Verse. 2581 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

اِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللہِ حَصَبُ جَہَنَّمَ۝۰ۭ اَنْتُمْ لَہَا وٰرِدُوْنَ۝۹۸
Innakum wama taAAbudoona min dooni Allahi hasabu jahannama antum laha waridoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنكم» يا أهل مكة «وما تعبدون من دون الله» أي غيره من الأوثان «حصب جهنم» وقودها «أنتم لها واردون» داخلون فيها.

98

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {إِنَّكُمْ } خطاب لمشركي مكة وعبدة الأوثان. أما قوله تعالى: {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } روي أنه عليه السلام دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفحمه ثم تلا عليهم: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } الآية فأقبل عبد الله بن الزبعري فرآهم يتهامسون فقال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله أما والله لو وجدته لخصمته فدعوه، فقال ابن الزبعري أأنت قلت ذلك؟ قال نعم، قال قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنوا مليح عبدوا الملائكة ثم روي في ذلك روايتان: إحداهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت ولم يجب فضحك القوم فنزل قوله تعالى: { أية : وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُواْ أآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } تفسير : [الزخرف: 57، 58] ونزل في عيسى والملائكة: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 101] الآية هذا قول ابن عباس. الرواية الثانية: أنه عليه السلام أجاب وقال بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فأنزل الله سبحانه: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 101] الآية يعني عزيراً والمسيح والملائكة واعلم أن سؤال ابن الزبعري ساقط من وجوه: أحدها: أن قوله: {إِنَّكُمْ } خطاب مشافهة وكان ذلك مع مشركي مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط. وثانيها: أنه لم يقل ومن تعبدون بل قال ما تعبدون وكلمة ما لا تتناول العقلاء. أما قوله تعالى: { أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5] وقوله: { أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } تفسير : [الكافرون: 2] فهو محمول على الشيء ونظيره ههنا أن يقال: إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن الزبعري. وثالثها: أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة، وقال سبحانه: {لَوْ كَانَ هَـؤُلاء ءالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا }. ورابعها: هب أنه ثبت العموم لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي، ووعد الله إياهم بكل مكرمة، وهذا هو المراد من قوله سبحانه: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 101]. وخامسها: الجواب الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين، فإن قيل الشياطين عقلاء، ولفظ ما لا يتناولهم فكيف قال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قلنا كأنه عليه السلام قال: لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء فسؤالكم أيضاً غير لازم من هذا الوجه. وأما ما قيل: إنه عليه السلام سكت عند إيراد ابن الزبعري هذا السؤال فهو خطأ لأنه لا أقل من أنه عليه السلام كان يتنبه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون، لأنه عليه السلام كان أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره، ولا يظهر شيء منها له عليه السلام. فإن قيل: جوزوا أن يسكت عليه السلام انتظاراً للبيان قلنا: لما كان البيان حاضراً معه لم يجز عليه السكوت لكي لا يتوهم فيه الانقطاع عن سؤالهم، ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعري فقال: إن الله تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه، وحينئذ تبقى الآية على ظاهرها واعلم أن هذا ضعيف من وجهين. الأول: أن القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئاً آخر لم يحصل معهم في النار. الثاني: وهو أن الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة وإن صح أن يدخلها، فإن خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم. المسألة الثانية: الحكمة في أنهم قرنوا بآلهتهم أمور. أحدها: أنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة، لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب. وثانيها: أن القوم قدروا أنهم يشفعون لهم في الآخرة في دفع العذاب، فإذا وجدوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم. وثالثها: أن إلقاءها في النار يجري مجرى الاستهزاء بعبادها. ورابعها: قيل ما كان منها حجراً أو حديداً يحمى ويلزق بعبادها، وما كان خشباً يجعل جمرة يعذب بها صاحبها. أما قوله تعالى: {حَصَبُ جَهَنَّمَ } فالمراد يقذفون في نار جهنم فشبههم بالحصباء التي يرمى بها الشيء فلما رمى بها كرمي الحصباء، جعلهم حصب جهنم تشبيهاً، قال صاحب «الكشاف»: الحصب الرمي وقرىء بسكون الصاد وصفاً بالمصدر، وقرىء حطب وحضب بالضاد المنقوطة متحركاً وساكناً. أما قوله تعالى: {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } فإنما جاز مجيء اللام في لها لتقدمها على الفعل تقول أنت لزيد ضارب كقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ } تفسير : [المؤمنون: 8] { أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ } تفسير : [المؤمنون: 5] أي أنتم فيها داخلون، والمعنى أنه لا بد وأن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها. أما قوله تعالى: {لَوْ كَانَ هَـؤُلاء ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا } فاعلم أن قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } بالأصنام أليق لدخول لفظة ما، وهذا الكلام بالشياطين أليق لقوله هؤلاء ويحتمل أن يريد الشياطين والأصنام فيغلب بأن يذكروا بعبارة العقلاء، ونبه الله تعالى على أن من يرمى إلى النار لا يمكن أن يكون إلهاً. وههنا سؤال: وهو أن قوله: {لَوْ كَانَ هَـؤُلاء ءالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا } لكنهم وردوها فهم ليسوا آلهة حجة، وهذه الحجة إما أن يكون ذكرها لنفسه أو لغيره، فإن ذكرها لنفسه فلا فائدة فيه لأنه كان عالماً بأنها ليست آلهة وإن ذكرها لغيره، فإما أن يذكرها لمن يصدق بنبوته أو لمن يكذب بنبوته، فإن ذكرها لمن صدق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة لأن كل من صدق بنبوته لم يقل بإلهية هذه الأصنام وإن ذكرها لمن يكذب بنبوته، فذلك المكذب لا يسلم أن تلك الآلهة يردون النار ويكذبونه في ذلك، فكان ذكره هذه الحجة ضائعاً كيف كان، وأيضاً فالقائلون بآلهيتها لم يعتقدوا فيها كونها مدبرة للعالم وإلا لكانوا مجانين، بل اعتقدوا فيها كونها تماثيل الكواكب أو صور الشفعاء، وذلك لا يمنع من دخولها في النار. وأجيب عن ذلك بأن المفسرين قالوا: المعنى لو كان هؤلاء يعني الأصنام آلهة على الحقيقة ما وردوها أي ما دخل عابدوها النار، ثم إنه سبحانه وصف ذلك العذاب بأمور ثلاثة: أحدها: الخلود فقال: {وَكُلٌّ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } يعني العابدين والمعبودين وهو تفسير لقوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ }. وثانيها: قوله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } قال الحسن: الزفير هو اللهيب، أي يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ارتفعوا ورجوا الخروج ضربوا بمقامع الحديد فهووا إلى أسفلها سبعين خريفاً، قال الخليل: الزفير أن يملأ الرجل صدره غماً ثم ينتفس قال أبو مسلم وقوله لهم: عام لكل معذب، فنقول لهم: زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله: {وَهُمْ فِيهَا يَسْمَعُونَ } يرجع إلى المعبودين أي لا يسمعون صراخهم وشكواهم. ومعناه: أنهم لا يغيثونهم وشبهه سمع الله لمن حده أي أجاب الله دعاءه. وثالثها: قوله: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ } وفيه وجهان: أحدهما: أنه محمول على الأصنام خاصة على ما حكيناه عن أبي مسلم. والثاني: أنها محمولة على الكفار، ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه. أحدها: أن الكفار يحشرون صماً كما يحشرون عمياً زيادة في عذابهم. وثانيها: أنهم لا يسمعون ما ينفعهم لأنهم إنما يسمعون أصوات المعذبين أو كلام من يتولى تعذيبهم من الملائكة. وثالثها: قال ابن مسعود إن الكفار يجعلون في توابيت من نار والتوابيت في توابيت أخر فلذلك لا يسمعون شيئاً والأول ضعيف لأن أهل النار يسمعون كلام أهل الجنة فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} قال ابن عباس: آية لا يسألني الناس عنهاٰ لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها، أو جهلوها فلا يسألون عنها؛ فقيل: وما هي؟ قال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} لما أنزلت شقّ على كفار قريش، وقالوا: شتم آلهتنا، وأتوا ابن الزّبعرى وأخبروه، فقال: لو حضرتُه لرددتُ عليه. قالوا: وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى واليهود تعبد عزيراً أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته، ورأوا أن محمداً قد خُصم؛ فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 101] وفيه نزل {أية : وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} تفسير : [الزخرف: 57] يعني ابن الزبعرى {أية : إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} تفسير : [الزخرف: 57] بكسر الصاد؛ أي يضجون؛ وسيأتي. الثانية: هذه الآية أصل في القول بالعموم وأن له صيغاً مخصوصة، خلافاً لمن قال: ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه، وهو باطل بما دلت عليه هذه الآية وغيرها؛ فهذا عبد الله بن الزّبعرى قد فهم «ما» في جاهليته جميع من عبد، ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء، واللسن البلغاء، ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى منها، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح. الثالثة: قراءة العامة بالصاد المهملة؛ أي إنكم يا معشر الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وقود جهنم؛ قاله ابن عباس. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها. وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة رضوان الله عليهما «حَطَبُ جَهَنَّمَ» بالطاء. وقرأ ابن عباس «حَضَبُ» بالضاد المعجمة؛ قال الفراء: يريد الحصب. قال: وذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن الحطب، وكل ما هيجت به النار وأوقدتها به فهو حَضَب؛ ذكره الجوهري. والموقد مِحْضب. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: {حَصَبُ جَهَنَّمَ} كل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به. ويظهر من هذه الآية أن الناس من الكفار وما يعبدون من الأصنام حطب لجهنم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [البقرة: 24]. وقيل: إن المراد بالحجارة حجارة الكبريت؛ على ما تقدّم في «البقرة» وأن النار لا تكون على الأصنام عذاباً ولا عقوبة؛ لأنها لم تذنب، ولكن تكون عذاباً على من عبدها: أول شيء بالحسرة، ثم تجمع على النار فتكون نارها أشد من كل نار، ثم يعذَّبُون بها. وقيل: تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم. وقيل: إنما جعلت في النار تبكيتاً لعبادتهم. الرابعة: قوله تعالى: {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أي فيها داخلون. والخطاب للمشركين عبدة الأصنام؛ أي أنتم واردوها مع الأصنام. ويجوز أن يقال: الخطاب للأصنام وعبدتها؛ لأن الأصنام وإن كانت جمادات فقد يخبر عنها بكنايات الآدميين. وقال العلماء: لا يدخل في هذا عيسى ولا عزير ولا الملائكة صلوات الله عليهم؛ لأن «ما» لغير الآدميين. فلو أراد ذلك لقال: «ومن». قال الزجاج: ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخاطباً لأهل مكة من مشركي قريش ومن دان بدينهم من عبدة الأصنام والأوثان: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} قال ابن عباس: أي وقودها يعني كقوله: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} وقال ابن عباس أيضاً: حصب جهنم يعني شجر جهنم، وفي رواية قال: {حَصَبُ جَهَنَّمَ} يعني حطب جهنم بالزنجية. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها، وهي كذلك في قراءة علي وعائشة رضي الله عنهما، وقال الضحاك: حصب جهنم أي ما يرمى به فيها، وكذا قال غيره، والجميع قريب. وقوله: {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أي داخلون {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} يعني لو كانت هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله آلهة صحيحة لما وردوا النار وما دخلوها {وَكُلٌّ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} أي العابدون ومعبوداتهم كلهم فيها خالدون {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} كما قال تعالى: {أية : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} تفسير : [هود: 106] والزفير خروج أنفاسهم، والشهيق ولوج أنفاسهم {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ}. قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عبد الرحمن يعني المسعودي عن أبيه قال: قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} ورواه ابن جرير من حديث حجاج بن محمد عن المسعودي عن يونس بن خبَّاب عن ابن مسعود، فذكره. وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} قال عكرمة: الرحمة. وقال غيره السعادة {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسله، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26] وقال: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} تفسير : [الرحمن: 60] فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله مآبهم وثوابهم، ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب، فقال: {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} أي حريقها في الأجساد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن أبيه عن الحريري عن أبي عثمان {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قال حس حس. وقوله: {وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ} فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطلوب والمحبوب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني عن ليث بن أبي سليم عن ابن عم النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير قال: وسمر مع علي ذات ليلة، فقرأ {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} قال: أنا منهم وعمر منهم وعثمان منهم والزبير منهم وطلحة منهم وعبد الرحمن منهم، أو قال: سعد منهم، قال: أقيمت الصلاة، فقام وأظنه يجر ثوبه وهو يقول: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا}. وقال شعبة عن أبي بشر عن يوسف المكي عن محمد بن حاطب قال: سمعت علياً يقول في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} قال: عثمان وأصحابه، ورواه ابن أبي حاتم أيضاً، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد، وليس بابن ماهك عن محمد بن حاطب عن علي فذكره ولفظه عثمان منهم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} فأولئك أولياء الله يمرون على الصراط مراً هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثياً، فهذا مطابق لما ذكرناه. وقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم عزير والمسيح، كما قال حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} ثم استثنى فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} فيقال: هم الملائكة وعيسى، ونحو ذلك مما يعبد من دون الله عز وجل، وكذا قال عكرمة والحسن وابن جريج. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} قال نزلت في عيسى ابن مريم وعزير عليهما السلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طريف عن الأصبغ عن علي في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى ابن مريم، إسناده ضعيف. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} قال: عيسى وعزير والملائكة. وقال الضحاك: عيسى ومريم والملائكة والشمس والقمر، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وغير واحد، وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً غريباً جداً، فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب الرُّخَّاني، حدثنا سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، حدثنا الليث بن أبي سليم عن مغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} قال: عيسى وعزير والملائكة، وذكر بعضهم قصة ابن الزبعري ومناظرة المشركين. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن سهل، حدثنا محمد بن حسن الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم يعني ابن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} فقال ابن الزبعري: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوۤاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} ثم نزلت {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابه "الأحاديث المختارة". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان يعني الثوري عن الأعمش عن أصحابه عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} قال المشركون: فالملائكة وعزير وعيسى يعبدون من دون الله فنزلت {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} الآلهة التي يعبدون {وَكُلٌّ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} وروي عن أبي كدينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثل ذلك وقال: فنزلت {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله في كتاب "السيرة": وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المسجد غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} -إلى قوله - {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس معهم، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفاً ولا قعد، وقد زعم محمد أناوما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمداً كل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته» تفسير : وأنزل الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ} أي عيسى وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله، ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء:26-29] ونزل فيما ذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: {أية : وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} تفسير : [الزخرف: 57 ــــ 61] أي ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وابراء الأسقام، فكفى به دليلاً على علم الساعة، يقول: {أية : فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} تفسير : [الزخرف: 61] وهذا الذي قاله ابن الزبعري خطأ كبير، لأن الآية إنما نزلت خطاباً لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لاتعقل، ليكون ذلك تقريعاً وتوبيخاً لعابديها، ولهذا قال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} فكيف يورد على هذا المسيح وعزير ونحوهما ممن له عمل صالح ولم يرض بعبادة من عبده، وعول ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن "ما" لما لا يعقل عند العرب، وقد أسلم عبد الله بن الزبعرى بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين، وقد كان يهاجي المسلمين أولاً ثم قال معتذراً:شعر : يا رسولَ المَليكِ إنَّ لِساني راتقٌ ما فَتَقْتُ إِذْ أنا بُورُ إِذْ أُجاري الشيطانَ في سَنَنَ الغـ ي ومَنْ مالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ تفسير : وقوله: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} قيل: المراد بذلك الموت، رواه عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة عن عطاء. وقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصور، قاله العوفي عن ابن عباس وأبو سنان سعيد بن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره، وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار، قاله الحسن البصري، وقيل: حين تطبق النار على أهلها، قاله سعيد بن جبير وابن جريج، وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار، قاله أبو بكر الهذلي فيما رواه ابن أبي حاتم عنه، وقوله: {وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} يعني: تقول لهم الملائكة تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} أي: فأملوا ما يسركم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّكُمْ } يا أهل مكة {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره من الأوثان {حَصَبُ جَهَنَّمَ } وقودها {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } داخلون فيها.

الشوكاني

تفسير : بيّن سبحانه حال معبودهم يوم القيامة فقال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } وهذا خطاب منه سبحانه لأهل مكة، والمراد بقوله {وما تعبدون}: الأصنام التي كانوا يعبدون. قرأ الجمهور: {حصب} بالصاد المهملة، أي وقود جهنم وحطبها، وكل ما أوقدت به النار أو هيجتها به فهو حصب، كذا قال الجوهري. قال أبو عبيدة: كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به، ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } تفسير : [البقرة: 24]. وقرأ عليّ بن أبي طالب وعائشة: "حطب جهنم" بالطاء، وقرأ ابن عباس: "حضب" بالضاد المعجمة. قال الفراء: ذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن: الحطب، ووجه إلقاء الأصنام في النار مع كونها جمادات لا تعقل ذلك ولا تحسّ به: التبكيت لمن عبدها وزيادة التوبيخ لهم وتضاعف الحسرة عليهم. وقيل: إنها تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم، وجملة: {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } إما مستأنفة أو بدل من {حصب جهنم} والخطاب لهم ولما يعبدون تغليباً، واللام في {لها} للتقوية لضعف عمل اسم الفاعل. وقيل: هي بمعنى على، والمراد بالورود هنا: الدخول. قال كثير من أهل العلم: ولا يدخل في هذه الآية عيسى وعزير والملائكة، لأن {ما} لمن لا يعقل، ولو أراد العموم لقال: ومن يعبدون. قال الزجاج: ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم. {لَوْ كَانَ هَـؤُلاء ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا } أي لو كانت هذه الأصنام آلهة كما تزعمون، ما وردوها أي: ما ورد العابدون هم والمعبودون النار، وقيل: ما ورد العابدون فقط، لكنهم وردوها فلم يكونوا آلهة، وفي هذا تبكيت لعباد الأصنام وتوبيخ شديد {وَكُلٌّ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } أي: كلّ العابدين والمعبودين في النار خالدون لا يخرجون منها {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } أي لهؤلاء الذين وردوا النار، والزفير صوت نفس المغموم، والمراد هنا: الأنين والتنفس الشديد، وقد تقدّم بيان هذا في هود. {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ } أي لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدّة الهول. وقيل: لا يسمعون شيئاً، لأنهم يحشرون صماً كما قال سبحانه: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا }تفسير : [الإسراء: 97]. وإنما سلبوا السماع، لأن فيه بعض تروّح وتأنس، وقيل: لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون ما يسوؤهم. ثم لما بيّن سبحانه حال هؤلاء الأشقياء شرع في بيان حال السعداء فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } أي الخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهي السعادة. وقيل: التوفيق، أو التبشير بالجنة، أو نفس الجنة. {أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } إشارة إلى الموصوفين بتلك الصفة {عَنْهَا } أي عن جهنم {مُبْعَدُونَ } لأنهم قد صاروا في الجنة. {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } الحسّ والحسيس: الصوت تسمعه من الشيء يمرّ قريباً منك. والمعنى: لا يسمعون حركة النار وحركة أهلها، وهذه الجملة بدل من {مبعدون} أو حال من ضميره {وَهُمْ فِيمَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ } أي دائمون، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذّ به الأعين كما قال سبحانه: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } تفسير : [فصلت: 31]. {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } قرأ أبو جعفر وابن محيصن: "لا يحزنهم" بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الباقون {لا يحزنهم} بفتح الياء وضم الزاي. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم. والفزع الأكبر: أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب {وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } أي تستقبلهم على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم: {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } أي توعدون به في الدنيا وتبشرون بما فيه، هكذا قال جماعة من المفسرين إن المراد بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } إلى هنا هم كافة الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح، لا المسيح وعزير والملائكة، وقال أكثر المفسرين: إنه لما نزل {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } الآية "حديث : أتى ابن الزبعري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ألست تزعم أن عزيراً رجل صالح، وأن عيسى رجل صالح، وأن مريم امرأة صالحة؟ قال: بلى، فقال: فإن الملائكة وعيسى وعزيراً ومريم يعبدون من دون الله، فهؤلاء في النار، فأنزل الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ }" تفسير : وسيأتي بيان من أخرج هذا قريباً إن شاء الله. {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَاء كَطَيّ ٱلسّجِلّ للكتب} قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج والزهري: "تطوي" بمثناة فوقية مضمومة ورفع السماء، وقرأ مجاهد: "يطوي" بالتحتية المفتوحة مبنياً للفاعل على معنى يطوي الله السماء، وقرأ الباقون {نطوي} بنون العظمة وانتصاب {يوم} بقوله: {نُّعِيدُهُ} أي نعيده يوم نطوي السماء، وقيل: هو بدل من الضمير المحذوف في توعدون، والتقدير: الذي كنتم توعدونه يوم نطوي. وقيل: بقوله: {لا يحزنهم الفزع} وقيل: بقوله: {تتلقاهم}. وقيل: متعلق بمحذوف، وهو اذكر، وهذا أظهر وأوضح، والطيّ ضد النشر. وقيل: المحو، والمراد بالسماء: الجنس، والسجل: الصحيفة، أي طياً كطيّ الطومار. وقيل: السجل: الصك، وهو مشتق من المساجلة وهي المكاتبة، وأصلها من السجل، وهو الدلو، يقال: ساجلت الرجل: إذا نزعت دلواً ونزع دلواً، ثم استعيرت للمكاتبة والمراجعة في الكلام، ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:شعر : من يساجلني يساجل ماجداً يملأ الدلو إلى عقد الكرب تفسير : وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير: "ٱلسّجِلّ" بضم السين والجيم وتشديد اللام، وقرأ الأعمش وطلحة بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام، والطيّ في هذه الآية يحتمل معنيين أحدهما: الطيّ الذي هو ضدّ النشر، ومنه قوله: {أية : وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الزمر: 67]. والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو، لأن الله سبحانه يمحو ويطمس رسومها ويكدّر نجومها. وقيل: السجل اسم ملك، وهو الذي يطوي كتب بني آدم. وقيل: هو اسم كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والأوّل أولى. قرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيـى وخلف: {للكتب} جمعاً، وقرأ الباقون: {للكتاب} وهو متعلق بمحذوف حال من السجل، أي كطيّ السجل كائناً للكتب أو صفة له أي الكائن للكتب، فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها، فسجلها بعض أجزائها، وبه يتعلق الطيّ حقيقة. وأما على القراءة الثانية فالكتاب مصدر، واللام للتعليل، أي كما يطوي الطومار للكتابة، أي ليكتب فيه، أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وهذا على تقدير أن المراد بالطيّ المعنى الأوّل، وهو ضدّ النشر {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم وأخرجناهم إلى الأرض حفاة عراة غرلاً كذلك نعيدهم يوم القيامة، فأوّل خلق مفعول نعيد مقدّراً يفسره نعيده المذكور، أو مفعول لبدأنا، وما كافة أو موصولة، والكاف متعلقة بمحذوف، أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده، وعلى هذا الوجه يكون أوّل ظرف لبدأنا، أو حال، وإنما خص أوّل الخلق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم، والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ للشمول الإمكاني الذاتي لهما، وقيل معنى الآية: نهلك كلّ نفس كما كان أوّل مرّة، وعلى هذا فالكلام متصل بقوله: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَاء}. وقيل: المعنى نغير السماء، ثم نعيدها مرّة أخرى بعد طيها وزوالها، والأوّل أولى، وهو مثل قوله: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الأنعام: 94]. ثم قال سبحانه: {وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ } انتصاب {وعداً} على أنه مصدر أي وعدنا وعداً علينا إنجازه والوفاء به. وهو البعث والإعادة، ثم أكد سبحانه ذلك بقوله: {إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ }. قال الزجاج: معنى {إنا كنا فاعلين}: إنا كنا قادرين على ما نشاء. وقيل: إنا كنا فاعلين ما وعدناكم، ومثله قوله: {أية : كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً }تفسير : [المزمل: 18]. {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ } الزبر في الأصل: الكتب، يقال: زبرت، أي كتبت، وعلى هذا يصح إطلاق الزبور على التوراة والإنجيل، وعلى كتاب داود المسمى بالزبور. وقيل: المراد به هنا: كتاب داود، ومعنى {مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ } أي اللوح المحفوظ. وقيل: هو التوراة، أي والله لقد كتبنا في كتاب داود من بعد ما كتبنا في التوراة أو من بعد ما كتبنا في اللوح المحفوظ {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ }. قال الزجاج: الزبور جميع الكتب: التوراة والإنجيل والقرآن، لأن الزبور والكتاب في معنى واحد، يقال: زبرت وكتبت، ويؤيد ما قاله قراءة حمزة في الزبور بضم الزاي، فإنه جمع زبر. وقد اختلف في معنى {يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ } فقيل: المراد: أرض الجنة، واستدل القائلون بهذا بقوله سبحانه: {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } تفسير : [الزمر: 74]. وقيل: هي الأرض المقدسة. وقيل: هي أرض الأمم الكافرة يرثها نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته بفتحها. وقيل: المراد بذلك: بنو إسرائيل، بدليل قوله سبحانه: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلاْرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } تفسير : [الأعراف: 137] والظاهر أن هذا تبشير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بوراثة أرض الكافرين، وعليه أكثر المفسرين. وقرأ حمزة: "عبادي" بتسكين الياء، وقرأ الباقون بتحريكها. {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلَـٰغاً } أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه {لبلاغاً}: لكفاية، يقال: في هذا الشيء بلاغ وبلغة وتبلغ، أي كفاية. وقيل: الإشارة بقوله: {إِنَّ فِي هَـٰذَا } إلى القرآن {لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ } أي مشغولين بعبادة الله مهتمين بها. والعبادة هي: الخضوع والتذلل، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورأس العبادة الصلاة. {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } أي وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة لجميع الناس، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال والعلل، أي ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، قيل: ومعنى كونه رحمة للكفار: أنهم أمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال، وقيل: المراد بالعالمين: المؤمنون خاصة، والأوّل أولى بدليل قوله سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال: 33]. ثم بيّن سبحانه أن أصل تلك الرحمة هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } إن كانت «ما» موصولة فالمعنى: أن الذي يوحى إليّ هو أن وصفه تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزها إلى ما يناقضها أو يضادّها، وإن كانت «ما» كافة فالمعنى: أن الوحي إليّ مقصور على استئثار الله بالوحدة، ووجه ذلك أن القصر أبداً يكون لما يلي إنما، فإنما الأولى لقصر الوصف على الشيء كقولك: إنما يقوم زيد، أي ما يقوم إلا زيد. والثانية لقصر الشيء على الحكم كقولك: إنما زيد قائم، أي ليس به إلا صفة القيام {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } منقادون مخلصون للعبادة ولتوحيد الله سبحانه. {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا عن الإسلام {فَقُلْ } لهم {آذنكم عَلَىٰ سَوَاء} أي: أعلمتكم أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا كائنين على سواء في الإعلام لم أخصّ به بعضكم دون بعض كقوله سبحانه: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاء } تفسير : [الأنفال: 58] أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضاً سوّيت بينهم فيه. وقال الزجاج: المعنى: أعلمتكم ما يوحى إليّ على استواء في العلم به، ولا أظهر لأحد شيئاً كتمته على غيره {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } أي ما أدري أما توعدون به قريب حصوله أم بعيد، وهو غلبة الإسلام وأهله على الكفر وأهله؛ وقيل: المراد بما توعدون: القيامة. وقيل: آذنتكم بالحرب ولكن لا أدري ما يؤذن لي في محاربتكم {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } أي يعلم سبحانه ما تجاهرون به من الكفر والطعن على الإسلام وأهله وما تكتمونه من ذلك وتخفونه {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ } أي ما أدري لعلّ الإمهال فتنة لكم واختبار ليرى كيف صنعكم {وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ } أي وتمتيع إلى وقت مقدّر تقتضيه حكمته. ثم حكى سبحانه وتعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {قَالَ رَبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين بما هو الحق عندك ففوّض الأمر إليه سبحانه. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وابن محيصن: "رب" بضم الباء. قال النحاس: وهذا لحن عند النحويين لا يجوز عندهم: رجل أقبل، حتى يقول: يا رجل. وقرأ الضحاك وطلحة ويعقوب: "أحكم" بقطع الهمزة وفتح الكاف وضم الميم، أي قال محمد: ربي أحكم بالحقّ من كل حاكم. وقرأ الجحدري: "أحكم" بصيغة الماضي، أي أحكم الأمور بالحق. وقرىء: "قل" بصيغة الأمر، أي قل يا محمد. قال أبو عبيدة: الصفة هنا أقيمت مقام الموصوف، والتقدير: ربّ احكم بحكمك الحق، {وربّ} في موضع نصب، لأنه منادى مضاف إلى الضمير، وقد استجاب سبحانه دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم فعذبهم ببدر، ثم جعل العاقبة والغلبة والنصر لعباده المؤمنين والحمد لله ربّ العالمين. ثم قال سبحانه متمماً لتلك الحكاية {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ } من الكفر والتكذيب، فـ {ربنا} مبتدأ وخبره {الرحمٰن} أي هو كثير الرحمة لعباده، {المستعان} خبر آخر، أي المستعان به في الأمور التي من جملتها ما تصفونه من أن الشوكة تكون لكم، ومن قولكم: {أية : هَلْ هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 3] وقولكم: {أية : ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً }تفسير : [مريم: 88] وكثيراً ما يستعمل الوصف في كتاب الله بمعنى الكذب كقوله: {أية : وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } تفسير : [الأنبياء: 18]، وقوله: {أية : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } تفسير : [الأنعام: 139] وقرأ المفضل والسلمي: "على ما يصفون" بالياء التحتية. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب. وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: لما نزلت {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } قال المشركون: فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله، فنزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } عيسى وعزير والملائكة. وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة عنه قال: جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } قال ابن الزبعري: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت: {أية : وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُواْ أآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } تفسير : [الزخرف: 57، 58]. ثم نزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ }. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والطبراني من وجه آخر عنه أيضاً نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } قال: "عيسى وعزير والملائكة". وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {حَصَبُ جَهَنَّمَ } قال: شجر جهنم، وفي إسناده العوفي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه من وجه آخر أن {حَصَبُ جَهَنَّمَ } وقودها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: هو حطب جهنم بالزنجية. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } قال: "حديث : حيات على الصراط تقول حس حس"تفسير : . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي في قوله: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قالوا: حس حس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن محمد بن حاطب قال: سئل عليّ عن هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } قال: هو عثمان وأصحابه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } يقول: لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزل منزلهم من الجنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} قال: النفخة الآخرة، وفي إسناده العوفي. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة: رجل أمّ قوماً وهم به راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة. وعبد أدّى حق الله وحقّ مواليه»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد عن عليّ في قوله: {كَطَيّ ٱلسّجِلّ } قال: ملك. وأخرج عبد بن حميد عن عطية مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبوها نوراً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر قال: السجل ملك. وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، وابن منده في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في سننه وصححه عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر وابن عديّ وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يسمى: السجل، وهو قوله: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَاء كَطَىّ ٱلسّجِلّ} قال: كما يطوي السجل الكتاب كذلك نطوي السماء. وأخرج ابن المنذر، وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عمر قال: كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له: السجل، فأنزل الله: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَاء كَطَيّ ٱلسّجِلّ }. قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا الحديث: وهذا منكر جداً من حديث نافع عن ابن عمر، لا يصح أصلاً. قال: وكذلك ما تقدّم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره لا يصح أيضاً. وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج وقد أفردت لهذا الحديث جزءاً له على حدة، ولله الحمد. قال: وقد تصدّى الإمام أبو جعفر ابن جرير للإنكار على هذا الحديث وردّه أتمّ ردّ، وقال: ولا نعرف في الصحابة أحداً اسمه سجلّ، وكتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا معروفين، وليس فيهم أحد اسمه السجل. وصدق رحمه الله في ذلك وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث. وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم. قال: والصحيح عن ابن عباس: أن السجلّ هو الصحيفة، قاله عليّ بن أبي طلحة والعوفي عنه. ونصّ على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ للكتاب أي: على الكتاب، يعني المكتوب كقوله: {أية : &#1649فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } تفسير : [الصافات: 103]، أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة والله أعلم. قلت: أما كون هذا هو الصحيح عن ابن عباس فلا، فإن عليّ بن أبي طلحة والعوفيّ ضعيفان، فالأولى التعويل على المعنى اللغوي والمصير إليه. وقد أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال: {ٱلسّجِلّ } هو الرجل، زاد ابن مردويه: بلغة الحبشة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير الآية قال: كطيّ الصحيفة على الكتاب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } يقول: نهلك كل شيء كما كان أوّل مرّة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ } قال: القرآن {أَنَّ ٱلأَرْضَ } قال: أرض الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ } قال: الكتب {مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ } قال: التوراة وفي إسناده العوفي. وأخرج سعيد بن منصور عنه أيضاً، قال: الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن. والذكر: الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء، والأرض: أرض الجنة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ } قال: أرض الجنة. وأخرج بن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السمٰوات والأرض أن يورث أمة محمد الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون، وفي قوله: {لَبَلَـٰغاً لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ } قال: عالمين، وفي إسناده عليّ بن أبي طلحة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي هريرة: {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلَـٰغاً لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ } قال: الصلوات الخمس. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : في قول الله: {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلَـٰغاً لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ } قال: في الصلوات الخمس شغلاً للعبادة»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {لَبَلَـٰغاً لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ } قال: حديث : هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة»تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } قال: من آمن تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من الخسف والمسخ والقذف. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله ادع الله على المشركين، قال: حديث : إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة»تفسير : . وأخرج الطيالسي وأحمد والطبراني، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين»تفسير : . وأخرج أحمد والطبراني عن سلمان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليه صلاة يوم القيامة»تفسير : . وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما أنا رحمة مهداة»تفسير : وقد روي معنى هذا من طرق. وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: لما أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم رأى فلاناً، وهو بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } يقول: هذا الملك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ } يقول: ما أخبركم به من العذاب والساعة، لعلّ تأخير ذلك عنكم فتنة لكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله: {قُل رَّبّ ٱحْكُم بِٱلْحَقّ } قال: لا يحكم الله إلا بالحق، وإنما يستعجل بذلك في الدنيا يسأل ربه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: وقود جهنم، وهو قول بن عباس. الثاني: معناه حطب جهنم، وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة: حطب جهنم. الثالث: أنهم يُرمَون فيها كما يُرْمَى بالحصباء، حتى كأن جهنم تحصب بهم، وهذا قول الضحاك، ومنه قول الفرزدق: شعر : مستقبلين شمال الشام يضربنا بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : يعني الثلج، وقرأ ابن عباس: حضب جهنم، بالضاد معجمة. قال الكسائي: حضبت النار بالضاد المعجمة إذا أججتها فألقيت فيها ما يشعلها من الحطب. قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى} فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها الطاعة لله تعالى: حكاه ابن عيسى. والثاني: السعادة من الله، وهذا قول ابن زيد. والثالث: الجنة، وهو قول السدي. ويحتمل تأويلاً رابعاً: أنها التوبة. {أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} يعني عن جهنم. وفيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم عيسى والعزير والملائكة الذين عُبِدوا من دون الله وهم كارهون وهذا قول مجاهد. الثاني: أنهم عثمان وطلحة والزبير، رواه النعمان بن بشيرعن علي بن أبي طالب. الثالث: أنها عامة في كل من سبقت له من الله الحسنى. وسبب نزول هذه الآية ما حكي أنه لما نزل قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دَونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} قال المشركون: فالمسيح والعزير والملائكة قد عُبِدُوا، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مَّنَّا الْحُسْنَى أُولئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} يعني عن جهنم، ويكون قوله:{مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} محمولاً على من عذبه ربه. قوله عز وجل: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الفزع الأكبر النفخة الأخيرة، وهذا قول الحسن. والثاني: أنه ذبْحُ الموتِ، حكاه ابن عباس. والثالث: حين تطبق جهنم على أهلها، وهذا قول ابن جريج. ويحتمل تأويلاً رابعاً: أنه العرض في المحشر.

ابن عطية

تفسير : هذه مخاطبة لكفار مكة أي إنكم وأصنامكم {حصب جهنم} والحصب ما توقد به النار، إما لأنها تحصب به أي ترمى وإما أن تكون لغة في الحطب إذا رمي وأما أن يرمى به فلا يسمى حصباً الا بتجوز، وقرأ الجمهور "حصَب" الصاد مفتوحة، وسكنها ابن السميفع وذلك على إيقاع المصدر موقع إسم المفعول، وقرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعائشة وابن الزبير "حطب جهنم" بالطاء، وقرأ ابن عباس "حضَب" جهنم بالضاد منقوطة وسكنها كثير غيره، والحضب أيضاً ما يرمى به في النار لتوقد به والمحضب العود الذي تحرك به النار أو الحديدة أو نحوه ومنه قول الأعشى: [المتقارب] شعر : فلا تك في حربنا محضباً لتجعل قومك شتى شعوبا تفسير : وقوله {وما تعبدون} يريد الأصنام وحرقها في النار على جهة التوبيخ لعابدها ومن حيث تقع "ما" لمن يعقل في بعض المواضع اعترض في هذه الآية عبدالله بن الزبعري على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إن عيسى وعزيراً ونحوهما قد عبدوا من دون الله فيلزم أن يكونوا حصباً لجهنم فنزلت {أية : إن الذين سبقت} تفسير : [الانبياء: 101] ثم قرر الأَمر بالإشارة إلى الأَصنام التي أرادها في قوله {ما تعبدون}، فقال {لو كان هؤلاء آلهة} وعبر عن الأَصنام بـ {هؤلاء} من حيث هي عندهم بحال من يعقل، و"الورود" في هذه الآية ورود الدخول.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَصَبُ جَهَنَّمَ} وقودها، أو حطبها، أو يرمون فيها كما ترمى الحصباء فكأنها تحصب بهم، "وحضب جهنم" بالإعجام يقال: حضبت النار إذا خبت وألقيت فيها ما يشعلها من الحطب.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} أتى هنا بـ "مَا" وهي لغير العقلاء، لأنه متى اختلط العاقل بغيره يُخَيّر الناطق بين (مَا)، و (مَنْ). وقرأ العامة: "حَصَبُ" بالمهملتين والصاد مفتوحة، وهو ما يحصب أي: يرمى في النار ولا يقال له حصب إلا وهو في النار، فأما قبل ذلك فهو حطب وشجر وغير ذلك. وقيل: يقال له حصب قبل الإلقاء في النار. قيل: هو الحطب بلغة أهل اليمن. وقال عكرمة: هو الحطب بالحبشية. وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة ورويت عن ابن كثير بسكون الصاد، وهو مصدر، فيجوز أن يكون واقعاً موقع المفعول، أو على المبالغة، أو على حذف مضاف. وقرأ ابن عباس بالضاد معجمة مفتوحة أو ساكنة وهو أيضاً ما يرمى به في النار، ومنه المِحْضَبِ عُودٌ يُحَرَّك به النار لتوقد، وأنشد: شعر : 3739- فَلاَ تَكُ في حَرْبِنَا مِحْضَباً فَتَجْعَلَ قَوْمَكَ شَتَّى شُعُوبَا تفسير : وقرأ أمير المؤمنين وأبيّ وعائشة وابن الزبير "حَطَبُ" بالطاء، ولا أظنها إلا تفسيراً لا قراءة. فصل المعنى" إنَّكُمْ" أيُّها المشركون {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعني الأصنام "حَصَبُ جَهَنَّم" أي: وقودها، وهذا تشبيه. وأصل الحصب الرمي، قال تعالى: {أية : أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} تفسير : [القمر: 34] أي: ريحاً ترميهم بالحجارة. قوله: {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}. جوز أبو البقاء في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون بدلاً من "حَصَبُ جَهَنّم". يعني: أن الجملة بدل من المفرد الواقع خبراً، وإبدال الجملة من المفرد إذا كان أحدهما بمعنى الآخر، جائز، إذ التقدير: إنكم أنتم لها واردون. والثاني: أن تكون الجملة مستأنفة. والثالث: أن تكون في محل نصب على الحال من "جَهَنَّمَ" وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير مواضع المستثناة. ومعنى {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أي: فيها داخلون. وإنما جاءت اللام في "لَهَا" لتقدمها تقول: أنت لزيد ضارب. كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} تفسير : [المؤمنون:8]، [المعارج: 32] والمعنى: أنه لا بُدَّ وأن تردوها، ولا معدل لكم من دخولها. فصل حديث : روى ابن عباس أنه - عليه السلام - دخل المسجد وصَنَادِيد قريش في الحَطِيم. وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحرث فكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أفحمه، ثم تلا عليهم {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآية. فأقبل عبد الله بن الزِّبَعْرَى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله. فقال ابن الزبعرى: أنت قلت ذلك؟ قال نعم. قال: خصمتك ورب الكعبة، أليس اليهود عبدوا عُزَيْراً، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة. فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجب، فضحك القوم، ونزل قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}تفسير : [الزخرف: 57، 58]. ونزل في عيسى والملائكة {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 101]. وفي رواية أخرى أنه - عليه السلام- قال: "حديث : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك" تفسير : فأنزل - تعالى - {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 101] يعني عزيراً والمسيح والملائكة. قال ابن الخطيب: واعلم أنَّ سؤال ابن الزبعرى غير متوجه من وجوه: أحدها: أنَّ ذلك الخطاب كان مع مشركي مكة، وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط. وثانيها: أنه لم يقل: ومن تعبدون بل قال: "وَمَا تَعْبُدُونَ". كلمة "مَا" لا تتناول العقلاء، وأما قوله تعالى: {أية : وَمَا بَنَاهَا} تفسير : [الشمس: 5] وقوله: {أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الكافرون: 2] فحمول على الشيء، ونظيره هاهنا أن يقال: إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله، لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن الزبعرى. وثالثها: أنَّ مَنْ عَبَد الملائكة لا يَدَّعِي أنهم آلهة وقال سبحانه {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا}. ورابعها: أنه ثبت العموم لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي، ووعد الله إياهم بكل مكرمة، وهو المراد بقوله سبحانه {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 101]. وخامسها: الجواب الذي ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين. فإن قيل: الشياطين عقلاء ولفظ "مَا" لا يتناولهم، فكيف قال ذلك؟ قلنا: كأنه - عليه السلام - قال: لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء فسؤالكم أيضاً غير لازم من هذا الوجه. فإما ما قيل: إنه - عليه السلام - سكت عند إيراد ابن الزبعرى هذا السؤال، فهو خطأ، لأنه لا أقل من أنه - عليه السلام - كان يتنبّه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون، لأنه أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره، ولم يظهر له منها شيء. فإن قيل: يجوز أن يسكت عليه السلام انتظاراً للبيان. قلنا: كان البيان حاضراً معه، فلم يجز عليه السكوت، لكي لا يتوهم عليه الانقطاع من سؤالهم. ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعرى، فقال: إن الله - تعالى - يُصَوِّرُ لهم في النار ملكاً على صورة مَنْ عبدوه وحينئذ تبقى الآية على ظاهرها وهذا ضعيف من وجهين: الأول: أنَّ القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئاً آخر لم يحصل معهم في النار. الثاني: أنَّ الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة، وإن صح أن يدخلها، فإنَّ خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم. فصل الحكمة في أنهم قرنوا بآلهتهم أمور: أحدها: أنَّهم لا يزالون بمقارنتهم في زيادة غم وحسرة لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا بسببهم، والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب. وثانيها: أنّهم قَدَّرُوا أن يشفعوا لهم في الآخرة، فإذا وجدوا الأمر على عكس ما قَدَّرُوا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم. وثالثها: أنَّ إلقاءها في النار يجري مجرى الاستهزاء بها. ورابعها: قيل ما كان منها حجراً أو حديداً يحمى فيعذب بعبادها، وما كان خشباً يجعل جمرة يعذب بها صاحبها. قوله تعالى: {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} اعلم أنّ قوله: "وَمَا تَعْبُدُونَ" بالأصنام أليق، لدخول لفظ "مَا" وهذا الكلام بالشياطين أليق، لقوله: "هَؤُلاَءِ" ويحتمل أن يريد الشياطين والأصنام وغلب العقلاء ونبه الله - تعالى - على أنه مَنْ يرمى في النار لا يمكن أن يكون إلهاً. قال ابن الخطيب: وهنا سؤال، وهو أنَّ قوله {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} لكنهم وردوها، فهم ليسوا ءَالهة، وهذه الحجة إما أن يكون ذكرها لنفسه أو لغيره، فإن ذكرها لنفسه فلا فائدة فيه، لأنه كان عالماً بأنها ليست آلهة، وإن ذكرها لغيره فإما أن يذكرها لمن يُصَدق بنبوته، (أو ذكرها لمن يُكَذّب بنبوته) فإن ذكرها لِمَنْ يُصَدّق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة، لأنّ كل مَنْ صدق بنبوته لم يقل بالإهية هذه الأصنام، وإن ذكرها لمن كذب بنبوته فذلك المكذب لا يسلم أنّ تلك الآلهة يردون النار، فكان ذكر هذه الحجة لا فائدة فيه كيف كان. وأيضاً فالقائلون بإلاهيتها لم يعتقدوا إلا كونها تماثيل الكواكب أو صورة الشفعاء، وذلك لا يمنع من دخولها النار. وأجيب عن ذلك بأن المفسرين قالوا: المعنى لو كان هؤلاء - يعني الأصنام - آلهة على الحقيقة ما وردوها، أي: ما دخل عابدوها النار. قوله: "ءَالِهَةً" العامة على النصب خبراً لـ "كَانَ". وقرأ طلحة بالرفع وتخريجها كتخريج قوله: شعر : 3740- إذَا مُتَّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ تفسير : ففيها ضمير الشأن. قوله: {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} يعني: العابدين والمعبودين، وهو تفسير لقوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}. وقوله: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} قال الحسن: الزفير هو اللهيب، أي: يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ارتفعوا وأرادوا الخروج ضربوا بمقامع الحديد، فهوَوا إلى أسفلها سبعين خريفاً. قال الخليل: الزفير أن يملأ الرجل صدره غماً ثم يتنفس. قال أبو مسلم: قوله: "لَهُمْ" عام لكل مُعَذب، فيقول: لهم زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله: "وَهُمْ فِيهَا" يرجع إلى المعبودين أي: لا يسمعون صراخهم وشكواهم، ومعناه أنهم لا يغيثونهم، وشبهه: (سمع الله لمن حمده)، أي: أجاب الله دعاه. وقوله: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} على قول أبي مسلم محمول على الأصنام. ومن حمله على الكفار فيحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ الكفار يحشرون صماً كما يحشرون عمياً زيادة في عذابهم. والثاني: لا يسمعون ما ينفعهم، لأنهم إنما يسمعون أصوات المعذبين، أو كلام مَنْ يتولى تعذيبهم من الملائكة. والثالث: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -:( إنَّ الكفار يجعلون في توابيت من نار، ثم يجعل تلك التوابيت في توابيت أخر، ثم تلك التوابيت في توابيت أخر من نار عليها مسامير من نار، فلذلك لا يسمعون شيئاً، ولا يرى أحد منهم أنَّ أحداً يعذب غيره. والأول ضعيف، لأنَّ أهل النار يسمعون كلام أهل الجنة، فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف).

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا محلاًّ يخطر بالبال فيه آلهتهم بما يترجونه منها من النفع، قال مخاطباً لهم إرادة التعنيف والتحقير: {إنكم} وأكده لإنكارهم مضمون الخبر: {وما تعبدون} أيها المشركون من الأصنام والشياطين؛ ولما كان يتعبدون له سبحانه طوعاً وكرهاً مع الإشراك، قيد بقوله دالاًّ على أن رتبة ما عبدوه من أدنى المراتب الكائنة تحت رتبته سبحانه: {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له؛ ولما كانوا يرمى بهم في جهنم رمي الحجارة الصغار التي تسمى الحصباء إلى المحصوب إسراعاً وإكراهاً، فيكونون وقودها من غير إخراج، قال: {حصب جهنم} أي الطبقة التي تلقى المعذب بها بالتجهم والعبوسة والتكره؛ ثم أكد ذلك بقوله استئنافاً: {أنتم لها واردون*} أي داخلون دخول ورد الحمى على حالة هي بين السواد بالدخان والاحمرار باللب. ولما قرعهم من هذا الكلام بما لا جواب لهم عنه غير المكابرة، أعرض عنهم الخطاب استهانة بهم واحتقاراً لهم فقال: {لو كان هؤلاء} أي الذين أهلوهم لرتبة الإلهية وهم في الحقارة بحيث يقذف بهم في النار قذفاً {ءالهة} أي كما زعم العابدون لهم {ما وردوها} أي جهنم أصلاً، فكيف على هذه الصفة؛ ثم أخبر عنهم وعنها بقوله: {وكل} أي منهم ومنها {فيها} أي جهنم {خالدون*} لا انفكاك لهم عنها، بل يحمى بكل منهم فيها على الآخر {لهم} أي لمن فيه الحياة من المذكورين العابدين مطلقاً والمعبودين الراضين كفرعون {فيها زفير} أي تنفس عظيم على غاية من الشد والمد. تكاد تخرج معه النفس، ويقرنون بآلهتهم زيادة في عذابهم حيث جعل المعبود الذي كان يطلب من السعادة زيادة في الشقاوة فصار عدواً ولا يكون أنكأ من مقارنة العدو. ولما كانت تعمية الأخبار مما يعدم القرار، ويعظم الأكدار، قال {وهم فيها لا يسمعون*} حذف المتعلق تعميماً لكل مسموع، قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا على بن محمد الطنافسي ثنا ابن فضيل ثنا عبد الرحمن - يعني المسعودي - عن أبيه قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا بقي من يخلد في النار جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله - يعني هذه الآية، قال: ورواه ابن جرير من حديث حجاج بن محمد عن المسعودي عن يونس بن خباب عن ابن مسعود فذكره. ولما ذكر حالهم وحال معبوديهم بغاية الويل، كان موضع السؤال عمن عبدوهم من الصالحين من نبي أو ملك وغيرهما من جميع من عبده سبحانه لا يشرك به شيئاً، فقال مبيناً أنهم ليسوا مرادين لشيء من ذلك على وجه يعمهم وغيرهم من الصالحين: {إن الذين سبقت لهم منا} أي ولنا العظمة التي لا يحاط بها {الحسنى} أي الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في الأزل سواء ضل بأحد منهم الكفار فأطروه أو لا {أولئك} أي العالو الرتبة {عنها} أي جهنم. ولما كان الفوز مطلق الإبعاد عنها لا كونه من مبعد معين، قال: {مبعدون*} برحمة الله لأنهم أحسنوا في العبادة واتقوا، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؛ قال ابن كثير في تفسيره: قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن سهل ثنا محمد بن حسن الأنماطي ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا يزيد بن أبي حكيم أن الحكم - يعني ابن أبان - عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} قال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم أكل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون} ثم نزلت {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابة الأحاديث المختارة انتهى. وفي السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه اعتراض ابن الزبعرى قال: حديث : كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته تفسير : . وقد أسلم ابن الزبعرى بعد ذلك ومدح النبي صلى الله عليه وسلم. ولما كان أقل ما ينكىء من المكروه سماعه، قال: {لا يسمعون حسيسها} أي حركتها البالغة وصوتها الشديد، فكيف بما دونه لأن الحس مطلق الصوت أو الخفي منه كما قال البغوي، فإذا زادت حروفه زاد معناه {وهم} أي الذين سبقت لهم منا الحسنى {في ما} ولما كانت الشهوة - وهي طلب النفس اللذة - لا تكون إلا بليغة، عبر بالافتعال دلالة على عظيم ما هم فيه من اللذة فقال: {اشتهت أنفسهم} في الجنة {خالدون*} أي دائماً أبداً. ولما كان معنى ذلك أن سرورهم ليس له زوال، أكده بقوله: {لا يحزنهم} أي يدخل عليهم حزناً - على قراءة الجماعة حتى نافع بالفتح، عن حزنه، أو جعلهم حزبين - على قراءة أبي جعفر بضم ثم كسر، من أحزنه - رباعياً، فهي أشد، فالمنفي فيها كونه يكون لهم صفة {الفزع الأكبر} أي فما الظن بما دونه {وتتلقاهم} أي تلقياً بالغاً في الإكرام {الملائكة} حيثما توجهوا، قائلين بشارة لهم: {هذا يومكم} إضافة إليهم لأنهم المنتفعون به {الذي كنتم} في الدنيا. ولما تطابق على الوعد فيه الرسل والكتب والأولياء من جميع الأتباع، بنى الفعل للمفعول إفادة للعموم فقال: {توعدون*} أي بحصول ما تتمنون فيه من النصر والفوز العظيم، والنعيم المقيم، فأبشروا فيه بجميع ما يسركم. ولما كانت هذه الأفعال على غاية من الأهوال، تتشوف بها النفس إلى معرفة اليوم الذي تكون فيه، قال تعالى شافياً لعيّ هذا السؤال، زيادة في تهويل ذلك اليوم لمن له وعي: {يوم} أي تكون هذه الأشياء يوم {نطوي} أي بما لنا من العظمة الباهرة {السماء} طياً فتكون كأنها لم تكن؛ ثم صور طيّها بما يعرفون فقال مشبهاً للمصدر الذي دل عليه الفعل: {كطيّ السجل} أي الكتاب الذي له العلو والقدرة على مكتوبه {للكتب} أي القرطاس الذي يكتبه ويرسله إلى أحد، وإنما قلت ذلك لأن السجل يطلق على الكتاب وعلى الكاتب - قاله في القاموس، واختير للفاعل لفظ السجل لما مضى في سورة هود من أن هذه المادة تدور على العلو، وللمطوي لفظا الكتاب الدال على الجمع، لكونه لازماً للطي، مع أن ذلك أنسب لما جعل كل منهما مثالاً له، وقراءة المفرد لمقابلة لفظ السماء، والجمع للدلالة على أن المراد الجنس، فجميع السماوات تطوى؛ قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ثنا محمد بن أحمد بن أحمد بن الحجاج الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن أبي الواصل عن أبي المليح عن الأزدي عن أبي الجوزاء الأزدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يطوي الله السماوات السبع بما فيها من الخليفة، والأرضين السبع بما فيها من الخليفة، يطوي ذلك كله بيمينه حتى يكون ذلك بمنزلة خردلة. ولما كان هذا عند من لا يعلم أعظم استبعاداً من استبعادهم إعادة الموتى، قال دالاًّ عليه مقرباً له إلى العقول بتشبيه الإعادة بالإبداء، في تناول القدرة لهما على السواء، فإنه كما أخرجه بعلم من خزائن قدرته كذلك يرده بعلمه في خزائن قدرته، كما يصنع في نور السراج ونحوه إذا أطفىء، فكذا في غيره من جميع الأشياء {كما} أي مثل ما {بدأنا} أي بما عُلم لنا من العظمة {أول خلق} أي تقدير أيّ تقدير كان، نكره ليفيد التفصيل واحداً واحداً، بمعنى أن كل خلق جل أو قل سواء في هذا الحكم، وهو أنا {نعيده} أي بتلك العظمة بعينها، غير ناسين له ولا غافلين ولا عاجزين عنه، فما كان متضامّ الأجزاء فمددناه نضمه بعد امتداده، وما كان ميتاً فأحييناه نميته بعد حياته، وما كان حياً فأمتناه نحييه بعد موته، ونعيد منهم من التراب من بدأناه منه، والحاصل أن من أوجد شيئاً لا يبعد عليه التصرف فيه كيفما كان؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : إنكم محشورون إلى الله عراة غرلاً {كما بدأنا أول الخلق نعيده} - الآية، أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ألا إنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يارب! أصحابي! فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح {كنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم - إلى قوله - شهيد} فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم تفسير : . ثم أعلم أن ذلك أمر لابد منه بالتعبير بالمصدر تأكيداً لما أنكروه وبالغوا في إنكاره فقال: {وعداً} وأكد بقوله: {علينا} وزاده بقوله: {إنا كنا} أي أزلاً وأبداً، على حالة لا تحول {فاعلين} أي شأننا أن نفعل ما نريد، لا كلفة علينا في شيء من ذلك بوجه. ولما ذكر صدقه في الوعد وسهولة الأفعال عليه، وكان من محط كثير مما مضى أن من فعل ما لا يرضي الله غيّر عليه، كائناً من كان، ومن فعل ما أمره به نصره وأيده ولو بعد حين، كما أشير إليه بقوله تعالى {قل ربي يعلم القول في السماء والأرض} وما بعده من أشكاله، حتى ختم بقوله {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها} الآية، قال تعالى عاطفاً على {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم} وما عطف عليه من أشباهه مذكراً بما وعد على لسان داود عليه السلام: {ولقد كتبنا} أي على عظمتنا التي نفوذها محقق لا تخلف له أصلاً {في الزبور} أي الذي أنزلناه على داود عليه السلام. ولما كان المكتوب المشار إليه لم يستغرق ما بعد الذكر المراد من هذا الزبور، أشار إلى التبعيض بإثبات الجار فقال: {من بعد الذكر} أي الكلام الداعي إلى الله تعالى الدال عليه من الدعاء والمواعظ والتسبيح والتمجيد الذي ابتدأنا به الزبور {أن الأرض} أي جنسها الشامل لبقاع أرض الدنيا كلها ولأرض المحشر والجنة وغير ذلك مما يعلمه الله {يرثها عبادي} وحقق ما أفادته إضافتهم إليه من الخصوص بقوله: {الصالحون*} أي المتخلقون بأخلاق أهل الذكر، المقبلين على ربهم، الموحدين له، المشفقين من الساعة، الراهبين من سطوته، الراغبين في رحمته، الخاشعين له - كما أشرنا إليه بقولنا {قل ربي يعلم القول} وما ضاهاه وبذكر ما سلف في هذه السورة من شاهد ذلك من قصص هؤلاء الأنبياء الذي ضمنّاها بعض أخبارهم دلالة على أن العاقبة لمن أرضانا {أية : لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} تفسير : [إبراهيم: 13-14] {أية : إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده}تفسير : [الأعراف: 128] {أية : أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس} تفسير : [المؤمنون: 11] وفي هذا إشارة بالبشارة بأنه تعالى يورث هذه الأمة على ضعفها ما أورث داود وابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام على ما أعطاهما من القوة من إلانة الحديد والريح والحيوانات كلها من الجن والإنس والوحش والطير وغير ذلك، والمراد بهذا الكلام - والله أعلم - ظاهره، فإنه ابتدأ سبحانه الزبور بالأذكار والمواعظ إلى أن قال في المزمور السادس والثلاثين وهو قبل ربعه - هذا اللفظ بعينه. بيان ذلك: المزمور الأول: طوبى للرجل الذي لا يتبع رأي المنافقين، ولم يقف في طريق الخاطئين، ولم يجلس في مجالس المستهزئين، لكن في ناموس الرب مشيئته، وفي سننه يتلوا ليلاً ونهاراً، فيكون كمثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه التي تعطي ثمرتها في حينها، وورقها لا ينتثر، وكل ما يعمل يتم، ليس كذلك المنافقون، بل كالهباء الذي تذريه الرياح عن وجه الأرض، فلهذا لا يقوم المنافقون في القضاء ولا الخطأة في مجمع الصديقين، لأن الرب عالم بطريق الأبرار، وطريق المنافقين تبيد. المزمور الثاني: لماذا ارتجت الشعوب؟ وهدت الأمم بالباطل؟ قامت ملوك الأرض ورؤساؤها وائتمروا جميعاً على الرب وعلى مسيحه قائلين لنقطع أغلالهما ونلقي عنا سيرهما، الساكن في السماء يضحك بهم، والرب يمقتهم، حينئذ يكلمهم بغضبه، وبسخطه يذهلهم، أنا أقمت ملكاً منهم على صهيون جبل قدسه، لأخبر ميثاق الرب، الرب قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، سلني فأعطيك الشعوب، ميراثك وسلطانك على أقطار الأرض، ترعاهم بقضيب من حديد، ومثل آنية الفخار تسحقهم، من الآن تفهموا أيها الملوك! تأدبوا يا جميع قضاة الأرض! اعبدوا الرب بخشية، سبحوه برعدة، الزموا الأدب لئلا يسخط الرب عليكم فتضلوا عن سبيله العادلة، إذا ما توقد رجزه عن قليل، طوباهم المتوكلين عليه. المزمور الخامس: استمع يارب قولي داعياً، وكن لدعائي مجيباً، وأنصت إلى صوت تضرعي، فإنك ملكي وإلهي، وإني لك أصلي في غدواتي، استمع يا رب طلبتي لأقف أمامك بالغداة وتراني، لأنك إله لا ترضى الإثم، ولا يحل في مساكنك شرير، ولا يثبت مخالفو وصاياك بين يديك، أبغضت جميع عاملي الإثم، وأبدت كل الناطقين بالكذب؛ الرجل السافك الدماء الغاش الرب يرذله، وأنا بكثرة رحمتك أدخل بيتك، وأسجد في هيكل قدسك مستشعراً بخشيتك، اهدني يا رب بعدلك، ومن أجل أعدائي سهل أمامك طريقي، فإنه ليس في أفواههم صدق، بل الإثم في قلوبهم، حناجرهم قبور مفتحة، وألسنتهم غاشة، دنهم يا الله! ومثل كثرة نفاقهم ارفضهم لأنهم أسخطوك يا رب، ويفرح بك جميع المتوكلين عليك، وإلى الأبد يسرون، وفيهم تحل بركتك، ويفتخر بك كل محبي اسمك، لأنك يارب تبارك الصديق، وكمثل سلاح، المسرة كللتنا. المزمور السادس: يارب! لا تبكتني بغضبك، ولا تؤدبني بزجرك، ارحمني يا رب فإني ضعيف، اشفني يارب فإن عظامي قلقت، ونفسي جزعت جداً، وأنت نج نفسي وخلصني برحمتك، فليس في الموتى من يذكرك، ولا في الجحيم من يشكرك، تعبت في تنهدي، أحمم في كل ليلة سريري، وبدموعي أبلّ فراشي، ذبلت من السخط عيناي، ابعدوا عني يا جميع عاملي الإثم، فإن الرب سمع صوت بكائي، الرب سمع صوت تضرعي، الرب قبل صلاتي، يخزون ويبهتون جميع أعدائي، ويتضرعون ويسقطون جداً عاجلاً. وفي المزمور التاسع: أشكرك يا رب من كل قلبي، وأقص جميع عجائبك، أفرح وأسر بك، وأرتل لاسمك العلي حين تولى أعدائي على أدبارهم يضعفون ويبيدون من بين يديك، لأنك قضيت لي وانتقمت لي، استويت على العرش يا ديان الحق، زجرت الشعوب، أبدت المنافق أسقطت اسمه إلى الأبد وإلى أبد الأبد، لأنك أبدت سلاح العدو، وأفنيت مدائنه، وأزلت ذكرها، الرب دائم إلى الأبد، أعدَّ كرسيه للقضاء ليقضي للمسكونة بالعدل، ويدين الشعوب بالاستقامة. المزمور الثاني عشر: حتى متى يا رب تنساني إلى التمام؟ حتى متى يا رب تصرف وجهك عني؟ حتى متى تترك هذه الأفكار في نفسي والهموم والأوجاع في قلبي النهار كله؟ حتى متى يعلو عدوي عليّ؟ انظر إليّ واستجب لي يا ربي وإلهي! أنر عيني لئلا أنام ميتاً، ولئلا يقول عدوي: إني عليه قد قدرت، والمضطهدون لي يفرحون إذا أنا زللت، وأنا على رحمتك توكلت، فلبي بخلاصك يفرح، أرتل الرب الذي صنع لي حسناً، وأسبح اسم الرب العالي. المزمور الرابع عشر: يا رب من يسكن في مسكنك أو من يحل في طور قدسك؟ ذاك الذي يمشي بلا عيب ويعمل البر ويتكلم في قلبه بالحق، ولا يغش بلسانه أحداً، ولا يصنع بقريبه سوءاً، ولا يلتمس لجيراته عاراً، عيناه تشنأ الأثمة، يمجد أتقياء الرب، يحلف لقريبه ولا يكذب، ولا يعطي فضته بالربا، ولا يقبل الرشوة على الأزكياء، الذي يفعل هذا يدوم ولا يحول إلى الأبد. المزمور السادس عشر: استمع يا الله ببري، وانظر إلى تواضعي، وأنصت لصلاتي من شفتين غير غاشتين، من قدامك يخرج قضائي، عيناك تنظران الاستقامة، بلوت قلبي وتعاهدتني، جربتني فلم تجد فيّ ظلماً، ولم يتكلم فمي بأعمال الشر، من أجل كلام شفتيك حُفظت طرق صعبة لكيما يشتد في سبلك نهوضي ولا تزل خطاي، وإذا ما دعوتك استجب لي، اللهم أنصت إليّ أسمعك، وتقبل دعائي يا مخلص المتوكلين عليك، خلصني بيمينك من المضادين لي، احفظني مثل حدقة العين، وبظلال جناحك ظللني، من وجه المنافقين الذين أجهدوني، وأعدائي الذين اكتنفوا نفسي، تفقدت شحومهم، وتكلمت أفواههم بالكبرياء، عندما أخرجوني أحاطوا بي، نصبوا عيونهم ليضربوا بي الأرض، استقبلوني مثل الأسد المستعد للفريسة، ومثل الشبل الذي يأوي في خفية، قم يا رب! أدركهم وعرقلتهم، ونج نفسي من المنافقين، ومن سيف أعدائك، اللهم عن قرب شتتهم في الأرض، اقسمهم في حياتهم. المزمور السابع عشر: أحبك يا رب قوتي! الرب رجائي وملجأي ومخلصني إلهي عوني، عليه توكلي، ساتري وخلاصي وناصري، أسبح الرب وأدعوه، أنجو من أعدائي، لأن غمرات الموت اكتنفتني، وأودية الأثمة أفزعتني، أحاطت بي أهوال الجحيم، شباك الموت أدركتني، وعند شدتي دعوت الرب، وإلى إلهي صرخت، سمع من هيكل قدسه صوت دعائي، أمامه يدخل إلى مسامعه، تزلزلت الأرض وارتعدت، تحركت أساسات الجبال وتزعزعت من أجل أن الرب غضب عليها، صعد الدخان من رجزه والتهبت النار أمامها، اشتعل منه جمر نار، طأطأ السماوات، والضباب تحت رجليه، طار على أجنحة الرياح، جعل الظلمة حجابه، تحوط مظلته مياه مظلمة في سحب الهواء من الزمهرير ظلاله، ومن بريق نور وجهه جعل الغمام يجري بين يديه، برداً وجمر نار، أرعد الرب من السماء، وأبدى العلي صوته، أرسل سهاماً وفرقهم، وأكثر البرق وأفزعهم وأقلقهم، ظهرت عيون المياه، وانكشفت أساسات المسكونة من انتهارك يا رب! ومن هبوب الريح سخطك، أرسل من العلى وأخذني، نشلني من المياه الغزيرة، وخلصني من أعدائي الأشداء، ومن المبغضين لي، لأنهم تقووا أكثر مني، سبقوني في يوم حزني، نجاني في يوم جزعي، الرب صار لي سنداً، أخرجني إلى السعة، وأنقذني لأنه ترأف لي، خلصني من أعدائي الأشداء المبغضين، جازاني الرب مثل بري، ومثل طهر يدي يعطيني، لأني حفظت سبل الرب، ولم أبعد من إلهي، إذ كل أحكامه قدامي، وعدله لم أبعده عني، أكون معه بلا عيب، ولم تزدحف خطاي، جازاني الرب مثل بري، ومثل طهر يدي أمامه، مع العفيف عفيفاً تكون، ومع البار باراً تكون، ومع الملتوي ملتوياً تكون، ومع المختار مختاراً تكون، من أجل أنك تنجي الشعب المتواضع وتذل أعين المتعظمين، وأنت يا رب تضيء سراجي، لأني بك أنجو من الرصد، وبإلهي اعبر السور، والله لا ريب في سبله، كلام الرب مختبر، يخلص جميع المتوكلين عليه، لا إله مثل الرب، ولا عزيز مثل إلهنا، الإله الذي عضدني بقوته، جعل سبلي بلا عيب، ثبت قدمي، وعلى المشارق رفعني، علم يدي القتال، شدد ذراعي مثل قوس نحاس، أعطاني الخلاص، يمينه نصرتني، وأدبه أقامني إلى التمام، حكمتك علمتني، وسعت خطاي تحتي، ولم تضعف قدماي، أطلب أعدائي وأدركهم، ولا أرجع حتى أفنيهم، أرميهم فلا يستطيعون القيام، يسقطون تحت قدمي، عضدتني بقوة في الحرب، جعلت كل الذين قاموا عليّ تحتي، أبدت أعدائي، استأصلت الذي شنؤوني، صرخوا فلم يكن لهم مخلص، رغبوا إلى الله فلم يستجب لهم، أسحقهم مثل الثرى أمام الريح، وكمثل طين الطرق أطؤهم، نجني من مقاومة الألسن، سيرني رأساً على الشعوب، الشعب الذي لا أعرفه تعبد لي، سمع لي سماع الأذن، بنو الغرباء أقبلوا وأطيعوني، ولم يؤمن بي بنو الغرباء، حي هو الله، وتبارك إله خلاصي، تعالى الرب الذي أنقذني، الله الذي ثبّت لي الانتقام، أخضع الشعوب تحتي، ونجاني من أعدائي، ورفعني على الذين قاموا عليّ، ومن الرجال الأثمة نجاني، لذلك أشكرك يا رب بين الشعوب، وأرتل لاسمك. المزمور الحادي والعشرون: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ تباعدت عن خلاصي لقول جهلي، إلهي دعوتك بالنهار فلم تستجب لي، وفي الليل فلم يكن مني جهلاً، أنت كائن في القديسين يا فخر إسرائيل، بك آمن آباؤنا، وتوكلوا عليك فنجيتهم، وصرخوا إليك فخلصتهم، رجوك فلم يخزوا، وأنا فدودة ولست إنساناً، عار في الناس، مرذول في الشعب، كل من رآني يمقتني، تكلموا بشفاههم وهزوا رؤوسهم وقالوا: إن كان آمن أو توكل على الرب فلينجه، ويخلصه إن كان يحبه، وأنت من البطن أخرجتني، ومذ كنت أرتضع من بطن أمي ألقيت إليك، وعليك من الرحم توكلت، ومن بطن أمي أنت إلهي فلا تبعد عني، فإن الشدة قريبة، وليس من يخلصني، أحاطت بي عجول كثيرة، اكتنفتني ثيران سمان، فتحت أفواهها على مثل الأسد الزائر المفترس، ومثل الماء انهرقت عظامي، وصار قلبي مثل الشمع المذاب في وسط بطني، يبست قواي مثل الفخار، لصق لساني بحنكي، وإلى تراب الموت أنزلتني، أحاطت بي كلاب كثيرة، اكتنفتني جماعة الأشرار، ثقبوا يدي ورجلي، وزعزعوا جميع عظامي، نظروا إليّ وشتموني، واقتسموا بينهم ثيابي، واقترعوا على لباسي، وأنت يا رب فلا تبعد من معونتي، انظر إلى تضرعي، نج من السيف نفسي، ومن يد الكلاب التي احتوشتني، ومن فم الأسد خلصني، ومن القرن المتعالي على تواضعي، لأبشر باسمك إخوتي، وبين الجماعة أمجدك، أيها الخائفون من الرب مجدوه! يا جميع ذرية يعقوب سبحوه! يخشاه كل زرع إسرائيل، لأنه لم يهن ولم يرذل دعوة المسكين، ولا صرف وجهه عني، وعند دعائي استجاب لي، يأكل المساكين ويشبعون، ويسجد قدامه جميع قبائل الشعوب، لأنه الملك الرب، وسلطانه على الأمم، تأكل وتسجد قدام الرب جميع ملوك الأرض، وبين يديه يجثو جميع هابطي التراب لله، يحيي نفسي، وذريتي له تتعبد، أخبروا بالرب أيها الجيل الآتي، وحدثوا بعدله، ليرى الشعب الذي يولد صنع الرب. المزمور الثلاثون: عليك يارب توكلت فلا أخزى إلى الأبد، خلصني وأنقذني بعدلك، أنصت لي بسمعك، واستنقذني عاجلاً، كن لي إلهاً نصيراً وملجأ ومخلصاً لأنك عوني وملجئي، وباسمك يارب تهديني وتعينني وتخرجني من هذا الفخ الذي أخفي لي، لأنك ناصري، وفي يدك أسلم روحي، نجني يا رب إله الحق، شنأت الذين يغتبطون بالأوثان الباطله، وأنا على الرب توكلت، أفرح وأسر برحمتك لأنك نظرت إلى تواضعي، وخلصت نفسي من الشدائد، ولمن تسلمني في أيدي الأعداء، اقمت رجلي في السعة، ارحمني يا رب فإني حزين، جزعت عيناي من سخطك، ونفسي وقواي، فني عمري بالأحزان، وسني بالزفرات، ضعفت بالمسكنة قوتي وقلقت عظامي، صرت عاراً في أعدائي وجيرتي، ورهبة لمن عرفني، من عاينني تباعد عني، ونسوني في قلوبهم مثل الميت، صرت مثل إناء مكسور، لأني سمعت سب جميع من حولي، هموا بي وعند اجتماعهم عليّ جميعاً تآمروا لأخذ نفسي، فأنا يا رب عليك توكلت، قلت: أنت إلهي، وفي يدك قسمي، نجني من يد أعدائي والطاردين لي، أضىء وجهك على عبدك، وخلصني برحمتك، يارب لا تخزني فإني دعوتك، تخزي المنافقين ويهبطون إلى الجحيم، تبكم الشفاه الغاشة المتقولة على الصديق بالزور والبهتان، ما أكثر رحمتك يا رب لجميع خائفيك، أعددتها لمن اعتصم بك أمام بني البشر، استرهم في كنفك من أشرار الناس وفي ظلال وجهك، وقهم من مقاومة الألسن، تبارك الرب الذي انتخب له الأصفياء في المدينة العظيمة، أنت قلت في تحيري: إني سقطت من حذاء عينيك، ولذلك سمعت صوت تضرعي حين دعوتك، حبوا الرب يا جميع أصفيائه، فإن الرب يبتغي الحق، ويكافىء المستكبرين بفعلهم، تشتد قلوبكم وتقوى أيها المتوكلون على الرب. المزمور الثالث والثلاثون: أبارك الرب في كل حين، وكل أوان تسبيحه في فمي، بالرب تفتخر نفسي، فليسمع أهل الدعة ويفرحوا، عظموا معي الرب وشرفوا اسمه أجمعون، أنا طلبت الرب فأجابني، ومن شدائدي نجاني، أقبلوا إلى الرب واستتروا به، فإن وجوهكم لا تخزى، إن المسكين دعا فاستجاب له الرب، ومن جميع أحزانه خلصه، ملك الرب يحوط أتقياءه وينجيهم، ذوقوا وتيقنوا طيب الرب، طوبى للرجل المتوكل عليه، اتقوا الرب ياجميع قديسيه لأنه لا منقصة لأتقيائه، الأغنياء افتقروا وجاعوا، والذين يطلبون الرب لا يعدمون كل الخيرات، هلموا أيها الأبناء واسمعوا مني لأفهمكم مخافة الرب، من هو الرجل الذي يهوى الحياة ويحب أن يرى الأيام الصالحة، اكفف لسانك من الشر وشفتيك، لا تتكلم بالغدر، ابعد عن الشر، واصنع الخير، اطلب السلامة واتبعها، فإن عين الرب على الأبرار، وسمعه إلى تضرعهم، وجه الرب على صانعي الشر ليمحو ذكرهم من الأرض، الأبرار دعوا فاستجاب لهم الرب، من جميع شدائدهم نجاهم، الرب قريب من مستقيمي القلوب، يخلص متواضعي الأرواح، كثيرة هي أحزان الصديقين، ومن جميعها ينجيهم الرب، الرب يحفظ جميع عظامهم، وواحد منهم لا ينكسر، موت الخطأة سيىء، ومبغضو البار يهلكون، الرب ينجي نفوس عبيده، ولا يخيب المتوكلين عليه. المزمور الرابع والثلاثون: حاكم يا رب الذين يظلمونني، قاتل الذي يقاتلونني، خذ سلاحاً وترساً وقم لمعونتي، استل سيفاً ورد به أعدائي الذين يرهقونني، وقل لنفسي: أنا مخلصك، يخزى ويبهت طالبو نفسي، يرتدون على أعقابهم ويخزي الذين يتفكرون بي الشر، ويكونون كالغبار أمام الريح، وملك الرب يخزيهم، تكون طريقهم زلقة ظلمة عليهم وملك الرب يطاردهم، لأنهم أخفوا لي فخاً، بغير حق عيروا نفسي، فليأتهم الشر بغتة، والمصيدة التي أخفوها تأخذهم، وفي الحفرة التي حفروها يسقطون، نفسي تبتهج بالرب، وتنعم بخلاصه، عظامي كلها تقول: يا رب من مثلك منجي المسكين من يد القوي، والفقير والبائس من يد الذين يختطفونه، قام عليّ شهود الزور، وعما لم أعلم ساءلوني، جازوني بدل الخير شراً، وأبادوا نفسي وأنا عندما لجوا عليّ لبست مسحاً، وبالصيام أذللت نفسي، وصلاتي عادت إلى حضني، مثل قريب و أخ كنت لهم، صرت كالحزين الكئيب في تواضعي، اجتمعوا عليّ وفرحوا، اجتمع عليّ الأشرار ولم أشعر، أثموا ولم يندموا، أحزنوني وهزؤوا بي وصروا أسنانهم عليّ، يا رب إلى متى تنتظر! نج نفسي من شر ما نصبوا، ومن الأسد نج وحدتي، لأشكرك يا رب في الجموع الكثيرة وفي الشعب الصالح أرتل لك، لا يسر بي المعادون لي ظلماً، الذين يشنؤونني باطلاً ويتغامزون بعيونهم، لأنهم يتكلمون بالسلام وبالدغل يفكرون، وعلى المتواضعين في الأرض يقولون الكذب، فتحوا عليّ أفواههم، وقالوا: نعماً نعماً! قد قرت به عيوننا، اللهم قد رأيت، لا تغفل، لا تبعد عني يا رب! انظر سريعاً في قضائي إلهي وربي، كن في ظلامتي، واحكم لي مثل برك يا ربي وإلهي، لا تسرهم بي، لئلا يقولوا في قلوبهم: تفتحت نفوسنا، ولا يقولوا: قد ابتلعناه، يخزون ويهنون جميعاً الذين يفرحون بإساءتي، يلبس الخزي والبهت المتعظمون بالقول عليّ يسر ويفرح الذين يهوون بري، ويقولون في كل حين: عظيم هو الرب، الذين يريدون سلامة عبدك، لساني يتلو عدلك وتمجيدك النهار كله. المزمور السادس والثلاثون: لا تغبط الأشرار ولا تتأسّ بفاعلي الإثم، لأنهم مثل العشب سريعاً يجفون، ومثل البقل الأخضر عاجلاً يذبلون، توكل على الرب واصنع الخير، واسكن في الأرض، وعش من نعيمها، استبشر بالرب يعطيك مطلوبات قلبك، واكشف سبلك للرب وتوكل عليه وهو يصنع لك، يخرج مثل النور عدلك، ومثل الظهيرة أحكامك، اخضع للرب واضرع إليه، لا تغبط الرجل المستقيم في طريقه المقيم على إثمه، ولا رجلاً يعمل بخلاف الناموس، اكفف من السخط، ودع الغضب، لا تبار الشرير، فإن الأشرار جميعاً يبيدون، والذين يرجون الرب يرثون الأرض عن قليل، لا يوجد الخاطىء، ويطلب مكانه فلا يوجد، أهل الدعة يرثون الأرض، ويتنعمون بكثرة السلامة، المنافق يرصد الصديق ويصر عليه أسنانه، والرب يهزأ به، لأنه قد علم أن يومه يدركه، استل الخطأة سيوفهم، وأوتروا قسيهم، ليصرعوا المسكين والبائس، ويقتلوا المستقيم القلب، تدخل سيوفهم إلى قلوبهم، وتنكسر قسيهم، اليسير للصديق خير من كثرة غنى الخطأة، لأن سواعد الخطأة تنكسر، والرب يحفظ الأبرار، الرب يعرف أيام صديقيه الذين لا عيب فيهم وميراثهم إلى الأبد، ولا يخزون في زمان سوء، وفي أيام الشدائد يشبعون، لأن الأثمة يبيدون، أعداء الرب حين يرتعون ويتمجدون يذهبون مثل الدخان ويضمحلون، الخاطىء يقترض ولا يوفى، والبار يترأف ويعطي، لأن مباركيه يرثون الأرض، ولا غيه يستأصلون، الرب يقوِّم خطأ الإنسان ويهديه في الطريق، إن سقط البار لم يجزع، لأن الرب ممسك بيده، كنت صبياً وشخت ولم أر صديقاً رفض، ولا ذريته طلبت خبزاً النهار كله يترحم ويقرض ونسله مبارك، ابعد عن الشر وافعل الخير، واسكن إلى أبد الأبد، لأن الرب يحب العدل، ولا يضيع أصفياءه، يحفظهم إلى أبد الأبد، الأثمة يهلكون ونسل الخطأة يستأصلون، الصديقون يرثون الأرض ويسكنون فيها إلى أبد الأبد، فم الصديق ينطق بالحكمة ولسانه يقول العدل، سنة إلهه في قلبه، ولا تزدحف قدماه، الخاطىء يرصد البار ويهم بقتله، والرب لا يسلمه في يديه، ولا يدخله في الحكم، ترج الرب واحفظ طرقه، وهو يرفعك لترث الأرض وتعاين الخطأة يبيدون، رأيت المنافق يتعالى: ويتطاول مثل أرز لبنان، مررت به فلم أجده وطلبت موضعه فلم أصبه، تمسك بالدعة وسترى الاستقامة، فإن عاقبة الرجل المستقيم سلامة، الخطأة جميعاً يبيدون، وبقايا الأشرار يستأصلون، خلاص الأبرار من عند الرب وهو ناصرهم في زمان الشدائد، الرب عونهم ومنجيهم ومنقذهم من الخطأة، ويخلصهم لأنهم توكلوا عليه.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو داود في ناسخه والحاكم وصححه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون‏} ‏ قال المشركون‏:‏ فالملائكة وعيسى وعزير، يعبدون من دون الله‏.‏ فنزلت ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون‏} ‏ عيسى وعزير والملائكة‏. وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ تزعم أن الله أنزل عليه هذه الآية ‏ {‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون‏} ‏ قال ابن الزبعرى‏:‏ قد عبدت الشمس، والقمر والملائكة، وعزير وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت ‏{أية : ‏ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون‏‏ وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون‏} ‏تفسير : [‏الزخرف: 57‏]‏ ثم نزلت ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون‏}‏‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه والطبراني من وجه آخر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون‏} ‏ شق ذلك على أهل مكة‏.‏ وقالوا‏:‏ شتم الآلهة‏.‏ فقال ابن الزبعرى‏:‏ أنا أخصم لكم محمداً، ادعوه لي فدعي‏.‏ فقال‏:‏ يا محمد، هذا شيء لآلهتنا خاصة‏؟‏ أم لكل عبد من دون الله‏؟‏ قال‏:‏ بل لكل من عبد من دون الله‏‏ فقال ابن الزبعرى‏:‏ خصمت‏.‏ ورب هذه البنية، يعني الكعبة، ألست تزعم يا محمد، أن عيسى عبد صالح، وأن عزيراً عبد صالح، وأن الملائكة صالحون‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فهذه النصارى تعبد عيسى‏.‏ وهذه اليهود‏.‏ تعبد عزيراً، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة، فضج أهل مكة وفرحوا‏!‏ فنزلت ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى‏} ‏ عزير وعيسى والملائكة ‏{‏أولئك عنها مبعدون‏} ‏ ونزلت {أية : ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون‏}‏ ‏تفسير : [‏الزخرف: 57‏]‏ قال‏:‏ وهو الصحيح‏. وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏ {‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون‏}‏ ثم نسختها ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون‏} ‏ يعني عيسى ومن كان معه‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك ‏ {‏إنكم وما تعبدون من دون الله‏} ‏ يعني الآلهة ومن يعبدها‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏حصب جهنم‏}‏ قال‏:‏ وقودها‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏حصب جهنم‏} ‏ قال‏:‏ شجر جهنم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏حصب جهنم‏} ‏ قال‏:‏ حطب جهنم بالزنجية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏حصب جهنم‏}‏ قال‏:‏ حطب جهنم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏حصب جهنم‏} ‏ قال‏:‏ يقذفون فيها‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏حصب جهنم‏} ‏ قال‏:‏ حطبها‏.‏ قال بعض القراء ‏"‏حطب جهنم‏"‏ من قراءة عائشة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ‏{‏حصب جهنم‏} ‏ يقول‏:‏ إن جهنم تحصب بهم، وهو الرمي‏:‏ يقول‏:‏ يرمي بهم فيها‏. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏"‏حضب جهنم‏"‏ بالضاد‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة النار، والطبراني والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ إذا بقي في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد نار، فيها مسامير من حديد نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد، ثم قذفوا في أسفل الجحيم فما يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره‏.‏ ثم قرأ مسعود رضي الله عنه ‏ {‏لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون‏}. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى‏} ‏ قال‏:‏ عيسى والملائكة وعزير‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏أولئك عنها مبعدون‏}‏ قال‏:‏ عيسى وعزير والملائكة‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أصبغ، عن علي في قوله‏:‏ ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كل شيء يعبد من دون الله في النار، إلا الشمس والقمر وعيسى‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى‏} ‏ قال‏:‏ أولئك أولياء الله، يمرون على الصراط مراً هو أسرع من البرق فلا تصيبهم و ‏ {‏يسمعون حسيسها‏} ‏ ويبقى الكفار فيها حبيسا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه، عن النعمان بن بشير‏:‏ أن علياً قرأ ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون‏} ‏ فقال‏:‏ أنا منهم وعمر منهم وعثمان منهم والزبير منهم وطلحة منهم وسعد وعبد الرحمن منهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي عثمان النهدي في قوله‏:‏ ‏ {‏لا يسمعون حسيسها‏} ‏ قال‏:‏ حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قالوا‏:‏ حس‏.‏‏.‏ حس‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، ‏ حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏لا يسمعون حسيسها‏} ‏ قال‏: حيات على الصراط تقول‏:‏ حس حس ‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى‏}‏ قال‏:‏ السعادة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير، عن محمد بن حاطب قال‏:‏ سئل علي عن هذه الآية ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى‏}‏ قال‏:‏ هو عثمان وأصحابه‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لا يسمعون حسيسها‏} ‏ يقول‏:‏ لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا منازلهم من الجنة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان ‏ {‏لا يسمعون حسيسها‏} ‏ قال‏:‏ صوتها‏. وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا‏:‏ قال في سورة الأنبياء ‏ {‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وهم فيها لا يسمعون‏}‏ ثم استثنى فقال‏:‏ ‏ {‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون‏} ‏ فقد عبدت الملائكة من دون الله وعزير وعيسى‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال‏:‏ يقول ناس من الناس‏:‏ إن الله قال‏:‏ ‏{‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون‏} ‏ يعني من الناس أجمعين، وليس كذلك إنما يعني من يعبد الله تعالى، وهو لله مطيع مثل عيسى وأمه وعزير والملائكة‏.‏ واستثنى الله تعالى هؤلاء من الآلهة المعبودة التي هي مع من يعبدها في النار‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لا يحزنهم الفزع الأكبر‏} ‏ قال‏:‏ أذا أطبقت جهنم على أهلها‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لا يحزنهم الفزع الأكبر‏}‏ يعني النفخة الآخرة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏لا يحزنهم الفزع الأكبر‏}‏ قال‏:‏ النار إذا أطبقت على أهلها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن ‏{‏لا يحزنهم الفزع الأكبر‏} ‏ قال‏:‏ إذا أطبقت النار عليهم، يعني على الكفار‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏لا يحزنهم الفزع الأكبر‏} ‏ قال‏:‏ انصراف العبد حين يؤمر به إلى النار‏. وأخرج ابن جرير في قوله‏:‏ ‏ {‏لا يحزنهم الفزع الأكبر‏} ‏ قال‏:‏ حين تطبق جهنم‏.‏ وقال‏:‏ حين ذبح الموت‏. وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن للمهاجرين منابر من ذهب يجلسون عليها يوم القيامة قد أمنوا من الفزع‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : بشر المدلجين في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي الدرداء قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏المتحابون في الله في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله على منابر من نور، يفزع الناس ولا يفزعون‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة‏:‏ رجل أمَّ قوماً وهم به راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة، وعبد أدى حق الله وحق مواليه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وتتلقاهم الملائكة‏} ‏ قال‏:‏ تتلقاهم الملائكة الذين كانوا قرناءهم في الدنيا يوم القيامة، فيقولون‏:‏ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة‏. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏هذا يومكم الذي كنتم توعدون‏}‏ قال‏:‏ هذا قبل أن يدخلوا الجنة‏. وأخرج عبد بن حميد عن علي في قوله‏:‏ ‏ {‏كطي السجل‏} ‏ قال‏:‏ ملك‏. وأخرج عبد بن حميد عن عطية قال‏:‏ السجل، اسم ملك‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله‏:‏ ‏ {‏يوم نطوي السماء كطي السجل‏} ‏ قال‏:‏ السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال‏:‏ اكتبوها نورا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر قال‏:‏ السجل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له، فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور فأسّر ذلك إلى هاروت وماروت، فلما قال تعالى‏:‏ ‏{أية : ‏إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها‏}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 30‏]‏ قال‏:‏ ذلك استطالة على الملائكة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي قال‏:‏ السجل ملك موكل بالصحف، فإذا مات دفع كتابه إلى السجل فطواه ورفعه إلى يوم القيامة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في الآية قال‏:‏ السجل، الصحيفة‏. وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في المعرفة، وابن مردويه والبيهقي في سننه وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ السجل، كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن المنذر وابن عدي وابن عساكر، عن ابن عباس قال‏:‏ كان لرسول الله صلى عليه وسلم كاتب يسمى السجل، وهو قوله‏:‏ ‏{‏يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب‏}. وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عباس قال‏:‏ السجل، هو الرجل، زاد ابن مردويه بلغة الحبشة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏كطي السجل للكتب‏}‏ قال‏:‏ كطي الصحيفة على الكتاب‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏كما بدأنا أوّل خلق نعيده‏} ‏ يقول‏:‏ نهلك كل شيء كما كان أوّل مرة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏كما بدأنا أوّل خلق نعيده‏} ‏ قال‏:‏ عراة حفاة غرلا‏ً. وأخرج ابن جرير "حديث : عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏دخل عليّ رسول الله صلى عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر فقال‏:‏ من هذه العجوز يا عائشة‏؟‏ فقلت‏:‏ إحدى خالاتي‏.‏ فقالت‏:‏ ادع الله أن يدخلني الجنة‏.‏ فقال‏:‏ إن الجنة لا يدخلها العجوز‏.‏ فأخذ العجوز ما أخذها فقال‏:‏ إن الله تعالى ينشئهن خلقاً غير خلقهن، ثم قال‏:‏ تحشرون حفاة عراة غلفاً‏.‏ فقالت‏:‏ حاشا لله من ذلك‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بلى‏.‏ إن الله تعالى قال‏:‏ ‏ {‏كما بدأنا أوّل خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين‏} ‏ فأول من يكسى إبراهيم خليل الرحمن‏"‏‏ "تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ يبعثهم الله يوم القيامة على قامة آدم وجسمه، ولسانه السريانية، عراة حفاة غرلاً كما ولدوا‏.

القشيري

تفسير : {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}: أي الأصنام التي عبدوها، ولم تدخل في الخطاب الملائكة التي عبدها قومٌ، ولا عيسى وإن عبَدَه قومٌ لأنه قال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} ولم يقلُ إنكم ومن تعبدون. فيُحْشَرُ الكافرون في النار، وتُحْشَرُ أصنامُهم معهم. والأصنامُ جماداتٌ فلا جُرْمَ لها، ولا احتراقها عقوبة لها، ولكنه على جهة براءة ساحتها، فالذنبُ للكفار وما الأصنامُ إلا جماداتٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {انكم} يا اهل مكة {وما تعبدون من دون الله} اى والاصنام التى تعبدونها متجاوزين عبادة الله تعالى وذلك بشهادة ما فانها لما لا يعقل فخرج عزير وعيسى والملائكة {حصب جهنم} بفتح المهملتين اسم لما يحصب اى يرمى فى النار فتهيج به من حصبه اذا رماه بالحصباء ولا يقال له حصب الا وهو فى النار واما قبل ذلك فيقال له حطب وشجر وخشب ونحو ذلك والمعنى تحصبون فى جهنم وترمون فتكونون وقودها. وهو بالفارسية [آتش انكيز]{انتم لها واردون} داخلون على طريق الخلود والخطاب لهم ولما يعبدون تلغيبا [درتبيان كفته كه حكمت ايراد بتان بدوزخ زيادت تعذيب بت برستانت جه بداناه آتش افروخته كردد واحتراق ايشان ببفزايد].

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِنكم}، يا كفار قريش ومن دان دينكم، {وما تعبدون من دون الله} من الأصنام والشياطين؛ لأنهم، لطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم، في حكم عبادتهم، ويدخل فيه الشمس والقمر والنجوم، وكل ما عُبد من دون الله ممن لا يعقل، للحديث الوارد في دخولهم النار، تبكيتًا لمن عبدهم؛ لأنهم لا يتضررون بالنار. وأما من يعقل فلا يدخل؛ حيث عبَّر بما. وقيل: يدخل، ثم استثناه بقوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى...}، فكل من عبد شيئًا من دون الله فهو معه، {حَصَبُ جهنم} أي: حطبها، وقرئ بالطاء، أي: وقودها {أنتم لها واردون} أي: فيها داخلون. {لو كان هؤلاء آلهةً} كما زعمتم {ما وردوها}؛ ما دخلوا النار، {وكلٌّ فيها خالدون} أي: وكل من العابد والمعبود في النار خالدون. {لهم فيها زفير} أي: للكفار في النار أنينٌ وبكاء وعويل، {وهم فيها لا يسمعون} شيئًا؛ لأن في سماع بعضهم بعضًا نوع أُنس. قال ابن مسعود رضي الله عنه: يُجعلون في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت أُخَر لها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئًا. رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرام، وصَنَادِيدُ قُريشٍ في الحَطِيمِ، وَحَوْلَ الكَعْبَةِ ثلاثمائة وَسِتونَ صَنَمًا، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ، فكلَّمهُ النبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى أفْحَمَهُ، ثُمَّ تلا عليه وعليهم: {إِنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم...} الآيات الثلاث. ثم أقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبَعْرَى فرآهم يتساهمون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخفى الوَلِيدُ ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبره بعضهم بما قاله، عليه الصلاة والسلام، فقال ابن الزبعرى للنبي صلى الله عليه وسلم: أأنت قلت: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك، ورب الكعبة، أَلَيْست اليَهُودُ تعبد عُزَيرًا، والنصارى تعبد المَسِيحَ، وبَنُو مُلَيْحٍ يعبدون الملائكة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بَلْ هُمْ يَعْبُدُونَ الشياطِينَ الّتي أَمَرَتْهُم بِهذا، فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى...} ". تفسير : قلت: كل من عَبَدَ شيئًا من دون الله فإنما عَبَدَ في الحقيقة الشيطان؛ لأنه أمر به وزينه له، ويدل على ذلك أنهم يتبرؤون يوم القيامة، حين تتحقق الحقائق، من عبادتهم، كما قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} [الفُرقان: 17، 18] مع قوله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [العَنكبوت: 38]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أحب شيئًا حُشر معه، من أحب أولياء الله حُشر معهم، ومن أحب الصالحين حُشر معهم، ومن أحب الفجار حُشر معهم، ومن أحب الدنيا بُعث معها، ثم بعث إلى النار، وهكذا... المرء مع من أحب. ثمَّ استثنى بذكر حال أهل السعادة

الجنابذي

تفسير : {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ بتقدير القول كأنّه قيل: ما يقال لهم؟- فقال الله تعالى نقول: انّكم وما تعبدون {مِن دُونِ ٱللَّهِ} اى حال كون ما تعبدون بعضاً من غير الله او ما تعبدون من دون اذن الله، وفائدة التّقييد اخراج المطاعين باذن الله كالانبياء واوصيائهم {حَصَبُ جَهَنَّمَ} والحصب الحطب ومطلق ما يرمى به فى النّار، او لا يكون الحطب حصباً حتّى يسجر به {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} لام لها زائدة للتّقوية والجملة تأكيد للجملة الاولى والمراد بالخطاب المخاطبون وما يعبدون بطريق التّغليب.

الأعقم

تفسير : {إنكم وما تعبدون من دون الله} يحتمل الأصنام وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم له واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم، ويصدقه ما روي حديث : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجلس اليهم فعرض له النضر بن الحرث، وكلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أفحمه، ثم تلا عليهم {إنكم وما تعبدون من دون الله} الآية، فأقبل عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتساهمون فقال: فيم خوضكم فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال عبد الله بن الزبعرى: لو وجدته لخضته، فدعوه فقال ابن الزبعرى: أأنتَ قلتَ ذلك؟ قال: "نعم" قال: قد خصمتك ورب الكعبة، أليس اليهود عبدوا عزير، والنصارى عبدوا المسيح، وبني مدلج عبدوا الملائكة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك"تفسير : . وأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} إما السعادة والبشرى بالثواب يعني عزير والمسيح والملائكة، قال جار الله: فإن قلت: لم قرنوا بآلهتهم؟ قلتُ: لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في غمّ وحسرة، ولأنهم قد رأوا أنهم يشفعون لهم في الآخرة فإذا أصابهم الأمر على عكس ما قد رأوا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم، وقيل: ما لما لا يعقل كما أن من لمن يعقل {حصب جهنم}، قيل: وقود ماء، وقيل: حطبها {لهم فيها زفيرٌ} الزفير سدّ النفس {وهم فيها لا يسمعون} قيل: لا يحسون داعياً، وقيل: لا يسمعون ما ينفعهم، وقيل: لا يسمعون صراخ أهل النار وصوت المقامع وأصوات الخزنة، ولا يسمعون صوتاً لهم فيه راحة، وقيل: يصيرون صمَّاً في وقت ويسمعون في وقت {لا يسمعون حسيسها} وهو الصوت الذي يحس {وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون} في ثواب الله دائمون لا يحزنهم الفزع الأكبر، قيل: النفخة الآخرة، وعن الحسن: الانصراف إلى النار، وقيل: حين يطبق، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح {وتتلقَّاهم الملائكة} مهنئين على ثواب الجنة يقولون: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} {يوم نطوي السماء} الطي هذا لنشر {كطيِّ السجل للكتب}، قيل: السجل الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتاب، وقيل: السجل ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه، وقيل: كانت لرسول والكتاب على هذا اسم للصحيفة المكتوب فيها {كما بدأنا أول خلق نعيده} أي استئناف كلام أي كما خلقناه ابتداء نعيده للحشر، وقيل: كما بدأناهم حفاةً عراةً في بطون أمهاتهم كذلك يوم القيامة، قال جار الله: فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلتُ: أوله إيجاده عن العدم كما أوجده أولاً عن عدم يعيده بالياً عن عدم {وعداً علينا} يجب الوفاء به، وقيل: حقّاً علينا واجباً {إنَّا كنَّا فاعلين} الإِعادة {ولقد كتبنا في الزبور} كتب الأنبياء {من بعد الذكر} من كتبته في أم الكتاب، قال جار الله: زبور داوود والذكر التوراة، وقيل: اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب والذكر أم الكتاب يعني اللوح، وقيل: زبور داوود والذكر القرآن {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}، قيل: أرض الجنة، وقيل: أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد إخلاء الكفار كقوله: {أية : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها}تفسير : [الأعراف: 137]، وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {إن في هذا}، قيل: هذا القرآن، وقيل: ما قصصناه عليك من الوعد والوعيد، وقيل: في الجنة {لبلاغاً} لكفاية {لقوم عابدين} مؤمنين يعبدون الله وحده، وقيل: عالمين، وقيل: هم أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل الصلوات الخمس والقوم بين تعالى أن ما أوحى إليه وأرسله لينتفع به العباد فقال سبحانه: {وما أرسلناك} يا محمد {إلاَّ رحمة للعالمين} يعني نعمة في الدين والدنيا.

اطفيش

تفسير : {إنَّكُمْ} يا أهل مكة {وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} الأصنام وإبليس وإخوته. {حَصَبُ جُهَنَّمَ} ما يرمى بها إليها، وتهيج به، من حَصَبه حصبا بسكون صاد المصدر، أى رماه بالحصباء. وقرئ حصْب جهنم بالإسكان، جعلوا مبالغةً نفسَ الحصب، أو يقدر مضاف أو يؤول باسم مفعول، أى محصوبها، أى ما تحصب به. وقرئ حضب بالإعجام مفتوحًا ومسكنًا. وقرأ أُبىّ حطب، بالطاء المهملة. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الشمس والقمر فى النار"تفسير : . قال بعضهم: ألستم تقرؤون: إنكم وما تعبدون الخ؟ حديث : روى أنه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، وصناديد قريش فى الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحارث فكلّمه صلى الله عليه وسلم، فأفحمه، وتلا: {إنكم وما تعبدون} الخ فأقبل عبد الله بن الزِّبَعْرَى فوجدهم يتهامسون. فقال: فيم خوضكم؟ فأَخبره الوليد بن المغيرة، بقوله صلى الله عليه وسلم فقال: أمَا والله لو وجدته لخصته فدعوه. فقال له: أنتَ قلت ذلك؟ قال: نعم. قال: قد خصمتك ورب الكعبة، أليس اليهود عبدوا عزيرا؟ والنصارى عيسى؟ وبنو مُدْلِج الملائكة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل عبدوا الشياطين التى أمرتهم بذلك، وإنك جاهل بلغة قومك فإن {ما} لغير العقلاء إلا بقرينة، تفسير : وهذا دليل على أن ما تعبدون مراد به غير العقلاء، وأيضًا الخطاب لكم، وأنتم تعبدون الأصنام، وأن المراد هذه الأصنام الحاضرة ويقاس عليها غيرها قياسًا. ونزل: {إن الذين سبقت لهم} الخ، وهم عيسى وعزير وغيرهما ممن لم يُعبد، وأما الملائكة فيفهم إبعادهم عنها بـ لأَولى. قيل: يجوز أن يراد العقلاء فيكون الجواب، بأن الذين سبقت الخ دليل على ذلك، وعلى إخراج بعض العقلاء المعبودين. وقد روى أن ابن الزِّبَعْرَى قال: هذا خاص بآلهتنا أو بكل من عُبِد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لكل مَن عُبِد فالجواب متأخر عن الخطاب بما، للتجوز فى لفظ {ما} أو للتخصيص، وسـتأتى القصة - إن شاء الله. وروى أنه أجاب بالآية بعد ذلك. فقال له: هل لا إذ سألناك قلت، ولكن تفكرت إذ خلوت. قال ابن حجر: الزبعرى بكسر الزاى وفتح الباء وسكون العين المهملة: معناه السيئ الخلق، أو كثير شعر الوجه. قال: إن عبد الله بن الزِّبْعَرَى هو ابن الزبعرى بن قيس بن عدى بن سعيد بالتصغير ابن سهم من أعيان قريش فى الجاهلية، ومن فحول الشعراء، وكان يهاجى المسلمين. أسلم عام الفتح، وحَسُن إسلامه، وله أشعار يعتذر فيها مما سبق منه، فهو لم يعمه الخطاب، وإنما يُقرَنون بآلهتهم فى جهنم، لزيادة غم، حيث أصابهم ما أصابهم بها، والنظر فى وجه العدو باب من العذاب، ولأنهم قد رأوا أن يشفعوا، فإذا رأوهم بتلك الحالة كانوا أبغض شئ إليهم. {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} داخلوها {لَوْ كَانَ هَؤلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} بتخفيف همزة آلهة وإخفائها. {وَكُلٌّ} من العابدين والمعبودين. {فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} أصوات توجُّع أو تنفُّس، بعد امتلاء القِدر. وقيل: الزفير منها جزاء لهم. وقيل: المراد أنها ترفعهم، حتى إذا كانوا بأَعلاها، ضُرِبوا بمقامع الحديد فيهوون سبعين خريفا. وروى أنهم يَدعون مالكا فيذرهم مقدار أربعين عامًا فيجيبهم: {أية : إنكم ماكثون}تفسير : ويدعون الله، ويذرهم مقدار الدنيا مرتين. فيقول: {أية : اخسئوا فيها}. تفسير : وإن قلت: الزفير إنما يكون من العابدين والمعبودين العقلاء، لا من الأصنام. قلت: أثبت الزفير للكل، لأنهم معهم وحكماً على المجموع وتغليباً واللَّبس مأمون، أو الضمير لمن يكون قابلا للزفير فقط، أو ما يعبدون العقلاء فقط. وكذا الكلام فى نفى السمع فى قوله: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} لشدة غليانها، أو يصمهم الله كما يعميهم. وعن ابن مسعود: يجلسون فى توابيت من نار فلا يسمعون ولا يرون شيئًا. وروى أن تلك التوابيت تجعل فى توابيت أخرى، وتجعل هذه فى أخرى ومسامير الكل من النار، ولا يرى أن أحداً يعذب فى النار سواه. وزعم قومنا أن عدم السمع والجعل فى التابوت مختص بالمشرك. وقيل: المراد لا يسمعون ما يسوؤهم. وزعم بعض أن تلك ثلاث آيات متصلات نسختهن ثلاث متصلات: {إن الذين سبقت} الخ.

اطفيش

تفسير : {إنَّكُم وما تعْبدونَ من دُونِ الله حَصَبُ جهنَّم} ما لغير العاقل أصلاة ووضعاً، ولا تستعمل فى غيره أو فى العموم، إلا لدليل، فلا تدخل الملائكة إذ عبدتها بنو المليح بالصغير بطن من خزاعة، ولا عيسى إذ عبده النصارى، ولا عزير إذ عبده اليهود، والنبى صلى الله عليه وسلم ذكر الآية لابن الزبعرى حين احتج بهؤلاء على معنى أنها لم تشملهم، ثم إنه شهر حتى لا يخفى عن نحو ابن الزبعرى أن الملائكة وعيسى، ويلتحق بهم عزير يكرهون أن يعبدوا، فكيف يعذبون بما فعل غيرهم بلا رضاً منهم. دخل صلى الله عليه وسلم المسجد، وصناديد قريش فى الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فعرض له النضر بن الحارث فأفحمه صلى الله عليه وسلم وتلا: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" الآيات الثلاث، فأخبر الوليد بن المغيرة عبد الله بن الزبعرى بذلك، فقال ابن الزبعرى: ولو وجدت محمداً لخصمته، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أنت قلت: {إنكم وما تعبدون} الخ؟ قال: "حديث : نعم" تفسير : قال: عبدت النصارى المسيح، واليهود عزيراً، وبنو مليح الملائكة، فقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : عبدوا الشيطان" تفسير : فأنزل الله عز وجل: "أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى" تفسير : [الأنبياء: 101] أى عزيراً والملائكة وعيسى "أية : أولئك عنها مبعدون" تفسير : [الأنبياء: 101] ونزل فى ابن الزبعرى: {أية : ما ضربوه لك إلاَّ جدلاً بل هم قوم خَصِمون} تفسير : [الزخرف: 58]. وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال له: " حديث : ما أجهلك بلغة قومك إن الله تعالى قال: {وما تعبدون} ولم يقل: ومن تعبدون" تفسير : يعنى أن أن ما للأصنام لأنها لغير العقلاء، ولو أراد الملائكة وعزيراً وعيسى لقال: ومن تعبدون، وقوله صلى الله عليه وسلم: ما أجهلك بلغة قومك صحيح المعنى غير ثابت الرواية، وسمى الله الأصنام وعبادها حصباً، لأنهم يرمون لجهنم كما يرمى الحطب للنار، وأصله الحجارة الصغار، يرمى بها إنسان أو غيره كما قرأ جماعة: حطب جهنم بالطاء، وعن ابن عباس الحصب الحطب بالزنجية، وإنما يذكر فى القرآن من العجمة ما ذكره العرب منها أو ما ذكره الله عن أهلها. {أنتُم لَها واردونَ} مستأنف مؤكد لما قبله، واللام بمعنى على أو للاختصاص، أو لام تقوية على أن الورود متعد كقوله: ورودها ضعف وارد عن العمل، لكونه وصفاً لا فعلا، ولتقدم المعمول، فقوى بها والورود ها الدخل والخطاب للكفرة، أولهم ولما يعبدون تغليباً للعاقل، وفى ورودها معهم زيادة غم، إذ علموا أنها معهم، ولا شأن لها كيف عبدناها حالها هذا، وقد أضعنا عبادتها إذ لم تشفع لنا وعذبنا بها.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} خطاب لكفار مكة وتصريح بمآل أمرهم مع كونه معلوماً مما سبق على وجه الإجمال مبالغة في الإنذار وإزاحة الأعذار، فما عبارة عن أصنامهم، والتعبير عنها بما على بابه لأنها على المشهور لما لا يعقل فلا يرد أن عيسى وعزيراً والملائكة عليهم الصلاة والسلام / عبدوا من دون الله تعالى مع أن الحكم لا يشملهم، وشاع أن عبد الله بن الزبعرى القرشي اعترض بذلك قبل إسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: يا غلام ما أجهلك بلغة قومك لأني قلت {وَمَا تَعْبُدُونَ} وما لما لم يعقل ولم أقل ومن تعبدون. وتعقبه ابن حجر في «تخريج أحاديث الكشاف» بأنه أشهر على ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم وهو لا أصل له ولم يوجد في شيء من «كتب الحديث» مسنداً ولا غير مسند والوضع عليه ظاهر والعجب ممن نقله من المحدثين انتهى. ويشكل على ما قلنا ما أخرجه أبو داود في «ناسخه». وابن المنذر وابن مردويه والطبراني عن ابن عباس قال: لما نزل {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} الخ شق ذلك على أهل مكة وقالوا: أتشتم آلهتنا فقال ابن الزبعري: أنا أخصم لكم محمداً ادعوه لي فدعي عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله تعالى؟ قال: بل لكل من عبد من دون الله تعالى فقال ابن الزبعرى: خصمت ورب هذه البنية ـ يعني الكعبة ـ ألست تزعم يا محمد أن عيسى عبد صالح وأن عزيراً عبد صالح وأن الملائكة صالحون؟ قال: بلى قال: فهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيراً وهذه بنو مليح تعبد الملائكة فضج أهل مكة وفرحوا فنزلت: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 101] الخ { أية : وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } تفسير : [الزخرف: 57] الخ، وجاء في روايات أخر ما يعضده فإن ظاهر ذلك أن (ما) هنا شامل للعقلاء وغيرهم. وأجيب بأن الشمول للعقلاء الذي ادعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بطريق دلالة النص بجامع الشركة في المعبودية من دون الله تعالى فلما أشار صلى الله عليه وسلم إلى عموم الآية بطريق الدلالة اعترض ابن الزبعرى بما اعترض وتوهم أنه قد بلغ الغرض فتولى الله تعالى الجواب بنفسه بقوله عز وجل: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأنبياء:101] الآية، وحاصله تخصيص العموم المفهوم من دلالة النص بما سوى الصلحاء الذين سبقت لهم الحسنى فيبقى الشياطين الذين عبدوا من دون الله سبحانه داخلين في الحكم بحكم دلالة النص فيفيد النص بعد هذا التخصيص عبارة ودلالة حكم الأصنام والشياطين ويندفع الاعتراض. وقال بعضهم: إن {مَا} تعم العقلاء وغيرهم وهو مذهب جمهور أئمة اللغة كما قال العلامة الثاني في «التلويح»، ودليل ذلك النص والإطلاق والمعنى. أما النص فقوله تعالى: { أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } تفسير : [الليل: 3] وقوله سبحانه: { أية : وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 5] وقوله سبحانه: { أية : وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } تفسير : [الكافرون: 3] وأما الإطلاق فمن وجهين، الأول: أن {مَا} قد تطلق بمعنى الذي باتفاق أهل اللغة والذي يصح إطلاقه على من يعقل بدليل قولهم الذي جاء زيد فما كذلك، الثاني: أنه يصح أن يقال ما في داري من العبيد أحرار، وأما المعنى فمن وجهين أيضاً، الأول أن مشركي قريش كما جاء من عدة طرق عن ابن عباس لما سمعوا هذه الآية اعترضوا بعيسى وعزير والملائكة عليهم السلام، وهم من فصحاء العرب فلو لم يفهموا العموم لما اعترضوا، الثاني: أن {مَا} لو كانت مختصة بغير العالم لما احتيج إلى قوله تعالى: {مِن دُونِ ٱللَّهِ} وحيث كانت بعمومها متناولة له عز وجل احتيج إلى التقييد بقوله سبحانه: {مِن دُونِ ٱللَّهِ} وحينئذٍ تكون الآية شاملة عبادة لأولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام ويكون الجواب الذي تولاه الله تعالى بنفسه جواباً بالتخصيص، وفي ذلك حجة للشافعي في قوله بجواز تخصيص العام بكلام مستقل متراخ خلافاً للحنفية. وأجيب بأن ما ذكر من النصوص والإطلاقات فغايته جواز إطلاق {مَا} على من يعلم ولا يلزم من ذلك / أن تكون ظاهرة فيه أو فيما يعمه بل هي ظاهرة في غير العالم لا سيما هنا لأن الخطاب مع عبدة الأصنام وإذا كانت ظاهرة فيما لا يعقل وجب تنزيلها عليه، وما ذكر من الوجه الأول في المعنى فليس بنص في أن المعترضين إنما اعترضوا لفهمهم العموم من {مَا} وضعاً لجواز أن يكون ذلك لفهمهم إياه من دلالة النص كما مر، وما ذكر من الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله تعالى: {مِن دُونِ ٱللَّهِ} فإنما يصح أن لو لم تكن فيه فائدة، وفائدته مع التأكيد تقبيح ما كانوا عليه، وإن سلمنا أن {مَا} حقيقة فيمن يعقل فلا نسلم أن بيان التخصيص لم يكن مقارناً للآية فإن دليل العقل صالح للتخصيص خلافاً لطائفة شاذة من المتكلمين، والعقل قد دل على امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره اللهم إلا أن يكون راضياً بجرم ذلك الغير، وأحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا المسيح وعزير والملائكة عليهم السلام بعبادة من عبدهم وما مثل هذا الدليل العقلي فلا نسلم عدم مقارنته للآية، وأما قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 101] الآية فإنما ورد تأكيداً بضم الدليل الشرعي إلى الدليل العقلي مع الاستغناء عن أصله أما أن يكون هو المستقل بالبيان فلا، وعدم تعرضه صلى الله عليه وسلم للدليل العقلي لم يكن لأنه لم يكن بل لأنه عليه الصلاة والسلام لما رآهم لم يلتفتوا إليه وأعرضوا عنه فاعترضوا بما اعترضوا مع ظهوره انتظر ما يقويه من الدليل السمعي أو لأن الوحي سبقه عليه الصلاة والسلام فنزلت الآية قبل أن ينبههم على ذلك. وقيل: إنهم تعنتوا بنوع من المجاز فنزل ما يدفعه، وقيل: إن هذا خبر لا تكليف فيه والاختلاف في جواز تأخير البيان مخصوص بما فيه تكليف، وفيه نظر، وقال العلامة ابن الكمال: لا خلاف بيننا وبين الشافعي في قصر العام على بعض ما يتناوله بكلام مستقل متراخ إنما الخلاف في أنه تخصيص حتى يصير العام به ظنياً في الباقي أو نسخ حتى يبقى على ما كان فلا وجه للاحتجاج بقوله تعالى: {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} لأن الثابت به على تقدير التمام قصر العام بالمتراخي والخلاف فيما وراءه والدليل قاصر عن بيانه ولا للجواب بأن {مَا تَعْبُدُونَ} لا يتناول عيسى وعزيراً والملائكة عليهم السلام لا لأن {مَا} لغير العقلاء لما أنه على خلاف ما عليه الجمهور بل لأنهم ما عبدوا حقيقة على ما أفصح عنه صلى الله عليه وسلم حين قال ابن الزبعرى: أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة بقوله صلى الله عليه وسلم: بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ } تفسير : [الأنبياء:101] الآية، لدفع ذهاب الوهم إلى التناول لهم نظراً إلى الظاهر. وجوابه صلى الله عليه وسلم بذلك مما رواه ابن مردويه والواحدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفيه فأنزل الله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ } تفسير : [الأنبياء:101] الآية، وعلى وفق هذا ورد جواب الملائكة عليهم السلام في قوله تعالى: { أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } تفسير : [سبأ: 40-41] والجمع بين هذه الرواية والرواية السابقة أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر لابن الزبعرى أن الآية عامة لكل من عبد من دون الله تعالى بطريق دلالة النص وقال ابن الزبعرى: أليس اليهود الخ ذكر عدم تناولها المذكورين عليهم السلام من حيث أنهم لم يشاركوا الأصنام في المعبودية من دون الله تعالى لعدم أمرهم ولا رضاهم بما كان الكفرة يفعلون، ولعل فيه رمزاً خفياً إلى الدليل العقلي على عدم مؤاخذتهم ثم نزلت الآية تأكيداً لعدم التناول، لكن لا يخفى أن هذه الرواية إن صحت تقتضي أن لا تكون الأصنام معبودة أيضاً لأنها لم تأمرهم بالعبادة فلا تكون {مَا} مطلقة عليها بل على الشياطين بناءً على أنها هي الآمرة الراضية بذلك فهي معبوداتهم، ولذا قال إبراهيم عليه السلام: { أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ } تفسير : [مريم: 44] مع أنه كان يعبد الأصنام ظاهراً. / ووجه إطلاقها عليها بناءً على أنها ليست لذوي العقول أنها أجريت مجرى الجمادات لكفرها، وفي قوله صلى الله عليه وسلم التي أمرتهم دون الذين أمروهم إشارة إلى ذلك، ثم في عدم تناول الآية الأصنام هنا من البعد ما فيه فلعل هذه الرواية لم تثبت، ولمولانا أبـي السعود كلام مبناه خبر أنه صلى الله عليه وسلم رد على ابن الزبعرى بقوله ما أجهلك بلغة قومك الخ، وقد علمت ما قاله الحافظ ابن حجر فيه وهو وأمثاله المعول عليهم في أمثال ذلك فلا ينبغي الاغترار بذكره في «إحكام الآمدي» و«شرح المواقف» و«فصول البدائع» للفناري وغير ذلك مما لا يحصى كثرة فماء ولا كصدَّاء ومرعى ولا كالسعدان. وأورد على القول بأن العموم بدلالة النص والتخصيص بما نزل بعد حديث الخلاف في التخصيص بالمستقل المتراخي ويعلم الجواب عنه مما تقدم، وقيل هنا زيادة على ذلك أن ذلك ليس من تخصيص العام المختلف فيه لأن العام هناك هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعداً مطلقاً معاً وهو ظاهر فيما فيه الدلالة عبارة والعموم هنا إنما فهم من دلالة النص، ولا يخفى أن الأمر المانع من التأخير ظاهر في عدم الفرق فتدبر فالمقام حري به. والحصب ما يرمى به وتهيج به النار من حصبه إذا رماه بالحصباء وهي صغار الحجارة فهو خاص وضعاً عام استعمالاً. وعن ابن عباس أنه الحطب بالزنجية. وقرأ علي وأبـي وعائشة وابن الزبير وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم {حطب} بالطاء. وقرأ ابن أبـي السميقع وابن أبـي عبلة ومحبوب وأبو حاتم عن ابن كثير {حَصَبُ} بإسكان الصاد، ورويت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو مصدر وصف به للمبالغة، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ {حضب} بالضاد المعجمة المفتوحة، وجاء عنه أيضاً إسكانها وبه قرأ كثير عزة، ومعنى الكل واحد وهو معنى الحصب بالصاد. {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} استئناف نحوي مؤكد لما قبله أو بدل من {حَصَبُ جَهَنَّمَ} وتبدل الجملة من المفرد ولا يضر كونه في حكم النتيجة، وجوز أبو البقاء كون الجملة حالاً من {جَهَنَّمَ} وهو كما ترى، واللام معوضة من على للدلالة على الاختصاص وأن ورودهم لأجلها، وهذا مبني على أن الأصل تعدي الورود إلى ذلك بعلى كما أشار إليه في «القاموس» بتفسيره بالإشراف على الماء وهو في الاستعمال كثير وإلا فقد قيل إنه متعد بنفسه كما في قوله تعالى: { أية : وَرَدُوها } تفسير : [الأنبياء: 99] فاللام للتقوية لكون المعمول مقدماً والعامل فرعي، وقيل إن اللام بمعنى إلى كما في قوله تعالى: { أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } تفسير : [الزلزلة: 5] وليس بذلك. والظاهر أن الورود هنا ورود دخول والخطاب للكفرة وما يعبدون تغليباً.

ابن عاشور

تفسير : جملة {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} جواب عن قولهم {أية : يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا}تفسير : [الأنبياء: 97] إلى آخره. فهي مقول قول محذوف على طريقة المحاورات. فالتقدير: يقال لهم: إنكم وما تعبدون من دون الله حَصَب جهنّم. وهو ارتقاء في ثبورهم فهم قالوا: {أية : يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا}تفسير : [الأنبياء: 97] فأخبروا بأن آلهتهم وهم أعزّ عليهم من أنفسهم وأبعد في أنظارهم عن أن يلحقهم سوء صائرون إلى مصيرهم من الخزي والهوان، ولذلك أكد الخبر بحرف التأكيد لأنهم كانوا بحيث ينكرون ذلك. و (ما) موصولة وأكثر استعمالها فيما يكون فيه صاحب الصلة غير عاقل. وأطلقت هنا على معبوداتهم من الأصنام والجنّ والشياطين تغليباً، على أن (ما) تستعمل فيما هو أعمّ من العاقل وغيره استعمالاً كثيراً في كلام العرب. وكانت أصنامهم ومعبوداتهم حاضرة في ذلك المشهد كما دلّت عليه الإشارة {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها}. والحصَب: اسم بمعنى المحصوب به، أي المرمي به. ومنه سُميت الحصباء لأنها حجارة يرمى بها، أي يُرمَوْن في جهنم، كما قال تعالى: {أية : وقودها الناس والحجارة}تفسير : [البقرة: 24] أي الكفار وأصنامهم. وجملة {أنتم لها واردون} بيان لجملة {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}. والمقصود منه: تقريب الحصْب بهم في جهنم لِما يدلّ عليه قوله {واردون}من الاتصاف بورود النار في الحال كما هو شأن الخبر باسم الفاعل فإنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال. وقد زيد في نكايتهم بإظهار خطئهم في عبادتهم تلك الأصنام بأن أشهدوا إيرادها النار وقيل لهم: {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها}. وذُيل ذلك بقوله تعالى: {وكل فيها خالدون} أي هم وأصنامهم. والزفير: النفَس يخرج من أقصى الرئتين لضغط الهواء من التأثر بالغمّ. وهو هنا من أحوال المشركين دون الأصنام. وقرينة معاد الضمائر واضحة. وعطف جملة {وهم فيها لا يسمعون} اقتضاه قوله {لهم فيها زفير} لأن شأن الزفير أن يُسمع فأخبر الله بأنهم من شدة العذاب يفقِدون السمع بهذه المناسبة. فالآية واضحة السياق في المقصود منها غنية عن التلفيق. وقد روى ابن إسحاق في «سيرته» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد الحرام فجاء النَضْر بن الحارث فجلس معهم في مجلس من رجال قريش، فتَلا رسول الله عليهم: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} ثم قام رسول الله وأقبل عبد الله بن الزِبَعْرَى السهمي قبل أن يُسلم فحدثه الوليد بن المغيرة بما جرى في ذلك المجلس فقال عبدالله بن الزِبعْرى: أما والله لو وجدتُه لخصمته، فاسألوا محمداً أكلُّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع مَن عبدوهم؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهودُ تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى ابن مريم. فحُكِي ذلك لرسول الله، فقال رسول الله: إن كلّ من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبَده، إنهم إنما يعبدون الشيطانَ الذي أمرهم بعبادتهم، فأنزل الله: {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون}تفسير : [الأنبياء: 101] اهــــ. وقريب من هذا في «أسباب النزول» للواحدي، وفي «الكشاف» مع زيادات أن ابن الزبعرى لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر هذا وزاد فقال: خُصِمْتَ وربّ هذه البَنِيّة ألستَ تزعم أن الملائكة عباد مكرمَون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عزيرا عبد صالح، وهذه بنو مُلَيْح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى يعبدون المسيح، وهذه اليهود يعبدون عزيراً، فضجّ أهل مكة (أي فرَحاً) وقالوا: إن محمداً قد خُصم. ورويت القصة في بعض كتب العربية وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابن الزِبَعْرى:مَا أجهلك بلغة قومك إني قلت {وما تعبدون}، و(ما) لمَا لا يعقل ولم أقل «ومَن تعبدون». وإن الآية حكت ما يجري يوم الحشر وليس سياقها إنذاراً للمشركين حتى يكون قوله {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى}تفسير : [الأنبياء: 101] تخصيصاً لها، أو تكون القصة سبباً لنزوله.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 98- ويقال لهؤلاء الكفار: إنكم والآلهة التى عبدتموها من غير الله وقود نار جهنم، أنتم داخلون فيها معذَّبون بها. 99- لو كان هؤلاء - الذين عبدتموهم من دون الله - آلهة تستحق أن تُعْبد ما دخلوها معكم، وكل من العابدين والمعبودين باقون فى النار. 100- لهم فيها نفَسٌ يخرج من الصدور بصوت مخنوق، لما يلاقونه من الضيق، وهم فيها لا يسمعون شيئاً يسرهم. 101- إن الذين وفَّقناهم لاتباع الحق وعمل الخير، ووعدناهم بالعاقبة الحسنة، أولئك من جهنم وعذابها مبعدون. 102- لا يسمعون صوت فَوَران نارها، وهم فيما تشتهيه أنفسهم خالدون. 103- لا يحزنهم الهول الأكبر الذى يفزع منه الكفار، وتستقبلهم الملائكة بالتهنئة، يقولون: هذا يومكم الذى وعدكم ربكم النعيم فيه. 104- يوم نطوى السماء كما تُطْوى الورقة فى الكتاب، ونُعيد الخلق إلى الحساب والجزاء، لا تعجزنا إعادتهم، فقد بدأنا خلقهم، وكما بدأناهم نعيدهم، وَعَدْنا بذلك وعْداً حقاً، إنا كنا فاعلين دائماً ما نَعِدُ به. 105- ولقد كتبنا فى الزبور - وهو كتاب داود - من بعد التوراة أن الأرض يرثها عبادى الصالحون لعمارتها، وتيسير أسباب الحياة الطيبة فيها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما تعبدون من دون الله: أي من الأوثان والأصنام. حصب جهنم: أي ما توقد به جهنم. لو كان هؤلاء آلهة: أي الأوثان التي يعبدها المشركون من قريش. ما وردوها: أي لحالوا بين عابديهم ودخول النار لأنهم آلهة قادرون على ذلك ولكنهم ليسوا آلهة حق فلذا لا يمنعون عابديهم من دخول النار. وكل فيها خالدون: أي العابدون من الناس والمعبودون من الشياطين والأوثان. لهم فيها زفير: أي لأهل النار فيها أنين وتنفس شديد وهو الزفير. سبقت لهم منا الحسنى: أي كتب الله تعالى أزلاً أنهم أهل الجنة. حسيسها: أي حِسّ صوتها. لا يحزنهم الفزع الأكبر: أي عند النفخة الثانية نفخة البعث فإنهم يقومون من قبورهم آمنين غير خائفين. كطي السجل للكتب: أي يطوي الجبار سبحانه وتعالى السماء طيّ الورقة لتدخل في الظرف. كما بدأنا أول خلق نعيده: أي يعيد الله الخلائق كما بدأهم أول مرة فيبعث الناس من قبورهم حفاة عراة غرلا، كما ولدوا لم ينقص منهم شيء. معنى الآيات: يقول تعالى للمشركين الذين بدأت السورة الكريمة بالحديث عنهم، وهم مشركوا قريش يقول لهم مُوعداً: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من أصنام وأوثان {حَصَبُ جَهَنَّمَ} أي ستكونون أنتم وما تعبدون من أصنام وقوداً لجهنم التي أنتم واردوها لا محالة، وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً} لو كان هؤلاء التماثيل من الأحجار التي يعبدها المشركون لو كانوا آلهة حقاً ما ورد النار عابدوها لأنهم يخلصونهم منها ولما ورد النارالمشركون ودخلوها دل ذلك على أن آلهتهم كانت آلهة باطلة لا تستحق العبادة بحال. وقوله تعالى: {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} أي المعبودات الباطلة وعابدوها الكل في جهنم خالدون. وقوله:{لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} يخبر تعالى أن للمشركين في النار زفيراً وهو الأنين الشديد من شدة العذاب وأنهم فيها لا يسمعون لكثرة الأنين وشدة الأصوات وفظاعة ألوان العذاب وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} نزلت هذه الآية رداً على ابن الزِّبَعْرَى عندما قال إن كان ما يقوله محمد حقاً بأننا وآلهتنا في جهنم فإن الملائكة معنا في جهنم لأننا نعبدهم، وأن عيسى والعزيز في جهنم لأن اليهود عبدوا العزيز والنصارى عبدوا المسيح، فأخبر تعالى أن من عبد بغير رضاه بذلك وكانا يعبدنا ويتقرب إلينا بالطاعات فهو ممن سبقت لهم منا الحسنى بأنهم من أهل الجنة هؤلاء عنها أي عن جهنم مبعدون {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} أي حس صوتها وهم في الجنة ولهم فيها ما يشتهون خالدون، لا يحزنهم الفزع الأكبر عند قيامهم من قبورهم بل هم آمنون {وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} عند القيام من قبورهم بالتحية والتهنئة قائلة لهم: {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} وقوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} أي يتم لهم ذلك يوم يطوي الجبار جل جلاله السماء بيمينه {كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ} أي الصحيفة للكتب. وذلك يوم القيامة حيث تبدل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات. وقوله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} أي يعيد الإِنسان كما بدأ خلقه فيخرج الناس من قبورهم حفاة عراة غرلا. وقوله: {وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} أي وعدنا بإعادة الخلق بعد فنائهم وبلاهم وعداً، إنا كنا فاعلين فأنجزنا ما وعدنا، وإنا على ذلك لقادرون. هداية الآيات من هداية الآيات 1- تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء. 2- من عبد من دون الله بأمره أو برضاه سيكون ومن عَبَده وقوداً لجهنم ومن لم يأمر ولم يرض فلا يدخل النار مع من عبده بل العابد له وحده في النار. 3- بيان عظمة الله وقدرته إذ يطوي السماء بيمينه، والأرض في قبضته يوم القيامة. 4- بعث الناس حفاة عراة غرلا لم ينزع منهم شيء ولا غلفة الذكر إنجاز الله وعده في قوله: {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}تفسير : [الأعراف: 29] فسبحان الواحد القهار العزيز الجبار.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَارِدُونَ} (98) - وَيُخَاطِبُ الله تَعَالَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَائِلاً لَهُمْ: إِنَّهُمْ وَالأَصْنَامَ التي يَعْبِدُونَهَا سَيَكُونُونَ جَمِيعاً وَقُوداً لِنَارِ جَهَنَّمَ، وَسَيَدْخُلُونَهَا يُقْذَفُونَ فِيها قَذْفاً كَمَا تُقْذَفُ النَّوَاةُ والحَصَاةُ. (وَقُرِيءَ أيضاً (حَطَبُ جَهَنَّمَ)، وَاللَّفْظَانٍِ مُتَقَارِبَان فِي المَعْنَى). حَصَبُ جَهَنَّمَ - حَطَبُها وَوَقُودُها، أو مَا يُلْقَى فِيهَا إِلْقَاءً لَهَا وَارِدُونَ - مُقدِمُون عَلَيْهَا، أَوْ دَاخِلُونَ فِيهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالذين اتخذتموهم آلهة من دون الله من الأصنام والأوثان والشمس والقمر والأشجار سيسبقونكم إلى جهنم لنقطع عليكم أيَّ أمل في النجاة؛ لأنهم حين يروْنَ العذاب ربما تذكّروا هؤلاء، وفكَّروا في اللجوء إليهم والاستنجاد بهم، لعلّهم يُخرِجِونهم من هذا المأزق، وقد سبق أنْ قالوا عنهم: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [يونس: 18]. وقالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..} تفسير : [الزمر: 3]. لذلك، يجمعهم الله جميعاً في جهنم ليقطع عنهم الآمال، ويبدو خجل المعبود وخيبة العابد؛ لأنه جاء النارَ فوجد معبوده قد سبقه إليها .. لكن، هل هذا الكلام على إطلاقه فقد عبد الكفارُ الأصنامَ، ومنهم مَنْ عبدوا عيسى عليه السلام، ومنهم مَنْ عبدوا عُزَيْراً، ومنهم مَنْ عبدوا الملائكة، فهل سيُجمع هؤلاء أيضاً مع عابديهم في النار؟ لو قُلْنا بهذا الرأي فدخولهم النار مثلما دخلها إبراهيم، فجمع الله له النار والسلامة في وقت واحد، ويكون وجودهم لمجرد أنْ يراهم عابدوهم، ويعلموا أنهم لا ينفعونهم. ومعنى {حَصَبُ جَهَنَّمَ ..} [الأنبياء: 98] الحصب مثل: الحطب، وهو كل ما تُوقَد به النار أياً كان خشباً أو قَشاً أو بترولاً أو كهرباء، وفي آية أخرى: {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ..} تفسير : [التحريم: 6] لذلك فإن النار نفسها تشتاق للكفار، وتنتظرهم، وتتلهّف عليهم كما يقول تعالى: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]. وقوله تعالى: {أية : إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ ..}تفسير : [الملك: 7-8]. وقوله تعالى: {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] الورود هنا بمعنى: الدخول والمباشرة، لا كالورود في الآية الأخرى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ..} تفسير : [مريم: 71]. ثم يقول الحق سبحانه: {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الآية: 98]. يقول: حطب جهنم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا قيس بن الربيع عن محمد بن الحكم قال: أَخبرني من سمع علي بن أَبي طالب، عليه السلام، يقرؤها: {حَطَبُ جَهَنَّمَ} بالطاءِ [الآية: 98]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا المسعودي عن يونس بن خباب، عن ابن مسعود قال: إِذا بقي في النار من يخلد فيها، جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من نار ثم قذفوا / 46ظ / في أَسفل الجحيم فيرون أَنه لا يعذب في النار أَحد غيرهم. ثم تلا ابن مسعود: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} [الآية: 100]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا أَبو عبيدة، عبد الوارث، عن حميد الطويل عن الحسن: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} [الآية: 101] قال: الحسنى الجنة، سبقت من الله، عز وجل، لكل مؤمن. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} [الآية: 101] قال: الحسنى عن عيسى وعزير والملائكة. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلسِّجِلِّ} [الآية: 104]. الصحيفة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الآية: 104]. يقول: حفاة عراة غلفا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: (الذِّكْرِ): أُم الكتاب عند الله. (وَالأَرْضَ): أَرض الجنة {يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} [الآية: 105]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا المسعودي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الآية: 107]. قال: من آمن بالله ورسوله تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة. ومن لم يؤمن بالله ورسوله، عوفي مما كان يصيب الأُمم في عاجل الدنيا، من العذاب من الخسف والقذف، فذلك الرحمة في الدنيا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {حَصَبُ جَهَنَّمَ} معناه الحَطبُ بِلسانِ الزّنجيةِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: إنكم أيها العابدون مع الله آلهة غيره { حَصَبُ جَهَنَّمَ } أي: وقودها وحطبها { أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } وأصنامكم. والحكمة في دخول الأصنام النار، وهي جماد، لا تعقل، وليس عليها ذنب، بيان كذب من اتخذها آلهة، وليزداد عذابهم، فلهذا قال: { لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا } وهذا كقوله تعالى: {أية : لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ } تفسير : وكل من العابدين والمعبودين فيها، خالدون، لا يخرجون منها، ولا ينتقلون عنها. { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } من شدة العذاب { وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ } صم بكم عمي، أولا يسمعون من الأصوات غير صوتها، لشدة غليانها، واشتداد زفيرها وتغيظها. ودخول آلهة المشركين النار، إنما هو الأصنام، أو من عبد، وهو راض بعبادته. وأما المسيح، وعزير، والملائكة ونحوهم، ممن عبد من الأولياء، فإنهم لا يعذبون فيها، ويدخلون في قوله: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى } أي: سبقت لهم سابقة السعادة في علم الله، وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة. { أُولَئِكَ عَنْهَا } أي: عن النار { مُبْعَدُونَ } فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبا منها، بل يبعدون عنها، غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها. { وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ } من المآكل، والمشارب، والمناكح والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مستمر لهم ذلك، يزداد حسنه على الأحقاب. { لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ } أي: لا يقلقهم إذا فزع الناس أكبر فزع، وذلك يوم القيامة، حين تقرب النار، تتغيظ على الكافرين والعاصين فيفزع الناس لذلك الأمر وهؤلاء لا يحزنهم، لعلمهم بما يقدمون عليه وأن الله قد أمنهم مما يخافون. { وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ } إذا بعثوا من قبورهم، وأتوا على النجائب وفدا، لنشورهم، مهنئين لهم قائلين: { هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } فليهنكم ما وعدكم الله، وليعظم استبشاركم، بما أمامكم من الكرامة، وليكثر فرحكم وسروركم، بما أمنكم الله من المخاوف والمكاره.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 654 : 28 : 8 - سفين عن عبد الملك بن الأبجر عن عكرمة في قوله {حَصَبُ جَهَنَّمَ} قال، حطب جهنم. [الآية 98].

همام الصنعاني

تفسير : 1890- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {حَصَبُ جَهَنَّمَ}: الآية: 98]، قال: حَطَبُ جهنم يذقفون فيها.