٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
85
Tafseer
الرازي
تفسير : (القصة السابعة) اعلم أنه تعالى لما ذكر صبر أيوب عليه السلام وانقطاعه إليه أتبعه بذكر هؤلاء فإنهم كانوا أيضاً من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة، أما إسمعيل عليه السلام فلأنه صبر على الإنقياد للذبح، وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء، وصبر في بناء البيت، فلا جرم أكرمه الله تعالى وأخرج صلبه خاتم النبيين، وأما إدريس عليه السلام فقد تقدمت قصته في سورة مريم عليها السلام، قال ابن عمر رضي الله عنهما: «بعث إلى قومه داعياً لهم إلى الله تعالى فأبوا فأهلكهم الله تعالى ورفع إدريس إلى السماء الرابعة» وأما ذوا الكفل ففيه مسائل: المسألة الأولى: فيها بحثان: الأول: قال الزجاج الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير، والكفل أيضاً النصيب واختلفوا في أنه لم سمي بهذا الاسم على وجوه. أحدها: وهو قول المحققين أنه كان له ضعف عمل الأنبياء عليهم السلام في زمانه وضعف ثوابهم. وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية: «إن نبياً من أنبياء بني إسرائيل آتاه الله الملك والنبوة ثم أوحى الله إليه أني أريد قبض روحك، فأعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أنه يصلي بالليل حتى يصبح ويصوم بالنهار فلا يفطر، ويقضي بين الناس فلا يغضب فادفع ملكك إليه، فقام ذلك النبي في بني إسرائيل وأخبرهم بذلك، فقام شاب وقال: أنا أتكفل لك بهذا. فقال في القوم: من هو أكبر منك فاقعد ثم صاح الثانية والثالثة فقام الرجل وقال: أتكفل لك بهذه الثلاث فدفع إليه ملكه، ووفى بما ضمن. فحسده إبليس فأتاه وقت ما يريد أن يقيل، فقال: إن لي غريماً قد مطلني حقي وقد دعوته إليك فأبى فأرسل معي من يأتيك به، فأرسل معه وقعد حتى فاتته القيلولة ودعا إلى صلاته وصلى ليله إلى الصباح، ثم أتاه من الغد عند القيلولة فقال: إن الرجل الذي استأذنتك له في موضع كذا فلا تبرح حتى آتيك به، فذهب وبقي منتظراً حتى فاتته القيلولة، ثم أتاه فقال له: هرب مني فمضى ذو الكفل إلى صلاته فصلى ليلته حتى أصبح، فأتاه إبليس وعرفه نفسه، وقال له: حسدتك على عصمة الله إياك فأردت أن أخرجك حتى لا تفي بما تكفلت به، فشكره الله تعالى على ذلك ونبأه، فسمي ذا الكفل». وعلى هذا فالمراد بالكفل هنا الكفالة. وثالثها: قال مجاهد: لما كبر اليسع عليه السلام، قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس وقال من يتقبل مني حتى استخلفه ثلاثاً يصلي بالليل ويصوم بالنهار ويقضي فلا يغضب، وذكر علي كرم الله وجهه نحو ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه من فعل إبليس وتفويته عليه القيلولة ثلاثة أيام. وزاد أن ذا الكفل قال للبواب في اليوم الثالث: قد غلب علي النعاس فلا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام فإني قد شق علي النعاس، فجاء إبليس فلم يأذن له البواب فدخل من كوة في البيت وتسور فيها فإذا هو يدق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل وعاتب البواب، فقال: أما من قبلي فلم تؤت. فقام إلى الباب فإذا هو مغلق وإبليس على صورة شيخ معه في البيت، فقال له: أتنام والخصوم على الباب. فعرفه فقال: أنت إبليس، قال نعم أعييتني في كل شيء ففعلت هذه الأفعال لأغضبك فعصمك الله مني. فسمي ذا الكفل لأنه قد وفى بما تكفل به. المسألة الثانية: قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ومجاهد ذو الكفل لم يكن نبياً ولكن كان عبداً صالحاً، وقال الحسن والأكثرون إنه من الأنبياء عليهم السلام وهذا أولى الوجوه: أحدها: أن ذا الكفل يحتمل أن يكون لقباً وأن يكون اسماً، والأقرب أن يكون مفيداً، لأن الاسم إذا أمكن حمله على ما يفيد فهو أولى من اللقب. إذا ثبت هذا فنقول الكفل هو النصيب والظاهر أن الله تعالى إنما سماه بذلك على سبيل التعظيم، فوجب أن يكون ذلك الكفل هو كفل الثواب فهو إنما سمي بذلك لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ثواب غيره ولقد كان في زمنه أنبياء على ما روي ومن ليس بنبي لا يكون أفضل من الأنبياء. وثانيها: أنه تعالى قرن ذكره بذكر إسمعيل وإدريس والغرض ذكر الفضلاء من عباده ليتأسى بهم وذلك يدل على نبوته. وثالثها: أن السورة ملقبة بسورة الأنبياء فكل من ذكره الله تعالى فيها فهو نبي. المسألة الثالثة: قيل إن ذا الكفل زكريا وقيل يوشع وقيل إلياس، ثم قالوا خمسة من الأنبياء سماهم الله تعالى باسمين: إسرائيل ويعقوب، إلياس وذو الكفل، عيسى والمسيح، يونس وذو النون، محمد وأحمد. وأما قوله تعالى: {كُلٌّ مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } أي على القيام بأمر الله تعالى واحتمال الأذى في نصرة دينه. وقوله: {وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا } قال مقاتل: الرحمة النبوة، وقال آخرون بل يتناول جميع أعمال البر والخير.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ} وهو أخنوخ وقد تقدّم {وَذَا ٱلْكِفْلِ} أي واذكرهم. وخرج الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» وغيره من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان في بني إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل لا يتورع من ذنب عمله فاتبع امرأة فأعطاها ستين ديناراً (على أن يطأها) فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال: ما يبكيك قالت من هذا العمل والله ما عملته قط قال: أأكرهتك قالت: لا ولكن حملني عليه الحاجة قال: اذهبي فهو لك والله لا أعصي الله بعدها أبداً ثم مات من ليلته فوجدوا مكتوباً على باب داره إن الله قد غفر لذي الكفل» تفسير : وخرجه أبو عيسى الترمذي أيضاً. ولفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحدّث حديثاً لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين ـ حتى عدّ سبع مرات ـ (لم أحدّث به) ولكني سمعته أكثر من ذلك؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال: ما يبكيك أأكرهتك قالت: لا ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك وقال والله لا أعصي الله بعدها أبداً فمات من ليلته فأصبح مكتوباً على بابه إن الله قد غفر لذي الكفل» تفسير : قال: حديث حسن. وقيل إن اليسع لما كبر قال: لو استخلفت رجلاً على الناس حتى أنظر كيف يعمل. فقال: من يتكفل لي بثلاث: بصيام النهار وقيام الليل وألا يغضب وهو يقضي؟ فقال رجل من ذرية العيص: أنا؛ فرده ثم قال مثلها من الغد؛ فقال الرجل: أنا؛ فاستخلفه فوفّى فأثنى الله عليه فسمي ذا الكفل؛ لأنه تكفل بأمر؛ قاله أبو موسى ومجاهد وقتادة. وقال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إن ذا الكفل لم يكن نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً فتكفل بعمل رجل صالح عند موته، وكان يصلي لله كل يوم مائة صلاة فأحسن الله الثناء عليهتفسير : . وقال كعب: كان في بني إسرائيل ملك كافر فمرّ ببلاده رجل صالح فقال: والله إن خرجت من هذه البلاد حتى أعرض على هذا الملك الإسلام. فعرض عليه فقال: ما جزائي؟ قال: الجنة ـ ووصفها له ـ قال: من يتكفل لي بذلك؟ قال: أنا؛ فأسلم الملك وتخلى عن المملكة وأقبل على طاعة ربه حتى مات، فدفن فأصبحوا فوجدوا يده خارجة من القبر وفيها رقعة خضراء مكتوب فيها بنور أبيض: إن الله قد غفر لي وأدخلني الجنة ووفّى عن كفالة فلان؛ فأسرع الناس إلى ذلك الرجل بأن يأخذ عليهم الإيمان، ويتكفل لهم بما تكفل به للملك، ففعل ذلك فآمنوا كلهم فسمي ذا الكفل. وقيل: كان رجلاً عفيفاً يتكفل بشأن كل إنسان وقع في بلاء أو تهمة أو مطالبة فينجيه الله على يديه. وقيل: سمي ذا الكفل لأن الله تعالى تكفل له في سعيه وعمله بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمانه. والجمهور على أنه ليس بنبي. وقال الحسن: هو نبي قبل إلياس. وقيل: هو زكريا بكفالة مريم. {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} أي على أمر الله والقيام بطاعته واجتناب معاصيه. {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا} أي في الجنة {إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}.
البيضاوي
تفسير : {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ } يعني إلياس، وقيل يوشع، وقيل زكريا سمي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفل أمته أو له ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم، والكفل يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضعف. {كُلٌّ } كل هؤلاء. {مِّّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على مشاق التكاليف وشدائد النوب.
ابن كثير
تفسير : وأما إسماعيل، فالمراد به ابن إبراهيم الخليل عليهما السلام، وقد تقدم ذكره في سورة مريم، وكذا إدريس عليه السلام، وأما ذو الكفل، فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي. وقال آخرون: إنما كان رجلاً صالحاً، وكان ملكاً عادلاً، وحكماً مقسطاً، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم. قال ابن جريج عن مجاهد في قوله: {وَذَا ٱلْكِفْلِ} قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه، ويقيمهم له، ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي ذا الكفل، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضاً. وروى ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا داود عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يفعل، فجمع الناس فقال: من يتقبل مني بثلاث أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب؟ قال: فقام رجل تزدريه الأعين فقال: أنا، فقال: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: فرده ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا، فاستخلفه. قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة ــــ وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة، فدق الباب، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم، قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا بي وفعلوا بي، وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ؟ فلم يره، فقام يتبعه، فلما كان الغد، جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم، ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني؟ قال: إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد، قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت، جحدوني، قال: فانطلق، فإذا رحت فأتني، قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل ينتظره ولا يراه، وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدع أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق عليَّ النوم، فلما كان تلك الساعة، جاء، فقال له الرجل: وراءك، وراءك، قال: إني قد أتيته أمس، وذكرت له أمري، فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحداً يقربه، فلما أعياه، نظر فرأى كوة في البيت، فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، قال: واستيقظ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك؟ قال: أما من قبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أتيت، قال: فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه. وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه، فقال: أعدوَّ الله؟ قال: نعم، أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك، فسماه الله ذا الكفل؛ لأنه تكفل بأمر، فوفى به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث زهير بن إسحاق عن داود عن مجاهد بمثله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن مسلم قال: قال ابن عباس: كان قاض في بني إسرائيل، فحضره الموت فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ قال: فقال رجل: أنا، فسمي ذا الكفل، قال: فكان ليله جميعاً يصلي، ثم يصبح صائماً، فيقضي بين الناس، قال: وله ساعة يقيلها، قال: فكان كذلك، فأتاه الشيطان عند نومته، فقال له أصحابه: ما لك؟ قال: إنسان مسكين له على رجل حق، وقد غلبني عليه، قالوا: كما أنت حتى يستيقظ، قال: وهو فوق نائم، قال: فجعل يصيح عمداً حتى يوقظه، قال: فسمع، فقال: مالك؟ قال: إنسان مسكين له على رجل حق، قال: فاذهب فقل له يعطيك، قال: قد أبى، قال: اذهب أنت إليه، قال: فذهب، ثم جاء من الغد فقال: مالك؟ قال: ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأساً. قال: اذهب إليه فقل له يعطيك حقك، فذهب، ثم جاء من الغد حين قال، قال: فقال له أصحابه: اخرج فعل الله بك، تجيء كل يوم حين ينام لا تدعه ينام، قال: فجعل يصيح من أجل أني إنسان مسكين، لو كنت غنياً، قال: فسمع أيضاً، فقال: مالك؟ قال: ذهبت إليه فضربني، قال: امش حتى أجيء معك، قال: فهو ممسك بيده، فلما رآه ذهب معه، نثر يده منه، ففر. وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحو هذه القصة، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة عن أبي كنانة بن الأخنس قال: سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبي، ولكن كان ــــ يعني: في بني إسرائيل ــــ رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل، وقد رواه ابن جرير من حديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال أبو موسى الأشعري، فذكره منقطعاً، والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد حديثاً غريباً فقال: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عدّ سبع مرات، ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: «حديث : كان الكفل من بني إسرائيل، لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة، فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته، أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك، أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة، قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ ثم نزل فقال: اذهبي بالدنانير لك، ثم قال: والله لا يعصي الله الكفل أبداً، فمات من ليلته، فأصبح مكتوباً على بابه: غفر الله للكفل» تفسير : هكذا وقع في هذه الرواية: الكفل، من غير إضافة، والله أعلم، وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وإسناده غريب، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث: كان الكفل، ولم يقل: ذو الكفل، فلعله رجل آخر، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِسْمَٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ } على طاعة الله وعن معاصيه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَذَا الْكِفْلِ} فيه قولان: أحدهما: أنه لم يكن نبياً وكان عبداً صالحاً كُفِلَ لنبي قيل إنه اليسع بصيام النهار وقيام الليل، وألا يغضب، ويقضي بالحق، فوفى به فأثنى الله عليه، قاله أبو موسى، ومجاهد، وقتادة. الثاني: أنه كان نبياً كفل بأمر فوفى به، قاله الحسن. وفي تسميته بذي الكفل ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان.... الثاني: لأنه كفل بأمر فوفى به. الثالث: لأن ثوابه ضعف ثواب غيره ممن كان في زمانه.
ابن عطية
تفسير : المعنى واذكر إسماعيل وهو إسماعيل بن إبراهيم الخليل وهو أبو العرب المعروفين اليوم في قول بعضهم {وإدريس} هو خنوخ هو أول نبي بعثه الله تعالى من بني آدم وروي أنه كان خياطاً وكان يسبح الله تعالى عند إدخال الإبرة ويحمده عند أخراجها و"ذو الكفل" كان نبياً. وروي أنه بعث إلى رجل واحد وقيل لم يكن نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً، وروي أن أليسع جمع بني إسرائيل فقال من يتكفل لي بصيام النهار وقيام الليل وأن لا يغضب وأوليه النظر للعباد بعدي، فقام إليه شاب فقال أنا لك بذلك فراجعه ثلاثاً في كل ذلك يقول أنا لك بذلك فاستعمله، فلما مات أليسع قام بالأمر فجاء إبليس ليغضبه وكان لا ينام إلا في القائلة فكان يأتيه وقت القائلة أياماً فيوقظه ويشتكي ظلامته ويقصد تضييق صدره فلم يضق به صدراً ومضى معه لينصفه فلما رأى إبليس ذلك غلس عنه وكفاه الله شره فسمي {ذا الكفل} لأنه تكفل بأمر فوفى به وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَذَا الْكِفْلِ} عبد صالح كَفَل لليسع بصوم النهار وقيام الليل وأن لا يغضب ويقضي بالحق فوفى بذلك، أو كان نبياً كفل بأمر فوفى به "ح" سُمي ذا الكفل لوفائه بما كفل به، أو لغير سبب، أو لأن ثوابه ضعف ثواب غيره من أهل زمانه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإسماعيل} هو ابن إبراهيم صلى الله عليه وسلم {وإدريس} هو أخنوخ {وذا الكفل كل من الصابرين} لما ذكر الله أمر أيوب وصبره على البلاء أتبعه بذكر هؤلاء الأنبياء لأنهم صبروا على المحن والشدائد والعبادة أيضاً. أما إسماعيل صلى الله عليه وسلم فإنه على الانقياد إلى الذبح. وأما إدريس فقد تقدمت قصته. وأما ذو الكفل فاختلفوا فيه فقيل نبياً من بني إسرائيل وكان ملكاً أوحى الله إليه إني أريد قبض روحك فاعرض ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل أنه يصلي الليل ولا يفتر ويصوم النهار ولا يفطر ويقضي بين الناس ولا يغضب فادفع ملكك إليه ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى فشكر الله له ونبأه فسمي ذا الكفل. وقيل: لما كبر اليسع قال إني أستخلف رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي أنظر كيف يعمل قال: فجمع الناس وقال: من يتقبل من ثلاثاً أستخلفه يصوم النهار ويقوم الليل ويقضي ولا يغضب, فقام رجل تزدريه العين فقال: أنا، فاستخلفه فأتاه إبليس في صورة شيخ ضعيف حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام من الليل والنهار إلا تلك النومة: فدق الباب فقال: من هذا، فقال: شيخ كبير مظلوم، فقام ففتح الباب فقال إني بيني وبين قومي خصومة وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا، وجعل يطول عليه؛ حتى ذهبت القائلة فقال: إذا رحت فائتني حتى آخذك حقك، فانطلق وراح فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يبتغيه فلم يجده، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلم يره، فلما رجع إلى القائلة وقال وأخذ مضجعه دق الباب فقال: من هذا فقال: الشيخ المظلوم ففتح وقال له: ألم أقل إذا قعدت فائتني؟ قال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك إذا قمت جحدوني قال: فانطلق فإذا جلست فائتني وفاتته القائلة، فلما جلس جعل ينظر فلا يراه وشق عليه النعاس فلما كان اليوم الثالث قال لبعض أهله لا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام فإنه قد شق علي النعاس فلما كانت تلك الساعة نام فجاء فلم يأذن له الرجل فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت فدق الباب من داخل فاستيقظ فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي فلم تؤت فانظر من أين أتيت فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت فقال: أتنام والخصوم ببابك، فنظر إليه فعرفه فقال: أعدو الله؟ قال نعم أعييتني وفعلت ما فعلت لأغضبك فعصمك الله فسمي ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به، واختلف في نبوته فقيل كان نبياً، وهو إلياس وقيل هو زكريا، وقيل إنه كان عبداً صالحاً ولم يكن نبياً {وأدخلناهم في رحمتنا} يعني ما أنعم به عليهم من النبوة وصبرهم إليه في الجنة من الثواب {إنهم من الصالحين}. قوله عز وجل: {وذا النون} أي واذكر صاحب الحوت أضيف إلى الحوت لابتلاعه إياه وهو يونس بن متى {إذ ذهب مغاضباً} قال ابن عباس في رواية عنه: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك فسبى منها تسعة أسباط ونصفاً وبقي منهم سبطان ونصف، فأوحى الله إلى شعياء النبي أن سر إلى حزقيل الملك وقل له يوجه نبياً قوياً فإني ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل فقال له الملك: فمن ترى، وكان في مملكته خمسة من الأنبياء. قال: يونس إنه قوي أمين فدعا الملك يونس: وأمره أن يخرج فقال يونس هل الله أمرك بإخراجي؟ قال لا. قال فهل سماني الله لك؟ قال لا. قال ها هنا غيري أنبياء أقوياء، فألحوا عليه فخرج مغاضباً للنبي وللملك وقومه وأتى بحر الروم فركب وقيل ذهب عن قومه مغاضباً لربه لما كشف عنه العذاب بعد ما أوعدهم وكره أن يكون بين أظهر قوم جربوا عليه الخلف فيما أوعدهم، واستحيا منهم ولم يعلم السبب الذي رفع العذاب عنهم به فكان غضبه أنفقة من ظهور خلف وعده وأنه يسمى كذاباً لا كراهية لحكم الله. وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أنهم يقتلون من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتلوه ما لم يأتهم العذاب للمعياد فذهب مغاضباً. قال ابن عباس: أتى جبريل يونس فقال انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم فقال: ألتمس دابة قال: الأمر أعجل من ذلك فغضب وانطلق إلى السفينة. وقال وهب: إن يونس كان عبداً صالحاً كان في خلقه ضيق فلما حمل أثقل النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها من يده وخرج هارباً منها فلذلك أخرجه الله من أولي العزم من الرسل وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {أية : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}تفسير : [الأَحقاف: 35] وقال {أية : ولا تكن كصاحب الحوت}تفسير : [القلم: 48] وقوله {فظن أن لن نقدر عليه} أي لن نقضي عليه العقوبة. قاله ابن عباس في رواية عنه وقيل معناه فظن أن لن نضيق عليه الحبس وقيل معناه فظن أنه يعجر ربه فلا يقدر عليه، قيل لما انطلق يونس مغاضباً لربه واستزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه وكان له سلف وعبادة أبى الله أن يدعه للشيطان فقذفه في بطن الحوت فمكث فيه أربعين ما بين يوم وليلة. وقيل سبعة أيام وقيل ثلاثة. وقيل: إنه الحوت ذهب به حتى بلغ تخوم الأرض السابعة فتاب إلى ربه وراجع نفسه في بطن الحوت {فنادى في الظلمات} أي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت {أن لا إله إلا إنت سبحانك إني كنت من الظالمين} أي حيث عصيتك وما صنعت من شيء فلم أعبد غيرك فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته وروى أبو هريرة مرفوعاً قال أوحى الله تعال إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً فأخذه ثم أهوى به إلى مسكنه في البحر فلما انتهى به أسفل البحر سمع يونس حساً فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر قال فسبح هو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة وفي رواية صوتاً معروفاً من مكان مجهول فقال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت فقالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل فذلك.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ} المعنى: واذكر إسماعيلَ، وقوله سبحانه: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً} التقدير واذكر ذا النون، قال السُّهَيْلِيُّ: لما ذكر اللَّه تعالى يُونُسَ هنا في معرض الثناء، قال: {وَذَا ٱلنُّونِ}، وقال في الآية الأخرى: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم:48] والمعنى واحدٌ، ولكن بين اللفظين تفاوتٌ كثير في حسن الإشارة إلى الحالتين، وتنزيلُ الكلام في الموضعين والإضافة بذي أشرف من الإضافة بصاحب؛ لأنَّ قولك: ذو يضاف بها إلى التابع، وصاحبُ يُضَافُ بها إلى المتبوع، انتهى. والنون: الحوتُ، والصاحب: يونس بن متى عليه السلام وهو نبيٌّ من أهل نَيْنَوَى. وقوله: {مُغَـٰضِباً} قيل: إنَّهُ غاضب قومه حين طال عليه أمرهم. وَتَعَنُّتُهُمْ، فذهب فارّاً بنفسه، وقد كان اللَّه تعالى أمره بملازمتهم والصبرِ على دعائهم، فكان ذلك ذَنْبَه، أي: في خروجه عن قومه بغير إذن ربه. قال عِيَاض: والصحيح في قوله تعالى: {إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً» أَنَّهُ مُغَاضِبٌ لقومه؛ لكفرهم، وهو قول ابن عباس، والضَّحَّاكِ وغيرهما، لا لربه؛ إذْ مغاضبة اللَّه تعالى معاداة له، ومعاداةُ اللَّه كفر لا يليق بالمؤمنين، فكيف بالأنبياء - عليهم السلام -؟! وفرارُ يونس عليه السلام خشيةَ تكذيب قومه بما وعدهم به من العذاب. وقوله سبحانه: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} معناه: أَنْ لن نضيق عليه، وقيل: معناه: نقدر عليه ما أصابه، وقد قُرِىء {نقَدِّرَ} عليه بالتشديد، وذلك، كما قيل لحسن ظَنِّهِ بربه: أَنه لا يقضى عليه بعقوبة، وقال عياض في موضع آخر: وليس في قصة يونس عليه السلام نَصٌّ على ذنب، وإنما فيها أَبَقَ وذهب مغاضباً، وقد تكلمنا عليه، وقيل: إنما نقم الله - تعالى - عليه خروجه عن قومه من نزول العذاب. وقيل: بل لَمَّا وعدهم العذابَ، ثم عفا اللَّه عنهم، قال: واللَّهِ لا ألقاهم بوجه كذَّابٍ أبداً، وهذا كله ليس فيه نَصٌّ على معصية. انتهى. وقوله سبحانه: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ}. قالت فرقة: معناه: أنْ لن نضيف عليه في مذهبه؛ من قوله تعالى: {أية : يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} تفسير : [الرعد:26]، وقرأ الزُّهْرِيُّ: «نُقَدِّرُ» بضم النون، وفتح القاف، وشَدِّ الدال، ونحوه عن الحسن. وروي: أَنَّ يونس عليه السلام سجد في جوفِ الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر. وقوله: {إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}: يريد فيما خالف فيه من تركِ ملازمة قومه والصبرِ عليهم، وهذا أحسن الوجوه، فاستجاب اللَّه له. * ت * وليس في هذه الكلمة ما يَدُلُّ أَنَّهُ اعترف بذنب، كما أشار إليه بعضهم، وفي الحديث الصحيح: «حديث : دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ، في بَطْنِ الْحُوتِ: {لاَ إلَهَ إلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ، إنِّي كُنْتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، مَا دَعَا بِهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ ـــ أَوْ قَالَ: مُسْلِمٌ ـــ، إلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ»تفسير : الحديث. انتهى. وعن سعد ابن مالك أَنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: {لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} «حديث : أيُّما مُسْلِمٍ دَعَا بِهَا فِي مَرَضِهِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً فَمَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ ـــ أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيدٍ، وإنْ بَرِىءَ وَقَدْ غَفَرَ اللّهُ لَهُ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ» تفسير : أخرجه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح». وذكر صاحب «السلاح» أيضاً عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لاَ إلَهَ إلاَّ أَنْتَ، سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إلاَّ اسْتَجَابَ اللّهُ تعالى لَهُ»تفسير : رواه الترمذي، واللفظ له, والنسائي والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، وزاد فيه من طريق آخر: «حديث : فَقَالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللّهِ، هَلْ كَانَتْ لِيُونُسَ خَاصَّةً، أَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلاَ تَسْمَعُ إلَى قَوْلِ اللّهِ عز وجل: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}»تفسير : . انتهى. والغم: ما كان ناله حين التقمه الحوت.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: "وَإِسْمَاعِيلَ" يعني ابن إبراهيم، "وَإِدْرِيسَ" وهو اخنوخ {وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ}. لما ذكر صبر أيوب أتبعه بذكر هؤلاء، فإنهم أيضاَ كانوا من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة. أما إسماعيل فصبر على الانقياد للذبح، وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء، وصبر في بناء البيت فأكرمه الله وأخرج من صلبه خاتم النبيين. وأما إدريس فتقدمت قصته في سورة مريم قال ابن عمر: "بعث إلى قومه داعياً إلى الله فأبوا فأهلكهم الله، ورفع إدريس السماء السابعة" وأما ذو الكفل قال الزجاج: الكِفلُ في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير والكفل أيضاً: النصيب قال تعالى: {أية : يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} تفسير : [النساء: 85] أي: نصيب. واختلفوا في تسميته بهذا الاسم، فقال الحسن: كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه، وضعف ثوابهم. وقال ابن عباس: إن نبياً من أنبياء بي إسرائيل آتاه الله الملك والنبوة ثم أوحى الله إليه أني أريد قبض روحك، فاعرض الملك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أنه يصلي بالليل لا يفتر ويصوم بالنهار لا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه، ففعل ذلك فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا. وَوَفَى به، فشكر الله له ونبأه فسمي ذا الكفل. وعلى هذا فالمراد بالكفل هنا الكفالة، لأنه تكفل بأمور فوفى بها. وقال مجاهد: ما كبر اليسع - عليه السلام - قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس في حياتي حتى أنظر كيف يعمل فجمع الناس، فقال من يتقبل مني ثلاثاً أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ويقضي فلا يغضب، فقام رجل تزدريه العين فقال: أنا. فرده ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل، فقال: أنا. فاستخلفه. فأتاه إبليس في صورة شيخ حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة. فدق الباب فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم، فقال: افتح الباب. فقال: إنّ بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا وجعل يطول حتى حضر الرواح، وذهبت القائلة. فقال: إذا رحت فأتني آخذ حقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره، فلما كان الغد يقضي بين الناس ينظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة أخذ مضجعه أتاه، فدق الباب، فقال من هذا؟ فقال: الشيخ المظلوم، ففتح له، فقال: أقيل، فإذا قعدت فأتني، فقال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد، قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني. قال: فانطلق: فإذا رحت فأتني، فأتته القائلة، فراح فجعل ينظر ولا يراه، وشق عليه النعاس. فقال للبواب في اليوم الثالث: قد غلب عليّ النعاس فلا تدع أحداً يقرب من هذا الباب حتى أنام، فجاء إبليس في تلك الساعة، فلم يأذن له الرجل فدخل في كُوَّة في البيت، فتسور منها ودق الباب من داخل، فاستيقط وعاتب البواب، فقال: أما من قبلي فلم يأت، فانظر من أين أتيت، فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فقال له: أتنام والخصوم ببابك. فقال: أنت إبليس. قال: نعم أعييتني في كل شيء ففعلت هذه الأفعال بك، فعصمك الله مني، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به، وقيل غير ذلك. فصل قال أبو موسى الأشعري ومجاهد: ذو الكفل لم يكن نبياً بل كان عبداً صالحاً. وقال الحسن والأكثرون كان نبياً، وهو الأظهر، لأنه تعالى قرن ذكره بإسماعيل وإدريس، والغرض ذكر الفضلاء من عباده، فدلّ ذلك على نبوته، ولأن السورة ملقبة بسورة الأنبياء، ولأنَّ قوله: "دُو الكِفْلِ" يحتمل أن يكون لقباً، وأن يكون اسماً، والأولى أن يكون اسماً، لأنه أكثر فائدة من اللقب، وإذا ثبت ذلك، فالكِفْلُ هو النصيب، لقوله تعالى {أية : يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} تفسير : [النساء:85]. والظاهر أنّ الله تعالى سماه بذلك تعظيماً له، فوجب أن يكون الكفل هو كفل الثواب، فسمي بذلك، لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ثواب غيره، وقد كان في زمنه أنبياء على ما روي. فصل قيل: إن ذا الكفل زكريا. وقيل: يوشع. وقيل: إلياس. ثم قالوا: خمسة من الأنبياء - عليهم السلام - سماهم الله باسمين إسرائيل ويعقوب، وإلياس وذا الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذا النون، ومحمداً وأحمد. قوله: {كُلّ مِنَ ٱلصَّابِرِيْنَ} أي: على القيام بأمر الله، واحتمال الأذى في نصرة دينه. {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا} قال مقاتل: الرحمة النبوة، وصيرهم إلى الجنة والثواب. وقال آخرون: يتناول جميع أعمال البر.
ابو السعود
تفسير : {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ} أي واذكرهم، وذو الكِفل إلياسُ، وقيل: يوشعُ بنُ نون، وقيل: زكريا سُمّي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفُّلٍ منه، أو ضعفِ عمل أنبـياءِ زمانه وثوابِه فإن الكفلَ يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضِعْف {كُلٌّ} أي كل واحد من هؤلاء {مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} أي على مشاقّ التكاليف وشدائدِ النُّوَب، والجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم. {وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا} أي في النبوة أو في نعمة الآخرة {إِنَّهُمْ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي الكاملين في الصلاح الكاملِ الذي لا يحوم حوله شائبةُ الفساد وهم الأنبـياءُ، فإن صلاحَهم معصومٌ من كَدَر الفساد. {وَذَا ٱلنُّونِ} أي واذكر صاحب الحوت وهو يونسُ عليه السلام {إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً} أي مراغِماً لقومه لمّا برِمَ من طول دعوته إياهم وشدةِ شكيمتهم وتمادي إصرارِهم مهاجراً عنهم قبل أن يؤمر، وقيل: وعدَهم بالعذاب فلم يأتِهم لميعادهم بتوبتهم ولم بعرف الحال فظن أنه كذّبهم فغضِب من ذلك، وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجَرة لخوفهم لحوقَ العذاب عندها وقرىء مُغضَباً {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي لن نضيّقَ عليه أو لن نقضيَ عليه بالعقوبة من القدر، ويؤيده أنه قرىء مشدداً أو لن نُعمِل فيه قدرتَنا، وقيل: هو تمثيلٌ لحاله بحال مَنْ يظن أن لن نقدر عليه أي نعامله معاملةَ من يظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومَه من غير انتظار لأمرنا كما في قوله تعالى: { أية : يَحْسَبُ أَن مَالَهُ أَخْلَدَهُ} تفسير : [الهمزة: 3] أي نعامله معاملةَ من يحسَب ذلك، وقيل: خطرةٌ شيطانية سبقت إلى وهمه فسُمّيت ظنًّا للمبالغة، وقرىء بالياء مخففاً ومثقلاً مبنياً للمفعول {فَنَادَىٰ} الفاءُ فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقامِ الحوت فنادى {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} أي في الظلمة الشديدةِ المتكاثفة أو في ظلمات بطنِ الحوتِ والبحرِ والليل، وقيل: ابتلع حوتَه حوتٌ أكبرُ منه فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي البحر والليل {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ} أي بأنه لا إلٰهَ إلا أنت على أنّ أنْ مخففةٌ من أنّ وضميرُ الشأن محذوف، أو أي لا إلٰه إلا أنت على أنها مفسّرة {سُبْحَـٰنَكَ} أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن يُعجزك شيءٌ أو أن يكون ابتلائي بهذا بغير سبب من جهتي {إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} لأنفسهم بتعريضها للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ}. أي واذكر هؤلاء الأنبياء ثم قال: {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ}، ثم قال: قوله جلّ ذكره: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}. بيَّنَ الحُكْمَ والمعنى؛ الحكمُ صبرُهم وصلاحُهم، والمعنى إدخالُه إياهم في الرحمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واسماعيل} بمعنى مطيع الله {وادريس} هو اخنوخ بن برد بن مهلاييل قال بعضهم سمى به لكثرة دراسته وقد سبق تحقيقه {وذا الكفل} بمعنى الكفالة والضمان لان نبيا من انبياء بنى اسرائيل اوحى الله اليه انى اريد قبض روحك فاعرض ملكك على بنى اسرائيل فمن تكفل لك انه يصلى بالليل لا يفتر ويصوم بالنهار لا يفطر ويقضى بين الناس ولا يغضب فسلم ملكك اليه ففعل ذلك فقال شاب انا اتكفل لك بهذا فتكفل ووفى به فشكره الله ونبأه فسمى ذا الكفل والمعنى واذكرهم {كل} اى كل واحد من هؤلاء {من الصابرين} اى الكاملين فى الصبر على مشاق الطاعات واحتمال البليات فان اسماعيل قد صبر عند ذبحه وقال يا ابت افعل ما تؤمر الآية وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء فلا جرم اكرمه الله واخرج من صلبه خاتم النبيين عليه وعليهم السلام وادريس قد صبر على دراسته وذو الكفل قد صبر على صيام النهار وقيام الليل واذى الناس فى الحكومة بينهم ولا يغضب. وفيه اشارة الى ان كل من صبر على طاعة الله وعن معصيته او على ما اصابه من مصيبة فى المال والاهل والنفس فانه بقدر صبره يستوجب نعمة رتبة نعم العبدية ويصلح لادخاله فى رحمته المخصوصة به كما قال {وادخلناهم فى رحمتنا} الخاصة من النبوة وغيرها {انهم من الصالحين} اى الكاملين فى الصلاح وهم الانبياء فان صلاحهم معصوم من الفساد [وبعض كبار ميفر ما يدركه مؤمنان كناه كنند وباز توبه كنند وجون توبه بشرط باشد خداوند قبول كند واوليا كناه نكنند اما امكان داردكه بكنند ازجهت آنكه جائز الخطااند]. قيل لابى بيزيد قدس سره أيعصى العارف فقال وكان امرا لله قدرا مقدورا ثم يرد الى مقامه بعد ذلك ان كان من اهل العناية والوصول فتكون توبته من ذلك على قدر مقامه فيرجى ان يكون فى قوة تلك التوبة وعلو منصبها ان يجبر وقت الغفلة حتى يكون كأنه ما خسر شيئا وما انتقل كتوبة ماعز الذين قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو قسمت على اهل السموات والارض لوسعتهم"تفسير : [وانبيا كناه نكردند وامكان نداشت كه بكنندازجهت آنكه معصوم بودند]. واعلم ان للصلاح بداية وهى الاخذ بالشرائع والاحكام ورفض المنهى والحراء ونهاية وهى التوجه الى رب العباد وعدم الالتفات الى عالم الكون والفساد وهى فى الحقيقة مقام الصديقية واصلاح الله تعالى الانسان يكون تارة بخلقه اياه صالحا وتارة بازالة ما فيه من فساد بعد وجوده فان من العباد من اختار الله له فى الازل البلوغ بلا كسب ولا تعمل فوقع مفطورا على النظر اليه بلا اجتهاد بدفع غيره عن مقتضى قصده ومنهم من شغلته الاغيار عن الله زمانا فلم يزل فى علاج وجودها بتوفيق الله حتى افناها ولم يبق له سواه سبحانه. ثم الصبر من مراتب الصلاح. وعن يزيد الرقاشى رحمه الله قال اذا دخل الرجل القبر قامت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره والبر يظله والصبر يحاجه يقول دونكم صاحبكم فان حججتم والا فانا من ورائه يعنى ان استطعتم ان تدفعوا عنه العذاب والا فانا اكفيكم ذلك وادفع عنه العذاب فهذا الخبر دليل على الصبر افضل الاعمال والرضى اجل الصفات ولا يكون الصبر الاعلى بلاء ومشقة فالترقى انما هو بالصبر لا بنفس البلاء ولو كان البلاء بما هو بلاء يرفع درجات من قام به عند الله وينال به السعادة الابدية لنالها اهل البلاء من المشركين والكفار بل هو فى حقهم تعجيل لعذابهم وفى حق المؤمنين الصابرين تكميل لدرجاتهم وحط من خطيآتهم واكسير لنحاس وجودهم: وفى المثنوى شعر : صد خزاران كيميا حق آفريد كيميايى همجو صبر آدم نديد جون بمانى بسته دربند حرج صبر كن الصبر مفتاح الفرج شكر كويم دوست را درخير وشر زانكه هست اندر قضا ازبدبتر جونكه قسام اوست كفر آمد كله صبر بايد صبر مفتاح الصله تادهد دوغم نخواهم انكبين زانكه هرنعمت غمى دارد قرين
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {إِسماعيلَ} بن إبراهيم، وكان أكبر من إسحاق، {وإِدريسَ} واسمه: أخنوخ بن شيث بن آدم. قاله النسفي {وذا الكفل} وهو إلياس، أو زكريا، أو يوشع بن نون، قلت: كونه زكريا بعيد؛ لأنه سيذكره بخصُوصه بعدُ. وسُمي ذا الكفل؛ لأنه ذو حظ من الله، والكفل: الحظ. أو تكفل بضعف عمل أنبياء زمانه، أو بصيام النهار وقيام الليل. وقال أبو موسى الأشعري: إنَّ ذا الكفل لم يكن نبيًا، ولكنه كان عبدًا صالحًا، تكفل بعمل رجل صالح عند موته، وكان يُصلي لله تعالى، في كل يوم، مائة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء. هـ. وقال عمر بن عبد الله بن الحارث: إن نبيًا من الأنبياء قال: من تكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب؟ فقال شاب: أنا، فمات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب يقضي بين الناس، فجاءه الشيطان في صورة إنسان؛ ليُغضبه وهو صائم، فضرب الباب ضربًا شديدًا، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل له رجلاً، فلم يرض، ثم أرسل معه آخر، فلم يرض، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه إلى السوق، ثم خلاه وذهبَ، فسُمي ذا الكفل. هـ. {كلٌّ من الصابرين} أي: كل واحد من هؤلاء موصوف بالصبر التام على مشاق التكليف وشدائد النوب، {وأدخلناهم في رحمتنا}؛ في النبوة، أو في الآخرة، {إنهم من الصالحين} أي: الكاملين في الصلاح الذي لا تحوم حوله شائبة الفساد، وهم الأنبياء، فإن صلاحهم معصوم من كدر الفساد. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد مدح الله هؤلاء السادات بخصلتين، من تحقق بهما: التحق بهم، وانخرط في سلكهم: الصبر على مشاق الطاعة، وعلى ترك المعصية، وفي حال البلية. والصلاح، وهو: إصلاح الظاهر بالشريعة، وإصلاح الباطن بنور الحقيقة. فمن تحقق بهاتين الخصلتين كان من المقربين مع النبيين والصديقين. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر يونس عليه السلام
الجنابذي
تفسير : {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ} عطف او بتقدير فعل مثل ما سبق {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} فانّ اسماعيل (ع) صبر فى بلدٍ لا زرع به ولا انيس من اوّل الصّبا، وادريس (ع) صبر على دعاء القوم مع شدّتهم فى الانكار لانّه كان اوّل من بعث اليهم، وامّا ذوا الكفل فقد اختلف فيه فقد نسب الى الرّضا (ع) انّه يوشع بن نون، وقيل: انّه الياس (ع)، وقيل: انّه زكريّا (ع)، وقيل: كان رجلاً صالحاً ولم يكن نبيّاً تكفّل لنبىّ وقته بصوم النّهار وقيام اللّيل وان لا يغضب ويعمل بالحقّ فوفى بذلك، وقيل: كان نبيّاً ولم يقصّ الله خبره، وقيل: هو اليسع كان مع الياس وليس اليسع الّذى ذكره الله فى القرآن تكفّل لملكٍ جبّارٍ ان هو تاب دخل الجنّة ودفع اليه كتاباً بذلك وكان اسمه كنعان فسمّى ذا الكفل، ونسب الى الخبر انّه كان من الانبياء المرسلين وكان بعد سليمان (ع) بن داود (ع)، والكفل بمعنى الضّعف لضعف ثوابه بالنّسبة الى اهل زمانه لشرفه وبمعنى النّصيب وبمعنى الكفالة والكلّ مناسب.
الهواري
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} ذكروا أن ذا الكفل لم يكن نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً تكفّل بعمل رجل صالح عند موته، كان يصلّي لله كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء. وذكروا عن مجاهد أنه قال: ذو الكفل كان رجلاً صالحاً، وليس بنبي. تكفل لنبي بأن يكفل له أمر قومه ويقيمه لهم، ويقضي بينهم بالعدل.
اطفيش
تفسير : {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ} قيل: هو إلياس. وقيل: زكريا. وقيل: يوشع. سمى بذلك لأنه ذو الحظ من الله. وروى أنه كان لهُ ضِعف عمل الأنبياء فى زمانه، وضعف ثوابهم. وقيل: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: إسرائيل، وهو يعقوب. وإلياس أو زكريا، أو هو ذو الكفل. وعيسى، وهو المسيح ويونس، وهو ذو النون. ومحمد، وهو أحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. وقيل: ذو الكفل غير نبى، ولكنْ رجل صالح سمى بذلك لأنهُ تكفّل بمؤنة عابد تفرغ للعبادة. وقيل: التجأ إليه رجال مؤمنون فكفلهم. وقيل غير هذا، مما تراه قريبا - إن شاء الله. قال الثعلبى فى عرائس القرآن: إنه بشر بن أيوب المبتلى، سماه: ذو الكفل، وأمره بالدعاء إلى الله، وأوصاه عند موته. وبعثه لله نبيا، وأقام بالشام عمره، وهو خمسة وسبعون عامًا، وأنه أوصى بعده ابنه عبدان. قال: روى الأعمش بن المنهال بن عبد الله بن الحارث أن نبيًّا من الأنبياء قال: من يتكفّل لى أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام شاب فقال: أنا. فقال: اجلس. ثم أعاد، فقال مثل قوله الأول. فأعاد فقال كذلك. فقال: تقوم الليل، وتصوم النهار ولا تفطر، وتقضى بين الناس ولا تغضب؟ فقال: نعم. فمات ذلك النبى. فجلس الشاب مكانه، فوفّى بذلك، فجاءه الشيطان - أبعده الله - فى صورة إنسان ليغضبه، وهو صائم يريد أن يقبل. فضرب الباب ضربا شديداً. فقال: مَن هذا؟ فقال له: رجل له حاجة. فأرسل إليه رجلا. فقال له: لا أرضى بهذا الرجل. فأرسل معه آخر. فقال: لا أرضى بهذا فخرج إليه، وأخذ بيده إلى السوق، فتركه ولم يغضب. قال: وقال بعضهم: ذو الكفل: بشر بن أيوب، بعثه الله بعد أبيه إلى أرض الروم، فآمنوا به وصدقوه واتبعوه، ثم أمرهم الله بالجهاد، فضعفوا وقالوا: إنا قوم نحب الحياة، ونكره الممات، ومع ذلك نكره أن نعصى الله ورسوله. ولو سألت الله أن يطيل أعمارنا، ولا يميتنا إلا إذا شئنا، لَنعبدنَّه ونجاهدنَّ أعداءه. فقال لهم: كلفتمونى شططا. ثم قام وصلى ودعا وقال: إلهى أمرتنى بتبليغ الرسالة فبلَّغتها، وأمرتنى بجهاد أعدائك، وأنت أعلم أنى لا أملك إلا نفسى، وأن قومى سألونى فى ذلك ما أنت أعلم به، فلا تؤاخذنى بجريرة غيرى، وأنا أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك. فأوحى الله تعالى إليه: أن قد سمعت مقالة قومك، وإنى قد أعطيتهم ما سألونى، فلا يموتون إلا إذا شاءوا فكن لهم منى كفيلا بذلك. فتكفّل لهم بذلك، فسمى ذا الكفل. وكثروا حتى ضاقت بهم الأرض ومعيشتهم. فسألوه أن يرد الله آجالهم، فكانوا يموتون لآجال مثل آجالهم السابقة قبل. ولذلك كثرت الروم ما لم يكثر غيرهم. وسموا روما. قيل: لأن جدهم روم بن عيسى بن إسحاق. وقيل: إن ذلك النبى- وكان من بنى إسرائيل - أوحى الله: إنى أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على بنى إسرائيل، فمن تكفّل منهم بذلك، فادفع إليه ملكك. وقيل: لما كبر اليسع قال: إنى أستخلف رجلا على الناس فى حياتى، أنظر كيف يعمل. فجمع الناس وقال: من يتكفّل بثلاث أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. فقام رجل تزدريه العين فقال: أنا، فردَّه. فقال ذلك فى اليوم الثانى. فقال: أنا. فاستخلفه. فأَتاه إبليس فى صورة شيخ ضعيف، حين أخذ مضجعه للقائلة. وكان لا ينام من الليل والنهار إلا تلك النومة: فدق الباب فقال: مَن هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم. فقام ففتح الباب. فقال: بينى وبين قوم خصومة ظلمونى وفعلوا. وأطال فى الكلام حتى ذهبت القائلة. فقال: إذا جلستُ فائْتِ حتى آخذ حقك. ولما جلس انتظره، ولم يجئ حتى جلس من الغد وفرغ، وأخذ مضجع القائلة، فدق الباب. فقال: مَن هذا؟ فقال: الشيخ المظلوم ففتح له. فقال: ألم أقل: إذا جلست فائتِ؟ قال: إنهم أخبث قوم. إذا جلست قالوا: نعطيك حقك. وفاتته القائلة. وقال: إذا جلست فائْتِ ولم يأت. ولما كان اليوم الثالث، وفرغ ولم يأت، أخذ مضجع القائلة قال لبعض أهله: لا تدَع أحدا يضرب الباب حتى أنام، قد شق علىَّ النعاس فجاء إبليس، فلم يأذن له الرجل. ودخل من كوة فاستيقظ فقال: يا فلان ألم آمرْك؟ فقال: أما مِن قِبَلى فلم تؤت. فانظر من أين أتيت؟ فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق. فقال الشيخ: أتنام والخصوم ببابك؟ فنظر إليه فعرفه فقال: أعدوّ الله؟ قال: نعم. أعييتنى وفعلت ما فعلت لأغضبك، فعصمك الله. {كُلٌّ مِنَ الصَّابِرينَ} على الطاعة، والبلاء، وعن المعصية. فإسماعيل صبر على الذبح وأما إدريس فقد مر الكلام عليه. وأما ذو الكفل فمر آنفا.
اطفيش
تفسير : {وإسماعيل وإدْريسَ وذَا الكفْل} واذكر إسماعيل الخ على حد مر، وظاهر الآية أن ذا الكفل نبى، وهو كذلك عليه السلام، وعليه الجمهور، واسمه بشير بن أيوب، وقيل: ذو الكفل اسمه، بعث نبيا بعد أبيه، وأما وصيه فهو ابنه حرمل، كما روى هن وهب، وكان ذو الكفل مقيما بالشام، وماتت ابن خمس وسبعين كلها فى الشام، وأوصى الى ابنه عبدا، ثم بحث لله شعيبا أو هو إلياس ابن ياسين بن فنحاص بن العزار ابن هارون أخى موسى، أو يوشع بن نون، أو زكريا أو اليسع بن أخطوب ابن العجوز أقول، وزعم اليهود أنه حزقيل، وجاءته النبوُة فى وسط سبى بخت نصر على نهر جوباً. وقيل: ليس نبيان لكنه عبد صالح استخلفه اليسع بشرط أن قوم الليل ويصوم النهار، ولا يغضب، وعن ابن عباس احتضر قاض من بنى إسرئيل فقال: من استخلف على أن لا يغضب، فقال جل: أنا، وقيل احتضر ملك منهم فقال له الرؤساء استخلف ففزع اليه الناس، فقال: استخلف من يتكفل لى بثلاث فقل فتى: أنا، فقال: اجلس فأعاد فقال: أنا، فقال: أنا، فقال: أن تقوم الليل ولا ترقد، وتصوم النهار ولا تفطر، وتحكم ولا تغضب، فقال نعم، وفى هذه الأقوال لقب، لأنه تكفل بما وجب أو بما شرط عليه، ومن قال هو زكرياء فأنه كفل مريم، وقيل له ذو الكفل بهذا، لأن له حظا عظيما والكفل الحظ، وقيل: لأن له ضعف ثواب أعمال أنبياء زمانه {كُلٌّ} ممن ذكر {من الصابرين} على العبادة والمصائب، وعن الشهوات وهذا حض الصبر باشارة إن من لم يصبر فهو خارج عن طريق الأنبياء.
الالوسي
تفسير : {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ} أي واذكرهم؛ وظاهر نظم ذي الكفل في سلك الأنبياء عليهم السلام أنه منهم وهو الذي ذهب إليه الأكثر، واختلف في اسمه فقيل بشر وهو ابن أيوب عليه السلام بعثه الله تعالى نبياً بعد أبيه وسماه ذا الكفل وأمره سبحانه بالدعاء إلى توحيده، وكان مقيماً بالشام عمره ومات وهو ابن خمس وسبعين سنة وأوصى إلى ابنه عبدان وأخرج ذلك الحاكم عن وهب، وقيل: هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هٰرون أخي موسى بن عمران عليهم السلام، وصنيع بعضهم يشعر باختياره، وقيل يوشع بن نون، وقيل: اسمه ذو الكفل، وقيل هو زكريا حكى كل ذلك الكرماني في «العجائب»، وقيل هو اليسع بن أخطوب بن العجوز، وزعمت اليهود أنه حزقيال وجاءته النبوة وهو في وسط سبي بختنصر على نهر خوبار. وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد: لم يكن نبياً وكان عبداً صالحاً استخلفه ـ على ما أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن مجاهد ـ اليسع عليه السلام بشرط أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ففعل ولم يذكر مجاهد ما اسمه. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه قال: كان قاضياً في بني إسرائيل فحضره الموت فقال: من قوم مقامي على أن لا يغضب؟ فقال رجل: أنا يسمى ذا الكفل الخبر، وأخرج عن ابن حجيرة الأكبر كان ملك من ملوك بني إسرائيل فحضرته الوفاة فأتاه رؤس بني إسرائيل فقالوا: استخلف علينا ملكاً نفزع إليه فقال: من تكفل لي بثلاث فأوليه ملكي؟ فلم يتكلم إلا فتى من القوم قال: أنا فقال: اجلس ثم قالها ثانية فلم يتكلم أحد إلا الفتى فقال: تكفل لي بثلاث وأوليك ملكي تقوم الليل فلا ترقد وتصوم فلا تفطر وتحكم فلا تغضب قال: نعم قال: قد وليتك ملكي الخبر، وفيه وكذا في الخبر السابق قصة إرادة إبليس عليه اللعنة إغضابه وحفظ الله تعالى إياه منه، والكفل الكفالة والحظ والضعف، وإطلاق ذلك عليه إن لم يكن اسمه إما لأنه تكفل بأمر فوفى به، وإما لأنه كان له ذا حظ من الله تعالى، وقيل لأنه كان له ضعف عمل الأنبياء عليهم السلام في زمانه وضعف ثوابهم. ومن قال إنه زكريا عليه السلام قال: إن إطلاق ذلك عليه لكفالته مريم وهو داخل في الوجه الأول، وفي «البحر» وقيل: في تسميته ذا الكفل أقوال مضطربة لا تصح والله تعالى أعلم. {كُلٌّ} أي كل واحد من هؤلاء {مّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} أي على مشاق التكاليف وشدائد النوب ويعلم هذا من ذكر هؤلاء بعد أيوب عليهم السلام، والجملة استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : وأيوبَ}تفسير : [الأنبياء: 83] أي وآتينا إسماعيل وإدريس وذا الكفل حُكماً وعلماً. وجُمع هؤلاء الثلاثة في سلك واحد لاشتراكهم في خصيصية الصبر كما أشار إليه قوله تعالى {كل من الصابرين}. جرى ذلك لمناسبة ذكر المثل الأشهر في الصبر وهو أيوب. فأما صبر إسماعيل ــــ عليه السلام ــــ فقد تقرّر بصبره على الرضى بالذبح حين قال له إبراهيم: {أية : إني أرى في المنام أني أذبحك} تفسير : [الصافات: 102] فقال: {أية : ستجدني إن شاء الله من الصابرين}تفسير : [الصافات: 102]، وتقرر بسكناه بواد غيرِ ذي زرع امتثالاً لأمر أبيه المتلقَى من الله تعالى، وتقدمت ترجمة إسماعيل في سورة البقرة. وأما إدريس فهو اسم (أُخْنُوخ) على أرجح الأقوال. وقد ذكر أُخنوخ في التوراة في سفر التكوين جَدّاً لنوح. وتقدمت ترجمته في سورة مريم ووصف هنالك بأنه صدّيق نبي وقد وصفه الله تعالى هنا فليعدَّ في صف الصابرين. والظاهر أن صبره كان على تتبع الحكمة والعلوم وما لقي في رحلاته من المتاعب. وقد عُدت من صبره قصص، منها أنه كان يترك الطعام والنوم مدة طويلة لتصفو نفسه للاهتداء إلى الحكمة والعلم. وأما ذو الكِفْل فهو نبيء اختُلف في تعيينه، فقيل هو إلياس المسمّى في كتب اليهود (إيليا). وقيل: هو خليفَة اليَسع في نبوءة بني إسرائيل. والظاهر أنه (عُوبديا) الذي له كتاب من كتب أنبياء اليهود وهو الكتاب الرابع من الكتب الاثني عشر وتعرف بكتب الأنبياء الصغار. والكفْل ــــ بكسر الكاف وسكون الفاء ــــ، أصله: النصيب من شيء، مشتق من كَفلَ إذا تعهد. لقب بهذا لأنه تعهد بأمر بني إسرائيل لليسع. وذلك أن اليسع لما كبُر أراد أن يستخلف خليفة على بني إسرائيل فقال: من يتكفل لي بثلاث أستخلفه: أن يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. فلم يتكفل له بذلك إلا شاب اسمه (عُوبديا)، وأنه ثبت على ما تكفل به فكان لذلك من أفضل الصابرين. وقد عُد عوبديا من أنبياء بني إسرائيل على إجمال في خبره (انظر سفر الملوك الأول الإصحاح 18. ورؤيا عوبديا صفحة 891 من الكتاب المقدس). وروى العبري عن أبي موسى الأشعري ومجاهد أن ذا الكفل لم يكن نبياً. وتقدمت ترجمة إلياس واليسع في سورة الأنعام. وجملة {إنهم من الصالحين} تعليل لإدخالهم في الرحمة، وتذييل للكلام يفيد أن تلك سنة الله مع جميع الصالحين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 85- واذكر - أيها النبى - لقومك إسماعيل وإدريس وذا الكفل، كل منهم من الصابرين على احتمال التكاليف والشدائد. 86- وجعلناهم من أهل رحمتنا، إنهم من عبادنا الصالحين. 87- واذكر - أيها النبى - قصة يونس صاحب الحوت إذ ضاق بإعراض قومه عن دعوته، فهجرهم ورحل عنهم بعيداً غاضباً عليهم، ظاناً أن الله أباح له أن يهجرهم، فظن أن الله لن يقدر عليه، فابتلعه الحوت، وعاش وهو فى ظلمات البحر، ونادى ربه ضارعاً إليه معترفاً بما كان منه قائلا: يا رب، لا معبود بحق إلا أنت، أنزهك عن كل ما لا يليق بك، أعترف أنى كنت من الظالمين لنفسى بعملِ ما لا يرضيك. 88- فأجبناه إلى ما كان يرجوه، ونجيناه من الغم الذى كان فيه، ومثل هذا الإنجاء من البلاء ننجى المؤمنين الذين يعترفون بأخطائهم ويدعوننا مخلصين. 89- واذكر قصة زكريا، حين نادى ربه بعد أن رأى من قدرته سبحانه ما بعث فى نفسه الأمل فى رحمته، فقال: يا رب، لا تتركنى وحيداً دون وارث، وأنت خير الذين يرثون غيرهم، فإنك الباقى بعد فناء الخلق. 90- فحققنا رجاءه، وأجبنا دعاءه، ووهبنا له على الكبر ابنه يحيى، وجعلنا زوجه العقيم صالحة للولد إن هؤلاء الأصفياء الأنبياء كانوا يسارعون فى عمل كل خير ندعوهم إليه، ويدعوننا طمعاً فى رحمتنا وخوفاً من عذابنا، وكانوا لا يعظِّمون ولا يهابون أحداً غيرنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَإِسْمَاعِيلَ} {ٱلصَّابِرِينَ} (85) - وإِنَّ إسْمَاعيلَ وإدريسَ وذا الكفْلِ، كلَّهُم مِنَ الرُّسُل الكِرَامِ، الذينَ صَبَروا على ما ابْتَلاهُمْ بِهِ اللهُ، وأَخْبتُوا لِرَبِّهم، فَنَالُوا رِضَاهُ. ذُو الكِفْلِ - نَبِيٌّ وقِيلَ إنَّهُ إلياسُ عليهِ السلامُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: إن سورة الأنبياء لا تذكر قصَصاً كاملاً للأنبياء، إنما تعطينا طَرَفاً منها، وهنا تذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل بالاسم فقط. ثم يقول تعالى: {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] كأن الصبر في حَدِّ ذاته حيثية يُرسل الله من أجلها الرسول، ولنتأمل الصبر عند إسماعيل، وكيف أنه صبر على أنْ يذبحه أبوه برؤيا رآها، فأيُّ صبر أعظم من هذا؟ ثم يعيش في صِغَره - وحتى كبر - في وَادٍ غير ذي زرع، ويتحمل مشاق هذه البيئة الجافة المجْدِبة، ويخضع لقول الله تعالى: {أية : رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ..} تفسير : [إبراهيم: 37]. وكأن في خروجه من هذه الأرض وطلبه لأرض أخرى فيها النعيم والزروع والثمار تأبّياً على إقامة الصلاة؛ لذلك نراه يُفضّل البقاء في هذا المكان، ويزهد في نعيم الدنيا الذي يتمتع به غيره امتثالاً لأمر الله. وتكون النتيجة أنْ أعطاه الله ما هو خَيْر من الزروع والثمار، أعطاه عطاءً يفخر به بين جميع الأنبياء، هو أنه جعل من نسله النبي الخاتم محمد بن عبد الله، وأيُّ ثمرة أحسن من هذه؟ وإدريس: وهو من الجيل الخامس من أولاد آدم عليه السلام، وبعض العلماء يقولون هو "أوزوريس"، ونحن لا نقول إلا ما قاله القرآن (إدريس) وأهل السير يقولون: إن نبي الله إدريس أول مَنْ علّمه الله غزل الصوف وخياطة الملابس، وكانوا قبلها يسترون عوراتهم بقطع الجلود. وهو أول مَن استخدم النجوم لمعرفة الاتجاهات والأحوال، وأول مَنْ خط بالقلم، هذه يُسمُّونها أوليات إدريس. وذا الكفل: الكِفْل هو الحظ والنصيب، فلماذا سُمِّي "ذو الكفل"؟ ذو الكفل ابن أيوب عليه السلام، ويظهر أن أولاد أيوب كانوا كثيرين، إنما اختص الله ذا الكفل بالرسالة، وكان هذا حظه دون غيره من أبناء أيوب؛ لذلك سُمِّي "ذو الكفل". وقد جاءت هذه المادة (كَفَل) أيضاً في قوله الحق سبحانه وتعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ..} تفسير : [الحديد: 28]. جاءت هذه الآية بعد الكلام عن عيسى - عليه السلام - والذين آمنوا به واتبعوه، يقول تعالى: يا مَنْ آمنتم بالرسل السابقين، وآخرهم عيسى - عليه السلام - آمنوا بالرسول الخاتم ليكون لكم كفلان أي: نصيبان وحظَّان من رحمةَ الله، نصيبٌ لإيمانكم بعيسى، ومَنْ سبقه من الرسل، ونصيبٌ لإيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم يقول تعالى في وصفهم {كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] فوصف كلّ الأنبياء بالصبر؛ لأنهم تعرَّضوا لأنواع الاضطهاد والإيذاء والأهوال في سبيل دعوتهم، وصبروا على هذا كله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: واذكر عبادنا المصطفين، وأنبياءنا المرسلين بأحسن الذكر، وأثن عليهم أبلغ الثناء، إسماعيل بن إبراهيم، وإدريس، وذا الكفل، نبيين من أنبياء بني إسرائيل { كُلٌّ } من هؤلاء المذكورين { مِنَ الصَّابِرِينَ } والصبر: هو حبس النفس ومنعها، مما تميل بطبعها إليه، وهذا يشمل أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يستحق العبد اسم الصبر التام، حتى يوفي هذه الثلاثة حقها. فهؤلاء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قد وصفهم الله بالصبر، فدل أنهم وفوها حقها، وقاموا بها كما ينبغي، ووصفهم أيضا بالصلاح، وهو يشمل صلاح القلب، بمعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه كل وقت، وصلاح اللسان، بأن يكون رطبا من ذكر الله، وصلاح الجوارح، باشتغالها بطاعة الله وكفها عن المعاصي. فبصبرهم وصلاحهم، أدخلهم الله برحمته، وجعلهم مع إخوانهم من المرسلين، وأثابهم الثواب العاجل والآجل، ولو لم يكن من ثوابهم، إلا أن الله تعالى نوه بذكرهم في العالمين، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين، لكفى بذلك شرفا وفضلاً.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 646 : 21 : 28 - سفين عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحرث قال، كان نبي من الأنبياء قال: "من تكفل لي بأن لا يغضب وهو معي في درجتي في الجنة"؟ فقام شاب، فقال: "أنا". فقال: "اقعد". ثم قال الثانية. فقام ذلك الشاب، فقال: "أنا". فقال: "اقعده". ثم قالها الثالثة. فقام الشاب، فقال: "أنا". قال: "فنعم إذاً". قال، ثم مات النبي، صلى الله عليه وسلم، واستخلف الشاب مكانه. فكان يقضي بينهم. ولا يغضب. فاحتال له إبليس بكل شيء ليغضبه، فلم يقدر على أن يغضبه. فلما (كان) ذات يوم، وهو نصف النهار، وقد فرغ من قضائه بين الناس، ودخل ليقيل وهو صائم، أتاه، فدق عليه الباب. فأرسل معه رسولاً. فذهب مع الرسول. ثم رجع فقال: "إنه لم يصنع في حاجتي شياً". فأرسل معه رسولاً آخر. فذهب، ثم رجع، فقال: "لم يصنع في حاجتي شياً". فأخذ بيده وبنفسه. ثم انطلق معه. فلما كان معه في السوق، انفلت منه. قال: فسمي ذا الكفل. [الآية 85].
همام الصنعاني
تفسير : 1882-حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة: {وَذَا ٱلْكِفْلِ}: [الآية: 85]، قال، قال أبو مُوسَى الأشْعَرِي: لم يكنْ ذو الكِفْلِ نبياً، ولكنَّهُ كفَل بصَلاَةِ رجُلٍ كان يصلي في كل يَوْمٍ مائة صلاة فتوفي، فكفل بِصَلاَتِهِ، فلذلك سُمّيَ ذا الكفل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):