعدون لا يصلون حرَّها ولا يذوقون عذابها قال ابن عباس: أولئك أولياء الله يمرون على الصراط مرّاً أسرع من البرق ويبقى الكفار فيها جثياً {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} أي لا يسمعون حسَّ النار ولا حركة لهبها وصوتها {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} أي وهم في الجنة دائمون، لهم فيها تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} أي لا تصيبهم أهوال يوم القيامة والبعث لأنهم في مأمنٍ منها {وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم قائلين {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} أي هذا يوم الكرامة والنعيم الذي وعدكم الله به فأبشروا بالهناء والسرور {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} أي اذكر يوم نطوي السماء طياً مثل طيّ الصحيفة على ما كتب فيها قال ابن عباس: كطيّ الصحيفة على ما فيها، فاللام بمعنى "على" {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} أي نحشرهم حفاةً عُراةً غُرْلاً على الصورة التي بدأنا خلقهم فيها وفي الحديث "حديث : إِنكم محشورون إِلى الله حفاةً عُراةً غُرلاً {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ألاَ وإِنَّ أول الخلائق يُكسى يوم القيامة إِبراهيم عليه السلام.." تفسير : الحديث {وَعْداً عَلَيْنَآ} أي وعداً مؤكداً لا يُخلف ولا يبدّل لازم علينا إِنجازه والوفاء به {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} أي قادرين على ما نشاء، وهو تأكيد لوقوع البعث {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ} أي سجلنا وسطرنا في الزبور المنزل على داود {مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} أي من بعد ما سطرنا في اللوح المحفوظ أزلاً {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} أي أن الجنة يرثها المؤمنون الصالحون قال ابن كثير: أخبر سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض ويُدخلهم الجنة وهم الصالحون وقال القرطبي: أحسن ما قيل فيها أنه يراد به أرض الجنة لأن الأرض في الدنيا قد ورثها الصالحون وغيرهم وهو قول ابن عباس ومجاهد ويدل عليه قوله تعالى {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} تفسير : [الزمر: 74] وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد: الزبور: الكتب المنزلة، والذكرُ أمُّ الكتاب عند الله {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} أي إِنَّ في هذا المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة لكفايةً لقوم خاضعين متذللين لله جل وعلا، المؤثرين لطاعة الله على طاعة الشيطان {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} أي وما أرسلناك يا محمد إِلا رحمة للخلق أجمعين وفي الحديث "حديث : إِنما أنا رحمةٌ مهداة"تفسير : فمن قَبِلَ هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إِنما أوحى إِليَّ ربي أنَّ إِلهكم المستحق للعبادة إِله واحد أحد فرد صمد {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} استفهام ومعناه الأمر أي فأسلموا له وانقادوا لحكمه وأمره {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي فإِن أعرضوا عن الإِسلام {فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} أي فقل لهم أعلمتكم بالحق على استواءٍ في الإِعلام لم أخصَّ أحداً دون أحد {وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} أي وما أدري متى يكون ذلك العذاب؟ ولا متى يكون أجل الساعة؟ فهو واقع لا محالة ولكنْ لا علم لي بقربه ولا ببعده {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} أي اللَّهُ هو العالم الذي لا يخفى عليه شيء، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السرَّ وأخفى، وسيجازي كلاً بعمله {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ} أي وما أدري لعل هذا الإِمهال وتأخير عقوبتكم امتحانٌ لكم لنرى كيف صنيعكم {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أي ولعلَّ هذا التأخير لتستمتعوا إِلى زمنٍ معين ثم يأتيكم عذاب الله الأليم {قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين وافصل بيننا بالحق {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} أي أستعين بالله على الصبر على ما تصفونه من الكفر والتكذيب. ختم السورة الكريمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتفويض الأمر إِليه وتوقع الفرج من عنده، فهو نعم الناصر ونعم المعين. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- التعرض للرحمة بطريق التلطف {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} ولم يقل: ارحمني. 2- جناس الاشتقاق {أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}. 3- الجناس الناقص {ٱلصَّابِرِينَ.. ٱلصَّالِحِينَ}. 4- الطباق بين {رَغَباً.. وَرَهَباً} وبين {بَدَأْنَآ.. ونُّعِيدُهُ} وبين {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ}. 5- التشريف {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} أضاف الروح إِليه تعالى على جهة التشريف كقوله {نَاقَةَ ٱللَّهِ}. 6- الاستعارة التمثيلية {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} مثَّل اختلافهم في الدين وتفرقهم فيه إِلى شيع وأحزاب بالجماعة تتوزع الشيء لهذا نصيب ولهذا نصيب، وهذا من لطيف الاستعارة. 7- الإِيجاز بالحذف {يٰوَيْلَنَا} أي ويقولون يا ويلنا، ومثلُه قوله {وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ} أي تقول لهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون. 8- التشبيه المرسل المفصل {نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} أي طياً مثل طيّ الصحيفة على ما كتب فيها. 9- الاستفهام الذي يراد به الأمر {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي أسلموا. 10- السجع {فَٱعْبُدُونِ}، {رَاجِعُونَ}، {كَاتِبُونَ} الخ وهو من المحسنات البديعية.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أجر من مسه الضر بقوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} [الأنبياء: 83] يشير إلى أن كل ما كان لأيوب عليه السلام من الشكر والشكاية في تلك الحالة كان مع الله لا مع غيره إذ نادى ربه، وإلى أن بشرية أيوب عليه السلام كانت تتألم بالضر وهو يخبر عنها ولكن روحانيته المؤيدة بالتأييد الإلهي تنظر بنور الله، وترى في البلاء كمال عناية المبلى وعين رحمته في تلك الصورة وتربية لنفسه؛ ليبلغها مقام الصبر ورتبة نعم العبد وهو يخبر عنها ويقول: {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} [الأنبياء: 83] من حيث البشرية، ولكن أرى بنور فضلك أنك {أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] علي بأنك ترحم علي بهذا البلاء ومس الضر وقوة الصبر عليه؛ لتفني نفسه عن صفاتها وهي العاجلة وتبقى بصفاتك، ومنها الصبر والصبر من صفات الله تعالى لا من صفات العبد لقوله تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 127] والصبور هو الله تعالى: وبقوله تعالى: {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] كان مستدعياً رحمته منه في إفناء النفس وصفاتها التي يجذبها ألم الضر والضر الحقيقي هو وجوده وألمنا ألم به؛ ليبقى بجود رحمته لا برحمة وجوده، فقال الله تعالى: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 84] مأموله وأعطينا سؤاله {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ} [الأنبياء: 84] ضر به الوجود {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ} [الأنبياء: 84] أي ما هو أهله {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} [الأنبياء: 84] أي: ضعف ما كان مأمولة أعطينا له {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} [الأنبياء: 84] أيك بتجلي صفة رحمتنا له. {وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 84] أي: تذكاراً للطالبين. ثم أخبر عن الطلاب وسمَّاهم في الكتاب بقوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] يشير إلى أن إسماعيل عليه السلام قد صبر عند ذبحه وقال: {أية : يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102] وإدريس عليه السلام قد صبر على دراسته الكتب، وإنما سمي إدريس؛ لكثرة دراسته، وذا الكفل لأنه قد صبر على صيام النهار وقيام الليل وأذى الناس في الحكومة بينهم بألاَّ يعقب، وفيه إشارة إلى أن كل من صبر على طاعة الله، أو عن معصية، أو على ما أصابه من مصيبة في المال والأهل ونفسه، فإنه بقدر وصبر يستوجب رتبته نعمة العبدية، ويصلح لإدخاله في رحمته المخصوصة كما قال الله تعالى: {أية : وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الأنبياء: 75]. ثم يشير عمَّن لم يصبر ويعترف بالعجز عن الصبر وعليه يستغفر بقوله تعالى: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] يشير إلى أن الإنسان إذا غضب يلتبس عليه عقله، ويحتجب عنه نور إيمانه حتى يظن بالله ما لا يليق بجلاله وعظمته ولو كان نبياً وسعى في قطع تعلقاتهما وهو متابع للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا كفران لسعيه وأمثاله كما يبتون في الأزل من المحبين والمحبوبين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: واذكر عبدنا ورسولنا، أيوب - مثنيا معظما له، رافعا لقدره - حين ابتلاه، ببلاء شديد، فوجده صابرا راضيا عنه، وذلك أن الشيطان سلط على جسده، ابتلاء من الله، وامتحانا فنفخ في جسده، فتقرح قروحا عظيمة ومكث مدة طويلة، واشتد به البلاء، ومات أهله، وذهب ماله، فنادى ربه: رب { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } فتوسل إلى الله بالإخبار عن حال نفسه، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ، وبرحمة ربه الواسعة العامة فاستجاب الله له، وقال له: {أية : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } تفسير : فركض برجله فخرجت من ركضته عين ماء باردة فاغتسل منها وشرب، فأذهب الله عنه ما به من الأذى، { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ } أي: رددنا عليه أهله وماله. { وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } بأن منحه الله العافية من الأهل والمال شيئا كثيرا، { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } به، حيث صبر ورضي، فأثابه الله ثوابا عاجلا قبل ثواب الآخرة. { وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } أي: جعلناه عبرة للعابدين، الذين ينتفعون بالعبر، فإذا رأوا ما أصابه من البلاء، ثم ما أثابه الله بعد زواله، ونظروا السبب، وجدوه الصبر، ولهذا أثنى الله عليه به في قوله: {أية : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } تفسير : فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):