٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
97
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} وهو القيامة. {فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جواب الشرط و «إذا» للمفاجأة تسد مسد الفاء الجزائية كقوله تعالى: {أية : إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ }تفسير : [الروم: 36] فإذا جاءت الفاء معها تظاهرتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، والضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار. {يَا وَيْلَنَا} مقدر بالقول واقع موقع الحال من الموصول. {قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا } لم نعلم أنه حق. {بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } لأنفسنا بالإِخلال بالنظر وعدم الاعتداد بالنذر. {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } يحتمل الأوثان وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام لما تلا الآية على المشركين قال له ابن الزبعري: قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك»تفسير : فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [الأنبياء: 101] الآية. وعلى هذا يعم الخطاب ويكون {مَا} مؤولاً بـ {مِنْ} أو بما يعمه، ويدل عليه ما روي أن ابن الزبعري قال: هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : بل لكل من عبد من دون الله»تفسير : ويكون قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ} بياناً للتجوز أو للتخصيص فأخر عن الخطاب. {حَصَبُ جَهَنَّمَ } ما يرمي به إليها وتهيج به من حصبه يحصبه إذا رماه بالحصباء وقرىء بسكون الصاد وصفاً بالمصدر. {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } استئناف أو بدل من {حَصَبُ جهنم} واللام معوضة من على للاختصاص والدلالة على أن ورودهم لأجلها. {لَوْ كَانَ هَـؤُلاءِ ءََالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} لأن المؤاخذ بالعذاب لا يكون إلهاً. {وَكُلٌّ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} لا خلاص لهم عنها. {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } أنين وتنفس شديد وهو من إضافة فعل البعض إلى الكل للتغلب إن أريد {مَا تَعْبُدُونَ} الأصنام. {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} من الهول وشدة العذاب. وقيل {لاَ يَسْمَعُونَ} ما يسرهم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} أي الخصلة الحسنى وهي السعادة أو التوفيق بالطاعة أو البشرى بالجنة. {أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين. روي أن علياً كرم الله وجهه خطب وقرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح، ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه ويقول: {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} وهو بدل من {مُبْعَدُونَ} أو حال من ضميره سيق للمبالغة في إبعادهم عنها، والحسيس صوت يحس به. {وَهُمْ فِيمَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ} دائمون في غاية التنعم وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به. {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} النفخة الأخيرة لقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [النمل: 87] أو الانصراف إلى النار أو حين يطبق على النار أو يذبح الموت. {وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ} تستقبلهم مهنئين لهم. {هَـٰذَا يَوْمُكُم} يوم ثوابكم وهو مقدر بالقول. {ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} في الدنيا. {يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاءَ} مقدر باذكر أو ظرف لـ {لاَ يَحْزُنُهُمُ}، أو {تتلقاهم} أو حال مقدرة من العائد المحذوف من {تُوعَدُونَ}، والمراد بالطي ضد النشر أو المحو من قولك اطو عني هذا الحديث، وذلك لأنها نشرت مظلة لبني آدم فإذا انتقلوا قوضت عنهم، وقرىء بالياء والبناء للمفعول. {كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكِتَابِ} طياً كطي الطومار لأجل الكتابة أو لما يكتب أو كتب فيه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص على الجمع أي للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه. وقيل {ٱلسّجِلّ} ملك يطوي كتب الأعمال إذا رفعت إليه أو كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرىء {ٱلسّجِلّ } كالدلو و {ٱلسّجِلّ } كالعتل وهما لغتان فيه. {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } أي نعيد ما خلقناه مبتدأ إعادة مثل بدئنا إياه في كونهما إيجاداً عن العدم، أو جمعاً بين الأجزاء المتبددة والمقصود بيان صحة الإِعادة بالقياس على الإِبداء لشمول الإِمكان الذاتي المصحح للمقدورية. وتناول القدرة القديمة لهما على السواء، و «ما» كافة أو مصدرية وأول مفعول لـ {بَدَأْنَا } أو لفعل يفسره {نُّعِيدُهُ } أو موصولة والكاف متعلقة بمحذوف يفسره {نُّعِيدُهُ } أي نعيد مثل الذي بدأنا وأول خلق ظرف لـ {بَدَأْنَا } أو حال من ضمير الموصول المحذوف. {وَعْداً } مقدر بفعله تأكيداً لـ {نُّعِيدُهُ } أو منتصب به لأنه عدة بالإِعادة. {عَلَيْنَا } أي علينا إنجازه. {إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ } ذلك لا محالة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ } أي يوم القيامة {فَإِذَا هِىَ } أي القصة {شَٰخِصَةٌ أَبْصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في ذلك اليوم لشدّته،يقولون {يَا} للتنبيه {وَيْلَنَا} هلاكنا { قَدْ كُنَّا } في الدنيا {فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا } اليوم {بَلْ كُنَّا ظَٰلِمِينَ } أنفسنا بتكذيبنا للرسل.
النسفي
تفسير : {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ } أي القيامة وجواب {إذا} {فَإِذَا هِىَ } وهي «إذا» المفاجأة وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله {أية : إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ }تفسير : [الروم: 36] فإذا جاءت الفاء معها تعاونتاً على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، ولو قيل فهي شاخصة أو إذا هي شاخصة كان سديداً وهي ضمير مبهم يوضحه الأبصار ويفسره {شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي مرتفعة الأجفان لا تكاد تطرف من هول ما هم فيه {يٰوَيْلَنَا } متعلق بمحذوف تقديره يقولون يا ويلنا و {يقولون} حال من {الذين كفروا} {قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا } اليوم {بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } بوضعنا العبادة في غير موضعها. {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } يعني الأصنام وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم {حَصَبُ } حطب وقرىء {حطب} {جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } فيها داخلون {لَوْ كَانَ هَـؤُلاء ءالِهَةً } كما زعمتم {مَّا وَرَدُوهَا } ما دخلوا النار {وَكُلٌّ } أي العابد والمعبود {فِيهَا } في النار {خَـٰلِدُونَ لَهُمْ } للكفار {فِيهَا زَفِيرٌ } أنين وبكاء وعويل. {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ } شيئاً ما لأنهم صاروا صماً وفي السماع نوع أنس فلم يعطوه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو التوفيق للطاعة فنزلت جواباً لقول ابن الزبعري عند تلاوته عليه السلام على صناديد قريش {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } إلى قوله {خالدون} أليس اليهود عبدوا عزيراً، والنصارى المسيح، وبنو مليح الملائكة على أن قوله {وما تعبدون} لا يتناولهم لأن «ما» لمن لا يعقل إلا أنهم أهل عناد فزيد في البيان {أُوْلَـٰئِكَ } يعني عزيراً والمسيح والملائكة {عَنْهَا } عن جهنم {مُبْعَدُونَ } لأنهم لم يرضوا بعبادتهم. وقيل: المراد بقوله {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} جميع المؤمنين لما روي أن عليًّا رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: «أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف» وقال الجنيد رحمه الله: سبقت لهم منا العناية في البداية فظهرت لهم الولاية في النهاية.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} يريد يومَ القيامة. وقوله: {فَإِذَا هِيَ}: مذهب سيبويه أنها ضمير القِصَّةِ، وجَوَّز الفرَّاء أن تكون ضمير الإبصار، تقدمت؛ لدَلالة الكلام، ومجيء ما يفسرها، والشخوص بالبصر إحداد النظر دون أن يطرف، وذلك يعترى من الخوف المُفْرِطِ ونحوه، وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ...} الآية: هذه الآية مُخَاطَبَةٌ لكُفَّارِ مَكَّةَ، أي: إنكم وأصنامكم حصب جهنم، والحصب: ما توقد به النَّار؛ إمَّا لأنها تحصب به، أي: تُرْمَى، وإمَّا أنْ يكون لغة في الحطب إذا رُمِيَ، وإمَّا قبل أنْ يرمى فلا يُسَمَّى حصباً إلاَّ بتجوز، وحرق الأصنام بالنار على جهة التوبيخ لعابديها، ومن حيث تقع «ما» لمن يعقل في بعض المواضع، اعترَضَ في هذه الآية عبدُ اللّه بنُ الزِّبعري على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ عِيسَى وعُزَيراً وَنَحْوَهُمَا قَدْ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللّهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا حَصَباً لجهنم؛ فنزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} الآية. والوردو في هذه الآية: ورودُ الدخولِ، والزفيرُ: صوت المُعَذِّبِ، وهو كنهيق الحمير وشبهه إلاَّ أَنه من الصدر.
ابو السعود
تفسير : {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} عطف على فُتحت والمرادُ به ما بعد النفخة الثانية من البعث والحسابِ والجزاء لا النفخةُ الأولى {فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جوابُ الشرط وإذا للمفاجأة تسدّ مسدّ الفاءِ الجزائية كما في قوله تعالى: {أية : إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } تفسير : [الروم: 36] فإذا دخلتها الفاء تظاهرت على وصل الجزاء بالشرط، والضميرُ للقصة أو مبهمٌ يفسره ما بعده {يٰوَيْلَنَا} على تقدير قول وقع حالاً من الموصول، أي يقولون: يا ويلنا تعالَ فهذا أوانُ حضورِك، وقيل: هو الجواب للشرط {قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ} تامة {مّنْ هَـٰذَا} الذي دهمنا من البعث والرجوع إليه تعالى للجزاء ولم نعلم أنه حقٌ {بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} إضرابٌ عما قبله من وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين عنه حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر بل كنا ظالمين بتلك الآيات والنذُرِ مكذّبـين بها، أو ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب. وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} خطابٌ لكفار مكةَ وتصريحٌ بمآل أمرهم مع كونه معلوماً مما سبق على وجه الإجمالِ مبالغة في الإنذار وإزاحةِ الاعتذار، وما تعبدون عبارةٌ عن أصنامهم لأنها التي يعبدونها كما يفصح عنه كلمة ما، وقد روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلا الآيةَ قال له ابن الزِّبَعْرَى: خصمتُك وربِّ الكعبة أليست اليهودُ عبدوا عُزيراً والنصارى المسيحَ وبنو مليحٍ الملائكةَ؟ ردّ عليه بقوله عليه السلام: «ما أجهلك بلغة قومك، أما فهمت أن ما لما لا يعقل؟»تفسير : ، ولا يعارضه ما روي أنه عليه السلام رده بقوله: « حديث : بل هم عبدوا الشياطينَ التي أمرتْهم بذلك »تفسير : ، ولا ما روي أن عبدَ اللَّه بن الزُّبعرى قال: هذا شيءٌ لآلهتنا خاصة أو لكل مَنْ عُبد من دون الله، فقال عليه السلام: « حديث : بل لكل من عُبد من دون الله تعالى » تفسير : إذ ليس شيءٌ منهما نصاً في عموم كلمة ما كما أن الأولَ نصٌّ في خصوصها، وشمولُ حكم النص لا يقتضي شمولَه بطريق العبارة بل يكفي في ذلك شمولُه لهم بطريق دِلالة النصِّ بجامع الشركةِ في المعبودية من دون الله تعالى، فلعله عليه السلام بعد ما بـين مدلولَ النظمِ الكريم بما ذكر، وعدمَ دخول المذكورين في حكمه بطريق العبارةِ بـيّن عدم دخولِهم فيه بطريق الدِلالة أيضاً تأكيداً للرد والإلزام وتكريراً للتبكيت والإفحام، لكن لا باعتبار كونهم معبودين لهم كما هو زعمُهم فإن إخراجَ بعضِ المعبودين عن حكم منبىءٍ عن الغضب على العبَدة والمعبودين مما يوهم الرخصةَ في عبادته في الجملة، بل بتحقيق الحقِّ وبـيانِ أنهم ليسوا من المعبودية في شيء حتى يُتوهم دخولُهم في الحكم المذكورِ دلالة بموجب شركتهم للأصنام في المعبودية من دون الله تعالى، وإنما معبودُهم الشياطينُ التي أمرتهم بعبادتهم كما نطق به قولُه تعالى: { أية : سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} تفسير : [الأنبياء: 101] الآية، فهم الداخلون في الحُكم المذكور لإشراكهم الأصنامَ في المعبودية من دونه تعالى دون المذكورين عليهم السلام وهذا هو الوجهُ في التوفيق بـين الأخبار المذكورة، وأما تعميمُ كلمةِ ما للعقلاء أيضاً وجعلُ ما سيأتي من قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 94] الخ، بـياناً للتجوز أو التخصيص فمما لا يساعده السباقُ والسياق كما يشهد به الذوقُ السليم، والحَصَبُ ما يُرمى به ويهيج به النار من حصَبه إذا رماه بالحصْباء، وقرىء بسكون الصاد وصفاً له بالمصدر للمبالغة {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} استئنافٌ أو بدلٌ من حصبُ جهنمَ واللامُ معوّضة من على للدِلالة على الاختصاص وأن ورودَهم لأجلها والخطابُ لهم ولما يعبدون تغليباً.
القشيري
تفسير : تأخذهم القيامةُ بغتةً، وتظهر أشراطُ الساعة فجأة، ويُقِرُّ الكاذبون بأنَّ الذنبَ عليهم، ولكن في وقتٍ لا تُقْبَلُ فيه مَعْذِرَتُهم، وأوانٍ لا ينفعهم فيه إيمانهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واقترب الوعد الحق} عطف على فتحت والمراد ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب والجزاء {فاذا هى شاخصة ابصار الذين كفروا} جواب الشرط واذا للمفاجأة والضمير للقصة وشاخصة خبر مقدم لابصار والجملة خبر ضمير القصة مفسرة له يقال شخص بصره فهو شاخص اذا فتح عينيه وجعل لا يطرف وبصره رفعه وشخص شخوصا ارتفع والمعنى بالفارسية [بس آنجا قصه آنست كه خيره وبازمانده است ازهول رستخيز ديدهاى كفار] وفى الآية دلالة على ان قيام الساعة لا يتأخر عن خروج يأجوج ومأجوج كما روى عن حذيفة رضى الله عنه انه قال لو ان رجلا اقتنى فلو ابعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة والفلو المهر اى ولد الفرس. فان قيل فتح السد واقتراب الوعد الحق يحصل فى آخر ايام الدنيا والجزاء وشخوص الابصار انما يحصل يوم القيامة والشرط والجزاء لا بد وان يكونا متقاربين. فالجواب ان التفاوت القليل يجرى مجرى العدم {يا ويلنا}[واى برما] وهو على تقدير قول وقع حالا من الموصول اى يقولون يا ويلنا تعال فهذا او ان حضورك {قد كنا فى غفلة} تامة فى الدنيا والغفلة سهو يعترى من قلة التحفظ والتيفظ {من هذا} اى من البعث والرجوع اليه للجزاء ولم نعلم انه حق {بل كنا ظالمين} اضراب عما قبله من وصف انفسهم بالغفلة اى لم نكن غافلين عنه حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر بل كنا ظالمين بتلك الآيات والنذر مكذبين بها او ظالمين لانفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب فليتفكر العاقل فى هذا البيان والتذكار فقد نبه الله وقطع الاعذار وفى الحديث "حديث : يقول الله يا معشر الجن والانس انى قد نصحت لكم فانما هى اعمالكم فى صحفكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه ". تفسير : وعن بعض الحكماء انه نظر الى اناس يترحمون على ميت خلف جنازته فقال لو تترحمون على انفسكم لكان خيرا لكم اما انه قد مات ونجا من ثلاثة اهوال اولها رؤية ملك الموت. والثانى مرارة الموت. والثالث خوف الخاتمة: قال الشيخ سعدى شعر : خبردارى اى استخوانى قفس كه جان تو مرغيست نامش نفس جومرغ ازقفس رفت بكسست قيد دكرره نكردد بسعى توصيد سر ازجيب غفلت بر آور كنون كه فردا نماند بخجلت نكون اكر مرد مسكين زنان داشتى بفرياد وزارى فغان داشتى كه اى زنده جون هست امكان كفت لب ازذكر جون مرده برهم مخفت جو مارا بغفلت بشد روزكار توبارى دمى جند فرصت شمار
الجنابذي
تفسير : {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} يعنى ساعة الاحتضار وظهور القائم عجّل الله فرجه والقيامة الصّغرى {فَإِذَا هِيَ} الاتيان بالفاء واذا المفاجاة لتأكيد لصوق الجزاء بالشّرط، والضّمير للقصّة او مبهم يفسّره الابصار {شَاخِصَةٌ} مبتدء مكتفٍ بالمرفوع عن الخبر او خبر مقدّم {أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لا الّذين آمنوا فانّهم عن الاهوال ذلك اليوم آمنون فانّ الكفّار لهول ذلك اليوم وعدم انسهم به يبقى ابصارهم مفتوحةً لا تطرف، وامّا المؤمن فانّه لانسه بالآخرة وبما يرى فى ذلك اليوم كأنّه لا يرى امراً هائلاً غريباً ولا يكون له امر هائل اذا كان كاملاً، وغير الكامل قد يرى اهوال ذلك اليوم لكن لا من حيث ايمانه بل من حيث كفره {يٰوَيْلَنَا} بتقدير القول اى قائلين يا ويلنا {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} الوعد ولم نكن نتفكّر فيه ونقبله ونستعدّ له {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} بل لم نكتف بالغفلة من هذا وكنّا عاملين لضدّ هذا وقد خلقنا الله تعالى للعمل لهذا والانس به.
الهواري
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وَاقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ} أي: النفخة الآخرة {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذِينَ كَفَرُوا} أي إلى إجابة الداعي إلى بيت المقدس. {يَاوَيْلَنا} أي يقولون: يا ويلنا {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا} يعني تكذيبهم بالساعة {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} أي: لأنفسنا. قوله عز وجل: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} أي: يُحصَب بهم فيها {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أي: داخلون في تفسير الحسن يعني الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة الأوثان، لأنهم بعبادتهم الأوثان عابدون للشياطين، وهو قوله عزّ وجل: (أية : أَلَم أعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) تفسير : [يس: 60]. قال الكلبي: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقابل باب الكعبة ثم قرأ هذه الآية، فوجد منها أهل مكة وجداً شديداً. فقال ابن الزّبعرى: أرأيت هذه الآية التي قرأت آنفاً، أفينا وفي آلهتنا خاصة أم في الأمم وفي آلهتهم معنا؟ قال: لا، بل فيكم وفي آلهتكم، وفي الأمم وآلهتهم. فقال: خصمتك وربّ الكعبة. قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمّه، وأن طائفة من الناس يعبدون الملائكة. أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحكت قريش وضجّواتفسير : . فذلك قول الله عزّ وجلّ: (أية : وَلَمَّا ضُربَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)تفسير : [الزخرف: 57] أي: يضحكون {وَقَالُوا} يعني قريشاً: (أية : أآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) تفسير : [الزخرف: 58]. وقال ها هنا في هذه الآية وفي جواب قولهم: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} يعني عيسى والملائكة. وقال بعضهم: إن اليهود قالت: ألستم تزعمون أن عزيراً في الجنة وأن عيسى في الجنة؟ وقد عُبِدا من دون الله. فأنزل الله: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. فعيسى وعزير ممن سبقت لهم الحسنى، وما عبدوا من الحجارة والخشب والجن وعبادة بعضهم بعضاً وكل ما عبدوا، حصب جهنم. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : الشمس والقمر ثوران عقيران في النار . تفسير : وقال بعضهم: ألستم تقرأون: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} قال: أظنهم يمثلان لمن عبدهما في النار، يوبَّخُون بذلك. وفي كتاب الله عز وجل: إن الشمس والقمر يسجدان لله، وهو قوله عز وجل: (أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ)تفسير : [الحج: 18]. ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: إن الشمس تطلع من حيث يطلع الفجر، وتغرب من حيث يغرب الفجر. فإذا أرادت أن تطلع تقاعست حتى تضرب بالعمد، وتقول: يا رب إني إذا طلعت عُبِدت دونك، فتطلع على ولد آدم كلهم، فتجري إلى المغرب، فتسلّم، ويرد عليها، وتسجد فينظر إليها، ثم تستأذن فيؤذن لها حتى تأتي بالمشرق، والقمر كذلك، حتى يأتي عليها يوم تغرب فيه، فتسلّم فلا يُرَدّ عليها، فتسجد فلا ينظر إليها، ثم تستأذن فلا يؤذن لها. فتقول: يا ربّ إن المشرق بعيد ولا أبلغه إلا بجهد، فتحبس فلا يؤذن لها، ثم يقال لهما: ارجعا من حيث جئتما، فيطلعان من المغرب كالبعيرين المقرونين، وهو قوله عز وجل: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلآ أَنْ تَأتِيَهُمُ المَلآئِكَةُ}تفسير : أي بالموت {أية : أَوْ يَأتِيَ رَبُّكَ}تفسير : أي بأمره (أية : أَوْ يَأتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) تفسير : [الأنعام: 158] وهو طلوع الشمس من المغرب.
اطفيش
تفسير : {واقْتَربَ} قرب قرباً شديداً {الوعْد الحق} ما بعد نفخة البعث من البعث والحساب والجزاء، يقتل عيسى عليه السلام الدجال عند باب لُدّ الشرقى فى الشام، فيوحى الله سبحانه اليه حرز عبادى المؤمنين الى الطور فقد أخرجت عباداً لا يطاقون، وهم يأجوج ومأجوج، ويدعى عيسى والمؤمنون فى إهلاكهم، فيصبحون موتى بالنغف فى رقابهم بمرة، ويرسل الله سبحانه طيراً كأعناق البخت تلقيهم فى البحر، ويغسل الأرض بمطر كزلفة، ويبارك فى الأرض حتى يأكل النفر من الرمانة، ويستظلون بقشرها، وتكفى اللقحة الفئام من الناس وهم الفخذ، والشاة أهل البيت، ويبعث الله عز وجل ريحاً طيبة فى آباط المؤمنين فيموتوا ويبقى الكفار يتهارجون كالحمر، والساعة بعد يأجوج ومأجوج كالحامل المتمة لا يدرى متى تضع، وتلد الفرس، ولا يركب ولدها حتى تقوم الساعة كما روى. {فإذا هى} أى القصة {شاخصة} خبر لقوله {أبصارُ الَّذين كفروا} أو مبتدأ رافع له على الفاعليه، مستغن به عن الخبر على ما آنفاً، فذلك كالفعل والفاعل، فصح أن يكونا خبراً لضمير القصة، ولا يحكم لهما بحكم المفرد فلا تهم، فلو حكم لهما بحكم المفرد لم جز أن يقال أقائم الزيدان، وأجاز بعض الكوفيين الإخبار بالمفرد عن ضمير القصة أو الشأن، وقيل: هى عائد الى مبهم فسره أبصار بعده، وقيل: ضمير الساعة والخبر محذوف، أى واقعة، وقوله: أبصار الخ مستأنف، وفيه ضعف لعدم لاحتياج الى التقدير، وشخوص الأبصار ارتفاع أجفانها من غير أن تطرف لشدة الهول. {يا ويْلنَا قد كُنَّا فى غَفْلةٍ من هذا بل كنَّا ظالمِينَ} مفعول لقول مقدر حال مما قيل، أو مستأنف، أى قائلين أو يقولون، أو جواب إذا ونداء الويل تحسر {قد كنَّا} قبل الموت أو اليوم {فى غفلة من هذا} عن هذا اليوم، أو عن هذا الذى دهمنا من البعث للحساب {بل كنَّا ظالمين} إضراب عن ذكر الغفلة الى ذكر أنه قد أنذروا بقدر ما ينتفعون، وأنهم ظلموا أنفسهم بعدم الاتباع وتعريضها للعذاب الدائم.
الالوسي
تفسير : {وَٱقْتَرَب} أي قرب، وقيل هو أبلغ في القرب من قرب {ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} وهو ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب والجزاء لا النفخة الأولى، والجملة عطف على { أية : فُتِحَتْ يَأْجُوجُ } تفسير : [الأنبياء:96] ثم إن هذا الفتح في زمن نزول عيسى عليه السلام من السماء وبعد قتله الدجال عند باب لد الشرقي، فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث طويل « حديث : إن الله تعالى يوحي إلى عيسى عليه السلام بعد أن يقتل الدجال أني قد أخرجت عباداً من عبادي لا يدان لك بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور فيبعث الله تعالى يأجوج ومأجوج وهم كما قال الله تعالى: {مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} فيرغب عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله عز وجل فيرسل عليهم نغفاً في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة فيهبط عيسى عليه السلام وأصحابه فيرسل عليهم طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله تعالى ويرسل الله عز وجل مطراً لا يَكُنُّ منه نيت مدر ولا وبر أربعين يوماً فيغسل الأرض حتى يتركها زلفة ويقال للأرض انبتي ثمرتك فيومئذٍ يأكل النفر من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر تكفي الفخذ والشاة من الغنم تكفي البيت فبينما هم على ذلك إذ بعث الله تعالى ريحاً طيبة [فتأخذهم] تحت آباطهم فتقبض روح كل [مؤمن كل] مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة » تفسير : وجاء من حديث رواه أحمد وجماعة « حديث : أن الساعة بعد أن يهلك يأجوج ومأجوج كالحامل المتم لا يدري أهلها حتى تفجأهم بولادها ليلاً أو نهاراً » تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: ذكر لنا أن / النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لو نتجت فرس عند خروجهم ما ركب فلوها حتى تقوم الساعة » تفسير : وهذا مبالغة في القرب كالخبر الذي قبله. {فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } جواب الشرط، وإذا للمفاجأة وهي تسد مسد الفاء الجزائية في الربط وليست عوضاً عنها فمتى كانت الجملة الاسمية الواقعة جزاء مقترنة بها لم تحتج إلى الفاء نحو { أية : إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } تفسير : [الروم:36] وإذا جيء بهما معاً كما هنا يتقوى الربط، والضمير للقصة والشأن وهو مبتدأ و {شَـٰخِصَةٌ} خبر مقدم و {أَبْصَـٰرُ} مبتدأ مؤخر، والجملة خبر الضمير، ولا يجوز أن يكون {شَـٰخِصَةٌ} الخبر و {أَبْصَـٰرُ} مرفوعاً به لأن خبر الضمير الشأن لا يكون إلا جملة مصرحاً بجزءيها، وأجاز بعض الكوفيين كونه مفرداً فيجوز ما ذكر عنده. وعن الفراء أن {هِىَ} ضمير الأبصار فهو ضمير مبهم يفسره ما في حيز خبره؛ وعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة في مثل ذلك جائز عند ابن مالك وغيره كما في ضمير الشأن، ومن ذلك قوله: شعر : هو الجد حتى تفضل العين أختها تفسير : بل نقل عن الفراء أنه متى دل الكلام على المرجع وذكر بعده ما يفسره وإن لم يكن في حيز خبره لا يضر تقدمه، وأنشد قوله: شعر : فلا وأبيها لا تقول خليلتي ألا فَرَّعني مالك بن أبـي كعب تفسير : ونقل عنه أيضاً أن {هِىَ } ضمير فصل وعماد يصلح موضعه هو وأنشد قوله: شعر : بثوب ودينار وشاة ودرهم فهل هو مرفوع بما هٰهنا رأس تفسير : وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي من إجازته تقديم الفصل مع الخبر على المبتدأ وقول من أجاز كونه قبل خبر نكرة، وذكر الثعلبـي أن الكلام قد تم عند قوله تعالى: {فَإِذَا هِىَ} أي فإذا هي أي الساعة حاصله أو بارزة أو واقعة ثم ابتدىء فقيل {شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهو وجه متكلف متنافر التركيب، وقيل: جواب الشرط {ٱقْتَرَبَ} والواو سيف خطيب. ونقل ذلك في «مجمع البيان» عن الفراء. ونقل عن الزجاج أن البصريين لا يجوزون زيادة الواو وأن الجواب عندهم قوله تعالى: {يَا وَيْلَنَا} أي القول المقدر قبله فإنه بتقدير قالوا يا ويلنا، ومن جعل الجواب ما تقدم قدر القول هٰهنا أيضاً وجعله حالاً من الموصول يقولون أو قائلين يا ويلنا وجوز كون جملة يقولون يا ويلنا استئنافاً، وشخوص الأبصار رفع أجفانها إلى فوق من دون أن تطرف وذلك للكفرة يوم القيامة من شدة الهول، وأرادوا من نداء الويل التحسر وكأنهم قالوا: يا ويلنا تعال فهذا أوان حضورك {قَدْ كُنَّا} في الدنيا {فِى غَفْلَةٍ} تامة {مّنْ هَـٰذَا} الذي دهمنا من البعث والرجوع إليه عز وجل للجزاء، وقيل: من هذا اليوم ولم نعلم أنه حق {بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} إضراب عن وصف أنفسهم بالغفلة أي لم نكن في غفلة منه حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر بل كنا ظالمين بترك الآيات والنذر مكذبين بها أو ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب.
الواحدي
تفسير : {واقترب الوعد الحق} يعني: القيامة، والواو زائدة؛ لأنَّ " اقترب " جواب "حتى". {فإذا هي شاخصة} ذاهبةٌ لا تكاد تطرف من هول ذلك اليوم. يقولون: {يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا} في الدُّنيا عن هذا اليوم {بل كنا ظالمين} بالشِّرك وتكذيب الرُّسل. {إنكم} أيُّها المشركون {وما تعبدون من دون الله} يعني: الأصنام {حصب جهنم} وقودها {أنتم لها واردون} فيها داخلون. {لو كان هؤلاء} الأصنام {آلهة} على الحقيقة ما دخلوا النَّار {وكلٌّ} من العابدين والمعبودين في النَّار {خالدون}.
د. أسعد حومد
تفسير : {شَاخِصَةٌ} {أَبْصَارُ} {يٰوَيْلَنَا} {ظَالِمِينَ} (97) - فَإِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الأَهْوَالُ وَالزَّلاَزِلُ، وَحَدَثَتِ الفَوْضَى بِخُرُوْجِ قَوْمِ يَأجُوجَ وَمأجُوجَ، فَذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى اقْتِرَابِ الوَعْدِ الحَقِّ (قِيَامِ السَّاعَةِ). فَإِذَا قَامَتْ السَّاعَةُ يُفَاجَأُ الكَافِرُونَ بِهَا، وَيَقُومُون مِنْ قُبُورِهِم مَشْدُوهِينَ مَبْهُوتِينَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ، وَأَبْصَارُهُم شَاخِصَةٌ مِنْ هَوْلِ مَا يَرَوْنَ: لَقَدْ كُنَّا غَافِلِينَ فِي الدُّنْيَا عَنْ هَذَا اليَوْمِ. وَيَعْتَرِفُونَ بَأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ، فَيَنْدَمُونَ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْبِ الله، وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا، ولاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ. الْوَعْدُ الحَقُّ - قِيَامُ السَّاعَةِ وَالبَعْثُ وَالحِسَابُ. شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ - مُرْتَفِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ لاَ تَكَادُ تَطْرَفُ مِنْ شِدَّةِ الهَوْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فكوْنُ أهل الفساد يأتون مُسْرِعين من كل حَدب وصَوْب إلا أن فسادهم لن يطول، فقد اقتربت القيامة، قال تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر: 1]. وقال: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} تفسير : [النحل: 1]. وهذا تنبيه للغافل، وتحذير للباغي من أهل الفساد، وتطمين ورجاء للمظلومين المستضعفين المعتدَى عليهم: اطمئنوا فقد قرب وقت الجزاء. {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ..} [الأنبياء: 97] والوعد الحق أي: الصادق الذي يملك صاحبه أن يُنفّذه، فقد تَعِد وعداً ولا تملك تنفيذه فهو وَعْد، لكنه وَعْد باطل، فالوعد يختلف حَسْب مروءة الواعد وإمكانياته وقدرته على إنفاذ ما وعد به. لكن مهما كانت عندك من إمكانيات، ومهما ملكتَ من أسباب التنفيذ، أتضمن أن تُمكِّنك الظروف والأحوال من التنفيذ؟ ولا يملك هذا كله إلا الله عز وجل، فإذا وعد حقق ما وعد به، فالوعد الحق - إذن - هو وعد الله. وحين يقول الحق سبحانه: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ..} [الأنبياء: 97] فتنبه ولا تَقِسْ الدنيا بعمرها الأساسي، إنما قِسْ الدنيا بعمرك فيها، فهذه هي الدنيا بالنسبة لك، ولا دَخْلَ لك بدنيا غيرك، فإذا كنتَ لا تعلم متى تفارق دنياك فلا شَكَّ أن عمرك قريب، واقترب الوعد الحق بالنسبة لك. وكذلك مدة مُكْثِك في قبرك إلى أن تقوم الساعة ستمر عليكِ كساعة من نهار، كما قال سبحانه: {أية : كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ ..} تفسير : [يونس: 45]. ولو تنبَّه كل مِنّا إلى إخفاء الله لأجله، لعلم أن في هذا الإخفاء أعظمَ البيان، فحين أخفاه ترقبناه في كل طَرْفة عَيْن، وتنفُّس نَفَسٍ؛ لذلك يقولون: "مَنْ مات قامت قيامته" ، لأن القيامة تعني الحساب والجزاء على الأعمال، ومَنْ مات انقطع عمله، وطُويَتْ صحيفته. وقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [الأنبياء: 97] وَعْد الله هنا هو القيامة، وهي تفاجئنا وتأتينا بغتة؛ لذلك نقول في (فَإذَا) أنها الفجائية، كما تقول: خرجتُ فإذا أسدٌ بالباب، يعني: فوجئت به، وهكذا ساعةَ تقوم الساعة سوف تُفَاجِئ الجميع، لا يدري أحد ماذا يفعل. لذلك يقول سبحانه: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [الأنبياء: 97] وشخوص البصر يأتي حين ترى شيئاً لا تتوقعه، ولم تحسب حسابه، فتنظر مُنْدهِشاً يجمد جفنُك الأعلى الذي يتحرك على العين، فلا تستطيع حتى أنْ ترمش أو تطرف. وفي آية أخرى يقول تعالى: {أية : إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ}تفسير : [إبراهيم: 42]. وإذا أردتَ أن ترى شُخوص البصر فانظر إلى شخص يُفَاجأ بشيء لم يكُنْ في باله، فتراه - بلا شعور وبغريزته التكوينية - شاخصَ البصر، لا ينزل جفنه. ثم يقولون: {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ..} [الأنبياء: 97]. فلم يقتصر الموقف على شخوص البصر إنما تتحرك أيضاً أدوات الإدراك فيقول اللسان: {يٰوَيْلَنَا} وهذا نداء للويل أي: جاء وقتُك فلم يَعُدْ أمامهم إلا أنْ يقولوا: يا عذاب هذا أوانك فاحضر. والويل: هو الهلاك السريع ينادونه، فهل يطلب الإنسان الهلاكَ، ويدعو به لنفسه؟ نقول: نعم، حين يفعل الإنسان الفعلَ ويجد عواقبه السيئة، وتواجهه الحقيقة المرّة يميل إلى تعذيب نفسه، أَلاَ تسمع مثل هؤلاء يقولون: أنا أستحق .. أنا أستاهل الضرب ..؟ إنه لَوْم النفس وتأنيبها على ما كان منها، فهي التي أوقعتْه في هذه الورطة. لذلك يقول سبحانه: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67]. فلماذا لا يُؤنِّب نفسه، ويطلب لها العذاب، وهي التي أردتْه في التهلكة، ففي هذا الموقف تنقلب موازينهم التي اعتادوها في الدنيا، فالأصدقاء في الشر وفي المعصية هم الآن الأعداء. {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ..} [الأنبياء: 97] لم يكن هذا الموقف في بالنا، ولم نعمل له حساباً، والغفلة: أنْ تدرأ عن بالك ما يجب أن يكون على بالك دائماً. لكن، أيّ غفلة هذه والله - عز وجل - يُذكِّرنا بهذا الموقف في كل وقت من ليل أو نهار، ألاَ ترى أنه سبحانه سَمَّى القرآن ذِكْراً ليزيح عنّا هذه الغفلة، فكلما غفلتَ ذكّرك، وهزَّ مواجدك، وأثار عواطفك. إذن: المسألة ليست غفلة؛ لذلك نراهم يستدركون على كلامهم، فيقولون: {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 97] لأنهم تذكَّروا أن الله تعالى طالما هَزَّ عواطفهم، وحرَّك مواجيدهم ناحية الإيمان، فلم يستجيبوا. لذلك اعترفوا هنا بظلمهم، ولم يستطيعوا إنكاره في مثل هذا الموقف، فلم يعُدْ الكذب مُجْدِياً، ولعلّهم يلتمسون بصدقهم هذا نوعاً من الرحمة، ويظنون أن الصدق نافعهم، لكن هيهات. وكأن الحق سبحانه يحكي عنهم هذه المواجهة حين تفاجئهم القيامة بأهوالها، فتشخص لها أبصارهم، ويقول بعضهم {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ..} [الأنبياء: 97] فيردّ عليهم إخوانهم: أيّ غفلة هذه، وقد كان الله يُذكِّرنا بالقيامة وبهذا الموقف في كل وقت {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 97]. و (بَلْ) حرف إضراب عن الكلام السابق، وإثبات للكلام اللاحق، وهكذا يُراجِعون أنفسهم، ويُواجِه بعضهم بعضاً، لكن بعد فوات الأوان. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):