٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
88
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ } بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات كان في بطنه. وقيل ثلاثة أيام والغم غم الالتقام وقيل غم الخطيئة. {وَكَذٰلِكَ نُنْجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ} من غموم دعوا الله فيها بالإِخلاص وفي الإمام: «نجي» ولذلك أخفى الجماعة النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الغم، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بتشديد الجيم على أن أصله {نُنَجّى } فحذفت النون الثانية كما حذفت التاء الثانية في {تظـٰهرون}، وهي وإن كانت فاء فحذفها أوقع من حذف حرف المضارعة التي لمعنى ولا يقدح فيه اختلاف حركتي النونين فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإِدغام وامتناع الحذف تتجافى لخوف اللبس. وقيل هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر وسكن آخره تخفيفاً ورد بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور والماضي لا يسكن آخره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ } بتلك الكلمات {وَكَذٰلِكَ } كما نجيناه {نُنجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ } من كربهم إذا استغاثوا بنا داعين.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَاسْتَجَبْنَا} إجابة الدعاء ثواب من الله ـ تعالى ـ للداعي ولا تجوز أن تكون غير ثواب، أو هي استصلاح قد يكون ثواباً وقد يكون غير ثواب أوحى الله ـ تعالى ـ إلى الحوت لا تكسري له عظماً ولا تخدشي له جلداً فلما صار في بطنها قال: يا رب اتخذت لي مسجداً في موضع ما اتخذه أحد، ولبث في بطنه أربعين يوماً، أو ثلاثة أيام، أو من ارتفاع النهار إلى آخره، أو أربع ساعات، ثم فتح الحوت فاه فرأى يونس ضوء الشمس، فقال: {سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فلفظه الحوت.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فاستجبنا له ونجيناه من الغم} أي تلك الظلمات {وكذلك ننجي المؤمنين} أي من الكروب إذا دعونا واستغاثوا بنا. فإن قلت قد تمسك بمواضع من هذه القصة من أجاز وقوع الذنب من الأنبياء منها قوله {أية : إذ ذهب مغاضباً}تفسير : [الأَنبياء: 87] ومنها {أية : فظن أن لن نقدر عليه}تفسير : [الأَنبياء: 87] ومنها قوله {أية : إني كنت من الظالمين}تفسير : [الأَنبياء: 87] قلت أما الجواب الكلي فقد اختلفوا في هذه الواقعة هل كانت من قبل الرسالة أم لا؟ فقال ابن عباس: كانت رسالته بعد أن أخرجه الله من بطن الحوت بدليل قوله تعالى في الصافات بعد ذكر خروجه {أية : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون}تفسير : [الصافات: 147] فثبت بهذا أن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وقد أجاز بعضهم عليه الصغائر قبل النبوة ومنعها بعد النبوة وهو الصحيح. وأما الجواب التفصيلي لقوله إذ ذهب مغاضباً فحمله على أنه لقومه أو للملك أولى بحال الأنبياء وأما قوله {أية : فظن أن لن نقدر عليه}تفسير : [الأَنبياء: 87] فقد تقدم معناه أي لن نضيق عليه وذلك أن يونس ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج. وإن الله تعالى لا يضيق عليه في اختياره وقيل هو من القدر لا من القدرة وأما قوله {أية : إني كنت من الظالمين}تفسير : [الأَنبياء: 87] فالظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا اعتراف عند بعضهم بذنبه فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه أو لضعفه عما حمله، أو لدعائه بالعذاب على قومه وفي هذه الأشياء ترك الأفضل مع قدرته على تحصيله فكان ذلك ظلماً. وقيل كانت رسالته قبل هذه الواقعة بدليل قوله {أية : وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون}تفسير : [الصافات: 139] فعلى هذا يكون الجواب عن هذه الواقعة ما تقدم من التفصيل والله أعلم. قوله عز وجل {وزكريا إذ نادى ربه} أي دعا ربه فقال {رب لا تذرني فرداً} أي وحيداً لا ولد لي يساعدني وارزقني وارثاً {وأنت خير الوارثين} هو ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق وأنه الوارث لهم وهذا على سبيل التمثيل والمجاز فهو كقوله وأنت خير الرازقين {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى} أي ولداً {وأصلحنا له زوجة} أي جعلناها ولوداً بعد ما كانت عقيماً وقيل كانت سيئة الخلق فأصلحها الله تعالى له بأن رزقها حسن الخلق {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} يعني الأنبياء المذكورين في هذه السورة. وقيل زكريا وأهل بيته، والمسارعة في الخيرات من أكبر ما يمدح به المرء لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله عز وجل {ويدعوننا رغباً ورهباً} يعني إنهم ضموا إلى فعل الطاعات أمرين: أحدهما: الفزغ إلى الله لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة من عقابه. والثاني: الخشوع وهو قوله تعالى {وكانوا لنا خاشعين} الخشوع هو الخوف اللازم للقلب فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفاً من الوقوع في الإثم. قوله تعالى {والتي أحصنت فرجها} أي إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت {أية : لم يمسسني بشر ولم أك بغياً}تفسير : [مريم: 20] وهي مريم بنت عمران {فنفخنا فيها من روحنا} أمرنا جبريل حتى نفخ في جيب درعها فخلقنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه تشريفاً لعيسى كبيت الله وناقة الله {وجعلناها وابنها آية} أي دلالة {للعالمين} على كمال قدرتنا وعلى خلق ولد من غير أب، فان قلت هما آيتان فكيف قال آية؟. قلت معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما آية واحدة أي ولادتها إياها من غير أب آية. قوله تعالى {إن هذه أمتكم} أي ملتكم ودينكم {أمة واحدة} أي ديناً واحداً وهو الإسلام فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان والأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد، وجعلت الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحد {وأنا ربكم فاعبدون} أي لا دين سوى ديني ولا رب لكم غيري فاعبدوني أي وحدوني.
ابو السعود
تفسير : {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} أي دعاءَه الذي دعاه في ضمن الاعترافِ بالذنب على ألطف وجهٍ وأحسنه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من مكروبٍ يدعو بهذا الدعاء إلا استُجيب له » تفسير : {وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمّ} بأن قذفه الحوتُ إلى الساحل بعد أربع ساعاتٍ كان فيها في بطنه، وقيل: بعد ثلاثة أيام، وقيل: الغمُّ غمُّ الالتقام، وقيل: الخطيئة {وَكَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الإنجاءِ الكامل {نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ} من غمومٍ دَعَوُا الله تعالى فيها بالإخلاص لا إنجاءً أدنى منه، وفي الإمام نجّى فلذلك أخفى الجماعةُ النون الثانية فإنها تُخفىٰ مع حروف الفم، وقرىء بتشديد الجيم على أن أصله نُنجّي فحذفت الثانية كما حذفت التاء في تَظاهرون وهي وإن كانت فاءً فحذفُها أوقعُ من حذف حرفِ المضارَعة التي لِمعنًى، ولا يقدح فيه اختلافُ حركتي النونين فإن الداعيَ إلى الحذف اجتماعُ المِثلين مع تعذّر الإدغام وامتناعُ الحذفِ في (تتجافى) لخوف اللَّبس، وقيل: هو ماضٍ مجهولٌ أسند إلى ضمير المصدر وسُكّن آخره تخفيفاً ورُدّ بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور، والماضي لا يسكن آخرُه. {وَزَكَرِيَّا} أي واذكر خبره {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} وقال: {رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً} أي وحيداً بلا ولدٍ يرثني {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ} فحسبـي أنت إن لم ترزُقني وارثاً {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} أي دعاءَه {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ} وقد مر بـيانُ كيفية الاستجابة والهبة في سورة مريم {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} أي أصلحناها للولادة بعد عُقْرها أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقِها وكانت حَرِدةً، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ} تعليل لما فصل من فنون إحسانِه تعالى المتعلقة بالأنبـياء المذكورين، أي كانوا يبادرون في وجوه الخيراتِ مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير وهو السرُّ في إيثار كلمة (في) على كلمة إلى المُشعرة بخلاف المقصودِ من كونهم خارجين عن أصل الخيراتِ متوجهين إليها كما في قوله تعالى: { أية : وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ} تفسير : [آل عمران: 133] {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} ذوي رغَبٍ ورهَب أو راغبـين في الثواب راجين للإجابة أو في الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية أو للرغب والرهب {وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ} أي مُخْبتين متضرعين أو دائمي الوجَل، والمعنى أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا بسبب اتصافِهم بهذه الخصال الحميدة. {وَٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي اذكر خبرَ التي أحصنتْه على الإطلاق من الحلال والحرام، والتعبـيرُ عنها بالموصول لتفخيم شأنِها وتنزيهها عما زعموه في حقها آثرَ ذي أثيرٍ {فَنَفَخْنَا فِيهَا} أي أحيـينا عيسى في جوفها {مِن رُّوحِنَا} من الروح الذي هو من أمرنا، وقيل: فعلنا النفخَ فيها من جهة روحنا جبريلَ عليه السلام {وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا} أي قصتهما أو حالهما {ءَايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} فإن مَنْ تأمل حالهما تحقق كمالَ قدرتِه عز وجل، فالمرادُ بالآية ما حصل بهما من الآية التامةِ مع تكاثر آياتِ كلِّ واحد منهما، وقيل: أريد بالآية الجنسُ الشاملُ لما لكل واحدٍ منهما من الآيات المستقلة، وقيل: المعنى وجعلناها آيةً وابنها آيةً فحذفت الأولى لدِلالة الثانية عليها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى ذكره: {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 88]. قال الجنيد: من همومهم وكروبهم بالإخلاص والصدق والافتقار، والالتجاء، وحقيقة حسن الأعتراف وإظهار الاستسلام.
القشيري
تفسير : استجبنا له ولم يَجْرِ منه دعاءٌ؛ لأنه لم يصدر عنه أكثر من قوله: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}، ولم يقر بالظلم إلا وهو يستغفر منه. ثم قال: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ}: يعني: كُلُّ مَنْ قال من المؤمنين - إذا أصابه غمٌّ، أو استقبله مُهِمٌّ - مثلما قال ذو النون نجيناه كما نجينا ذا النون.
الجنابذي
تفسير : {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ} يعنى من بطن الحوت او غمّ الخطيئة والمغاضبة {وَكَذٰلِكَ} الانجاء من بطن الحوت بسبب التّبرّى من الانانيّة والاستقلال بالرّأى واثبات الانانيّة لله وتنزيهه من معرفة البشر والاعتراف بالظّلم فى اثبات الانانيّة والمعرفة للنّفس {نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} قرئ ننجى بنونين من باب الافعال، وقرئ نجّى بنون واحدة وتشديد الجيم وسكون الياء على انّه مضارع من باب الافعال وادغم النّون الثّانية فى الجيم، او على انّه من باب التّفعيل وحذف النّون الّتى كانت فاءً او على انّه ماض مجهول منسوب الى المصدر، وسكونه بنيّة الوقف كما قيل، روى عن النّبىّ (ص): "حديث : ما من مكروب يدعو بهذا الدّعاء الاّ استجيب له" تفسير : لانّ المؤمن اذا خرج من انانيّته فى جنب انانيّة الله واعترف بانّ رؤية الانانيّة فى جنب انانيّة الله ظلم ودعا الله فى هذه الحال استجيب له لا محالة لانّه يكون حينئذٍ مصداقاً لقوله تعالى: اجيب دعوة الدّاع اذا دعان، وفى خبرٍ عن الصّادق (ع): عجبت لمن اغتمّ كيف لا يفزع الى قوله تعالى: لا اله الاّ انت سبحانك انّى كنت من الظّالمين فانّى سمعت الله يقول بعقبها: فاستجبنا له ونجّيناه من الغمّ وكذلك ننجى المؤمنين.
الهواري
تفسير : قال الله عز وجل: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ} أي من ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر {وَكَذَلِكَ نُنجي المُؤمِنِينَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : دعوة ذي النون التي دعا بها وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها مسلم ربه قط في شيء إلا استجاب الله له . تفسير : قوله عز وجل: {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارِثِينَ} فاستجاب الله له. قال الله عزّ وجلّ: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} قال بعضهم: كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً. وقال بعضهم: كان في لسانها طول. ووهب له منها يحيى. قال الله عز وجل {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ} أي: في الأعمال الصالحات {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً} أي: طمعاً {وَرَهَباً} أي: خوفاً {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [قال مجاهد: متواضعين]. قوله عز وجل: {وَالتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي: أحصنت جيب درعها أي: عن الفواحش {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا}. وذلك أن جبريل عليه السلام تناول بأصبعه جيبها فنفخ فيه فصار إلى بطنها فحملت. قال عزّ وجل: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} أي: أنها ولدته من غير رجل. قوله عز وجل: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: ملتكم ملة واحدة، أي: دين واحد، وهو الإِسلام. {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.
اطفيش
تفسير : {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} كالنص فى أن سبب استجابته دعاؤه المذكور. قال الحسن: والله ما نجَّاه إلا إقراره بالظلم على نفسه. وأما ما تقدم من شفاعة الملائكة، فمعناه أنها سبب لتأثير دعائه فى الإجابة، أو شفَعُوا ولم يُشفَّعوا، بل نجَّاه الله بدعائه. {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} غم الالتقام، أو غم الخطيئة نجَّاه بأن أمر الحوت، فقذفه فى الساحل كالصبى، فأصابته حرارة الشمس. فأنبت عليه شجرة من يقطين فنام فاستيقظ وقد يبست فحزن. فأوحى الله إليه بلسان جبريل عليه السلام: حزنت على الشجرة، ولم تحزن على مائة ألف أو أزْيد. فانطلق إليهم. فقال للراعى: اسقنى لبنًا. فقال: ما ها هنا شاة لبن، فمسح بيده على ظهر واحدة فدرَّت. فشرب من لبنها. فقال له الراعى: مَن أنت يا عبد الله؟ قال أنا يونس. فانطلق إلى قومه فبشرهم، فأخذوه وجاءوا به إلى الموضع فلم يجدوه. فقالوا: شَرَطْنا لربنا أن لا يكذب منا أحد إلا قطعنا لسانه. فتكلمت الشاة بإذن الله عز وجل. فقالت: قد شرب من لبنى. فقالت الشجرة: قد استظل بى. فطلبوه فأصابوه، فكان معهم حتى مات فى مدينتهم نِينَوَى، من أرض الموصل على دِجلة. وروى أنه ألقى نفسه فى دِجلة وأنها البحر، وأن الحوت ذهب به إلى البحر الكبير، ثم رجع فألقاه بساحل دجلة. ونسبت هذه الرواية لابن عباس. {وَكَذَلِكَ نُنْجِى الْمُؤْمِنِين} من غمهم إذا استغاثوا بنا. هى فى مصاحفنا مكتوبة النون الثانية حمراء إشارة إلى إخفائها. وفى مصحف عثمان نجى بنون واحدة وجيم مشددة وياء ساكنة. وهى قراءة ابن عامر وأبى بكر. قال الشيخ خالد: فى قراءة عاصم وابن عامر. أصله ننجى بنونين، حذفت الثانية تخفيفا للتكرار، فإنه ولو اختلفت الحركة لكنِ الحرفان واحد، والضمة دليل على أن المحذوف الثانية، وبها حصل التكرار، فهى أحق بالحذف ولو كانت أصلا، وهى فاء الكلمة، والإدغام متعذر. ولم تحذف تاء فى تتجافى للَبس. وقيل: هو فى قراءتها ماض مبنى للمفعول، وأنه لا حذف، وأن النائب ضمير المصدر. ويرده أن ياء الماضى الأخيرة لا تسكن وصلا وسعة، وإنما يخفف آخره بالإسكان فى الشعر، أو يسكن وقفًا، وأن المصدر لا يسند إليه مع وجود المفعول به، على الصحيح. وإن قلت: لو كان كذلك لقيل: نجيت بالتاء؛ لأن المصدر الذى رجع إليه الضمير التنجية. قلت: هو من نجا ينجو، ضُعِّفت عينه، وبُنى للمفعول، ورجع الضمير للنجاة، قاله ابن هشام. وأجيب بأَن ذلك الإسكان لغة قرأ بها الأعمش: {أية : فنُسِّىْ ولم نجد} تفسير : والحسن: {أية : ما بقىْ من الربى} تفسير : وأنه قد ينوب غير المفعول به مع وجوده. وأنه قد ينوب غير المفعول به مع وجوده. ورُدَّ أيضًا: بأن ضمير المصدر إذا كان مفهوما من الفعل لا ينوب. وأجيب بورود نيابته فى: {أية : وحِيلَ بَينَهم}. تفسير : قال هو والشيخ خالد: وقيل: الأصل: ننجى بسكون النون، أدغمت فى الجيم، كإِجاصة واحدة الإجَاص، وأجاصة: قصرية يغسل ويعجن فيها. يقال: إنجاصة وإنجائة، لغة بما فيه أنكرها الأكثرون. قال: وإدغام النون لا يكاد يعرف. قال الشيخ خالد: لأن النون تخفى عند الجيم ولا تدغم. وقرئ فنجى بنونين والتشديد. وزعم بعضهم أن هذه الواقعة كانت قبل نبوة يونس - عليه السلام - جوابا عما نسب إلى نفسه من الظلم. قلت: قد مر معنى ظلمه، ومِثله يجوز صدوره من الأنبياء. والحق أن النبى معصوم من الكبيرة، قبل النبوة وبعدها. قالوا: {أية : وذا النون}تفسير : - إلى {أية : خاشعين} تفسير : لزوال الهم والكيد وضيقِ الأسباب. وروى: من ضاقت حالته دنيوية، أو أخروية، فليرجع إلى الله ويتب.، ويستغفرْ، سبعين مرة، ويُصَلِّ على النبى صلى الله عليه وسلم كذلك، ثم يتوضأْ ويُصلِّ ركعتين بالفاتحة وغيرها فإذا سلم استغفر وصلى - كما مر - وقرأ: {قال لهم الناس إن الناس - إلى - الوكيل} {وأيوبَ إذ نادى - إلى العابدين} {وذا النون - إلى - المؤمنين} و {فستذكرون ما أقول - إلى - العذاب} و {فإن تولوا فقل حسبى الله} الخ وسأل حاجته. وقالوا: من أصابه هَمٌّ فليكتب فى قرطاس ويُلْقِه فى الماء الجارى: بسم الله الرحمن الرحيم: من العبد الذليل إلى المولى الجليل. رب إنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين. اللهم بحرمة محمد صلى الله عليه وسلم اكشف ضرى وهمى، وفرِّج عنى غمى.
الالوسي
تفسير : {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} أي دعاءه الذي دعاه في ضمن الاعتراف وإظهار التوبة على ألطف وجه وأحسنه. أخرج أحمد والترمذي والنسائي والحكيم في «نوادر الأصول» والحاكم وصححه وابن جرير والبيهقي في «الشعب» وجماعة عن سعد بن أبـي وقاص عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له » تفسير : وأخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن أن ذلك اسم الله تعالى الأعظم، وأخرج ذلك الحاكم عن سعد مرفوعاً، وقد شاهدت أثر الدعاء به ولله تعالى الحمد حين أمرني بذلك من أظن ولايته من الغرباء المجاورين في حضرة الباز الأشهب وكان قد أصابني من البلاء ما الله تعالى أعلم به وفي شرحه طول وأنت ملول. وجاء عن أنس مرفوعاً أنه عليه السلام حين دعا بذلك أقبلت دعوته تحف بالعرش فقالت الملائكة عليهم السلام: هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب ومن هو؟ قال: ذاك عبدي يونس قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء قال: بلى فأمر الحوت فطرحه وذلك قوله تعالى: {وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمّ} أي الذي ناله حين التقمه الحوت بأن قذفه إلى الساحل بعد ساعات قال الشعبـي: التقمه ضحى ولفظه عشية، وعن قتادة أنه بقي في بطنه ثلاثة أيام وهو الذي زعمته اليهود، وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه بقي سبعة أيام. وروى ابن أبـي حاتم عن أبـي مالك أنه بقي أربعين يوماً، وقيل المراد بالغم غم الخطيئة وما تقدم أظهر. ولم يقل جل شأنه فنجيناه كما قال تعالى في قصة أيوب عليه السلام { أية : فَكَشَفْنَا } تفسير : [الأنبياء: 84] ـ قال بعض الأجلة ـ لأنه دعا بالخلاص من الضر فالكشف المذكور يترتب على استجابته ويونس عليه السلام لم يدع فلم يوجد وجه الترتيب في استجابته. ورد بأن الفاء في قصة أيوب عليه السلام تفسيرية والعطف هنا أيضاً تفسيري والتفنن طريقة مسلوكة في البلاغة، ثم لا نسلم أن يونس عليه السلام لم يدع ولو لم يكن منه دعاء لم تتحقق الاستجابة اهـ. وتعقبه الخفاجي بأنه لا محصل له، وكونه تفسيراً لا يدفع السؤال لأن حاصله لم أتى بالفاء ثمت ولم يؤت بها هنا؟ فالظاهر أن يقال: إن الأول دعاء بكشف الضر على وجه التلطف فلما أجمل في الاستجابة وكان السؤال بطريق الإيماء ناسب أن يؤتى بالفاء التفصيلية، وأما هنا فلما هاجر عليه السلام من غير أمر كان ذلك ذنباً بالنسبة إليه عليه السلام كما أشار إليه بقوله: { أية : إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 87] فما أوحي إليه هو الدعاء بعدم مؤاخذته بما صدر منه فالاستجابة عبارة عن قبول توبته وعدم مؤاخذته، وليس ما بعده تفسيراً له بل زيادة إحسان على مطلوبه ولذا عطف بالواو اهـ. ولا يخفى أن ما ذكره لا يتسنى في قوله تعالى: { أية : وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [الأنبياء: 76] وقوله سبحانه: { أية : وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ * فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 89-90] إذ لم يكن سؤال نوح عليه السلام بطريق الإيماء مع أنه قال تعالى في قصته / { أية : فَنَجَّيْنَاهُ } تفسير : [الأنبياء:76] بالفاء وزكريا عليه السلام لم يصدر منه ما يعد ذنباً بالنسبة إليه ليتلطف في سؤال عدم المؤاخذة مع أنه قال سبحانه في قصته { أية : وَوَهَبْنَا } تفسير : [الأنبياء:90] بالواو فلا بد حينئذ من بيان نكتة غير ما ذكر للتعبير في كل موضع من هذين الموضعين بما عبر، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ذكره الشهاب في الآية الأخيرة. وربما يقال: إنه جيء بالفاء التفصيلية في قصتي نوح وأيوب عليهما السلام اعتناء بشأن الاستجابة لمكان الإجمال والتفصيل لعظم ما كانا فيه وتفاقمه جداً، ألا ترى كيف يضرب المثل ببلاء أيوب عليه السلام حيث كان في النفس والأهل والمال واستمر إلى ما شاء الله تعالى وكيف وصف الله تعالى ما نجى الله سبحانه منه نوحاً عليه السلام حيث قال عز وجل { أية : فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [الأنبياء: 76] ولا كذلك ما كان فيه ذو النون وزكريا عليهما السلام بالنسبة إلى ذلك فلذا جيء في آيتيهما بالواو وهي وإن جاءت للتفيسر لكن مجيء الفاء لذلك أكثر، ولا يبعد عندي ما ذكره الخفاجي في هذه الآية من كون الاستجابة عبارة عن قبول توبته عليه السلام والتنجية زيادة إحسان على مطلوبه ويقال فيما سيأتي ما ستسمعه إن شاء الله تعالى. {وَكَذٰلِكَ} أي مثل ذلك الإنجاء الكامل {نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ} من غموم دعوا الله تعالى فيها بالإخلاص لا إنجاء أدنى منه. وقرأ الجحدري {ننجي} مشدداً مضارع نجى. وقرأ ابن عامر وأبو بكر {نجي} بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وإسكان الياء، واختار أبو عبيدة هذه القراءة على القراءة بنونين لكونها أوفق بالرسم العثماني لما أنه بنون واحدة، وقال أبو علي في «الحجة»: روي عن أبـي عمرو {نجي} بالإدغام والنون لا تدغم في الجيم وإنما أخفيت لأنها ساكنة تخرج من الخياشيم فحذفت من الكتاب وهي في اللفظ، ومن قال: تدغم فقد غلط لأن هذه النون تخفى مع حروف الفم وتسمى الأحرف الشجرية وهي الجيم والشين والضاد وتبيينها لحن فلما أخفى ظن السامع أنه مدغم انتهى. وقال أبو الفتح ابن جني: أصله ننجي كما في قراءة الجحدري فحذفت النون الثانية لتوالي المثلين والأخرى جيء بها لمعنى والثقل إنما حصل بالثانية وذلك كما حذفت التاء الثانية في { أية : تَظَـٰهَرُونَ } تفسير : [البقرة:85] ولا يضر كونها أصلية وكذا لا يضر عدم اتحاد حركتها مع حركة النون الأولى فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإدغام فقول أبـي البقاء: إن هذا التوجيه ضعيف لوجهين، أحدهما: أن النون الثانية أصل وهي فاء الكلمة فحذفها يبعد جداً، والثاني: أن حركتها غير حركة النون الأولى فلا يستثقل الجمع بينهما بخلاف { أية : تَظَـٰهَرُونَ } تفسير : [البقرة:85] ليس في حيز القبول، وإنما امتنع الحذف في { أية : تَتَجَافَىٰ } تفسير : [السجدة:16] لخوف اللبس بالماضي بخلاف ما نحن فيه لأنه لو كان ماضياً لم يسكن آخره، وكونه سكن تخفيفاً خلاف الظاهر، وقيل هو فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله وسكنت الياء للتخفيف كما في قراءة من قرأ { أية : وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَٰواْ } تفسير : [البقرة: 278] وقوله: شعر : هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جنف تفسير : ونائب الفاعل ضمير المصدر و {ٱلْمُؤْمِنِينَ} مفعول به، وقد أجاز قيام المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول به الأخفش والكوفيون وأبو عبيد، وخرجوا على ذلك قراءة أبـي جعفر { أية : لِيَجْزِىَ قَوْماً } تفسير : [الجاثية: 14] وقوله: شعر : ولو ولدت فقيرة جرو كلب لسب بذلك الكلب الكلابا تفسير : / والمشهور عن البصريين أنه متى وجد المفعول به لم يقم غيره مقام الفاعل، وقيل إن {ٱلْمُؤْمِنِينَ} منصوب بإضمار فعل أي وكذلك نجى هو أي الإنجاء ننجي المؤمنين، وقيل هو منصوب بضمير المصدر والكل كما ترى.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَنَجَّيْنَاهُ} {نُنجِـي} (88) - وَلَمَّا نَادَى يُونُسُ رَبَّهُ وَدَعَاهُ، اسْتَجَابَ اللهُ لِدُعَائِهِ، وَنجَّاهُ مِنَ الغَمِّ، وأَخْرَجَهُ مِنْ بَطْنِ الحُوت، ومِنْ تِلَكَ الظُّلُمَاتِ، وكَذَلِكَ يُنَجِّي اللهُ المؤمنينَ إذا كانُوا في شَدَائِدَ، وَدَعَوا رَبَّهُم مُخْلِصِينَ إليهِ مُنِيبِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : استجاب الله نداء يونس - عليه السلام - ونجَّاه من الكرب {وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] إذن: فهذه ليست خاصة بيونس، بل بكل مؤمن يدعو الله بهذا الدعاء {وَكَذٰلِكَ ..} [الأنبياء: 88] أي: مثل هذا الإنجاء نُنْجي المؤمنين الذين يفزعون إلى الله بهذه الكلمة: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 87] فيُذهِب الله غَمَّه، ويُفرِّج كَرْبه. لذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "ثوِّروا القرآن" يعني: أثيروه ونقِّبوا في آياته لتستخرجوا كنوزه وأسراره. وكان سيدنا جعفر الصادق من المثوِّرين للقرآن المتأملين فيه، وكان يُخرِج من آياته الدواء لكل داء، ويكون كما نقول (روشتة) لكل أحوال المؤمن. والمؤمن يتقلّب بين أحوال عدة منها: الخوف سواء الخوف أنْ يفوته نعيم الدنيا، أو الخوف من جبار يهدده، وقد يشعر بانقباض وضيق في الصدر لا يدري سببه وهذا هو الغَمُّ، وقد يتعرض لمكر الماكرين، وكَيْد الكائدين، وتدبير أهل الشر. هذه كلها أحوال تعتري الإنسان، ويحتاج فيها لمَنْ يسانده ويُخرجه مما يعانيه، فليس له حَوْل ولا قوة، ولا يستطيع الاحتياط لكل هذه المسائل. وقد تراوده بهجة الدنيا وزُخْرفها، فينظر إلى أعلى مِمّا هو فيه، ويطلب المزيد، ولا نهايةَ لطموحات الإنسان في هذه المسألة، كما قال الشاعر: شعر : تَمُوتُ مع المرْءِ حَاجَاتُه وتَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ مَا بَقِي تفسير : والناس تحرص دائماً على أن تستوعب نِعَم الحياة وراحتها، وهم في ذلك مُخْطِئون؛ لأن تمام الشيء بداية زواله، كما قال الشاعر: شعر : إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُه تَرقَّبْ زَوَالاً إذَا قيلَ تَم تفسير : لأن الإنسان ابنُ أغيار، ولا يدوم له حال من صحة أو مرض، أو غِنىً أو فقر، أو حزن أو سرور، فالتغيُّر سِمَة البشر، وسبحان مَنْ لا يتغير، إذن: فماذا بعد أنْ تصل إلى القمةَ، وأنت ابنُ أغيار؟ ونرى الناس يغضبون ويتذمرون إنْ فاتهم شيء من راحة الدنيا ونعيمها، أو انتقصتهم الحياة شيئاً؟ وهم لا يدرون أن هذا النقص هو الذي يحفظ عليك النعمة، ويدفع عنك عيون الحاسدين فيُسلِّم لك ما عندك. فتجد مثلاً أسرة طيبة حازتْ اهتمام الناس واحترامهم، غير أن بها شخصاً شريراً سِّيئاً، يعيب الأسرة، فهذا الشخص هو الذي يدفع عنها عُيون الناسِ وحَسَدهم. وقد أخذ المتنبي هذا المعنى، وعبَّر عنه في مدحه لسيف الدولة، فقال: شعر : شَخَصَ الأنَامُ إِلَى كَمَالِكَ فَاستْعِذ مِنْ شَرِّ أعيُنهم بِعَيْبٍ وَاحِدٍ تفسير : نعود إلى (روشته) سيدنا جعفر الصادق التي استخلصها لنا من كتاب الله، كما يستخلص الأطباء الدواءَ والعقاقير من كتب الحكماء: يقول: عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله تعالى: {أية : حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} تفسير : [آل عمران: 173] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ..} تفسير : [آل عمران: 174]. وعجبتُ لمَنْ اغتمَّ، ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 87] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88]. وعجبتُ لمن مُكِرَ به، ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ..}تفسير : [غافر: 44] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ ..} تفسير : [غافر: 45]. وعجبتُ لمن طلب الدنيا وزينتها، ولم يفزع إلى قوله تعالى: {أية : مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [الكهف: 39] فإنِّي سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ..} تفسير : [الكهف: 40]. وهكذا يجب على المؤمن أن يكون مُطْمئناً واثقاً من معيّة الله، ويضع كما نقول (في بطنه بطيخة صيفي)؛ لأنه يفزع إلى ربه بالدعاء المناسب في كل حال من هذه الأحوال، وحين يراك ربك تلجأ إليه وتتضرع، وتعزو كل نعمة في ذاتك أو في أهلك أو في مالك وتنسبها إلى الله، وتعترف بالمنعِم سبحانه فيعطيك أحسنَ منها. ثم يُحدِّثنا الحق سبحانه عن نبي آخر من أنبيائه، فيقول تعالى: {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 648 : 23 : 13 - سفين عن اسماعيل بن عبد الملك عن سعيد بن جبير في قوله {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ} قال، ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل. [الآية 88].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):