Verse. 2565 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَمِنَ الشَّيٰطِيْنِ مَنْ يَّغُوْصُوْنَ لَہٗ وَيَعْمَلُوْنَ عَمَلًا دُوْنَ ذٰلِكَ۝۰ۚ وَكُنَّا لَہُمْ حٰفِظِيْنَ۝۸۲ۙ
Wamina alshshayateeni man yaghoosoona lahu wayaAAmaloona AAamalan doona thalika wakunna lahum hafitheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» سخرنا «من الشياطين من يغوصون له» يدخلون في البحر فيُخرجون منه الجواهر لسليمان «ويعلمون عملاً دون ذلك» أي سوى الغوص من البناء وغيره «وكنا لهم حافظين» من أن يُفسدوا ما عملوا، لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل قبل الليل أفسدوه إن لم يشتغلوا بغيره.

82

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ } في البحار ويخرجون نفائسها، {وَمِنْ} عطف على {ٱلرّيحَ } أو مبتدأ خبره ما قبله وهي نكرة موصوفة. {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} ويتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى: {أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ }تفسير : [سبأ: 13] {وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ} أن يزيغوا عن أمره أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} سخرنا {مِنْ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ } يدخلون في البحر فيُخرجون منه الجواهر لسليمان {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ } أي سوى الغوص من البناء وغيره {وَكُنَّا لَهُمْ حَٰفِظِينَ } من أن يُفسدوا ما عملوا،لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل قبل الليل أفسدوه إن لم يُشْغَلُوا بغيره.

ابن عطية

تفسير : يحتمل أن يكون قوله تعالى: {يغوصون} في موضع نصب على معنى وسخرنا، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على الابتداء، ويتناسب هذا مع القراءتين المتقدمتين في قوله تعالى: {أية : ولسليمان الريح} تفسير : [سبأ: 12] بالنصب والرفع وقوله تعالى: {يغوصون} جمع على معنى {من} لا على لفظها. و"الغوص" الدخول في الماء والأَرض والعمل دون ذلك البنيان وغيره من الصنائع والخدمة ونحوه، وقوله تعالى: {وكما لهم حافظين} قيل معناه من إفسادهم ما صنعوه فإنهم كان لهم حرص على ذلك لولا ما حال الله تعالى: "بينهم وبين ذلك"، وقيل معناه عادين وحاصرين أي لا يشذ عن علمنا وتسخيرنا أحد منهم وقوله: {وأيوب} أحسن ما فيه النصب بفعل مضمر تقديره واذكر أيوب، وفي قصص أيوب عليه السلام طول واختلاف من المفسرين، وتلخيص ذلك أنه روي أن أيوب عليه السلام، كان نبياً مبعوثاً إلى قوم، وكان كثير المال من الإِبل والبقر والغنم، وكان صاحب البثنية من أرض الشام يغمر كذلك مدة، ثم إن الله تعالى، لما أراد محنته وابتلاءه، أذن لإِبليس في أن يفسد ماله، فاستعان بذريته فأحرقوا ماله ونعمه أجمع، فكان كلما أخبر بشيء من ذلك حمد الله تعالى وقال هي عارية استردها صاحبها والمنعم بها، فلما رأى إبليس ذلك جاء فأخبر بعجزه عنه، وأذن الله له في إهلاكه بنيه وقرابته ففعل ذلك أجمع، فدام أيوب على شكره وصبره، فأخبره إبليس بعجزه، فأذن الله له في إِصابته في بدنه وحجر عليه لسانه وعينيه وقبله، فجاءه إبليس وهو ساجد، فنفخ في أنفه نفخة احترق بدنه وجعلها الله تعالى أُكلة في بدنه، فلما عظمت وتقطع أخرجه الناس من بينهم وجعلوه على سباطة ولم يبق معه بشر حاشى زوجته، ويقال كانت بنت يوسف الصديق، وقيل اسمها رحمة، وقيل في أيوب إنه من بني إسرائيل، وقيل من الروم من قرية عيصو، فكانت زوجته تسعى عليه وتأتيه يأكل وتقوم عليه، فدام في هذا العذاب مدة طويلة قيل ثلاثين سنة، وقيل ثماني عشرة، وقيل اثنتي عشرة، وقيل تسعة أعوام، وقيل ثلاثة، وهو في كل ذلك صابر وشاكر، حتى جاءه فيما روي ثلاثة ممن كان آمن به فوقذوه بالقول وأنبوه ونجهوه. وقالوا ما صنع بك ربك هذا إلا لخبث باطنة فيك، فراجعهم أيوب في آخر قولهم بكلام مقتضاه أنه ذليل لا يقدر على إِقامة حجة ولا بيان ظلامة، فخاطبه الله تعالى معاتباً على هذه المقالة ومبيناً أنه لا حجة لأَحد مع الله ولا يُسأل عما يفعل ثم عرفه تعالى بأنه قد أذن في صلاح حاله وعاد عليه بفضله، فدعا أيوب عند ذلك فاستجيب له، ويروى أن أيوب لم يزل صابراً لا يدعو في كشف ما به، وكان فيما روي تقع منه الدود فيردها بيده، حتى مر به قوم كانوا يعادونه فشمتوا به، فتألم لذلك ودعا حينئذ فاستجيب له، وكانت امرأته غائبة عنه في بعض شأنها فأنبع الله تعالى له عيناً وأمر بالشرب منها فبرئ باطنه، وأمر بالاغتسال فبرئ ظاهره، ورد إلى أفضل جماله، وأتي بأحسن الثياب، وهب عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحثي منها في ثوبه فناداه الله تعالى يا أيوب ألم أغنيتك عن هذا، قال بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك، فبينما هو كذلك إذ جاءت امرأته فلم تره على السباطة فجزعت وظنت أنه أزيل عنها، وجعلت تتوله فقال لها ما شأنك أيتها المرأة فهابته لحسن هيئته، وقالت إني فقدت مريضاً كان لي في هذا الموضع ومعالم المكان قد تغيرت، وتأملته في أثناء المقاولة، فرأت أيوب، فقالت له أنت أيوب، فقال لها نعم واعتنقها وبكى فروي أنه لم يفارقها حتى أراه الله تعالى جميع ماله حاضراً بين يديه، واختلف الناس في أهله وولده بأعيانهم وجعل مثلهم له عدة في الآخرة، وقيل بل أتى جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال وقوله تعالى: {وذكرى للعابدين} أي وتذكرة وموعظة للمؤمنين، ولا يعبد الله تعالى إلا مؤمن والذكرى إنما هي في محنته والرحمة في زوال ذلك، وقوله {أني مسني الضر} تقديره "بأني مسني" فحذف الجار وبقيت {أني} في موضع نصب، وروي أن سبب محنة أيوب أنه دخل مع قوم على ملك جار عليه فأغلظ له القوم ولين له أيوب القول خوفاً منه على ماله، فعاقبه الله تعالى على ذلك، وروي أنه كان يقال له ما لك لا تدعو في العافية فكان يقول إني لأستحيي من الله تعالى أن أسأله زوال عذابه حتى يمر علي فيه ما مر من الرخاء، وأصابه البلاء فيما روي وهو ابن ثمانين سنة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل {ومن الشياطين} أي وسخرنا له من الشياطين {من يغوصون له} أي يدخلون تحت الماء فيخرجون له من قعر البحر الجواهر {ويعملون عملاً دون ذلك} أي دون الغوص وهو اختراع الصنائع العجيبة كما قال {أية : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل}تفسير : [سبأ: 13] الآية، ويتجاوزون في ذلك إلى أعمال المدن والقصور والصناعات كاتخاذ النورة والقوارير والصابون وغير ذلك {وكنا لهم حافظين} يعني حتى لا يخرجوا عن أمره، وقيل: حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا وذلك أنهم كانوا إذا عملوا عملاً في النهار وفرغ قبل الليل أفسدوه وخربوه. قيل: إن سليمان كان إذا بعث شيطاناً مع إنسان ليعمل له عملاً قال له إذا فرغ من عمله قبل الليل اشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل ويخربه. قوله تعالى: {وأيوب إذ نادى ربه} يعني دعا ربه. ذكر قصة أيوب عليه السلام قال وهب بن منبه: كان أيوب رجلاً من الروم وهو أيوب بن أموص بن تارخ بن روم ابن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وكان الله تعالى قد اصطفاه ونبأه وبسط له الدنيا، وكانت له البثنية من أرض البلقاء من أعمال خوازم مع أرض الشام كلها سهلها وجبلها وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير مالا يكون لرجل أفضل منه في العدد والكثرة، كان له خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل له آلة كل فدان أتان لكل أتان من الولد اثنان أو ثلاثة أو ربع أو خمس وفوق ذلك، وكان الله تعالى قد أعطاه أهلاً وولداً من رجال ونساء وكان براً تقياً رحيماً بالمساكين يطعمهم ويكفل الأيتام والأرامل ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل وكان شاكراً لأنعم الله، مؤدياً لحق الله قد امتنع عن عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من أمر الدنيا، وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وصدقوه: رجل من أهل اليمن يقال له النغر وقيل نغير، ورجلان من أهل بلده يقال لأحدهما تلدد والآخر صافر كان لهؤلاء مال، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهن حيثما أراد حتى رفع الله عيسى فحجب عن أربع. فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حجب عن السموات كلها إلا من استرق السمع، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسد والبغي، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء حيث كان يقف وقال: إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبداً أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك ولخرج عن طاعتك، قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله. فانقص عدو الله إبليس حتى وقع على الأرض فجمع عفاريت الجن ومردة الشياطين وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فقد سلطت على مال أيوب هي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال. فقال عفريت من الشياطين: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار فأحرق كل شيء آتي عليه قال إبليس: اذهب فأت الإبل ورعاتها، فأتى الإبل حين وضعت رؤوساها ورعت فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار فأحرق الإبل ورعاتها حتى أتى على آخرها، ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قيم ممن كانوا عليها على قعود إلى أيوب فوجده قائماً يصلي فقال يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك وأحرقتها ومن فيها غيري، فقال أيوب بعد أن فرغ من الصلاة: الحمد لله هو أعطانيها وهو أخذها، وإنها مال الله أعارنيها وهو أولى بها، إذا شاء نزعها. قال فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها، منهم من يقول: ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان إله أيوب يقدر أن يمنع شيئاً لمنع وليه، ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت به عدوه ويفجع صديقه، فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أعود إلى التراب وعرياناً أحشر إلى الله عز وجل، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيداً ولكنه علم منك شراً فأخرك. فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً ذليلاً فقال: ما عندكم من القوة فإني لم أكلم قلبه. قال عفريت من الجن عندي من القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت روحه. قال إبليس: فأت الغنم ورعاتها فانطلق حتى توسطها ثم صاح صيحة فتجثمت أمواتاً من عند آخرها مات رعاتها، فجاء إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاء إلى أيوب فوجده يصلي فقال له مثل القول الأول، فرد عليه مثل الرد الأول، فرجع إبليس إلى أصحابه فقال: ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب، فقال عفريت: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفة تنسف كل شيء تأتي عليه. قال: فأت الفدادين في الحرث والزرع فانطلق يؤمهم وذلك حين شرع الفدادون في الحرث والزرع فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصفة فنسفت كل شيء من ذلك، حتى كأنه لم يكن ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمانهم إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل قوله الأول, فرد عليه أيوب مثل رده الأول، وجعل إبليس يصف ماله مالاً مالاً حتى مر على آخره كلما انتهى إلى هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه، ورضي عنه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر والبلاء حتى لم يبق له مال. فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعاً حتى وقف في الموقف الذي يقف فيه وقال: إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بولده فأنت معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها المصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال قال الله عز وجل: انطلق فقد سلطتك على ولده. فانقض عدو الله حتى أتى بني أيوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم القصر حتى تداعى من قواعده، وجعل جدره يضرب بعضها بعضاً برميهم بالخشب والحجارة، فلما مثل بهم كل مثلة رفع القصر وقلبه عليهم، وصاروا منكسين وانطلق إلى أيوب متمثلاً بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه فأخبره وقال: لو رأيت بنيك كيف عذبوا وكيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم وأدمغتهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك عليهم، فلم يزل يقول هذا ونحوه حتى رق قلب أيوب وبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه وقال: يا ليت أمي لم تلدني. فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعاً بالذي كان من جزع أيوب مسروراً به، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، فصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته فسبقت توبته إلى الله وهو أعلم، فوقف إبليس خاسئاً ذليلاً وقال: إلهي إنما هون على أيوب المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده فقال الله عز وجل: انطلق فقد سلطتك على جسده, لكن ليس لك سلطان على لسانه وقلبه وعقله، وكان الله أعلم به، ولم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم ليتأسوا به في الصبر ورجاء الثواب. فانقض عدو الله إبليس سريعاً إليه فوجد أيوب ساجداً فعجل قبل أن يرفع رأسه، فأتاه من قبل وجهه فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكة فحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة. فلم يزل يحك حتى قرح لحمه وتقطع وتغير وأنتن فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة لهم وجعلوا له عريشة، ورفضه خلق الله كلهم غير امرأته وهي رحمة بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، فكانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، فلما رأى الثلاثة من أصحابه ما ابتلاه الله به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلق إليه أصحابه فبكتوه ولا موه وقالوا: تب إلى الله من الذنب الذي عوقبت به. قال: وحضر معهم فتى حديث السن قد آمن به وصدقه فقال لهم الفتى: إنك تكلمتم أيها الكهول وأنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم ولكن تركتم من القول ما هو أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم، وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وصفوته وخيرته من أهل الأرض إلى يومكم هذا ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله على أنه سخط شيئاً من أمره منذ أتاه الله ما أتاه إلى يومكم هذا ولا على أنه نزع منه شيئاً من الكرامة التي أكرمه الله بها ولا أن أيوب قال على الله غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا. فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم، ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى يبتلي المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين، وليس بلاؤه لأولئك دليلاً على سخطه عليهم، ولا لهوائهم عليه، ولكنها كرامة وخيرة لهم, ولو كان أيوب ليس من الله بهذه إلا أنه أخ أحببتموه على وجه الصحبة لكان لا يجعل بالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء ولا يعيره بالمصيبة ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ويبكي ويستغفر له ويحزن لحزنه ويدله على مراشد أمره، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا فالله الله أيها الكهول، وقد كان بي عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم ألم تعلموا أن لله عباداً أسكنتهم الخشية من غير عيّ ولا بكم وإنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون بالله، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم واقشعرت جلودهم وانكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم إعظاماً لأمر الله وإجلالاً، فإذا اشتاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم من الظالمين والخاطئين وإنهم لأبرار برآء ومع المقصرين المفرطين وإنهم لأكياس أقوياء. قال أيوب عليه السلام: إن الله يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فإذا نبتت في القلب يظهرها الله على اللسان وليست تكون الحكمة من قبل السن ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيماً في الصبا لم تسقط منزلته عند الحكماء، وهم يرون من الله سبحانه وتعالى عليه نور الكرامة، ثم أقبل أيوب على الثلاثة وقال: أتيتموني غضاباً رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم قبل أن تضربوا, كيف بي لو قلت تصدقوا عني بأموالكم لعل الله أن يخلصني، أو قربوا عني قرباناً لعل الله أن يقبله ويرضى عني وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم، وظننتم أنكم قد عوفيتم بإحسانكم، ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوباً سترها الله تعالى بالعافية التي ألبسكم. وقد كنتم فيما خلا توقرونني وأنا مسموع كلامي معروف حقي منتصف من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم، فأنتم كنتم أشد عليَّ من مصيبتي. ثم أعرض عنهم أيوب، وأقبل على ربه مستغيثاً به متضرعاً إليه فقال: يا رب لأي شيء خلقتني؟ ليتني إذ كرهتني لم تخلقني، يا ليتني عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي، فالموت كان أجمل بي. ألم أكن للغريب داراً وللمسكين قراراً ولليتيم وليّاً وللأرملة قَيِّماً إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمنُّ لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضاً، وللفتنة نصيباً، وقد وقع عليَّ من البلاء ما لو سلطته على جبل لضعف عن حمله فكيف يحمله ضعفي. وإن قضاءك هو الذي أذلني، وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل جسمي، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فيَّ فأدلي بعذري وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا أسمعه. فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب، ثم نودي يا أيوب إن الله يقول ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريباً قم فأدل بعذرك وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك واشدد أزرك وقم مقام جبار يخاصم جبارا إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي. لقد منتك نفسك يا أيوب أمراً، ما يبلغ لمثله مثلك. أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها؟ هل كنت معي تمد بأطرافها؟ هل علمت أي مقدار قدرتها، أم على أي شيء وضعت أكنافها. أبطاعتك حمل الماء الأرض، أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفاً في الهواء لا تعلق بسبب من فوقها ولا يقلها دعم من تحتها؟ هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسير نجومها أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها؟ أين كنت مني يوم أنبعت الأنهار وسكبت البحار؟ أبسلطانك حبست أمواج البحار على حدودها أم بقدرتك فتحت الأرحام حين بلغت ملتها؟ أين كنت مني يوم صببت الماء على التراب ونصبت شوامخ الجبال؟ هل تدري على أي شيء أرسيتها أم بأي مثقال وزنتها؟ أم هل لك من ذراع تطيق حملها؟ أم هل تدري من أين الماء الذي أنزلت من السماء؟ أم هل تدري من أي شيء أنشأت السحاب؟ أم هل تدري أين خزانة الثلج؟ أم أين جبال البرد؟ أم أين خزانة الليل بالنهار وخزانة النهار بالليل؟ وأين خزانة الريح؟ وبأي لغة تتكلم الأشجار ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ وشق الأسماع والأبصار؟ ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته وقسم الأرزاق بحكمته؟ في كلام كثير يدل على آثار قدرته ذكرها لأيوب فقال أيوب: صغر شأني وكل لساني وعقلي ورأيي وضعفت قوتي عن هذا الأمر الذي يعرض عليَّ إلهي. قد علمت أن كل الذي قد ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من ذلك وأعجب لو شئت عملت ولا يعجزك شيء ولا تخفى عليك خافية إلهي أوثقني البلاء فتكلمت ولم أملك نفسي فكان البلاء الذي أنطقني. ليت الأرض انشقت بي فذهبت فيها ولم أتكلم بشيء يسخطك. ربي وليتني مت بغمي في أشد بلائي قبل ذلك. إنما تكلمت حين تكلمت بعذري، وسكت حين سكت لترحمني كلمة زلت مني فلن أعود، وقد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني وألصقت بالتراب خدي، أعوذ بك اليوم منك وأستجير بك من جهد البلاء، فأجرني وأستغيث بك من عقابك فأغثني، وأستعينك عن أمري فأعني، وأتوكل عليك فاكفني، وأعتصم بك فاعصمني وأستغفرك فاغفر لي فلن أعود لشيء تكرهه مني. قال الله تعالى: يا أيوب نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي، فقد غفرت لك، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية وتكون عبرة لأهل البلاء وعزاً للصابرين، فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، فمنه تناول وقرب عن أصحابك قرباناً استغفر لهم، فإنهم قد عصوني فيك. روي عن أنس يرفعه أن أيوب لبث ببلائه ثماني عشرة سنة، وقال وهب: ثلاث سنين لم يزد يوماً، وقال كعب: سبع سنين، وقال الحسن: مكث أيوب مطروحاً على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهراً يختلف فيه الدود, لا يقربه أحد غير رحمة صبرت معه بصدق، وكانت تأتيه بالطعام، وتحمد الله معه إذا حمد، وأيوب مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله تعالى والصبر على بلائه، فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض، فلما اجتمعوا إليه قالوا: ما أحزنك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي لم أدع له مالاً ولا ولداً ولم يزدد إلا صبراً، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة لا تقربه إلا امرأته، فاستعنت بكم لتعينوني عليه، فقالوا له: فأين مكرك الذي أهلكت به من مضى؟ قال: بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا عليَّ قالوا: من أين أتيت آدم حين أخرجته من الجنة؟ قال: من قبل امرأته. قالوا فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس يقربه أحد غيرها. قال: أصبتم فانطلق إبليس حتى أتى رحمة امرأة أيوب وهي تصدق فتمثل لها في صورة رجل وقال لها: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت هو ذاك يحك قروحه ويتردد الديدان في جسده. فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع، فوسوس إليها وذكرها ما كانت فيه من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر، وأن ذلك لا ينقطع عنه أبداً، فصرخت فعلم أنها قد جزعت فأتاها بسخلة وقال: ليذبح لي هذه أيوب ويبرأ افجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك أين المال أين الولد أين الصديق أين لونك الحسن أين جسمك الحسن؟ اذبح هذه السخلة واسترح. قال أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك؟ ويلك أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد والصحة من أعطانيه؟ قالت الله قال كم متعنا به قالت ثمانين سنة. قال فمنذ كم ابتلانا قالت منذ سبع سنين وأشهر قال ويلك ما أنصفت ربك ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتيني أن أذبح لغير الله. طعامك وشرابك الذي تأتيني به علي حرام أن أذوق منه شيئاً اغربي عني فلا أراك، فطردها، فذهبت. فلما نظر أيوب وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجداً لله وقارب {أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} فقيل له ارفع رأسك فقد استجبت لك اركض برجلك، فركض برجله فنبعت عين ماء، فاغتسل منها فلم يبق عليه من درنه ودائه شيء ظاهر إلا سقط، وعاد شبابه وجماله أحسن ما كان، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، فقام صحيحاً وكسي حلة فجعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان عليه وما كان له. من أهل ومال إلا وقد ضعفه الله له وذكر لنا أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراد من ذهب فجعل يضمه بيده فأوحى الله إليه يا أيوب ألم أغنك؟ قال بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها؟ قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني إلى من أكله؟ أدعه يموت جوعاً؟ ويضيع فتأكله السباع؟ لأرجعن إليه. فرجعت إليه فلا الكناسة رأت، ولا تلك الحالة التي كانت تعرف، وإذا الأمور قد تغيرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعيني أيوب، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأله عن أيوب، فدعاها وقال: ما تريدين يا أمة الله فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان منبوذاً على الكناسة لا أدري أضاع أم ما فعل به؟ فقال أيوب: ما كان منك فبكت وقالت بعلي. فقال هل تعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت وهل يخفى على أحد رآه ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه ثم قالت: أما إنه أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحاً. قال: فإني أنا أيوب الذي أمرتني أن أذبح لإبليس، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله فرد عليَّ ما ترين. وقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين، فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع منه شيئاً اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس من مراكب الناس له عظم وبهاء. فقال لها: أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى قالت نعم. قال: هل تعرفيني؟ قالت لا. قال: أنا إله الأرض وأن الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليك وعليه كل ما كان لكما من مال وولد فإنه عندي ثم أراها إياه ببطن الوادي الذي لقيها فيه. وفي بعض الكتب أن إبليس قال لها اسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها وما رأها. قال: لقد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم إن عافاه الله ليضربها مائة جلدة وقال عند ذلك: مسني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي له ودعائه إياها وإياي إلى الكفر. ثم إن الله تعالى رحم رحمة امرأة أيوب بصبرها معه على البلاء وخفف عليها، وأراد أن يبر يمين أيوب، فأمره أن يأخذ ضغثاً يشتمل على مائة عود صغير فيضربها به ضربة واحدة. وقيل: لم يدع الله بالكشف عنه حتى ظهرت له ثلاثة أشياء: أحدها: ما قيل في حقه: لو كان لك عند الله منزلة ما أصابك هذا، والثاني: أن امرأته طلبت طعاماً فلم تجد ما تطعمه فباعت ذوائبها فأتته بطعام، والثالث: قول إبليس: إني أدوايه على أن يقول أنت شفيتني. وقيل مسني الضر أي من شماتة الأعداء حتى روي أنه قيل له بعد ما عوفي ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء. فإن قلت كيف سماه الله صابراً وقد أظهر الشكوى والجزع بقوله مسني الضر وقوله مسني الشيطان بنصب وعذاب؟ قلت: ليس هذا شكاية وإنما هو دعاء بدليل.

القشيري

تفسير : إنما كان ذلك أياماً قلائل في الحقيقة. ثم إنه أراد يوماً أن يعودَ إلى مكانه فجاءه مَلَكُ الموتِ فطَالَبَه بروحه، فقال: إليَّ حين أرجع إلى مكاني. فقال له: لا وجه للتأخير، وقَبضه وهو قائم يتكىء على عصاه وبقي بحالته، ولم تعلم الجِنُّ، إلى أنْ أكَلَتْ دابة الأرض - كما في القصة - عصاه، فلما خَرّ سليمان عَلِمَتْ الشياطينُ بموته، وتحققوا أنَّ الذي بالعصا قِيامُه فَقَهْرُ الموت يلحقه.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} اظهار نعمةٍ اخرى لسليمان وهى تسخير الشّياطين والجنّة له، ومن معطوف على الرّيح او مبتدء خبره من الشّياطين كانوا يغوصون فى البحار لاخراج الجواهر النّفسيّة لسليمان (ع) {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} كبناء المدن والقصور العجيبة وعمل الجفون العظيمة كالجواب واختراع الصّنائع الغريبة وصنع ما يشاء من محاريب وتماثيل {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} حتّى لا يخرجوا من امره ولا يفسدوا عليه ملكه واهل مملكته.

الهواري

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} وهذا على الجماعة {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ} أي: عملاً دون الغوص، وكانوا يغوصون في البحر ويخرجون اللؤلؤ. وقال في آية أخرى: (أية : وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ) تفسير : [سورة ص: 37]. قال بعضهم: ورث سليمان داوود نبوته وملكه، وزاد سليمان على ذلك أن سخر له الريح والشياطين. قوله تعالى: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أي: حفظهم الله لا يذهبون ويتركونه، وكانوا مسخّرين له. وقال الحسن: لم يسخر له في هذه الأعمال وفيما يصفد، يجعلهم في السلاسل، من الجن إلا الكفار منهم. واسم الشيطان لا يقع إلا على الكافر من الجن. وذكر بعضهم قال: أمر سليمان ببناء بيت المقدس فقالوا له: زوبعة الشيطان له عين في جزيرة في البحر، يَرِدها في كل سبعة أيام يوماً. فنزحوها، ثم صبوا فيها خمراً، فجاء لوِرده. فلما أبصر الخمر قال في كلام له: ما علمت، إنك إذا شربك صاحبك لَمَماً يظهر عليه عدُوُّه، في أساجع له [لا أذوقك اليوم]. فذهب ثم رجع لظِمء آخر. فلما رآها قال كما قال أول مرة، ثم ذهب فلم يشرب حتى جاء لظمء آخر. [قال: ما علمت إنك لتذهبين الهمَّ في سجع له] فشرب منها فسكر. فجاءوا إليه، فأروه خاتم السخرة، فانطلق معهم إلى سليمان. فأمرهم بالبناء، فقال زوبعة: دُلّوني على عُشّ الهدهد. فدُلَّ على عُشّه. فأكبّ عليه جمجمة، يعني زجاجة. فجاء الهدهد، فجعل لا يصل إليه. فانطلق فجاء بالماس الذي يثقب به الياقوت، فوضعه عليها فَقَطَّ الزجاجة نصفين. ثم ذهب ليأخذه فأزعجوه، فجاءوا بالماس إلى سليمان. فجعلوا يستعرضون به الجبال كأنما يخطّون في نواحيها في الطين.

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} مبتدأ وخبر، أو مَن مفعول، أى وسخرنا من الشياطين من يغوصون له، على الاستئناف، أو معطوفة على الريح، وهى نكرة موصوفة، أى شياطين غائصة، أو موصولة والجمع مراعاة لمعنى مَن. والغوص: الدخول فى الماء، كانوا يأتون له بالجواهر النفيسة وغيرها من قعر البحر. {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ} كالبناء والصنائع العجيبة، كاتخاذ الزجاج والصابون. {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} عن أن يفسدوا ما عملوا؛ لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل قبل الليل أفسدوه، إن لم يشغلوا بغيره، وعن أن يخرجوا عن أمره، وعن أن يفسدوا شيئا ما، ومقتضى جِبِلّتهم على الفساد، وعن أن يقصروا فى الصنعة والخدمة.

اطفيش

تفسير : {ومن الشَّياطين} عطف على مع (من) عطف على الجبال بحد ما مر أو ذلك مبتدأ وخبر، والأول أولى لزيادة انسحاب التسخير فيه {مَنْ يغوصون له} يدخلون تحت ماء البحر لأجله، يستخرجون منه النفائس، والواو بمعنى من، والجملة نعت لمن لا صلة لها، إذ لها عهد للغوص لنا قبل نزول الآية، وإن كان فذهنى وهو خلاف الأصل، ويروى أنه رأى بحرا عميقا جدا فأمر الشياطين بالغوص فيه، فاخرجوا مِنه قبة بيضاء، فقال: يا رب أريد أن أعلم ما فيها ففتحها الله تعالى له، فإذا فيها رجل جميل بلباس جيمل، فقال له: أبشر أنت أم جنى؟ قال: بشر، قال: ما حالك؟ قال: كنت أطيع أمى وأحملها على ظهرى وبين يدى، ودعت لى أن يجعل الله تعالى موضعاً أعبد فيه ليس سماء ولا أرضا، وماتت وأتيت ساحل البحر، ورأيت هذه القبة، وأعجبتنى فدخلتها، فانتقلت بى ولا أدرى أفى البحر أنا أم فى البر أم فى السماء، فقال: بم تعرف الليل والنهار؟ قال: تضاء عند الفجر ويزال الضوء عند الغروب، قال: ما تأكل وما تشرب؟ قال: طعام وشراب كلاهما أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، قال: ادع الله أن يردنى حيث كنت فغلقت عليه، فعاد. {ويعلمونَ عَملاً} كثيراً {دُون ذلكَ} كبناء القصور، والمدن، وابتداع الصنائع الغريبة كالحمام والنورة والطاحون والقوارير، كما قال الله عز وجل: "أية : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل" تفسير : [سبأ: 13] الآية، وقيل الصابون من ذلك، واختير أنه من صناعة هرمس وأندوخيا، وقيل من بقراط وجالينوس، وقيل أول من صنعه الفارابى فى دمشق، والجن أجسام لطيفة عاقلة نارية، ومع لطفها تعمل الأعمال الشاقة، كالريح تقلع وتهدم مع لطفها، والشياطين الذين يستخدمهم كفار فحل استخدامهم قهراً كالجزية، والمتبادر من لفظ الشيطان الكفر، ويناسب ذلك قوله تعالى: {وكُنَّا لهم حافظين} بتوكيل جماعات من الملائكة، ومن مؤمنى الجن عليهم عن أن يخبلوا الناس، أو يقتلوهم، وعن أن يفسدوا ليلا ما عملوه بالنهار،وعن أن يزيغوا عن أمره، استعمل الله له ما لطيف وهو الريح والشياطين، ولداود الأشياء الكثيفة الغليظة، وليس كما قال الجبائى: إن الله عز وجل كثف أجسام الجن لسليمان لتعمل الأمور الشاقة، ولما مات ردها الى لطفها لئلا يلبس بهم على الناس من يتنبأ.

الالوسي

تفسير : {وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ} أي وسخرنا له من الشياطين {مَن يَغُوصُونَ لَهُ} فمن في موضع نصب لسخرنا، وجوز أن تكون في موضع رفع على الابتداء وخبره ما قبله، وهي على الوجهين على ما استظهره أبو حيان موصولة وعلى ما اختاره جمع نكرة موصوفة، ووجه اختيار ذلك على الموصولية أنه لا عهد هنا، وكون الموصول قد يكون للعهد الذهني خلاف الظاهر، وجيء بضمير الجمع نظراً للمعنى، وحسنه تقدم جمع / قبله، والغوص الدخول تحت الماء وإخراج شيء منه، ولما كان الغائص قد يغوص لنفسه ولغيره قيل {لَهُ} للإيذان بأن الغوص ليس لأنفسهم بل لأجله عليه السلام. وقد كان عليه السلام يأمرهم فيغوصون في البحار ويستخرجون له من نفائسه. {وَيَعْمَلُونَ} له {عَمَلاً} كثيراً {دُونِ ذَلِكَ} أي غير ما ذكر من بناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة لقوله تعالى { أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ } تفسير : [سبأ: 13] الآية، قيل: إن الحمام والنورة والطاحون والقوارير والصابون من أعمالهم، وذكر ذلك الإمام الرازي في «التفسير»، لكن في كون الصابون من أعمالهم خلافاً. ففي «التذكرة» الصابون من الصناعة القديمة قيل وجد في «كتب هرمس وأندوخيا» وهو الأظهر. وقيل: من صناعة بقراط وجالينوس انتهى؛ وقيل هو من صناعة الفارابـي وأول ما صنعه في دمشق الشام ولا يصح ذلك، وما اشتهر أن أول من صنعه البوني فمن كذب العوام وخرافاتهم، ثم هؤلاء إما الفرقة الأولى أو غيرها لعموم كلمة {مِنْ} كأنه قيل: ومن يعملون، والشياطين أجسام لطيفة نارية عاقلة، وحصول القدرة على الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف غير مستبعد فإن ذلك نظير قلع الهواء الأجسام الثقيلة، وقال الجبائي: إنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزة لسليمان عليه السلام فلما توفي ردهم إلى خلقتهم الأولى لئلا يفضي إبقاؤهم إلى تلبيس المتنبـي وهو كلام ساقط عن درجة القبول كما لا يخفى. والظاهر أن المسخرين كانوا كفاراً لأن لفظ الشياطين أكثر إطلاقاً عليهم، وجاء التنصيص عليه في بعض الروايات ويؤيده قوله تعالى: {وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ} أي من أن يزيغوا عن أمره أو يفسدوا، وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوه بالنهار، وقيل حافظين لهم من أن يهيجوا أحداً؛ والأنسب بالتذييل ما تقدم وذكر في حفظهم أنه وكل بهم جمعاً من الملائكة عليهم السلام وجمعاً من مؤمني الجن. هذا وفي قصتي داود وسليمان عليهما السلام ما يدل على عظم قدرة الله تعالى. قال الإمام: وتسخير أكثف الأجسام لداود عليه السلام وهو الحجر إذ أنطقه الله تعالى بالتسبيح والحديد إذ ألانه سبحانه له وتسخير ألطف الأجسام لسليمان عليه السلام وهو الريح والشياطين وهم من نار وكانوا يغوصون في الماء فلا يضرهم دليل واضح على باهر قدرته سبحانه وإظهار الضد من الضد وإمكان إحياء العظم الرميم وجعل التراب اليابس حيواناً فإذا أخبر الصادق بوقوعه وجب قبوله واعتقاده.

ابن عاشور

تفسير : هذا ذكر معجزة وكرامة لسليمان. وهي أن سخر إليه من القُوى المجردة من طوائف الجنّ والشياطين التي تتأتّى لها معرفة الأعمال العظيمة من غوص البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان ومن أعمال أخرى أجملت في قوله تعالى: {ويعملون عملاً دون ذلك}. وفصّل بعضها في آيات أخرى كقوله تعالى: {أية : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات}تفسير : [سبأ: 13] وهذه أعمال متعارفة. وإنما اختصّ سليمان بعظمتها مثل بناء هيكل بيت المقدس وبسرعة إتمامها. ومعنى {وكنا لهم حافظين} أن الله بقدرته سخرهم لسليمان ومنعهم عن أن ينفلتوا عنه أو أن يعصوه، وجعلهم يعملون في خفاء ولا يؤذوا أحداً من الناس؛ فجمع الله بحكمته بين تسخيرهم لسليمان وعلمه كيف يَحكمهم ويستخدمهم ويطوعهم، وجعلهم منقادين له وقائمين بخدمته دون عناء له، وحال دونَهم ودونَ الناس لئلا يؤذوهم. ولما توفّي سليمان لم يسخر الله الجنّ لغيره استجابة لدعوته إذ قال: {أية : وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}تفسير : [ص: 35]. ولما مكّن الله النبي محمداً - صلى الله عليه وسلم - من الجنيّ الذي كاد أن يفسد عليه صلاته وهَمَّ بأن يربطه، ذَكَر دعوة سليمان فأطلقه فجمع الله له بين التمكين من الجنّ وبين تحقيق رغبة سليمان. وقوله {لهم} يتعلق بــــ {حافظين} واللام لام التقوية. والتقدير: حافظينهم، أي مانِعينهم عن الناس.

الشنقيطي

تفسير : الأظهر في قوله {مَن يَغُوصُونَ} أنه في محل نصب عطفاً على معمول {سَخَّرْنَا} أي وسخرنا له من يغوصون له من الشياطين. وقيل: "من" مبتدأ، والجار والمجرور قبله خبره. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سخر لسليمان من يغوصون له من الشياطين. أي يغوصون له في البحار فيستخرجون له منها الجواهر النفيسة. كاللؤلؤ، والمرجان. والغوص: النزول تحت الماء. والغواص: الذي يغوص البحر ليستخرج منه اللؤلؤ ونحوه. ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : أو درة صدفية غواصها بهج متى يراها يهل ويسجد تفسير : وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أيضاً. أن الشياطين المسخرين له يعملون له عملاً دون ذلك. أي سوى ذلك الغوص المذكور. أي كبناء المدائن والقصور، وعمل المحاريب والتماثيل، والجفان والقدور الراسيات، وغير ذلك من اختراع الصنائع العجيبة. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أي من أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منم فساد فيما هم مسخرون فيه. وهذه المسائل الثلاث التي تضمنتها هذه الآية الكريمة ـ جاءت مبينة في غير هذا الموضع. كقوله في الغوص والعمل سواء: {أية : وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ}تفسير : [ص: 37] الآية، وقوله في العمل غير الغوص: {أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}تفسير : [سبأ: 13]، وكقوله في حفظهم من أن يزيغوا عن أمره: {أية : وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [سبأ: 12]، وقوله: {أية : وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ}تفسير : [ص: 38]. وصفة البساط، وصفة حمل الريح له، وصفة جنود سليمان من الجن والإنس والطير ـ كل ذلك مذكور بكثرة في كتب التفسير، ونحن لم نطل به الكلام في هذا الكلام المبارك.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيَاطِينِ} {حَافِظِينَ} (82) - وسَخَّرَ اللهُ تَعالى الشَّياطِينَ لِسُلَيْمانَ: مِنْهُمْ مَنْ يَغُوصُونَ في الماءِ يَسْتَخْرِجُونَ منهُ اللآَّلئَ والجَوَاهِرَ، ومِنْهُم مَنْ يَعْمَلُ لَهُ غيرَ ذَلِكَ منَ الأعْمَالِ كَبِنَاءِ الحُصُونِ والقُصُورِ (دَونَ ذَلِكَ)، وَيَحْرسُهُ اللهُ تعالى مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ بَعْضُ الشَّيَاطين بِأَذًى، بَلْ إِنَّه جَعَل سُلَيْمان مُحَكَّماً في الشَّياطِينِ، إِنْ شَاءَ أَطْلَقَ، وإِنْ شَاءَ حَبَسَ مِنْهم مَنْ أَرَادَ. يَغُوصُونَ له - في البِحَارِ لاسْتِخْرَاجِ النَّفَائِسِ. لَهُمْ حَافِظِينَ - مِنَ الزِّيْغِ عَنْ أمْرِهِ أوِ الإِفْسَادِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فبعد أنْ سخَّر الله له الريح سخَّر له الشياطين {يَغُوصُونَ لَهُ ..} [الأنبياء: 82] والغَوْصُ: النزول إلى أعماق البحر؛ ليأتوه بكنوزه ونفائسه وعجائبه التي ادخرها الله فيه {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ ..} [الأنبياء: 82] أي: مما يُكلِّفهم به سليمان من أعمال شاقة لا يقدر عليها الإنسان، وقد شرحت هذه الآية في موضع آخر: {أية : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ..} تفسير : [سبأ: 13] فأدخل مرادات العمل في مشيئته. والمحاريب جمع محراب، وهو مكان العبادة كالقِبْلة مثلاً، والجِفَان: جمع جَفْنة، وهي القَصْعة الكبيرة الواسعة التي تكفي لعدد كبير، والقدور الراسيات أي: الثابتة التي لا تنقل من مكان لآخر وهي مبنية. وقد رأينا شيئاً من هذا في الرياض أيام الملك عبد العزيز رحمه الله، وكان هذا القدْر من الاتساع والارتفاع بحيث إذا وقف الإنسان ماداً ذراعيه إلى أعلى لا يبلغ طولها، وفي الجاهلية أشتهرت مثل هذه القدور عند ابن جدعان، وعند مطعم بن عدي. أما التماثيل فهي معروفة، والموقف منها واضح منذ زمن إبراهيم عليه السلام حينما كسَّرها ونهى عن عبادتها، وهذا يردُّ قول مَنْ قال بأن التماثيل كانت حلالاً، ثم فُتِن الناس فيها، فعبدوها من دون الله فَحرِّمت، إذن: كيف نخرج من هذا الموقف؟ وكيف يمتنّ الله على نبيه سليمان أن سخر له من يعملون التماثيل وهي مُحرَّمة؟ نقول: كانوا يصنعون له التماثيل لا لغرض التعظيم والعبادة، إنما على هيئة الإهانة والتحقير، كأن يجعلوها على هيئة رجل جبار، أو أسد ضخم يحمل جزءاً من القصر أو شرفة من شرفاته، أو يُصوِّرونها تحمل مائدة الطعام.. الخ. أي أنها ليست على سبيل التقديس. ثم يقول تعالى: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82] حافظين للناس المعاصرين لهذه الأعمال حتى لا تؤذيهم الشياطين أو تفزعهم، ومعلوم أن الشياطين يروْنَ البشر، والبشر لا يرَوْنَهم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 27]. أما سليمان عليه السلام فكان يرى الجنَّ ويراقبهم وهم يعملون له، وفي قصته: {أية : فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ..} تفسير : [سبأ: 14]. وفي هذا دليل على أن الجن لا يعلمون الغيب؛ لذلك قال تعالى: {أية : فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} تفسير : [سبأ: 14]. ويُقال: إن سليمان - عليه السلام - بعد أنْ امتنَّ الله عليه، وأعطاه مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، أخذ هؤلاء الجن وحبسهم في القماقم حتى لا يعملوا لأحد غيره. هذه مجرد لقطة من قصة سليمان، ينتقل السياق منها إلى أيوب عليه السلام: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كذا سخرنا لسليمان {مِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} البحار، ويخرجون منها نفائس الجواهر تتميماً وتوفيراً بخزانته {وَيَعْمَلُونَ} أيضاً {عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} الغوص من بناء الأبنية الرفعية، والقصور المنيعة، واختراع الصنائع البديعة الغريبة والهياكل البديعة والتشكيلات العجيبة {وَكُنَّا لَهُمْ} من قبل سليمان {حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82] مشغلين مشرفين إياهم، لا يمكنهم أن يفسدوا في أعمالهم وأشغالهم ويزيغوها على مقتضى أهويتهم وطباعهم. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل أخاك {أَيُّوبَ} الذي ابتلاه الله بأنواع المحن والبلاء، فصبر عليها فازداد ألمه، واشتد الأمر عليه واضطر إلى التضرع والتفزع، وبثِّ الشكوى إلى الله، اذكر {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} مشتكياً إليه، مناجياً له، متضرعاً إياه قائلاً {أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ} يا رب، وتنحّوا عني أقاربي وذوو أرحامي وجميع رحمائي {وَأَنتَ} تبقى عليّ رحيماً مشفقاً؛ لأنك {أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] فأدركني بلطفك؛ إذ لا طاقة لي ولا صبر بعد اليوم، وقد بلغ الجهد غياته. {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} دعاءه {فَكَشَفْنَا} عنه {مَا بِهِ مِن ضُرٍّ} مؤلم مزعج {وَ} بعدما شفيناه وأزلنا عنه مرضه {آتَيْنَاهُ أَهْلَهُ} وأحيينا الذين هلكوا بسقوط البيت عليهم، وأمواله التي تلفت بالحوادث والنوائب {وَ} زدناها امتناناً له وتفضلاً عليه {مِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} إياه وزيادة إنعامٍ وإحسان منَّا عليه {وَ} ليكون ما فضلنا به وأعطيناه {ذِكْرَىٰ} تذكرة وحثاً {لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 84] الذين صبروا على مشاق التكاليف، ومتاعب الطاعات والعبادات؛ ليفوزوا بأفضل المثوبات، وأعظم الكرامات. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل جدك {إِسْمَاعِيلَ} ذا الصبر والرضا بما جرى عليه من القضايا {وَإِدْرِيسَ} صاحب دراسة الحكمة المتقنة وأنواع المعارف والحقائق {وَذَا ٱلْكِفْلِ} المتكفل بعبادة الله في جميع أوقاته وحالاته، حيث لا يشغله شيء عن التوجه نحو الحق، قيل: هو إلياس، وقيل: زكريا، وقيل يوشع بن نون، وقيل: نبيُ آخر مسمى به؛ لأنه يتكفل صيام أيام حياته {كُلٌّ} من هؤلاء السعداء المقبولين عند الله المقبولين {مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] لقضاء الله، ونزول بلائه، كما أنهم كانوا شاكرين لآلائه ونعمائه. {وَ} لذلك {أَدْخَلْنَاهُمْ فِي} سعة {رَحْمَتِنَا} امتناناً عليهم {إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 86] المصلحين أعمالهم وأقوالهم وعقائدهم وأحوالهم، الواصلين إلى درجة القرب واليقين. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل أخاك {ذَا ٱلنُّونِ} صاحب الحوت، وهو يونس بن متى، واذكر قصته وقت {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} على قومه من أعمالهم حين وعظهم، فلم يتعظوا، فشق عليه الأمر، فغضب عليهم، فلم يكظم غيظه، فخرج من بينهم تفريجاً لغضبه، وتوسيعاً لصدره {فَظَنَّ} بخروجه من بينهم {أَن لَّن نَّقْدِرَ} وتضيّق {عَلَيْهِ} ولا يمكننا حبسه وتضييقه وتغميمه في مكان آخر فهرب، ولقي البحر فركب على السفينة فسكنت الريح، فقال البحَّارون: إن ها هنا عبداً آبقاً، فاقترعوا، فخرجت القرعة باسمه فألقى نفسه في البحر، فالتقمه الحوت {فَنَادَىٰ} وناجى ضريعاً فجيعاً مغموراً {فِي ٱلظُّلُمَاتِ} التي تراكمت عليه؛ إذ هو في بطن الحوت وكان الليل مظلماً {أَن} أي: أنه {لاَّ إِلَـٰهَ} بعيد بالحق، ويستحق للعبادة استحقاقاً ذاتياً ووصفياً {إِلاَّ أَنتَ} يا من خضعتُ لك الرقاب، وانتكستْ دون سرادقات جلالك أعناق أولي النهى والألباب {سُبْحَانَكَ} ربي أنزهك عن جميع ما لا يليق بجنابك، ولا يليق لشأنك {إِنِّي} بواسطة خروجي عن قومي بغير إذنك ووحيك، مع أنك أرسلتني إليهم، وبعثتني بين أظهرهم نبيّاً ذا دعوة وهداية {كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] الخارجين عن مقتضى حكمك وأمرك، لذلك ضيقتَ الأمر عليّ يا ربي، وحبستني ولا مخلص لي من هذا المضيق إلا عفوك وكرمك. وبعدما تاب إلينا، وتوجه نحونا مخلصاً متضرعاً، واستخلص منا مضطرباً مضطراً {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} وأجبنا دعاءه فأخرجناه من بطن الحوت {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ} العظيم والكرب الكبير {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي} عموم {ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] المخلصين الذين أخلصوا في إنابتهم ورجوعهم نحوننا من كروبهم وأحزانهم.