Verse. 2572 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَزَكَرِيَّاۗ اِذْ نَادٰي رَبَّہٗ رَبِّ لَا تَذَرْنِيْ فَرْدًا وَّاَنْتَ خَيْرُ الْوٰرِثِيْنَ۝۸۹ۚۖ
Wazakariyya ith nada rabbahu rabbi la tatharnee fardan waanta khayru alwaritheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «زكريا» ويبدل منه «إذ نادى ربه» بقوله «رب لا تذرني فرداً» أي بلا ولد يرثني «وأنت خير الوارثين» الباقي بعد فناء خلقك.

89

Tafseer

الرازي

تفسير : (القصة التاسعة، قصة زكريا عليه السلام) اعلم أنه تعالى بين انقطاع زكريا عليه السلام إلى ربه تعالى لما مسه الضر بتفرده، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه ويكون قائماً مقامه بعد موته، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف بأنه قادر على ذلك، وإن انتهت الحال به وبزوجته من كبر وغيره إلى اليأس من ذلك بحكم العادة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان سنه مائة وسن زوجته تسعاً وتسعين. أما قوله: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ } ففيه وجهان: أحدهما: أنه عليه السلام إنما ذكره في جملة دعائه على وجه الثناء على ربه ليكشف عن علمه بأن مآل الأمور إلى الله تعالى. والثاني: كأنه عليه السلام قال: «إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث». وأما قوله تعالى: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } أي فعلنا ما أراده لأجل سؤاله، وفي ذلك إعظام له، فلذلك تقول العلماء بأن الاستجابة ثواب لما فيه من الإعظام. وأما قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ } فهو كالتفسير للاستجابة وفي تفسير قوله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } ثلاثة أقوال: أحدها: أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع بالعادة، وهذا أليق بالقصة. والثاني: أنه أصلحها في أخلاقها وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل ذلك من نعمه عليه. والثالث: أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه في كونه داعياً إلى الله تعالى فكأنه عليه السلام سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعاً. وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا قيل: أصلح الله فلاناً فالأظهر فيه ما يتصل بالدين، واعلم أن قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ وبين تعالى مصداق ما ذكرناه فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة. أما قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } قرىء رغباً ورهباً وهو كقوله: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَّحْمَةِ رَبّهِ } والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين: أحدهما: الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه. والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفاً من الإثم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} أي واذكر زكريا. وقد تقدم في «آل عمران» ذكره. {رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} أي منفرداً لا ولد لي وقد تقدم. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} أي خير من يبقى بعد كل من يموت؛ وإنما قال «وأنت خير الْوَارِثيِنَ» لما تقدم من قوله: «يَرِثُني» أي أعلم أنك لا تضيع دينك، ولكن لا تقطع هذه الفضيلة التي هي القيام بأمر الدين عن عقبِي. كما تقدم في «مريم» بيانه. قوله تعالى: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} أي أجبنا دعاءه: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ}. تقدم ذكره مستوفى: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين: إنها كانت عاقراً فجعلت ولوداً. وقال ابن عباس وعطاء: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخلق. قلت: ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولوداً. {إِنَّهُمْ} يعني الأنبياء المسمين في هذه السورة {كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ}. وقيل: الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيـى. قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} فيه مسئلتان: الأولى: قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة. وقيل: المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف، لأن الرغبة والرهبة متلازمان. وقيل: الرغَب رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهَب رفع ظهورها؛ قاله خصيف؛ وقال ابن عطية: وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك، والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه. الثانية: روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطَّهما حتى يمسح بهما وجهه. وقد مضى في «الأعراف» الاختلاف في رفع الأيدي، وذكرنا هذا الحديث وغيره هناك. وعلى القول بالرفع فقد اختلف الناس في صفته وإلى أين؟ فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما حذو صدره وبطونهما إلى وجهه؛ روي عن ابن عمر وابن عباس. وكان عليّ يدعو بباطن كفيه؛ وعن أنس مثله، وهو ظاهر حديث الترمذي. وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم» تفسير : وروي عن ابن عمر وابن الزبير برفعهما إلى وجهه، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري؛ قال: حديث : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه، ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيهتفسير : . وقيل: حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه. قال أبو جعفر الطبري والصواب أن يقال: إن كل هذه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم متفقة غير مختلفة المعاني، وجائز أن يكون ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس: إذا أشار أحدكم بإصبع واحد فهو الإخلاص، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو الدعاء، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال. قال الطبري وقد روى قتادة عن أنس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بظهر كفيه وباطنهما. و{رَغَباً وَرَهَباً} منصوبان على المصدر؛ أي يرغبون رغباً ويرهبون رهباً. أو على المفعول من أجله؛ أي للرغب والرهب. أو على الحال. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «وَيَدْعُونَا» بنون واحدة. وقرأ الأعمش بضم الراء وإسكان الغين والهاء مثل السُّقْم والبُخْل، والعدْم والضُّر لغتان. وابن وثاب والأعمش أيضاً «رَغْباً وَرَهْباً» بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء، وهما لغتان مثل نَهَر ونَهْر وصَخَر وصَخْر. ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو. {وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ} أي متواضعين خاضعين.

البيضاوي

تفسير : {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً } وحيداً بلا ولد يرثني. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ } فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي به.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عبده زكريا حين طلب أن يهبه الله ولداً يكون من بعده نبياً، وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة مريم وفي سورة آل عمران أيضاً، وههنا أخصر منها {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} أي خفية عن قومه {رَبِّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً} أي لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ} دعاء وثناء مناسب للمسألة، قال الله تعالى: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} أي امرأته، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: كانت عاقراً لا تلد فولدت. وقال عبد الرحمن بن مهدي عن طلحة بن عمرو عن عطاء: كان في لسانها طول، فأصلحها الله وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصلحها الله، وهكذا قال محمد بن كعب والسدي، والأظهر من السياق الأول. وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ} أي في عمل القربات وفعل الطاعات {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} قال الثوري: رغباً فيما عندنا ورهبا مما عندنا {وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي مصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: مؤمنين حقاً. وقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبداً. وعن مجاهد أيضاً: خاشعين أي متواضعين. وقال الحسن وقتادة والضحاك: خاشعين أي متذللين لله عز وجل، وكل هذه الأقوال متقاربة. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الله القرشي عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه. ثم قال: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } ويبدل منه {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ } بقوله {رَبِّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً } أي بلا ولد يرثني {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ } الباقي بعد فناء خلقك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَزَكَرِيَّا } أي واذكر خبر زكريا وقت ندائه لربه قال: {رَبّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً } أي منفرداً وحيداً لا ولد لي. وقد تقدّم الكلام على هذه الآية في آل عمران {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ } أي خير من يبقى بعد كل من يموت، فأنت حسبي إن لم ترزقني ولداً فإني أعلم أنك لا تضيع دينك وأنه سيقوم بذلك من عبادك من تختاره له وترتضيه للتبليغ: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ } دعاءه {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ }. وقد تقدّم مستوفى في سورة مريم {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ }. قال أكثر المفسرين: إنها كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً. فهذا هو المراد بإصلاح زوجه. وقيل: كانت سيئة الخلق فجعلها الله سبحانه حسنة الخلق، ولا مانع من إرادة الأمرين جميعاً، وذلك بأن يصلح الله سبحانه ذاتها، فتكون ولوداً بعد أن كانت عاقراً، ويصلح أخلاقها فتكون أخلاقها مرضية بعد أن كانت غير مرضية، وجملة: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرٰتِ } للتعليل لما قبلها من إحسانه سبحانه إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فالضمير المذكور راجع إليهم، وقيل: هو راجع إلى زكريا وامرأته ويحيـى. ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم كانوا يدعونه {رَغَباً وَرَهَباً } أي يتضرّعون إليه في حال الرّخاء وحال الشدّة، وقيل الرغب: رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهب: رفع ظهورها، وانتصاب رغباً ورهباً على المصدرية أي: يرغبون رغباً ويرهبون رهباً، أو على العلة أي للرّغب والرّهب، أو على الحال، أي راغبين وراهبين. وقرأ طلحة بن مصرِّف "ويدعونا" بنون واحدة، وقرأ الأعمش بضم الراء فيهما وإسكان ما بعده، وقرأ ابن وثاب بفتح الراء فيهما مع إسكان ما بعده، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، وقرأ الباقون بفتح الراء وفتح ما بعده فيهما {وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ } أي: متواضعين متضرّعين. {وَٱلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } أي واذكر خبرها، وهي مريم، فإنها أحصنت فرجها من الحلال والحرام ولم يمسسها بشر، وإنما ذكرها مع الأنبياء وإن لم تكن منهم لأجل ذكر عيسى، وما في ذكر قصتها من الآية الباهرة {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } أضاف سبحانه الروح إليه، وهو للملك تشريفاً وتعظيماً، وهو يريد روح عيسى {وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءَايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } قال الزجاج: الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من غير فحل. وقيل: إن التقدير على مذهب سيبويه: وجعلناها آية وجعلنا ابنها آية كقوله سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62] والمعنى: أن الله سبحانه جعل قصتهما آية تامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما. وقيل: أراد بالآية الجنس الشامل، لما لكل واحد منهما من آيات، ومعنى: {أحصنت} عفت فامتنعت من الفاحشة وغيرها. وقيل: المراد بالفرج: جيب القميص، أي أنها طاهرة الأثواب، وقد مضى بيان مثل هذا في سورة النساء ومريم. ثم لما ذكر سبحانه الأنبياء بيّن أنهم كلهم مجتمعون على التوحيد فقال: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } والأمة: الدّين كما قال ابن قتيبة، ومنه: {أية : إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءنَا على أمة}تفسير : [الزخرف: 22] أي على دين، كأنه قال: إن هذا دينكم دين واحد لا خلاف بين الأمم المختلفة في التوحيد، ولا يخرج عن ذلك إلا الكفرة المشركون بالله، وقيل: المعنى إن هذه الشريعة التي بينتها لكم في كتابكم شريعة واحدة، وقيل: المعنى إن هذه ملتكم ملة واحدة، وهي ملة الإسلام. وانتصاب {أمة واحدة} على الحال، أي متفقة غير مختلفة، وقرىء: "إن هٰذه أمتكم" بنصب أمتكم على البدل من اسم إنّ والخبر أمة واحدة. وقرىء برفع {أمتكم} ورفع {أمة} على أنهما خبران؛ وقيل: على إضمار مبتدأ أي: هي أمة واحدة. وقرأ الجمهور برفع (أمتكم) على أنه الخبر ونصب (أمة) على الحال كما قدّمنا. وقال الفراء والزجاج: على القطع بسبب مجيء النكرة بعد تمام الكلام {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ } خاصة، لا تعبدوا غيري كائناً ما كان. {وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي تفرّقوا فرقاً في الدين حتى صار كالقطع المتفرّقة. وقال الأخفش: اختلفوا فيه، وهو كالقول الأوّل. قال الأزهري: أي تفرّقوا في أمرهم، فنصب أمرهم بحذف في، والمقصود بالآية المشركون، ذمهم الله بمخالفة الحق واتخاذهم آلهة من دون الله. وقيل: المراد: جميع الخلق وأنهم جعلوا أمرهم في أديانهم قطعاً وتقسموه بينهم، فهذا موحّد، وهذا يهوديّ، وهذا نصرانيّ، وهذا مجوسيّ، وهذا عابد وثن. ثم أخبر سبحانه بأن مرجع الجميع إليه فقال: {كُلٌّ إِلَيْنَا رٰجِعُونَ } أي: كل واحد من هذه الفرق راجع إلينا بالبعث، لا إلى غيرنا. {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي من يعمل بعض الأعمال الصالحة، لا كلها، إذ لا يطيق ذلك أحد {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } بالله ورسله واليوم الآخر {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } أي لا جحود لعمله، ولا تضييع لجزائه، والكفر ضدّ الإيمان، والكفر أيضاً جحود النعمة وهو ضدّ الشكر، يقال: كفر كفوراً وكفراناً، وفي قراءة ابن مسعود: "فلا كفر لسعيه". {وَإِنَّا لَهُ كَـٰتِبُونَ } أي لسعيه حافظون، ومثله قوله سبحانه: {أية : أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} تفسير : [آل عمران: 195]. {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا }. قرأ زيد بن ثابت وأهل المدينة {وحرام} وقرأ أهل الكوفة: "وحرم" وقد اختار القراءة الأولى أبو عبيد وأبو حاتم، ورويت القراءة الثانية عن عليّ وابن مسعود وابن عباس: وهما لغتان مثل حلّ وحلال. وقرأ سعيد بن جبير "وحرم" بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم. وقرأ عكرمة وأبو العالية "حرم" بضم الراء وفتح الحاء والميم، ومعنى {أَهْلَكْنَـٰهَا }: قدّرنا إهلاكها، وجملة: {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } في محل رفع على أنه مبتدأ وخبره {حرام} أو على أنه فاعل له سادّ مسدّ خبره. والمعنى: وممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء، وقيل: إن {لا} في {لا يرجعون} زائدة أي حرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، واختار هذا أبو عبيدة؛ وقيل: إن لفظ حرام هنا بمعنى الواجب، أي واجب على قرية، ومنه قول الخنساء:شعر : وإن حراماً لا أرى الدهر باكياً على شجوه إلا بكيت على صخر تفسير : وقيل: حرام: أي ممتنع رجوعهم إلى التوبة، على أن لا زائدة. قال النحاس: والآية مشكلة، ومن أحسن ما قيل فيها وأجلّه ما رواه ابن عيينة وابن علية وهشيم وابن إدريس ومحمد بن فضيل، وسليمان بن حيان ومعلى عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في معنى الآية قال: واجب أنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون. قال الزجاج وأبو علي الفارسي: إن في الكلام إضماراً، أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها، أو بالختم على قلوب أهلها، أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون. {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ }: "حتى" هذه هي التي يحكى بعدها الكلام، ويأجوج ومأجوج قبيلتان من الإنس، والمراد بفتح يأجوج ومأجوج فتح السدّ الذي عليهم، على حذف المضاف، وقيل: إن حتى هذه هي التي للغاية. والمعنى: أن هؤلاء المذكورين سابقاً مستمرّون على ما هم عليه إلى يوم القيامة، وهي يوم فتح سدّ يأجوج ومأجوج {وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ } الضمير ليأجوج ومأجوج، والحدب، كلّ أكمة من الأرض مرتفعة والجمع أحداب، مأخوذ من حدبة الأرض، ومعنى {يَنسِلُونَ } يسرعون. وقيل: يخرجون. قال الزجاج: والنسلان مشية الذئب إذا أسرع. يقال: نسل فلان في العدو ينسل بالكسر والضم نسلاً ونسولاً ونسلاناً، أي أن يأجوج ومأجوج من كلّ مرتفع من الأرض يسرعون المشي ويتفرقون في الأرض؛ وقيل: الضمير في قوله: {وهم} لجميع الخلق، والمعنى: أنهم يحشرون إلى أرض الموقف وهم يسرعون من كلّ مرتفع من الأرض. وقرىء بضم السين. حكى ذلك المهدوي عن ابن مسعود. وحكى هذه القراءة أيضاً الثعلبي، عن مجاهد، وأبي الصهباء. {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ } عطف على {فتحت}، والمراد: ما بعد الفتح من الحساب. وقال الفراء والكسائي وغيرهما: المراد بالوعد الحق: القيامة والواو زائدة؛ والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق وهو القيامة، فاقترب جواب إذا، وأنشد الفراء:شعر : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى تفسير : أي انتحى، ومنه قوله تعالى: {أية : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَـٰدَيْنَـٰهُ } تفسير : [الصافات: 103، 104]. وأجاز الفراء أن يكون جواب إذا {فَإِذَا هِيَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وقال البصريون: الجواب محذوف، والتقدير: قالوا: يا ويلنا. وبه قال الزجاج، والضمير في {فَإِذَا هِىَ } للقصة، أو مبهم يفسره ما بعده، وإذا للمفاجأة. وقيل: إن الكلام تمّ عند قوله {هي}، والتقدير: فإذا هي، يعني: القيامة بارزة واقعة كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال: {شاخصة أبصار الذين كفروا} على تقديم الخبر على المبتدأ، أي أبصار الذين كفروا شاخصة، و {يا ويلنا} على تقدير القول: {قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا } أي من هذا الذي دهمنا من العبث والحساب {بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل. وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } قال: كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: وهبنا له ولدها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً ووهب له منها يحيـى، وفي قوله: {وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ } قال: أذلاء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } قال: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله سبحانه: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } قال: "حديث : رغباً هكذا ورهباً هكذا وبسط كفيه"تفسير : ، يعني: جعل ظهرهما للأرض في الرغبة وعكسه في الرهبة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر الصديق فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ }. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } قال: إن هذا دينكم ديناً واحداً. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } قال: تقطعوا: اختلفوا في الدين. وأخرج الفريابي وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } قال: وجب إهلاكها {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } قال: لا يتوبون. وأخرج سعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "وَحَرَّمَ عَلَىٰ قَرْيَةٍ" قال: وجب على قرية {أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } كما قال: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } تفسير : [يۤس: 31]. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مّن كُلّ حَدَبٍ } قال: شرف {يَنسِلُونَ } قال: يقبلون، وقد ورد في صفة يأجوج ومأجوج وفي وقت خروجهم أحاديث كثيرة لا يتعلق بذكرها ها هنا كثير فائدة.

الماوردي

تفسير : {رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: خلياًمن عصمتك، قاله ابن عطاء. الثاني: عادلاً عن طاعتك. الثالث: وهو قول الجمهور يعني وحيداً بغير ولد. {وَأَنتَ خَيْرُ الَْوَارِثينَ} أي خير من يرث العباد من الأهل والأولاد، ليجعل رغبته إلى الله في الولد والأهل لا بالمال، ولكن ليكون صالحاً، وفي النبوة تالياً. قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهْبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنها كانت عاقراً فَجُعَِلَتْ ولوداً. قال الكلبي: وَلَدَتْ له وهو ابن بضع وسبعين سنة. والثاني: أنها كانت في لسانها طول فرزقها حُسْنَ الخَلْقِ، وهذا قول عطاء، وابن كامل. {... يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} أي يبادرون في الأعمال الصالحة، يعني زكريا، وامرأته،ويحيى. {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} فيه أربعة أوجه: أحدها: رغباً في ثوابنا ورهباً من عذابنا. الثاني: رغباً في الطاعات ورهباً من المعاصي. والثالث: رغباً ببطون الأكف ورهباً بظهور الأكف. والرابع: يعني طمعاً وخوفاً. ويحتمل وجهاً خامساً: رغباً فيما يسعون من خير، ورهباً مما يستدفعون من شر. {وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني متواضعين، وهذا قول ابن عباس. والثاني: راغبين راهبين، وهو قول الضحاك. والثالث: أنه وضع اليمنى على اليسرى، والنظر إلى موضع السجود في الصلاة.

ابن عطية

تفسير : تقدم أمر زكرياء عليه السلام في سورة مريم، وإصلاح الزوجة قيل بأن جعلها ممن تحمل وهي عاقر قاعد فحاضت وحملت وهذا هو الذي يشبه الآية وقيل بأن أزيل بذاء كان في لسانها ع وهذا ضعيف وعموم اللفظ يتناول جميع وجوه الإصلاح، وقرأت فرقة "يدعوننا" وقرأت فرقة "يدعونا"، وقرأت فرقة "رَغَباً" بفتح الراء والغين "ورَهَباً" كذلك، وقرأت فرقة بضم الراء فيهما وسكون الغين والهاء، وقرأت فرقة بفتح الراء وسكون الغين والهاء، والمعنى أنهم يدعون في وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء، ورهبة وخوف من حال واحدة لأَن الرغبة والرهبة متلازمان، وقال بعض الناس الرغب أَن ترفع بطون الأكف نحو السماء والرهب أَن ترفع ظهورها ع وتلخيص هذا أَن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه، فالرغب من حيث هو طلب يحسن معه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه إذ هي موضع الإعطاء وبها يتملك، والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك والإشارة إلى إذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه و"الخشوع" التذلل بالبدن المتركب على التذلل بالقلب.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَرْداً} خلياً من عصمتك، أو عادلاً عن طاعتك، أو وحيداً بغير ولد عند الجمهور.

النسفي

تفسير : {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً } سأل ربه أن يرزقه ولداً يرثه ولا يدعه وحيداً بلا وارث، ثم رد أمره إلى الله مستسلماً فقال {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ } أي فإن لم تزرقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث أي باق {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ} ولداً { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } جعلناها صالحة للولادة بعد العقار أي بعد عقرها أو حسنة وكانت سيئة الخلق {إنهم} أي الأنبياء المذكورين {كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } أي أنهم إنما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم لمبادرتهم أبواب الخير ومسارعتهم في تحصيلها {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } أي طمعاً وخوفاً كقوله { أية : يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ }تفسير : [الزمر: 9] وهما مصدران في موضع الحال أو المفعول له أي للرغبة فينا والرهبة منا {وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ } متواضعين خائفين. {وَٱلَّتِى } أي واذكر التي {أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } حفظته من الحلال والحرام {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } أجرينا فيها روح المسيح أو أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها فأحدثنا بذلك النفخ عيسى في بطنها، وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى عليه السلام {وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءايَةً } مفعول ثان {لّلْعَـٰلَمِينَ } وإنما لم يقل آيتين كما قال {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءايَتَيْنِ } تفسير : [الإسراء: 12] لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير فحل، أو التقدير وجعلناها آية وابنها كذلك فـــــ {آية} مفعول المعطوف عليه ويدل عليه قراءة من قرأ {آيتين}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ...} الآية تقدم أمر زكرياء. وقوله سبحانه: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} قيل: بأَنْ جُعِلَتْ مِمَّنْ تَحْمِلُ وهي عاقر قاعد، وعموم اللفظ يتناول جميع الإصلاح. وقوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} المعنى: أنهم يدعون في وقت تعبداتهم، وهم بحال رغبة ورجاء، ورهبة وخوف في حال واحدة؛ لأَنَّ الرغبة والرهبة متلازمان،، والخشوعُ: التذلُّل بالبدن المتركب على التذلل بالقلب. قال القشيريُّ في «رسالته» سُئِلَ الجنيد عن الخشوع فقال: تَذَلُّلُ القلوب لعلاَّمِ الغيوب، قال سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللّه: مَنْ خشع قلبُه لم يقرب منه الشيطان انتهى. وقوله سبحانه: {وَٱلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} المعنى: واذكر التي أحصنت فرجها، وهي الجارحة المعروفة، هذا قول الجمهور، وفي أحصانها هو المدح، وقالت فرقة: الفرج هنا هو فرج ثوبها الذي منه نفخ الملك. وهذا قول ضعيف، وقد تقدم أمرها. * ت * وعكس (رحمه اللّه) في سورة التحريم النقل، فقال: قال الجمهور: هو فرج الدرع.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} الآية. اعلم أنه تعالى بين هاهنا انقطاع زكريا إلى ربه لما مسه الضر بتفرده، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه، ويقوم مقامه بعد موته، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف بقدرة ربه على ذلك، وانتهت به الحال وبزوجه من الكبر وغيره ما يمنع من ذلك بحكم العادة فقال: {رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} وحيداً لا ولد لي، وارزقني وارثاً، {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وأنه أفضل من بقي حياً. ويحتمل أن يكون المعنى: إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير الوارثين. قال ابن عباس: كان سنه مائة سنة، وسن زوجته تسعاً وتسعين، "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ" أي: فعلنا ما أراده بسؤاله، {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ} ولداً صالحاً {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} أي: جعلناها ولوداً بعد ما كانت عقيماً. قاله أكثر المفسرين وقيل: كانت سيئة الخلق سلطة اللسان فأصلح الله خلقها. وقيل: جعلها مصلحة في الدين، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه، لأنه يكون إعانة في الدين والدنيا واعلم أنَّ قوله {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب، لأنَّ إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ. ثم قال: "إِنَّهُمْ" يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة. وقيل: زكريا وولده وأهله {كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ}، والمسارعة في طاعة الله من أكبر ما يمدح المرء به، لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة. قوله: "وَيَدْعُونَنَا" العامة على ثبوت نون الرفع قبل (نا) مفكوكة منها وقرأت فرقة "يَدْعُونَا" بحذف نون الرفع. وطلحة بإدغامها فيها. وهذا الوجهان فيهما إجراء نون (نا) مجرى نون الوقاية. وقد تقدم. قوله: "رَغَباً وَرَهَباً" يجوز أن ينتصبا على المفعول من أجله، وأن ينتصبا على أنهما مصدران واقعان موقع الحال، أي: راغبين راهبين، وأن ينتصبا على المصدر الملاقي لعامله في المعنى دون اللفظ، لأن ذلك نوع منه. والعامة على فتح الغين والهاء. وابن وثاب والأعمش ورويت عن أبي عمرو بسكون الغين والهاء، ونقل عن الأعمش وهو الأشهر عنه بضم الراء وما بعدها. وقرأت فرقة بضمة وسكون فيهما. فصل ومعنى "رَغَباً": طمعاً "وَرَهَباً": خوفاً، أي: رغباً في رحمة الله، ورهباً من عذاب الله. {وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ} أي: متواضعين، قال قتادة: ذلك لأمر الله. وقال مجاهد: الخشوع هو الخوف اللازم في القلب.

البقاعي

تفسير : ولما كان حاصل أمر يونس عليه السلام أنه خرج من بطن لم يعهد الخروج من مثله، عطف عليه قصة زكريا عليه السلام في هبته له ولداً من بطن لم يعهد الحمل من مثله في العقم واليأس ناظراً إلى أبيه إبراهيم عليه السلام أول من ذكر تصريفه في أحاد العناصر فيما اتفق له من مثل ذلك في ابنه إسحاق عليه السلام تكريراً لأعلام القيامة وتقريراً للقدرة التامة فقال: {وزكريا} أي اذكره {إذ نادى ربه} نداء الحبيب القريب فقال: {رب} بإسقاط أداة البعد {لا تذرني فرداً} أي من غير ولد يرث ما آتيتني من الحكمة. ولما كان من الوارث من يحب من يحجبه من الإرث أو يشاركه فيه، ومنهم من لا يحب ذلك ويسعى في إهلاك من يحجبه أو ينقصه، ومنهم من يأخذ الإرث فيصرفه في المصارف القبيحة على ما تدعوه إليه شهوته وحاجته، ومنهم من يأخذه بعفة فينفذ وصايا الموروث ويصل ذا قرابته وأهل وده، ويتصدق عنه، ويبادر إلى كل ما كان يحبه وينفعه، كل ذلك لغنى نفسه وكرم طبعه مع كونه مجبولاً على الحاجة والنقص، وكان الله هو الغني الحميد، الحكيم المجيد، قال ملوحاً بمقصده في أسلوب الإلهاب والتهييج: {وأنت} أي والحال أنك {خير الوارثين*} لأنك أغناهم عن الإرث وأحسنهم تصرفاً، وكثيراً ما تمنح إرث بعض عبيدك عبيداً آخرين، فأنت الحقيق بأن تفعل في إرثي من العلم والحكمة ما أحبه، فتهبني ولداً تمن عليه بذلك {فاستجبنا له} بعظمتنا وإن كان في حد من السن لا حراك به معه وزوجه في حال من العقم لا يرجى معه حبلها، فكيف وقد جاوزت سن اليأس، ولذلك عبر بما يدل على العظمة فقال: {ووهبنا له يحيى} وارثاً حكيماً نبياً عظيماً {وأصلحنا له} خاصة من بين أهل ذلك الزمان {زوجه} أي جعناها صالحة لكل خير، خالصة له ولا سيما لما مننا عليه به من هذه الهبة بعد أن كانت بعقمها وكبرها غير صالحة له بوجه يقدر عليه غيرنا؛ ثم استأنف البيان لخيرية الموروث والوارث والمصلحة للولادة فقال، مؤكداً ترغيباً في مثل أحوالهم وأنها مما يلتذ بذكره ويعجب من أمره: {إنهم كانوا} مجبولين في أول ما خلقناهم جبلة خير، مهيئين لأنهم {يسارعون في الخيرات} أي يبالغون في الإسراع بها مبالغة من يسابق آخر، ودل على عظيم أفعالهم بقوله: {ويدعوننا} مستحضرين لجلالنا وعظمتنا وكمالنا {رغباً} في رحمتنا {ورهباً} من سطوتنا {وكانوا} أي جبلة وطبعاً {لنا} خاصة {خاشعين*} ي خائفين خوفاً عظيماً يحملهم على الخضوع والانكسار. ولما استدل على الساعة بما وهب لهؤلاء القوم من أهل الطاعة من التصرف في العناصر وغيرها إلى أن ذكر أنه خرق العادة في إيداع يحيى عليه الصلاة والسلام بين والدين لا يولد لمثلهما لأن أباه زكريا عليه السلام كان قد صار إلى حالة الكبر ويبس من الأعضاء عظيمة، وأمه كانت - مع وصولها إلى مثل تلك الحال - عاقراً في حال شبابها، تلاه بإبداع ابن خالته عيسى عليه السلام الذي هو علم للساعة على حال أغرب من حاله، فأخرجه من أنثى بلا ذكر، إشارة إلى قرب الوقت لضعف الأمر، كضعف الأنثى بالنسبة إلى الذكر، فقال: {والتي أحصنت فرجها} أي حفظته من الحلال والحرام حفظاً يحق له أن يذكر ويتحدث به، لأنه غاية في العفة والصيانة، والتخلي عن الملاذ إلى الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة، مع ما جمعت إلى ذلك من الأمانة والاجتهاد في متانة الديانة {فنفخنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يداني أوجها نقص، ولا يقرب من ساحتها حاجة ولا وهن {فيها} أي في فرجها - كما التحريم، نفخاً هو من جناب عظمتنا؛ ودل على عظم خلوصه وصفائه بقوله: {من روحنا} أي من روح يحق له أن يضاف إلينا لجلالته وطهارته، فكان من ذلك النفخ حبل وولد. ولعله أضاف هنا النفخ إليها، لا إلى فرجها وحده، ليفيد أنه - مع خلق عيسى عليه السلام به وإفاضة الحياة عليه حساً ومعنى - أحياها هي به معنى بأن قوى به معانيها القلبية حتى كانت صديقة متأهلة لزواجها بخير البشر في الجنة، وخصت هذه السورة بهذا لأن مقصودها الدلالة على البعث الذي هو إفاضة الأرواح على الأموات، قال الرازي: وعلى الجملة هذه عبارة عن إبداع عيسى عليه السلام في رحم مريم عليها السلام من غير نطفة. ولما قدمته من السر في إفاضة النفخ إلى حملتها، أتبع ذلك قوله: {وجعلناها وابنها} أي بتلك العظمة العظمى {ءاية} جعلهما نفس الآية لكثرة ما كان فيهما من الأعاجيب. ولما كان ما فيهما من ذلك ليس مقصوداً لذاته، بل لتقرير أمر عيسى عليه السلام، لم يقل: آيتين، أو لئلا يظن أن نفس العدد مقصود فينقص المعنى {للعالمين*} أي في أن الله قادر على كل شيء لا سيما البعث الذي هو آيته، يتحدث بذلك بعدهما جيل بعد جيل، وعالم بعد عالم، وأمة بعد أمة، إلى قيام الساعة التي هو علمها، وحفظنا ابنها بعلمنا وحكمتنا وقدرتنا وعظمتنا ممن كاده، ورفعناه إلى محل قدسنا، وختم به الأنبياء المذكورين هنا لأنه خاتم المجددين لهذا الدين المحمدي، وهو دليل الساعة، وكتابة أعظم كتاب بعد التوراة التي ابتدأ بصاحبها ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حاشى القرآن الذي عجزت لبلاغته الإنس والجان. ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل: قال متى أحد المترجمين الأربعة للإنجيل وأغلب السياق له بعد أن ذكر مقتل يحيى ابن زكريا عليهما السلام كما مضى في آل عمران: فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى البرية مفرداً، وسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدينة، فلما خرج أبصر جمعاً كثيراً فتحنن عليهم وأبرأ أعلاءهم ومرضاهم وقال مرقس: فلما خرج يسوع أبصر جمعاً كثيراً فتحنن عليهم لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها فبدأ يعلمهم، وبعد ساعات كثيرة جاء تلاميذه إليه، وقال متى: ولما كان المساء أتى تلاميذه وقالوا: إن المكان قفر، والساعة قد جازت، أطلق الجمع يذهبوا إلى القرى المحيطة فيبتاغوا لهم طعاماً، فقال لهم: أعطوهم أنتم ليأكلوا، فقالوا: ليس هاهنا، وأمر بإجلاس الجميع على العشب، وقال مرقس: الأخضر أحزاباً أحزاباً، فجلسوا رفاقاً رفاقاً مائة مائة وخمسين خمسين، وقال يوحنا: فقال لفيلبس: من أين نبتاع لهؤلاء خبزاً؟ قاله ليجربه، فقال فيلبس: ما يكفيهم خبز بمائتي دينار، وقال إندراوس أخو شمعون الصفاء: إن هاهنا حدثاً معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان، فقال يسوع: مروا الناس بالجلوس، وقال متى: وأخذ الخمس خبزات والحوتين، ونظر إلى السماء وبارك وقسم وأعطى الخبز لتلاميذه، وقال مرقس: وقسم الحوتين وناول التلاميذ الجميع فأكل جميعهم وشبعوا ورفعوا من فضلات الكسر اثني عشر سلاًّ مملوءة، ومن السمك، وكان عدد الآكلين خمسة آلاف رجل، وقال متى: سوى النساء والصبيان، وقال يوحنا: فقالوا: حقاً إن هذا هو النبي الجائي إلى العالم، فعلم يسوع أنهم اجتمعوا ليحتفظوا به ويصيروه ملكاً، فتحوّل إلى الجبل، وقال متى: وللوقت أمر تلاميذه أن يصعدوا إلى السفينة ويسبقوه إلى العبر ليطلق الجموع، وقال يوحنا: ليعبروا إلى الكفر ناحوم وكان ظلاماً، وقال متى: فأطلق الجمع وصعد إلى الجبل منفرداً يصلي، وقال مرقس: وللوقت تقدم إلى تلاميذه بركوبهم السفينة وأن يسبقوه إلى العبر عند بيت صيدا ليطلق هو الجماعة، فلما ودعهم وذهب إلى الجبل ليصلي، قال متى: فلما كان المساء وكان وحده هناك والسفينة في وسط البحر، فضربتها الأمواج لمعاندة الريح لها، قال يوحنا: فمضوا نحو خمسة وعشرين غلوة أو ثلاثين، وقال متى: وفي الهجعة الرابعة من الليل جاءهم ماشياً على البحر فاضطربوا وقالوا: إنه خيال، ومن خوفهم صرخوا، فكلمهم قائلاً: أنا هو، لا تخافوا، أجابه بطرس وقالوا: إن كنت أنت هو فمرني أن آتي إليك على الماء، فقال له: تعال! فنزل بطرس من السفينة ومشى على الماء، فرأى قوة الريح فخاف، وكاد أن يغرق فصاح قائلاً: يا رب نجني! فللوقت مد يسوع يده وأخذه وقال له: يا قليل الأمانة! لم شككت؟ فلما صعد السفينة سكنت الريح، قال يوحنا: وللوقت صارت إلى الأرض التي أرادوها، وفي الغد نظرت الجموع الذين كانوا معه في عبر البحر أن ليس هناك سوى سفينة واحدة، وأن يسوع لم يركبها مع تلاميذه لكن تلاميذه مضوا وحدهم، وكانت سفن أخر وافت من طبرية حتى انتهت إلى الموضع الذي أكلوا الخبز الذي بارك عليه، فحين لم ير الجماعة يسوع هناك ولا تلاميذه، ركبوا تلك السفن، وأتوا إلى كفر ناحوم يطلبون يسوع، فلما قصدوه في عبر البحر قالوا له: يا معلم! متى صرت هاهنا؟ أجاب يسوع وقال: الحق الحق أقول لكم! إنكم لم تطلبوني لنظركم الآيات بل لأكلكم الخبز فشبعتم، اعلموا لا للطعام الزائل بل للطعام الباقي في الحياة المؤبدة الذي يعطيكموه ابن البشر، ثم قال: لست أعمل بمشيئتي، لكن بمشيئة الذي أرسلني، ثم قال: قد كتب في الأنبياء أنهم يكونون بأجمعهم معلمين، الحق أقول لكم! من يؤمن بي فله الحياة الدائمة، قالوا: ما نصنع حتى نعمل أعمال الله؟ قال: عمل الله هو أن تؤمنوا بمن أرسله، قال متى: ولما عبروا جاؤوا إلى أرض جناشر، قال مرقس: فأرسوا وخرجوا من السفينة - انتهى. فعرفه أهل ذلك المكان وأرسلوا إلى جميع تلك الكور فقدموا إليه كل المسقومين وطلبوا إليه أن يلمسوا طرف ثوبه فقط، وكل من لمسه خلص.

السيوطي

تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وأصلحنا له زوجه‏} ‏ قال‏:‏ كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن عساكر، عن عطاء بن أبي رباح في قوله‏:‏ ‏ {‏وأصلحنا له زوجه‏} ‏ قال‏:‏ كان في خلقها سوء وفي لسانها طول - وهو البذاء - فأصلح الله ذلك منها‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن محمد بن كعب القرظي في قوله‏:‏ ‏{‏وأصلحنا له زوجه‏} ‏ قال‏:‏ كان في خلقها شيء‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏وأصلحنا له زوجه‏} ‏ قال‏:‏ كانت لا تلد‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وأصلحنا له زوجه‏} ‏ قال‏:‏ كانت لا تلد‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وأصلحنا له زوجه‏} ‏ قال‏:‏ وهبنا له ولداً منها‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وأصلحنا له زوجه‏} ‏ قال‏:‏ كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً ووهب له منها يحيى‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وكانوا لنا خاشعين‏} ‏ قال‏:‏ أذلاء‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏ويدعوننا رغباً ورهباً‏}‏ قال‏:‏ ‏{‏رغبا‏ً} ‏ طمعاً وخوفاً، وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر‏. وأخرج ابن المبارك عن الحسن في قوله‏:‏ ‏{‏ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين‏} ‏ قال‏:‏ الخوف الدائم في القلب‏. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏ويدعوننا رغباً ورهبا‏ً} ‏ قال‏:‏ ما دام خوفهم ربهم فلم يفارق خوفه قلوبهم، إن نزلت بهم رغبة خافوا أن يكون ذلك استدراجاً من الله لهم، وإن نزلت بهم رهبة خافوا أن يكون الله عز وجل قد أمر بأخذهم لبعض ما سلف منهم‏. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ ‏"‏سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل‏:‏ ‏ {‏ويدعوننا رغباً ورهبا‏ً}‏ قال‏:‏ ‏ {‏رهباً‏}‏ هكذا، وبسط كفيه‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن حكيم قال‏:‏ خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال‏:‏ ‏{‏إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين‏}. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وكانوا لنا خاشعين‏} ‏ قال‏:‏ متواضعين‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك ‏ {‏وكانوا لنا خاشعين‏}‏ قال‏:‏ الذلة لله‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى ذكره: {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} [الآية: 89]. قال جعفر: لا تجعلنى ممن لا سبيل له إلى مناجاتك، والتزين بزينة خدمتك. وقال أيضًا: فردًا عنك، لا يكون لى سبيل إليك. قال ابن عطاء فى قوله: {لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} أى خاليًا من عصمتك. وقال الجنيد رحمة الله عليه: أى لا تجعلنى غافلاً عنك معرضًا من ذكرك.

القشيري

تفسير : سأل الوَلَدَ، وإنما سأله ليكون له مُعِيناً على عبادةِ ربِّه وليقوم في النبوة مقامَه، ولئلا تنقطعَ بركةُ الرسالة من بيته، ولقد قاسى زكريا من البلاء ما قاسى حتى حاولوا قطْعَه بالمنشار، ولما التجأ إلى الشجرة انشقت له وتَوَسَّطَها، والتأمت الشجرة، وفطنوا إلى ذلك فقطعوا الشجرة بالمنشار، وصبر لله، وسبحان الله! كان انشقاق الشجرة له معجزة، وفي الظاهر كان حفظاً له منهم، ثم لو لم يطلعهم عليه لكان في ذلك سلامته، ولعلَّهم - لو قتلوه - لم يُصِبْه من الألم القدْرُ الذي لحقه من القطع بالمنشار طول إقامته وإنما المعنى فيه أن انشقاق الشجرة كان له معجزة فَقَوي بذلك يقينُه لمَّا رأى عجيبَ الأمر فيه من نَقْضِ العادة، ثم البلاء له بالقتل ليس ببلاء في التحقيق، ولقد قال قائلهم: "إنما يستعذب الأولياء البلوى للمناجاة مع المولى".

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} ما اختلج فى سر الارادة من صميم سر سرى ان شيخ الانبياء عليه السّلام راى ما ورد عليه من انوار كبرياء الله وجلال عظمته وغر سلطانه فى مشاهدة ذاته فخاف من محل الاتحاد والاتصاف الذى يقتضى حلاوة شربه التفريد فى دعوى الانانية والربوبية فاستعاذ بالله ان يكون محتجبا به عنه فقال لا تذر فى فردا حين افردتنى بفرد انيتك فان ذلك على عارية تتصرف الى القدم والحدث ينصرف الى الحدث الا ترى كيف قال {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} ترث صفة بقائك بعد فنائى بغيرتك وايضا لا تذرنى فردا عنك بك حتى لا احتجب بك عن حقيقتك وايضا كان سره يتحرك من جذب اسرار مقادير القدم التى تجذب سره الى رؤية روح يحيى فى مكمن الغيب فافتقر الى الله بالسوال ادخال روحه فى هيكله ليكون سحر فى افشاء اسرار ربوبيته قال جعفر لا تجعلنى لا ممن لا سبيل له الى مناجاتك والتزين بزينة خدمتك وقال ايضا فردا عنك لا سبيل اليك وقال ابن عطا خاليا عن عصمتك وقال الجنيد خاليا عنك مشتغلا بشرعى سواك وقال الواسطى الفرد المعرض عن ذكر الله الغافل عنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وزكريا} واذكر خبر زكريا بن اذن بن مانان من انبياء بنى اسرائيل {اذ نادى ربه} وقال {رب} [اى برورد كار من]{لا تذرنى فردا} مثل هذه العبارة من العبد للسيد تضرع ودعاء لا نهى اى هب لى ولدا ولا تدعنى وحيدا بلا ولد يرثنى لما بلغ عمر زكريا عليه السلام مائة سنة وبلغ عمر زوجته تسعا وتسعين ولم يرزق لهما ولد احب ان يرزقه الله من يؤنسه ويقويه على امر دينه ودنياه ويكون قائما مقامه بعد موته فدعا ثم رد الامر الى مولاه مستسلما ومنقادا لمشيته فقال {وانت خير الوارثين} خير من يبقى بعد من يموت فحسبى انت ان لم ترزقنى وارثا فهو ثناء على الله تعالى بانه الباقى بعد فناء الخلق وله ميراث السموات والارض.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر خبر {زكريا إِذ نادى ربَّهُ} في طلب الولد، وقال: {ربِّ لا تذرني فَرْدًا}؛ وحيدًا بلا ولد يرثني، ثم ردّ أمره إليه؛ مستسلمًا، فقال: {وأنت خيرُ الوارثين}، فحسبي أنت، وإِنْ لم ترزقني وارثًا فلا أبالي؛ فإنك خير وارث، {فاستجبنا له} دعاءه، {ووهبنا له يحيى} ولدًا {وأصلحنا له زوجه} أي: أصلحناها للولادة بعد عُقمها، أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلْقها. وكانت قبل سيئة الخلق، {إنهم} أي: ما تقدم من الأنبياء، {كانوا يُسارعون في الخيرات} أي: إنما استحقوا الإجابة إلى مطالبهم، وأسعفناهم فيما أمَّلوا؛ لمبادرتهم أبواب الخير، ومسارعتهم إلى تحصيلها، مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير كله، وهو السر في إتيان: {في}، دون "إلى"، المشعرة بخلاف المقصود؛ من كونهم خارجين عن أصل الخيرات، متوجهين إليها، كما في قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [آل عِمرَان: 133]. {و} كانوا {يدعوننا رغَبًا ورَهَبًا}؛ طمعًا وخوفًا، وهما مصدران في موضع الحال، أو المفعول له، أي: راغبين في الثواب أو الإجابة، وراهبين من العقاب أو الخيبة، أو للرغبة والرهبة، {وكانوا لنا خاشعين}: متواضعين خائفين، أي: إنما نالوا هذه المراتب العلية، واستحقوا هذه الخصوصية؛ لاتصافهم بهذه الأوصاف الحميدة. والله تعالى أعلم. الإشارة: الغالب في وراثة الخصوصية الحقيقية أن تكون لغير ورثة النسب، وأما الخصوصية المجازية، التي هي مقام الصلاح أو العلم، فقد تكون لورثة النسب، وتكون لغيرهم. والخصوصية الحقيقية هي مقام الفناء والبقاء، والتأهل للتربية النبوية، ولا بأس بطلب وارث هذه الخصوصية، لئلا ينقطع النفع بها. وقد قيل، في قول الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه: اسمع ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا، إنه أشار إلى طلب الوارث الروحاني. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات}، فيه إشارة إلى بيان سبب حصول الخصوصية؛ لأن بابها هو المسارعة إلى عمل الخيرات وأنواع الطاعات، وأوكدها ثلاثة: دوام ذكر الله، وحسن الظن بالله، وبعباد الله. وفي الحديث: "حديث : خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظن بالله، وحسن الظن بعباد الله"تفسير : . وقوله: {ويدعوننا رَغَبًا ورهبًا}، هذه حالة الطالبين المسترشدين المتعطشين إلى الله، يدعونه رغبًا في الوصول، ورهبًا من الانقطاع والرجوع، وقد تكون للواصلين؛ رغبًا في زيادة الترقي، ورهبًا من الوقوف أو الإبعاد. وقال بعضهم: الرغب والرهب حاصلتان لكل مؤمن، إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطًا، وهو كفر، ولو لم تكن رهبة لكان أمنًا، والأمن كفر. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر مريم وابنها عليهما السلام

الجنابذي

تفسير : {وَزَكَرِيَّآ} مثل ما سبق فى العطف او التّقدير {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ} قائلاً ربّ {لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} بلا ولدٍ ولا عقبٍ يرثنى {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} استدراك لما يتوهّم من انّه فى دعائه الولد بقوله: لا تذرنى فرداً صرف النّظر عن الله ومعيّته معه.

الأعقم

تفسير : {وزكريا} أي اذكر زكريا {إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين} لأنه يرث الخلق جميعهم {فاستجبنا له} أي أجبنا دعاءه {ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} كانت عاقراً {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} أي الطاعات {ويدعوننا رغباً ورهباً} يعني رغبة في ثوابه ورهبة [وخشية] من عقابه، يعني يدعوننا طمعاً وخوفاً {وكانوا لنا خاشعين} ثم عطف على ما تقدم بقصة عيسى وعقبه بالوعد والوعيد فقال سبحانه: {والتي أحصنت فرجها} يعني مريم منعت وحفظت من أن يمسّها ذكر، وقيل: منعت فرجها مما حرم الله عليها {فنفخنا فيها من روحنا} نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحياء، ومعناه نفخنا الروح في عيسى فيها، أي أحييناه في جوفها من روحنا وهو جبريل لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها، وقيل: إضافة إلى نفسها على وجه التشريف {وجعلناها} أي مريم {وابنها آية} حجّة على كمال قدرتنا {للعالمين} العقلاء.

اطفيش

تفسير : {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ} يا رب. {لاَ تَذَرْنِى} لا تتركنى. {فَرْدًا} بلا ولد يرثنى. والجملة مفعول لقول محذوف، أى بقوله: {رب لا تذرنى فردا} أو قال: رب لا تذرنى. {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} رد أمره مستسلما إلى الله كأنه قال: إن لم ترزقنى ولداً فلا أُبالى به؛ فإنك خير الوارثين.

اطفيش

تفسير : {وزكرَّيا إذ نادى ربَّه ربِّ لا تَذَرْنى فَرْداً} بلا ولد يرثنى كما فى آية أخرى، وكما دل عليه قوله تعالى: {وأنْتَ خيرُ الوَارثينَ} أى الباقين بعد الموت، ولو أراد فرداً بلا ولد يعيننى لقال وأنت خير المعينين، وفى ذلك مدح لله سبحانه بالبقاء، وتلويح بفناء ما سواه، لا تلويح بأنه إن لم ترزقنى ولداً فحسبى أنت وارثاً، لأنه لا يناسب مقام الدعاء، لأن مقام الدعاء كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لى إن شئت اللهم ارحمنى إن شئت اللهم ارزقنى إن شئت ليعزم مسألته فان الله لا مكره له" تفسير : ويروى: "حديث : فإن الله تعالى يفعل ما يشاء ولا مكره له" تفسير : وروى: "حديث : ولكن ليعزم المسألة وليعزم الرغبة فإن الله تعالى لا يتعاظمه شىء أعطاه" تفسير : لكن يحتمل أن النهى فى الحديث لمن يقول ذلك مهملا على ظاهره لا لمن يقوله إظهاراً للرضا بكل ما قضى الله، ولو خلاف مطلوبه.

الالوسي

تفسير : {وَزَكَرِيَّا} أي واذكر خبره عليه السلام {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً} أي وحيداً بلا ولد يرثني كما يشعر به التذييل بقوله تعالى {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ} ولو كان المراد بلا ولد يصاحبني ويعاونني لقيل وأنت خير المعينين، والمراد بقوله {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ} وأنت خير حي يبقى بعد ميت، وفيه مدح له تعالى بالبقاء وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء. وفي ذلك استمطار لسحائب لطفه عز وجل، وقيل أراد بذلك رد الأمر إليه سبحانه كأنه قال: إن لم ترزقني ولداً يرثني فأنت خير وارث فحسبـي أنت. واعترض بأنه لا يناسب مقام الدعاء إذ من آداب الداعي أن يدعو بجد واجتهاد وتصميم منه. ففي «الصحيحين» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت ارحمني إن شئت ارزقني إن شئت ليعزم مسألته فإن الله تعالى يفعل ما يشاء لا مكره له » تفسير : ، وفي رواية في «صحيح مسلم»: « حديث : ولكن ليعزم المسألة وليعزم الرغبة فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه » تفسير : ويمكن أن يقال: ليس هذا من قبيل ارزقني إن شئت إذ ليس المقصود منه إلا إظهار الرضا والاعتماد على الله عز وجل لو لم يجب دعاءه وليس المقصود من ارزقني إن شئت ذلك فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : كان أمر زكريا الذي أشار إليه قوله: {إذ نادى ربه} آية من آيات الله في عنايته بأوليائه المنقطعين لعبادته فخصّ بالذكر لذلك. والقول في عطف {وزكريا} كالقول في نظائره السابقة. وجملة {رب لا تذرني فردا} مبيّنة لجملة {نادى ربه}. وأطلق الفرد على من لا ولد له تشبيهاً له بالمُنفرد الذي لا قرين له. قال تعالى: {أية : وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً}تفسير : [مريم: 95]، ويقال مثله الواحد للذي لا رفيق له، قال الحارث بن هشام:شعر : وعَلمتُ أني إن أُقاتل واحداً أقتل ولا يَضررُ عدوي مشهدي تفسير : فشُبه من لا ولد بالفرد لأن الولد يصيّر أباه كالشفع لأنه كجزء منه. ولا يقال لذي الولد زوجٌ ولا شفع. وجملة {وأنت خير الوارثين} ثناء لتمهيد الإجابة، أي أنت الوارث الحق فاقض عليّ من صفتك العلية شيئاً. وقد شاع في الكتاب والسنة ذكر صفة من صفات الله عند سؤاله إعطاء ما هو من جنسها، كما قال أيوب {أية : وأنت أرحم الراحمين}تفسير : [الأنبياء: 83]، ودلّ ذكر ذلك على أنه سأل الولد لأجل أن يرثه كما في آية [سورة مريم: 6] {أية : يرثني ويرث من آل يعقوب}. تفسير : حُذفت هاته الجملة لدلالة المحكي هنا عليها. والتقدير: يرثني الإرثَ الذي لا يداني إرثَك عبادك، أي بقاء ما تركوه في الدنيا لتصرُّف قدرتك، أو يرثني مالي وعلمي وأنت ترث نفسي كلها بالمصير إليك مصيراً أبدياً فأرثك خير إرث لأنه أشمل وأبقى وأنت خير الوارثين في تحقق هذا الوصف. وإصلاح زوجه: جعلها صالحة للحمل بعد أن كانت عاقراً. وتقدم ذكر زكرياء في سورة آل عمران وذكر زوجه في سورة مريم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ} جملة واقعة موقع التعليل للجمل المتقدمة في الثناء على الأنبياء المذكورين، وما أوتوه من النصر، واستجابة الدعوات، والإنجاء من كيد الأعداء، وما تبع ذلك، ابتداءً من قوله تعالى: {أية : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء}تفسير : [الأنبياء: 48]. فضمائر الجمع عائدة إلى المذكورين. وحرف التأكيد مفيد معنى التعليل والتسبب، أي ما استحقّوا ما أوتوه إلا لمبادرتهم إلى مسالك الخير وجدّهم في تحصيلها. وأفاد فعل الكون أن ذلك كان دأبَهم وهجِّيراهم. والمسارعة: مستعارة للحرص وصرف الهمة والجِدّ للخيرات، أي لفعلها، تشبيهاً للمداومة والاهتمام بمسارعة السائر إلى المكان المقصود الجادّ في مسالكه. والخيرات: جمع خَيْر ــــ بفتح الخاء وسكون الياء ــــ وهو جمع بالألف والتاء على خلاف القياس فهو مثل سرادقات وحمامات واصطبلات. والخير ضدّ الشرّ، فهو ما فيه نفع. وأما قوله تعالى:{أية : فيهن خيرات حِسان}تفسير : [الرحمٰن: 70] فيحتمل أنه مثل هذا، ويحتمل أنه جمع خَيْرة ــــ بفتح فسكون ــــ الذي هو مخفف خَيِّره المشدّد الياء، وهي المرأة ذات الأخلاق الخيرية. وقد تقدم الكلام على {الخَيْرات} في قوله تعالى: {أية : وأولئك لهم الخيرات}تفسير : في [سورة براءة: 88]. وعطف على ذلك أنهم يدْعُون الله رغبةً في ثوابه ورهبة من غضبه، كقوله تعالى: {أية : يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه}تفسير : [الزمر: 9]. والرغَب والرهَب ــــ بفتح ثانيهما ــــ مصدران من رغب ورهب. وهما وصف لمصدر {يدعوننا} لبيان نوع الدعاء بما هو أعم في جنسه، أو يقدر مضاف، أي ذوي رغب ورهب، فأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه. وذكر فعل الكون في قوله تعالى: {وكانوا لنا خاشعين} مثل ذكره في قوله تعالى: {كانوا يسارعون}. والخشوع: خوف القلب بالتفكر دون اضطراب الأعضاء الظاهرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْوَارِثِينَ} (89) - يُخْبِرُ اللهُ تعالى عَنْ زَكَرِيَّا عَليهِ السَّلامُ حينما تَقَدَّمَتْ بِهِ السِّنُ، وطَلبَ مِنَ اللهِ أَنْ يَهَبَهُ وَلَداً يَرِثُ النُبُوَّةَ من بَعْدِهِ، فَنَادَى رَبَّه نِدَاءً خَفِيّاً عَنْ قَوْمِهِ، وقَالَ: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً بِلا وَلَدٍ، وَلاَ وَارِثٍ، يَقُومُ بَعْدِي في النَّاسِ، وأَنْتَ يَا رَبِّ خَيْرُ مَنْ وَرِثَ العِبَادَ (وفي هذا الدُّعَاءِ إشَارَةٌ إِلى قِيَامِ السَّاعَةِ، وهَلاَكِ البَشَرِ جَمِيعاً، وَبَقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد بلغ زكريا - عليه السلام - من الكبر عتياً، ولم يرزقه الله الولد، فتوجه إلى الله: {أية : قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} تفسير : [مريم: 4-5]. فلما بشَّره الله بالولد تعجَّب؛ لأنه نظر إلى مُعْطيات الأسباب، كيف يرزقه الله الولد، وقد بلغ من الكِبَر عتياً وامرأته عاقر، فأراد أن يُؤكّد هذه البُشْرى: {أية : قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 8-9]. يُطمئنُ الله تعالى نبيَّه زكريا: اطرح الأسباب الكونية للخَلْق؛ لأن الذي يُبشِّرك هو الخالق. وقد تعلَّم زكريا من كفالته لمريم أن الله يُعطي بالأسباب، ويعطي إن عزَّتْ الأسباب، وقد تبارى أهل مريم في كفالتها، وتسابقوا في القيام بهذه الخدمة؛ لأنهم يعلمون شرفها ومكانتها؛ لذلك أجروا القرعة على مَنْ يكفلها فأتوا بالأقلام ورموْها في البحر فخرج قلم زكريا، ففاز بكفالة مريم: {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 44]. وإجراء القرعة لأهمية هذه المسألة، وعِظَم شأنها، والقرعة إجراء للمسائل على القَدَر، حتى لا تتدخّل فيها الأهواء. فلما كفَل زكريا مريم كان يُوفِّر لها ما تحتاج إليه، ويرعى شئونها، وفي أحد الأيام دخل عليها، فوجد عندها طعاماً لم يأْتِ به: {أية : قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. وهنا مَلْخظ وإشارة إلى ضرورة متابعة ربِّ الأسرة لأسرته، فإذا ما رأى في البيت شيئاً لم يأْتِ به فليسأل عن مصدره، فربما امتدت يد الأولاد إلى ما ليس لهم، إنه أصل لقانون "من أين لك هذا؟" الذي نحتاج إلى تطبيقه حين نشكّ. التقط زكريا إجابة مريم التي جاءتْ سريعة واثقة، تدل على الحق الواضح الذي لا يتلجلج: {أية : قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37]. نعم، هذه مسألة يعرفها زكريا، لكنها لم تكُنْ في بُؤْرة شعوره، فقد ذكَّرْته بها مريم: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} تفسير : [آل عمران: 38]. أي: ما دام الأمر كذلك، فَهَبْ لي ولداً يرثُ النبوة من بعدي. ثم يذكر حيثيات ضَعْفه وكِبَر سِنِّه، وكوْنَ امرأته عاقراً، وهي حيثيات المنع لا حيثيات الإنجاب؛ لأن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب وبغير أسباب. وهكذا، استفاد زكريا من هذه الكلمة، واستفادتْ منها مريم كذلك فيما بعد، وحينما جاءها الحَمْل في المسيح بدون الأسباب الكونية. وهنا يدعو زكريا ربه، فيقول: {رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89] أي: لا أطلب الولد ليرث مُلْكي من بعدي، فأنت خير الوارثين ترِثُ الأرضَ والسماء، ولك كل شيء.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكر أيضاً أخاك {زَكَرِيَّآ} الذي بلغ من الهرم والكهولة إلى حيث آيس ممن استخلفه من نطفته، وقنط عمن يقوم مقام من نسله، فشكا إلى الله وقت {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} متمنياً متحسراً آيساً: {رَبِّ} يا من ربَّاني بأنواع الكرم إلى أن كبرتُ وأشرفتْ أركان جسمي إلى الانهدام، وأجزاء جسدي إلى الانحلال والانخرام {لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} مطقوع الفرع، منسي الذكر بلا ولدٍ يخلفني ويرث عني، ويحيي اسمي {وَ} إن جرى حكمك على هذا، أو مضى قضاؤك على ذا، فلا أبالي به؛ إذ {أَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89] وأكرم المستخلفين. وبعدما تضرع وتمنى ما تمنى {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ} عناية منا إياه وفضلاً {وَوَهَبْنَا لَهُ} من كمال جودنا {يَحْيَىٰ} المحيي لاسمه {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} بل نفسه أيضاً بعدما أفسدهما الدهر، وأخرجهما من قابلية الولاة والإيلاد، وصيرنا زوجته شابة ولوداً بعدما كانت عجوزاً عقيماً؛ إظهاراً لكمال قدرتنا ووفور حولنا وقوتنا، وإنما فعلنا بالأنبياء المذكورين ما فعلنا بهم من كمال اللطف والكرم، ومحض الفضل والإحسان {إِنَّهُمْ} من كمال توجههم وتحننهم نحونا {كَانُواْ} في جميع أوقاتهم وحالاتهم {يُسَارِعُونَ} ويبادرون {فِي ٱلْخَيْرَاتِ} ويسابقون إلى الطاعات المقبولة عندنا {وَ} مع ذلك {يَدْعُونَنَا} في مناجاتهم بنا، وفي خلواتهم معنا {رَغَباً وَرَهَباً} راغبين إلينا، راجين عفونا وغفراننا وراهبين عنا، خائفين منا صولة سطوة قهرنا وغضبنا {وَ} بالجملة هم {كَانُواْ لَنَا} دائماً {خاشِعِينَ} [الأنبياء: : 90] خاضعين متذللين مخبتين، ولذلك نالوا من الله بسبب خصائلهم هذه ما نالوا من جزيل العطاء، والفوز بشرف اللقاء والبقاء بعد الفناء. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل أختك العفيفة {ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} من الحلال والحرام، وصبرت على العزوبة بلا ميل منها، ولا دغدغة إلى الشهوة تقرباً إلى الله بتحمل المشاق والمتاعب في طريق توحيده، وبعدما بالغت في الحصن والحفظ، وبلغت في العفة كمالها وغايتها {فَنَفَخْنَا فِيهَا} أي: أمرنا حامل روحنا؛ يعني: جبريل عليه السلام بأن ينفخ في جيبها {مِن رُّوحِنَا} فنفخ فسرى إلى جوفها، فحبلت بعيسى عليه السلام وبعد وضع حملها {وَجَعَلْنَاهَا} أي: مريم {وَٱبْنَهَآ} عيسى {آيَةً} أي: كل منهما آية عجيبة غريبة دالة على كمال قدرتنا وحكمتنا، خارقة للعادة، وهي إيجاد الولد بلا أب، وإيلاد المرأة بلا لمس زوج، فصار هذا كرامة وإرهاصاً لمريم، ومعجزةً لعيسى - عليهما الصلاة والسلام - وعبرة {لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 91] من حسن حالهما ورفعة رتبتها وعلو شأنهما.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: واذكر عبدنا ورسولنا زكريا، منوها بذكره، ناشرا لمناقبه وفضائله، التي من جملتها، هذه المنقبة العظيمة المتضمنة لنصحه للخلق، ورحمة الله إياه، وأنه { نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا } أي: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا }. تفسير : من هذه الآيات علمنا أن قوله { رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا } أنه لما تقارب أجله، خاف أن لا يقوم أحد بعده مقامه في الدعوة إلى الله، والنصح لعباد الله، وأن يكون في وقته فردا، ولا يخلف من يشفعه ويعينه، على ما قام به، { وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ } أي: خير الباقين، وخير من خلفني بخير، وأنت أرحم بعبادك مني، ولكني أريد ما يطمئن به قلبي، وتسكن له نفسي، ويجري في موازيني ثوابه. { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى } النبي الكريم، الذي لم يجعل الله له من قبل سميا. { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } بعدما كانت عاقرا، لا يصلح رحمها للولادة فأصلح الله رحمها للحمل، لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد الجليس، والقرين الصالح، أنه مبارك على قرينه، فصار يحيى مشتركا بين الوالدين. ولما ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين، كلا على انفراده، أثنى عليهم عموما فقال: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها، { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، لاهون ولا مدلون، { وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } أي: خاضعين متذللين متضرعين، وهذا لكمال معرفتهم بربهم.