٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
96
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} متعلق بـ {حَرَامٌ} أو بمحذوف دل الكلام عليه، أو بـ {لاَ يَرْجِعُونَ} أي يستمر الامتناع أو الهلاك أو عدم الرجوع إلى قيام الساعة وظهور أماراتها: وهو فتح سد يأجوج ومأجوج وهي حتى التي يحكى الكلام بعدها، والمحكي هي الجملة الشرطية. وقرأ ابن عامر ويعقوب {فُتِّحَتْ} بالتشدد. {وَهُمْ} يعني يأجوج ومأجوج أو الناس كلهم. {مِّنْ كُلِّ حَدْبٍ} نشز من الأرض، وقرىء جدث وهو القبر.{يَنسِلُونَ} يسرعون من نسلان الذئب وقرىء بضم السين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {حَتَّىٰ } غاية لامتناع رجوعهم {إِذَا فُتِحَتْ } بالتخفيف والتشديد {يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } بالهمز وتركه اسمان أعجميان لقبيلتين، ويُقَدَّر قبله مضاف، أي سدّهما وذلك قرب القيامة {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ } مرتفع من الأرض {يَنسِلُونَ } يسرعون.
ابن عطية
تفسير : تحتمل {حتى} في هذه الآية أن تكون متعلقة بقوله {أية : وتقطعوا} تفسير : [الأنبياء: 93] وتحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تعلق بـ {أية : يرجعون} تفسير : [الأنبياء: 95] وتحتمل أن تكون حرف ابتداء وهو الأظهر بسبب {إذا} لأنها تقتضي جواباً وهو المقصود ذكره، واختلف هنا الجواب، فقالت فرقة الجواب قوله {اقترب الوعد} والواو زائدة، وقالت فرقة منها الزجاج وغيره الجواب في قوله {يا ويلنا} التقدير قالوا {يا ويلنا} وليست الواو بزائدة، والذي أقول إن الجواب في قوله {فإذا هي شاخصة} وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره لأَنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون به وحرم عليهم امتناعه، وقرأ الجمهور "فَتحت" بتخفيف التاء، وقرأ ابن عامر وحده "فتّحت" بتثقيلها، وروي أن {يأجوج ومأجوج} يشرفون في كل يوم على الفتح فيقولون غداً نفتح ولا يردون المشيئة إلى الله تعالى فإذا كان غداً وجدوا الردم كأوله حتى إذا أذن الله تعالى في فتحه قال قائلهم غداً نفتحه إن شاء الله فيجدونه كما تركوه قريب الانفتاح فيفتحونه حينئذ، وقرأ عاصم وحده "يأجوج ومأجوج" بالهمز، وقرأ الجمهور بالتسهيل، وقد تقدم في سورة الكهف توجيه ذلك وكثير من حال {يأجوج ومأجوج} فغنينا ها هنا من إعادة ذلك. و"الحدب" كل متسنم من الأرض كالجبل والظرب والكدية والقبر ونحوه. وقالت فرقة المراد بقوله، {وهم} {يأجوج ومأجوج} لأنهم يطلعون من كل ثنية ومرتفع ويعمون الأرض وذلك أنهم من الكثرة بحيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم أخرج بعث النار من ذريتك فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين" قال ففزع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "إن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل" تفسير : ويروى أن الرجل منهم لا يموت حتى يولد له ألف بين رجل وامرأة وقالت فرقة المراد بقوله {وهم} جميع العالم وإنما هو تعريف بالبعث من القبور وقرأ ابن مسعود "من كل جدث" وهذه القراءة تؤيد هذا التأويل، و {ينسلون} معناه يسرعون في تطامن ومنه قول الشاعر: [الرمل] شعر : عسلان الذئب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل تفسير : وقرأت فرقة بكسر السين، وقرأت بضمها، وأسند الطبري عن أبي سعيد قال يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحداً إلا قتلوه إلا أهل الحصون فيمرون على بحيرة طبرية فيمر آخرهم فيقول كان هنا مرة ما، قال فيبعث الله عليهم النغف حتى تكسر أعناقهم فيقول أهل الحصون لقد هلك أعداء الله فيدلون رجلاً ينظر فيجدهم قد هلكوا قال فينزل الله تعالى من السماء فيقذف بهم في البحر فيطهر الأرض منهم، وفي حديث حذيفة نحو هذا وفي آخره قال وعند ذلك طلوع الشمس من مغربها، وروي أن ابن عباس رأى صبياناً يلعبون وينزوا بعضهم على بعض فقال هكذا خروج يأجوج ومأجوج. وقوله تعالى: {واقترب الوعد الحق} يريد يوم القيامة، وروي في الحديث "حديث : أن الرجل ليتخذ الفلو بعد يأجوج ومأجوج فلا يبلغ منفعته حتى تقوم الساعة"تفسير : ، وقوله تعالى: {هي}، مذهب سيبويه أنها ضمير القصة كأنه قال فإذا القصة أو الحادثة {شاخصة أبصار} وجوز الفراء أن تكون ضمير الإبصار تقدمت لدلالة الكلام ويجيء ما يفسرها وأنشد على ذلك: [الطويل] شعر : فلا وأبيها لا تقول حليلتي ألا فرَّعني مالك بن أبي كعب تفسير : والشخوص بالعين إحداد النظر دون أن يطرف، وذلك يعتري من الخوف المفرط أو علة أو نحوه، وقوله: {يا ويلنا} تقديره يا ويلنا لقد كانت بنا غفلة عما وجدنا الآن وتبينا الآن من الحقائق ثم تركوا الكلام الأول ورجعوا إلى نقد ما كان يداخلهم من تعهد الكفر وقصد الإعراض فقالوا {بل كنا ظالمين}.
ابن عبد السلام
تفسير : {فُتِحَتْ} فُتح لها السد، ويأجوج ومأجوج: أخوان لأب من ولد يافث بن نوح، من أجة النار، أو من الماء الأجاج {حَدَبٍ} الفجاج والطرق أو الجوانب، أو التلاع والآكام من حَدَبة الظهر {يَنسِلُونَ} يخرجون. شعر : ....................... ...... من ثيابك تَنْسُلي تفسير : أو يسرعون وهم يأجوج ومأجوج أو الناس يحشرون إلى الموقف.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ...} الآية, تحتمل «حتى» في هذه الآية أنْ تتعلَّقَ بـ {يَرْجِعُونَ}، وتحتمل أنْ تكون حرفَ ابتداء، وهو الأظهر بسبب «إذا»؛ لأنها تقتضي جواباً، واختلف هنا في الجواب، والذي أقول به: أَنَّ الجواب في قوله {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَة} وهذا هو المعنى الذي قُصِدَ ذكرُه. قال * ص *: قال أبو البقاء: {حتى إِذَا} مُتَعَلِّقَةٌ في المعنى بـ {حرام} أي: يستمر الامتناع إلى هذا الوقت، ولا عملَ لها في «إذا». انتهى. وقرأ الجمهور: «فُتِحَتْ» بتخفيف التاء، وقرأ ابن عامر وحده «فُتِّحَتْ» بالتشديد، ورُوِيَ أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ يشرفون في كلِّ يوم على الفتح، فيقولون: غداً نفتح، ولا يردون المشيئة إلى الله تعالى، فإذا كان غد وجدوا الرَّدم كأَوَّلِهِ حتى إذا أذن اللّه تعالى في فتحه، قال قائلهم: غداً نفتحه إن شاء اللّه تعالى، فيجدونه كما تركوه قريبَ الانفتاح فيفتحونه حينئذٍ. * ت * وقد تقدم في «سورة الكهف» كثير من أخبار يأجوج ومأجوج فأغنانا عن إعادته، وهذه عادتنا في هذا المُخْتَصَرِ أسأل اللّه تعالى أن ينفعنا وإيَّاكم به، ويجعلَه لنا نوراً بين أيدينا، يومَ لا ينفعُ مال ولا بنون إلاَّ مَنْ أتى اللّه بقلب سليم، والحَدَبُ: كل مُسَنَّمٍ من الأرض، كالجبل والظَرِب والكدية، والقبر ونحوه. وقالت فرقة: المراد بقوله: {وَهُم} يأجوجُ ومأجوجُ، يعني أنهم يطلعون من كل ثنية ومرتفع ويملؤون الأرضَ من كثرتهم. وقالت فرقة: المراد بقوله: «وهم» جميعُ العالم، وإنَّما هو تعريف بالبعث من القبور. وقرأ ابن مسعود: «وَهُمْ مِنْ كُلِّ جَدَثٍ» بالجيم والثاء المثلثة، وهذه القراءةُ تُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، و {ينسلون}: معناه: يسرعون في تطامن، وأسند الطبريُّ عن أبي سعيد قال: «حديث : يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحداً إلاَّ قتلوه، إلاَّ أَهْلَ الحصون، فيمرُّون على بحيرة طبرية فيمر آخرهم فيقول: كان هنا مرة ماء، قال فيبعث اللّه عليهم النَغَف حتى تكسر أعناقهم، فيقول أهل الحصون: لقد هلك أَعداءُ اللّه، فيدلون رجلاً ينظر، فيجدهم قد هلكوا، قال: فينزل اللّه من السماء ماءً فيقذف بهم في البحر، فيظهر اللّه الأَرض منهم» تفسير : وفي حديث حذيفة نحوُ هذا، وفي آخره قال: وعند ذلك طلوعُ الشمس مِن مغربها.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ {حتى إذا فتحت} خفيفة {يأجوج ومأجوج} مهموزة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: {وهم من كل حدب ينسلون} قال: جميع الناس من كان مكان جاؤوا منه يوم القيامة فهو حدب. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {من كل حدب ينسلون} قال: من كل أكمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {من كل حدب} قال: شرف {ينسلون} قال: يقبلون. وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله قال له: أخبرني عن قوله: {من كل حدب ينسلون} قال: ينشرون من جوف الأرض من كل ناحية. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت طرفة وهو يقول: شعر : فأما يومهم فيوم سوء تخطفهن بالحدب الصقور تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} قال: هذا مبتدأ يوم القيامة. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه قرأ "من كل جدث" بالجيم والثاء، مثل قوله: {أية : فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} تفسير : [يس: 51] وهي القبور. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: "حديث : يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله: {من كل حدب ينسلون} فيغشون الناس وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم ويشربون مياه الأرض حتى يتركوه يبساً، حتى إن بعضهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ههنا مرة ماء. حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أخذ في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض، قد فرغنا منهم وبقي أهل السماء. قال: يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دماً للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله دوداً في أعناقهم كنغف الجراد يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء العدو؟ فيتجرد رجل منهم محتسباً نفسه قد أوطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض! فينادي معشر المسلمين، أبشروا إن الله قد كفاكم عدوكم. فيخرجون من مدائنهم وحصونهم ويسرحون مواشيهم فما يكون لها مرعى إلا لحومهم، فتشكر عنه أحسن ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتهُّا فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليّ ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص فيهلكه الله إذا رآني، حتى أن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافراً فتعال فاقتله. فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، ثم رجع الناس يشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجري الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر. وفيما عهد إلي ربي، إذا كان ذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها ليلاً أو نهاراً ". تفسير : قال ابن مسعود: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق} الآية. قال: جميع الناس من مكان كانوا جاؤوا منه يوم القيامة فهو حدب. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق خالد بن عبد الله بن حرملة، عن حذيفة قال: "حديث : خطب رسول الله صلى عليه وسلم وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب فقال: إنكم تقولون لا عدوّ لكم، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدواً حتى يأتي يأجوج ومأجوج عراض الوجوه صغار العيون، صهب الشفار، من كل حدب ينسلون... كأن وجوههم المجان المطرقة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن أبي يزيد قال: رأى ابن عباس صبياناً ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث، عن النّواس بن سمعان قال: "حديث : ذكر رسول الله صلى عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه رفع، حتى ظننا أنه في ناحية النخل فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، فإن خرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم؛ وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب جعد قطط عينه طافئة، وإنه تخرج خيله بين الشام والعراق، فعاث يميناً وشمالاً، يا عباد الله اثبتوا: قلنا: يا رسول الله، ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر الأيام كأيامكم. قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي هو كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا... أقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله، ما أسرعه في الأرض؟ قال: كالغيث يشتد به الريح، فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كان دراً، وأمده خواصر وأشبعه ضروعاً، ويمرّ بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ويأمر برجل فيقتل فيضربه ضربة بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه. فبينما هم على ذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً يده على أجنحة ملكين فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لدّ الشرقي، فبينما هم كذلك أوحى الله إلى عيسى ابن مريم: أني قد أخرجت عباداً من عبادي لا يدان لك بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. فيبعث الله يأجوج ومأجوج كما قال الله: {وهم من كل حدب ينسلون} فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم نغفاً في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه إلى الأرض فيجدون نتن ريحهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ويرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا بر أربعين يوماً فتغسل الأرض حتى تتركها زلفة، ويقال للأرض: أنبتي ثمرتك فيومئذ يأكل النفر من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل، حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي البيت، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ريحا طيبة تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة "تفسير : . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو نتجت فرس عند خروجهم ما ركب فلوها حتى تقوم الساعة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول الآيات: الدجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم إذا باتوا، والدخان، والدابة، ويأجوج ومأجوج. قال حذيفة: قلت: يا رسول الله، ما يأجوج ومأجوج؟ قال: يأجوج ومأجوج أمم، كل أمة أربعمائة ألف أمة... لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطوف بين يديه من صلبه، وهم ولد آدم، فيسيرون إلى خراب الدنيا ويكون مقدمتهم بالشام وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية، حتى يأتوا بيت المقدس فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى السماء فترجع نشابتهم مخضبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا من في السماء. وعيسى والمسلمون بجبل طور سينين فيوحي الله إلى عيسى: أن أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة، ثم إن عيسى يرفع يديه إلى السماء ويؤمن المسلمون فيبعث الله عليهم دابة يقال لها، النغف. تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى من حاق الشام إلى حاق المشرق، حتى تنتن الأرض من جيفهم، ويأمر الله السماء فتمطر كأفواه القرب فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم، فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: يخرج يأجوج ومأجوج فيموجون في الأرض فيفسدون فيها. ثم قرأ ابن مسعود {وهم من كل حدب ينسلون} قال: ثم يبعث الله عليهم دابة مثل النغف فتلج في أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها، فتنتن الأرض منهم فيرسل الله ماء فيطهر الأرض منهم. وأخرج ابن جرير من طريق عطية قال: قال أبو سعيد: يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحداً إلا قتلوه، إلا أهل الحصون فيمرون على البحيرة فيشربونها، فيمر المار فيقول: كأنه كان ههنا ماء! فيبعث الله عليهم النغف حتى يكسر أعناقهم فيصيروا خبالاً، فيقول أهل الحصون: لقد هلك أعداء الله. فيرسلون رجلاً لينظر ويشرط عليهم إن وجدهم أحياء أن يرفعوه، فيجدهم قد هلكوا. فينزل الله ماء من السماء فيقذف بهم في البحر فتطهر الأرض منهم، ويغرس الناس بعدهم الشجر والنخل وتخرج الأرض ثمرها كما كانت تخرج في زمن يأجوج ومأجوج. وأخرج ابن جرير عن كعب قال: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل قالوا: نجي غداً نخرج. فيعيده الله كما كان فيجيئون غداً فيحفرون حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل قالوا: نجي فنخرج، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله تعالى كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غداً فنخرج إن شاء الله. فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه فيخرقون ثم يخرجون، فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون: كان ههنا مرة ماء. ويفر الناس منهم ولا يقوم لهم شيء، ويرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السماء، فيدعو عليهم عيسى عليه السلام فيقول: اللهم لا طاقة ولا يد لنا بهم فاكفناهم بما شئت. فيرسل الله عليهم دوداً يقال له: "النغف" فتقرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيراً فتأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله تعالى عيناً يقال لها الحياة تطهر الأرض منهم، وينبتها حتى أن الرمانة ليشبع منها السكن قيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت. قال: فبينا الناس كذلك إذ أتاهم الصراخ، أن ذا السويقتين أتى البيت يريده. فيبعث عيسى طليعة سبعمائة أو بين السبعمائة والثمانمائة، حتى إذا كانوا ببعض الطريق يبعث الله ريحاً يمانية طيبة فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى محاح من الناس فيتسافدون كما تتسافد البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه ينظرها متى تضع. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما كان منذ كانت الدنيا رأس مائة سنة، إلا كان عند رأس المائة أمر. قال: فتحت يأجوج ومأجوج. وهم كما قال الله: {من كل حدب ينسلون} فيأتي أوّلهم على نهر عجاج فيشربونه كله حتى ما يبقى منه قطرة، ويأتي آخرهم فيمر فيقول: قد كان ههنا مرة ماء، فيفسدون في الأرض ويحاصرون المؤمنين في مدينة إليا، فيقولون: لم يبق في الأرض أحد إلا قد ذبحناه... هلموا نرمي من في السماء. فيرمون في السماء فترجع إليهم سهامهم في نصلها الدم، فيقولون: ما بقي في الأرض ولا في السماء أحد إلا وقد قتلناه. فيقول المؤمنون: يا روح الله، ادع الله عليهم. فيدعو عليهم فيبعث الله في آذانهم النغف فيقتلهم جميعاً في ليلة واحدة، حتى تنتن الأرض من جيقهم فيقول المؤمنون: يا روح الله، ادع الله فإنا نخشى أن نموت من نتن جيفهم. فيدعو الله فيرسل عليهم وابلاً من السماء فيجعلهم سيلاً، فيقذفهم في البحر. وأخرج ابن جرير عن حذيفة رضي الله عنه قال: لو أن رجلاً اقتنى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج، لم يركبه حتى تقوم الساعة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري وأبو يعلى وابن المنذر، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج ". تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد {واقترب الوعد الحق} قال: اقترب يوم القيامة. وأخرج عن الربيع {واقترب الوعد الحق} قال: قامت عليهم الساعة.
القشيري
تفسير : أي يحق القولُ عليهم، ويتم الأجلُ المضروبُ لهم، فعند ذلك تظهر أيامهم، وإلى القَدْرِ المعلومِ في التقدير لا تحصلُ نجاةُ الناسِ من شرِّهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {حتى اذا فتحت يأجوج ومأجوج} حتى هنا ليس بحرف جز ولا حرف عطف بل حرف يبتدأ بعدها الكلام غاية لما يدل عليه ما قبلها كأنه قيل يستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى اذا قامت القيامة يرجعون الينا ويقولون {يا ويلنا} الخ واذا شرطية ويأجوج ومأجوج قبيلتان من الانس يقال الناس عشرة اجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج والمراد بفتحها فتح سدها على حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه وقد سبق قصة يأجوج ومأجوج وبناء السد عليهم وفتحه فى آخر الزمان فى سورة الكهف {وهم} اى والحال ان يأجوج ومأجوج {من كل حدب} مرتفع من الارض وتل. قال الراغب يجوز ان يكون الاصل فى الحدب حدب الظهر وهو خروجه ودخول الصدر والبطن ثم شبه به ما ارتفع من الارض فسمى حدبا ومنه محدب الفلك {ينسلون} ينزلون مسرعين واصله مقاربة الخطو معا الاسراع. وفى بحر العلوم من نسل الذئب اذا اسرع فى مشيه - روى - انهم يسيرون فى الارض ويقبلون على الناس من كل موضع مرتفع. قال الكاشفى [همه عالم را فرا كيرند وآبهاى درياها تمامى بياشامند وازخشك وتر هرجه يابند بخورند].
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر {فتحت} مشددة، على التكثير. الباقون بالتخفيف. يقول الله تعالى: إنه حرام على أهل قريه أهلكناها رجوعهم، {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} أي ينفرج السدان {يأجوج ومأجوج} ويظهروا، والتقدير فتحت جهة يأجوج ومأجوج، والفتح أنفراج الشيء عن غيره. وقوله {وهم من كل حدب ينسلون} قال مجاهد: ان قوله {وهم} كناية عن الناس، يحشرون الى أرض الموقف يوم القيامة. وقال عبد الله بن مسعود: هو كناية عن يأجوج ومأجوج. ويأجوج ومأجوج إسمان أعجميان، وهما قبيلان. ولو كانا عربيين لكانا من أج النار، أو الماء الاجاج. وقال قتادة: الحدب الاكم. وقيل: هو الارتفاع من الارض بين الانخفاض، ومعناهما واحد. والحدبة خروج الظهر، يقال: رجل أحدب إذا احدودب كبراً. وقوله {ينسلون} فالنسول الخروج عن الشيء الملابس، يقال: نسل ينسل وينسل نسولا، قال امرؤ القيس: شعر : وان كنت قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل تفسير : ونسل ريش الطائر إذا سقط. وقيل: النسول الخروج باسراع مثل نسلان الذئب، قال الشاعر: شعر : عسلان الذئب أمسى قارياً برد الليل عليه فنسل تفسير : وقوله تعالى {واقترب الوعد الحق} قال قوم: الواو مقحمة والتقدير اقترب الوعد الحق، يعني القيامة. وقال آخرون: ليست مقحمة، بل الجواب محذوف، وهو الأجود، والتقدير على قول الأولين {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون... اقترب الوعد الحق} ذكره الفراء قال: وهو مثل قوله {أية : وتله للجبين وناديناه} تفسير : وكقوله {أية : حتى إذا جاؤها وفتحت} تفسير : والمعنى فتحت. وعلى قول البصريين الواو مرادة والتقدير حتى إذا فتحت، واقترب الوعد الحق، قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة. وقيل: خروج يأجوج ومأجوج من اشراط الساعة. وقوله {فإذا هي شاخصة} قيل ان الضمير في قوله {فإذا هي} عائد الى معلوم ينبه عليه ابصار الذين كفروا، كما قال الشاعر: شعر : لعمر ابيها لا تقول ظعينتي إلا فرّعني مالك ابن أبي كعب تفسير : فكنى في ابيها ثم بين ذكرها. وقال قوم: إضمار العماد على شروط التفسير، كقوله تعالى {أية : فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} تفسير : وقوله {يا ويلنا} أي يقول الكفار الذين شخصت أبصارهم: الويل لنا إنا قد كنا في غفلة من هذا اليوم، وهذا المقام، بل كنا ظالمين لنفوسنا بارتكاب معاصي الله، فيقول الله تعالى لهم {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} والمعنى انكم ايها الكافرون والذي عبدتموه من الاصنام والاوثان حصب جهنم. وقال ابن عباس: وقودها. وقال مجاهد: حطبها. وقيل: انهم يرمون فيها، كما يرمى بالحصباء - في قول مجاهد، وقال: إنما يحصب بهم أي يرمى بهم. وقرأ (علي) (ع)، وعائشة {حطب}. وقرأ الحسن {حضب} بالضاد. ومعناه ما تهيج به النار وتذكا به. والحضب الحية. وقوله {أنتم لها واردون} خطاب لجميع الكفار انهم يردون جهنم ويدخونها لا محالة، فالورود قد يكون الدخول، كقولهم وردت الدار، أي دخلتها، ويكون بالاشراف، كقوله {أية : ولما ورد ماء مدين} تفسير : ومعناه أشرف عليه. والمراد في الآية الدخول، لأن الكفار يدخلون النار لا محالة. ثم قال تعالى: لو كان هذه الاصنام والاوثان آلهة لم يردوا جهنم. ويحتمل: أن يكون أراد ما وردت الاصنام جهنم، لأنه كان يكون عبادتهم واقعة موقعها، ولكانوا يقدرون على الدفاع عنهم والنصرة لهم. ثم اخبر تعالى ان كل في جهنم خالدون، مؤبدون فيها. وأن لهم في جهنم زفيراً، وهو شدة التنفس. وقيل: هو الشهيق لهول ما يرد عليهم من النار {وهم فيها} يعني في جهنم {لا يسمعون} قال الجبائي: لا يسمعون ما ينتفعون به، وإن سمعوا ما يسؤهم. وقال ابن مسعود: يجعلون في توابيت من نار، فلا يسمعون شيئاً. وقال قوم: المراد بقوله {وما يعبدون من دون الله} الشياطين الذين دعوهم الى عبادة غير الله، فأطاعوهم، فكأنهم عبدوهم، كما قال {أية : يا أبت لا تعبد الشيطان} تفسير : أي لا تطعه.
الجنابذي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} غاية لعمل الصّالحات او لعدم كفران السّعى او لحرمة الرّجوع او لحرمة عدم الرّجوع او لعدم الرّجوع عن الغىّ والمراد بانفتاح يأجوج ومأجوج انفتاح سدّهم وقد سبق فى سورة الكهف بيان يأجوج ومأجوج وتأويلهما ووجه منع صرفهما {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ} مرتفع من الارض {يَنسِلُونَ} اى يسرعون والضّمير ليأجوج ومأجوج او للنّاس، وقرئ من كلّ جدثٍ ينسلون وهو يؤيّد ارجاع الضّمير الى النّاس فانّ الجدث بمعنى القبر. اعلم، انّ امثال هذه من الرّموز الّتى رمزوها الاقدمون من الانبياء والحكماء والمنظور من حكاياتها ليس الاّ التّنبيه على المرموز اليه وليس النّظر من الله تعالى ولا من خلفائه الى صورة السّمر، والمراد بيأجوج ومأجوج فى العالم الصّغير جنود ابليس المتولّدة من الجنّيّة الّتى اتى بها لابن آدم وبقبول الولاية يجعل صاحب الولاية سدّاً بينهم وبين بنى آدم الّذين تولّدوا من الحوراء الّتى اتى بها لابنه الآخر، واذا قرب السّاعة انفتح السّدّ وخرج يأجوج ومأجوج واستغرقوا تمام صفحة النّفس واكلوا ما وجدوا فيها وهرب بنو آدم من صفحة النّفس فراراً منهم فلا يبقى تلّ ووهد الاّ كان يأجوج ومأجوج مسرعين فيه وكان النّاس مسرعين منه.
اطفيش
تفسير : {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} حتى حرف ابتداء لإجازته على الصحيح وهى راجعة إلى حرام، أو إلى {أية : لا يرجعون} تفسير : إو إلى محذوف دل عليه ذلك. وفيها غاية، وهو مرادى بقولى: راجعة إلى حرام الخ، أى هى غاية لقوله: حرام، أى يدوم الإهلاك، أو عدم الرجوع إلى ذلك الوقت. فإذا كان ذلك الوقت، وقامت القيامة رجعوا. وقرئ يأجوج ومأجوج بالهمز. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد للتاء. ويأجوج ومأجوج: قبيلتان، والاسمان أعجميان، ويقدر مضاف، أى فتح سد يأجوج ومأجوج، وهما تسعة أجزاء: يأجوج، ومأجوج، وسائر الناس جزء. وروى أن يأجوج ومأجوج كل يوم يشرفون على فتح السد. روى: حتى إنه لَيُرَى ضوء الشمس، فيقولون: غداً نفتح، أو يقوله رئيسهم ولا يقولون: إن شاء الله. وإذا كان الغد وجدوه مردوداً كما كان. وإذا أمر الله بفتحه ألقى على لسان أحدهم أو كبيرهم: غداً نفتحه - إن شاء الله - فيجدونه غير مردود فيفتحونه. قال الإمام القرطبى: كلما حفروه وجدوه من الغد أقوى مما كان. وإذا خرجوا تحصن الناس منهم فى حصونهم، ويرمون بسهامهم إلى السماء، فيرجع عليهم الدم فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وغلبنا أهل السماء، فيبعث الله نَغَفَا فى رقابهم فيقتلهم. وروى: فى أقفائهم. والنَّغَف: دواب. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفسى بيده إن دواب الأرض تَشْكَر شَكْرًا من لحومهم"تفسير : ، أى تَسْمَن. قال كعب: إنهم ينقرون السد بمناقرهم. والظاهر أن المراد مناقر حديد يخدمون بها لا مناقر فى أفواههم. قال: وإذا خرجوا أتى أولهم الحيرة أوسطهم فيلحسون الطين ويأتى آخرهم فيقولون: قد كان هنا ماء. وإذا قتلهم النَّغَف نتنت الأرض من لحومهم، ثم يبعث الله عليهم طيرا تلقيهم فى البحر، فيرسل الله السماء أربعين يوما فتنبت الأرض، حتى إن الرمانة تُشْبِع السكن. قيل: وما السكن؟ قال: أهل البيت. وعن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يفتح يأْجوج ومأْجوج، فيخرجون كما قال الله تعالى ". تفسير : {وَهُمْ} أى يأْجوج ومأْجوج. {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ} ما ارتفع من الأرض. وقرأ ابن عباس: جدث أى قبر وبنو تميم يسمون القبر جَدَثًا. {يَنْسِلُونَ} يسرعون. وقرئ بهمس السين. وقيل: الضميران للناس، يخرجون من قبورهم. ونص قراءة ابن عباس جدث وهى أيضًا قراءة ابن مسعود والصحيح الأول، للحديث المذكور. وتمامة: إنهم يعمّون الأرض: ويتحصن المسلمون فى مدنهم مع مواشيهم، حتى إنهم ليرون بالنهر، فلا يذرون فيه قطرة الخ ما مر فيهزون حِرابهم لنحو السماء فترجع بدم، ويرمون بالسهام فترجع به. فيقولون: قد قتلنا أهل الأرض. زاد فيه: فيموتون موت الجراد بعض على بعض بدواب، كنَغَف الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون حسا، فيقولون: مَن يشرى نفسه وينظر ما فعلوا فيخرج واحد وقد وطن نفسه على الموت فيجدهم موتى، فينادى: أبشروا فقد هلك عدوكم، فيخرجون ويخلون سبيل مواشيهم. فما يكون لهم رعى إلا لحومهم، فَتَشْكَر كأحسن ما شكَرَتْ من نبات أصابته. وفى الحديث دليل على جواز إطعام النجس للدابة، أو على جواز تركها والشئ النجس. وعن ابن مسعود - رضى الله عنه - حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا للساعة فسألوا إبراهيم عنها، ولم يكن عنده على شئ منها، ثم موسى كذلك، ثم عيسى فقال: قد عهد إلىَّ فيما دون وَجْبَتِها. فذكر خروج الدجال، وأنه يقتله هو، فيرجع الناس إلى بلادهم، تستقبلهم يأْجوج ومأْجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فلا يمرون بماء إلا شربوه، ولا بشئ إلا أفسدوه، فيجأر الناس إلى الله. فأدعو الله فيميتهم، فتنتن الأرض من ريحهم. فيجأرون إليه، فأدعوه، فيرسل السماء بالماء يلقيهم فى البحر، ثم ينسف الجبال، وتمد الأرض كالأديم، والساعة حينئذ كالحامل تضع ليلها أو نهارها، تفسير : كما قال الله تعالى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} القيامة. قال حذيفة: لو أن رجلا اقتنى فِلْوًا، بعد خروج يأجوج ومأْجوج، لم يركبه حتى تقوم الساعة، يعنى مُهْرًا. وعن النواس بن سمعان: حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداء، فخفض فيه ورفع، يعنى خفض الصوت ورفعه، من شدة ما تكلم فيه، أو هونِه وقبحِه وعِظَمِ فتنته ثم قال: غير الدجال أخوفنى عليكم إن خرج الدجال وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإلا فالله خليفة كل مسلم إنه أعور، وعينه طافية كعنبة. فاقرأوا عليه فواتح الكهف. ويخرج بين الشام والعراق، فيفسد يمينا وشمالا يا عباد الله اثبتوا، ولكنه فى الأرض. أربعون يوما يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم. قالوا: ويُصلّى فى تلك الأيام الكبار قدر صلوات ما فيها من الأيام المعتادة. ويسرع كغيث استدبرته الريح فيؤمن الناس به. يأمر السماء فتمطر، والأرضَ فتنبت، فتكون هى ودوابهم أحسن ما كانت. وتتبعه أموال الناس، ويمر الخربة، ويقول: أخرجى كنزك فيتبعه. ويضرب شابا، ويقطعه نصفين، ويدعوه فيقبل ضاحكا، فيبعث الله عيسى، عند المنارة البيضاء، شرقى دمشق بين مهرودتين - بإهمال الدال وإعجامها - أى شقتين، أو حُلّتين، أو ثوبى زعفران. أقوال واضعًا كفيه على أجنحة مَلَكين. إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدَّر منه كجُمان اللؤلؤ. وكل كافر وجد ريح نفسه مات، ونَفَسُه ينتهى حيث ينتهى طَرْفُه. ويقتل الدجال، ويمسح وجوه قوم عصمهم الله، ويحدثهم بدرجاتهم فى الجنة. ثم يوحى الله إليه: إنى قد أخرجت عبادا لى لا طاقة لأحد بقتالهم، فأحرز عبادى إلى الطور. فيخرج يأْجوج ومأْجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم ببحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، فيمر آخرهم، ويقول: لقد كان هنا ماء، ويكون رأس الثور يومئذ خيرا من مائة دينار، فيرغب هو ومن معه من المؤمنين إلى الله، فيرسل عليهم النَّغَفَ فى رقابهم، فيصبحون فَرْسَى. أى قتلى، جمع فريس، كموت نفسٍ واحدة، فلا يجد الناس فى الأرض موضع شبر إلا ملئ برَوْثِهم وأجزائهم . تفسير : والنَّغَف: دود يكون فى أنوف الإبل والغنم فيرغب نبى الله والمؤمنون، فيرسل طيرا كأعناق البُخْت، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكون منه بيت مَدَر أو شَعر، فيغسل الأرض حتى تكون كالمرآة نظافة واستواء، فتكون الرمانة تكفى العصابة ولفحة الإبل الفيلة، ولفحة الغنم الفخذ، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فيقبض روح كل مؤمن. ويبقى شرار الناس، يتهارجون كتهارج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة، ولن تقوم حتى يكون الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى، ويأْجوج ومأْجوج، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب. وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى المحشر. ويأْجوج ومأْجوج كلهم لجهنم. صنف كشبر، وصنف كشبرين، وصنف طوله وعرضه سواء، وصنف كإبهام، وصنف كالنخلة السحوق. وهم من ولد يافث بن نوح. ويأْجوج ومأْجوج أمتان، فى كل أمة أربع مائة ألف أمة، ليس منها أمة يشبه بعضها بعضًا. وعن الأوزاعى: أنه قال: الأرض سبعة أجزاء: ستة يأْجوج ومأجوج، وجزء سائر الخلق. وعن قتادة: أرض غير يأْجوج ومأْجوج، اثنا عشر فرسخا للهند والسند وثمانية آلاف للصين، وثلاثة آلاف للروم،وألف فرسخ للعرب. وأشد يأْجوج ومأْجوج مَن عَرْضُه كطوله، ومنهم مَن طوله مائة وعشرون ذراعا، لا يقوم لهم جبل ولا حديد، ومنهم من يفرش أُذنه، ويتغطى بالأخرى. ولا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، ووعاء الولد. مقدمتهم بالشام، وساقهم بخراسان، ويشربون ماء المشرق، ويمنعون من مكة والمدينة وبيت المقدس، ويأْكلون كل ما فيه روح. وليس فى خلق الله من ينمو ويكثر مثلهم، يتداعَون كالحمام، ويعوون كالذئاب ويتناكحون حيث التقوا، ومنهم من له قَرن وذَنَب وأنياب بارزة، يأكلون اللحم بلا طبخ ولا شَوْى ومنهم من طوله أربعة أذرع، ومن عرضه أربعة أذرع، أكثر من طوله، ولبعضهم مخالب. وعن على: لهم شعور تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام، إحداها وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها. وعن كعب: احتلم آدم، فاختلط ماؤه بالتراب فخلقوا منه. قال لأندلسيون: هذا لا يصح، لأن الأنبياء لا تحلم. وإذا خرجوا عمُّوا الأرض حتى لا يجد الطائر أين يضع أفراخه. وروى: أنهم يأتون بيت المقدس، ويرمون المؤمنون بالنبل، حتى يعمل الظل فوقهم. ويدعو عيسى ويؤمِّن المهدى والمسلمون، فيهلكون بريح عاصف، تخرج لهم بها خُرّاجات فى مخارجهم. وعن ابن عمر: الملائكة تسعة أجزاء: الكروبيون، وجزء سواهم. و الإنس والجن تسعة أجزاء الجن، وجزء الإنس تسعة يأْجوج ومأْجوج وجزء سائر الناس. وفى الحديث: "تسع مائة وتسعة وتسعون إنسانًا إلى النار تعد فيهم يأجوج ومأْجوج كلهم والمشركون، وواحد إلى الجنة من غيرهم، بلغتهم الدعوة قيل: ليلة الإسراء، ولم يؤمنوا، ولا يموت واحد حتى يخلف ألف ولد حملَ السلاح، وكل صنف منهم نشأ منهم. وروى: أنهم مائة ألف أمة، لا تشبه أمة أمة. وقال قتادة: اثنتان وعشرون قبيلة. فشدَّ ذو القرنين على إحدى وعشرين، والقبيلة الأخرى غازية. وهم الترك، سموا لأنهم تركوا. وقال الأوزاعى: هما امتان، كل أمة أربعمائةِ ألف. وقال ابن عمر: ثلاث أمم لا يحصيهم إلا الله: تأويل، وتارس، ومنسك وإذا خرجوا شربوا ماء البحار العذب والمالح كلها. وروى: أن الريح التى يهلكهم الله بها يمنية من تحت العرش، ويُحج البيت ويعتمر بعد موتهم. {فَإِذَا} الفاء عاطفة، أو زائدة، أو مستأنفة، أو سببية مجردة عن العطف أقوال فيها. قيل: إذا الفجائية، ويجوز كونها رابطة لشرط محذوف، أَى إذا وقع الوعد، وإذا بعدها للمفاجأة، مؤكدة للربط إذا جعلت الفاء رابطة. {هِىَ} ضمير القصة عند سيبويه {شَاخِصَةٌ} خبر مقدم، أى حديدة النظر دون أن تَطْرِف. وذلك يكون لنحو الخوف المفرِط، والهول المذهل. {أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أبصار مبتدأ مؤخر، والجملة خير ضمير القصة لا تحتاج لربط؛ لأنها نفسه معنى. وأجاز الفراء كون هى ضمير المبهم فى الذهن، توضحه الأبصار، وكون الشخوص فعلا للأبصار. وعليه فشاخصة مبتدأ، وأبصار خبر. والجملة خبره - كما مر - أو شاخصة خبر، وأبصار فاعل شاخصة. وابن هشام على الأول. قال: وأجار الكوفيون والأخفش تفسير ضمير الشأْن بمفرد، وعليه فيجوز كون شاخصة خبر الهى مع أنه ضمير القصة {يَا وَيْلَنَا} أى يقولون: يا ويلنا؟ أو قائلين: يا ويلنا. وصاحب الحال التى هى يقولون، أو قائلين هو الذين ولو كان مضافاً إليه؛ لأن المضاف جزؤه. {قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} أى من هذا اليوم. {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} أنفسنا بتكذيب الرسل، وعَبَدْنا من لم يتأهل للعبادة.
اطفيش
تفسير : {حتَّى إذا فتحَتْ يأجُوجُ ومأجُوج} حتى حرف ابتداء، ولا تخلو عن غاية، وقيل جارة لإذا، وهى عائدة الى محذوف، أى يستمرون على الكفر كافر بعد كافر الى قرب الساعة، وتقوم عليهم مصرين، وإذا قامت آمنوا ولا ينفعهم، أو عائدة الى أهلكنا، أو حرام إو الى لا يرجعون، أو الى تقطعوا، وفيه كثرة الفصل، أى يدومون على التقطع والخلاف، حتى إذا جاءت الساعة آمنوا كلهم، ولكن يتفقون على الكفر فتقوم، ولا جواب لإذا، وقيل جوابها هى شاخصة قرن بالفاء، وإذا الفجائية معاً لتأكيد، وتفتيح يأجوج ومأجوج مجاز عن إخراجهم، أو يقدر مضاف أى فتح سد يأجوج. {وهُم} يأجوج ومأجوج، وقال مجاهد: الناس {مِن كلِّ حَدبٍ} مرتفع منحدر كجبل وأكمة {ينسِلونَ} يسرعون، وأصله مقاربة الخطو مع الإسراع، وعلى أنه حقيقة فى الذئب يكون هنا مجازاً قبيلتان هم تسعة أعشار، وبنو آدم عشر، يوحى الله عز وجل الى عيسى عليه السلام أنِّى أخرجت عبداً لى لا يدان لأحد أن يقالهم، فأحرز عبادى الى الطور، يشرب أوائلهم ماء طبرية، ويقول أواخرهم، كان هنا ماء، ويكون رأس الثور لأصحاب عيسى خيراً من مائة دينار.
الالوسي
تفسير : و {حَتَّىٰ} في قوله تعالى:{حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} ابتدائية والكلام بعدها غاية لما يدل عليه ما قبلها كأنه قيل: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا ويقولون يا ويلنا الخ أو غاية للحرمة أي يستمر امتناع رجوعهم إلى التوبة حتى إذا قامت القيامة يرجعون إليها وذلك حين لا ينفعهم الرجوع أو غاية لعدم الرجوع عن الكفر أي لا يرجعون عنه حتى إذا قامت القيامة يرجعون عنه وهو حين لا ينفعهم ذلك، وهذا بحسب تعدد الأقوال في معنى الآية المتقدمة والتوزيع غير خفي، وقال ابن عطية: حتى متعلقة بقوله تعالى: { أية : وَتَقَطَّعُوۤاْ } تفسير : [الأنبياء: 93] الخ قال أبو حيان: وفيه بعد من كثرة الفصل لكنه من جهة المعنى جيد، وحاصله أنهم لا يزالون مختلفين غير مجتمعين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك الاختلاف وعلم الجميع أن مولاهم الحق وأن الدين المنجي كان دين التوحيد، ونسبة الفتح إلى يأجوج ومأجوج مجاز وهي حقيقة إلى السد أو الكلام على حذف المضاف وهو السد وإقامة المضاف إليه مقامه. وقرأت فرقة {فُتِحَتْ} بالتشديد، وتقدم الكلام في يأجوج ومأجوج. {وَهُمْ} أي يأجوج ومأجوج، وقيل الناس وروي عن مجاهد {مّن كُلّ حَدَبٍ} أي مرتفع من الأرض كجبل وأكمة. وقرأ ابن عباس {جدث} بالجيم والثاء المثلثة وهو القبر، وهذه القراءة تؤيد رجوع الضمير إلى الناس، وقرىء بالجيم والفاء وهي بدل الثاء عند تميم ولا يختص إبدالها عندهم في آخر الكلمة فإنهم يقولون مغثور مكان مغفور {يَنسِلُونَ} أي يسرعون، وأصل النسلان بفتحتين مقاربة الخطو مع الإسراع، قيل ويختص وضعاً بالذئب وعليه يكون مجازاً هنا. وقرأ ابن إسحاق وأبو السمال بضم السين.
ابن عاشور
تفسير : (حتى) ابتدائيةٌ. والجملة بعدها كلام مستأنف لا محل له من الإعراب ولكن (حَتّى) تكسبه ارتباطاً بالكلام الذي قبله. وظاهر كلام الزمخشري: أن معنى الغاية لا يفارق (حتّى) حين تكون للابتداء، ولذلك عُني هو ومن تبعه من المفسرين بتطلب المغيّا بها ههنا فجعلها في «الكشاف» غاية لقوله {وحرَام} فقال: «(حتّى) متعلقة بــــ {حَرام} وهي غاية له لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة» اهــــ. أي: فهو من تعليق الحكم على أمر لا يقع كقوله تعالى: {أية : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط}تفسير : [الأعراف: 40]، ويتركب على كلامه الوجهان اللذان تقدما في معنى الرجوع من قوله تعالى: {أية : أنهم لا يرجعون}تفسير : [الأنبياء: 95]، أي لا يرجعون عن كفرهم حتى ينقضي العالم، أو انتفاء رجوعهم إلينا في اعتقادهم يزول عند انقضاء الدنيا. فيكون المقصود الإخبار عن دوام كفرهم على كلا الوجهين. وعلى هذا التفسير ففتح ياجوج وماجوج هو فتح السدّ الذي هو حائل بينهم وبين الانتشار في أنحاء الأرض بالفساد، وهو المذكور في قصة ذي القرنين في سورة الكهف. وتوقيت وعد الساعة بخروج ياجوج وماجوج أن خروجهم أول علامات اقتراب القيامة. وقد عدّه المفسرون من الأشراط الصغرى لقيام الساعة. وفسّر اقتراب الوعد باقتراب القيامة، وسُمّيت وعداً لأن البعث سمّاه الله وعداً في قوله تعالى: {أية : كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين}تفسير : [الأنبياء: 104]. وعلى هذا أيضاً جعلوا ضمير {وهم من كل حدب ينسلون} عائد إلى «ياجوج وماجوج» فالجملة حال من قوله {ياجوج وماجوج}. وبناء على هذا التفسير تكون هذه الآية وصفتْ انتشار ياجوج وماجوج وصفاً بديعاً قبل خروجهم بخمسة قرون فعددنا هذه الآية من معجزات القرآن العلمية والغيبية. ولعل تخصيص هذا الحادث بالتوقيت دون غيره من علامات قرب الساعة قصد منه مع التوقيت إدماجُ الإنذار للعرب المخاطبين ليكون ذلك نُصب أعينهم تحذيراً لذرياتهم من كوارث ظهور هذين الفريقين فقد كان زوال ملك العرب العتيد وتدهور حضارتهم وقوتهم على أيدي ياجوج وماجوج وهم المَغول والتتار كما بيّن ذلك الإنذارُ النبوي في ساعة من ساعات الوحي. فقد روت زينب بنت جحش أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فَزِعاً يقول: حديث : «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم ياجوج وماجوج هكذا»وحلّق بأصبعه الإبهام والتي تليها تفسير : . والاقتراب على هذا اقتراب نسبي على نسبة ما بقي من أجل الدنيا بما مضى منه كقوله تعالى: {أية : اقتربت الساعة وانشقّ القمر}تفسير : [القمر: 1]. ويجوز أن يكون المراد بفتح ياجوج وماجوج تمثيلَ إخراج الأموات إلى الحَشر، فالفتح معنى الشق كقوله تعالى: {أية : يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ذلك حشر علينا يسير}تفسير : [ق: 44]، ويكون اسم ياجوج وماجوج تشبيهاً بليغاً. وتخصيصهما بالذكر لشهرة كثرة عددهما عند العرب من خبر ذي القرنين. ويدلّ لهذا حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حديث : يقول الله لآدم (يوم القيامة) أخرج بَعث النار، فيقول: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول الله: من كل ألف تُسعمائة وتسعة وتسعون. قالوا: يا رسول الله وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: أبشروا، فإن منكم رجلاً ومن يأجوج وماجوج تسعمائة وتسعة وتسعين»تفسير : . أو يكون اسم يأجوج ومأجوج استعمل مثلاً للكثرة كما في قول ذي الرمة:شعر : لوَ أنَ ياجوج وماجوجَ معاً وعادَ عادٌ واستجاشوا تُبّعا تفسير : أي: حتى إذا أخرجت الأموات كيَأجوج ومأجوج على نحو قوله تعالى: {أية : يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر}تفسير : [القمر: 7]، فيكون تشبيهاً بليغاً من تشبيه المعقول بالمعقول. ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود ومجاهد، (جدث) بجيم ومثلثة، أي من كل قبر في معنى قوله تعالى: {أية : وإذا القبور بعثرت}تفسير : [الانفطار: 4] فيكون ضميرا {وهم من كل حدب ينسلون} عائدَيْنِ إلى مفهومٍ من المقام دلّت عليه قرينة الرجوع من قوله تعالى: {أية : لا يرجعون}تفسير : [الأنبياء: 95] أي أهلُ كل قرية أهلكناها. والاقتراب، على هذا الوجه: القرب الشديد وهو المشارفة، أي اقترب الوعد الذي وُعده المشركون، وهو العذاب بأن رأوا النار والحساب. وعلامة التأنيث في فعل {فُتحت} لتأويل ياجوج وماجوج بالأمة. ثم يقدر المضاف وهو سُدٌّ فيكتسب التأنيث من المضاف إليه. وياجوج وماجوج هم قبيلتان من أمةٍ واحدة مثل طَسم وجديس. وإسناد فعل {فتحت} إلى {ياجوج وماجوج} بتقدير مضاف، أي فُتح رَدْمهما أو سُدّهما. وفعل الفتح قرينة على المفعول. وقرأ الجمهور {فتحت} بتخفيف التاء الفوقية التي بعد الفاء. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بتشديدها. وتقدم الكلام على ياجوج وماجوج في سورة الكهف. والحدب: النَشَز من الأرض، وهو ما ارتفع منها. و {ينسِلون} يمشون النّسَلانَ ــــ بفتحتين ــــ وفعله من باب ضرب، وأصله: مشي الذئب. والمراد: المشي السريع. وإيثار التعبير به هنا من نكت القرآن الغيبية، لأن ياجوج وماجوج لما انتشروا في الأرض انتشروا كالذئاب جياعاً مفسدين. هذا حاصل ما تفرق من كلام المفسرين وما فرضوه من الوجوه، وهي تدور حول محوَر التزام أنّ (حتى) الابتدائية تفيد أن ما بعدها غاية لما قبلها مع تقدير مفعول {فُتحت} بأنه سدّ ياجوج وماجوج. ومع حمل ياجوج وماجوج على حقيقة مدلول الاسم، وذلك ما زج بهم في مضيق تعاصى عليهم فيه تبيين انتظام الكلام فألجئوا إلى تعيين المغيّا وإلى تعيين غاية مناسبة له ولهاته المحامل كما علمت مما سبق. ولا أرى متابعتهم في الأمور الثلاثة. فأما دلالة (حتى) الابتدائية على معنى الغاية، أي كون ما بعدها غاية لمضمون ما قبلها، فلا أراه لازماً. ولأمر ما فرق العرب بين استعمالها جارّة وعاطفة وبين استعمالها ابتدائية، أليس قد صرح النحاة بأن الابتدائية يكون الكلام بعدها جملة مستأنفة تصريحاً جرى مجرى الصواب على ألسنتهم فما رَعَوه حق رعايته فإن معنى الغاية في (حتى) الجارّة (وهي الأصل في استعمال هذا الحرف) ظاهر لأنها بمعنى (إلى). وفي (حتّى) العاطفة لأنها تفيد التشريك في الحكم وبين أن يكون المعطوف بها نهاية للمعطوف عليه في المعنى المراد. فأما (حتى) الابتدائية فإن وجود معنى الغاية معها في مواقعها غير منضبط ولا مطرّد، ولما كان ما بعدها كلاماً مستقلاً تعيّن أن يكون وجودها بين الكلامين لمجرد الربط بين الكلامين فقد نقلت من معنى تنهية مدلول ما قبلها بما بعدها إلى الدلالة على تنهية المتكلم غرض كلامه بما يورده بعد (حتى) ولا يقصد تنهية مدلول ما قبل (حتى) بما عند حصول ما بعدها (الذي هو المعنى الأصل للغاية). وانظر إلى استعمال (حتى) في مواقع من معلقة لبيد. وفي قوله تعالى: {أية : وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله}تفسير : [البقرة: 214] فإن قول الرسول ليس غاية للزلزلة ولكنه ناشىء عنها، وقد مُثلت حالة الكافرين في ذلك الحين بأبلغ تمثيل وأشدّه وقعاً في نفس السامع، إذ جعلت مفرعة على فتح ياجوج وماجوج واقترابِ الوعد الحقّ للإشارة إلى سرعة حصول تلك الحالة لهم ثم بتصدير الجملة بحرف المفاجأة والمجازاة الذي يفيد الحصول دَفعة بلا تدرّج ولا مهلة، ثم بالإتيان بضمير القصة ليحصل للسامع علم مجمل يفصله ما يفسِّر ضمير القصة فقال تعالى: {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} إلى آخره. والشخوص: إحداد البصر دون تحرك كما يقع للمبهوت. وجملة: {يا ويلنا} مقول قول محذوف كما هو ظاهر، أي يقولون حينئذ: يا ويلنا. ودلت (في) على تمكن الغفلة منهم حتى كأنها محيطة بهم إحاطة الظرف بالمظروف، أي كانت لنا غفلة عظيمة، وهي غفلة الإعراض عن أدلة الجزاء والبعث. و {يا ويلنا} دعاء على أنفسهم من شدة ما لحقهم. و {بل} للإضراب الإبطالي، أي ما كنا في غفلة لأننا قد دُعينا وأُنذرنا وإنما كنا ظالمين أنفسنا بمكابرتنا وإعراضنا. والمشار إليه بــــ (هذا) هو مجموع تلك الأحوال من الحشر والحساب والجزاء.
د. أسعد حومد
تفسير : (96) - وَيَسْتَمِرُّ هَذا الامْتِنَاعُ مِنَ الرَّجْعَةِ حَتَّى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى مِنْ إِشَارَاتِ قِيَامِها انْسِياحُ يَأجُوجَ وَمَأْجوجَ فِي الأرْضِ، يُهْلِكُونَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، يَقْتُلُونَ وَيُدَمِّرُونَ، وَيَنْطَلِقُونَ مِنْ كُلِّ مُرْتَفَعٍ (حَدَبٍ) يُسْرِعُونَ المَشْي (يَنْسِلُوْنَ) إِلَى الفَسَادِ، فَيَمُوجُ النَّاسُ بَعْضُهم فِي بَعْضٍ، هَرَباً مِنهم، مُحَاوِلِينَ الانْحِيازَ إِلَى حُصُونِهِمْ وَقِلاَعِهِم وَمَعَاقِلِهِم للنَّجَاةِ من شُرُورِهِم. حَدَبٍ - مُرْتَفَعٍ مِنَ الأَرْضِ. يَنْسِلُونَ - يُسْرِعُونَ المَشْيَ فِي الخُرُوجِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وردتْ قصة يأجوج ومأجوج في آخر سورة الكهف، حينما سُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل الجوَّال الذي طاف الأرض، فنزلت: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} تفسير : [الكهف: 83]. وقد تكلم العلماء في ذي القرنين، منهم مَنْ قال: هو قورش ومنهم مَنْ قال هو: الإسكندر الأكبر. والقرآن لا يعنيه الشخص وإلاَّ لَذكره باسمه، فالقرآن لا يُؤرِّخ له، ولا يقيم له تمثالاً، إنما يريد التركيز على الأوصاف التي تعني الحق وتعني الخَلْق. فيكفي أن نعلم أنه إنسان مكَّنَه الله في الأرض. يعني: أعطاه من أسباب القوة وأسباب المهابة والسيطرة، وأعطاه من كُلِّ مُقوِّمات القوة: أعطاه المال والعلم والجيوش، فلم يكتف بذلك كله، بل {أية : فَأَتْبَعَ سَبَباً} تفسير : [الكهف: 85] يعني: أخذ بالأسباب التي تؤدِّي إلى الخير. وسبق أنْ تحدثنا عن تشخيص البطل في قصص القرآن؛ لأن القرآن لا يُؤرِّخ للشخصية، ولا يُعطى لها خصوصية، وإنما يريدها عامة لتكون مثلاً يُحتذَى، ويتم بها الاعتبار، وتُحدِث الأثر المراد من القصة. فما يعنينا في قصة ذي القرنين أنه رجل مُكِّن في الأرض، وكان من صفاته كذا وكذا، وما يعنينا من أهل الكهف أنهم فتية آمنوا بربهم وتمسَّكوا بدينهم وعقيدتهم وضَحَّوْا في سبيلها، لا يهمنا الأشخاص ولا الزمان ولا المكان ولا العدد. لذلك؛ أبهم القرآن كل هذه المسائل، فأيّ فتية، في أيّ زمان، وفي أيِّ مكان، وبأيِّ أسماء يمكن أن يقفوا هذا الموقف الإيماني، ولو شخَّصناهم وعيَّناهم لَقالَ الناس: إنها حادثة خاصة بهؤلاء، أو أنهم نماذج لا تتكرر؛ لذلك أبهمهم القرآن ليكونوا عبرة وأُسْوة تسير في الزمان كله. كذلك، لما أراد القرآن أنْ يضرب مثلاً للذين كفروا ذكر امرأة نوح وامرأة لوط ولم يُعيِّنهما، وكذلك ضرب مثلاً للذين آمنوا بامرأة فرعون ولم يذكر مَنْ هي، فالغرض من ضَرْب هذه الأمثال ليس الأشخاص، إنما لنعلم أن للمرأة حريةَ العقيدة واستقلاليةَ الرأي، فليست هي تابعة لأحد، بدليل أن نوحاً ولوطاً لم يتمكَّن كل منهما من هداية امرأته. وفرعون الكافر الذى ادَّعَى الألوهية، لم يستطع أن يمنع زوجته من الإيمان، وهي التي قالت: {أية : رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [التحريم: 11]. إذن: ما يعنينا في قصة "ذي القرنين" أن الله مكَّن له في الأرض وأعطاه كُلَّ أسباب القوة والسيطرة؛ لذلك ائتمنه أنْ يكونَ ميزاناً للخير وللحق، وفوَّضَهُ أن يقضي في الخَلْق بما يراه من الحق والعدل. {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} تفسير : [الكهف: 86]. لأننا مكَّنَّاه وفوَّضناه، فاستعمل التمكين في موضعه، وأخذ الأمانة بحقِّها، فقال: {أية : أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 87] أي: نُعذِّبه على قَدْر مقدرتنا، ثم يُرَدُّ إلى ربه فيُعذِّبه على قَدْر قدرته تعالى. {أية : وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً}تفسير : [الكهف: 88]. وهكذا يكون دستور الحياة من الحاكم الممكَّن في الخَلْق، دستور الثواب والعقاب الذي تستقيم به أمور البلاد والعباد، فحين يرى تقصيراً لا بُدَّ أنْ يأخذ على يد صاحبه مهما تكُنْ منزلته، لا يخافه ولا ينافقه ولا يخشى في الله لومة لائم، وإنْ رأى المحسن المجتهد يُثيبه ويكافئه. وهذا القانون نراه في مجتمعنا يكاد يكون مُعطّلاً بين العاملين، فاختلط الحابل بالنابل، وتدهورتْ الأمور، ودخلت بيننا مقاييس أخرى للثواب وللعقاب ما أنزل الله بها من سلطان، فانقلبتْ الموازين، حيث تبجح الكسالى، وأُحْبِط المجدُّون المحسنون. {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} تفسير : [الكهف: 90]. هذا كُلُّ ما أخُبر الله به، ويبدو أنه وصل في تجواله العام إلى بلاد تظل الشمس بها مشرقة ثلاثة أو ستةَ أشهر لا تغرب؛ لذلك لم يجد لهم من دون الشمس ستْراً يسترها أيْ ظلمة {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}تفسير : [الكهف: 93]. ومع ذلك احتال أن يفهم منهم، ويخاطبهم؛ لحرصه على نفعهم وما يصلحهم، وهذه صفة الحاكم المؤمن حين يُمكَّن في الأرض، وتُعطَى له أسباب القيادة، ويُفوَّض في خَلْق الله، ولو لم يكُنْ حريصاً على نفعهم لوجد العذر في كونه لا يفهم منهم ولا يفهمون منه. فلما توصلوا إلى لغة مشتركة، ربما هي لغة الإشارة التي نتفاهم بها مع الأخرس مثلاً: {أية : قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} تفسير : [الكهف: 94]. ثم أمرهم أن يأتوا بقطَع الحديد، فأشعل فيها النار حتى احمرَّت فقال {أية : آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} تفسير : [الكهف: 96] وهكذا صنع لهم السدَّ الذي يحميهم من هؤلاء القوم، فلم يَقصُر نفعه لهم على هذه القضية ذاتها، إنما نفعهم نَفْعاً يعطيهم الخير والقوة في ألاَّ يتعرضوا لمثلها بعد ذلك، عملاً بالحكمة التي تقول: لا تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد. ذلك لأنه أشركهم في العمل؛ ليشعروا بأهميته ويتمسكوا بالمحافظة عليه وصيانته، وإذا ما تعرضوا لمثل هذا الموقف لا ينتظرون مَنْ يصنع لهم. هذا هو النموذج الذي تُقدِّمه قصة "ذي القرنين" وهو نموذج صالح لكل الزمان ولكل المكان ولكل حاكم مكَّنه الله في الأرض، وألقى بين يديه أزِمّة الأمور، وفي حديث أفضل العمل يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق ". تفسير : وقد تضاربتْ الأقوال حول: مَنْ هم يأجوج ومأجوج، فمنْ قائل: هم التتار. وآخر قال: المغول. وآخر قال: هم الحتيت، أو السرديال، أو قبائل الهُونْ. ولو كان في تحديدهم فائدة لعيَّنهم القرآن، إنما المهم من قصتهم أنهم قوْمٌ مفسدون في الأرض لا يتركون الصالح على صلاحه، فإذا ما تصدَّى لهم الممكَّن في الأرض فعليه أن يحول بينهم وبين هذا الإفساد في غيرهم، وعلينا نحن ألاَّ نُفسِد الصالح كهؤلاء، إنما نترك الصالح على صلاحه، بل ونزيده صلاحاً. وفي بناء ذي القرنين للسد دروس يجب أنْ يعيها أولو الأمر الذين يتوَّلْون مصالح الخَلْق، من هذه الدروس أنه لم يقف عند طلبهم في بناء سدٍّ يمنع عنهم أذى عدوهم، إنما اجتهد وترقَّى بالمسألة إلى ما هو أفضل لهم، فالسدُّ الأصمّ المتماسك كقطعة واحدة يسهل هَدْمه أو النفاذ منه؛ لذلك قال: {أية : فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} تفسير : [الكهف: 95]. لقد طلبوا سداً وهو يقول: رَدْماً، لقد رقّى لهم الفكرة، وأراد أن يصنع لهم سداً على هيئة خاصة تمتصّ الصدمات، ولا تؤثر في بنائه؛ لأنه جعل بين الجانبين رَدْماً كأنه سوسته تُعطِي السدّ نوعاً من المرونة. وهكذا يجب أن يكون المؤمن عند تحمُّل مسئولية الخَلْق. ولما عرضوا عليه المال نظير عمله أبى، وقال: {أية : مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ..} تفسير : [الكهف: 95] أي: عندي المال الكثير من عطاء الله لكن أعينوني بما لديكم من قوة. إذن: زكاة القوة أنْ تمنع الفساد من الغير. نعود إلى قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ..} [الأنبياء: 96] فلها علاقة بقوله تعالى: {أية : وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 93] فتقطّع أهل الخير وتفرُّقهم يُجرِّئ عليهم أصحاب الفساد، وأقل ما يقولونه في حقِّهم أنهم لو كانوا على خير لنفعوا أنفسهم، فدعُوكم من كلامهم، وهكذا يفُتُّ أهل الباطل في عَضُدِ أهل الحق، ويصرفون الناس عنهم. {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ..} [الأنبياء: 96] يعني: جاءت عناصر الفساد والفتنة في الكون، وعناصر الفساد والفتنة لا تتمكن ولا تجد الفرصة والسلطة الزمنية إلا إذا غفل أهل الحق وتفرقوا فلم يردوهم، ويأخذوا على أيديهم. ويأجوج ومأجوج هم أهل الفساد في كل زمان ومكان، فجنكيزخان الذي هدم أول ولاية إسلامية في خوارزم، وكان عليها الملك قطب أرسلان، ثم جاء من ذريته الثالثة هولاكو الذي دخل بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية وخربَّها وقتل أهلها حتى سالتْ الدماء، وألقى بالكتب الإسلامية في النهر حتى كانت قنطرة يعبرون عليها. هؤلاء الذين نُسمِّيهم التتار. إذن: فالقرآن قَصَّ علينا من التاريخ القديم قصة يأجوج ومأجوج أيام ذي القرنين، ثم رأيناهم في حياتنا الإسلامية، وشاء الله أن يستفيد المسلمون من هجمات هؤلاء البرابرة، وأن تتجمع ولاياتهم ويصدُّوا هجمات التتار على أرض مصر بقيادة قطز والظاهر بيبرس، وهما مثالان للممكَّنين في الأرض، مع أنهما من المماليك. هذه الهجمات التترية للمفسدين في الأرض كانت هجمات همجية وحشية، وقد تجمَّع أحفاد هؤلاء من يأجوج ومأجوج العصر الحديث في هجمات مدنية تغزونا بحضارتها، إنهم الصليبيون الذين انهزموا أمام وحدة المسلمين بقيادة صلاح الدين. وهكذا على مرِّ التاريخ ننتصر إذا كنا أمة واحدة، ونُهزَم إذا تفرّقنا وتقطّعنا أمماً وأحزاباً، وهذه حقائق تُثبِت صِدْق القرآن فيما وجَّهنا إليه من الوحدة وعدم التفرق. ثم يقول تعالى: {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء: 96]. الحدب: المكان المرتفع، نقول: فلان أحدب الظهر يعني: في ظهره منطقة مرتفعة، وكذلك هؤلاء المفسدون أتوْا من أماكن مرتفعة في هضبة شمال الصين. ومعنى {يَنسِلُونَ} [الأنبياء: 96] يعني: يسرعون، ومنه نقول: انسلَّ القماش؛ لأن القماش مُكوَّن من سُدى ولُحمة، يعني خيوط طولية وخيوط عرضية، تتداخل فتكوِّن القماش، فنسل القماش أن تنزع خيوط العرض وتفكّ تداخلها مع خيوط الطول، ولا تُنزع خيوط الطول لأنها دائماً مُحكَمة بثَنْى السُّدَى على اللحمة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} معناه من كُلِّ نَشزٍ وإرتفاعٍ. ويَنسِلُونَ: معناه يَعْجَلُون في مَسيرهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا تحذير من الله للناس، أن يقيموا على الكفر والمعاصي، وأنه قد قرب انفتاح يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان عظيمتان من بني آدم، وقد سد عليهم ذو القرنين، لما شكي إليه إفسادهم في الأرض، وفي آخر الزمان، ينفتح السد عنهم، فيخرجون إلى الناس في هذه الحالة والوصف، الذي ذكره الله من كل من مكان مرتفع، وهو الحدب ينسلون أي: يسرعون. وفي هذا دلالة على كثرتهم الباهرة، وإسراعهم في الأرض، إما بذواتهم، وإما بما خلق الله لهم من الأسباب التي تقرب لهم البعيد، وتسهل عليهم الصعب، وأنهم يقهرون الناس، ويعلون عليهم في الدنيا، وأنه لا يد لأحد بقتالهم. { وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ } أي: يوم القيامة الذي وعد الله بإتيانه، ووعده حق وصدق، ففي ذلك اليوم ترى أبصار الكفار شاخصة، من شدة الأفزاع والأهوال المزعجة، والقلاقل المفظعة، وما كانوا يعرفون من جناياتهم وذنوبهم، وأنهم يدعون بالويل والثبور، والندم والحسرة، على ما فات ويقولون لـ : { قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } اليوم العظيم، فلم نزل فيها مستغرقين، وفي لهو الدنيا متمتعين، حتى أتانا اليقين، ووردنا القيامة، فلو كان يموت أحد من الندم والحسرة، لماتوا. { بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ } اعترفوا بظلمهم، وعدل الله فيهم، فحينئذ يؤمر بهم إلى النار، هم وما كانوا يعبدون، ولهذا قال: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 653 : 28 : 22 - سفين في قوله {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} قال، الحدب الشيء اليابس من الأرض. [الآية 96].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} [96] 353 - أنا عُبيدُ اللهِ بن إبراهيم، نا عمِّي، نا أبي، عن صالحٍ، عن ابن شهابٍ، قال حدثني عروةُ بن الزُّبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرت عن أُم حبيبة بنت أبي سُفيان، عن زينب بنت جحشٍحديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقولُ "لا إلهَ إلاَّ اللهُ؛ ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب؛ فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه قال: وحلق بأُصبعهِ الإبهام والتي تليها - فقلت: يا رسول الله أنَهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كَثُر الخبثُ ". تفسير : 354 - أنا أبو داود، نا سهلُ بن حمادٍ، نا شعبةُ، عن النُّعمانِ ابن سالمٍ، عن ابن عمرو وبن أوسٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن يأجوج ومأجوج لهم [نساءٌ] يُجامعون ما شاؤُا، وشجرٌ يلقحون ما شاؤُا، فلا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً ".
همام الصنعاني
تفسير : 1885- حدّثنا عبد الزراق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ}: [الآية: 96]، قال: من كل أكَمَه. 1886- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة أن أبا سعدي الخدري قال: إنَّ الناس يحجون، ويتعمرون بعد خروج يأجوج ومأجوج. 1887- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن عامر البكالي، قال: إن الله جزّأً الملائكة، والإنس والجن عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء منهم الكربيّون وهم الملائكة الذين يحملون العرش، وهم أيضاً الذين يُسبِّحون الليل والنَّهار ولا يفترونَ، قال: ومن بقي من الملائكة لأمر الله، وَلِوْحْيِ الله، ولرسالاتِ الله، قال: ثم جزّاً الإنس والجنَّ عشرةَ أجزءا، فتسعةٌ منها الجن. ولا يُولد من الإنْس ولد إلا وُلِدَ من الجن تسعة، ثم جَزّأً الإنسَ عشرةَ إجزاءٍ فَتِسْعَةٌ منهم يأجوج ومأجوج، وسائرُ الناسِ جزءٌ. 1888- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن رجل، عن حميد بن هلال، عن أبي الضيف قال، قال كعب: إذَا كَانَ عِنْدَ خروج يأجومج ومأجوج حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كانَ اللَّيْل قالوا نجيء غداً فنفتح، فَيُعيدُهُ الله كما كان، فيجيئون من الغد فيحفرون حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم فإذا كان الليل قالوا نجيء غداً، فنخرج، فيجيئون من الغد فيجدونه من الغد قد أعاده الله كما كَانَت فيحفرون حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لِسَان رجل منهم، فيقول: نَجِيء غداً فنخرج إن شاء الله، فيجيئون من الغد، فيجدونه كما تركوه، فيحفرون ثم يخرجون، فتمرّ الزّمرة الأولى منهم بالبُحَيْرَةِ فيشربون ماءها ثم تمرّ الزُّمْرة الثانية، فيلحَسُونَ طِينَها، ثم تمرّ الزمرة الثالثة فيقولون: لقد كَانَ مَرَّةً هاهنا ماء. قال: ويفرّ الناس منهم، فلا يَقُومُ لَهُمْ شيء، ثم يرمون بِسِهَامِهِمْ إلى السَّماء فترجع مخضبة بالدِّماءِ، فيقولون غلبنا أهْل الأرض وأهل السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم، فيقول: اللهم لا طاقة لنا بهم، ولا يدين لنا بهم، فكفناهم بما شئت، فيسلَّطُ الله عليهم دوداً، يُقَالُ لها النَّعف، فتفترس رقابهم وبيعث الله عليهم طيراً تأخذهم بمناقيرهَا فَتُلقيهم في البحر، فَيَبْعث الله غيثاً يُقال له، الحياة، يُطَهِّرُ الأرض وبُنْبِتُها، حتى أن الرمانة ليشبع منها السكن، قيل: وَمَا السكن؟ قال: أهْل البيت، قال: فَبيننا الناس كذلك إذ أتاهم الصَّريخ، أنَّ ذا السُّوَيْقَتَيْنِ قد غزا البيت يريده فيبعث إليه ابن مريم، طليعةَ سبع مائة أو بين السبع مائة والثمان مائة، حتى إذا كانَ بعض الطريق بعث الله ريحاً يمانية طيبة، فَيَقْبِضُ فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج من النَّاس، يتسافدون كما تتسافد البهائم، فمثل الساعة كمثَل رَجُلٍ يطيف حول فرسه، ينتظر ولادَها حتَّى تضع، فمن تكلف بعد قولي هذا شيئاً، أو بعد علمي هَذَا شَيْئاً، فَهُوَ مُتَكلّفٌ. 1889- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر الخيواني، عن عبد الله بن عمرو، قال: ما يموت الرجل من يأجوج ومأجوج حتى يولد له من صلبه ألف رَجُلٍ، وإن مِنْ ورائهم لثلاث أمم، ما يعلم عَدَدهم إلا الله، منسك، وتاويل، وتاريس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):