Verse. 2569 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَاَدْخَلْنٰہُمْ فِيْ رَحْمَتِنَا۝۰ۭ اِنَّہُمْ مِّنَ الصّٰلِحِيْنَ۝۸۶
Waadkhalnahum fee rahmatina innahum mina alssaliheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأدخلناهم في رحمتنا» من النبوة «إنهم من الصالحين» لها وسمي ذا الكفل لأنه تكفل بصيام جميع نهاره وقيام جميع ليله وأن يقضي بين الناس ولا يغضب فوفى بذلك وقيل لم يكن نبيا.

86

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا } يعني النبوة أو نعمة الآخرة. {إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} الكاملين في الصلاح وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَدْخَلْنَٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا } من النبوّة {إِنَّهُمْ مّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ } لها وسمي ذا الكفل لأنه تكفل بصيام جميع نهاره وقيام جميع ليله وأن يقضي بين الناس ولا يغضب فوفّى بذلك وقيل: لم يكن نبياً.

النسفي

تفسير : {وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا } نبوتنا أو النعمة في الآخرة {إِنَّهُمْ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي ممن لا يشوب صلاحهم كدر الفساد. {وَذَا ٱلنُّونِ } أي اذكر صاحب الحوت والنون الحوت فأضيف إليه {إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً } حال أي مراغماً لقومه. ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها. روي أنه برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يتعظوا وأقاموا على كفرهم فراغمهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضباً لله وبغضاً للكفر وأهله وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ } نضيق {عَلَيْهِ } وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دخل يوماً على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك. قال: وما هي يا معاوية؟ فقرأ الآية. فقال: أو يظن نبي الله أن لا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة {فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ } أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ }تفسير : [البقرة: 17] أو ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت {أن} أي بأنه {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ } أو بمعنى أي {سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي في الحديث «حديث : ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له»تفسير : وعن الحسن: ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم. {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمّ } غم الزلة والوحشة والوحدة {وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ } إذا دعونا واستغاثوا بنا. {نجى} شامي وأبو بكر بإدغام النون في الجيم عند البعض لأن النون لا تدغم في الجيم. وقيل: تقديره نجى النجاء المؤمنين فسكن الياء تخفيفاً وأسند الفعل إلى المصدر ونصب المؤمنين بالنجاء لكن فيه إقامة المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول وهذا لا يجوز، وفيه تسكين الياء وبابه الضرورات. وقيل: أصله «ننجى» من التنجية فحذفت النون الثانية لاجتماع النونين كما حذفت إحدى التاءين في {تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} [القدر: 4].

الطوسي

تفسير : قرأ يعقوب {فظن ان لن يقدر عليه} بالياء مضمومة. وفتح الدال. الباقون بالنون، وكسر الدال، والمعنيان متقاربان. يقول الله تعالى إنا ادخلنا هؤلاء الذين ذكرناهم من الانبياء {في رحمتنا} أي في نعمتنا، ومعنى {أدخلناهم في رحمتنا} غمرناهم بالرحمة. ولو قال رحمناهم لما أفاد الاغمار، بل أفاد انه فعل بهم الرحمة، التي هي النعمة. وقوله {إنهم من الصالحين} معناه إنما ادخلناهم في رحمتنا، لانهم كانوا ممن صلحت أعمالهم، وفعلوا الطاعات، وتجنبوا المعاصي. و {صالح} صفة مدح في الشرع. ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) واذكر {ذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه} والنون الحوت، وصاحبها يونس بن متى، غضب على قومه - فى قول ابن عباس والضحاك - فذهب مغاضباً لهم، فظن ان الله لا يضيق عليه، لأنه كان ندبه الى الصبر عليهم والمقام فيهم من قوله {أية : ومن قدر عليه رزقه} تفسير : أي ضيق، وقوله {أية : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} تفسير : أي يضيق، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك، واكثر المفسرين. وقال الزجاج والفراء: معناه {ظن أن لن نقدر عليه} ما قدرناه. وقال الجبائي: ضيق الله عليه الطريق حتى ألجأه الى ركوب البحر حتى قذف فيه، وابتلعته السمكة. ومن قال: ان يونس (ع) ظن أن الله لا يقدر عليه من القدرة، فقد كفر. وقيل إنما عوتب على ذلك، لأنه خرج مغاضباً لهم قبل أن يؤذن له، فقال قوم: كانت خطيئة، من جهة تأويله أنه يجوز له ذلك. وقد قلنا: انه كان مندوباً الى المقام فلم يكن ذلك محظوراً، وانما كان ترك الأولى. فأما ما روي عن الشعبي وسعيد بن جبير من انه خرج مغاضباً لربه فلا يجوز ذلك على نبي من الانبياء، وكذلك لا يجوز أن يغضب لم عفى الله عنهم إذ آمنوا، لان هذا اعتراض على الله بما لا يجوز في حكمته. وقوله {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} فالظلمات قيل: إنها ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، على ما قاله ابن عباس وقتادة. وقيل: حوت فى بطن حوت، فى قول سالم بن أبي حفصة. وقيل: ان أكثر دعائه كان في جوف الليل فى الظلمات. والأول أظهر في اقوال المفسرين. وقال الجبائي: الغضب عداوة لمن غضب عليه، وبقاؤه في بطن الحوت حياً معجز له. ولم يكن يونس فى بطن الحوت على جهة العقوبة، لان العقوبة عداوة للمعاقب، لكن كان ذلك على وجه التأديب، والتأديب يجوز على المكلف وغير المكلف، كتأديب الصبي وغيره. وقال قوم: معنى قوله {فظن أن لن نقدر} الاستفهام، وتقديره أفظن. وهذا ضعيف، لأنهم لا يحذفون حرف الاستفهام إلا وفي الكلام عوض عنه من (أم) أو غيرها. وقوله {إني كنت من الظالمين} أي كنت من الباخسين نفسي ثوابها، لو أقمت، لأنه كان مندوباً اليه، ومن قال يجوز الصغائر على الانبياء، قال: كان ذلك صغيرة نقصت ثوابه. فأما الظلم الذي هو كبيرة، فلا يجوزها عليهم إلا الحشوية الجهال، الذين لا يعرفون مقادير الانبياء، الذين وصفهم الله بأنه اصطفاهم واختارهم. ثم اخبر تعالى انه استجاب دعاءه ونجاه من الغم الذي كان فيه. ووعد مثل ذلك أن ينجي المؤمنين. وقد قرأ ابو بكر عن عاصم "نجى المؤمنين" بنون واحدة مشددة الجيم. الباقون بنونين. وهي في المصحف بنون واحدة حذف الثانية كراهة الجمع بين المثلين فى الخط، ولأن النون الثانية تخفى مع الجيم، ومع حروف الفم، ولا تظهر، ولذلك ظن قوم أنها ادغمت في الجيم، فقرؤها مدغماً، وليس بمدغم. ولا وجه لقراءة عاصم هذه ولا لقول أبي عبيدة حاكياً عن أبي عمرو: ان النون مدغمة، لانها لا تدغم في الجيم. وقال الزجاج: هذا لحن، ولا وجه لمن تأوله: نجى النجا المؤمنين، كما لا يجوز ضرب زيداً بمعنى ضرب الضرب زيداً. وقال الفراء: هو لحن. وقال قوم - محتجين لأبي بكر - انه أراد فعلا ماضياً، على ما لم يسم فاعله، فاسكن الياء، كما قرأ الحسن {أية : وذروا ما بقي من الربا} تفسير : أقام المصدر مقام المعفول الذي لا يذكر فاعله، فكذلك نجى النجا المؤمنين، واحتجوا بأن أبا جعفر قرأ {أية : ليجزي قوماً} تفسير : في الجاثية على تقدير لنجزي الجراء قوماً قال الشاعر. شعر : ولو ولدت قفيرة جر وكلب لسب بذلك الجر والكلابا تفسير : ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) واذكر {زكريا إذ نادى ربه} أي دعاه، فقال يا {رب لا تذرني فرداً} أي وحيداً، بل ارزقني ولداً. ثم قال {وأنت خير الوارثين} ومعناه أنت خير من يرث العباد من الأهل والولد، فقال الله تعالى إنا استجبنا دعاءه {وهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} قال قتادة: إنها كانت عقيماً فجعلها الله ولوداً. وقيل: كانت سيئة الخلق، فرزقها الله حسن الخلق. ثم اخبر {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} أي يبادرون فى فعل الطاعات {ويدعون} الله {رغبة} في ثوابه {ورهبة} من عقابه {وكانوا} لله {خاشعين} متواضعين. وقال الجبائي: إجابة الدعاء لا تكون إلا ثواباً. وقال ابن الاخشاذ: يجوز أن تكون استصلاحاً لا ثواباً، ولذلك لا يمتنع أن يجيب الله دعاء الكافر والفاسق. فأما قولهم: فلان مجاب الدعوة، فلا يجوز اطلاقه على الكفار والفساق، لأن فيه تعظيماً وأن له منزلة جليلة عند الله. والامر بخلاف ذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ وَذَا ٱلنُّونِ} هو مثل ما سبق فى العطف والتّقدير، والنّون بمعنى الحوت سمّى به لابتلائه ببطن الحوت وهو يونس (ع) بن متّى {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} لقومه او لربّه فانّ غاضبنى فلان بمعنى اغضبنى واغضبته، وكان حاله مع قومه كذلك، فانّه بعث اليهم حين كونه ابن ثلاثين وكان فيه حدّة فدعاهم ثلاثاً وثلاثين ولم يقبل منه سوى تنوخا العابد وروبيل الحكيم فغضب لذلك ودعا الله على قومه حتّى وعده الله نزول العذاب على قومه بعد ما امره بالتّأنّى والصّبر فلم يقبل واصرّ على الدّعاء فأخبر قومه بنزول العذاب بعد المشورة مع روبيل وسؤال روبيل عنه ان يراجع ربّه ويسأل دفع العذاب عنهم وابائه عن المراجعة فلمّا صار موعد العذاب وقد اخرجوا يونس (ع) وتنوخا من بلدتهم وكانت البلدة نينوا من اعمال موصل ورأى عدم نزول العذاب عليهم غضب لذلك وغاضب قومه او غاضب ربّه خصوصاً على ما ورد انّه وكله الله تعالى الى نفسه طرفة عين {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} اى لن نضيّق او لن نقضى عليه ما قضيناه عليه، او لن نكون قادرين على اخذه كما ورد انّه وكّل الى نفسه فظنّ ذلك، ومعنى ما ورد انّه (ع) وكله الله الى نفسه فخطر على باله ذلك وسمّى الخطرة ظنّاً ولا ينافى الخطرة مقام النّبوّة فانّ توبة الانبياء من حيث ولايتهم، وتوبة الاولياء من خطرات القلوب، فنادى اى فضيّقنا عليه فى الطّريق فدخل سفينة فساهم اهل السّفينة فخرج السّهم باسمه فألقوه فى البحر فابتلعه الحوت {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} ظلمة اللّيل، وظلمة البحر، وظلمه بطن الحوت، وقيل: انّ الحوت ابتلعه حوت آخر {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ} ان مخفّفة من المثقّلة او تفسيريّة {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تبرّى اوّلاً من انانيّته بعدما رأى انّ انانيّته ورأيه صارت سبباً لهلاكته واثبت الالهة والرّأى له تعالى ثمّ نزّهه عمّا يورث نقصاً فى رأيه ووجوده، ثمّ اعترف بانّ دعاءه على قومه وانانيّته فى مقابلة انانيّة الله كانت ظلماً منه على قومه وعلى نفسه، ولمّا كان ذلك منه كنايةً عن سؤال النّجاة قال تعالى {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ}.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {وَأَدْخَلْنَاهُم فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ} والصالحون هم أهل الجنة. قوله عز وجل: {وَذَا النُّونِ} يعني يونس. وقال عزّ وجل في آية أخرى: (أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ) تفسير : [سورة ن: 48]. والحوت هو النون. {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} أي: لقومه {فَظَنَّ أن لَّنْ نَّقْدِر عَلَيْهِ} أي: أن لن نعاقبه. وبلغنا والله أعلم أن يونس دعا قومه زماناً إلى الله عز وجل. فلما طال ذلك وأبوا أوحى الله إليه أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا. فلما دنا الوقت تنحّى عنهم. فلما كان قبل الوقت بيوم جاء فجعل يطوف بالمدينة وهو يبكي ويقول: يأتيكم العذاب غداً. فسمعه رجل منهم فانطلق إلى الملك، فأخبره أنه سمع يونس يبكي ويقول: يأتيكم العذاب غداً. فلما سمع الملك ذلك دعا قومه فأخبرهم بذلك وقال: إن كان هذا حقاً فسيأتيكم العذاب غداً، فاجتمِعوا حتى ننظر في أمرنا، فاجتمعوا، فخرجوا من المدينة من الغد، فنظروا فإذا بظلمة سوداء وريح شديدة قد أقبلت نحوهم، فعلموا أنه الحق. ففرّقوا بين الصبيان وبين أمهاتهم، وبين البهائم وبين أمّهاتها، ولبسوا الشعر، وجعلوا التراب والرماد على رؤوسهم تواضعاً لله، وتضرّعوا إليه وبكوا وآمنوا. فصرف الله عنهم العذاب. فاشترط بعضهم على بعض ألا يكذب أحد كذبة إلا قطعوا لسانه. فجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، وإذا الناس داخلون وخارجون، فقال: سبحان الله، أمرني ربي أن أخبر قومي أن العذاب يأتيهم فلم يأتهم، فكيف ألقاهم. فانطلق حتى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا سفينة في البحر، فأشار إليها، فأتوه فحملوه، وهم لا يَعْرِفونه. فانطلق إلى ناحية من السفينة فتقنّع فرقد. فما مضوا إلا قليلاً حتى جاءتهم ريح فكادت السفينة أن تغرق. فاجتمع أهل السفينة فدعوا الله، ثم قالوا: أيقظوا الرجل يدعو الله معنا، ففعلوا. فدعا الله معهم، فرفع الله عنهم تلك الريح. ثم انطلق إلى مكانه فرقد. فجاءت ريح، فكادت السفينة أن تغرق، فأيقظوه، فدعوا الله ودعا معهم، فرفع الله تبارك وتعالى عنهم الريح. فتفكر العبد الصالح يونس فقال: هذا من أجل خطيئتي، أو قال: من ذنبي، أو كما قال. فقال لأهل السفينة: شدّوني وثاقاً وألقوني في البحر، فقالوا: ما كنا لنفعل هذا بك وحالك حالك. ولكنا نقترع، فمن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. فاقترعوا فأصابته القرعة. فقال: قد أخبرتكم، فقالوا: ما كنا لنفعل. ولكن اقترعوا الثانية، فاقترعوا فأصابته القرعة؛ وهو قول الله عز وجل: (أية : فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ)تفسير : [الصافات: 141] أي: من المقروعين، ويقال: من المسهومين. فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسه في البحر، فإذا هو بحوت فاتح فاه. ثم انطلق إلى ذنب السفينة، فإذا هو بحوت فاتح فاه، ثم جاء إلى جانب السفينة فإذا هو بحوت فاتح فاه. فلما رأى ذلك صلى الله عليه وسلم ألقى نفسه في البحر، فالتقمه الحوت. فأوحى الله تبارك وتعالى إلى الحوت إني لم أجعله لك رزقاً، ولكن جعلت بطنك له سجناً؛ فلا تكسِرَنّ له عظماً، ولا تقطعَنَّ له شعراً. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} كما قال الله: {أَن لاَّ إلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين}. قال الله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ} فأوحى الله إلى الحوت أن يلقيه إلى البرّ. قال الله: (أية : فَنَبَذْنَاهُ بِالعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ) تفسير : [الصافات: 145] أي: وهو ضعيف مثل الصبي الرضيع. فأصابته حرارة الشمس، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهي القرعة، فأظلته فنام، فاستيقظ وقد يبست. فحزن عليها، فأوحى الله إليه: أحزنت على هذه الشجرة وأردت أن تهلك مائة ألف أو يزيدون من خلقي؟ فعلم عند ذلك أنه ابتُلِيَ. فانطلق فإذا هو بذود من غنم، فقال للراعي: اسقني لبناً. فقال: ما ها هنا شاة لها لبن. فأخذ شاة منها فمسح بيده على ظهرها، فدرّت، فشرب من لبنها. فقال له الراعي: من أنت يا عبد الله، لَتُخْبِرَنِّي. فقال: أنا يونس، فانطلق الراعي إلى قومه، فبَشّرهم به، فأخذوه وجاءوا معه إلى موضع الغنم، فلم يجدوا يونس. فقالوا: إنا شرطنا لربّنا ألا يكذب منا أحد إلا قطعنا لسانه. فتكلمت الشاة بإذن الله فقالت: قد شرب من لبني، فقالت الشجرة التي استظل بها: قد استظل بي. فطلبوه فأصابوه، فرجع إليهم، فكان فيهم حتى قبضه الله، وهي مدينة يقال لها نينوى من أرض الموصل، وهي على دجلة. وبلغنا أنه إنما عوقب لأنه إنما خرج من قومه من غير أن يؤذن له بالخروج منهم. وإنما خرج رجاء أن يخافوا فيؤمنوا. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: في دجلة ركب السفينة، وفيها التقمه الحوت، ثم أفضى به إلى البحر، ودار في البحر، ثم رجع في دجلة، فثمَّ نبذه الله بالعراء، وهو البر. قوله عز وجل: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} أي: ظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة بطن الحوت. {أَن لآ إِلَهَ إِلآ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِى رَحْمَتِنَا} النبوة والحكمة والجنة. {إنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} للرحمة، أو من الصالحين فى أنفسهم والصالحون: الأنبياء. وأل للكمال.

اطفيش

تفسير : {وأدْخلناهُم فى رحْمتِنا} وعلل هذا تعليلا جمليا بقوله: {إنهم من الصالحين} الكاملين فى الصلاح لعصمتهم من الذنوب. {وذا النُّون} صاحب الحوت يونس بن متى، ومتى أبوه كما قال البخارى وغيره،وصححه ابن حجر، وكذا قالت اليهود، إلا أنهم يسمونه يونه بن اميتاى، وبعض يونان بن أماتى، وكان فى زمان ملوك الطوائف من الفرس، ومعنى ملوك الطوائف تعدد الملوك، كل على طائفة، ولم يجمعهم ملك واحد وقيل متى اسم أمه فلم ينسب نبى إلى أمة إلا يونس وعيسى عليهما السلام، ويروى أن جبريل قال ليونس: أنذر أهل نيونى، فقال التمس دابة، فقال: الأمر أعجل من ذلك، فغضب وانطلق الى السفينة، ولعل هذا قبل النبوة، ولم يعلم انه جبريل. وعن وهب: أنه كان يونس عبداً صالحا فى خلق ضيق فلما تحمل أثقال النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها من يده وهرب منها، فأخرجه الله من اولى العزم من الرسل، وقال: "أية : اصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل" تفسير : [الأحقاف: 35] وقال: "أية : ولا تكن كصاحب الحوت"تفسير : [القلم: 48] وعن ابن عباس: كانت رسالته بعد الخروج من بطن الحوت لقوله تعالى عقب ذكر خروجه من بطن الحوت: "أية : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون"تفسير : [الصافات: 147] وأجاز بعضهم الصغيرة قبل النبوة، وقد قال الله عز وجل: "أية : وإن يونس لمن المرسلين * إذا أبق إلى الفلك" تفسير : [الصافات: 139 - 140] فهو من المرسلين قبل الإباقة لا بعدها. {إذْ ذَهب} عن قومه {مغاضبا} غضب عليهم غضبا شديداً لطول مكثه فيهم بالأمر والنهى، فالمفاعلة هنا للمبالغة شبه غضبه وحده بالغضب الذى هو مقابل لغضبهم عليه لجامع الشدة، ولا يقال هو على بابه من المفاعلة بين متعدد، لأنهم أيضاً غضبا عليه، إذ خافوا العذاب لذهابه بلا ايمان منهم، لأنا نقول ليس الخوف غضباً اللهم إلا على طريق الشبه، ولا يقال هذا مفاعلة بلا مقابل، ولا مبالغة، مثل سافرت، لأنا نقول تحقق وجود سافرت فى ذلك، ولم يتحقق وجود المغاضبة كذلك فى كلام آخر. ويقال سبى ملك من فلسطين تسعة أسباط، ونصفاً من قوم يونس، وهو ساكن فيها فأوحى الله الى شعياء أن يأمر حزقيل الملك أن يوجه خمسة من الأنبياء لقتاله، فأمر يونس فقال: هل أمرك الله بإخراجى أو سمانى؟ قال: لا، قال: هنا أنبياء غيرى فالحوا عليه فخرج بلا إذن من الله عز وجل مغضباً له، وركب سفينة فى بحر الروم، وأشرفت على الغرق فى اللجة، فقال الملاحون، هنا عاص أو آبق، ومن العادة أن نقترع فنلقى من وقعت عليه، فغرق واحد أهو من غرق السفينة ومن فيها، وخرجت على يونس ثلاثاً فقال: أنا العاصى الآبق، فكلما أتى جانباً من السفينة وحد حوتاً فاغراً فاه، فالقى نفسه، فأوحى الله اليه أن لا تخدشيه فإنك سجنه، وهذا على ظاهره، أو بمعنى قضى الله عز وجل أن لا تخدشه. ولما نبذته بالعراء ضعيفاً كالفرخ أنبت الله عز وجل عليه شجرة من يقطين، قيل يأكل من ثمارها، أو تظله وترضعه أروى، ولما يبست حزن فأوحى الله اليه أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو أكثر؟ أوحى الله اليه أن اذهب اليهم فقل لملكهم، أن الله أمرك ان ترسل بنى إسرائيل معى، فقال لو علمنا أنك نبى لفعلنا، ولو كان الأمر كذلك لمنعنا الله من سبيهم، ودعاهم ثلاث أيام، فأوحى الله عز وجل: أبلغهم إن لم يؤمنوا عذبوا، فأبلغهم ولم يؤمنوا وندموا، فسألوا العلماء من بنى إسرائيل فقالوا إن خرج فقد صدق، فلم يجدوه، وقيل لهم: خرج العشية، وأغلقوا الأبواب عن المواشى، فلم تدخل وفرقوا بين الأولاد والأمهات من كل حيوان، فلما انشق الصبح جاء العذاب، وألقت الحوامل ما فى بطونها، وصاحت الصبيان والدواب، فرفع العذاب فبعثوا الى يونس فآمنوا، وأرسلوا بنى إسرائيل معه. {فظن أن لَن نَقْدر عليْه} نضيق عليه السجن فى بطن الحوت أو غيره، ولا علم له بالحوت حتى وقع فى فمه، دخل ابن عباس على معاوية، فقال معاوية، ضربتنى أمواج القرآن الليلة، فغرقت، كيف ينفى نبى الله القدرة عن الله؟ فقال ابن عباس: ذلك من القَدْر لا من القُدْرة، أى من التضييق لا من معنى القدرة ضد العجز، تعالى، أو لن نقضى عليه بعقوبة، ويدل له قراءة عمر بن عبد العزيز بضم النون وشد الدال، وقراءة على بياء مضمومة وشد الدال من التقدير بمعنى القضاء، ولكن يجوز أن تكون القراءتان من معنى التضييق. ويجوز أن يكون المعنى عمِل عمَل من ظن أن لا تعمل فيه قدرتنا، أو لا نستعمل قدرتنا بتنجيته، بل نتركه وأما أن يسمى وسوسة الشيطان له بأن لا قدرة الله تعالى على تنجيتك ظنهاً مع أنه ينفيها جزماً كما زعم بعض أنه أزله الشيطان حتى ظن أن الله عز وجل لا يقدر عليه، وتاب وقبلت توبته، فلا يتم لأن ذلك غير ظن إلا مجازاً حتى أنى اقول لا وجه لتوقف المصلى وسكوته، والاشتغال بنفى ما وسوس به الشيطان مع مقارنه إنكاره لوسوسته، وإنما يفق وينفى أو ترجح عنده ما يوسوسه به، أو ارتاب به. {فَنَادى} كان منا كان من ركوب السفينة والمقارعة، والتقام الحوت فنادى {فى الظلمات} ظلمة واحدة شديدة، كأنها ظلمات، أو تركبت من أجزاء كل جزء ظلمة وأما قوله: شعر : وليل يقول الناس فى ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها تفسير : فيحتمل أن الجمع لتعدد الناس: ومع ذلك لا بد من اتفاقهم فى شدة الظلمات، وكذل كالظلمة فى الحوت كظلمة العين العوراء التى لم يبق فيها إبصار ما، أو ظلمة الحوت وظلمة البحر، وظلمة الليل إذا جاء الليل أو هؤلاء الثلاث مع ظلمة حوت أخرى بلع هذه. {أنْ لا إله إلاَّ أنْتَ} أن مخففة من الثقيلة، أى أنه أى الشأن، أو تفسيرية لتقدم ما فيه معنى القول لا خروجه وهو النداء، ومن الجائز أن يقدر أنك لا إله إلا أنت {سحبانك} أسبحك تسبيحك، أى اللائق بك، أو حكاية لقول الله: سبحت نفسى، كما قال بعض: إن سبحان الله علم على تسبح الله نفسه لا تسبيح فيه الأحد إلا حكايته {إنى كنْتُ} بهجرتى إذن منك {من الظالمين} لأنفسهم أولها ولغيرها بذنوبهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعوة ذى النون إذ هو فى بطن الحوت لا إله إلاَّ أنت سبحانك إنِّى كنت من الظالمين لا يدعو بها مسلم ربه إلا استجاب له" تفسير : وعن الحسن: أنها اسم الله الأعظم، وذلك قال الله عز وجل: {فاسْتَجبنا له} دعاءه {ونجَّيْناه مِن الغَمِّ} وليست الإجابة مختصة باسمه الأعظم، عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما انتهى به الحوت الى أسفل البحر سمع حساً فقال فى نفسه: ما هذا؟ قيل: هذا تسبيح دواب البحر، فسبح هو فسمعت الملائكة تسبيحه فشفعت له" تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما دعا بها حفت بالعرش فقالت الملائكة صوت ضعيف من موضع غريب" تفسير : وروى صوت معروف من موضع مجهول فقال الله جل وعز أما تعرفونه؟ قالوا: لا، قال: صوت عبدى يونس، قالوا، يا ربنا فرج عنه، إذ لم يزل يرفع منه عمل مقبول فى الرخاء، فأمر الحوت بإلقائه بأن جذبها الماء الى البر أو أقدرها الله على الحياة والمشى فى البر والرجوع الى الماء. والغم غم المكث فى بطن الحوت من الضحا للعشية، أو ثلاثة أيام أو سبعة أو أربعين يوماً أقوال، ويضعف تفسير الغم بالخطيئة. وقال هنا: {ونجيناه} بالواو، وفى قصة أيوب: {أية : فكشفنا}تفسير : [الأنبياء: 84] بالفاء لأن ما هنا زيادة أحسان على مطلوبه، فلم يترتب بالفاء كترتب الاستجابة والكشف، ولا مانع من كون التنجية من الغم بعض تفصيل للاستجابة قبله، والتفصيل يكون بالواو، وكالفاء إلا أن الفاء فيه أكثر أو الفاء فى أيوب ونوح لاعتبار شأن التفصيل لكثرة ما يفصل فيهما، والواو فى ذى النون وزكريا لقلته بالنسبة، ورد فى القرآن أذكار ذكر جزاءها بعدها قوله تعالى: {لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظلمين} الخ "أية : حسبنا الله ونعم الوكيل" تفسير : [آل عمران: 173] الخ " أية : وأفوض أمرى إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله" تفسير : [غافر: 44 - 45] الخ " أية : ما شاء الله لا قوة إلاَّ بالله" تفسير : [الكهف: 39] الخ "أية : رب لا تذرنى فرداً" تفسير : [الأنبياء: 89] الخ وغير ذلك. {وكذلك نجى المُؤمنين} ننجى سائر المؤمنين مثل ذلك الإنجاد إذا دعونا فى غم مخلصين، وهو مضارع أنجوا حذفت النون الثانية الأصلة فى الخط لا الأولى الزائدة لحصول التكرير بالثانى دون الأول، لكن تخفى فى الجيم لأنها ساكنة تخرج من الخيشوم، وكذلك تخفى فى الشين والضاد.

الالوسي

تفسير : {وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا} الكلام فيه على طرز ما سبق من نظيره آنفاً. {إِنَّهُمْ مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي الكاملين في الصلاح لعصمتهم من الذنوب. والجملة في موضع التعليل وليس فيه تعليل الشيء بنفسه من غير حاجة إلى جعل (من) ابتدائية كما يظهر بأدنى نظر.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَأَدْخَلْنَاهُمْ} {ٱلصَّالِحِينَ} (86) - وإنَّه تَعالى أَسْبَغَ عَلَيْهِم رَحْمَتَهُ لأنَّهم مِنَ الصَّالِحِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والرحمة هنا بمعنى النبوة، وهي أمر عظيم وعطاء كبير، فإنْ تحمّلوا في سبيله بعض المتاعب، فلا غضاضةَ في ذلك.