٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
87
Tafseer
الرازي
تفسير : (القصة الثامنة، قصة يونس عليه السلام) اعلم أن ههنا مسائل: المسألة الأولى: أنه لا خلاف في أن ذا النون هو يونس عليه السلام لأن النون هو السمكة، وقد ذكرنا أن الاسم إذا دار بين أن يكون لقباً محضاً وبين أن يكون مفيداً، فحمله على المفيد أولى، خصوصاً إذا علمت الفائدة التي يصلح لها ذلك الوصف. المسألة الثانية: اختلفوا في أن وقوعه عليه السلام في بطن السمكة كان قبل اشتغاله بأداء رسالة الله تعالى أو بعده. أما القول الأول: فقال ابن عباس رضي الله عنه: كان يونس عليه السلام وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً، وبقي سبطان ونصف. فأوحى الله تعالى إلى شعيب النبي عليه السلام أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبياً قوياً أميناً فإني ألقى في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فقال له الملك: فمن ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال يونس بن متى: فإنه قوي أمين فدعا الملك بيونس وأمره أن يخرج فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا، قال فهل سماني لك؟ قال: لا قال فههنا أنبياء غيري، فألحوا عليه فخرج مغاضباً للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوماً هيأوا سفينة فركب معهم فلما تلججت السفينة تكفأت بهم وكادوا أن يغرقوا، فقال الملاحون: ههنا رجل عاص أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح إلا وفيها رجل عاص، ومن رسمنا أنا إذا ابتلينا بمثل هذا البلاء أن نقترع فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، ولأن يغرق [و] أحد خير من أن تغرق السفينة، فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس عليه السلام، فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى نفسه في البحر فجاء حوت فابتلعه، فأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة. فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً لك، ثم لما نجاه الله تعالى من بطن الحوت نبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس عليه السلام فقيل له: أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون، حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم. ثم أوحى الله إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه يونس عليه السلام نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم يونس عليه السلام، وقال لملكهم إن الله تعالى أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل، فقالوا: ما نعرف ما تقول، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا، ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعنا الله عنكم، فطاف ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه: قل لهم إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب فأبلغهم فأبوا، فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه، ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء الذين كانوا في دينهم، فقالوا انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس مما ذكر من نزول العذاب شيء، وإن كان قد خرج فهو كما قال: فطلبوه فقيل لهم إنه خرج العشي فلما آيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات، ثم قاموا ينتظرون الصبح. فلما انشق الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها، وصاح الصبيان وثغت الأغنام والبقر، فرفع الله تعالى عنهم العذاب، فبعثوا إلى يونس عليه السلام فآمنوا به، وبعثوا معه بني إسرائيل. فعلى هذا القول كانت رسالة يونس عليه السلام بعد ما نبذه الحوت، ودليل هذا القول قوله تعالى في سورة الصافات: { أية : فَنَبَذْنَـٰهُ بِٱلْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } تفسير : [الصافات: 145 ـ 147] وفي هذا القول رواية أخرى وهي أن جبريل عليه السلام قال ليونس عليه السلام: انطلق إلى أهل نينوى وأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، فقال يونس عليه السلام: التمس دابة فقال الأمر أعجل من ذلك فغضب وانطلق إلى السفينة، وباقي الحكاية كما مرت إلى أن التقمه الحوت فانطلق إلى أن وصل إلى نينوى فألقاه هناك. أما القول الثاني: وهو أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم قالوا إنهم لما لم يؤمنوا وعدهم بالعذاب، فلما كشف العذاب عنهم بعد ما توعدهم به خرج منهم مغاضباً، ثم ذكروا في سبب الخروج والغضب أموراً. أحدها: أنه استحى أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الكذب. وثانيها: أنه كان من عادتهم قتل الكاذب. وثالثها: أنه دخلته الأنفة. ورابعها: لما لم ينزل العذاب بأولئك، وأكثر العلماء على القول بأن قصة الحوت وذهاب يونس عليه السلام مغاضباً بعد أن أرسله الله تعالى إليهم، وبعد رفع العذاب عنهم. المسألة الثالثة: احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه. أحدها: أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه ويقال، هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير فإذا كان كذلك فيلزم أن مغاضبته لله تعالى من أعظم الذنوب، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله تعالى بل كانت مع ذلك الملك أو مع القوم فهو أيضاً كان محظوراً لأن الله تعالى قال: { أية : فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ } تفسير : [القلم: 48] وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس كان محظوراً. وثانيها: قوله تعالى: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } وذلك يقتضي كونه شاكاً في قدرة الله تعالى. وثالثها: قوله: {إِنّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى: { أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [هود: 18]. ورابعها: أنه لو لم يصدر منه الذنب، فلم عاقبه الله بأن ألقاه في بطن الحوت. وخامسها: قوله تعالى في آية أخرى: { أية : فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } تفسير : [الصافات: 142] والمليم هو ذو الملامة، ومن كان كذلك فهو مذنب. وسادسها: قوله: {وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ } فإن لم يكن صاحب الحوت مذنباً لم يجز النهي عن التشبه به وإن كان مذنباً فقد حصل الغرض. وسابعها: أنه قال: {وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ } وقال: { أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [الأحقاف: 35] فلزم أن لا يكون يونس من أولي العزم وكان موسى من أولي العزم، ثم قال: "حديث : في حقه لو كان ابن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي،" تفسير : وقال في يونس: «حديث : لا تفضلوني علىِّ يونس بن متى» تفسير : وهذا خارج عن تفسير الآية. والجواب عن الأول أنه ليس في الآية من غاضبه، لكنا نقطع على أنه لا يجوز على نبي الله أن يغاضب ربه؛ لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي والجاهل بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً، وأما ما روي أنه خرج مغاضباً لأمر يرجع إلى الاستعداد، وتناول النفل فمما يرتفع حال الأنبياء عليهم السلام عنه، لأن الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه لقوله تعالى: { أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } تفسير : [الأحزاب: 36] وقوله: { أية : فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } تفسير : [النساء: 65] إلى قوله: { أية : ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } تفسير : [النساء: 65] فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم، وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله تعالى، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضباً لغير الله، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعاً، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها، وقرأ أبو شرف مغضباً. أما قوله مغاضبة القوم أيضاً كانت محظورة لقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ } تفسير : [القلم: 48] قلنا لا نسلم أنها كانت محظورة، فإن الله تعالى أمره بتبليغ تلك الرسالة إليهم، وما أمره بأن يبقى معهم أبداً فظاهر الأمر لا يقتضي التكرار، فلم يكن خروجه من بينهم معصية، وأما الغضب فلا نسلم أنه معصية وذلك لأنه لما لم يكن منهياً عنه قبل ذلك فظن أن ذلك جائز، من حيث إنه لم يفعله إلا غضباً لله تعالى وأنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، بل كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى في المهاجرة عنهم، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ } كأن الله تعالى أراد لمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها. والجواب عن الشبهة الثانية: وهي التمسك بقوله تعالى: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } أن نقول من ظن عجز الله تعالى فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين، فكيف إلى الأنبياء عليهم السلام فإذن لا بد فيه من التأويل وفيه وجوه: أحدها: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } لن نضيق عليه وهو كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } تفسير : [العنكبوت: 12] أي يضيق: { أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } تفسير : [الطلاق: 7] أي ضيق: { أية : وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } تفسير : [الفجر: 16] أي ضيق ومعناه أن لن نضيق عليه، واعلم أن على هذا التأويل تصير الآية حجة لنا، وذلك لأن يونس عليه السلام ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره، وكان في المعلوم أن الصلاح في تأخر خروجه، وهذا من الله تعالى بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج، لا على تعمد المعصية لكن لظنه أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر، وكان الصلاح خلاف ذلك. وثانيها: أن يكون هذا من باب التمثيل بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر الله تعالى. وثالثها: أن تفسر القدرة بالقضاء فالمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم واختيار الفراء والزجاج، قال الزجاج: نقدر بمعنى نقدر. يقال: قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً، فالقدر بمعنى التقدير وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري: {فظن أن لن نقدر عليه} بضم النون والتشديد من التقدير، وقرأ عبيد بن عمر بالتشديد على المجهول وقرأ يعقوب: (يقدر عليه) بالتخفيف على المجهول، وروي أنه دخل ابن عباس رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه، فقال معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فعرفت فيها فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك فقال: وما هي؟ قال: يظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا من القدر لا من القدرة. ورابعها: فظن أن لن نقدر: أي فظن أن لن نفعل لأن بين القدرة والفعل مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر. وخامسها: أنه استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه عن ابن زيد. وسادسها: أن على قول من يقول هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس عليه السلام كان هذا الظن حاصلاً قبل الرسالة، ولا يبعد في حق غير الأنبياء والرسل أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان. ثم إنه يرده بالحجة والبرهان. والجواب عن الثالث: وهو التمسك بقوله: {إِنّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فهو أن نقول إنا لو حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام، ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها، لوجب القول بكون النبي مستحقاً للعن، وهذا لا يقوله مسلم، وإذا وجب التأويل فنقول لا شك أنه كان تاركاً للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلماً. والجواب عن الرابع: أنا لا نسلم أن ذلك كان عقوبة إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، بل المراد به المحنة، لكن كثير من المفسرين يذكرون في كل مضرة تفعل لأجل ذنب أنها عقوبة. والجواب عن الخامس: أن الملامة كانت بسبب ترك الأفضل. المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف» في الظلمات أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى: { أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ } تفسير : [البقرة: 17] وقوله: { أية : يُخْرِجُونَهُم مّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ } تفسير : [البقرة: 257] ومنهم من اعتبر أنواعاً مختلفة من الظلمات فإن كان النداء في الليل فهناك ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت، وإن كان في النهار أضيف إليه ظلمة أمعاء الحوت، أو أن حوتاً ابتلع الحوت الذي هو في بطنه، أو لأن الحوت إذا عظم غوصه في قعر البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة، أما قول من قال: إن الحوت الذي ابتلعه غاص في الأرض السابعة فإن ثبت ذلك بخبر فلا كلام، وإن قيل بذلك لكي يقع نداؤه في الظلمات فما قدمناه يغني عن ذلك. أما قوله: {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ } فالمعنى بأنه لا إله إلا أنت، أو بمعنى أي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له » تفسير : وعن الحسن: ما نجاه الله تعالى إلا بإقراره عن نفسه بالظلم. أما قوله سبحانك فهو تنزيه عن كل النقائص ومنها العجز، وهذا يدل على أنه ما كان مراده من قوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } أنه ظن العجز، وإنما قال: {سُبْحَـٰنَكَ } لأن تقديره سبحانك أن تفعل ذلك جوراً أو شهوة للانتقام، أو عجزاً عن تخليصي عن هذا الحبس، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة. أما قوله: {إِنّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فالمعنى ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك، كأنه قال: كنت من الظالمين، وأنا الآن من التائبين النادمين، فاكشف عني المحنة، يدل عليه قوله: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } وفيه وجه آخر وهو أنه عليه السلام وصفه بقوله: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ } بكمال الربوبية ووصف نفسه بقوله: {إِنّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } بضعف البشرية والقصور في أداء حق الربوبية، وهذا القدر يكفي في السؤال على ما قال المتنبي: شعر : وفي النفس حاجات وفيك فطانة سكوتي كلام عندها وخطاب تفسير : وروى عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لما أراد الله حبس يونس عليه السلام، أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً » تفسير : فأخذه وهوى به إلى أسفل البحر، فسمع يونس عليه السلام حساً، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر، قال فسبح، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا مثله. أما قوله: {وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ } أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت، وبسبب خطيئته، وكما أنجينا يونس عليه السلام من كرب الحبس إذ دعانا: كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. روى سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، ما دعا بها عبد مسلم قط وهو مكروب إلا استجاب الله دعاءه » تفسير : . قال صاحب «الكشاف»: قرىء ننجي وننجي ونجى والنون لا تدغم في الجيم، ومن تمحل لصحته فجعله فعل وقال: نجى النجاء المؤمنين فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين بالنجاء، فتعسف بارد التعسف.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَذَا ٱلنُّونِ} أي واذكر «ذَا النُّون» وهو لقب ليونس بن متى لابتلاع النون إياه. والنون الحوت. وفي حديث عثمان رضي الله عنه أنه رأى صبياً مليحاً فقال: دَسّموا نُونَته كي لا تصيبه العين. روى ثعلب عن ابن الأعرابي: النّونة النقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسِّموا سوِّدوا. {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير: مغاضباً لربه عز وجل. واختاره الطبري والقتبي واستحسنه المهدوي، وروي عن ابن مسعود. وقال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة وهو قول صحيح. والمعنى: مغاضباً من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك. والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عُصي. وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أن «حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «اشترطي لهم الولاء»» تفسير : من هذا. وبالغ القتبي في نصرة هذا القول. وفي الخبر في وصف يونس: إنه كان ضيق الصدر فلما حمل أعباء النبوّة تَفسَّخ تحتها تفسّخ الرُّبَع تحت الحمل الثقيل، فمضى على وجهه مضي الآبق النادّ. وهذه المغاضبة كانت صغيرة. ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم. وقال ابن مسعود: أبق من ربه أي من أمر ربه حتى أمره بالعود إليهم بعد رفع العذاب عنهم. فإنه كان يتوعد قومه نزول العذاب في وقت معلوم، وخرج من عندهم في ذلك الوقت، فأظلهم العذاب فتضرعوا فرفع عنهم ولم يعلم يونس بتوبتهم؛ فلذلك ذهب مغاضباً وكان من حقه ألا يذهب إلا بإذن محدّد. وقال الحسن: أمره الله تعالى بالمسير إلى قومه فسأل أن ينظر ليتأهب، فأعجله الله حتى سأل أن يأخذ نعلاً ليلبسها فلم يُنظر، وقيل له: الأمر أعجل من ذلك ـ وكان في خلقه ضيق ـ فخرج مغاضباً لربه؛ فهذا قول وقول النحاس أحسن ما قيل في تأويله. أي خرج مغاضباً من أجل ربه، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه. وقيل: إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وتعنتهم فذهب فارّاً بنفسه، ولم يصبر على أذاهم وقد كان الله أمره بملازمتهم والدعاء، فكان ذنبه خروجه من بينهم من غير إذن من الله. روي معناه عن ابن عباس والضحاك، وأن يونس كان شاباً ولم يحمل أثقال النبوّة؛ ولهذا قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48]. وعن الضحاك أيضاً خرج مغاضباً لقومه؛ لأن قومه لما لم يقبلوا منه وهو رسول من الله عز وجل كفروا بهذا فوجب أن يغاضبهم، وعلى كل أحد أن يغاضب من عصى الله عز وجل. وقالت فرقة منهم الأخفش: إنما خرج مغاضباً للملك الذي كان على قومه. قال ابن عباس: أراد شعيا النبي والملك الذي كان في وقته اسمه حزقيا أن يبعثوا يونس إلى ملك نينوى، وكان غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بني إسرائيل، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحى إليهم، والأمر والسياسة إلى ملك قد اختاروه، فيعمل على وحي ذلك النبي، وكان أوحى الله لشعيا: أن قل لحزقيا الملك أن يختار نبياً قوياً أميناً من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل نينوى فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل فإني ملق في قلوب ملوكهم وجبابرتهم التخلية عنهم. فقال يونس لشعيا: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل سماني لك؟ قال: لا. قال: فهاهنا أنبياء أمناء أقوياء. فألحوا عليه فخرج مغاضباً للنبي والملك وقومه، فأتى بحر الروم وكان من قصته ما كان؛ فابتلي ببطن الحوت لتركه أمر شعيا؛ ولهذا قال الله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} تفسير : [الصافات: 142] والمليم من فعل ما يلام عليه. وكان ما فعله إما صغيرة أو ترك الأولى. وقيل: خرج ولم يكن نبياً في ذلك الوقت ولكن أمره ملك من ملوك بني إسرائيل أن يأتي نينوى؛ ليدعو أهلها بأمر شعيا فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله، فخرج مغاضباً للملك؛ فلما نجا من بطن الحوت بعثه الله إلى قومه فدعاهم وآمنوا به. وقال القشيري: والأظهر أن هذه المغاضبة كانت بعد إرسال الله تعالى إياه، وبعد رفع العذاب عن القوم بعد ما أظلهم؛ فإنه كره رفع العذاب عنهم. قلت: هذا أحسن ما قيل فيه على ما يأتي بيانه في «والصافات» إن شاء الله تعالى. وقيل: إنه كان من أخلاق قومه قتل من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتل فغضب، وخرج فارّاً على وجهه حتى ركب في سفينة فسكنت ولم تجر. فقال أهلها: أفيكم آبق؟ فقال: أنا هو. وكان من قصته ما كان، وابتلي ببطن الحوت تمحيصاً من الصغيرة كما قال في أهل أحدٍ: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} تفسير : [آل عمران: 152] إلى قوله: {أية : وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [آل عمران: 141] فمعاصي الأنبياء مغفورة، ولكن قد يجري تمحيص ويتضمن ذلك زجراً عن المعاودة. وقول رابع: إنه لم يغاضب ربه، ولا قومه، ولا الملك، وأنه من قولهم غضب إذا أنف. وفَاعَل قد يكون من واحد؛ فالمعنى أنه لما وعد قومه بالعذاب وخرج عنهم تابوا وكشف عنهم العذاب، فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك فخرج آبقاً. وينشد هذا البيت:شعر : وأغضب أن تُهجى تميم بدارم تفسير : أي آنف. وهذا فيه نظر؛ فإنه يقال لصاحب هذا القول: إن تلك المغاضبة وإن كانت من الأنفة، فالأنفة لا بد أن يخالطها الغضب وذلك الغضب وإن دق على من كان؟! وأنت تقول لم يغضب على ربه ولا على قومه! قوله تعالى: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} قيل: معناه استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته. وهذا قول مردود مرغوب عنه؛ لأنه كفر. روي عن سعيد بن جبير حكاه عنه المهدوي، والثعلبي عن الحسن. وذكر الثعلبي وقال عطاء وسعيد بن جبير وكثير من العلماء معناه: فظن أن لن نضيق عليه. قال الحسن: هو من قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26] أي يضيّق. وقوله: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7]. قلت: وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن. وقَدَر وقُدِرَ وقَتَر وقُتِر بمعنى، أي ضُيّق وهو قول ابن عباس فيما ذكره الماوردي والمهدوي. وقيل: هو من القدر الذي هو القضاء والحكم؛ أي فظن أن لن نقضي عليه بالعقوبة؛ قاله قتادة ومجاهد والفراء. مأخوذ من القدر وهو الحكم دون القدرة والاستطاعة. وروى عن أبي العباس أحمد بن يحيـى ثعلب، أنه قال في قول الله عز وجل: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} هو من التقدير ليس من القدرة، يقال منه: قدرَ الله لك الخير يقدره قدراً، بمعنى قدّر الله لك الخير. وأنشد ثعلب:شعر : فليست عشيّات اللِّوَى برواجع لنا أبداً ما أورق السَّلَم النضْرُ ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدِر يقعْ ولك الشكرُ تفسير : يعني ما تقدّره وتقضي به يقع. وعلى هذين التأويلين العلماء. وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري: «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نُقَدِّرَ عَلَيْهِ» بضم النون وتشديد الدال من التقدير. وحكى هذه القراءة الماوردي عن ابن عباس. وقرأ عبيد بن عمير وقتادة والأعرج: «أَنْ لَنْ يُقَدَّرَ عَلَيْهِ» بضم الياء مشدداً على الفعل المجهول. وقرأ يعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن وابن عباس أيضاً «يُقْدَرَ عَلَيْهِ» بياء مضمومة وفتح الدال مخفّفاً على الفعل المجهول. وعن الحسن أيضاً «فَظَنَّ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ». الباقون «نَقْدِر» بفتح النون وكسر الدال وكله بمعنى التقدير. قلت: وهذان التأويلان تأولهما العلماء في قول الرجل الذي لم يعمل خيراً قط لأهله إذا مات فحرقوه: «فوالله لئن قدر الله علي» الحديث فعلى التأويل الأوّل يكون تقديره: والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزاني على ذنوبي ليكونن ذلك، ثم أمر أن يحرق بإفراط خوفه. وعلى التأويل الثاني: أي لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين غيري. وحديثه خرجه الأئمة في الموطأ وغيره. والرجل كان مؤمنا موحداً. وقد جاء في بعض طرقه «لم يعمل خيراً إلا التوحيد» وقد قال حين قال الله تعالى: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب. والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. وقد قيل: إن معنى {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} الاستفهام وتقديره: أفظن؛ فحذف ألف الاستفهام إيجازاً؛ وهو قول سليمان (أبو) المعتمر. وحكى القاضى منذر بن سعيد: أن بعضهم قرأ «أفظن» بالألف. قوله تعالى: {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} اختلف العلماء في جمع الظلمات ما المراد به، فقالت فرقة منهم ابن عباس وقتادة: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة الحوت. وذكر ابن أبي الدنيا حدّثنا يوسف بن موسى حدّثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: حدّثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال قال: لما ابتلع الحوت يونس عليه السلام أهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس تسبيح الحصى فنادى في الظلمات ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. وقالت فرقة منهم سالم بن أبي الجعد: ظلمة البحر، وظلمة حوت التقم الحوت الأوّل. ويصح أن يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الأوّل فقط؛ كما قال: «فِي غَيَابَات الْجُبِّ» وفي كل جهاته ظلمة فجمعها سائغ. وذكر الماوردي: أنه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدّة، وظلمة الوحدة. وروي: أن الله تعالى أوحى إلى الحوت: «لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعامك» وروي: أن يونس عليه السلام سجد في جوف الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر. وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا العباس بن يزيد العبدي حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا جعفر بن سليمان عن عوف عن سعيد بن أبي الحسن قال: لما التقم الحوت يونس عليه السلام ظن أنه قد مات فطول رجليه فإذا هو لم يمت فقام إلى عادته يصلي فقال في دعائه: «واتخذت لك مسجداً حيث لم يتخذه أحد». وقال أبو المعالي: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تفضّلوني على يونس بن متى» تفسير : المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه، وهو في قعر البحر في بطن الحوت. وهذا يدل على أن الباري سبحانه وتعالى ليس في جهة. وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة» و«الأعراف». {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} يريد فيما خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبر عليهم. وقيل: في الخروج من غير أن يؤذن له. ولم يكن ذلك من الله عقوبة؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان ذلك تمحيصاً. وقد يؤدّب من لا يستحق العقاب كالصبيان؛ ذكره الماوردي. وقيل: من الظالمين في دعائي على قومي بالعذاب. وقد دعا نوح على قومه فلم يؤاخذ. وقال الواسطي في معناه: نزه ربه عن الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافاً واستحقاقاً. ومثل هذا قول آدم وحواء: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23] إذ كانا السبب في وضعهما أنفسهما في غير الموضع الذي أنزلا فيه. الثانية: روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دعاء ذي النون في بطن الحوت {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له» تفسير : وقد قيل: إنه اسم الله الأعظم. ورواه سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الخبر: في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجابه وينجيه كما أنجاه، وهو قوله: {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} وليس هاهنا صريح دعاء وإنما هو مضمون قوله: {إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} فاعترف بالظلم فكان تلويحاً. قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم. وذلك قوله: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} وهذا حفظ من الله عز وجل لعبده يونس رعى له حق تعبده، وحفظ زمام ما سلف له من الطاعة. وقال الأستاذ أبو إسحاق: صحب ذو النون الحوت أياماً قلائل فإلى يوم القيامة يقال له ذو النون، فما ظنك بعبد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده! لا يظن به ذلك. {مِنَ ٱلْغَمِّ} أي من بطن الحوت. قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} قراءة العامة بنونين من أنجى ينجي. وقرأ ابن عامر «نُجِّي» بنون واحدة وجيم مشدّدة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر أي وكذلك نُجّي النجاءُ المؤمنين؛ كما تقول: ضُرِب زيداً بمعنى ضُرِب الضربُ زيداً وأنشد:شعر : ولو وَلَدتْ قُفَيْرةُ جرو كَلْبٍ لَسُبَّ بذلك الجروِ الكلابَا تفسير : أراد لَسُبّ السبُّ بذلك الجرو. وسكنت ياؤه على لغة من يقول بَقِي ورَضِي فلا يحرك الياء. وقرأ الحسن {أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا} تفسير : [البقرة: 278] استثقالاً لتحريك ياء قبلها كسرة. وأنشد:شعر : خَمَّر الشّيبُ لِمَّتِي تَخْمِيرَا وَحَدَا بي إلى القُبور البعِيرَا ليتَ شِعْري إذا القيامةُ قامتْ ودُعِي بالحسابِ أين المصيرَا تفسير : سكن الياء في دعي استثقالاً لتحريكها وقبلها كسرة وفاعل حدا المشيب؛ أي وحدا المشيبُ البعير؛ ليت شعري المصير أين هو. هذا تأويل الفراء وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة. وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالوا: هو لحن؛ لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله؛ وإنما يقال: نُجِّي المؤمنون. كما يقال: كُرِّم الصالحون. ولا يجوز ضُرِب زيداً بمعنى ضُرِب الضَّربُ زيداً؛ لأنه لا فائدة (فيه) إذ كان ضُرِب يدل على الضرب. ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله تعالى. ولأبي عبيد قول آخر ـ وقاله القتبي ـ وهو أنه أدغم النون في الجيم. النحاس: وهذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين؛ لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها، ولا يجوز في «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ» «مَجَّاءَ بِالْحَسَنَةِ» قال النحاس: ولم أسمع في هذا أحسن من شيء سمعته من عليّ بن سليمان. قال: الأصل ننجي فحذف إحدى النونين؛ لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين؛ لاجتماعهما نحو قوله عز وجل: «وَلاَ تَفَرَّقُوا» والأصل تتفرقوا. وقرأ محمد بن السَّمَيقع وأبو العالية «وَكَذَلِكَ نَجَّى الْمُوْمِنِينَ» أي نجى الله المؤمنين؛ وهي حسنة.
البيضاوي
تفسير : {وَذَا ٱلنُّونِ} وصاحب الحوت يونس بن متى {إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً } لقومه لما برم بطول دعوتهم وشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مهاجراً عنهم، قبل أن يؤمر وقبل وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذبهم وغضب من ذلك، وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجرة لخوفهم لحوق العذاب عندها وقرىء «مغضباً». {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } لن نضيق عليه أو لن نقضي عليه بالعقوبة من القدر، ويعضده أنه قرىء مثقلاً أو لن نعمل فيه قدرتنا؛ وقيل هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا، أو خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه فسميت ظناً للمبالغة. وقرىء بالياء وقرأ يعقوب على البناء للمفعول وقرىء به مثقلاً. {فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ } في الظلمة الشديدة المتكاثفة أو ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ } بأنه لا إله إلا أنت. {سُبْحَـٰنَكَ } من أن يعجزك شيء. {إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة. وعن النبي عليه الصلاة والسلام «حديث : ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له».
ابن كثير
تفسير : هذه القصة مذكورة هنا وفي سورة "الصافات"، وفي سورة "ن"، وذلك أن يونس بن متى عليه السلام، بعثه الله إلى أهل قرية نينوى، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه، وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وسخالها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [يونس: 98]. وأما يونس عليه السلام، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة، فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً، قال الله تعالى: {أية : فَسَـٰهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ} تفسير : [الصافات: 141] أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس عليه السلام، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله سبحانه من البحر الأخضر ــــ فيما قاله ابن مسعود ــــ حوتاً يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن: لا تأكل له لحماً، ولا تهشم له عظماً، فإن يونس ليس لك رزقاً، وإنما بطنك تكون له سجناً. وقوله: {وَذَا ٱلنُّونِ} يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: {إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً} قال الضحاك: لقومه، {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي: نضيق عليه في بطن الحوت، يروى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، واختاره ابن جرير، واستشهد عليه بقوله تعالى: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} تفسير : [الطلاق: 7] وقال عطية العوفي: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ}، أي: نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول: قدر وقدّر بمعنى واحد، وقال الشاعر:شعر : فلا عائِدٌ ذاكَ الزمانُ الذي مَضى تباركْتَ ما تَقْدِرْ يَكُنْ فَلَكَ الأَمْرُ تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} تفسير : [القمر: 12] أي: قدر. {فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل، وكذا روي عن ابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والضحاك والحسن وقتادة. وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في بطن حوت آخر في ظلمة البحر، قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وقال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت، سجد مكانه، ثم نادى: يا رب اتخذت لك مسجداً في موضع لم يبلغه أحد من الناس. وقال سعيد بن الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يوماً. رواهما ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن: خذه، ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حساً، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر، قال: وسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة، قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله تعالى: {وَهُوَ سَقِيمٌ}» تفسير : رواه ابن جرير، ورواه البزار في مسنده من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة، فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ من هذا الوجه بهذا الإسناد. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حدثه قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، قال: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت هذه الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا رب ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة؟ قال: نعم، قالوا: يا رب أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء. وقوله: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ} أي: أخرجناه من بطن الحوت وتلك الظلمات {وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: إذا كانوا في الشدائد، ودعونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء به عن سيد الأنبياء. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد عن أبيه سعد، هو ابن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: مررت بعثمان بن عفان رضي الله عنه في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين، قال: لا، وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفاً في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يرد علي السلام، قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفاً، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط، إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله، ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : من هذا، أبو إسحاق؟» تفسير : قال: قلت: نعم يا رسول الله قال: «حديث : فمه»تفسير : ؟ قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال: «حديث : نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلا استجاب له» تفسير : ورواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه سعد به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سيعد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن كثير بن زيد عن المطلب بن حنطب، قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب، يعني: ابن سعد، عن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من دعا بدعاء يونس، استجيب له» تفسير : قال أبو سعيد: يريد به: {وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة، أم لجماعة المسلمين؟ قال: «حديث : هي ليونس بن متى خاصة، ولجماعة المؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله عز وجل: {فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ} فهو شرط من الله لمن دعاه به».تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد ابن أبي سريج، حدثنا داود بن المحبر بن قحذم المقدسي عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن، فقلت: يا أبا سعيد اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ قال: ابن أخي أما تقرأ القرآن؟ قول الله تعالى: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً} ــــ إلى قوله ــــ {وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ} ابن أخي هذا اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {ذَا ٱلنُّونِ } صاحب الحوت وهو يونس بن متّى، ويبدل منه {إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِباً } لقومه: أي غضبان عليهم مما قاسى منهم ولم يؤذن له في ذلك {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } أي نقضي عليه بما قضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيّق عليه بذلك {فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ } ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت {أَن } أي بأن {لاَّ إِلَٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ } في ذهابي من بين قومي بلا إذن.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ} وهو يونس بن متى، سمي بذلك لأنه صاحب الحوت، كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48] والحوت النون، نسب إليه لأنه ابتلعه، ومنه قول الشاعر: شعر : يا جيد القصر نِعم القصر والوادي وجيداً أهله من حاضر بادي توفي قراقره والوحش راتعه والضب والنون والملاح والحادي تفسير : يعني أنه يجتمع فيه صيد البر والبحر، وأهل المال والظهر، وأهل البدو والحضر. {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني مراغماً للملك وكان اسمه حزقيا ولم يكن به بأس، حكاه النقاش. الثاني: مغاضباً لقومه،قاله الحسن. الثالث: مغاضباً لربه، قاله الشعبي، ومغاضبته ليست مراغمة، لأن مراغمة الله كفر لا تجوز على الأنبياء، وإنما هي خروجه بغير إذن، فكانت هي معصيته. وفي سبب ذهابه لقومه وجهان: أحدهما: أنه كان في خُلُقِه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة ضاق ذرعه بها ولم يصبر لها، وكذلك قال الله: {أية : فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل} تفسير : [الأحقاف: 35] قاله وهب. الثاني: أنه كان من عادة قومه أن من كذب قتلوه، ولم يجربواْ عليه كذباً، فلما أخبرهم أن العذاب يحل بهم ورفعه الله عنهم، قال لا أرجع إليهم كذّاباً، وخاف أن يقتلوه فخرج هارباً. {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: فظن أن لن نضيق طرقه، ومنه قوله: {أية : وَمَن قَدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7] أي ضيق عليه، قاله ابن عباس. الثاني: فظن أن لن نعاقبه بما صنع،قاله قتادة، ومجاهد. الثالث: فظن أن لن نحكم عليه بما حكمنا، حكاه ابن شجرة، قال الفراء: معناه لن نُقِدرَ عليه من العقوبة ما قَدَّرْنَا، مأخوذ من القدر، وهو الحكم دون القدرة، وقرأ ابن عباس: نقدّر بالتشديد، وهو معنى ما ذكره الفراء، ولا يجوز أن يكون محمولاً على العجز عن القدرة عليه لأنه كفر. الرابع: أنه على معنى استفهام، تقديره: أفظن أن لن نقدر عليه، فحذف ألف الاستفهام إيجازاً، قاله سليمان بن المعتمر. {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} فيه قولان: أحدهما: أنها ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة جوف الحوت، قاله ابن عباس، وقتادة. الثاني: وقتادة. الثاني: أنها ظلمة الحوت في بطن الحوت، قاله سالم بن أبي الجعد. ويحتمل ثالثاً: أنها ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة. {أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} يعني لنفسي في الخروج من غير أن تأذن لي، ولم يكن ذلك عقوبة من الله، لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان تأديباً، وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان. قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} وفي استجابة الدعاء قولان: أحدهما: أنه ثواب من الله للداعي ولا يجوز أن يكون غير ثواب. والثاني: أنه استصلاح فربما كان ثواباً وربما كان غير ثواب. {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} يحتمل وجهين: أحدهما: من الغم بخطيئته. الثاني: من بطن الحوت لأن الغم التغطية. وقيل: إن الله أوحى إلى الحوت ألاّ تكسر له عظماً، ولا تخدش له جلداً. وحينما صار في بطنه: قال يا رب اتخذتَ لي مسجداً في مواضع ما اتخذها أحد. وفي مدة لبثه في بطن الحوت ثلاثة أقاويل: أحدها: أربعون يوماً. الثاني: ثلاثة أيام. الثالث: من ارتفاع النهار إلى آخره. قال الشعبي: أربع ساعات، ثم فتح الحوت فاه فرأى يونس ضوء الشمس، فقال: سبحانك إني كنت من الظالمين، فلفظه الحوت.
ابن عطية
تفسير : التقدير واذكر "ذا النون" والنون الحوت وصاحبه يونس بن متَّى عليه السلام، ونسب إلى الحوت الذي التقمه على الحالة التي يأتي ذكرها في موضعها الذي يقتضيه وهو نبي من أهل نينوى وهذا هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب" تفسير : ، وفي حديث آخر "حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" تفسير : ، وهذا الحديث وقوله "حديث : لا تفضلوني على موسى" تفسير : يتوهم أنها يعارضان قوله عليه السلام على المنبر "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر" تفسير : .والانفصال عن هذا بوجهين أحدهما ذكره الناس وهو أن يكون قوله "أنا سيد ولد آدم" متأخراً في التاريخ وأنها منزلة أعلمه الله تعالى بها لم يكن علمها وقت تلك المقالات الأخر، والوجه الثاني وهو عندي أحرى مع حال النبي عليه السلام، أنه إنما نهي عن التفضيل بين شخصين مذكورين وذهب مذهب التواضع ولم يزل سيد ولد آدم ولكنه نهى أن يفضل على موسى كراهية أن تغضب لذلك اليهود فيزيد نفارها عن الإيمان، وسبب الحديث يقتضي هذا، وذلك أن يهودياً قال لا والذي فضل موسى على العالمين، فقال له رجل من الأنصار تقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ولطمه فشري الأمر وارتفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن تفضيله على موسى ونهى عليه السلام عن تفضيله على يونس لئلا يظن أحد بيونس نقص فضيلة بسبب ما وقع له، فنهيه عليه السلام عن التفضيل على شخص معين وقوله في حديث ثالث "حديث : لا تفضلوا بين الأنبياء" تفسير : .وهذا كله مع قوله: "أنا سيد ولد آدم" وإطلاق الفضل له دون اقتران بأحد، بين صحيح وتأمل هذا، فإنه يلوح وقد قال عمر رضي الله عنه للحطيئة امدح ممدوحك ولا تفضل بعض الناس على بعض. قال القاضي أبو محمد: ولفظة سيد ولفظة خير شيئان، فهذا مبدأ جمع آخر بين الأحاديث يذهب ما يظن من التعارض، وقوله {مغاضباً} قيل إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وتعنتهم فذهب فاراً بنفسه وقد كان الله تعالى أمره بملازمتهم والصبر على دعائهم فكان ذنبه في مخالفة هذا الأمر، وروي أنه كان شاباً فلم يحمل أثقال النبوءة وتفسخ تحتها كما يتفسخ الربع تحت الحمل ولهذا قيل للنبي صلى الله عليه وسلم {أية : ولا تكن كصاحب الحوت} تفسير : [القلم: 48] أي اصبر ودم على الشقاء بقومك، وقالت فرقة إنما غاضب الملك الذي كان على قومه ع وهذا نحو من الأول فيما يلحق منه يونس عليه السلام، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره إنما ذهب {مغاضباً} ربه واستفزه إبليس، ورووا في ذلك أن يونس لما طال عليه أمر قومه طلب من الله تعالى عذابهم فقيل له إن العذاب يجيئهم يوم كذا، فأخبرهم يونس بذلك فقالوا إن رحل عنا فالعذاب نازل وإن أقام بيننا لم نبال، فلما كان سحر ذلك اليوم قام يونس فرحل فأيقنوا بالعذاب فخرجوا بأجمعهم إلى البراز، وفرقوا بين صغار البهائم وأمهاتها وتضرعوا وتابوا، فرفع الله تعالى عنهم العذاب وبقي يونس في موضعه الذي خرج إليه فنظر فلما عرف أَنهم لم يعذبوا ساءه أن عدوه كاذباً وقال والله لا انصرفت إليهم أَبداً. وروي أنه كان من دينهم قتل الكذاب فغضب حينئذ على ربه وخرج على وجهه حتى دخل في سفينة في البحر ع وفي هذا القول من الضعف ما لا خفاء به مما لا يتصف به نبي، واختلف الناس في قوله تعالى: {فظن أَن لن نقدر عليه} فقالت فرقة استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان أن لا يقدر الله عليه بمعاقبة ع وهذا قول مردود، وقالت فرقة ظن أَن لن يضيق عليه في مذهبه من قوله تعالى: {أية : يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} تفسير : [الإسراء: 30]، وقالت فرقة هو من القدر، أي ظن أن لن يقدر الله عليه بعقوبة، وقالت فرقة الكلام بمعنى الاستفهام، أَي أفظن أن لن يقدر الله عليه، وحكى منذر بن سعيد أَن بعضهم قرأ "أفظن" بالألف، وقرأ الزهري "تُقَدّر" بضم النون وفتح القاف وشد الدال، وقرأ الحسن "يقدر" وعنه أَيضاً "نقدر"، وبعد هذا الكلام حذف كثير أقتضب لبيانه في غير هذه الآية، المعنى فدخل البحر وكذا حتى التقمه الحوت وصار في ظلمة جوفه، واختلف الناس في جمع {الظلمات} ما المراد به فقالت فرقة ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الحوت، وقالت فرقة ظلمة البحر وظلمة الحوت التقم الحوت الأول الذي التقم يونس ع ويصح أن يعبر بـ {الظلمات} عن جوف الحوت الأول فقط كما قال في غيابات الجب وفي كل جهاته ظلمة فجمعها سائغ، وروي أن يونس سجد في جوف الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر ثم قال في دعائه "اللهم إني قد اتخذت لك مسجداً في موضع لم يتخذه أحد من قبلي" و {أن} مفسرة نحو قوله تعالى {أية : أن امشوا} تفسير : [ص: 6] وفي هذا نظر وقوله تعالى: {من الظالمين} يريد فيما خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبر عليهم هذا أحسن الوجوه وقد تقدم ذكر غيره فاستجاب الله تعالى له وأخرجه إلى البر، ووصف هذا يأتي في موضعه، و {الغم} ما كان ناله حين التقمه الحوت، وقرأ الجمهور القراء "ننْجي" بنونين الثانية ساكنة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "نُجي" بنون واحدة مضمونة وشد الجيم، ورويت عن أبي عمرو، وقرأت فرقة "نُنَجّي" بنونين الأولى مضمونة والثانية مفتوحة والجيم مشددة، فأما القراءة الأولى والثالثة فبينتان الأولى فعلها معدى بالهمزة والأخرى بالتضعيف، وأَما القراءة الوسطى التي هي بنون واحدة مضمونة وجيم مشددة وياء ساكنة فقال أَبو علي لا وجه لها وإنما هي وهم من السامع، وذلك أن عاصماً قرأ "ننجي" والنون الثانية لا يجوز إظهارها لأنها تخفى مع هذه الحروف يعني الجيم وما جرى مجراها فجاء الإخفاء يشبهها بالإدغام، ويمتنع أن يكون الأصل "ننجي" ثم يدعو اجتماع النونين إلى إدغام إحداهما في الجيم لأَن اجتماع المثلين إنما يدعو إلى ذلك إذا كانت الحركة فيهما متفقة، ويمتنع أَن يكون الأصل "نجي" وتسكن الياء ويكون المفعول الذي لم يسم فاعله المصدر كأنه قال "نجي" النجاء المؤمنين لأن هذه لا تجيء إلا في ضرورة فليست في كتاب الله والشاهد فيها قول الشاعر: [الوافر] شعر : ولو ولدت قفيزة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا تفسير : وأيضاً فإن الفعل الذي يبنى للمفعول إذا كان ماضياً لم يسكن آخره ع والمصاحف فيها نون واحدة كتبت كذلك من حيث النون الثانية مخفية.
ابن عبد السلام
تفسير : {النُّونِ} الحوت {مُغَاضِباً} مراغماً للملك حزقيا ولم يكن به بأس، أو لقومه، أو لربه من غير مراغمة لانها كفر، بل مغاضبته خروجه بغير إذنه. وذهب لأن خلقه كان ضيقاً فلما أثقلته أعباء النبوة ضاق بهم فلم يصبر، أو كان من عادة قومه قتل الكاذب فلما أخبرهم بنزول العذاب ثم رفعه الله تعالى عنهم قال: لا أرجع إليهم كاذباً وخاف القتل فخرج هارباً {فَظَنَّ أَن لَّن [نَّقْدِرَ]} نضيق {عَلَيْهِ} طرقه "ع" {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7] ضُيق، أو ظن أن لن نحكم عليه بما حكمنا، أو ظن أن لن نُقَدِّر عليه من العقوبة ما قدرنا من القدر وهو الحكم دون القدرة، ولذلك قرأ ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ "نُقدِر عليه"، أو تقديره أفظن أن لن نقدر عليه، ولا يجوز أن يحمل على ظن العجز لأنه كفر. {الظُّلُمَاتِ} ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الحوت "ع"، أو الحوت في بطن الحوت {مِنَ الظَّالِمِينَ} لنفسي بخروجي بغير إذنك ولم يكن ذلك عقوبة له لأن الأنبياء لا يعاقبون بل كان تأديباً وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} الآية. "ذَا" بمعنى صاحب و "النون" الحوت. ويجمع على نِينَان كحوت وحيتان والمراد بذي النون يونس - عليه السلام - وسمي بذلك، لأنَّ النون ابتلعه. وقد تقدم أن الاسم إذا دار بين أن يكون مفيداً ولقباً فحمله على المفيد أولى خصوصاً إذا علمت الفائدة التي لذلك الوصف. قوله: "مُغَاضِباً" حال من فاعل "ذَهَبَ" والمفاعلة هنا تحتمل أن تكون على بابها من المشاركة، أي: غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا في أول الأمر، وفي بعض التفاسير: مغاضباً لربه فإن صح ذلك عمن يعتبر قوله، فينبغي أن تكون اللام للتعليل لا التعدية للمفعول، أي: لأجل ربه ولدينه. ويحتمل أن يكون بمعنى غضبان، فلا مشاركة كعاقبت وسافرت. والعامة على "مُغَاضِباً" اسم فاعل. وقرأ أبو شرف "مُغَاضَباً" بفتح الضاد على ما لم يسم فاعله كذا نقله أبو حيان. ونقله الزمخشري عن أبي شرف "مُغْضباً" دون ألف من أغضبته فهو مغضب. قوله: "أن لَّن" "أن" هذه المخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و "لَن نَقْدِرَ" هو الخبر، والفاصل حرف النفي. والمعنى: لن نضيق عليه كقوله: {أية : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} تفسير : [الفجر: 16] {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7]. والعامة على "نَقْدِرَ" بنون العظمة مفتوحة وتخفيف الدال، والمفعول محذوف أي: الجهات والأماكن. وقرأ الزهري بضمها وتشديد الدال. وقرأ ابن أبي ليلى وأبو شرف والكلبي وحميد بن قيس ويعقوب "يُقْدَر" بضم الياء من تحت، وفتح الدال خفيفة مبنياً للمفعول. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر بفتح الياء وكسر الدال خفيفة وعلي بن أبي طالب واليماني بضم الياء وكسر الدال مشددة. والفاعل على هذين الوجهين ضمير يعود على الله تعالى. قوله: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتََ} يجوز في "أَنْ" وجهان: أحدهما: أنها المخففة من الثقيلة فاسمها كما تقدم محذوف، والجملة المنفية بعدها الخبر. والثاني: أنها تفسيرية، لأنَّها بعد ما هو بمعنى القول دون حروفه. فصل معنى الآية: واذكر صاحب الحوت، وهو يونس بن متى {إذْ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} قال ابن عباس: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً، وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله إلى شعيا النبي أن اذهب إلى حزقيل الملك، وقل له حتى يوجه نبياً قوياً أميناً، فإني ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل. فقال الملك: ومن ترى؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال: يونس بن متى فإنه قوي أمين، فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: هل سماني لك؟ قال: لا. قال: فهاهنا أنبياء غيري أقوياء فألحوا عليه، فخرج مغاضباً للنبي وللملك ولقومه. فأتى بحر الروم، فوجد قوماً هيأوا سفينة فركب معهم. وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وجماعة: إذ ذهب عن قومه مغاضباً لربه إذ كشف عن قومه العذاب بعد ما وعدهم. فكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم، واستحيى منهم، ولم يعلم السبب الذي به رفع العذاب عنهم، وكان غضبه أنفة من ظهور خلف وعده، وأن يسمى كذاباً لا كراهية لحكم الله. وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أن يقتلوا من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب للميعاد، فغضب. والمغاضبة هاهنا هي المفاعلة التي تكون من واحد كالمسافرة والمعاقبة. فمعنى قوله: "مُغَاضِباً" أي: غضبان. وعن ابن عباس قال: أتى جبريل يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم، قال: ألتمس دابة قال: الأمر أعجل من ذلك، فغضب، فانطلق إلى السفينة. وقال وهب: إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً، وكان في خلقه ضيق، فلما حمل عليه أثقال النبوة تَفَسَّخَ تَحْتَها الرَّبع تحت الحمل الثقيل. فقذفها من يده، وخرج هارباً منها، فلذلك أخرجه الله من أولي العزم، فقال لنبيه محمد - عليه السلام -: {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 35]، قال: {أية : فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48]. قوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي: أن نقضي عليه بالعقوبة. قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وهو رواية العوفي عن ابن عباس: يقال: قدّر الله شيئاً تقديراً، وقدر يقدر قدراً بمعنى واحد. ومنه قوله: {أية : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} تفسير : [الواقعة: 60] في قراءة من خفّفها دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري {فَظَنَّ أَن لَّن نُقَْدِّرَ عَلَيْهِ} بالتشديد. وقال عطاء وكثير من العلماء: معنا فظن أن لن نضيق عليه الحبس من قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26] أي: يضيق. وقال ابن زيد: هو استفهام معناه أفظن أنه يعجز ربه فلا يقدر (عليه؟) وعن الحسن قال: بلغني أنَّ يونس لما أصاب الذنب انطلق مغاضباً لربه، واستزله الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه، وكان له سلف عبادة، فأبى الله أن يجعله للشيطان، فقذفه في بطن الحوت، فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة. وقال عطاء: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة. وقيل: بلغ به تخوم الأرض السابعة، فتاب إلى ربه في بطن الحوت، وراجع نفسه، فقال: {لاَّ إِلَٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} حين عصيتك، وما صنعت من شيء، فلم أعبد غيرك، فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته. فصل احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء بهذه الآية من وجوه: أحدها: أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه، قيل: هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب، واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير، وإذا كان كذلك فمغاضبة الله من أعظم الذنوب، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله بل كان مع ذلك الملك، أو مع القوم، فهو أيضاً محظور لقول الله تعالى: {أية : فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48] وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس محظور. وثانيها: قوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} وذلك يقتضي كونه شاكاً في قدرة الله. وثالثها: قوله: {إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} والظلم مذموم قال تعالى: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [هود: 18]. ورابعها: أنه لو لم يصدر منه الذنب، فلم عاقبه الله بأن ألقاه في البحر في بطن الحوت. وخامسها: قوله: {أية : فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} تفسير : [الصافات: 142] والمليم هو ذو الملامة ومن كان كذلك فهو مذنب. وسادسها: قوله: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48] فإن لم يكن صاحب ذنب لم يجز النهي عن التشبّه به وإن كان مذنباً فهو المطلوب. وسابعها: قوله: {أية : فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48] وقال: {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ } تفسير : [الأحقاف: 35] وهذا يقتضي أنّ ذلك الفعل مخرج أن يكون يونس من أولي العزم. والجواب: أنه ليس في الآية من غاضبة، فلا نقطع على نبي الله بأنه غاضب ربه، لأنّ ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي، والجاهل بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً. وأما ما روى من أنه خرج مغاضباً لأمر يرجع إلى الاستعداد فمما يرتفع حال الأنبياء عنه، لأنّ الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه، لقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 36] وقوله: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ} تفسير : [النساء: 65]. فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم. وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضباً لغير الله، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصه فيما يأمره به، فيحمل على مغاضبة قومه، أو الملك، أو هما جميعاً ومعنى مغاضبته لقومه أنه غاضبهم لمفارقته لخوف حلول العذاب بهم، وقرىء "مغضباً" كما تقدم وأما قولهم: مغاضبة القوم أيضاً محظورة لقوله: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48]. فالجواب لا نسلم أنها كانت محرمة، أما الذهاب، فلأن الله أمره بتبليغ الرسالة إليهم، وما أمره بأن يبقى معهم أبداً، فظاهر الأمر لا يقتضي التكرار، فلم يكن خروجه من بينهم معصية. وأما الغضب لما لم يكن منهياً عنه قبل ذلك ظن أن ذلك جائز من حيث أنه لم يفعله إلا غضباً لله وأنفة لدينه، بل كان الأولى أن يصابر وينتظر من الله الأمر بالمهاجرة عنهم، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48] كأن الله تعالى أراد لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل المنازل وأعلاها. وأما الجواب عن قوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} فنقول من ظن عجز الله فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين فكيف إلى الأنبياء، فإن لا بدَّ فيه من التأويل، وفيه وجوه: الأول: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} نضيق عليه كقوله: {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} تفسير : [الرعد: 26] {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7] أي: ضيق، وكذا قوله: {أية : وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} تفسير : [الفجر: 16] أي: ضيق، فمعناه: أن لن نضيق عليه، وعلى هذا فالآية حجة لنا، لأن يونس ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره، وكان في المعلوم أنَّ الصلاح في تأخير خروجه، وهذا من الله بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج لا على تعمد المعصية لكن ظن أنَّ الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر، وكان الصلاح خلاف ذلك. والثاني: أن يكون هذا من باب التمثيل، أي: فكانت حاله مماثلة لحال من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه عن قومه من غير انتظار لأمر الله. الثالث: أن يفسر القدر بالقضاء، والمعنى فظن أن لن نقدر عليه بشدة. قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، ورواية العوفي عن ابن عباس واختيار الفراء والزجاج: يقال: قَدَرَ الله الشيء قَدْراً وقَدَّرَهُ تَقْدِيراً فالقدر بمعنى التقدير، وتقدم قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري بضم النون والتشديد من التقدير. وروي أنه دخل ابن عباس على معاوية، فقال معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك. فقال: وما هي؟ قال: ظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه. فقال ابن عباس: هذا من القدر لا من القدرة. الرابع: فظن أن لن (نقدر، أي: فظن أن لن نفعل لأن) بين القدرة والفعل مناسبة، فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر. الخامس: أنه استفهام بمعنى التوبيخ كما تقدم عن ابن زيد. السادس: قول من قال إن هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس، فيكون هذا الظن حاصلاً قبل الرسالة، وإذا كان كذلك فلا يبعد في حق غير الأنبياء أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان، ثم إنه يرده بالحجة والبرهان. وأما الجواب عن قوله {إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} فنقول: إن حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام، وإن حملناه على ما بعدها فيجب تأويله، لأنا لو أجريناه على ظاهره، لاستحق اللعن، وهذا لا يقوله مسلم، وإذا وجب التأويل فنقول: لا شك أنه كان تاركاً للفضيلة مع القدرة على تحصيل الأفضل، فكان ذلك ظلماً. وأما الجواب عن إلقائه في البحر في بطن الحوت، وأن ذلك عقوبة، فلا نسلم أنَّ ذلك عقوبة، إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا بل المراد المحنة. وأما الجواب عن الملامة فإنما كان بسبب ترك الأفضل. فصل قوله {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} قال الزمخشري: أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله: {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} تفسير : [البقرة: 17] وقوله: {أية : يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِِ} تفسير : [البقرة: 257]. وقيل: أراد ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت. {لاَّ إِلَٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ} نزه ربه عن كل النقائض، ومنها العجز، وهذا يدلّ على أنه ما كان مراده من قوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أنه ظن العجز، وإنما قال: "سُبْحَانَكَ"، لأنّ معناه سبحانك أن تفعل جوراً أو شهوة الانتقام أو عجزاً عن تخليصي عن هذا الحبس، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة {إنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي: ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك كأنه قال: كنت من الظالمين، وأنا الآن من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة. روى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حديث : مَا من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له ". تفسير : قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ} أي: من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته. قوله: {وَكَذَلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنينَ}: الكاف نعت لمصدر أو حال من ضمير المصدر أي: كما أنجينا يونس من كرب الحوت إذ دعانا، أو كإنجائنا يونس كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. وقرأ العامة "نُنْجِي" بضم النون الأولى وسكون الثانية من أنجى ينجي. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم "نُجِّي" بتشديد الجيم وسكون الياء وفيها أوجه: أحسنها: أن يكون الأصل "نُنَجِّي" بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم فاستثقل توالي مثلين، فحذفت الثانية كما حذفت في قوله {مَا نُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ} [الحجر:8] في قراءة من قرأه كما تقدم، وكما حذفت التاء الثانية في قوله: {تَذَكَّرَونَ} [الأنعام:152] و {تَظَاهَرُونَ} [البقرة:85] وبابه. ولكن أبو البقاء استضعف هذا التوجيه بوجهين فقال: أحدهما: أنَّ النون الثانية أصل، وهي فاء الكلمة، فحذفها يبعد جداً. والثاني: أنَّ حركتها غير حركة النون الأولى، ولا يستثقل الجمع بينهما بخلاف "تظاهرون" ألا ترى أنك لو قلت: تتحامى المظالم لم يَسُغْ حذف الثانية. أما كون الثانية أصلاً فلا أثر له في منع الحذف، ألا ترى أن النحويين اختلفوا في إقامة واستقامة، أي الألفين المحذوفة من أنَّ الأولى هي الأصل، لأنها عين الكلمة وأما اختلاف الحركة فلا أثر له أيضاً، لأن الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي حركة كانا. الوجه الثاني: أنّ "نُجِّي" فعل ماض مبني للمفعول، وإنما سكنت لامه تخفيفاً، كما سكنت في قوله: {مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة:278] في قراءة شاذّة تقدمت، قالوا: وإذا كان الماضي الصحيح قد سكن تخفيفاً فالمعتل أولى، ومنه: شعر : 3732- إنَّمَا شِعْرِي قَنْدٌ قَدْ خُلِطْ بِجُلْجُلاَنِ تفسير : وتقدم من ذلك جملة وأسند هذا الفعل إلى ضمير المصدر مع وجود المفعول الصريح كقراءة أبي جعفر {لِيُجْزَى قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الجاثية:14] وهذا رأي الكوفيين والأخفش، وتقدمت شواهد ذلك، والتقدير: نُجِّي النجاة، قال أبو البقاء: وهو ضعيف من وجهين: أحدهما: تسكين آخر الفعل الماضي. والآخر: إقامة المصدر مع وجود المفعول الصريح. وقد عرف جوابهما مما تقدم. الوجه الثالث: أن الأصل "نُنْجِي" كقراءة العامة إلا أن النون الثانية قلبت جيماً وأدغمت في الجيم بعدها. وهذا ضعيف جداً، لأن النون لا تقارب الجيم فتدغم فيها. الوجه الرابع: أنه ماض مسند بضمير المصدر أي: نُجِّي النجاءُ كما تقدم في الوجه الثاني، إلا أنَّ "المُؤْمِنِينَ" ليس منصوباً بـ "نُجِّي" بل بفعل مقدر. وكأن صاحب هذا الوجه فرَّ من إقامة غير المفعول به مع وجوده فجعله من جملة أخرى. وهذه القراءة متواترة، ولا التفات على من طعن على قارئها، وإن كان أبو علي قال: هي لحن. وهذه جرأة منه، وقد سبقه إلى ذلك أبو إسحاق الزجاج. وأما الزمخشري فإنما طعن على بعض الأوجه المتقدمة، فقال: ومن تمحل لصحته فجعله فُعِّل، وقال: نُجِّي النجاء المؤمنين، وأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين فمتعسف بارد التعسف. فلم يرتض هذا التخريج بل للقراءة عنده تخريج آخر، وقد يمكن أن يكون هو المبتدأ به لسلامته مما تقدم من الضعف.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: {وذا النون إذ ذهب مغاضباً} يقول: غضب على قومه {فظن أن لن نقدر عليه} يقول: أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه عليهم وفراره. قال: وعقوبته أخذ النون إياه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: {وذا النون إذ ذهب مغاضباً} قال: مغاضباً لقومه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس قال: كانت تكون أنبياء جميعاً يكون عليهم واحد، فكان يوحى إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: أرسل فلان إلى بني فلان، فقال الله: {إذ ذهب مغاضباً} قال: مغاضباً لذلك النبي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فظن أن لن نقدر عليه} قال: ظن أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {إذ ذهب مغاضباً} قال: انطلق آبقا {فظن أن لن نقدر عليه} فكان له سلف من عمل صالح فلم يدعه الله، فبه أدركه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فظن أن لن نقدر عليه} قال: ظن أن لن نعاقبه بذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: {فظن أن لن نقدر عليه} قال: أن لن نقضي عليه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: {فظن أن لن نقدر عليه} يقول: ظن أن الله لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء في غضبه الذي غضب على قومه وفراقه إياهم. وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن الحارث قال: لما التقم الحوت يونس نبذ به إلى قرار الأرض، فسمع تسبيح الأرض فذاك الذي حاجه فناداه. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {فظن أن لن نقدر عليه} قال: ظن أن لن نعاقبه {فنادى في الظلمات} قال: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} قال الملائكة: صوت معروف في أرض غريبة. وأخرج ابن جرير عن قتادة والكلبي {فظن أن لن نقدر عليه} قالا: ظن أن لن نقضي عليه العقوبة. وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما {فنادى في الظلمات} قال: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب وعمرو بن ميمون وقتادة مثله. وأخرج أحمد في الزهد عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه {فنادى في الظلمات} قال: ظلمة الليل وظلمة بطن الحوت وظلمة البحر. وأخرج ابن جرير عن سالم بن أبي الجعد قال: أوحى الله تعالى إلى الحوت أن "لا تضر له لحماً ولا عظماً" ثم ابتلع الحوت حوت آخر، قال: {فنادى في الظلمات} قال: ظلمة الحوت، ثم حوت، ثم ظلمة البحر. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كل تسبيح في القرآن صلاة، إلا قوله: {سبحانك إني كنت من الظالمين}. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن معاوية قال له يوماً: إني قد ضربتني أمواج القرآن البارحة في آيتين لم أعرف تأويلهما ففزعت إليك. قال: وما هما؟ قال: قول الله: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه} وأنه يفوته إن أراده، وقول الله: {أية : حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} تفسير : [يوسف: 110] كيف هذا يظنون أنه قد كذبهم ما وعدهم؟ فقال ابن عباس: أما يونس، فظن أن لن تبلغ خطيئته أن يقدر الله عليه فيها العقاب ولم يشك أن الله إن أراده قدر عليه. وأما الآية الأخرى، فإن الرسل استيأسوا من إيمان قومهم وظنوا أن من عصاهم لرضا في العلانية قد كذبهم في السر، وذلك لطول البلاء عليهم ولم تستيئس الرسل من نصر الله، ولم يظنوا أنهم كذبهم ما وعدهم. فقال معاوية: فرجت عني يا ابن عباس فرج الله عنك. وأخرج ابن أبي حاتم ن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دعا يونس قومه أوحى الله إليه أن العذاب يصبحهم، فقال لهم فقالوا: ما كذب يونس وليصبحنا العذاب، فتعالوا حتى نخرج سخال كل شيء فنجعلها من أولادنا لعل الله أن يرحمهم. فأخرجوا النساء مع الولدان وأخرجوا الإبل مع فصلانها، وأخرجوا البقر مع عجاجيلها وأخرجوا الغنم مع سخالها فجعلوه أمامهم، وأقبل العذاب... فلما رأوه جأروا إلى الله ودعوا، وبكى النساء والولدان ورغت الإبل وفصلانها وخارت البقر وعجاجيلها وثغت الغنم وسخالها فرحمهم الله فصرف ذلك العذاب عنهم، وغضب يونس فقال: كذبت، فهو قوله: {إذ ذهب مغاضباً} فمضى إلى البحر، وقوم رست سفينتهم فقال: احملوني معكم فحملوه، فأخرج الجعل فأبوا أن يقبلوه منه فقال: إذاً أخرج عنكم. فقبلوه، فلما لجت السفينة في البحر أخذهم البحر والأمواج، فقال لهم يونس: اطرحوني تنجوا. قالوا: بل نمسكك ننجوا. قال: فساهموني - يعني قارعوني - فساهموه ثلاثاً فوقعت عليه القرعة، فأوحى إلى سمكة يقال لها النجم من البحر الأخضر، أن "شقي البحار حتى تأخذي يونس، فليس يونس لك رزقاً ولكن بطنك له سجن، فلا تخدشي له جلداً ولا تكسري له عظماً" فجاءت حتى استقبلت السفينة، فقارعوه الثالثة فوقعت عليه القرعة فاقتحم الماء، فالتقمته السمكة فشقت به البحار حتى انتهت به إلى البحر الأخضر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما التقم الحوت يونس ذهب به حتى أوقفه بالأرض السابعة، فسمع تسبيح الأرض فهيجه على التسبيح فقال: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} فأخرجته حتى ألقته على الأرض بلا شعر ولا ظفر مثل الصبي المنفوس، فأنبتت عليه شجرة تظله ويأكل من تحتها من حشرات الأرض، فبينا هو نائم تحتها إذ تساقط ورقها قد يبست. فشكا ذلك إلى ربه فقال: تحزن على شجرة يبست ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون يعذبون؟. وأخرج ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في الفرج وابن مردويه، عن أنس رفعه: أن يونس حين بدا له أن يدعو الله بالكلمات حين ناداه في بطن الحوت قال: اللهم {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} فأقبلت الدعوة تحف بالعرش فقالت الملائكة: هذا صوت ضعيف معروف في بلاد غريبة! فقال: أما تعرفون ذلك؟ قال: يا رب، ومن هو؟ قال: ذاك عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوه مجابة؟! قال: نعم. قالوا: يا رب، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء فأنبت الله عليه اليقطينة". وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر، عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: ليس لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى، سبح الله في الظلمات. وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحكيم في نوادر الأصول، والحاكم وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن "حديث : سعد رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اسم الله الذي دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى. قلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله: {وكذلك ننجي المؤمنين} فهو شرط من الله لمن دعاه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : هذه الآية مفزع للأنبياء {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} نادى بها يونس في ظلمة بطن الحوت ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}. وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : هل أدلكم على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} فأيما مسلم دعا ربه به في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر شهيد. وإن برأ برأ مغفوراً له ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على ثنية فقال: ما هذه؟ قالوا: ثنية كذا وكذا. قال: كأني أنظر إلى يونس على ناقة خطامها ليف وعليه جبة من صوف وهو يقول: لبيك اللهم لبيك!... ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى - نسبة إلى أبيه - أصاب ذنباً ثم اجتباه ربه ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى"تفسير : . والله أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى ذكره: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} [الآية: 87]. قال الجنيد رحمة الله عليه: مغاضبًا على نفسه فى ذهابه فظن أن لن نأخذه بغضبه وذهابه. وقال ذو النون: أخفى ما يخدع به العبد من الألطاف والكرامات ورؤية الآيات. قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} قال: لا تكونوا من بنى المباردة والمقابلة، وكونوا من بنى الرحمة بالتصريف والفضل. قال القاسم فى قوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} توهم أن لن نقضى عليه العقوبة وذلك لحسن ظنه بمولاه. قال فارس فى قوله: {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} قال: كان غضبه على قومه بخلافهم له على جواب الدعوة {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ}: أى لن نقدر على الانتقام منهم. ليعلم أنه ليس للطاعة ولا للمعصية عنده قدر. قال الجنيد رحمة الله عليه: ظن أن لن نقدر نريه قدر نفسه فى سخطه على عبادنا. وقال فى قوله: {إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}: أى من الجاهلين، أنك لا تقرب بطاعة، ولا تبعد بمعصية. قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} إلى قوله {نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} إذا عرفوا أحسنوا الدعاء وأحسنوا طريقة السؤال بدأ بالتوحيد لا إله يقدر على ما فعلت إلا أنت سبحانك نزهه عن الظلم وقرفوا عليه فى فعله به ونسب الظلم إلى نفسه اعترافًا واستحقاقًا.
القشيري
تفسير : {مُغَاضِباً}: على مَلِكِ وقته حيث اختاره للنبوة، وسأله: لِمَ اخترتَني؟ فقال: لقد أوْحَى اللَّهُ إلى نَبِي: أنْ قُلْ لفلانِ المَلِك حتى يختار واحداً لِيُرْسَلَ إلى نينوى بالرسالة. فَثَقُلَ على ذي النون لما اختارَه المَلِكُ، لأن علم أن النبوةَ مقرونةٌ بالبلاء، فكان غضبُه عليه لذلك. ويقال مغاضباً على قومه لمَّا امتنعوا عن الإيمان وخرج من بينهم. ويقال مغاضباً على نفسه أي شديد المخالفة لهواه، وشديداً على أعداء الدين من مُخَالِفيه. {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي أنْ لن نُضَيِّقَ عليه بطن الحوت، ومن قوله: {أية : وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}تفسير : [الفجر: 16] أي ضيَّق. ويقال فظنَّ أن لن نقدر عليه من حَبْسِه في بَطْنِ الحوت. وخرج من بين قومه لَمَّا أُخْبِرَ بأنَّ الله يُعَذِّب قومَه، وخرج بأهله. ويقال إن السبعَ افترس أهله في الطريق، وأخذ النَّمِرُ ابناً صغيراً له كان معه، وجاء موج البحر فأغرق ابنَه الآخر، وركب السفينة، واضطرب البحر، وتلاطمت أمواجُه، وأشرفَتْ السفينةُ على الغرق، وأخذ الناسُ في إلقاء الأمتعة في البحر تخفيفاً عن السفينة، وطلباً لسلامتها من الغَرَقِ، فقال لهم يونس: لا تُلْقُوا أمْتِعَتَكم في البحر بل أطرحوني فيه فأنا المجرم فيما بينكم لتخلصوا. فنظروا إليه وقالوا: نرى عليكَ سيماء الصلاح، وليست تسمح نفوسُنا بإلقائك في البحر، فقال تعالى مخبراً عنه: {أية : فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ}تفسير : [الصافات:141] أي فقارعهم، فاستهموا، فوقعت القُرْعَةُ عليه. وفي القصة أنه أتى حَرْفَ السفينة، وكان الحوتُ فاغراً فاه، فجاء إلى الجانب الآخر فجاء الحوت إليه كذلك، حتى جاز كل جانب. ثم لمَّا عَلِمَ أنه مُرَادٌ بالبلاء ألقى نَفْسَه في الماء فابتلعه الحوت "وهو مليم": أي أتى بما يُلام عليه، قال تعالى: {أية : فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}تفسير : [الصافات: 142]. وأوحى الله إلى السمك: لا تَخْدِشْ منه لَحْماً ولا تَكْسِرْ منه عَظْماً، فهو وديعةٌ عندك وليس بِطُعْمَةٍ لك. فَبَقِي في بطنه - كما في القصة - أربعين يوماً. وقيل إن السمك الذي ابتلعه أُمِرَ بأن يطوف في البحر، وخلق الله له إدراك ما في البحر، وكان ينظر إلى ذلك. ويقال إن يونس عليه السلام صَحِبَ الحوتَ أياماً قلائل فإلى القيامة يقال له: ذا النون، ولم تبطل عنه هذه النسبة.. فما ظَنُّكَ بِعَبْدٍ عَبَدَه - سبحانه - سبعين سنة، ولازم قلبه محبته ومعرفته طولَ عمره... ترى أيبطل هذا؟ لا يُظَنُّ بِكَرَمِهِ ذلك! {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} يقال ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت - هذا بيان التفسير، ويحتمل أن تكون الظلمات ما التبس عليه من وقته واستبهم عليه من حاله.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} كان يونس عليه السّلام فى منزل الانبساط والعربدة فغضب عليه اذا شغله بشريعته عنه وعن مشاهدته وقربه ووصاله وظن انه فى غضبه وعربدته لم يكن ماخوذا به ولم يكن محتجبا به وكان محجوبا بسر واحد وهو ان الانبساط خط العراف والهيبة خط الله فاختار حظه على حظه وصار محجوبا عن محل الفناء فيه ويمكن انه كان مغاضبا على وجوده اذا كان موجودا عنه مشاهدة وجود الازل كانه غار على وحدانيته ولم يطق ان يرى وجوده فى وحدة القدم فلما ابتلعه الحوت وصار تحت قهر القدم فانيا عن رؤية غيرة الحق فى رؤية الحق تقاضى سر سره مقام بقائه وانبساطه فظن بسره انه لا يخرج من درك الفناء ولا يدرك فى منازل الفناء درجة البقاء فكاشفه الحق نقاب السلطانية عن جمال القدم وصار فى معارج جمال انس المشاهدة فلما وجد البقاء فى الفناء اعترف بعجزه وقلة علمه باسرار القدمية فقال {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} حين نازعت الربوبية بالربوبية علم ان الاتصال والاتحاد موضع المكر والخداع فاسقطا العلل واعترف بالوحدانية الصرف لازلية الله تعالى قال الجنيد مغاضبا على نفسه فى ذهابه فظن ان لن ياخذه بغضبه وذهابه قال ذو النون --- يخدع به العبد الالطاف والكرامات ورؤية الأيات وقال الجنيد فى قوله انى كنت من الظالمين اى من الجاهلين انك لا تقرب بطاعة ولا تبعد بمعصية وقد ظنت فى زمان الصبا ان الله سبحانه اراد ان يهيى ليونس عليه السلام ----- ومشاهدة فى بطن الحوت فتعلل بالامر والنهى والمقصود منه القرب والمشاهدة فاراه الحق فى اطباق الثرى فى ظلمات بطن الحوت ما ارى محمد صلى الله عليه وسلم فروق العرش فلما راى الحق تحير فى جلاله وقال لا اله الا انت سبحانك نزهت نفسك عما ظننا فيك فانت بخلاف الظنون واوهام الحدثان كنت من الظالمين فى وصف جلالك اذ وصف لا يليق بعزة وحدانيتك فوقع لهذا القول منه موقع قول سيد المرسلين حيث لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك ولذلك قال عليه السّلام لا تفضلونى على اخرى يونس فلما راى استطابا لموضع وظن ان لن يدرك لهما ما ادرك فى الدنيا بعد فغاب الحق عنه فاهتم ودعا بالنجاة فنجاه الله من وحشة ----- بقوله {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعنى من كان هذا حاله مع الله سبحانه تنجيه به منه قال الجنيد من همومهم وكروبهم بالاخلاص والصدق والافتقار والالتجاء وحقيقة حسن الاعتراف واظهار الاستسلام قال الواسطى فى قوله انى كنت من الضالمين حيث اختلج سر ان اريد غير ما اردت.
اسماعيل حقي
تفسير : {وذا النون} اى واذكر صاحب النون اى الحوت والمراد يونس ابن متى بفتح الميم وتشديد التاء المثناة فوق مفتوحة. قيل هو اسم ام يونس كذا فى جامع الاصول. قال عطاء سألت كعبا عن متى أهو اسم ابيه ام امه فقال اسم ابيه وامه بدورة وهى من ولد هارون وسمى يونس بذى النون لانه ابتلعه الحوت. قال الامام السهيلى اضافه هنا الى النون وقد قال فى سورة القلم {أية : ولا تكن كصاحب الحوت}تفسير : وذلك انه حين ذكره فى موضع الثناء عليه قال ذو النون فان الاضافة بذو اشرف من الاضافة بصاحب لان قولك ذو يضاف الى التابع وصاحب الى المتبوع تقول ابو هريرة رضى الله عنه صاحب النبى عليه السلام ولا تقول النبى صاحب ابى هريرة الاعلى جهة واما ذو فانك تقول ذو المال وذو العرش فتجد الاسم للاسم متبوعا غير تابع ولفظ النون اشرف من الحوت لوجوده فى حروف التهجى وفى اوائل بعض السور نحو {أية : ن والقلم}{أية : اذ ذهب}تفسير : اى اذكر خبره وقت ذهابه حال كونه {مغاضبا} مراغما لقومه اهل نينوى وهى قرية بالموصل لما مر من طول دعوته اياهم وشدة شكيمتهم وتمادى اصرارهم مهاجرا عنهم قبل ان يؤمر وبناء المفاعلة للدلالة على كمال غضبه والمبالغة فيه وقيل وعدهم بنزول العذاب لاجل معلوم وفارقهم ثم بلغه بعد مضى الاجل انه تعالى لم يعذبهم ولم يعلم سببه وهوانهم حين رأوا امارات العذاب تابوا واخلصوا فى الدعاء فظن انه كذبهم وغضب من اندفاع العذاب عنهم وذهب غضبان وهذا القول انسب بتقرير الشيخ نجم الدين فى تأويلاته وهو من كبار المحققين فكلامه راجح عند اهل اليقين {أية : فظن ان لن نقدر عليه}تفسير : اى لن نضيق عليه الامر يقال قدر على عياله قدرا ضيق وقدرت عليه الشئ ضيقته كأنما جعلته بقدر خلاف ما وصف بغير حساب نزل حاله منزلة من يظن ذلك. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الانسان اذا استولى عليه الغضب يلتبس عليه عقله ويحتجب عنه نور ايمانه حتى يظن بالله ما لا يليق بجلاله وعظمته ولو كان نبيا وان من كمال قوة نبينا عليه السلام انه كان يغضب ولا يقول فى الرضى والغضب الا الحق. وفيه اشارة اخرى وهى ان الله تعالى من كمال فضله وكرمه على عباده وان كانوا عصاة مستوجبين للعذاب ان يعاتب انبياءه لهم ولا يضرى عنهم اشتهاء نزول عذاب الله بقومهم وكراهية دفع العذاب عنهم بل يرضى لهم ان يستغفروا لهم ويستعفوه لدفع العذاب عنهم كما قال لنبينا عليه السلام "حديث : فاعف عنهم واستغفر لهم"تفسير : وقال فى حق الكفار وكان النبى عليه السلام يلعن بعضهم "حديث : ليس لك من الامر شئ او يتوب عليهم او يعذبهم فانهم ظالمون"تفسير : انتهى - روى - انه حين خرج مغاضبا اتى بحر الروم فوجد قوما هيأوا السفينة فركب معهم فلما توسطت السفينة البحر وقفت ولم تجر بحال فقال الملاحون هنا رجل عاص او عبد آبق لان السفينة لا تفعل هذا الا وفيها عاص او آبق ومن عادتنا اذا ابتلينا بهذا البلاء ان نقترع فمن وقعت عليه القرعة القيناه فى البحر فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس فقال انا الرجل العاصى والعبد الآبق فالقى نفسه فى البحر فجاء حوت فابتلعه فاوحى الله تعالى الى الحوت ان لا تؤذى منه شعرة فانى جعلت بطنك سجنا له ولم اجعله طعاما {فنادى} الفاء فصيحة اى فكان ما كان من القرعة والتقام الحوت فنادى {فى الظلمات} اى فى الظلمة الشديدة المتكائفة او فى ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. وقال الشيخ السمرقندى فى تفسيره وعندى والله اعلم ان تلك الظلمات كانت من الجهات الست كما قال عليه السلام "حديث : ورأيت رجلا من امتى من بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته يديه ظلمة فهو متحير فى الظلمات"تفسير : {ان} اى بانه {لا اله الا انت}. قال فى التأويلات النجمية يشير الى ان الروح الشريف اذا القى فى بحر الدنيا والتقمه حوت النفس الامارة بالسوء وابتلع حوت النفس حوت القالب يكون من النوادر سلامة الروح من آفات النفس بحيث لا تتصرف فيه ولا تغيره عن صفاته بوحى الحق اليها بان لا تؤذيه فانى لم اجعله طعمه لك وانما جعلتك حرزا وسجنا له كما كان حال يونس وسلامته فى بطن الحوت من النوادر ومن سلامة الروح ان يناديه فى ظلمة النفس وظلمة القالب وظلمة الدنيا ان لا اله الا انت اى لا اله يحفظنى من هذه الظلمات ويسلمنى من آفاتها وفتنتها ويلهمنى ان اذكره فى هذا الموطن على هذه الحالة الا انت {سبحانك} انزهك تنزيها لائقا بك من ان يعجزك شئ وان يكون ابتلائى هذا بغير سبب من جهتى كما قال فى المثنوى شعر : هرجه برتوآيد از ظلمات غم آن زبى باكى وكستاخيست هم تفسير : وفى التأويلات النجمية نزهه عن الظالم عليه وان كان فعله بخلق فيه كما قال تعالى {أية : والله خلقكم وما تعملون}تفسير : ونسب الظلم الى نفسه اعترافها واستحقاقا ورعاية للادب فقال {انى كنت من الظالمين} لانفسهم بتعريضها للهلاك حيث بادرت الى المهاجرة: وفى المثنوى شعر : جون بكويى جاهلم تعليم ده اينجينين انصاف ان ناموس به از بدر آموز اى روشن جبين ربنا كفت وظلمنا ييش ازين نى بهانه كردونى تزوير ساخت نى لواى مكروحيلت رفراخت تفسير : وفى عرائس البقلى قدس سره ان الله اراد ليونس معراجا ومشاهدة فى بطن الحوت فتعلل بالامر والنهى والمقصود منه القرابة والمشاهدة فاراه الحق فى طباق الثرى فى ظلمات بطن الحوت ما رأى محمد عليه السلام فوق العرش فلما رأى الحق تحير فى حاله فقال {أية : لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين}تفسير : نزهتك عما ظنننت فيك فانت بخلاف الظنون واوهام الحدثان {أية : انى كنت من الظالمين}تفسير : فى وصف جلالك اذ وصفى لا يليق بعزة وحدانيتك فوقع هذا القول منه موقع قول سيد المرسلين حيث قال "حديث : لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك"تفسير : ولذلك قال عليه السلام "حديث : لا تفضلونى على اخى يونس"تفسير : فلما رأى ما رأى استطاب الموضع فظن ان لا يدرك ما ادرك فى الدنيا بعد فغاب الحق عنه فاهتم ودعا بالنجاة فنجاه الله من وحشة بطن الحوت بقوله {فاستجبنا له} اى دعاءه الذى فى ضمن الاعتراف بالذنب على الطف وجه وآكده. وفيه اشارة الى انه تعالى كما اجاب يونس ونجاه من ظلمات عالم الاجسام كذلك ينجى روح المؤمن المؤيد منه من حجب ظلمات النفس والقالب والدنيا ليذكره بالوحدانية فى ظلمات عالم الاجساد كما كان يذكره فى انوار عالم الارواح ويكون متصرفا فى عالم الغيب والشهادة باذنه خلافة عنه كما فى التأويلات النجمية وفى الحديث "حديث : ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء الا استجيب له " تفسير : وعن الحسن ما نجاه والله الا اقراره على نفسه بالظلم. وفى صحيح المستدرك قال عليه السلام "حديث : اسم الله الاعظم الذى اذا دعى به اجاب واذا سئل به اعطى لا اله الا انت"تفسير : الخ {ونجيناه من الغم} من غم الالتقام والبحر بان قذفه الحوت الى الساحل بعد اربع ساعات او ثلاثة ايام او سبعة او اربعين والذهاب به الى البحار القاصية وتخوم الارض السابعة. وقال بعضهم كان رأس الحوت فوق الماء وفمه مفتوحا. وعن ابى هريرة رضى الله عنه يرفعه اوحى الله الى ا لحوت ان خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما فاخذه ثم هوى به الى مسكنه فى البحر فلما انتهى به الى اسفل البحر سمع يونس حسا فقال فى نفسه ما هذا فاوحى الله اليه ان هذا تسبيح دواب البحر فسبح هو فى بطنه فسمع الملائكة تسبيحه وقالوا يا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بارض غريبة. وفى رواية صوتا معروفا من مكان مجهول فقال ذاك عبدى يونس عصانى فحبسته فى بطن الحوت فقالوا العبد الصالح الذى كان يصعد اليك منه فى كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم فشفعوا عند ذلك فامر الحوت فقذفه فى الساحل {وكذلك} اى مثل ذلك الانجاء لا انجاء ادنى منه {ننجى المؤمنين} من غموم دعوا الله فيها بالاخلاص. وعن جعفر بن محمد قال عجبت ممن يبتلى باربع كيف يغفل عن اربع عجبت لمن يبتلى بالهم كيف لا يقول {أية : لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين}تفسير : لان الله تعالى يقول {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين} وعجبت لمن يخاف شيئا من السوء كيف لا يقول {أية : حسبى الله ونعم الوكيل}تفسير : لان الله تعالى يقول {أية : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء}تفسير : وعجبت لمن يخاف مكر الناس كيف لا يقول {أية : وافوض امرى الى الله ان الله بصير بالعباد}تفسير : لان الله تعالى يقول {أية : فوقاه الله سيآت ما مكروا}تفسير : وعجبت لمن يرغب فى الجنة كيف لا يقول {أية : ما شاء الله لا قوة الا بالله}تفسير : لان الله تعالى يقول {أية : فعسى ربى ان يؤتين خيرا من جنتك } حديث : قال قتادة ذكر لنا رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم ما كنت تعاقبنى به فى الآخرة فعجله لى فى الدنيا فمرض الرجل مرضا شديدا فأضنى حتى صار كأنه هامة فاخبر به رسول الله فاتاه فرفع رأسه وليس به حراك فقيل يا رسول الله انه كان يدعو بكذا وكذا فقال عليه السلام "يا ابن آدم انك لن تستطيع ان تقوم بعقوبة الله تعالى ولكن قل اللهم ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" فدعا بها فبرئ . تفسير : وعن خالد بن الوليد رضى الله عنه انه قال يا رسول الله اروّع فى منامى قال قل {اعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين ان يحضرونى}: وفى المثنوى شعر : تا فرود آيد بلا بى دافعى جون نباشد ازتضرع شافعى جز خضوع وبندكى واضطرار اندرين حضرت ندارد اعتبار رور را بكذار وزارى را بكير رحم سوى زارى آيد اى فقير زارئ مضطركه تشنه معنويست زارئ سردى دروغ آن غويست كريه اخوان يوسف حيلتست كه درونشان برزرشك وعلتست
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {ذا النُّون} أي: صاحب الحوت، وهو يونس عليه السلام، {إِذ ذهبَ مغاضِبًا} أي: مراغمًا لقومه، فارًا عنهم، وغضب من طول دعوته إياهم، وشدة شكيمتهم، وتمادي إصرارهم، فخرج مهاجرًا عنهم، قبل أن يُؤمر، وقيل: وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم؛ لأجل توبتهم، ولم يشعر بها، فظن أنه كذبهم، فغضب من ذلك، فهو من باب المغالبة؛ للمبالغة؛ أو لأنه غضب لما رأى منهم من الإصرار، وغضبوا لمفارقته إياهم، وكان من حقه عليه السلام أن يصبر وينتظر الإذن الخاص من الله تعالى، فلما استعجل ابتلي ببطن الحوت، وقال ابن عباس: قال جبريلُ ليونس عليه السلام: انطلق إلى أهل نِينَوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، قال: ألتمس دابة، قال: الأمر أعجل من ذلك، فانطلق إلى السفينة فركبها، فاحتبست السفينة فساهموا فسُهِم، فجاءه الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك رزقًا، إنما جعلناه لك حِرزًا، فالتقمه، ومرّ به على الأبُلة، ثم على دجلة، ثم مَرَّ به حتى ألقاه بنينَوَى. هـ. وقال وهب بن منبه رضي الله عنه: إنَّ يونس كان عبدًا صالحًا ضَيِّق الخلق، فلما حمل أثقال النبوة تفسخ منها تفسُّخَ الرّبَع تحت الحمل الثقيل، فقذفها وخرج هاربًا عنها، ولذلك أخرجه الله من أولي العزم، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 35]، وقال: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القَلَم: 48]، أي: لا تلق أمري كما ألقاه. هـ. وأما قول الحسن: مغاضبًا لربه، فلا يليق بمقام الأنبياء - عليهم السلام - إلا أن يحمل على أن خروجه بلا إذن كأنه مغاضب. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {فظنَّ أن لن نقْدِرَ عليه} أي: لن نضيق عليه، أو لن نقدر عليه بالعقوبة، فهو من القدرة، ويؤيده قراءة من شدَّد، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: دخلت يومًا على معاوية، فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلا أرى لنفسي خلاصًا إلا بك، قال: وما هي؟ فقرأ الآية... فقال: أو يظن نبي الله ألا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة. هـ. وقيل: إنه على حذف الاستفهام. أي: أيظن أن لن نقدر عليه، وقيل: هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن يقدر عليه، أي: تعامل معاملة من ظن أن لن نقدر عليه؛ حيث استعجل الفرار. قلت: لإعلاء مقامه كثرت مطالبته بالأدب، فحين خرج من غير إذن خاص؛ عُدَّ خروجه كأنه ظن ألا تنفذ فيه القدرة، وتمسك عليه السلام بالإذن العام، وهو الهجرة من دار الكفر، وهو لا يكفي في حق أمثاله، فعوقب بالسجن في بطن الحوت. {فنادى في الظلمات} أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة كقوله: {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ...} تفسير : [البَقَرة: 17]، أو في ظلمة بطن الحوت والبحر والليل: {أن لا إِله إِلا أنتَ} أي: بأنه لا إله إلا أنت، أو تفسيرية، أي: قال: لا إله إلا أنت، {سبحانك} أي: أنزهك تنزيهًا لائقًا بك من أن يعجزك شيء، أو: تنزيهًا لك عما ظننتُ فيك، {إِني كنتُ من الظالمين} لنفسي؛ بخروجي عن قومي قبل أن تأذن لي، أو من الظالمين لأنفسهم بتعريضها للهلكة، وعن الحسن: ما نجاه، والله، إلا إقراره على نفسه بالظلم. {فاستجبنا له} أي: أجبنا دعاءه الذي دعا في ضمن الاعتراف بالذنب على ألطف وجه وأحسنه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ مَكْرُوبٍ يَدْعُو بِهَذا الدُّعَاءِ إلاّ اسْتُجِيبَ لَهُ"تفسير : . {ونجيناه من الغم}: الذلة والوحشة والوحدة، وذلك بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات، وقيل: بعد ثلاثة أيام، {وكذلك نُنجي المؤمنين} أي: مثل ذلك الإنجاء الكامل نُنجي المؤمنين من غمومهم، إذا دعوا الله، مخلصين في دعائهم. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اسم الله الذي إذا دُعي به أجب، وإذا سُئل به أعطى" تفسير : : دعوة يونس بن متى، قيل: يا رسول الله، أليونس خاصة؟ قال: حديث : بل هي عامة لكل مؤمن، ألم تسمع قول الله تعالى: {وكذلك ننجي المؤمنين}تفسير : . وهنا قراءات في {نُنجي}، مذكورة في كتب القراءات، تركتها لطول الكلام فيها. الإشارة: من تحققت له سابقة العناية لا تُبعده الجناية، ولا تُخرجه عن دائرة الولاية، بل يؤدب في الدنيا بالابتلاء في بدنه أو ماله، على قدر الجناية وعلو المقام، ثم يُرد إلى مقامه. وها هنا حكايات للصوفية - رضي الله عنهم - من هذا النوع، مِنْهَا: حكاية خير النساج رضي الله عنه، قيل له: أكان النسج صنعتك؟ قال: لا، ولكن كنتُ عاهدت الله واعتقدت ألا آكل الرطب، فغلبتني نفسي واشتريت رطلاً منه، فجلستُ لآكله، فإذا رجل وقف عليّ، وخنقني، وقال: يا عبد السوء، أتهرب من مولاك - وكان له عبد اسمه: "خير" أَبَقَ مِنْه، أَلقى الله شبهه عليَّ - فحملني إلى حانوته، وقال: اعمل عملك، أمرني بعمل الكرباس - وهو القطن - فدليت رجلي لأنسجه، فكأني كنت أعمله سنين، فبقيت معه أشهرًا، فقمتُ ليلة إلى صلاة الغداة، وقلت: إلهي لا أعود، فأصبحت، فإذا الشبه قد زال عني، وعُدتُ إلى صورتي التي كُنتُ عليها، فأُطلقت، فثبت عليّ هذا الاسم، فكان سببُه اتباع شهوتي. ومنها قضية أبي الخير العسقلاني رضي الله عنه قال: اشتهيتُ السمك سنين، ثم ظهر له من وجه حلال، فلما مد يده ليأكل، أخذت شوكة من عظامه إصبعَه، فذهبت في ذلك، فقال: إلهي هذا لمن مد يده لشهوة من حلال، فكيف بمن مد يده لشهوة من حرام. ومنها: قضية إبراهيم الخواص رضي الله عنه قال: كنت جائعًا في الطريق، فوافيت الرِّي - اسم بلدة - فخطر ببالي أن لي بها معارف، فإذا دخلتها أضافوني وأطعموني، فلمَّا دخلت البلد رأيت فيها مُنكرًا احتجت أن آمر فيه بالمعروف، فأخذوني وضربوني، فقلتُ في نفسي: من أين أصابني هذا، على جوعي؟ فنُوديت في سري: إنك سكنت إلى معارفك بقلبك، ولم تسكن إلى خالقك. وأمثال هذا كثير بأهل الخصوصية، يُؤدبون على أقل شيء من سوء الأدب؛ لشدة قربهم، ثم يُردون إلى مقامهم. ومن هذا النوع قصة سيدنا يونس عليه السلام؛ حيث خرج من غير إذن خاص، فأدَّبه، ثم رده إلى النبوة والرسالة، وقد كنتُ سمعت من بعض الأشياخ أن أيوب عليه السلام إنما أصيب في ماله، لأنه كان بجوار ماله كافر، فكان يداريه؛ لأجل ماله، فأصيب فيه وفي بدنه؛ تأديبًا وتكميلاً له. و الله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر زكريا عليه السلام
فرات الكوفي
تفسير : {سبحانك إنى كنت من الظالمين87} فرات [بن إِبراهيم الكوفي. ب. قال: حدثنا محمد بن أحمد. ر، أ. بن إِبراهيم الكوفي. أ] معنعناً: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده [ر: آبائه] عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : إن الله تبارك وتعالى عرض ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام على أهل السماوات وأهل الأرض فقبلوها ما خلا يونس بن متى فعاقبه الله وحبسه في بطن الحوت لإنكاره ولاية أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب عليه السلام.] حتى قبلها . تفسير : قال أبو يعقوب!: فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لإنكاري ولاية علي بن أبي طالب [عليه السلام. ب، ر]. قال أبو عبد الله: فأنكرت الحديث فأعرضته! على عبد الله بن سليمان المدني فقال لي: لا تجزع منه فإن [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام خطب هنا بالكوفة فحمد الله تعالى وأثنى عليه فقال في خطبته: فلولا أنه كان من المقرين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فقام إليه فلان بن فلان وقال: يا أمير المؤمنين إنا سمعنا الله [يقول. ب]: {أية : فلولا أنه كان من المسبحين} تفسير : [143/ الصافات] فقال: اقعد يا بكار فلولا أنه كان من المقرين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون.
اطفيش
تفسير : {وَذَا النُّونِ} صاحب الحوت؛ أضيف للحوت لأن الحوت بلعه، وهو يونس بن مَتَّى. قال السهيل: هذا مقام ثناء على يونس، ولذا عبر عنه بذو، بخلاف: {أية : ولا تكن كصاحب الحوت} تفسير : والإضافة بذو أشرف من الإضافة بصاحب؛ لأن ذو تضاف إلى التابع وصاحب يضاف إلى المتبوع. انتهى. ولعل هذا غير لازم، وهو نبى من أهل نِينَوِى. {إذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} لقومه أى غضبان عليهم غضبا شديدا، مما قاسى منهم من التكذيب وغيره، ولم يؤذن له فى ذلك سئم بقومه، وذهب عنهم غضبا، قبل أن يؤمر. وقيل: وعدهم بالعذاب غدا، ولم يأتهم العذاب غدا لقوتهم، ولم يعرف بذلك، وظن أنه يقال فيه: كذب. وغضب من حيث بلغه تكذيبهم إلى هذا المقام ولم يقل: غضبان، بل مغاضبًا؛ لأن مفاعِل والتفاعُل يستعمل كثيراً للمغالبة، فاستعمل منه مفاعِل هنا، قصدا للمبالغة، أو الألف للتعدية؛ لأنه أغضبهم بالمهاجَرة، لخوفهم لحوق العذاب، كما يقال: ماشيْتُه وسايرتُه. وقرأ أبو شرف مغضبًا بفتح الضاد. ونقل عنه أبو حيّان مغاضَبا بفتحها. {فظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} لن نقضى عليه ما قضينا، من حبسه فى بطن الحوت. ويدل لهذا أنه قرأ الزهرى والحسن نُقَدِّر بضم النون وفتح القاف وتشديد الدال. وقرئ نَقْدِر بفتح وسكون القاف وكسر الدال. وقرأ يعقوب بالياء والبناء للمفعول. وقرئ بالياء والبناء للمفعول مع التشديد. وفاعل ذى الياء ضمير الله، ونائبه: عليه. وقيل فى المعنى: ذلك هو التضييق، أو تقدير الله عليهم عقوبة، أو المراد أنه ظن أن لن تعمل فيه قدرتنا. وقيل: ذلك من المجاز المركب لاستعارى، مُثّلت حاله بحال من يظن أنه لن يقدر الله عليه، فى مراغمته قومه، من غير انتظار لأمرنا، أو وسوس له الشيطان: أنه لا يقدر عليك ولم يتبعه، ولا كاد يتبعه، أو يقبل وسوسته، ولكن سميت ظنًّا، للمبالغة والتغليظ عليه، حيث ذهب ولم يؤمر، بل أمر قبل ذلك بالصبر على دعائهم، وظن أن ذلك يسوغ له، إذ لم يفعل إلا غضبًا لله تعالى وبغضًا للكفر وأهله. وتلك المعانى كلها، يقبلها التخفيف والتشديد. وإذا رأيت التشديد مستغنى عنه فاجعله لموافقة التخفيف، أو للتوكيد. وخص بعضهم التفسير، بأنه ظن أن لن تعمل فيه قدرتنا والتفسير بالمجاز المركب والتفسير بالوسوسة بقراءة التخفيف. وممن فسر الآية بالقَدْر لا بالقُدرة ابن عباس. رُوى أنه دخل على معاوية. فقال معاوية لقد ضربتنى أمواج القرآن البارحة فغرقتُ، فلم أجد لنفسى خلاصا إلا بك. قال: وما ذاك يا معاوية؟ فقرأ الآية فقال: أوَ يظن نبى الله أن لا يقدر عليه الله؟ قال: هذا من القَدْر لا من القُدرة. وزعم بعضهم أنه غضب لأن العذاب لم ينزل عليهم، وهو باطل؛ لأن فيه طرفا من معاداة الله. وإنما فر سآمة وغضبًا لدين الله - كما مر - أو خشية أن ينسب إليه الكذب، أو يعمه العذاب، ولم يؤمر. فذلك ذنبه. وعن ابن عباس: إن يونس وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك نسبّه منهم سبعة أسباط ونصف، وبقى سبطان ونصف، فأوحى الله إلى أشعياء النبى: أن سر إلى حرفيا الملك، وقل له يوجه نبيًّا قويا، فإنى ألقى فى قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بنى إسرائيل، ففعل. فقال الملك: فمن ترى؟ وكان فى مملكته خمسة أنبياء. قال: يونس؛ لأنه قوى فدعاه الملك، وأمره أن يخرج. فقال: هل أمرك الله بإخراجى؟ وهل سمانى لك؟ قال: فها هنا أنبياء أقوياء غيرى. فألحوا عليه، فخرج مغاضبًا للملك والأنبياء وللقوم، وأتى بحر الروم فركبه. وقيل: خرج من قومه لما لم يؤمنوا، وكان عندهم عادة أن يقتلوا الكاذب. وقيل: اعتادوا هذا بعد إيمانهم. وعن ابن عباس: أتى جبريل يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرْهم فقال: ألتمس دابة. قال: الأمر أعجل من ذلك. فغضب وانطلق إلى السفينة. قال وهب: كان فى خُلُق يونس ضيق، فلما حمل أثقال النبوة تَفَسَّخ تحتها، تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها من يده، وخرج هاربًا منها. ولذلك أخرجه الله من أولى العزم؛ إذ قال لنبيه: {أية : فاصبر كما صبر أولو العزم} تفسير : وقال: {أية : ولا تكن كصاحب الحوت}. تفسير : وزعم بعض أن الشيطان استزله حتى ظن أن الله لا يقدر عليه، وهو قول منكر. ولبث فى بطن الحوت عشرين يوماً بلياليها. وقيل: سبعة أيام. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربع ساعات. وقيل: إن الحوت ذهب حتى بلغ تخوم الأرض السابعة. وتاب إلى الله، وراجع نفسه فى بطن الحوت. وروى أنه طال عليه تكذيبهم، فأوحى الله إليه: أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا. فلما دنا الوقت تنحى عنهم. ولما كان قبل الوقت بيوم، جعل يطوف بالمدينة يبكى ويقول: يأتيكم العذاب غداً، فسمعه رجل فانطلق إلى الملك، فأخبره أنه سمع يونس يبكى، ويقول كذا. فدعا الملك قومه، وأخبرهم. فقال: إن كان هذا حقًّا فسيأتيكم غداً. فاجتمِعوا حتى ننظر. وخرجوا غداً، فنظروا فإذا بظلمة وريح شديدة أقبلتا، فعرفوا الحق، ولبسوا الشَّعَر، وجعلوا التراب والرماد على رءوسهم تواضعًا لله وتضرعًا، وبكوا وآمنوا. فصرف الله عنهم العذاب. فاشترط بعضهم على بعض: ألا يكذب أحد كذبة إلا قطعنا لسانه. فجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، والناس داخلون وخارجون فقال: كيف ألقاهم بوجه كاذب. فأتى إلى ساحل البحر، فمرت سفينة، فأشار إليهم، فحملوه وهم لا يعرفونه فقبع فى ناحية منها فرَقد، فما مضوا إلا قليلا حتى جاءتهم ريح كادت السفينة تغرق. فاجتمعوا فقالوا: أيقظوا الرجل ليدعوا معنا فأيقظوه. فدعا معهم، فرفع الله تلك الريح، وعاد لمكانه فعادت الريح، فكادت السفينة تهلك، فأيقظوه فدعوا فزالت الريح فتفكر فقال: هذا من خطيئتى. فقال لهم: شدونى وثاقا، وألقونى فى البحر فقالوا: لا نفعل، وحالك ما نرى، ولكن نقترع. ففعلوا، فجاءت له، وقالوا: لا حتى تعيد، فأعادوا، فجاءت له. فانطلق إلى صدر السفينة ليلقى نفسه، فإذا بحوت فاتح فاه. فانطلق لجانب آخر، فإذا فيه الحوت، فألقى نفسه. فأوحى الله: إنى لم أجعله لك رزقا، بل جعلت بطنك له سجناً، فلا تكسرن له عظمًا، ولا تقطعن له شَعرًا، فبقى فى بطنه. قال الشيخ هود: أربعين ليلة. {فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَنْ} مخففة من الثقيلة، اى بأن أو تفسيرية {لا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فى ذهابى من غير أن تأمرنى، أو فى غضبى لنفسى أن أسمَّى كاذبا. والمراد بالظلمات: الظلمات المتكاثفة فى بطن الحوت. وقيل: ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر. وقيل: بلع حوته حوتا أكبر منه، فهو فى ظلمتى بطن الحوتين، وظلمةِ البحر. "حديث : وعنه صلى الله عليه وسلم: دعوة أخى ذى النون:{لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين} ما دعا بها مؤمن، أو قال: مسلم، إلا استجيب له ". تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما مسلم دعا بها فى مرضه أربعين مرة، فمات فى مرضه أُعطى أجر شهيد، وإن برئ، برئ وقد غفر له جميع ذنوبه ". تفسير : ومصداق عموم بركة هذا الدعاء لكل مسلم دعا به: {أية : وكذلك ننجى المؤمنين} تفسير : كما روى عنه صلى الله عليه وسلم. حديث : وروى أنه هَوَى به الحوت إلى مسكنه أسفل البحر، وسمع يونس فيه حسًّا فقال فى نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه: هذا تسبيح دواب البحر، فسبَّح هو بالدعاء المذكور. فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، وفى رواية: صوتا معروفا فى مكان مجهول. فقال: ذلك عبدى يونس، عصانى فحبسته فى بطن الحوت. فقالوا: العبد الصالح الذى كان يصعد منه كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. فشفعوا له عند ذلك . حديث : وروى أنه سجد فى بطن الحوت، حين سمع تسبيح الحوت . حديث : ورأى بعضهم النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم. فقال: يا رسول الله لى حاجة إلى الله، فبماذا أتوسل إليه؟ فقال: مَن كانت له حاجة إلى الله تعالى فلْيتوضأ، وليسجد وليقل فى سجوده أربعين مرة، ويشير بأصبعه: {لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين} فإنه يستجيب دعوته . تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : اسم الله عز وجل الذى إذا دُعِىَ به أجاب، وإذا سُئل أعطى: دعوة يونس بن مَتَّى ". تفسير : وقالوا: مَن كتبها فى جلد ظبى وعلّقها فى وسطه ونام، فإنه لا يستيقظ حتى يقلع عنه الكتاب. وهذا يصلح لمن طال سهره لكفرة وخوف، أو نحوهما.
الالوسي
تفسير : {وَذَا ٱلنُّونِ} أي واذكر صاحب الحوت يونس عليه السلام ابن متى وهو اسم أبيه على ما في «صحيح البخاري» وغيره وصححه ابن حجر / قال: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس، وقال ابن الأثير كغيره إنه اسم أمه ولم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمه غيره وغير عيسى عليهما السلام. واليهود قالوا بما تقدم إلا أنهم سموه يونه بن أميتاي، وبعضهم يقول يونان بن أماثي، والنون الحوت كما أشرنا إليه ويجمع على نينان كما في «البحر» وأنوان أيضاً كما في «القاموس». {إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِباً} أي غضبان على قومه لشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مع طول دعوته إياهم، وكان ذهابه هذا هجرة عنهم لكنه لم يؤمر به. وقيل: غضبان على الملك حزقيل، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً فأوحي الله تعالى إلى شعياء النبـي أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له يوجه خمسة من الأنبياء لقتال هذا الملك فقال: أوجه يونس ابن متى فإنه قوي أمين فدعاه الملك وأمره أن يخرج فقال يونس: هل أمرك الله تعالى بإخراجي؟ قال: لا قال: هل سماني لك، قال: لا فقال يونس: فهٰهنا أنبياء غيري فألحوا عليه فخرج مغاضباً فأتى بحر الروم فوجد قوماً هيئوا سفينة فركب معهم فلما وصلوا اللجة تكفأت بهم السفينة وأشرفت على الغرق فقال الملاحون: معنا رجل عاص أو عبد آبق ومن رسمنا إذا ابتلينا بذلك أن نقترع فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ولأن يغرق أحدنا خير من أن تغرق السفينة فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس عليه السلام فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق فألقى نفسه في البحر فجاءت حوت فابتلعته فأوحى الله تعالى إليها أن لا تؤذيه بشعرة فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً ثم نجاه الله تعالى من بطنها ونبذه بالعراء وقد رق جلده فأنبت عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس عليه السلام فقيل له: أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم؟ فأوحى الله تعالى إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم وقال لملكهم: إن الله تعالى أرسلني إليك فأرسل معي بني إسرائيل قالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا علمنا أنك صادق لفعلنا وقد آتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان الأمر كما تقول لمنعنا الله تعالى عنكم فطاف فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه قل لهم إن لم يؤمنوا جاءهم العذاب فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس عليه السلام للعلماء الذين عندهم فقالوا: انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس كما ذكر من نزول العذاب وإن كان قد خرج فهو كما قال فطلبوه فقيل لهم: إنه خرج العشية فلما أيسوا غلقوا باب مدينتهم ولم يدخلوا فيها دوابهم ولا غيرها وعزلوا كل واحدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات ثم قاموا ينتظرون الصبح فلما انشق الصبح نزل العذاب من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاحت الصبيان والدواب فرفع الله تعالى العذاب عنهم فبعثوا إلى يونس حتى لقوه فآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل، وقيل مغاضباً لربه عز وجل. وحكي في هذه المغاضبة كيفيات؛ وتعقب ذلك في «البحر» بأنه يجب اطراح هذا القول إذ لا يناسب ذلك منصب النبوة وينبغي أن يتأول لمن قال ذلك من العلماء كالحسن والشعبـي وابن جبير وغيرهم من التابعين وابن مسعود من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأن يكون معنى قولهم لربه لأجل ربه تعالى وحمية لدينه، فاللام لام العلة / لا اللام الموصلة للمفعول به انتهى. وكون المراد مغاضباً لربه عز وجل مقتضى زعم اليهود فإنهم زعموا أن الله تعالى أمره أن يذهب إلى نينوى وينذر أهلها فهرب إلى ترسيس من ذلك وانحدر إلى يافا ونزل في السفينة فعظمت الأمواج وأشرفت السفينة على الغرق فاقترع أهلها فوقعت القرعة عليه فرمى بنفسه إلى البحر فالتقمه الحوت ثم ألقاه وذهب إلى نينوى فكان ما كان، ولا يخفى أن مثل هذا الهرب مما يجل عنه الأنبياء عليهم السلام واليهود قوم بهت. ونصب {مُغَـٰضِباً} على الحال وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكاً نحو عاقبت اللص وسافرت، وكأنه استعمل ذلك هنا للمبالغة؛ وقيل المفاعلة على ظاهرها فإنه عليه السلام غضب على قومه لكفرهم وهم غضبوا عليه بالذهاب لخوفهم لحوق العذاب. وقرأ أبو سرف {مُغَـٰضِباً} اسم مفعول. {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي أنه أي الشأن لن نقدر ونقضي عليه بعقوبة ونحوها أو لن نضيق عليه في أمره بحبس ونحوه، ويؤيد الأول قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري {نقدر} بالنون مضمومة وفتح القاف وكسر الدال مشددة، وقراءة على كرم الله تعالى وجهه واليماني {يقدر} بضم الياء وفتح القاف والدال مشددة فإن الفعل فيهما من التقدير بمعنى القضاء والحكم كما هو المشهور، ويجوز أن يكون بمعنى التضيق فإنه ورد بهذا المعنى أيضاً كما ذكره الراغب، وظن معاوية رضي الله تعالى عنه أنه من القدرة فاستشكل ذلك إذ لا يظن أحد فضلاً عن النبـي عليه السلام عدم قدرة الله تعالى عليه وفزع إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأجابه بما ذكرناه أولاً؛ وجوز أن يكون من القدرة وتكون مجازاً عن إعمالها أي فظن أن لن نعمل قدرتنا فيه أو يكون الكلام من باب التمثيل أي فعل فعل من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا، وقيل: يجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه عليه السلام بوسوسة الشيطان ثم يردعه ويرد بالبرهان كما يفعل المؤمن المحقق بنزغات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت، ومنه { أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } تفسير : [الأحزاب: 10] والخطاب للمؤمنين. وتعقبه صاحب «الفرائد» بأن مثله عن المؤمن بعيد فضلاً عن النبـي صلى الله عليه وسلم المعصوم لأنه كفر، وقوله تعالى: { أية : تَظُنُّونَ } تفسير : [الأحزاب: 10] الخ ليس من هذا القبيل على أنه شامل للخلص وغيرهم، وبأن ما هجس ولم يستقر لا يسمى ظناً، وبأن الخواطر لا عتب عليها، وبأنه لو كان حامله على الخروج لم يكن من قبيل الوسوسة. وأجيب بأن الظن بمعنى الهجس في الخاطر من غير ترجيح مجاز مستعمل والعتب على ذهابه مغاضباً ولا وجه لجعله حاملاً على الخروج؛ ومع هذا هو وجه لا وجاهة له. وقرأ ابن أبـي ليلى وأبو سرف والكلبـي وحميد بن قيس ويعقوب {يقدر} بضم الياء وفتح الدال مخففاً، وعيسى والحسن بالياء مفتوحة وكسر الدال. {فَنَادَىٰ} الفاء فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقام الحوت فنادى {فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ} أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت جعلت الظلمة لشدتها كأنها ظلمات، وأنشد السيرافي: شعر : وليل تقول الناس في ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها تفسير : أو الجمع على ظاهره والمراد ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل، وقيل: ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي البحر والليل {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ} أي بأنه لا إلٰه إلا أنت على أن أن مخففة من الثقيلة والجار مقدر وضمير الشأن محذوف أو أي لا إلٰه إلا أنت على أنها مفسرة {سُبْحَـٰنَكَ} / أي أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن يعجزك شيء أو أن يكون ابتلائي بهذا من غير سبب من جهتي {إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} لأنفسهم بتعريضهم للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة من غير أمر على خلاف معتاد الأنبياء عليهم السلام، وهذا اعتراف منه عليه السلام بذنبه وإظهار لتوبته ليفرج عنه كربته.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : وذا الكفل}تفسير : [الأنبياء: 85]. وذكر ذي النون في جملة من خُصّوا بالذكر من الأنبياء لأجل ما في قصته من الآيات في الالتجاء إلى الله والندم على ما صدر منه من الجزع واستجابة الله تعالى له. و (ذو النون) وصفٌ، أي صاحب الحوت. لقب به يونس بن متَى ــــ عليه السلام ــــ. وتقدمت ترجمته في سورة الأنعام وتقدمت قصته مع قومه في سورة يونس. وذهابُه مغاضباً قيل خروجه غضبان من قومه أهل (نينَوى) إذْ أبَوا أن يؤمنوا بما أرسل إليهم به وهم غاضبون من دعوته، فالمغاضبة مفاعلة. وهذا مقتضى المروي عن ابن عباس. وقيل: إنه أوحي إليه أن العذاب نازل بهم بعد مدة فلما أشرفت المدّة على الانقضاء آمنوا فخرج غضبانَ من عدم تحقق ما أنذرهم به، فالمغاضبة حينئذ للمبالغة في الغضب لأنه غَضب غريب. وهذا مقتضى المروي عن ابن مسعود والحسن والشعبي وسعيد بن جبير، وروي عن ابن عباس أيضاً واختاره ابن جرير. والوجه أن يكون {مغاضباً} حالاً مراداً بها التشبيه، أي خرج كالمغاضب. وسيأتي تفصيل هذا المعنى في سورة الصافات. وقوله تعالى: {فظن أن لن نقدر عليه} يقتضي أنه خرج خروجاً غير مأذون له فيه من الله. ظن أنه إذا ابتعد عن المدينة المرسل هو إليها يرسل الله غيره إليهم. وقد روي عن ابن عباس أن (حزقيال) ملكَ إسرائيل كان في زمنه خمسةُ أنبياء منهم يونس، فاختاره الملِك ليذهب إلى أهل (نينوَى) لدعوتهم فأبى وقال: ههنا أنبياء غيري وخرج مغاضباً للملِك. وهذا بعيد من القرآن في آيات أخرى ومن كتب بني إسرائيل. ومحلّ العبرة من الآية لا يتوقف على تعيين القصة. ومعنى {فظن أن لن نقدر عليه} قيل نقدر مضارع قَدَر عليه أمراً بمعنى ضيّق كقوله تعالى: {أية : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}تفسير : [الرعد: 26] وقوله تعالى: {أية : ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله}تفسير : [الطلاق: 7]، أي ظن أن لن نضيّق عليه تَحْتيم الإقامة مع القوم الذين أرسل إليهم أو تحتيم قيامه بتبليغ الرسالة، وأنه إذا خرج من ذلك المكان سقطَ تعلق تكليف التبليغ عنه اجتهاداً منه، فعوتب بما حلّ به إذ كان عليه أن يستعلم ربه عما يريد فعله. وفي «الكشاف»: أن ابن عباس دخل على معاوية فقال له معاويةُ: «لقد ضربتني أمواجُ القرآن البارحة فغرِقت فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك. قال: وما هي؟ فقرأ معاوية هذه الآية وقال: أو يظن نبي الله أن الله لا يقدر عليه؟ قال ابن عباس: هذا من القَدرْ لا من القُدرة». يعني التضييق عليه. وقيل {نقدر}هنا بمعنى نحكم مأخوذ من القُدرة، أي ظن أن لن نؤاخذه بخروجه من بين قومه دون إذنٍ. ونقل هذا عن مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وهو رواية عن ابن عباس واختاره الفرّاء والزجاج. وعلى هذا يكون يونس اجتهد وأخطأ. وعلى هذا الوجه فالتفريع تفريع خُطور هذا الظن في نفسه بعد أن كان الخروج منه بادرةً بدافع الغضب عن غير تأمل في لوازمه وعواقبه، قالوا: وكان في طبعه ضيق الصدر. وقيل معنى الكلام على الاستفهام حذفت همزته. والتقدير: أفظن أن لن نقدر عليه؟ ونسب إلى سليمان بن المعتمر أو أبي المعتمر. قال منذر بن سعيد في «تفسيره»: وقد قرىء به. وعندي فيه تأويلان آخران وهما: أنه ظن وهو في جوف الحوت أن الله غير مخلصه في بطن الحوت لأنه رأى ذلك مستحيلاً عادة، وعلى هذا يكون التعقيب بحسب الواقعة، أي ظن بعد أن ابتلعَه الحوت. وأما نداؤه ربه فذلك توبة صدرت منه عن تقصيره أو عجلته أو خطأ اجتهاده، ولذلك قال: {إني كنت من الظالمين} مبالغة في اعترافه بظلم نفسه، فأسند إليه فعل الكون الدال على رسوخ الوصف، وجعل الخبر أنه واحد من فريق الظالمين وهو أدل على أرسخية الوصف، أو أنه ظن بحسب الأسباب المعتادة أنه يهاجر من دار قومه، ولم يظن أن الله يعوقه عن ذلك إذ لم يسبق إليه وحي من الله. و {إني}مفسرة لفعل {نادى. }وتقديمه الاعتراف بالتوحيد مع التسبيح كنّى به عن انفراد الله تعالى بالتدبير وقدرته على كل شيء. والظلمات: جمع ظلمة. والمراد ظلمة الليل، وظلمة قعر البحر، وظلمة بطن الحوت. وقيل: الظلمات مبالغة في شدة الظلمة كقوله تعالى: {أية : يخرجهم من الظلمات إلى النور}تفسير : [البقرة: 257]. وقد تقدم أنا نظن أن «الظلمة» لم ترد مفردة في القرآن. والاستجابة: مبالغة في الإجابة. وهي إجابة توبته مما فرط منه. والإنجاء وقع حين الاستجابة إذ الصحيح أنه ما بقي في بطن الحوت إلا ساعة قليلة، وعطف بالواو هنا بخلاف عطف {فكشفْنا} على {فاستجبنا} وإنجاؤه هو بتقدير وتكوين في مزاج الحوت حتى خرج الحوت إلى قرب الشاطىء فتقاياه فخرج يسبَح إلى الشاطىء. وهذا الحوت هو من صنف الحوت العظيم الذي يبتلع الأشياء الضخمة ولا يقضمها بأسنانه. وشاع بين الناس تسمية صنفٍ من الحوت بحوت يونس رجماً بالغيب. وجملة {وكذلك ننجي المؤمنين} تذييل. والإشارة بــــ {كذلك} إلى الإنجاء الذي أُنجي به يونس، أي مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين من غُموم بحسب من يقع فيها أن نجاته عسيرة. وفي هذا تعريض للمشركين من العرب بأن الله منجي المؤمنين من الغمّ والنكد الذي يلاقونه من سوء معاملة المشركين إياهم في بلادهم. واعلم أن كلمة {نُنجّيَ} كتبت في المصاحف بنون واحدة كما كتبت بنون واحدة في قوله في [سورة يوسف: 110] {أية : فننجي من نشاء}. تفسير : ووجّه أبو علي هذا الرسم بأن النون الثانية لما كانت ساكنة وكان وقوع الجيم بعدها يقتضي إخفاءها لأن النون الساكنة تخفى مع الأحرف الشجرية وهي الجيم والشين والضاد فلما أُخفيت حذفت في النطق فشابَه إخفاؤُها حالةَ الإدغام فحذَفَها كاتبُ المصحف في الخطّ لخفاء النطق بها في اللفظ، أي كما حذفوا نون (إن) مع (لا) في نحو إلا فعلوه من حيث إنها تدغم في اللام. وقرأ جمهور القراء بإثبات النونين في النطق فيكون حذف إحدى النونين في الخط مجرد تنبيه على اعتبارٍ من اعتبارات الأداء. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم بنون واحدة وبتشديد الجيم على اعتبار إدغام النون في الجيم كما تدغم في اللام والراء. وأنكر ذلك عليهما أبو حاتم والزجّاج وقالا: هو لَحن. ووجّه أبو عبيد والفراء وثعلب قراءتهما بأن «نُجِي» سكنت ياؤه ولم تحرك على لغة من يقول بَقِي ورضِي فيسكن الياء كما في قراءة الحسن {أية : وذروا ما بقِي من الرِبا}تفسير : [البقرة: 278] بتسكين ياء {بقي}. وعن أبي عبيد والقُتبي أن النون الثانية أدغمت في الجيم. ووجّه ابن جني متابعاً للأخفش الصغير بأن أصل هذه القراءة: نُنَجّي بفتح النون الثانية وتشديد الجيم فحذفت النون الثانية لتوالي المثلين فصار نُجي. وعن بعض النحاة تأويل هذه القراءة بأن نُجِّي فعل مضي مبني للنائب وأن نائب الفاعل ضمير يعود إلى النجاء المأخوذ من الفعل، أو المأخوذ من اسم الإشارة في قوله «وكذلك». وانتصب {المؤمنين} على المفعول به على رأي من يجوز إنابة المصدر مع وجود المفعول به. كما في قراءة أبي جعفر {أية : ليُجزَى} تفسير : [الجاثية: 14] بفتح الزاي {أية : قوماً بما كانوا يكسبون}تفسير : [الجاثية: 14] بتقدير ليجزَى الجزاءُ قوماً. وقال الزمخشري في «الكشاف»: إن هذا التوجيه بارد التعسف.
الشنقيطي
تفسير : أي واذكر ذا النون. والنون: الحوت. "وذا" بمعنى صاحب. فقوله {ذَا ٱلنُّونِ} معناه صاحب الحوت. كما صرح الله بذلك في "القلم" في قوله {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ}تفسير : [القلم: 48] الآية. وإنما أضافه إلى الحوت لأنه التقمه كما قال تعالى: { {أية : فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}تفسير : [الصافات: 142]. وقوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر: الأول ـ أن المعنى {لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي لن نضيق عليه في بطن الحوت. ومن إطلاق "قدر" بمعنى "ضيق" في القرآن قوله تعالى:{أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ}تفسير : [الرعد: 26] أي ويضيق الرزق على من يشاء، وقوله تعالى: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ}تفسير : [الطلاق: 7] الآية. فقوله: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي ومن ضيق عليه رزقه. الوجه الثاني ـ أن معنى {أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} لن نقضي عليه ذلك. وعليه فهو من القدر والقضاء. "وقدر" بالتخفيف تأتي بمعنى "قدر" المضعفة: ومنه قوله تعالى: {أية : فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}تفسير : [القمر: 12] أي قدره الله. ومه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهداً لذلك: شعر : فليست عشيات الحمى برواجع لنا أبداً ما أورق السلم النضر ولا عائذ ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر تفسير : والعرب تقول: قدر الله لك الخير يقدره قدراً، وكضرب يضرب، ونصر ينصر، بمعنى قدره لك تقديراً. ومنه على أصح القولين "ليلة القدر" لأن الله يقدر فيها الأشياء. كما قال تعالى: {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}تفسير : [الدخان: 4] والقدر بالفتح، والقدر بالسكون: ما يقدره الله من القضاء. ومنه قول هدبةبن الخشرم: شعر : ألا يا لقومي للنوائب والقدر وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري تفسير : أما قول من قال: إن {أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} من القدرة ـ فهو قول باطل بلا شك. لأن نبي الله يونس لا يشك في قدرة الله على كل شيء، كما لا يخفى. وقوله في هذه الآية الكريمة: {مُغَاضِباً} أي في حال كونه مغاضباً لقومه. ومعنى المفاعلة فيه: أنه أغضبهم بمفارقته وتخوفهم حلول العذاب بهم، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب. ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج. قاله أبو حيان في البحر. وقال أيضاً: وقيل معنى "مُغَاضِباً" غضبان، وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكاً. نحو عاقبت اللص، وسافرت ا هـ. واعلم أن قول من قال {مُغَاضِباً} أي مغاضباً لربه كما روي عن ابن مسعود، وبه قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير، واختاره الطبري والقتبي، واستحسنه المهدوي ـ يجب حمله على معنى القول الأول. أي مغاضباً من أجل ربه. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول عمن ذكرنا: وقال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح، والمعنى: مغاضباً من أجل ربه كما تقول: غضبت لك أي من أجلك، والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عصى ـ انتهى منه. والمعنى على ما ذكر: مغاضباً قومه من أجل ربه، أي، من أجل كفرهم به، وعصيانهم له. وغير هذا لا يصح في الآية. وقوله تعالى: {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ}. أي ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت. و"أن" في قوله {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ} مفسرة، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى "أن لا إله"، ومعنى "سبحانك"، ومعنى الظلم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} أي أجبناه ونجيناه من الغم الذي هو فيه في بطن الحوت، وإطلاق استجاب بمعنى أجاب معروف في اللغة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي: شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية: من نداء نبيه يونس في تلك الظلمات ـ هذا النداء العظيم، وأن الله استجاب له ونجاه من الغم أوضحه في غير هذا الموضع. وبين في بعض المواضع: أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه. وبين في بعضها أنه طرحه بالعراء وهو سقيم. وبين في بعضها: أنه خرج بغير إذن كخروج البعد الآبق، وأنهم اقترعوا على من يلقى في البحر فوقعت القرعة على يونس أنه هو الذي يلقى فيه. وبين في بعضها: أن الله تداركه برحمته. ولو لم يتداركه بها لنبذ بالعراء في حال كونه مذموماً، ولكنه تداركه بها فنبذ غير مذموم، قال تعالى في "الصافات": {أية : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ}تفسير : [الصافات: 139-148]. فقوله في آيات "الصافات" المذكورة {إِذْ أَبَقَ} أي حين أبق، وهو من قول العرب: عبد آبق، لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه، ولذلك أطلق عليه اسم الإباق. واستحقاق الملامة في قوله: {وَهُوَ مُلِيمٌ} لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام. وقوله: {فَسَاهَمَ} أي قارع بمعنى أنه وضع مع أصحاب السفينة سهام القرعة. لأنه خرج له السهم الذي يلقى صاحبه في البحر. ومن ذلك قول الشاعر: شعر : قتلنا المدحضين بكل فج فقد قرت بقتلهم العيون تفسير : وقوله {فَنَبَذْنَاهُ} أي طرحناه، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل. والعراء: الصحراء. وقول من قال: العراء الفضاء أو المتسع من الأرض، أو المكان الخالي أو وجه الأرض ـ راجع إلى ذلك، ومنه قول الشاعر وهو رجل من خزاعة: شعر : ورفعت رجلاً لا أخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي تفسير : وشجرة اليقطين: هي الدباء. وقوله: {وَهُوَ سَقِيمٌ} أي مريض لما أصابه من التقام الحوت إياه، وقال تعالى في "القلم". {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [القلم: 48-50] فقوله في آية "القلم" هذه: {إِذْ نَادَىٰ} أي نادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقوله: {وَهُوَ مَكْظُومٌ} أي مملوء غماً، كما قال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ} وهو قول ابن عباس ومجاهد. وعن عطاء وأبي مالك {مَكْظُومٌ}: مملوء كرباً. قال الماوردي: والفرق بين الغم والكرب: أن الغم في القلب. والكرب في الأنفاس. وقيل {مَكْظُومٌ} محبوس. والكظم/ الحبس. ومنه قولهم: كظم غيظه، أي حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: المكظوم المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس، قاله المبرد ـ انتهى من القرطبي. وآية "القلم" المذكورة تدل على أن نبي الله يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب ومغاضبة قومه، ولم يصبر الصبر اللازم بدليل قوله مخاطباً نبينا صلى الله عليه وسلم فيها: {أية : فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ}تفسير : [القلم: 48] الآية. فإن أمره لنبينا صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهيه إياه أن يكون كصاحب الحوت ـ دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي. وقصة يونس، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير. وقد بين تعالى في سورة "يونس": أن قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم دون غيرهم من سائر القرى التي بعثت إليهم الرسل، وذلك في قوله: {أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ}تفسير : [يونس: 98]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعياً بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولا سيما إذا دعا بدعاء يونس هذا. وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: في دعاء يونس المذكور: "حديث : لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له" تفسير : رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم. والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى، لأنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاءه المؤمنين. وقوله {نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى. وقرأ عامة القراء السبعة غير ابن عامر وشعبة عن عاصم {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} بنون واحدة مضمومة بعدها جيم مكسورة مشددة فياء ساكنة. وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني للمفعول من مجى المضعفة على وزن فعل بالتضعيف. وفي كلتا القراءتين إشكال معروف. أما قراءة الجمهور فهي من جهة ا لقواعد العربية واضحة لا إشكال فيها، ولكن فيها إشكال من جهة أخرى، وهي: أن هذا الحرف إنما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية بنون واحدة، فيقال: كيف تقرأ بنونين وهي في المصاحف بنون واحدة؟ وأما على قراءة ابن عامر وشعبة فالإشكال من جهة القواعد العربية، لأن نجى على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول، فالقياس رفع {ٱلْمُؤْمِنِينَ} بعده على أنه نائب الفاعل، وكذلك القياس فتح نون "نجى" لا إسكانها. وأجاب العلماء عن هذا بأجوبة: منها ما ذكره بعض الأئمة، وأشار إليه ابن هشام في باب الإدغام من توضيحه: أن الأصل في قراءة ابن عامر وشعبة "ننجي" بفتح النون الثانية مضارع نجى مضعفاً، فحذفت النون الثانية تخفيفاً. أو ننجي بسكونها مضارع أنجى وأدغمت النون في الجيم لاشتراكهما في الجهر والانفتاح والتوسط بين القوة والضعف، كما أدغمت في "إجاصة وإجانة" بتشديد الجيم فيهما، والأصل "إنجاصة وإنجانة" فأدغمت النون فيهما. والإجاصة: واحدة الإجاص، قال في القاموس: الإجاص بالكسر مشدداً: ثمر معروف دخيل، لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة، الواحدة بهاء. ولا تقل انجاص، أو لغية ا هـ. والإجانة. واحدة الأجاجين. قال في التصريح: وهي بفتح الهمزة وكسرها. قال صاحب الفصيح: قصرية يعجن فيه ويغسل فيها. ويقال: إنجانة كما يقال إنجاصة، وهي لغة يمانية فيهما أنكرها الأكثرون ا هـ. فهذا وجهان في توجيه قراءة ابن عامر وشعبة، وعليهما فلفظة "المؤمنين" مفعول به لـ "ننجي". ومن أجوبة العلماء عن قراءة ابن عامر وشعبة: أن "نجى" على قراءتهما فعل ماض مبني للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير المصدر، أي نجى هو أي الإنجاء، وعلى هذا الوجه فالآية كقراءة من قرأ {أية : لِيَجْزِيَ قَوْماً}تفسير : [الجاثية: 14] الآية، ببناء "يجزي" للمفعول والنائب ضمير المصدر، أي ليجزي هو أي الجزاء ونيابة المصدر عن الفاعل في حال كون الفعل متعدياً للمفعول ترد بقلة، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : وقابل من ظرف أو من مصدر أو حرف جر بنيابة حرى ولا ينوب بعض هذا إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد تفسير : ومحل الشاهد منه قوله: "وقد يرد" وممن قال بجواز ذلك الأخفش والكوفيون وأبو عبيد. ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قول جرير يهجو أم الفرزدق: شعر : ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا تفسير : يعني لسب هو أي السب. وقول الراجز: شعر : لم يعن بالعلياء إلا سيدا ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى تفسير : وأما إسكان ياء "نجي" على هذا القول فهو على لغة من يقول من العرب: رضي، وبقي بإسكان الياء تخفيفاً. ومنه قراءة الحسن {أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا}تفسير : [البقرة: 278] بإسكان ياء "بقي" ومن شواهد تلك اللغة قول الشاعر: شعر : خمر الشيب لمنى تخميرا وحدا بي إلى القبور البعيرا ليت شعري إذ القيامة قامت ودعى بالحساب أين المصيرا تفسير : وأما الجواب عن قراءة الجمهور فالظاهر فيه أن الصحابة حذفوا النون في المصاحف لتمكن موافقة قراءة ابن عامر وشعبة للمصاحف لخفائها، أما قراءة الجمهور فوجهها ظاهر ولا إشكال فيها، فغاية الأمر أنهم حذفوا حرفاً من الكلمة لمصلحة مع تواتر الرواية لفظاً بذكر الحرف المحذوف والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {وذا النون} واذكر صاحب الحوت، وهو يونس عليه السَّلام {إذ ذهب} من بين قومه {مغاضباً} لهم قبل أمرنا له بذلك {فظن أن لن نقدر عليه} أن لن نقضي عليه ما قضينا من حبسه في بطن الحوت {فنادى في الظلمات} ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة اللَّيل {أن لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} حيث غاضبت قومي وخرجت من بينهم قبل الإذن. {وكذلك} وكما نجيناه {ننجي المؤمنين} من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا. وقوله: {لا تذرني فرداً} أَيْ: وحيداً لا ولد لي ولا عقب، {وأنت خير الوارثين} خير من يبقى بعد مَنْ يموت.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وذا النون: هو يونس بن متَّى عليه السلام وأُضيف إلى النون الذي هو الحوت في قوله تعالى {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48] لأن حوتة كبيرة ابتلعته. إذ ذهب مغاضباً: أي لربه تعالى حيث لم يرجع إلى قومه لما بلغه أن الله رفع عنهم العذاب. فظن أن لن نقدر عليه: أي أن لن نحبسه ونضيق عليه في بطن الحوت من أجل مغاضبته. في الظلمات: ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل. ونجيناه من الغم: أي الكرب الذي أصابه وهو في بطن الحوت. لا تذرني فرداً: أي بلا ولد يرث عني النبوة والعلم والحكمة بقرينة ويرث من آل يعقوب. رغباً ورهباً: أي طمعاً فينا ورهباً منا أي خوفاً ورجاءاً. أحصنت فرجها: أي صانته وحفظته من الفاحشة. من روحنا: أي جبريل حيث نفخ في كم درعها عليها السلام. آية للعالمين: أي علامة على قدرة الله تعالى ووجوب عبادته بذكره وشكره. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر إفضال الله تعالى وإنعامه على من يشاء من عباده فقال تعالى: {وَذَا ٱلنُّونِ} أي واذكر ذا النون أي يونس بن متَّى {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} لربه تعالى حيث لم يصبر على بقائه مع قومه يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته وطاعته وطاعة رسوله فسأل لهم العذاب، ولما تابوا ورفع عنهم العذاب بتوبتهم وعلم بذلك فلم يرجع إليهم فكان هذا منه مغاضبة لربه تعالى وقوله تعالى عنه: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي ظن يونس عليه السلام أن الله تعالى لا يحبسه في بطن الحوت ولا يضيق عليه وهو حسن ظن منه في ربه سبحانه وتعالى، ولكن لمغاضبته ربه بعدم العودة إلى قومه بعد أن رفع عنهم العذاب أصابه ربّه تطهيراً له من أمر المخالفة الخفيفة بأن ألقاه في ظلمات ثلاث، ظلمة الحوت والبحر والليل ثم ألهمه الدعاء الذي به النجاة فكان يسبح في الظلمات الثلاث {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} فاستجاب الله تعالى له وهو معنى قوله: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ} الذي أصابه من وجوده في ظلمات محبوساً لا أنيس ولا طعام ولا شراب مع غم نفسه من جراء عدم عودته إلى قومه وقد أنجاهم الله من العذاب. وهو سبب المصيبة، وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} مما قد يحل بهم من البلاء وقوله تعالى: {وَزَكَرِيَّآ} أي اذكر يا رسولنا زكريا في الوقت الذي نادى ربه داعياً ضارعاً قائلاً: {رَبِّ} أي يا رب {لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} أي لا تتركني فرداً لا ولد لي يرثني في نبوتي وعلمي وحكمتي ويرث ذلك من آل يعقوب حتى لا تنقطع منهم النبوة والصلاح وقوله: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} ذكر هذا اللفظ توسلاً به إلى ربه ليستجيب له دعاءه واستجاب له والحمد لله. فوهبه يحيى وأصلح له زوْجه بأن جعلها ولوداً بعد العقر حسنة الخلق والخُلق. وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ} أي زكريا ويحيى ووالدته كانوا يسارعون في الطاعات والقربات أي في فعلها والمبادرة إليها. وقوله: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} هذا ثناء عليهم أيضاً إذ كانوا يدعون الله رغبة في رحمته ورهبة وخوفاً من عذابه وقوله: {وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ} أي مطيعين ذليلين متواضعين وهم يعبدون ربهم بأنواع العبادات. وقوله تعالى: {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} أي واذكر يا نبينا تلك المؤمنة التي أحصنت فرجها أي منعته مما حرم الله تعالى عليها وهي مريم بنت عمران اذكرها في عداد من أنعمنا عليهم وأكرمناهم وفضلناهم على كثير من عبادنا الصالحين، حيث نفخنا فيها من روحنا إذ أمرنا جبريل روح القدس ينفخ في كم درعها فسرت النفخة إلى فرجها فحبلت وولدت في ساعة من نهار، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ} أي عيسى كلمة الله وروحه {آيَةً} أي علامة كبرى على وجودنا وقدرتنا وعلمنا وحكمتنا وإنعامنا وواجب عبادتنا وتوحيدنا فيها حيث لا يعبد غيرنا {لِّلْعَالَمِينَ} أي للناس أجمعين يستدلون بها على ما ذكرنا آنفاً من وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته ووجوب عبادته وتوحيده فيها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضيلة دعوة ذي النون: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}. إذ ورد أنه ما دعا بها مؤمن إلا استجيب له، وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} يقوي هذا الخبر. 2- استحباب سؤال الولد لغرض صالح لا من أجل الزينة واللهو به فقط. 3- تقرير أن الزوجة الصالحة من حسنة الدنيا. 4- فضيلة المسارعة في الخيرات والدعاء برغبة ورهبة والخشوع في العبادات وخاصة في الصلاة والدعاء. 5- فضيلة العفة والاحصان للفرج. 6- كون مريم وابنها آية لأن مريم ولدت من غير محل، ولأن عيسى كان كذلك وكلم الناس في المهد، وكان يحيي الموتى بإذن الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {مُغَاضِباً} {ٱلظُّلُمَاتِ} {سُبْحَانَكَ} {ٱلظَّالِمِينَ} (87) - يَذْكُرُ اللهُ تَعالى قِصَّةَ يونُسَ عليهِ السلامُ (وهوَ ذو النُّونِ أيْ صاحبُ الحُوت)، وكانَ اللهُ قَدْ بَعَثَهُ نَبِياً إلى أَهْل نينَوَى فَدَعَاهُمْ إلى عِبَادةِ اللهِ وَحدَهُ فَأَبَوْا، وَتَمَادَوْا في كُفْرِهم، فَخَرَجَ يُونُسُ مِنْ بَيْنِهِم مُغَاضِباً لَهُمْ، وأَنْذَرَهُمْ بأنَّ العَذَابَ وَاقِعٌ بِهِمْ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّام، فَلما تَحَقَّقُوا مِنْ ذَلِكَ، وَعِلمُوا أنَّ النبيَّ لا يَكْذِبُ، خَرَجُوا مِنَ البلدِ بأطْفَالِهم وأنْعامِهم ومَوَاشِيهِم، ثُمَّ تَضَرَّعُوا إلى اللهِ تَعَالى، وَجأَرُوا إليهِ بالدُّعَاءِ، فَرَفَعَ اللهُ عَنْهُمْ العَذابَ، وصَرَفَهُ عَنْهُم، كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرى. أمَّا يونسُ فإنَّه تَرَكَ قَوْمَه مُغَاضِباً لَهُم، وذَهَبَ فَرَكِبَ في سَفِينَةٍ فَاضْطَرَبَتْ وَخافَ مَنْ فِيها مِنْ غَرَقِهَا، فاقْتَرعُوا على رَجُل يُلقُونهُ مِنْ بينِهم في الماءِ يَتَخفَّفُونَ مِنهُ، فوقَعَتِ القُرْعَةُ على يُونُسَ، فَأَبَوْا أنْ يُلْقُوهُ، ثُمَّ أعادُوا القُرْعَةَ فَوَقَعَتْ علَيْهِ، فَأَبَوْا، ثمَّ أعَادُوا للمرةِ الثّالثةِ فَوَقَعَتْ عليه، فَتَجَرَّدَ يُونُسُ مِنْ ثِيَابِهِ، وأَلْقَى بِنَفْسِهِ في المَاءِ، فالْتَقَمَهُ الحُوتُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ بصَاحِبِ الحُوتِ (ذُو النُّونِ). وكانَ يُونسُ يَظُنُّ أنَّ الله لَنْ يُضَيِّقَ عليْهِ في بَطْنِ الحُوتِ، (أو أنهُ تَعالى لنْ يَقْدِرَ عليه أَنْ يَكُونَ فِي بَطْن الحُوتِ) فَكَانَ في بَطْنِ الحوتِ في ظُلْمَةٍ، وفي أعْمَاقِ البَحْرِ في ظُلمَةٍ، وفي ظَلاَمِ الليلِ في ظُلْمَةٍ، ولذلك قَالَ تَعالى:{فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} ودَعاَ رَبَّهُ قائلاً: لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. ذُو النُّونِ - هُوَ نَبِيُّ اللهِ يُونُسُ عَليهِ السَّلاَمُ، والنُّونُ هُوَ الحُوتُ. مُغَاضِباً - غَضْبَانَ عَلى قَوْمِهِ لِكُفْرِهِمْ. لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ - لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ بِحَبْسٍ أَوْ نَحْوِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : "ذو النون": هو سيدنا يونس بن متى صاحب الحوت، والنون من أسماء الحوت، وجمعه (نينان) كحوت وحيتان؛ لذلك سُمِّيَ به، وقد أُرسل يونس عليه السلام إلى أهل(نِينَوىَ) من أرض الموصل بالعراق. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعداس: "حديث : أنت من بلد النبي الصالح: يونس ابن متّى ". تفسير : والنون أيضاً اسم لحرف من حروف المعجم، لكن قد يوافق اسمُ الحرف اسماً لشيء آخر، كما في (ق) وهو اسم جبل، وكذلك السين، فهناك نهر اسمه نهر السين، وهكذا تصادف أسماء الحروف أسماء أشياء. وقوله تعالى: {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ..} [الأنبياء: 87] مادة (غضب) نأخذ منها الوصف للمفرد. نقول: غاضب وغضبان، أمّا (مغاضب) فتعطي معنى آخر؛ لأنها تدل على المفاعلة، فلا بُدَّ أن أمامك شخصاً آخر، أنت غاضب وهو غاضب، مثل: شارك فلان فلاناً. لكن في أصول اللغة رجحنا جانب الفاعلية في أحدهما، والمفعُولية في الآخر، كما نقول: شارك زيدٌ عَمْراً، فالمشاركة حدثتْ منهما معاً، لكن جانب الفاعلية أزيد من ناحية زيد، فكلُّ واحد منهما فاعل مرة ومفعول أخرى. واللغة أحياناً تلحظ هذه المشاركة؛ فتُحمِّل اللفظ المعنيين معاً: الفاعل والمفعول، كما جاء في قَوْل الشاعر العربي الذي يصف السير في أرض معقربة، والتي إذا سِرْت فيها دون أنْ تتعرض للعقارب فإنها تسالمك ولا تؤذيك، فيقول: شعر : قَدْ سَالَم الحياتُ مِنْه القَدَمَا الأفْعُوانَ والشُّجاعَ القَشْعَمَا تفسير : أي: أنه سَالَم الحيات، فالحيات سالمتْه، فالمسالمة منهما معاً، لكن غلب جانب الحيات فجاءت فاعلاً؛ لأن إيذاءَها أقوى من إيذائه، فلما أبدل من الحيات (الأفعوان والشجاع القشعما) وهما من أسماء الحيات كان عليه أنْ يأتي بالبدل مرفوعاً تابعاً للمبدل منه، إلا أنه نصبه فقال: الأُفْعَوانَ والشجاعَ القشعمَا؛ لأنه لاحظ في جانب الحيات أنها أيضاً مفعولٌ. فَمِمَّ غضب ذو النون؟ غضب لأن قومه كذبوه، فتوعدهم إنْ لم يتوبوا أنْ يُنزِل بهم العذاب، وأتى الموعد ولم ينزل بهم ما توعدهم به، فخاف أنْ يُكذِّبوه، وأن يتجرَّأَوا عليه، فخرج من بينهم مغاضباً إلى مكان آخر، وهو لا يعلم أنهم تابوا فأخّر الله عذابهم، وأجّل عقوبتهم. وفي آية أخرى يُوضِّح الحق سبحانه هذا الموقف: {أية : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [يونس: 98]. أي: لم يحدث قبل ذلك أنْ آمنتْ قرية ونفعها إيمانها إلا قرية واحدة هي قوم يونس، فقد آمنوا وتابوا فأجّل الله عذابهم. إذن: خرج يونس مُغاضِباً لا غاضباً؛ لأن قومه شاركوه، وكانوا سبب غضبه، كما حدث في مسألة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فرسول الله هاجر من مكة لكنه لم يهْجرهَا، فسُمِّيَتْ هجرة؛ لأن أهل مكة هجروا رسول الله أولاً، وهجروا دعوته وألجئوه أيضاً إلى الهجرة وتَرْك مكة، فهم طرف في الهجرة وسببٌ لها. لذلك قال صلى الله عليه وسلم مخاطباً مكة: "حديث : والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليَّ، ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منكِ ما خرجْتُ ". تفسير : وقد أخذ المتنبي هذا المعنى، وعبَّر عنه بقوله: شعر : إذَا ترحلْتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَرُوا ألاَّ تُفارِقَهُمْ فالراحِلُون هُمُ تفسير : وقوله تعالى: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ..} [الأنبياء: 87] البعض ينظر في الآية نظرةً سطحية، فيقولون: كيف يظن يونس أن الله لن يقدر عليه؟ وهذا الفَهْم ناشىء عن جَهْل باستعمالات اللغة، فليس المعنى هنا من القدرة على الشيء والسيطرة، ولو استوعبتَ هذه المادة في القرآن (قَدَرَ) لوجدت لها معنى آخر، كما في قوله تعالى: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الطلاق: 7] معنى قُدِر عليه رزقه يعني: ضُيِّق عليه. ومنها قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ..} تفسير : [الإسراء: 30]. وقوله سبحانه تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 15-16]. إذن: فقوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ..} [الأنبياء: 87] أي: أن يونس لما خرج من بلده مُغاضباً لقومه ظنَّ أن الله لن يُضيِّق عليه، بل سيُوسِّع عليه ويُبدله ببلده مكاناً أفضل منها، بدليل أنه قال بعدها {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] يريد منه سبحانه تنفيس كربته، وتنفيس الكربة لا يكون إلا بصفة القدرة له. فكيف يستقيم المعنى لو قلنا: لن يقدر عليه بمعنى: أن الله لا يقدر على يونس؟ إذن: المعنى: لن يُضيِّق عليه؛ لأنه يعلم أنه رسول من الله، وأن ربه لن يُسلْمه، ولن يخذله، ولن يتركه في هذا الكرب. وقد وُجدَتْ شبهة في قصة يونس - عليه السلام - في قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الصافات: 143-144]. فكيف يلبث في بطن الحوت إلى يوم يُبعثون، مع أن يونس سيموت، وسيأتي أجَل الحوت ويموت هو أيضاً، أم أن الحوت سيظل إلى يوم القيامة يحمل يونس في بطنه؟ وفات هؤلاء نظرية الاحتواء في المزيجات، كما لو أذبتَ قالباً من السكر في كوب ماء، فسوف تحتوي جزئيات الماء جزئيات السكر، والأكثر يحتوي الأقل، فقالب السكر لا يحتوي الماء، إنما الماء يحتوي السكر. فلو مات الحوت، ومات في بطنه يونس - عليه السلام - وتفاعلت ذراتهما وتداخلتْ، فقد احتوى الحوتُ يونسَ إلى أن تقوم الساعة، وعلى هذا يظل المعنى صحيحاً، فهو في بطنه رغم تناثر ذراتهما. {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا أَبو هلال الراسبي قال: ثنا شهر بن حوشب، عن ابن عباس قال: إِنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت [الآية: 87]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ} [الآية: 90] قال: متواضعين. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الآية: 96]. قال: يعني جميع الناس، من كلّ مكان جاؤوا منه يوم القيامة، فهو حدب. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: شيبان عن قتادة عن سالم بن أَبي الجعد، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: الإِنس عشرة أَجزاءٍ، فتسعة أَجزاءٍ "يأْجوج ومأْجوج"، وسائر الناس جزءٌ واحد [الآية: 96].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ} معناهُ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ البَلاء الذي أصابَهُ. ونَقْدِرُ ونُقَّدِرُ بمعنى واحدٍ وقال: ظَنَّ أَنْ لَنْ نُعاقِبَهُ. تفسير : وقوله تعالى: {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ [سُبْحَانَكَ]} فالظُّلماتُ ظُلمةُ الليلِ، وظُلمةُ المَاءِ، وظُلمةُ بَطنِ الحُوتِ. ويقال: إِنَّ كُلَّ تَسبيح في القرآنِ فَهو صَلاةٌ إلاَّ فِي هذه الآيةِ فإنهُ من التسبيحِ. وفي آياتٍ أُخر فإنهُ غَيرُ صَلاةٍ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: واذكر عبدنا ورسولنا ذا النون وهو: يونس، أي: صاحب النون، وهي الحوت، بالذكر الجميل، والثناء الحسن، فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا فوعدهم بنزول العذاب بأمد سماه لهم. [فجاءهم العذاب] ورأوه عيانا، فعجوا إلى الله، وضجوا وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب كما قال تعالى: {أية : فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } تفسير : وقال: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } تفسير : وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة يونس، من أكبر فضائله. ولكنه عليه الصلاة والسلام، ذهب مغاضبا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها [لقوله: { إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ } { وَهُوَ مُلِيمٌ } أي: فاعل ما يلام عليه] والظاهر أن عجلته ومغاضبته لقومه وخروجه من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، ظن أن الله لا يقدر عليه، أي: يضيق عليه في بطن الحوت أو ظن أنه سيفوت الله تعالى، ولا مانع من عروض هذا الظن للكمل من الخلق على وجه لا يستقر، ولا يستمر عليه، فركب في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من يلقون منهم في البحر؟ لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات: {أية : لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } تفسير : فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته. قال الله تعالى: {أية : فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } تفسير : ولهذا قال هنا { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ } أي الشدة التي وقع فيها. { وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ } وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها ويكشف عنه ويخفف لإيمانه كما فعل بـ " يونس " عليه السلام. __________
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 647 : 22 : 3 - سفين عن اسماعيل بن عبد الملك عن سعيد بن جبير في قوله {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} قال، ذهب مغاضباً لربه. [الآية 87].
همام الصنعاني
تفسير : 1883- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، والكلبي: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ}: [الآية: 87]، قالا: ظنّ أن لن يقضي عَلَيْه العقوبة. 1884- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ}: [الآية: 87]، قال: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر، وظلمة اللَّيْلِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):