٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً} أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة، أي شديدة الهُبوب. يقال منه: عَصفت الريحُ أي اشتدت فهي ريح عاصفٌ وعَصُوف. وفي لغة بني أسد: أعَصفت الريحُ فهي مُعْصِف ومُعْصِفة. والعَصْف التِّبن فسمى به شدة الريح؛ لأنها تعصفه بشدة تطيرها. وقرأ عبد الرحمن الأعرج والسّلَمي وأبو بكر «وَلِسُلَيْمَان الرِّيحُ» برفع الحاء على القطع مما قبله؛ والمعنى ولسليمان تسخير الريح؛ ابتداء وخبر. {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} يعني الشام. يروى أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد، ثم تردّه إلى الشام. وقال وهب: كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزّاء لا يقعد عن الغزو؛ فإذا أراد أن يغزو أمر بخُشب فمدت ورفع عليها الناس والدواب وآلة الحرب، ثم أمر العاصف فأقلت ذلك، ثم أمر الرخاء فمرت به شهراً في رواحه وشهراً في غدوّه، وهو معنى قوله تعالى: {أية : تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} تفسير : [صۤ: 36]. والرخاء اللينة. {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} أي بكل شيء عملنا عالمين بتدبيره. قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} أي وسخرنا له من يغوصون؛ يريد تحت الماء. أي يستخرجون له الجواهر من البحر. والغَوْص النزول تحت الماء، وقد غاص في الماء، والهاجم على الشيء غائص. والغوّاص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ، وفعله الغِيَاصة. {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} أي سوى ذلك من الغَوْص؛ قاله الفراء. وقيل: يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما يسخِّرهم فيه. {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أي لأعمالهم. وقال الفراء: حافظين لهم من أن يفسدوا أعمالهم، أو يهيجوا أحداً من بني آدم في زمان سليمان. وقيل: «حافظين» من أن يهربوا أو يمتنعوا. أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره. وقد قيل: إن الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون من استخراج الشياطين.
البيضاوي
تفسير : {وَلِسُلَيْمَـٰنَ } وسخرنا له ولعل اللام فيه دون الأول لأن الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له، وفي الأول أمر يظهر في الجبال والطير مع داود وبالإِضافة إليه. {ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً } شديدة الهبوب من حيث إنها تبعد بكرسيه في مدة يسيرة كما قال تعالى: {أية : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}تفسير : [سبأ: 12] وكانت رخاء في نفسها طيبة. وقيل كانت رخاء تارة وعاصفة أخرى حسب إرادته. {تَجْرِى بِأَمْرِهِ} بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى أو حال من ضميرها. {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } إلى الشام رواحاً بعدما سارت به منه بكرة. {وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـٰلِمِينَ} فنجريه على ما تقتضيه الحكمة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} سخرنا {لِسْلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً } وفي آية أخرى {أية : رُخَاءً }تفسير : [36:38] أي شديدة الهبوب وخفيفته بحسب إرادته {تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } وهي الشام {وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَٰلِمِينَ } من ذلك علمه تعالى بأنّ ما يعطيه سليمان يدعوه للخضوع لربه، فَفِعْلُه تعالى على مقتضى عِلْمه.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَاصِفَةً} العصوف شدة حركتها، والتِّبْن عصف لأنها تعصفه بشدة تطييرها له {الأَرْضِ} الشام بورك فيها بمن بُعث فيها من الأنبياء، أو بأن مياه أنهار الأرض تجري منها، أو بما أودعها من الخيرات فما نقص من الأرض زيد في الشام وما نقص من الشام زيد في فلسطين.
القشيري
تفسير : سخَّرَ اللَّهُ له الريحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورواحُها شَهْرٌ، ولو أراد أن يزيد في قَدْر مسافتها شِبْراً لما استطاع، تعريفاً بأنه موقوفٌ على حكم التقدير، فشهود التقدير كان يمنعه عن الإعجاب بما أُكْرِمَ به من التسخير، ولقد نبَّه - سبحانه - من حيث الإشارة أن الذي مَلَكَه سليمان كالريح إذا مرَّ وفات، أو أنه لا يَبْقَى باليدِ منه شيء. وفي القصة أنه لاحَظَ ذلك يوماً فمالت الريح بِبسَاطِه قليلاً، فقال سليمانُ لريحِ: استو. فقالت له الريح: استو أنت. أي إنما مَيْلِي بِبِسَاطِكَ لميلك بقلبك بملاحظتك فإذا استويتَ أنتَ استويتُ أنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولسليمان الريح} اى وسخرنا له الريح وتخصيص داود بلفظ مع وسليمان باللام للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت فان تسخير ما سخر له عليه السلام من الريح وغيرها كان بطريق الانقياد الكلى له والامتثال بامره ونهيه والمقهورية تحت ملكوته فجيئ بلام التمليك واما تسخير الجبال والطير لداود عليه السلام فلم يكن بهذه المثابة بل بطريق التبعية له والاقتداء به فى عبادة الله تعالى {عاصفة} حال من الريح اى حال كونها شديدة الهبوب من حيث انها تبعد بكرسيه فى مدة يسيرة من الزمان وكانت لينة فى نفسها طيبة كالنسيم فكان جميعها بين الرخاوة فى نفسها وعصفها فى عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها حسبما يريد ويحتكم معجزة مع معجزة {تجرى}[ميرفت] حال ثانية {بامره} بمشيئته {الى الارض التى باركنا فيه} وهى الشام كانت تذهب به غدوة من الشام الى ناحية من نواحى الارض وبينها وبين الشام مسيرة شهر الى وقت الزوال ثم ترجع به منها بعد الزوال الى الشام عند الغروب كما قال تعالى {أية : غدوها شهر ورواحها شهر }. تفسير : قال مقاتل عملت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا فى فرسخ من ذهب فى ابريسم وكان يوضع له منبر من ذهب فى وسط البساط فيقعد عليه وحوله كراسى من ذهب وفضة يقعد الانبياء على كراسى الذهب والعلماء على كراسى الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين وتظله الطير باجنحتها حتى لا تطلع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح الى الرواح ومن الرواح الى المغرب وكان عليه السلام امرأ قلما يقعد عن الغزو ولا يسمع فى ناحية من الارض ملكا الا اتاه ودعاه الى الحق. قال الكاشفى [در تخليص آورده كه درشام شهرى بود تدمر نام كه ديوان براى سليمان بنياد ساخته بودند صباح از آنجا بيرون آمدى وياز نماز شام دير آيد آنجا آوردى. ودر مختار القصص آورده كه بامداد از تدمر بيرون آمدى وقيلوله داراصطخر فارس كردى وشبنكاه بكابل رفتى وروزى ديكر از كابل بيرون آمدى وجاشت در اصطخر بودى شام بتدمر باز آمدى] وكانت تجرى الى حيث شاء سليمان ثم يعود الى منزله بالشام - روى - ان سليمان سار من العراق غاديا فقابل نمرود وصلى العصر ببلخ ثم سار من بلخ متخللا بلاد الترك وارض الصين ثم عطف منها على مطلع الشمس على ساحل البحر حتى اتى قندهار وخرج منها الى مكران وكرمان حتى اتى فارس فنزلها اياما وغدا منها بكسكر ثم راح الى الشام وكان مستقره بمدينة تدمر كما فى بحر العلوم: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : نه برباد رفتى سحركاه وشام سرير سليمان عليه السلام باخر نه ديدى كه برباد رفست خنك آنكه بادانش وداد رفت تفسير : {وكنا بكل شئ عالمين} فنجريه على ما يقتضى علمنا وحكمتنا {ومن الشياطين} اى وسخر لنا له من الشياطين {من يغوصون له } اى يدخلون تحت البحر ويستخرجون له من نفائسه. قال الراغب الغوص الدخول تحت الماء واخراج شئ منه ويقال لكل من هجم على غامض فاخرجه غائص عينا كان او علما والغواص الذى يكثر منه ذلك {ويعملون عملا دون ذلك} اى غير ما ذكر من بناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة وهؤلاء اما الفرقة الاولى او غيرها لعموم كلمة من كأنه قيل ومن يعملون - روى - ان المسخر له كفارهم لا مؤمنوهم لقوله تعالى {ومن الشياطين}{وكنا لهم حافظين} اى من ان يزيغوا عن امره ويعصوا ويتمردوا عليه او يفسدوا ما عملوا على ما هو مقتضى جبلتهم والشياطين وان كانوا اجساما لطيفة لكنهم يتشكلون باشكال مختلفة ويقدرون على اعمال الشاقة ألا ترى ان لطافة الريح لا تمنع عصوفها لا سيما انهم تكثفوا فى زمن سليمان فكانوا بحيث يراهم الناس ويستعملونهم فى الاعمال. قال فى الاسئلة المقحمة فلماذا لم تخرج الشياطين عن طاعة سليمان مع استعمالهم فى تلك الامور الشديدة فالجواب ان الله تعالى اوقع لسليمان فى قلوبهم من الخوف والهيبة حتى خافوا ان يخرجوا عن طاعته وهذا من معجزاته. قال فى التأويلات النجمية من كمالية الانسان انه اذا بلغ مبلغ الرجال البالغين من الانبياء والاولياء سخر الله له بحسب مقامه السفليات والعلويات من الملك والملكوت فسخر لسليمان عليه السلام من السفليات الريح والجن والشياطين والطير والحيوانات والمعادن والنبات ومن العلويات الشمس حين ردت لاجل صلاته كما سخر لداود عليه السلام الجبال والطير والحديد والاحجار التى قتل بها جالوت وهزم عسكره فسخر لكل نبى شيئا آخر من اجناس العلويات والسفليات وسخر لنبينا عليه الصلاة والسلام من جميع اجناسها فمن السفليات ما قال عليه السلام "حديث : زويت لى الارض فاريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك امتى ما زوى لى منها" تفسير : وقال "حديث : جعلت لى الارض مسجدا وتربتها طهورا"تفسير : وقال "حديث : اتيت بمفاتح خزائن الارض"تفسير : وكان الماء ينبع من بين اصابعه وقال نصرت بالصبا وكانت الاشجار تسلم عليه وتسجد وتنقلع باشارته عن مكانها وترجع والحيوانات كانت تتكلم معه وتشهد بنبوته وقال "حديث : اسلم شيطانى على يدى"تفسير : وغيره من السفليات واما العلويات فقد انشق له القمر باشارة اصبعه. شعر : بس قمركه امر بشنيد وشتافت بس دونيمه كشت برجرح وشكافت تفسير : وسخر له البراق وجبريل والرفرف وعبر السموات السبع والجنة والنار والعرش والكرسى الى مقام قاب قوسيت او ادنى فما بقى شئ من الموجودات الا وقد سخر له شعر : نه كسى دركرد توهركز رسيد نه كسى رانيز جندين عزرسيد تفسير : وبقوله {ومن الشياطين من يغوصون} الآية يشير الى انا كما سخرنا الشياطين له يعملون له الاعمال سخرنا للشياطين الاعمال والغوص والصنائع يصنعون بحفظ الله مالا يقدرون عليه الآن.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى وسخرنا {لسليمان الريح عاصفة} من رفع {الريح} وهو عبد الرحمن الأعرج: أضاف الريح الى سليمان إضافه الملك، كأنه قال له الريح. و {عاصفة} نصب على الحال في القراءتين، والريح هو الجو، يشتد تارة ويضعف أخرى. وحد الرماني الريح بأن قال: هو جسم منتشر لطيف، يمتنع بلطفه من القبض عليه ويظهر للحس بحركته. وقولهم: سكنت الريح مثل قولهم: هبت الريح، وإلا فانها لا تكون ريحاً إلا بالحركة. ويقولون: أسرع فلان فى الحاجة كالريح، وراح فلان الى منزله. و (العصوف) شدة حركة الريح، وعصفت تعصف عصفاً وعصفة، وعصف عصفاً وعصوفاً إذا اشتد، والعصف التبن، لان الريح تعصفه بتطييرها. وقيل: عصوف الريح شدة هبوبها. وذكر ان الريح كانت تجري لسليمان إلى حيث شاء، فذلك هو التسخير {تجري بأمره} يعني بأمر سليمان {إلى الأرض التي باركنا فيها} يعني الشام، لانها كانت مأواه، فأي مكان شاء مضى اليه، وعاد اليها بالعشي. وقوله {وكنا بكل شيء عالمين} معناه علمنا معه على ما يعلمه من صحة التدبير، فان ما أعطيناه من التسخير يدعوه الى الخضوع له. ويدعو طالب الحق الى الاستبصار فى ذلك، فكان لطفاً يجب فلعه. وقوله {ومن الشياطين من يغوصون له} أي وسخرنا لسليمان قوماً من الشياطين يغوصون له في البحر {ويعملون عملا دون ذلك} قال الزجاج: معناه سوى ذلك {وكنا لهم حافظين} أي يحفظهم الله من الافساد لما عملوه. وقيل: كان حفظهم لئلا يهربوا من العمل. وقال الجبائي: كشف الله تعالى أجسام الجن حتى تهيأ لهم تلك الاعمال، معجزة لسليمان (ع) قال: انهم كانوا يبنون له البنيان، والغوص في البحار، وإخراج ما فيه من اللؤلؤ وغيره، وذلك لا يتأتى مع رقة أجسامهم. قال: وسخر له الطير بأن قوّى أفهامها، حتى صارت كصبياننا الذين يفهمون التخويف والترغيب. ثم قال واذكر يا محمد {أيوب إذ نادى ربه} أي حين دعاه، فقال يا رب {أني مسني الضر} أي نالني الضر يعني ما كان ناله من المرض والضعف. قال الجبائي: كان به السلعة {وأنت أرحم الراحمين} فارحمني. وقيل انما فعل ذلك بايوب، ليبلغ بصبره على ذلك المنزلة الجليلة التي أعدها الله - عز وجل - له ولكل مؤمن فيما يلحقه من مصيبة اسوة بايوب، قال الجبائي: لم يكن ما نزل به من المرض فعلا للشيطان، لأنه لا يقدر على ذلك، وإنما آذاه بالوسوسة وما جرى مجراها. قال الحسن: وكان الله تعالى أعطاه مالا وولداً، فهلك ماله ومات ولده، فصبر، فأثنى الله عليه. ثم قال تعالى {فاستجبنا له} يعني أجبنا دعاءه ونداءه {فكشفنا ما به من ضر} أي أزلنا عنه ذلك المرض {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قيل: رد الله اليه أهله الذين هلكوا بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم - فى قول ابن مسعود وابن عباس - وقال الحسن وقتادة: إن الله أحيا له أهله بأعيانهم وزاده اليهم مثلهم. وقال عكرمة ومجاهد - فى رواية - أنه خبر فاختار إحياء أهله في الآخرة، ومثلهم فى الدنيا، فأوتي على ما اختار. وقال ابن عباس: أبدله الله تعالى بكل شيء ذهب له ضعفين {رحمة من عندنا} أي نعمة منا عليه {وذكرى للعابدين} اي عظة يتذكر به العابدون لله تعالى مخلصين. وقوله {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل} أي اذكر هؤلاء الذين عددتهم لك من الانبياء، وما أنعمت عليهم من فنون النعمة. ثم أخبر أنهم كانوا كلهم {من الصابرين} يصبرون على بلاء الله، والعمل بطاعته. دون معاصيه. وأختلفوا في ذي الكفل، فقال ابو موسى الاشعري، وقتادة، ومجاهد: كان رجلا صالحاً، كفل لنبي بصوم النهار، وقيام الليل، وألا يغضب، ويقضي بالحق، فوفى لله بذلك، فأثنى الله عليه. وقال قوم: كان نبياً، كفل بأمر وفى به. وقال الحسن: هو نبي اسمه ذو الكفل. وقال الجبائي: هو نبي، ومعنى وصفه بالكفل أنه ذو الضعف أي ضعف ثواب غيره، ممن فى زمانه لشرف عمله.
الجنابذي
تفسير : {وَ} سخّرنا {لِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً} شديدة الهبوب بحيث كان غدوّها شهراً ورواحها شهراً مع انّها كانت رخاءً وتحريكها كان فى لينٍ {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} بامر سليمان {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} اى الشّام، قيل: كان سليمان يسير من الشّام بكرة واليه رواحاً {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} فكان اعطاؤنا ما نعطى لمن نعطى وامساكنا ما نمسك ممّن نمسك عن علمٍ بالاعطاء والامساك والمصالح المترتّبة عليهما.
اطفيش
تفسير : {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} عطف على معمولى عامل، أى وسخرنا لسليمان الريح. وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر. وقرئ الرياح بالنصب والرفع. قال القاضى: لغة اللام فيه دون الأول؛ لأن الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له. وَفى الأول أمر يظهر فى الجبال والطير مع داود بالإضافة إليه. انتهى. قيل: الريح جسم لطيف، يمنع للطفه من القبض عليه، يظهر للحس بحركته. {عَاصِفَةً} حال من الريح، فى قراءة النصب، ومن ضميرها فى قوله: لسليمان. فى قراءة الرفع، أى شديدة الهبوب. وإذا أراد لانت كما قال: رخاءً وقيل: تحمل بساطه ومن معه فيه من الأرض، وهى عاصفة وتسير بهم لينة. ويصح أن يقال: عاصفة، من حيث عملها، إذا كان غدوها شهراً، ورواحها شهراً، ورحيّة: طيبة فى نفسها. قيل: ويحتمل أن يكون العصوف فى الرجوع، على عادة الدواب فى الإسراع إذا رجعت، واللين فى الذهاب، فإنه وقته تأنٍّ وتدبر ما يصلح. {تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ التِى بَارَكْنَا فِيهَا} هى الشام وهو منزله، وجريُها به إليها جرىُ رجوع بعد ذهاب. وقيل: الأرض هنا هى التى سبق فى علمه أن تكون فيها البركة، فيمشى إليها سليمان عليه السلام، يصلحها. والجملة حال ثانية، أو حال من ضمير الأولى. قيل: أو بدل منها. قال زيد بن ثابت بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع، إذ قال:"حديث : طوبى لأهل الشام" . قيل: يا رسول الله ولِمَ ذلك؟ قال: لأن ملائكة الرحمة باسطة أجنحتها عليهم ". تفسير : وعن عبد الله بن حوالة قال: "حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله فيكم أرض فارس والروم وأرض حِمْير، ثم تكونوا أجناداً ثلاثة: جند بالعراق، وجند باليمن، وجند بالشام" . فقلت: أخبرنى يا رسول الله إن أدركنى ذلك أين أكون؟ قال:أختار لك الشام، فإِنها صفوة الله من بلاده، وإليها يلتجئ صفوة الله من عباده. يا أهل الإسلام عليكم بالشام وأهله ". تفسير : وعن عبد الله بن مسعود قال: حديث : الخير عشرة أجزاء: تسعة بالشام، وواحد بالعراق. ودخل الشام عشرةُ آلاف عين رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم سبعون بدويًّا . تفسير : وعن الكلبى: صعد إبراهيم جبل لبنان. فقيل: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدس، وهو ميراث لذريتك من بعدك، فذلك قوله عز وجل: {أية : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم} تفسير : أى أن تسكنوها. قال الثعلبى فى عرائس القرآن: قيل: ما تنقص الأرض تراه بالشام، وما تنقص الشام تراه بفلسطين وذكر أن وهب بن منبه قال: بينما سليمان - عليه السلام - يسير على ساحل البحر، والريح تحمله والإنس عن يمينه، والجن عن شماله، والطير تظلّه، إذ نظر إلى أمواج البحر، فدعته نفسه أن يعلم ما فى قعر البحر فأمر الريح فسكتت. ثم قعد على كرسى مُلكه، ثم دعا رئيس الغواصين فقال: اختر لى من أصحابك مائة، فاختار مائة. قال: اختر لى ثلاثين منهم فاختار. ثم قال: اختر لى من الثلاثين عشرة، فاختار. ثم قال: اختر لى من العشرة ثلاثة، فاختار. فقال لأحدهم: غص حتى تنظر قعر البحر، وتأتينى بالخبر. فغاص وأبعد. ثم خرج فقال له سليمان - عليه السلام -: ما الذى رأيتَ؟ قال: رأيت يا نبى الله أمواجا وحيتانا وبنيانا، غير أنى رأيت ملِكا. فقال لى: أين تريد؟ فقلت: إن نبى الله سليمان بعثنى أنظر قعر البحر. قال: ارجع إليه، واقرأْه منى السلام، وقل له: إن قوما ركبوا البحر مذ أربعين سنة، فسقط من أيديهم قدوم، فهو يتلجلج فى البحر ما بلغ قعرَه بعد. قال: فتعجب من ذلك وأتى بما قصد. فبينما هو على شاطئ البحر، رأى قبة من زجاج، تضربها الأمواج فى لجة البحر. فقال سليمان - عليه السلام-: غوصوا فى أثرها، فغاصوا فأخرجوها. فلما وضعت على ساحل البحر انفتح لها بابان، أى مصراعان. فخرج من القبة شاب عليه ثياب أبيض من اللبن، كأن رأسه يقطر ماء. فجاء حتى وقف بين يدى سليمان فقال له: أمن الجن أنت يا فتى؟ أم من الإنس؟ فقال: من الإنس. فعجب منه ومن هيئته. فقال: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: يا نبى الله كانت لى والدة، وكنت من أبرّ الناس بها، أطعمها وأسقيها بيدى، ولا أترك شيئًا من صنائع البرّ إلا صنعته بها. فلما أدركتها الوفاة سأَلتها أن تدعو لى. فرفعتْ رأسها إلى السماء وقالت: يا رب قد عرفت برّ ولدى، فارزقه العبادة فى موضع لا يكون لإبليس وجنوده إليه سبيل فيه. ثم ماتت ودفنتها. فلما خرجتُ إلى الساحل إذا أنا بهذه القبة فدعتنى نفسى أن أدخلها. فلما دخلتها انطبق علىَّ بابها، وتزاخرت الأمواج بها. فقال له: من أين مطعمك ومشربك؟ فقال له: يا نبى الله إذا كان الليل جاءنى طائر أبيض، فى منقاره شئ أبيض، فيدفعه إلىَّ، فهو يعصمنى من الطعام والشراب. فقال: من أين تعرف الليل والنهار وأنت فى ظلمات البحر؟ قال: فى القبة خطان: خط أبيض، وخط أسود. فإذا رأيت الأبيض غالبًا علمت أنه النهار، وإذا رأيت الأسود غالبًا علمت أنه الليل. وقال له: هل لك فى صحبتنا؟ فقال: يا نبى الله ائذن لى حتى آتى قبتى. فأذن له، فانطبق عليه بابها، وتزاخرت بها الأمواج، والله أعلم. {وَكُنَّا بِكُلِّ شَئٍ عَالِمِينَ} فتجرى الأشياء على ما يقتضيه علمنا وحكمنا فما أُعطى سليمان يدعوه إلى الخضوع لربه. قال الثعلبى فى عرائس القرآن: عن مجاهد وابن إسحاق وابن بشار وغيرهم. كان سليمان - عليه السلام - رجلا غَزّاء، لا يكاد يقعد عن الغزو. وكان لا يسمع يملك إلا أتاه وأذله وقهره. وإذا أراد الغزو بعسكره يضرب له، بحيث يحمل عليها الناس والدواب وآلة الحرب. وما يحتاج، أمر العاصفَ تحتملها عن الأرض، فيأمر الرُّخاء. قال ابن إسحاق: ذكر لى أن منزلا من ناحية دجلة، وجد مكتوب فيه: كتبه بعض أصحاب سليمان من الجن، أو من الإنس: نحن نَزَلناه وما بنيناه. غزونا من إصطخر فقلنا ونحن رائحون: إن شاء الله بائنون بالشام، وتمر ريحه الحاملة لذلك بالمزرعة، ولا تحركها، ولا تحمل ترابا، ولا تؤذى طائراً. ومر يوما بحرَّاث فقال: لقد أوتى ابن داود مُلكا عظيما. فحملت الريح كلامه، وألقته فى أذن سليمان. فنزل فأتى الحراث فقال: إنى سمعت كلامك. وإنما مشيت إليك، لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه. تسبيحة واحدة يتقبلها الله خير مما أوتى آل داود. فقال الحراث: أذهب الله همك كما أذهبت همى. وعن مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا، فرسخا فى فرسخ، ذهبا فى إبريسم. ويوضع له منبر من الذهب، فى وسط البساط، فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسى، الأنبياء على كراسى الذهب، والعلماء على كراسى الفضة. وحولهم الإنس، وحولهم الجن. وحول الجن الشياطينُ. وتظلهم الطير بأجنحتها، لا تقع عليهم الشمس، وترفع ريح الصَّبا البِسَاطَ. وكان فى عسكره خمسة وعشرون فرسخًا للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة حرة، وسبع مائة سرية؛ تحمل الريح ذلك. وبينما هو تمشى به الريح بين السماء والأرض إذ سمع: إنى قد زدت فى مُلكك: أن لا يتكلم أحد من الخلائق إلا أخبرتْك الريح بما قال. وهذه الريح عوض عن الخيل التى عقرها غضبا لله؛ إذ شغلته عن العصر. وكان الغزو من إيليا فيقيل بإصطخر، فيروح عنها ويصل إلى كابل فى الغروب. وسار يومًا من العراق، وقال فى بلخ. وسار متخللا بلاد الترك، ثم جاوزهم إلى الصين إلى غير ذلك. وروى أن سليمان كان يصنع نيروزا فاجتمع إليه جميع الإنس والجن والطير والوحوش والهوام، كلٌّ حَمَل على طاقته. وإذا نملة تحمل فى فيها نبقة، لم تطق أن تحمل غيرها فلم يعبأ بها سليمان - عليه السلام - فانكسرت وذلت، وأنشأت تقول: شعر : على العبد حق وهو لا شك فاعله وإن علم المولى وجلّت فضائله ألم ترنا نهدى إلى الله حقه وإن كان منه ذا غِنَى فهو فاعله فلو كان يهدى للجليد بقدره لقصر ماء البحر عنه مفاعله ولكننا نهدى إلى من نحبه ولو لم يكن فى وسعنا ما يشاكله تفسير : فلما فرغت من إنشادها نزل عليه جبريل - عليه السلام - فقال له: ربك يَقْرَؤُك السلام ويقول لك: اقبل هديتها، فقد أبكت أهل السماوات والأرض. فقبِل منها صلى الله عليه وسلم. على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
اطفيش
تفسير : {ولسُلَيمان الريح} مطلقا وقيل الصبا، عطف الريح على الجبال؟ ولسليمان على مع ولم يقل، ومع سليمان لتفاوت التسخيرين فإن ماله بالانقياد لأمره ونهيه، وما لداود بطريق التبعية له، وهو دون ما لسليمان {عاصفةً} حال من الريح، والعامل فيها حصتها فى سخرنا المذكور، وكذا العامل فى لسليمان والريح، وبعض يقدر وسخرنا لسليمان الريح عاصفة، والعصوف شدة الهبوب، ولا ينافى وصفها بالرخاء فى الآية الأخرى، لأنها فى نفسها لينة، العصوف لشدتها لقطع المسافة البعيدة فى زمان قريب، أو تلين إذا شاء وتعصف إذا شاء، أو تعصف فى الذهاب، وتلين فى الرجوع، لحصول قضاء الوطر، أو بالعكس للحنين الى الوطن. {تَجْرى بأمْره إلى الأرض الَّتى باركنا فيها} هى الشام، والظاهر من الآية أن البركة قبلة، وهو كذلك، وما قل من أن الأرض أعم من الشام، وانه وصفها بالبركة، لأنه إذا حل أرض قتل كفارها، وأثبت فيها الإسلام، ولا بركة أعظم من هذا، ينافى ذلك فلا يصح إلا إن أراد زيادة بركة، ويقال تجرى بأمره الى الشام روحا بعد ما سارت منها بكرة، ولشيوع أنها مسكنه لم يذكر جريانها منها، بل جريانها إليها، وقيل: مسكنه اصطخر، فتجرى به الى الشام، منها يقعد على منبر من ذهب، وحوله الأنبياء على كراسى من ذهب، والعلماء على كرسى من فضة، وحولهم سائر الناس، وحول الناس الجن فى بساط من ذهب وحرير، فرسخ فى فرسخ من عمل الجن، تحمله الصبا مسيرة شهر من الصباح الى الرواح، ومنه الى الصباح أو مركبا من خشب فيه ألف ركن، فى كل ألف بيت، فيها الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان، يرفونه إلى الجو فتسير به الريح، ولعل فى هذه الخُشُب ذلك البساط، والطير تظلهم أعطاها لله ذلك عوضا عن عقره الخيل، إذا فاتته بها صلاة العصر. وقيل: تحمله العاصفة من الأرض الى الجو، وتسير به الرخاء قال: وهب وجد فى منزل بناحية دجلة مقترب بيد بعض أصحاب سليمان من الإنس أو الجن، نحن نزلناه وما بنيناه ومبنياً وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه، فنحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فنازلون بالشام، وعن الحسن يغدو من إيليا فيقيل باصطخر، ثم يروح منها فيكون راوحه ببابل، ويروى أنه سار من العراق فقال ببلخ متخللا بلاد الترك، وجاوزهم الى أرض الصين يغدو على شهر، ويروح على شهر، ثم عطف عن مطلع الشمس على ساحل البحر، حتى أتى أرض السند، وجاوزها الى مكرمان وكرمان، ثم أتى أرض فارس ونزلها أياما وغدا منها، وقال بكسكر، ثم راح الى الشام ومقره بتدمر. {وكنَّا بكل شىء عالمين} فما أعطيناه ذلك إلا لحكمة علمناها، ومنها تعويضنا عن الخيل.
الالوسي
تفسير : {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ} أي وسخرنا له الريح، وجيء باللام هنا دون الأول للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت فإن تسخير ما سخر له عليه السلام كان بطريق الانقياد الكلي له والامتثال بأمره ونهيه بخلاف تسخير الجبال والطير لداود عليه السلام فإنه كان بطريق التبعية والاقتداء به عليه السلام في عبادة الله عز وجل {عَاصِفَةً} حال من (الريح) والعامل فيها الفعل المقدر أي وسخرنا له الريح حال كونها شديدة الهبوب، ولا ينافي وصفها بذلك هنا وصفها في موضع آخر بأنها رخاء بمعنى طيبة لينة لأن الرخاء وصف لها باعتبار نفسها والعصف وصف لها باعتبار قطعها المسافة البعيدة في زمان يسير كالعاصفة في نفسها فهي مع كونها لينة تفعل فعل العاصفة. ويجوز أن يكون وصفها بكل من الوصفين بالنسبة إلى الوقت الذي يريده سليمان عليه السلام فيه، وقيل وصفها بالرخاء في الذهاب ووصفها بالعصف بالإياب على عادة البشر في الإسراع إلى الوطن فهي عاصفة في وقت رخاء في آخر. وقرأ ابن هرمز وأبو بكر في رواية {ٱلرّيحَ} بالرفع مع الإفراد. وقرأ الحسن وأبو رجاء {الرياح} بالنصب والجمع وأبو حيوة بالرفع والجمع، ووجه النصب ظاهر، وأما الرفع فعلى أن المرفوع مبتدأ والخبر هو الظرف المقدم و {عَاصِفَةً} حال من ضمير المبتدأ في الخبر والعامل ما فيه من معنى الاستقرار. {تَجْرِى بِأَمْرِهِ} أي بمشيئته وعلى وفق إرادته وهو استعمال شائع، ويجوز أن يأمرها حقيقة ويخلق الله تعالى لها فهماً لأمره كما قيل في مجيء الشجرة للنبـي صلى الله عليه وسلم حين دعاها، والجملة إما حال ثانية أو بدل من الأولى على ما قيل وقد مر لك غير بعيد الكلام في إبدال الجملة من المفرد فتذكر أو حال من ضمير الأولى {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} وهي / الشام كما أخرج ابن عساكر عن السدي، وكان عليه السلام مسكنه فيها فالمراد أنها تجري بأمره إلى الشام رواحاً بعدما سارت به منها بكرة، ولشيوع كونه عليه السلام ساكناً في تلك الأرض لم يذكر جريانها بأمره منها واقتصر على ذكر جريانها إليها وهو أظهر في الامتنان، وقيل كان مسكنه اصطخر وكان عليه السلام يركب الريح منها فتجري بأمره إلى الشام. وقيل: يحتمل أن تكون الأرض أعم من الشام، ووصفها بالبركة لأنها عليه السلام إذا حل أرضاً أمر بقتل كفارها وإثبات الايمان فيها وبث العدل ولا بركة أعظم من ذلك، ويبعد أن المتبادر كون تلك الأرض مباركاً فيها قبل الوصول إليها وما ذكر يقتضي أن تكون مباركاً فيها من بعد. وأبعد جداً منذر بن سعيد بقوله إن الكلام قد تم عند قوله تعالى: {إِلَى ٱلأَرْضِ} و{ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} صفة للريح؛ وفي الآية تقديم وتأخير، والأصل ولسليمان الريح التي باركنا فيها عاصفة تجري بأمره بل لا يخفى أنه لا ينبغي أن يحمل كلام الله تعالى العزيز على مثل ذلك وكلام أدنى البلغاء يجل عنه. ثم الظاهر أن المراد بالريح هذا العنصر المعروف العام لجميع أصنافه المشهورة، وقيل: المراد بها الصبا. وفي بعض الأخبار ما ظاهره ذلك، فعن مقاتل أنه قال نسجت لسليمان عليه السلام الشياطين بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ ووضعت له منبراً من ذهب يقعد عليه وحوله كراسي من ذهب يقعد عليها الأنبياء عليهم السلام وكراسي من فضة يقعد عليها العلماء وحولهم سائر الناس وحول الناس الجن والشياطين والطير تظله من الشمس وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح. وما ذكر من أنه يحمل على البساط هو المشهور ولعل ذلك في بعض الأوقات وإلا فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد أنه قال: كان لسليمان عليه السلام مركب من خشب وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب فإذا ارتفع أتت الريح الزخاء فسارت به فساروا معه فلا يدري القوم إلا وقد أظلهم منه الجيوش والجنود، وقيل في وجه الجمع: إن البساط في المركب المذكور وليس بذاك. وذكر عن الحسن أن إكرام الله تعالى لسليمان عليه السلام بتسخير الريح لما فعل بالخيل حين فاتته بسببها صلاة العصر وذلك أنه تركها لله تعالى فعوضه الله سبحانه خيراً منها من حيث السرعة مع الراحة. ومن العجب أن أهل لندن قد أتعبوا أنفسهم منذ زمان بعمل سفينة تجري مرتفعة في الهواء إلى حيث شاؤا بواسطة أبخرة يحبسونها فيها اغتراراً بما ظهر منذ سنوات من عمل سفينة تجري في الماء بواسطة آلات تحركها أبخرة فيها فلم يتم لهم ذلك ولا أظنه يتم حسب إرادتهم على الوجه الأكمل، وأخبرني بعض المطلعين أنهم صنعوا سفينة تجري في الهواء لكن لا إلى حيث شاؤا بل إلى حيث ألقت رحلها. {وَكُنَّا بِكُلّ شَىْء عَـٰلِمِينَ} فماأعطيناه ما أعطيناه إلا لما نعلمه من الحكمة.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن}تفسير : [الأنبياء: 79] بمناسبة تسخيرٍ خارق للعادة في كلتا القصتين معجزة للنبئين - عليهما السلام -. والأرض التي بارك الله فيها هي أرض الشام. وتسخير الريح: تسخيرها لما تصلح له، وهو سير المراكب في البحر. والمراد أنها تجري إلى الشام راجعة عن الأقطار التي خرجت إليها لمصالح مُلك سليمان من غزو أو تجارة بقرينة أنها مسخرة لسليمان فلا بد أن تكون سائرة لفائدة الأمة التي هُو مَلِكها. وعلم من أنها تجري إلى الأرض التي بارك الله فيها أنها تخرج من تلك الأرض حاملة الجنود أو مصدّرة البضائع التي تصدرها مملكة سليمان إلى بلاد الأرض وتقفل راجعة بالبضائع والميرة ومواد الصناعة وأسلحة الجند إلى أرض فلسطين، فوقع في الكلام اكتفاء اعتماداً على القرينة. وقد صرح بما اكتفى عنه هنا في آية سورة سبأ (12) {أية : ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر}.تفسير : ووصفها هنا بـ {عاصفة} بمعنى قوية. ووصفها في سورة ص (36) بأنها {رُخاء} في قوله تعالى: {أية : فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب}. تفسير : والرخاء: الليلة المناسبة لسير الفُلك. وذلك باختلاف الأحوال فإذا أراد الإسراع في السير سارت عاصفة وإذا أراد اللين سارت رُخاء، والمقام قرينة على أن المراد المَواتاه لإرادة سليمان كما دل عليه قوله تعالى: {تجري بأمره} في الآيتين المشعر باختلاف مقصد سليمان منها كما إذا كان هو راكباً في البحر فإنه يريدها رُخاء لئلا تزعجه وإذا أصدرت مملكتُه بضاعة أو اجتلبتها سارت عاصفة وهذا بيّن بالتأمل. وعبر {بأمره} عن رغبته وما يلائم أسفار سفائنه وهي رياح مَوْسمية منتظمة سخرها الله له. وأمر سليمان دعاؤه الله أن يُجري الريحَ كما يريد سليمانُ: إما دعوة عامة كقوله {أية : وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}تفسير : [ص:35] فيشمل كل ما به استقامة أمور المُلك وتصاريفه، وإما دعوة خاصة عند كل سفر لمراكب سليمان فجعل الله الرياح الموسمية في بحار فلسطين مدة ملك سليمان إكراماً له وتأييداً إذا كان همه نشر دين الحقّ في الأرض. وإنما جعل الله الريح تجري بأمر سليمان ولم يجعلها تجري لسفنه لأن الله سخر الريح لكل السفن التي فيها مصلحة مُلك سليمان فإنه كانت تأتيه سفن (ترشيش) ــــ يُظن أنها طرطوشة بالأندلس أو قرطجنة بإفريقية ــــ وسفن حيرام ملك صور حاملة الذهب والفضة والعاج والقِردة والطواويس وهدَايا الآنية والحلل والسلاح والطيب والخيل والبغال كما في الإصحاح 10 من سفر الملوك الأول. وجملة {وكنا بكل شيء عالمين} معترضة بين الجمل المسوقة لذكر عناية الله بسليمان. والمناسبةُ أن تسخير الريح لمصالح سليمان أثر من آثار علم الله بمختلف أحوال الأمم والأقاليم وما هو منها لائق بمصلحة سليمان فيُجري الأمور على ما تقتضيه الحكمة التي أرادها سبحانه إذ قال: {أية : وشددنا ملكه}تفسير : [ص: 20].
الشنقيطي
تفسير : قوله: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} معطوف على معمول "سَخَّرْنَا"، في قوله: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ}تفسير : [الأنبياء: 79] أي وسخرنا لسليمان الريح في حال كونها عاصفة. أي شديدة الهبوب. يقال عصفت الريح أي اشتدت، فهي ريح عاصف وعصوف، وفي لغة بني أسد (أعصفت) فهي معصف ومعصفة، وقد قدمنا بعض شواهده العربية في سورة (الإسراء). وقوله {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} أي تطيعه وتجري إلى المحل الذي يأمرها به، وما ذكره في هذه الآية: من تسخير الريح لسليمان، وأنها تجري بأمره ـ بينه في غير هذا الموضع وزاد بيان قدر سرعتها، وذلك في قوله {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ }تفسير : [سبأ: 12]، وقوله: {أية : فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ}تفسير : [ص: 36]. تنبيه اعلم أن في هذه الآيات التي ذكرنا سؤالين معروفين: الأول ـ أن يقال: إن الله وصف الريح المذكورة هنا في سورة "الأنبياء" بأنها عاصفة. أي شديدة الهبوب، ووصفها في سورة "ص" بأنها تجري بأمره رخاء. والعاصفة غير التي تجري رخاء. والسؤال الثاني ـ هو أنه هنا في سورة "الأنبياء" خص جريها به بكونه إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، وفي سورة "ص" قال: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ}، وقوله {حَيْثُ أَصَابَ} أي حيث أراد. قاله مجاهد. وقال ابن الأعرابي: العرب تقول: أصاب الصواب، وأخطأ الجواب: أي أراد الصواب وأخطأ الجواب. ومنه قول الشاعر: شعر : أصاب الكلام فلم يستطع فأخطأ الجواب لدى المفصل تفسير : قاله القرطبي. وعن رؤبة: أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن معنى "أصاب". فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا. ورجعا. أما الجواب عن السؤال الأول فمن وجهين: الأول ـ أنها عاصفة في بعض الأوقات، ولينة رخاء في بعضها بحسب الحاجة. كأن تعصف ويشتد هبوبها في أول الأمر حتى ترفع البساط الذي عليه سليمان وجنوده، فإذا ارتفع سارت به رخاء حيث أصاب. الجواب الثاني ـ هو ما ذكره الزمخشري قال: فإن قلت: وصفت هذه الريح بالعصف تارة وبالرخاء أخرى، فما التوفيق بينهما؟ قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}. فكان جمعها بين الأمرين: أن تكون رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان، وهبوبها على حسب ما يريد يحتكم ـ ا هـ محل الغرض منه. وأما الجواب عن السؤال الثاني ـ فهو أن قوله {حَيْثُ أَصَابَ} يدل على أنها تجري بأمره حيث أراد من أقطار الأرض. وقوله {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} لأن مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى الشام. وعليه فقوله: {حَيْثُ أَصَابَ} في حالة الذهاب. وقوله: {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} في حالة الإياب إلى محل السكنى. فانفكت الجهة فزال الإشكال. وقد قال نابغة ذبيان: شعر : إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد تفسير : وتدمر: بلد بالشام. وذلك مما يدل على أن الشام هو محل سكناه كما هو معروف.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَلِسُلَيْمَانَ} {بَارَكْنَا} {عَالِمِينَ} (81) - وسَخَّرَ اللهُ تَعالى الرِّيحَ تَجْري بأَمْرِ سُلَيمَان حَيثُ يَشَاءُ عَاصِفَةً تَارَةً، ورُخَاءً لَيِّنةً تَارَةً أُخْرى. وهُنا يَقُولُ تعالى إنَّها تَجْرِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ التي بَارَكَ اللهُ فيها. ثمَّ يَقُولُ تعالى إنَّه عَالِمٌ بِكُلِّ شيءٍ، فَقَدْ آتَى سُليمانَ مَا آتاهُ لِما يَعْلَمُهُ في ذلكَ مِنَ المصْلَحَةِ والحِكْمَةِ. عَاصِفَةً - شَدِيدَةَ الهُبُوبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لا شكّ أن سليمان - عليه السلام - قد استفاد بما علَّم الله به أباه داود، وأخذ من نعمة الله على أبيه، وهنا يزيده ربه - تبارك وتعالى - أموراً يتميز بها، منها الريح العاصفة أي: القوية الشديدة {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ..} [الأنبياء: 81] وكأنها مواصلات داخلية في مملكته من العراق إلى فلسطين. وفي موضع آخر قال: {أية : وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} تفسير : [ص: 35-36]. رُخَاء: أي: هيّنة ليّنة ناعمة، وهنا قال {عَاصِفَةً ..} [الأنبياء: 81] فكأن الله تعالى جمع لهذه الريح صفة السرعة في (عاصفة) وصفة الراحة في (رخاء)، وهاتان صفتان لا يقدر على الجمع بينهما إلا الله، فنحن حين تُسْرِع بنا السيارة مثلاً لا تتوفر لنا صِفَة الراحة والاطمئنان، بل يفزع الناس ويطلبون تهدئة السرعة. أما ريح سليمان فكانت تُسرع به إلى مراده، وهي في الوقت نفسه مريحة ناعمة هادئة لا تُؤثِّر في تكوينات جسمه، ولا تُحدِث له رجَّة أو قوة اندفاع يحتاج مثلاً إلى حزام أمان، فمَنْ يقدر على الجمع بين هذه الصفات إلا الله القابض الباسط، الذي يقبض الزمن في حق قوم ويبسطه في حق آخرين. ومعنى: {بَارَكْنَا فِيهَا ..} [الأنبياء: 81] أي: بركة حِسِّية بما فيها من الزروع والثمار والخِصْب والخيرات، وبركة معنوية حيث جعل فيها مهابط الوحي والنبوات وآثار الأنبياء. وليس تسخير الريح لسليمان أنها تحمله مثلاً، كما رأينا في (السينما) بساط الريح الذي نراه يحمل شيئاً ويسير به في الهواء، أو: أنها كانت تُسيِّر المراكب في البحار، إنما المراد بتسخيرها له أن تكون تحت مراده، وتأتمر بأمره، فتسير حيث شاء يميناً أو شمالاً، فهي لا تهٌُبُّ على مرادات الطبيعة التي خلقها الله عليها، ولكن على مراده هو. وإنْ كانت هذه الريح الرُّخَاء تحمله في رحلة داخلية في مملكته، فهناك من الرياح ما يحمله في رحلات وأسفار خارجية، كالتي قال الله تعالى عنها: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ..} تفسير : [سبأ: 12] فيجوب بها في الكون كيف يشاء {أية : حَيْثُ أَصَابَ} تفسير : [ص: 36]. ثم يقول تعالى: {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 81] أي عندنا علْم نُرتِّب به الأمور على وَفْق مرادنا، ونكسر لمرادنا قانون الأشياء فَنُسيِّر الريح كما نحب، لا كما تقتضيه الطبيعة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):