Verse. 2578 (AR)

٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء

21 - Al-Anbiya (AR)

وَحَرٰمٌ عَلٰي قَرْيَۃٍ اَہْلَكْنٰہَاۗ اَنَّہُمْ لَا يَرْجِعُوْنَ۝۹۵
Waharamun AAala qaryatin ahlaknaha annahum la yarjiAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وحرام على قرية أهلكناها» أريد أهلها «أنهم لا» زائدة «يرجعون» أي ممتنع رجوعهم إلى الدنيا.

95

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} قراءة زيد بن ثابت وأهل المدينة «وَحَرَامٌ» وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وأهل الكوفة «وَحِرْمٌ» ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم. وهما لغتان مثل حِلّ وحَلاَل. وقد روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير «وَحَرِمَ» بفتح الحاء والميم وكسر الراء. وعن ابن عباس أيضاً وعكرمة وأبي العالية «وَحَرُمَ» بضم الراء وفتح الحاء والميم. وعن ابن عباس أيضاً «وَحَرَمَ» وعنه أيضاً «وَحَرَّمَ»، «وَحُرِّمَ». وعن عكرمة أيضاً «وَحَرِمٌ». وعن قتادة ومطر الوراق «وَحَرْمٌ» تسع قراءات. وقرأ السُّلَمي «عَلَى قَرْيَةٍ اهْلَكْتُها». واختلف في «لا» في قوله: «لاَ يَرْجِعُونَ» فقيل: هي صلة؛ روي ذلك عن ابن عباس، واختاره أبو عبيد؛ أي وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك. وقيل: ليست بصلة، وإنما هي ثابتة، ويكون الحرام بمعنى الواجب؛ أي وجب على قرية؛ كما قالت الخنساء:شعر : وَإِنَّ حَراماً لاَ أَرَى الدَّهْرَ بَاكِياً عَلَى شَجْوهِ إلاَّ بَكيتُ على صَخْر تفسير : تريد أخاها؛ فـ«ـلا» ثابتة على هذا القول. قال النحاس: والآية مشكلة ومن أحسن ما قيل فيها وأجلّه ما رواه ابن عيينة وابن عُلَيّة وهشيم وابن إدريس ومحمد بن فضيل وسليمان بن حيان ومعلّى عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ} قال: وجب أنهم لا يرجعون؛ قال: لا يتوبون. قال أبو جعفر: واشتقاق هذا بيّن في اللغة، وشرحه: أن معنى حُرّم الشيء حُظِر ومُنع منه، كما أن معنى أحل أبيح ولم يمنع منه، فإذا كان «حَرامٌ» و«حِرْمٌ» بمعنى واجب فمعناه أنه قد ضيق الخروج منه ومنع فقد دخل في باب المحظور بهذا؛ فأما قول أبي عبيد: إن «لا» زائدة فقد رده عليه جماعة؛ لأنها لا تزاد في مثل هذا الموضع، ولا فيما يقع فيه إشكال، ولو كانت زائدة لكان التأويل بعيداً أيضاً؛ لأنه إن أراد وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا فهذا ما لا فائدة فيه، وإن أراد التوبة فالتوبة لا تُحرّم. وقيل: في الكلام إضمار أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها، أو بالختم على قلوبها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون؛ قاله الزجاج وأبو علي؛ و«لا» غير زائدة. وهذا هو معنى قول ابن عباس رضي الله عنه. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} تقدّم القول فيهم. وفي الكلام حذف، أي حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج، مثل «وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ». {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} قال ابن عباس: من كل شرف يُقبلون؛ أي لكثرتهم ينسلون من كل ناحية. والحدب ما ارتفع من الأرض، والجمع الحِداب؛ مأخوذ من حدبة الظهر؛ قال عَنْتَرة:شعر : فما رعِشت يداي ولا ازدهاني تَواتُرهم إليّ من الحدَاب تفسير : وقيل: «يَنْسِلُونَ» يخرجون؛ ومنه قول امرىء القيس:شعر : فَـسُلِّـي ثِيـابِـي مـن ثِيـابِـك تَـنْسُـلِ تفسير : وقيل: يسرعون؛ ومنه قول النابغة:شعر : عَسَلاَن الذئبِ أَمْسَى قَارِباً بَرَد الليلُ عليهِ فَنَسَلْ تفسير : يقال: عَسَل الذئبُ يَعسِل عَسَلاً وعَسَلانا إذا أعنق وأسرع. وفي الحديث: «حديث : كَذبَ عليك العَسَلَ»تفسير : أي عليك بسرعة المشي. وقال الزجاج: والنَّسَلان مِشية الذئب إذا أسرع؛ يقال: نسل فلان في العدو يَنْسُل بالكسر والضم نَسْلا ونُسولاً ونَسَلانا؛ أي أسرع. ثم قيل في الذين ينسلون من كل حدب: إنهم يأجوج ومأجوج، وهو الأظهر؛ وهو قول ابن مسعود وابن عباس. وقيل: جميع الخلق؛ فإنهم يحشرون إلى أرض الموقف، وهم يسرعون من كل صوب. وقرىء في الشواذ «وَهُمْ مِّن كُلِّ جَدَثٍ يَنسِلُونَ» أخذا من قوله: {أية : فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} تفسير : [يسۤ: 51]. وحكى هذه القراءة المهدوي عن ابن مسعود والثعلبي عن مجاهد وأبي الصهباء. قوله تعالى: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} يعني القيامة. وقال الفراء والكسائي وغيرهما: الواو زائدة مقحمة؛ والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق «فَاقْتَرَبَ» جواب «إذا». وأنشد الفراء:شعر : فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى تفسير : أي انتحى، والواو زائدة؛ ومنه قوله تعالى: «وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. ونَادَيْناهُ» أي للجبين ناديناه. وأجاز الكسائي أن يكون جواب «إذا» {أية : فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنبياء: 97] ويكون قوله: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} معطوفاً على الفعل الذي هو شرط. وقال البصريون: الجواب محذوف والتقدير: قالوا يا ويلنا؛ وهو قول الزجاج، وهو قول حسن. قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3] المعنى: قالوا ما نعبدهم، وحذف القول كثير. قوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ} «هي» ضمير الأبصار، والأبصار المذكورة بعدها تفسير لها؛ كأنه قال: فإذا أبصار الذين كفروا شخصت عند مجيء الوعد. وقال الشاعر:شعر : لَعمرُ أبيها لا تقول ظَعِينتِي أَلاَ فَرَّ عني مالكُ بن أبِي كعب تفسير : فكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها. وقال الفراء: «هي» عماد، مثل {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [الحج: 46]. وقيل: إن الكلام تم عند قوله: «هي» التقدير: فإذا هي؛ بمعنى القيامة بارزة واقعة؛ أي مِن قُربها كأنها آتية حاضرة، ثم ابتدأ فقال: {شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} على تقديم الخبر على الابتداء؛ أي أبصار الذين كفروا شاخصة من هذا اليوم؛ أي من هوله لا تكاد تطرف؛ يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها.

البيضاوي

تفسير : {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ } وممتنع على أهلها غير متصور منهم. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي «وَحِرْمٌ» بكسر الحاء وإسكان الراء و قرىء «حرم». {أَهْلَكْنَـٰهَا } حكمنا بإهلاكها أو وجدناها هالكة. {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } رجوعهم إلى التوبة أو الحياة ولا صلة، أو عدم رجوعهم للجزاء وهو مبتدأ خبره حرام أو فاعل له ساد مسد خبره أو دليل عليه وتقديره: توبتهم أو حياتهم أو عدم بعثهم، أو لأنهم {لاَ يَرْجِعُونَ } ولا ينيبون {وَحَرَامٌ } خبر محذوف أي وحرام عليها ذاك وهو المذكور في الآية المتقدمة ويؤيده القراءة بالكسر. وقيل {حَرَامٌ } عزم وموجب عليهم {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ }.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} قال ابن عباس: وجب، يعني قد قدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، هكذا صرح به ابن عباس وأبو جعفر الباقر وقتادة وغير واحد. وفي رواية عن ابن عباس: أنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، والقول الأول أظهر، والله أعلم. وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} قد قدمنا أنهم من سلالة آدم عليه السلام، بل هم من نسل نوح أيضاً من أولاد يافث، أي أبي الترك، والترك شرذمة منهم تركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين، وقال: {أية : هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّى فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقّاً وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} تفسير : [الكهف: 98 ــــ 99] الآية، وقال في هذه الآية الكريمة {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} أي: يسرعون في المشي إلى الفساد، والحدب هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس وعكرمة وأبو صالح والثوري وغيرهم، وهذه صفتهم في حال خروجهم كأن السامع مشاهد لذلك {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:14] هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السموات والأرض لا إله إلا هو. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عبيد الله بن يزيد قال: رأى ابن عباس صبياناً ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج، وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية. (فالحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «حديث : تفتح يأجرج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله عز وجل: {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} فيغشون الناس وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابساً، حتى أن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ههنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء، قال: ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دماً للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك بعث الله عز وجل دوداً في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد رجل منهم محتسباً نفسه قد أوطنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله عز وجل قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لهم رعي إلا لحومهم، فتشكر عنهم كأحسن ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط»تفسير : ، ورواه ابن ماجه من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق به. (الحديث الثاني) قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه، أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في ناحية النخل، فلما رحنا إليه، عرف ذلك في وجوهنا، فسألناه فقلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: «حديث : غير الدجال أخوفني عليكم. فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرىء حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه شاب جعد قطط عينه طافية، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق فعاث يميناً وشمالاً يا عباد الله اثبتوا ــــ قلنا: يا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ ــــ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم» تفسير : قلنا: يا رسول الله فذاك اليوم الذي هو كسنة، أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: «حديث : لا اقدروا له قدره» تفسير : قلنا: يا رسول الله فما إسراعه في الأرض؟ قال: «حديث : كالغيث استدبرته الريح، قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر المساء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت ذرى، وأمده خواصر، وأسبغه ضروعاً، ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ــــ قال ــــ ويأمر برجل فيقتل، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه يتهلل وجهه، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله عز وجل المسيح عيسى ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً يديه على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لد الشرقي ــــ قال ــــ فبينما هم كذلك إذ أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم عليه السلام أني قد أخرجت عباداً من عبادي لا يدان لك بقتالهم، فَحَوِّز عبادي إلى الطور، فيبعث الله عز وجل يأجوج ومأجوج، كما قال تعالى: {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل، فيرسل عليهم نغفاً في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتاً إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل، فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله»تفسير : ، قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره قال: فتطرحهم بالمهبل، قال ابن جابر: فقلت يا أبا يزيد، وأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس. قال: «حديث : ويرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر أربعين يوماً، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ويقال للأرض: أنبتي ثمرك وردي بركتك، قال: فيومئذ يأكل النفر من الرمانة فيستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينما هم على ذلك إذ بعث الله عز وجل ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم ــــ أو قال: كل مؤمن ــــ ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة»تفسير : ، انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، ورواه مع بقية أهل السنن من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به. وقال الترمذي: حسن صحيح. (الحديث الثالث) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو عن ابن حرملة، عن خالته قالت: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: «حديث : إنكم تقولون لا عدو لكم، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدواً حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشغاف، من كل حدب ينسلون كأن وجوههم المجان المطرقة»تفسير : ، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث محمد بن عمرو عن خالد بن عبد الله بن حرملة المدلجي، عن خالة له، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره مثله سواء. (الحديث الرابع) قد تقدم في آخر تفسير سورة الأعراف من رواية الإمام أحمد عن هشيم، عن العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مُؤثر بن عَفَازَةَ، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ــــ قال فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافراً، فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم ــــ قال ــــ فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، ولا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه ــــ قال ــــ ثم يرجع الناس إليَّ يشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلاً أو نهاراً».تفسير : ورواه ابن ماجه عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب به نحوه، وزاد: قال العوام: ووجد تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} ورواه ابن جرير ههنا من حديث جبلة به. والأحاديث في هذا كثيرة جداً والآثار عن السلف كذلك. وقد ورى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث معمر عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبي الصيف قال: قال كعب: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول نجيء غداً فنخرج فيعيده الله كما كان، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غداً فنخرج إن شاء الله، فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيحفرون حتى يخرجوا، فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمر الزمرة الثالة فيقولون: قد كان ههنا مرة ماء، فيفر الناس منهم فلا يقوم لهم شيء، ثم يرمون بسهامهم إلى السماء فترجع إليهم مخضبة بالدماء، فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم عليه السلام، فيقول: اللهم لا طاقة ولا يد لنا بهم، فاكفناهم بما شئت، فيسلط الله عليهم دوداً يقال له النغف، فيفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيراً تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عيناً يقال لها الحياة يطهر الله الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن، وقيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت، قال: فبينما الناس كذلك إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، قال فيبعث عيسى ابن مريم طليعة سبعمائة أو بين السبعمائة والثمانمائة حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله ريحاً يمانية طيبة فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج الناس، فيتسافدون كما تتسافد البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه متى تضع، قال كعب: فمن قال بعد قولي هذا شيئاً أو بعد علمي هذا شيئاً فهو المتكلف، وهذا من أحسن سياقات كعب الأحبار لما شهد له من صحيح الأخبار. وقد ثبت في الحديث أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق، وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمران عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري وقوله: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} يعني يوم القيامة إذا حصلت هذه الأهوال والزلازل والبلابل، أزفت الساعة واقتربت فإذا كانت ووقعت، قال الكافرون: هذا يوم عسر، ولهذا قال تعالى: {فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي من شدة ما يشاهدونه من الأمور العظام {يٰوَيْلَنَآ} أي يقولون يا ويلنا {قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} أي في الدنيا {بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} يعترفون بظلمهم لأنفسهم حيث لا ينفعهم ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَآ } أريد أهلها {أَنَّهُمْ لاَ } زائدة {يَرْجِعُونَ } أي ممتنع رجوعهم إلى الدنيا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} فيه تأويلان: أحدهما: معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أنهم لا يرجعون إلى التوبة، وهو قول عكرمة. الثاني: وحرام على قرية أهلكناها بالعذاب أنهم لا يرجعون إلى الدنيا، وهذا قول الحسن، وقرأ أبن عباس: وحَرُم على قرية، وتأويلها ما قاله سفيان: وجب على قرية أهلكناها. [أنهم لا يرجعون قال: لا يتوبون]. قوله عز وجل: {حَتَّى إِذَا فُتِحتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} أي فتح السد، وهو من أشراط الساعة، وروى أبو هريرة عن زينب بنت جحش قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً في بيته، فاستيقظ محمرة عيناه، فقال: "حديث : لاَ إِله إِلاَّ اللَّهَ ثَلاَثاً، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجُ مِثْلَ هذَا" تفسير : وأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عِقْدِ التِّسْعِينَ. ويأجوج ومأجوج قيل إنهما أخوان، وهما ولدا يافث بن نوح، وفي اشتقاق اسميهما قولان: أحدهما: أنه مشتق من أَجّت النار. والثاني: من الماء الأُجاج. وقيل إنهم يزيدون على الإِنس الضعف. {وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} وفي حدب الأرض ثلاثة أوجه: أحدها: أنه فجاجها وأطرافها، قاله ابن عباس. والثاني: حولها. الثالث: تلاعها وآكامها، مأخوذ من حدبة الظهر، قال عنترة: شعر : فما رعشت يداي ولا ازْدَهاني تواترهم إليَّ من الحِداب تفسير : وفي قوله: {يَنسِلُونَ} وجهان: أحدها: معناه يخرجون، ومنه قول امرىء القيس: شعر : فسلي ثيابي من ثيابك تنسلِ تفسير : والثاني: معناه يسرعون، ومنه قول الشاعر: شعر : عسلان الذئب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل تفسير : وفي الذي هم من كل حدب ينسلون قولان: أحدهما: هم يأجوج ومأجوج،وهذا قول ابن مسعود. الثاني: أنهم الناس يحشرون إلى الموقف.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} وجدناها هالكة بالذنوب {أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} إلى التوبة، أو أهلكناها بالعذاب {أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} إلى الدنيا " {وحِرْمٌ} وجب على قرية" {أَهْلَكْنَاهَآ} أنهم لم يكونوا ليؤمنوا.

القشيري

تفسير : أي لا نهلك قوماً وإن تمادوا في العصيان إلا إذا علمنا أنهم لا يؤمنون، وأنه بالشقاوة تُخْتَمُ أمورُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وحرام على قرية اهلكناها انهم لا يرجعون} حرام خبر لقوله انهم لا يرجعون والجملة لتقرير مضمون ما قبلها من قوله كل الينا راجعون والحرمان مستعار لممتنع الوجود بجامع ان كل واحد منهما غير مرجو الحصول. والقرية اسم للمصر الجامع كما فى القاموس واسم للموضع الذى يجتمع فيه الناس كما فى المفردات فعلى هذا تطلق على ما يعبر عنه بالفارسية [سبهر وكى] ومعنى التحقيق فى انّ معتبر فى النفى المستفاد من حرام على ان المعنى وممتنع البتة على اهل القرية المهلكة عدم رجوعهم الينا للجزاء لا فى المنفى على معنى ان عدم رجوعهم المحقق ممتنع وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله كل الينا راجعون لانهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم. وفى التأويلات النجمية يشير الى قلوب اهل الاهواء والبدع المهلكة باعتقاد السوء ومخالفات الشرع انهم لا يتوبون الى الله ولا يرجعون الى الحق يدل على هذا التأويل قوله تعالى {أية : أفرأيت من اتخذ الهه هواه واضله الله على علم }

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {حرام}: مبتدأ، وفيه لغتان: حرام وحِرْم، كحلال وحِلّ. و {أنهم...} الخ: خبر، أو فاعل سد مسده، على مذهب الكوفيين والأخفش. والجملة: تقرير لقوله: {كُلٌّ إلينا راجعون}، و {لا} نافية، أي: ممتنع على قرية أهلكناها عدمُ رجوعهم إلينا بالبعث، بل كل إلينا راجعون. وقيل: {لا} زائدة، والتقدير: ممتنع رجوع قرية أردنا إهلاكها عن غيهم، {فإنهم}: على هذا: فاعل بحرام. قاله القصار. و {حتى}: ابتدائية، غاية لما يدل عليه ما قبلها، أي: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا، ويقولون: {يا ويلنا}. وقال أبو البقاء: {حتى}: متعلقة في المعنى بحرام، أي: يستقر الامتناع، أي: هذا الوقت. و {فإذا هي}: جواب {إذا}. وفي الأزهري: وقد يجمع بين الفاء وإذا الفجائية؛ تأكيدًا، خلافًا لمن منع ذلك. قال تعالى: {فإذا هي شاخصة}، فإنه لو قيل: إذا هي، أو فهي شاخصة لصح. هـ. وقيل: {يا ويلنا}: على حذف القول، أي: إذا فتحت قالوا: يا ويلهم. و {اقترب}: عطف على فُتحت. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وحرامٌ} أي: ممتنع {على} أهل {قريةٍ أهلكناها}؛ قدرنا هلاكها، أو حكمنا بإهلاكها؛ لعتوهم، {إنهم إلينا لا يَرجعون} بالبعث والحشر، بل لا بد من بعثهم وحشرهم وجزائهم على أعمالهم. وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع للكل؛ لقوله: {كُلٌ إلينا راجعون}؛ لأنهم المنكِرون للبعث والرجوع دون غيرهم. وقيل: المعنى: وممتنع على قرية، أردنا إهلاكها، رجوعهم إلى التوبة، أو ممتنع على قرية، أهلكناها بالفعل، رجوعهم إلى الدنيا. وفيه رد على مذهب القائلين بالرجعة من الروافض وأهل التناسخ، على أن "لا" صلة. وقُرئ بالكسر، على أنه تعليل لما قبله، فحرام، على هذا، خبر عن مبتدأ محذوف، أي: ذلك العمل الصالح حرام على قرية أردنا إهلاكها؛ لأنهم لا يرجعون عن غيرهم. وقال الزجاج: المعنى: وحرام على قرية، أردنا إهلاكها، أن يُتَقَبَّلَ منهم عمل؛ لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون، ويجوز حمل المفتوحة على هذا بحذف اللام، ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك، أو: فليستمر امتناعهم من الرجوع. {حتى إذا فُتحت يأجوجُ ومأجوج} ونُفخ في الصور، وقامت القيامة، فيرجعون، ولا ينفعهم الرجوع. ويأجوج ومأجوج قبيلتان، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج. والمراد بفتحها: فتح سدها، على حذف مضاف؛ أي: حتى إذا فُتح سد يأجوج ومأجوج، {وهم} أي: يأجوج ومأجوج، وقيل: الناس بعد البعث، {من كل حَدَبٍ} أي: نشز ومرتفع من الأرض، {يَنسِلُونَ}: يسرعون، وأصل النسل: مقاربة الخطو مع الإسراع. ويدل على عَود الضمير ليأجوج ومأجوج: قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : ويفتح ردم يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله تعالى: {من كل حدب ينسلون...}" تفسير : الحديث، ويؤيد إعادتَه على الناس قراءة مجاهد: "من كل جدث"؛ بالجيم، وهو القبر. ثم قال تعالى: {واقتربَ الوعدُ الحقُّ} أي: ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب، {فإِذا هي شاخصةٌ} أي: فإذا القصة أو الشأن، وهو {أبصارُ الذين كفروا} شاخصة، أي: مرتفعة الأجفان، لا تكاد تطرق من شدة الهول، حال كونهم يقولون: {يا ويلنا}؛ يا هلكتنا، هذا أوانك، فاحضري، {قد كُنَّا في غفلةٍ} تامة {من هذا} الذي دهَمنا؛ من البعث، والرجوع إليه تعالى، للجزاء، ولم تعلم، حيث نُبِّهْنَا عليه بالآيات والنُذر، أنه حق، {بل كنا ظالمين} بتلك الآيات والنذر، مُكذبين بها، أو ظالمين أنفسنا؛ بتعريضها للعذاب المخلد. وهو إضراب عما قبله، من وصف أنفسهم بالغفلة، أي: لم نكن غافلين عنه، حيث نُبِّهْنَا عليه بالآيات والنذر، بل كنا ظالمين بتكذيبهم، والله تعالى أعلم. تذييل: رَوى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أول الآية: الدَّجال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قرن عدن، تسوق النار إلى المحشر - أي الشام - تقيل معهم إذا قالوا، والدُّخان، والدَّابة، ثم يأجوج ومأجوج"تفسير : . قلت: وبعد موت يأجوج ومأجوج، تبقى مدة عيسى عليه السلام، في أَمَنَةٍ ورَغَدِ عَيْشٍ. قيل: سبع سنين، وقيل: أربعون. ثم يُقبض عيسى، ويُدفن في روضته صلى الله عليه وسلم، ثم تهب ريح تقبض المؤمنين، فلا يبقى من يقول الله الله، قيل: مائة سنة، وقيل: أقل، ثم تخرب الكعبة، ثم يُنفخ في الصور للصعق، واقترب الوعد الحق. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحضرة محرمة على قلبٍ خراب، أهلكه الله بالوساوس والخواطر، وفتحت عليه من الشواغل والشواغب والخواطر يأجوج ومأجوج، فأفسدته وخربته وجعلته مزبلة للشياطين. فحرام عليه رجوعه إلى الحضرة حتى يتطهر من هذه الوساوس والخواطر، ومن الشواغل والعلائق. قال بعض الصوفية: (حضرة القدوس محرمة على أهل النفوس). فإذا اقترب وعد الحق، وهو أجل موته، قال: يا ويلنا إنا كنا عن هذا غافلين، لم نتأهب للقاء رب العالمين، حتى لقيتُه بقلب سقيم. والعياذ بالله. ثمَّ ذكر قال الكفرة إذا وقع الوعد الحق

الجنابذي

تفسير : {وَحَرَامٌ} قرئ حرامٌ بفتح الفاء والمدّ وحرم بكسر الحاء وسكون الرّاء، وحرم بصيغة الفعل المبنىّ للمفعول {عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} قرئ انّهم بفتح الهمزة وكسرها وحرام خبر مقدّم او مبتدء مكتفٍ بمرفوعه عن الخبر وانّهم مبتدء مؤخّر او فاعل مغنٍ عن الخبر، او حرام خبر مبتدءٍ محذوفٍ والمراد بالقرية اهلها بطريق المجاز فى الحذف او المجاز فى اللّفظ والمعنى ممتنع على اهل قرية اهلكناهم عن الحيٰوة الانسانيّة عدم رجوعهم الى جزائنا وعقوبتنا او رجوعهم الى ثوابنا على ان يكون لا زائدةً او الى الانسانيّة او الى الدّنيا او ذلك المذكور من عدم ضياع السّعى حرام على قرية اهلكناها لانّهم لا يرجعون الى الانسانيّة او الى دار الثّواب، او اهلكناها لانّهم لا يرجعون عن غيّهم على ان يكون تعليلاً لاهلكناها وكون انّهم بتقدير الّلام موافق معنى لقراءة كسر همزة انّ وكان الاوفق بمقابلة القرين الاوّل بحسب الظّاهر ان يقول تعالى: ومن عمل من السّيّئات او من لم يعمل من الصّالحات سواء كان مؤمناً ام لا او من لم يؤمن سواء عمل من الصّالحات او لم يعمل فلا شكر لسعيه لكنّه عدل عنه وادّاه بحيث افاد هذا المعنى مع شيءٍ زائد وهو هلاكتهم عن الانسانيّة واهلاك الله لهم وامتناع رجوعهم الى الانسانيّة او الى دار الثّواب.

اطفيش

تفسير : {وَحَرَامٌ} وقرأ حمزة والكسائى وأبو بكر وحِرْم بكسر الحاء وإسكان الراء. وقرئ وحرم بفتح فإسكان. ورويت القراءة الثانية أيضًا عن ابن عباس وحفص عن عاصم، وهو مصدر فى الثانية والثالثة بمعنى الوصف. وقيل: وصف. وكذا الأولى، قولان فيها. {عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أردنا إهلاك أهلها، أو قدرنا إهلاكهم وأهلكناهم، أو وجدناهم هالكين بإهلاكنا. {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} وحرام بمعنى ممتنع خبر، وأنهم الخ مبتدأ، أى عدم رجوعهم إلينا يوم القيامة للجزاء ممتنع فـ {لا} نافية، أو حرام بمعنى حتم وجزم، أى عدم رجوعهم إلى الدنيا، أو إلى التوبة، قبل موتهم، فرض محتوم فـ {لا} نافية كذلك. ويجوز أن يكون حرام بمعنى ممتنع، و {لا} زائدة، أى رجوعهم إلى الدنيا أو إلى التوبة فى حياتهم ممتنع. ويضعف كون {حرام} مبتدأ {وأنهم لا يرجعون} فاعله، أغنى عن الخبر لأنه لم يتقدم استفهام، أو نفى. ويضعف كونه مبتدأ خبره: توبتهم، أو حياتهم، أو عدم بعثهم محذوفا، لأن حرام وصف، أو فى معناه، فحقه أن يكون خبرا لا مبتدأ؛ لأنه مجرد من أل ويجوز كونه خبراً لمحذوف، أى السعى الحسن أو العمل الصالح حرام عليهم، وأنهم لا يرجعون تعليل، أى لأنهم لا يرجعون إلى الدنيا. ويؤيد هذا أن بعضا قرأ بكسر الهمزة فلا يكون خبرا لما قبله، ولا مبتدأ له، ولا فاعلا، بل مستأنف للتعليل. ولما كان الشئ الممتنع كالشئ المحرم ديانة، كانت العرب تعبر بالحرام عن الممتنع، بجامع عدم الوقوع. وذكر ابن هشام ذلك إلا قليلا منه. وقال: إنه إذ جُعل حرام خبرا لأنهم لا يرجعون، فهو واجب للتقديم: لأن المبتدأ أن وصلتها، وأجاز كون حرام مبتدأ خبره محذوف، أى قبول أعمالهم. وسوغ الابتداء به: تقييده بعلى قرية، وأنهم لا يرجعون تعليل. وغالب ما ذكرته إنما ظهر لى - والحمد لله - ظهوراً، ثم رأيته منصوصا لابن هشام. وقوله: {أية : والتى أحصنت} تفسير : - إلى - {أية : راجعون} تفسير : لحفظ ولد الحامل، والإعانة على الولادة. ويكتب ذلك ويعلق على الحامل، أول ما يفطن بحملها، أربعين يوما، ثم ينزع إلى شهر الولادة، ويعلق عليها. وإذا ولد، علق فى عنقه، فتسهل ولادته وينجب.

اطفيش

تفسير : {وحَرامٌ} ممتنع كما يمتنع الحرام، ولا يرجى حصوله أو واجب كقوله: شعر : وإن حراماً ما أرى الدهر باكياً على شجوة إلا بكيت على صخر تفسير : وهو وجه فى قوله تعالى: "أية : قل تعالوا أتْل ما حرَّم" تفسير : [الأنعام: 151] الآية، وهذا الوجه على أن لا زائدة أو الرجوع للدنيا، أو بمعنى التوبة من الشرك {على قريةٍ} أهل قرية {أهلكناها} أردنا إهلاكها أو قدرناه فى الأزل، أو الإهلاك الخذلان بالكفر والرجوع التوبة {إنَّهم لا يرْجِعُونَ} بالبعث، أو الى الدنيا أو عن الشرك، وانتفاء الرجوع مبتدأ، أو نفس الرجوع إذا جعلنا لا زائدة، وحرام خبر، أو حرام مبتدأ رافع لمكتفى به، ولو لم يتقدم نفى استفهام، وهو قول، وقال ابن مالك: يجوز بلا خلاف، وإنما الخلاف فى حسنه.

الالوسي

تفسير : {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} أي على أهل قرية فالكلام على تقدير مضاف أو القرية مجاز عن أهلها. والحرام مستعار للممتنع وجوده بجامع أن كل واحد منهما غير مرجو الحصول، وقال الراغب: الحرام الممنوع منه إما بتسخير إلٰهي وإما بمنع قهري وإما بمنع من جهة العقل أو من جهة الشرع أو من جهة من يرتسم أمره، وذكر أنه قد حمل في هذه الآية على التحريم بالتسخير كما في قوله تعالى: { أية : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ } تفسير : [القصص:12]. وقرأ أبو حنيفة وحمزة والكسائي وأبو بكر وطلحة والأعمش وأبو عمرو في رواية {وَحَرَّمَ} بكسر الحاء وسكون الراء. / وقرأ قتادة ومطر الوراق ومحبوب عن أبـي عمرو بفتح الحاء وسكون الراء، وقرأ عكرمة {وَحَرَّمَ} [بفتح] الحاء وكسر الراء والتنوين. وقرأ ابن عباس وعكرمة أيضاً وابن المسيب وقتادة أيضاً بكسر الراء وفتح الحاء والميم على المضي. وقرأ ابن عباس وعكرمة بخلاف عنهما، وأبو العالية وزيد بن علي بضم الراء وفتح الحاء والميم على المضي أيضاً، وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قرأ بفتح الحاء والراء والميم على المضي أيضاً. وقرأ اليماني {وَحَرَّمَ} بضم الحاء وكسر الراء مشددة وفتح الميم على أنه فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله. {أَهْلَكْنَـٰهَا} أي قدرنا هلاكها أو حكمنا به في الأزل لغاية طغيانهم وعتوهم فيما لا يزال. وقرأ السلمي وقتادة {أهلكتها} بتاء المتكلم، وقوله تعالى: {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} في تأويل اسم مرفوع على الابتداء خبره {حَرَامٌ} قال ابن الحاجب في «أماليه»: ويجب حينئذٍ تقديمه لما تقرر في النحو من أن الخبر عن أن يجب تقديمه، وجوز أن يكون {حَرَامٌ} مبتدأ و {أَنَّهُمْ} فاعل له سد مسد خبره وإن لم يعتمد على نفي أو استفهام بناءً على مذهب الأخفش فإنه لا يشترط في ذلك الاعتماد خلافاً للجمهور كما هو المشهور. وذهب ابن مالك أن رفع الوصف الواقع مبتدأ لمكتفى به عن الخبر من غير اعتماد جائز بلا خلاف وإنما الخلاف في الاستحسان وعدمه فسيبويه يقول: هو ليس بحسن والأخفش يقول: هو حسن وكذا الكوفيون كما في «شرح التسهيل». والجملة لتقرير ما قبلها من قوله تعالى: { أية : كُلٌّ إِلَيْنَا رٰجِعُونَ } تفسير : [الأنبياء: 93] وما في (أن) من معنى التحقيق معتبر في النفي المستفاد في {حَرَامٌ} لا في المنفي أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء لا أن عدم رجوعهم المحقق ممتنع، وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : كُلٌّ إِلَيْنَا رٰجِعُونَ}تفسير : [الأنبياء: 93] لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم، وهذا المعنى محكي عن أبـي مسلم بن بحر، ونقله أبو حيان عنه لكنه قال: إن الغرض من الجملة على ذلك إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيق ما تقدم من أنه لا كفران لسعي أحد وأنه يجزى على ذلك يوم القيامة، ولا يخفى ما فيه. وقال أبو عتبة: المعنى وممتنع على قرية قدرنا هلاكها أو حكمنا به رجوعهم إلينا أي توبتهم على أن {لا} سيف خطيب مثلها في قوله تعالى: { أية : مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدُ } تفسير : [الأعراف:12] في قول، وقيل {حَرَامٌ} بمعنى واجب كما في قول الخنساء: شعر : وإن حراماً لا أرى الدهر باكياً على شجوه إلا بكيت على صخر تفسير : ومن ذلك قوله تعالى: { أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ } تفسير : [الأنعام:151] الخ فإن ترك الشرك واجب، وعلى هذا قال مجاهد والحسن {لاَ يَرْجِعُونَ} لا يتوبون عن الشرك. وقال قتادة ومقاتل: لا يرجعون إلى الدنيا، والظاهر على هذا أن المراد بأهلكناها أوجدنا إهلاكها بالفعل، والمراد بالهلاك الهلاك الحسي، ويجوز على القول بأن المراد بعدم الرجوع عدم التوبة أن يراد به الهلاك المعنوي بالكفر والمعاصي. وقرىء {إِنَّهُمْ} بكسر الهمزة على أن الجملة استئناف تعليلي لما قبلها؛ فحرام خبر مبتدأ محذوف أي حرام عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية السابقة من العمل الصالح المشفوع بالإيمان والسعي المشكور ثم علل بقوله تعالى: {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} عما هم عليه من الكفر فكيف لا يمتنع ذلك، ويجوز حمل الكلام على قراءة الجمهور بالفتح على هذا المعنى بحذف حرف التعليل أي لأنهم لا يرجعون. والزجاج قدر المبتدأ في ذلك أن يتقبل عملهم فقال: المعنى وحرام على قرية حكمنا بهلاكها أن يتقبل عملهم لأنهم لا يتوبون / ودل على ذلك قوله تعالى قبل: { أية : فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } تفسير : [الأنبياء: 94] حيث إن المراد منه يتقبل عمله.

ابن عاشور

تفسير : جملة معترضة، والمراد بالقرية أهلها. وهذا يعم كلّ قرية من قرى الكفر، كما قال تعالى: {أية : وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا}تفسير : [الكهف: 59]. والحرام: الشيء الممنوع، قال عنترة:شعر : حَرُمت عليّ وليتَها لم تحرُم تفسير : أي: مُنِعت أي مَنَعها أهلها. أي ممنوع على قرية قدّرْنا إهلاكها أن لا يرجعوا، فــــ {حرام}خبر مقدم و {أنهم لا يرجعون} في قوة مصدر مبتدأ. والخبر عن (أنّ) وصلتِها لا يكون إلاّ مقدّماً، كما ذكره ابن الحاجب في «أماليه» في ذكر هذه الآية. وفعل {أهلكناها}مستعمل في إرادة وقوع الفعل، أي أردنا إهلاكها. والرجوع: العود إلى ما كان فيه المرء؛ فيحتمل أن المراد رجوعهم عن الكفر فيتعين أن تكون (لا) في قوله تعالى: {لا يرجعون} زائدة للتوكيد، لأن (حرام) في معنى النفي و(لا) نافية ونفي النفي إثبات، فيصير المعنى منع عدم رجوعهم إلى الإيمان، فيؤُول إلى أنهم راجعون إلى الإيمان. وليس هذا بمراد فتعين أن المعنى: مَنْع على قرية قدرنا هلاكها أن يرجعوا عن ضلالهم لأنه قد سبق تقدير هلاكها. وهذا إعلام بسنة الله تعالى في تصرفه في الأمم الخالية مقصود منه التعريض بتأييس فريق من المشركين من المصير إلى الإيمان وتهديدهم بالهلاك. وهؤلاء هم الذين قدّر الله هلاكَهم يوم بدر بسيوف المؤمنين. ويجوز أن يراد رجُوعهم إلى الآخرة بالبعث، وهو المناسب لتفريعه على قوله تعالى: {أية : كل إلينا راجعون}تفسير : [الأنبياء: 93] فتكون (لا) نافية. والمعنى: ممنوع عَدَم رجوعهم إلى الآخرة الذي يزعمونه، أي دعواهم باطلة، أي فهم راجعون إلينا فمجازَوْن على كفرهم، فيكون إثباتاً للبعث بنفي ضده، وهو أبلغ من صريح الإثبات لأنه إثبات بطريق الملازمة فكأنه إثبات الشيء بحجة. ويفيد تأكيداً لقوله تعالى: {أية : كل إلينا راجعون}تفسير : [الأنبياء: 93]. وجملة {أهلكناها} إدماج للوعيد بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة. وفعل {أهلكناها}مستعمل في أصل معناه، أي وقع إهلاكنا إياها. والمعنى: ما من قرية أهلكناها فانقرضت من الدنيا إلا وهم راجعون إلينا بالبعث. وقيل {حرام}اسم مشترك بين الممنوع والواجب، وأنشدوا قول الخنساء:شعر : وإن حراماً لا أرى الدهر باكيا على شجوه إلا بَكيتُ على صَخْر تفسير : وفي كتاب «لسان العرب» «في حديث عمر: في الحرَام كفارة يمين: هو أن يقول الرجل: حرامُ الله لا أفعل، كما يقول: يمينُ الله لا أفعل، وهي لغة العُقيليين» اهــــ. ورأيت في مجموعة أدبية عتيقة (من كتب جامع الزيتونة عددها 4561): أن بني عُقيل يقولون حَرام الله لآتينك كما يقال يمين الله لآتينك آهــــ. وهو يشرح كلام «لسان العرب» بأن هذا اليمين لا يختص بالحلف على النفي كما في مثال «لسان العرب». فيتأتى على هذا وجه ثالث في تفسير قوله تعالى: {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} أي ويمين منا على قرية، فحرف (علىَ) داخل على المُسلطة عليه اليمين، كما تقول: عزمتُ عليك، وكما يقال: حلفت علىَ فلان أن لا ينطق. وكقول الراعي: شعر : إني حلفتُ علىَ يمين بَرّة لاَ أكتُم اليومَ الخليفةَ قيلا تفسير : وفتح همزة «أنّ» في اليمين أحد وجهين فيها في سياق القسم. ومعنى {لا يرجعون} على هذا الوجه لا يرجعون إلى الإيمان لأن الله علم ذلك منهم فقدر إهلاكهم. وقرأ الجمهور {وحَرام} ــــ بفتح الحاء وبألف بعد الراء ــــ. وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {وحِرْم} ــــ بكسر الحاء وسكون الراء ــــ، وهو اسم بمعنى حرام. والكلمة مكتوبة في المصحف بدون ألف ومروية في روايات القراء بوجهين، وحذف الألف المشبعة من الفتحة كثير في المصاحف.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَحَرَامٌ} {أَهْلَكْنَاهَآ} (95) - وَقَدْ قَضَى اللهُ وَقَدَّرَ أَنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ أَهْلَكَ اللهُ أَهْلَهَا بِظُلْمِهِم، فَإِنَّهُم لاَ يَرْجِعُوْنَ إِلَى الحَيَاةَِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ. وَهَذا تَأْكِيدٌ لِلْرَّجْعَةِ إِلَى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. حَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ - مُمْتَنِعٌ البَتَّةَ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ. أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ - إِلَى الحَيَاةِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ.

الثعلبي

تفسير : {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} قرأ أهل الكوفة: وحِرْم بكسر الحاء وجزم الراء من غير ألف، وقرأ الآخرون: وحرام، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، هما لغتان مثل حِلْ وحلال. قال ابن عباس: معنى الآية "وحرامٌ على قرية" أي أهل قرية {أَهْلَكْنَاهَآ} أي يرجعون بعد الهلاك وعلى هذا التأويل يكون لا صلة مثل قول العجاج: شعر : في سر لا حورى سرى وما شعر تفسير : أي في سر حور. وقال الآخرون: الحرام بمعنى الواجب كقول الخنساء: شعر : وإنّ حراما لا أرى الدهر باكياً على شجوه إلاّ بكيت على عمرو تفسير : وعلى هذا التأويل يكون لا ثابتاً. وقال جابر الجعفي: سألت أبا جعفر عن الرجعة فقرأ هذه الآية. {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ} قرأه العامة بالتخفيف، وقرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد على الكسرة. {يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} ومعنى الآية فرّج السد عن يأجوج ومأجوج، وقد ذكرنا قصتهما بالشرح. وروى منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أوّل الآيات الدجّال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان والدابّة، ثم يأجوج ومأجوح. قال حذيفة: قلت: يارسول الله ما يأجوج ومأجوج؟ قال: أُمم، كلّ أُمّة أربعمائة ألف أُمّة، لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه، وهم ولد آدم (عليه السلام) فيسيرون إلى خراب الدنيا، ويكون مقدمتهم بالشام وساقهم بالعراق، فيمرّون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحر الطبرية حتى يأتوا بيت المقدس فيقولوا: قد قتلنا أهل الدنيا، فقاتلوا من في السماء فيرمون بالنشّاب إلى السّماء، فيرجع نشابهم مخضّبة بالدم فيقولون: قد قتلنا من في السّماء. وعيسى والمسلمون بجبل طور سينين فيوحي الله سبحانه إلى عيسى أن احرز عبادي بالطور وما يلي، ثمَّ إنّ عيسى يرفع يديه إلى السّماء، ويؤمّن المسلمون، فيبعث الله سبحانه عليهم دابّة يقال لها النغف تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى من حاقّ الشام إلى حاق المشرق حتى تنتن الأرض من جيَفهم ويأمر الله سبحانه السماء فتمطر كأفواه القرب فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم، فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها. تفسير : {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ} أي نشز وتلّ {يَنسِلُونَ} يخرجون مشاة مسرعين كنسلان الذئب. واختلف العلماء في هذه الكناية فقال قوم: عنى بهم يأجوج ومأجوج، واستدَلّوا بحديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله سبحانه {مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} فيغشون الأرض. وروى عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكر عن عيسى قال: "حديث : قال عيسى: عهد إليَّ ربي أنّ الدجّال خارج وأنّه مهبطي إليه، فذكر أنّ معه قصبتين فإذا رآني أهلكه الله، قال: فيذوب كما يذوب الرصاص حتى أنَّ الشجر والحجر ليقول: يا مسلم هذا كافر فاقتله، فيهلكهم الله عزّ وجلّ ويرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كلّ حدب ينسلون، لا يأتون على شيء إلاّ أهلكوه ولا يمرّون على ماء إلاّ شربوه ". تفسير : وقال آخرون: أراد جميع الخلق، يعني أنّهم يخرجون من قبورهم ومواضعهم فيحشرون إلى موقف القيامة، تدلّ عليه قراءة مجاهد: وهم من كلّ جدث بالجيم والثاء يعني القبر اعتباراً بقوله سبحانه {أية : فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} تفسير : [يس: 51]. {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} يعني القيامة، قال الفرّاء وجماعة من العلماء: الواو في قوله "واقترب" مقحم ومجاز الآية: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحقّ، نظيرها قوله {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ} تفسير : [الصافات: 103-104] أي ناديناه. قال امرؤ القيس: شعر : فلمّا أجزنا ساحة الحىّ وانتحى بباطن خبت ذي قفاف عقنقل تفسير : يُريد انتحى، ودليل هذا التأويل حديث حذيفة قال: لو أنّ رجلاً اقتنى فلْواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتّى تقوم الساعة. وقال الزجّاج: البصريون لا يجيزون طرح الواو ويجعلون جواب حتى إذا فتحت في قوله "يا ويلنا" وتكون مجازاً الآية {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ} {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا}. {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في قوله {هِيَ} ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون هي كناية عن الأبصار ويكون الأبصار الظاهرة بياناً عنها كقول الشاعر: شعر : لعمر أبيها لا تقول ظعينتي ألا فرَّعنّي مالك بن أبي كعب تفسير : فكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها فيكون تأويل الكلام: فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا. والثاني: أن تكون هي عماداً كقوله "فَإنّها لا تَعْمى الأبصارُ"، وكقول الشاعر: شعر : فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس تفسير : والثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله {هِيَ} على معنى هي بارزة واقفة يعني: من قربها كأنّها آتية حاضرة، ثم ابتدأ {شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} على تقديم الخبر على الابتداء مجازها: أبصار الذين كفروا شاخصة من هول قيام الساعة، وهم يقولون {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} أي من هذا اليوم {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} بمعصيتنا ربَّنا ووضعنا العبادة في غير موضعها. {إِنَّكُمْ} أيها المشركون {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعني الاصنام {حَصَبُ جَهَنَّمَ} قراءة العامة بالصاد أي وقودها عن ابن عباس. وقال مجاهد وقتادة وعكرمة: حطبها، وذُكر أنَّ الحصب في لغة أهل اليمن الحطب. الضحّاك: يعني يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء، وأصل الحصب الرمي يقال: حصبت الرجل إذا رميته، قال الله سبحانه وتعالى {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} تفسير : [القمر: 34] يعني ريحاً ترميهم بالحجارة وقرأ ابن عباس: حَضَب بالضاد، وهو كل ما هيّجت وأُوقدت به النار، ومنه قيل لدقاق النار: حَضبٌ، وقرأ علي وعائشة: ولاهو بن حميد: حطب بالطاء نظيرها قوله سبحانه "وقودها الناس والحجارة". {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أي فيها داخلون {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ} الأصنام {آلِهَةً} على الحقيقة {مَّا وَرَدُوهَا} يعني ما دخل عابدوها النار، بل منعتها {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} يعني العابد والمعبود. {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} قال ابن مسعود في هذه الآية: إذا بقي في النار من يخلد فيها جُعلوا في توابيت من نار، ثم جُعل التوابيت في توابيت أُخرى، ثم جعلت التوابيت في أُخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار أحداً يُعذّب غيره. ثم استثنى فقال سبحانه وتعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ} قال قوم من العلماء: إنّ ها هنا بمعنى إلاّ وليس في القرآن سواه، والسبق تقدّم الشيء على غيره. {لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} السعادة والعدة الجميلة بالجنّة {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} والإبعاد: تطويل المسافة. واختلفوا في هؤلاء من هم؟ فقال أكثر المفسرين: عني بذلك كلّ من عُبد من دون الله وهو طائع ولعبادة من يعبده كاره، وذلك "حديث : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنماً فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحارث فكلّمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآيات الثلاث، ثمَّ قام فأقبل عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي السهمي فرآهم يتهامسون قال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعرى: أنت قلت: إنّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك وربّ الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيراً والنصارى تعبد المسيح وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم، بل هم يعبدون الشياطين، هي التي أمرتهم بذلك، فأنزل الله سبحانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} الآية يعني عزيراً وعيسى والملائكة ". تفسير : قال الحسن بن الفضل: إنما أراد بقوله {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الأوثان دون غيرها لأنّه لو أراد الملائكة والنّاس لقال: «ومن تعبدون»، قلت: ولأنّ المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام. وقال بعضهم: هذه الآية عامّة في كلّ من سبقت له من الله السعادة. قال محمّد بن حاطب: سمعت عليّاً كرّم الله وجهه يخطب، فقرأ هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ} فقال: عثمان (رضي الله عنه) منهم. وقال الجنيد في هذه الآية: سبقت لهم من الله العناية في البداية، فظهرت الولاية في النهاية. أخبرني أبو عبد الله محمد بن عبد الله قال: حدَّثنا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين السبيعي بحلب قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفي قال: حدَّثنا عبيد الله القواريري قال: حدَّثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني قال: حدَّثنا ليث عن ابن عمّ النعمان بن بشير وكان من سمّار علىّ قال: تلا علّي ليلةً هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرَّحْمن بن عوف منهم، ثم أُقيمت الصلاة فقام علىّ يجرّ رداءهُ وهو يقول {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} يعني صوتها إذا نزلوا منازلهم من الجنة {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} والشهوة طلب النفس اللذّة، نظيرها قوله {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ} تفسير : [الزخرف: 71]. {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} وقرأ أبو جعفر بضمّ الياء وكسر الزاي، والباقون: بفتح الياء وضمّ الزاي، واختلفوا في الفزع الأكبر، فقال ابن عباس: النفخة الآخرة، دليله قوله سبحانه {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} تفسير : [النمل: 87]. وقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار. سعيد بن جبير والضحّاك: إذا أُطبقت على أهل النار. ابن جريج: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح على الأعراف والفريقان ينظران فينادى: يا أهل الجنّة خلود فلا موت، ويا أهل النّار خلود فلا موت. ذو النون المصري: هو القطيعة والهجران والفِراق. {وَتَتَلَقَّاهُمُ} تستقبلهم {ٱلْمَلاَئِكَةُ} على أبواب الجنة يهنّونهم ويقولون لهم {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} قرأ أبو جعفر تُطوى السماء بضم التاء والهمزة على المجهول، وقرأ الباقون بالنون السماء نصب {كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} قرأ أهل الكوفة على الجمع، غيرهم: للكتاب على الواحد واختلفوا في السجلّ، فقال ابن عمر و السدىّ: السجل: ملك يكتب أعمال العباد فإذا صعد بالاستِغفار قال الله سبحانه: أُكتبها نوراً. وقال ابن عباس ومجاهد: هو الصحيفة، واللام في قوله للكتب بمعنى على تأويلها كطىّ الصحيفة على مكتوبها. وروى أبو الجوزاء وعكرمة عن ابن عباس أنّ السجلّ اسم كاتب لرسول الله، وهذا قول غير قوي لأنّ كتّاب رسول الله كانوا معروفين وقد ذكرتهم في كتاب «الربيع»، والسجلّ اسم مشتقّ من المساجلة وهي المكاتبة، وأصلها من السجل وهو الدلو، يقال: سجلت الرجل إذا نزعت دلواً ونزع دلواً ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة، قال الشاعر: شعر : من يساجلني يساجل ماجداً يملأ الدلو إلى عقد الكرب تفسير : ثم بنى هذا الاسم على فعل مثل طمر وقلز. والطي في هذه الآية يحتمل معنيين: أحدهما: الدرج الذي هو ضدّ النشر قال الله سبحانه {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر: 67]. والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو والطمس لأنّ الله سبحانه يمحو رسومها ويكدر نجومها، قال الله سبحانه وتعالى {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ} تفسير : [التكوير: 1-2] تقول العرب: اطو عن فلان هذا الحديث أي استره وأخفه. ثمَّ ابتدأ واستأنف الكلام فقال عزَّ من قائل {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } قال أكثر العلماء: كما بدأناهم في بطون أُمهاتهم حفاة عُزّلا كذلك نعيدهم يوم القيامة، نظيرها قوله سبحانه {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام: 94] وقوله {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الكهف: 48]. ودليل هذا التأويل ما روى ليث حديث : عن مجاهد عن عائشة رضي الله عنه قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا عائشة؟ فقلت: إحدى خالاتي، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنّة فقال: إنّ الجنّة لا يدخلها العجّز، فأخذ العجوز ما أخذها. فقال (عليه السلام): إنّ الله ينشئهنّ خلقاً غير خلقهن، قال الله تعالى {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} [الواقعة: 35] الآية ثمّ قال: يُحشرون يوم القيامة عراة حفاة غلفاً، فأوّل مَنْ يكسى إبراهيم صلوات الله عليه". فقالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: واسوأتاه فلا تحتشم الناس بعضهم بعضاً؟ قال: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37]، ثم قرأ رسول الله {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} كيوم ولدته أُمهُ . تفسير : وقال ابن عباس: يقول: نهلك كلّ شيء كما كان أول مرّة، وقيل: كما بدأناه من الماء نعيده من التراب. {وَعْداً عَلَيْنَآ} نصب على المصدر يعني وعدناه وعداً علينا {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} يعني الإعادة والبعث. {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} قرأ الأعمش وحمزة: الزبور بضم الزاي، وغيرهما يقرؤون بالنصب وهو بمعنى المزبور كالحلوب والركوب، يقال: زبرت الكتاب وذبرته إذا كتبته، واختلفوا في معنى الزبور في هذه الآية، فقال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد: عنى بالزبور الكتب المنزلة وبالذكر أُمّ الكتاب الذي عنده. وقال ابن عباس والضحّاك: الذكر التوراة والزبور الكتب المنزلة من بعد التوراة. وقال الشعبي: الزبور كتاب داود والذكر التوراة. وقال بعضهم: الزبور زبور داود والذكر القرآن، وبعد بمعنى قبل كقوله {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} تفسير : [الكهف: 79] أي أمامهم، وقوله {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30] أي قبل ذلك. {أَنَّ ٱلأَرْضَ} يعني أرض الجنّة {يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} يعني أُمة محمد (عليه السلام) قاله مجاهد وأبو العالية، ودليل هذا التأويل قوله {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ} تفسير : [الزمر: 74]. وقال ابن عباس: أراد أنّ الأرضَ في الدُنيا تصير للمؤمنين، وهذا حكم من الله سبحانه بإظهار الدّين وإعزازِ المسلمين وقهر الكافرين. قال وهب: قرأت في عدّة من كتب الله أنّ الله عزّ وجلّ قال: إنّي لأُورث الأرض عبادي الصالحين من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً} وصولاً إلى البغية، من اتّبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب، فالقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر. {لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} أي مؤمنين يعبدون الله سبحانه وتعالى. وقال ابن عباس: عالمين، وقال كعب الأحبار: هم أُمّة محمد أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان، سمّاهم الله سبحانه وتعالى عابدين. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ} يا محمّد {إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} قال ابن زيد: يعني المؤمنين خاصة، وقال ابن عباس: هو عامّ فمن آمن بالله واليوم الآخر كتب له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي ممّا أصاب الأُمم من المسخ والخسف والقَذف. {قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} يعني أعلمتكم على بيان أنا وإيّاكم حرب لا صلح بيننا، وإنّي مخالف لدينكم، وقيل: معناه على سواء من الإنذار لم أُظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره، وقيل: لتستووا في الإيمان به، وهذا من فصيحات القرآن. {وَإِنْ أَدْرِيۤ} وما أعلم {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} يعني القيامة، نسخها قوله {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ}. {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ} أي لعّل تأخير العذاب عنكم، كناية عن غير مذكور {فِتْنَةٌ} اختبار {لَّكُمْ} ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} إلى أجل يقضي الله فيه ما شاء. أخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة قال: حدَّثنا محمد بن أبي غالب قال: أخبرنا هشام قال: أخبرنا مجالد قال: حدَّثني السبعي قال: لما سلم الحسن بن عليّ لمعاوية الأمر، قال له معاوية: قم فاخطب واعتذر إلى الناس، فقام الحسن فخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ أكْيَسَ الكيس التُقى، وإنّ أحْمَق الحُمْق الفجور،وإنّ هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إمّا حقّ امرئ كان أحقّ به، وإمّا حقّ كان لي فتركته التماس الصلاح لهذه الأُمّة، ثم قال: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}. {قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} افعل بيني وبين من كذبني بالحق، والله لا يحكم إلاّ بالحق، وفيه وجهان من التأويل: قال أهل التفسير: الحق ها هنا بمعنى العذاب كأنّه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر وليله، نظيره قوله {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 89]. وقال قتادة: كان رسول الله (عليه السلام) إذا شهد قتالا قال: ربّ احكم بالحق. وقال أهل المعاني: معناه: رب احكم بحكمك الحق، فحذف الحكم وأُقيم الحق مقامهُ، واختلف القراء في هذه الآية فقرأ حفص {قَالَ رَبِّ} بالألف على الخبر، الباقون: {قَالَ} على الأمر، وقرأ أبو جعفر: ربِّ احكم برفع الباء على النداء والمفرد، وقرأ الضحاك ويعقوب: ربي احكم باثبات الياء على وجه الخبر بأنَّ الله سبحانه أحكم بالحق من كل حاكم وهذه قراءة غير مرضية لمخالفة المصحف، والقرّاء الباقون: {رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} على الدعاء {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {حَرَامٌ ..} [الأنبياء: 95] يعني: ممتنع: لا يجب أن يكون، والقرية: أي قرية أهلكناها؛ لأنها كذَّبَتْ الرسل، ووقفتْ منهم موقف اللَّدَد والعناد والمعارضة، فأهلكها الله بذنوبها في الدنيا، أيُعقَلُ بعد هذا أن نتركها في الآخرة من غير أنْ نأخذها بذنوبها؟ لا بُدَّ - إذن - أن ترجع إلينا في الآخرة لنحاسبها الحساب الدائم الخالد، فلا نكتفي بحساب الدنيا المنتهي. ثم يقول الحق سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} معناه وَجَبَ عَلَى قَريةٍ أَهلَكناها أنهم لا يَرجِعُونَ إِلى الحَقِّ وَلاَ يَتُوبُونَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الهالكين بقوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] يشير إلى أن قلوب أهل الأهواء والبدع المهلكة باعتقاد السوء ومخالفات الشرع أنهم لا يتوبون إلى الله تعالى. {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء: 96] يشير إلى: سد يأجوج النفس ومأجوج الهوى، وسدّ أحكام الشريعة، وفتح السدّ مخالفات الشرع وموافقات الطبع، وهو إشارة إلى دواعي النفس (مِنْ كُلِّ حَدَبٍ)؛ أي: من كل معدن شهوة من المبصرات والمسموعات والمذوقات والملموسات والمنكوحات والملبوسات والمركوبات والتخيلات وطمع المناصب وحرص الأموال والصفات وأمثالها يخرجون ويفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح، بامتناعهم، واقترب الوعد الحق أن يصمهم ويعمي أبصارهم ويقلب أفئدتهم. {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنبياء: 97] أي: أبصار القلوب المهلكة بالأهواء ويقولون: {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} [الأنبياء: 97] الذي أصابنا {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 97] بعبادتنا الدنيا وشهواتها، والنفس ودواعيها، وامتناعنا عبادة الحق تعالى فتخاطبهم عزة الجبروت {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الأنبياء: 98] من الهوى والنفس والشيطان والدنيا {حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] قهرنا تحترقون بنار القطيعة {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] مخلداً {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ} [الأنبياء: 99] الذين تعبدون. {آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} [الأنبياء: 99] أي: جهنم القهر {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 99] ولا يتخلصون عنها {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} [الأنبياء: 100] من عذاب نار القطيعة {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنبياء: 100] الحق عن الحق، ثم نزَّه المسبوقين بالعناية عن هذه الأحوال بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} [الأنبياء: 101] عن جهنم قهر الحق من آثار سبق العناية الأزلية {أية : مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} تفسير : [الأنبياء: 101-102] أي: حسيس جهنم القهر، وحسيسها مقالات أهل الأهواء والبدع، وأدلة الفلاسفة وبراهينهم بالعقول المشوبة بالوهم والخيال وظلمة الطبيعة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: يمتنع على القرى المهلكة المعذبة، الرجوع إلى الدنيا، ليستدركوا ما فرطوا فيه فلا سبيل إلى الرجوع لمن أهلك وعذب، فليحذر المخاطبون، أن يستمروا على ما يوجب الإهلاك فيقع بهم، فلا يمكن رفعه، وليقلعوا وقت الإمكان والإدراك.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 652 : 27 : 1 - سفين عن داود عن عكرمة عن بن عباس في قوله {عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} قال لا يتوبون. [الآية 95].