٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
94
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما ذكر أمر الأمة من قبل وذكر تفرقهم وأنهم أجمع راجعون إلى حيث لا أمر إلا له أتبع ذلك بقوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } بين أن من جمع بين أن يكون مؤمناً وبين أن يعمل الصالحات فيدخل في الأول العلم والتصديق بالله ورسوله وفي الثاني فعل الواجبات وترك المحظورات: {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } أي لا بطلان لثواب عمله وهو كقوله تعالى: { أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } تفسير : [الإسراء: 19] فالكفران مثل في حرمان الثواب والشكر مثل في إعطائه وقوله: {فَلاَ كُفْرَانَ } المراد نفي الجنس ليكون في نهاية المبالغة لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها. وأما قوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ كَـٰتِبُونَ } فالمراد وإنا لسعيه كاتبون، فقيل: المراد حافظون لنجازي عليه، وقيل: كاتبون إما في أم الكتاب أو في الصحف التي تعرض يوم القيامة، والمراد بذلك ترغيب العباد في التمسك بطاعة الله تعالى. أما قوله: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } فاعلم أن قوله: {وَحَرَامٌ } خبر فلا بد له من مبتدأ وهو إما قوله: {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } أو شيء آخر أما الأول فالتقدير أن عدم رجوعهم حرام أي ممتنع وإذا كان عدم رجوعهم ممتنعاً كان رجوعهم واجباً فهذا الرجوع إما أن يكون المراد منه الرجوع إلى الآخرة أو إلى الدنيا. أما الأول: فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيق ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد فإنه سبحانه سيعطيه الجزاء على ذلك يوم القيامة وهو تأويل أبي مسلم بن بحر. وأما الثاني: فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الدنيا واجب لكن المعلوم أنهم لم يرجعوا إلى الدنيا فعند هذا ذكر المفسرون وجهين: الأول: أن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب والدليل عليه الآية والاستعمال والشعر، أما الآية فقوله تعالى: { أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } تفسير : [الأنعام: 151] وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وأما الشعر فقول الخنساء: شعر : وإن حراماً لا أرى الدهر باكياً على شجوه إلا بكيت على عمرو تفسير : يعني وإن واجباً، وأما الاستعمال فلأن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور كقوله تعالى: { أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] إذا ثبت هذا فالمعنى أنه واجب على أهل كل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون، ثم ذكروا في تفسير الرجوع أمرين: أحدهما: أنهم لا يرجعون عن الشرك ولا يتولون عنه وهو قول مجاهد والحسن. وثانيها: لا يرجعون إلى الدنيا وهو قول قتادة ومقاتل. الوجه الثاني: أن يترك قوله وحرام على ظاهره ويجعل في قوله: {لاَ يَرْجِعُونَ } صلة زائدة كما أنه صلة في قوله: { أية : مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُد } تفسير : [الأعراف: 12] والمعنى حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا وهو كقوله: { أية : فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } تفسير : [يس: 50] أو يكون المعنى وحرام عليهم رجوعهم عن الشرك وترك الأيمان، وهذا قول طائفة من المفسرين، وهذا كله إذا جعلنا قوله وحرام خبراً لقوله: {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } أما إذا جعلناه خبراً لشيء آخر فالتقدير وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور ثم علل فقال: {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } عن الكفر فكيف لا يمتنع، ذلك هذا على قراءة إنهم بالكسر والقراءة بالفتح يصح حملها أيضاً على هذا أي أنهم لا يرجعون. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن (حتى) متعلقة بحرام فأما على تأويل أبي مسلم فالمعنى أن رجوعهم إلى الآخرة واجب حتى أن وجوبه يبلغ إلى حيث أنه إذا فتحت يأجوج ومأجوج، واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا، والمعنى أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة، فحتى متعلقة بحرام وهي غاية له ولكنه غاية من جنس الشيء كقولك دخل الحاج حتى المشاة. وحتى ههنا هي التي يحكى بعدها الكلام. والكلام المحكى هو هذه الجملة من الشرط والجزاء أعني قوله: {وَإِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ * وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ } فهناك يتحقق شخوص أبصار الذين كفروا، وذلك غير جائز لأن الشرط إنما يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل في يوم القيامة، والشرط والجزاء لا بد وأن يكونا متقاربين، قلنا التفاوت القليل يجري مجرى المعدوم، وأما على التأويلات الباقية فالمعنى أن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم الساعة. المسألة الثانية: قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ } المعنى فتح سد يأجوج ومأجوج فحذف المضاف وأدخلت علامة التأنيث في فتحت لما حذف المضاف لأن يأجوج ومأجوج مؤنثان بمنزلة القبيلتين، وقيل حتى إذا فتحت جهة يأجوج. المسألة الثالثة: هما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد. المسألة الرابعة: قيل: السد يفتحه الله تعالى ابتداء، وقيل: بل إذا جعل الله تعالى الأرض دكاً زالت الصلابة عن أجزاء الأرض فحينئذ ينفتح السد. أما قوله تعالى: {وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ } فحشو في أثناء الكلام، والمعنى إذا فتحت يأجوج واقترب الوعد الحق شخصت أبصار الذين كفروا، والحدب النشز من الأرض، ومنه حدبة الأرض، ومنه حدبة الظهر، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما {مِن كُلّ جدث يَنسِلُونَ }، اعتباراً بقوله: { أية : فَإِذَا هُم مّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } تفسير : [يس: 51] وقرىء بضم السين ونسل وعسل أسرع ثم فيه قولان، قال أكثر المفسرين إنه كناية عن يأجوج ومأجوج، وقال مجاهد: هو كناية عن جميع المكلفين أي يخرجون من قبورهم من كل موضع فيحشرون إلى موقف الحساب، والأول هو الأوجه وإلا لتفكك النظم، وأن يأجوج ومأجوج إذا كثروا على ما روى في «الخبر»، فلا بد من أن ينشروا فيظهر إقبالهم على الناس من كل موضع مرتفع. أما قوله تعالى: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ } فلا شبهة أن الوعد المذكور هو يوم القيامة. أما قوله: {فَإِذَا هِيَ } فاعلم أن (إذا) ههنا للمفاجأة فسمى الموعد وعداً تجوزاً، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله: { أية : إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } تفسير : [الروم: 36] فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد ولو قيل: {إِذَا هِيَ شَـٰخِصَةٌ } أو فهي شاخصة كان سديداً، أما لفظة {هِيَ } فقد ذكر النحويون فيها ثلاثة أوجه. أحدها: أن تكون كناية عن الأبصار، والمعنى فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة أبصارهم كني عن الإبصار ثم أظهر. والثاني: أن تكون عماداً ويصلح في موضعها هو فيكون كقوله: { أية : إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ } تفسير : [النمل:9] ومثله: { أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ } تفسير : [الحج:46] وجاز التأنيث لأن الأبصار مؤنثة وجاز التذكير للعماد وهو قول الفراء، وقال سيبويه الضمير للقصة بمعنى فإذا القصة شاخصة، يعني أن القصة أن أبصار الذين كفروا تشخص عند ذلك، ومعنى الكلام أن القيامة إذا قامت شخصت أبصار هؤلاء من شدة الأهوال، فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم، ومن توقع ما يخافونه، ويقولون: {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا } يعني في الدنيا حيث كذبناه وقلنا: إنه غير كائن بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وعبادة الأوثان، واعلم أنه لا بد قبل قوله يا ويلنا من حذف والتقدير يقولون يا ويلنا.
البيضاوي
تفسير : {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} بالله ورسله. {فَلاَ كُفْرَانَ} فلا تضييع. {لِسَعْيِهِ } استعير لمنع الثواب كما استعير الشكر لإِعطائه ونفي الجنس للمبالغة. {وَإِنَّا لَهُ } لسعيه. {كَـٰتِبُونَ} مثبتون في صحيفة عمله لا يضيع بوجه ما.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ } أي لا جحود {لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَٰتِبُونَ } بأن نأمر الحفظة بكتبه فنجازيه عليه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} الآية. لمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الأُمَّةِ وتفرقهم، وأنهم راجعون إلى حيث لا أمر إلا له أتبع ذلك بقوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} لا نجحد ولا نبطل سعيه. والكفران مصدر بمعنى الكفر، قال: شعر : 3733- رَأَيْتُ أُنَاساً لاَ تَنَامُ خُدُودُهُمْ وَخَدِّي وَلاَ كُفْرَانَ لِلَّهِ نَائِمُ تفسير : و "لِسَعْيِهِ" متعلق بمحذوف، أي: نكفر لسعيه، ولا يتعلق بـ "كُفْرَانَ" لأنه يصير مطولاً، والمطول ينصب وهذا مبني. والضمير في "لَهُ" يعود على السعي. والمعنى: لا بطلان لثواب عمله، وهو كقوله: {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} تفسير : [الإسراء: 19]. فالكفران مثل في حرمان الثواب، والشكر مثل في إعطائه. فقوله: "فَلاَ كُفْرَانَ" المراد نفي الجنس للمبالغة، لأنَّ نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها. ثم قال: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} أي: لسعيه كاتبون إمَّا في أم الكتاب، أو في الصحف التي تعرض يوم القيامة، والمراد من ذلك ترغيب العباد في الطاعات. قوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} قرأ الأخوان وأبو بكر ورويت عن أبي عمرو "وَحِرْمُ" بكسر الحاء وسكون الراء وهما لغتان كالحِلّ والحَلاَل. وقرأ ابن عباس وعكرمة "وحَرِمَ" بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم على أنه فعل ماض وروي عنهما أيضاً وعن أبي العالية بفتح الحاء والميم وضم الراء بزنة كَرُم، وهو فعل ماض أيضاً. (وروي عن ابن عباس أيضاً فتح الجميع وهو فعل ماض أيضاً). وعن اليماني بضم الحاء وكسر الراء (مشددة وفتح الميم ماضياً مبنياً للمفعول. وروى عكرمة بفتح الحاء وكسر الراء) وتنوين الميم. فمن جعله اسماً ففي رفعه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، وفي الخبر حينئذ ثلاثة أوجه: أحدها: قوله: "لا يَرْجِعُونَ" وفي ذلك حينئذ أربعة تأويلات: التأويل الأول: أن "لا" زائدة، والمعنى: وممتنع على قرية قدرنا إهلاكها لكفرهم رجوعهم إلى الإيمان إلى أن تقوم الساعة. وممن ذهب إلى زيادتها أبو عمرو مستشهداً عليه بقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12] يعني أحد القولين. التأويل الثاني: أنها غير زائدة، وأن المعنى: أنهم غير راجعين عن معصيتهم وكفرهم. التأويل الثالث: أنَّ الحرام قد يراد به الواجب، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ} تفسير : [الأنعام: 151] وترك الشرك واجب ويدل عليه قول الخنساء: شعر : 3743- وَإِنَّ حَرَاماً لا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِياً عَلَى شَجْوِةِ إلاَّ بَكَيْتُ عَلَى صَخْر تفسير : أي: واجباً. وأيضاً فمن الاستعمال إطلاق أحد الضدين على الآخر، وهو مجاز مشهور قال تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] ومن ثمَّ قال الحسن والسدي: لا يرجعون عن الشرك. وقال قتادة: لا يرجعون إلى الدنيا. التأويل الرابع: قال مسلم بن بحر: حرام ممتنع، وأنهم لا يرجعون، فيكون عدم رجوعهم واجباً، وإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، فيكون المعنى: إن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيقه ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد وأنه - تعالى - مجازيه يوم القيامة. وقول ابن عطية قريب من هذا فإنه قال: وَمُمْتَنِعٌ على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون (بل هم راجعون) إلى عذاب الله وأليم عقابه، فتكون "لاَ" على بابها والحرام على بابه. الوجه الثاني: أن الخبر محذوف، تقديره: وحرام توبتهم أو رجاء بعثهم، ويكون {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} علة لما تقدم من معنى الجملة. فيكون حينئذ في "لاَ" احتمالان: الاحتمال الأول: أن تكون زائدة، ولذلك قال أبو البقاء في هذا الوجه بعد تقديره الخبر المتقدم: إذا جعلت (لا) زائدة. قلت: والمعنى عنده لأنهم يرجعون إلى الآخرة وجزائها. الاحتمال الثاني: أن تكون غير زائدة بمعنى ممتنع توبتهم، أو رجاء بعثهم لأنهم لا يرجعون إلى الدنيا فيستدركوا فيها ما فاتهم من ذلك. الوجه الثالث: أن يكون هذا المبتدأ لا خبر له لفظاً ولا تقديراً، وإنما وقع شيئاً يقوم مقام خبره من باب أقائم أخواك، قال أبو البقاء: والجيد أن يكون (أنهم) فاعلاً سد مسد الخبر. وفي هذا نظر، لأنَّ ذلك يشترط فيه أن يعتمد الوصف على نفي أو استفهام وهنا لم يعتمد المبتدأ على شيء من ذلك اللهم إلا أن ينحو نحو الأخفش فإنه لا يشترط ذلك، وهو الظاهر، وحينئذ يكون في (لا) الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمها باختلاف معنيين، أي: امتنع رجوعهم إلى الدنيا أو عن شركهم، إذا قدرتها زائدة، أو امتنع عدم رجوعهم إلى عقاب الله في الآخرة، إذا قدرتها غير زائدة. الوجه الثاني: من وجهي رفع "حَرَامٌ": أنه حبر مبتدأ محذوف، فقدره بعضهم: الإقالة والتوبة حرام، وقدره أبو البقاء: أي: ذلك الذي ذكر من العمل الصالح حرام وقال الزمخشري: وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح، والسعي المشكور غير المكفور، ثم علل فقيل: إنَّهم لا يرجعون عن الكفر، فكيف لا يمتنع ذلك. وقرأ العامة "أَهْلَكْنَاهَا" بنون العظمة. وقرأ أبو عبد الرحمن وقتادة "أَهْلَكْتُهَا" بتاء المتكلم. ومن قرأ "حَرِمٌ" بفتح الحاء وكسر الراء وتنوين الميم فهو في قراءة صفة على فَعِل نحو حَذِر، وقال: شعر : 3735- وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي ولاَ حَرِمُ تفسير : ومن قرأه فعلاً ماضياً فهو في قراءته مسند لـ "أن" وما في حيزها، ولا يخفى الكلام في (لا) بالنسبة إلى الزيادة وعدمها، فإن المعنى واضح مما تقدم. وقرىء "إِنَّهُمْ" بالكسر على الاستئناف، وحينئذ فلا بُدَّ من تقدير مبتدأ يتم به الكلام تقديره: ذلك العمل الصالح حرام، وتقدم تحرير ذلك. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ} الآية. تقدم الكلام على (حَتَّى) الداخلة على (إذا) مشبعاً. وقال الزمخشري هنا: فإن قُلْت: بم تعلقت (حَتَّى) واقعة غاية له وأية الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقة بـ "حَرَام" وهي غاية له، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة، وهي حتى التي يحكى بعدها الكلام، والكلام المحكي هو الجملة من الشرط والجزاء أعني: إذا وما في حيزها. وأبو البقاء نحا هذا النحو، فقال: و "حَتَّى" متعلقة في المعنى بـ "حَرَام". أي: يستمر الامتناع إلى هذا الوقت، ولا عمل لها في "إذَا". قال الحوفي: هي غاية، والعامل فيها ما دل عليه المعنى من تأسفهم على ما فرطوا فيه من الطاعة حين فاتهم الاستدراك. وقال ابن عطية: "حَتَّى" متعلقة بقوله: "وَتَقَطَّعُوا"، ويحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تتعلق بـ "يَرْجِعُونَ"، ويحتمل أن تكون حرف ابتداء، وهو الأظهر بسبب (إذا) لأنها تقتضي جواباً للمقصود ذكره. قال أبو حيان: وكون (حَتَّى) متعلقة بـ "تَقَطَّعُوا" فيه بعد من حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جَيِّد، وهو أنهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة، فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك كله. وتلخص في تعلق (حَتَّى) أوجه: أحدها: أنها متعلقة بـ "حَرَام". والثاني: أنها متعلقة بمحذوف دلَّ عليه المعنى، وهو قول الحوفي. الثالث: أنها متعلقة بـ "تَقَطَّعُوا". الرابع: أنها متعلقة بـ "يَرْجِعُونَ". وتلخص في (حتى) وجهان: أحدهما: أنَّها حرف ابتداء، وهو قول الزمخشري وابن عطية فيما اختاره. والثاني: إنها حرف جر بمعنى (إلى). وقرأ "فُتِّحَتْ" بالتشديد ابن عامر، والباقون بالتخفيف. وتقدم ذلك أول الأنعام وفي جواب "إذَا" أوجه: أحدها: أنه محذوف، فقدره أبو إسحاق: قالوا يا ويلنا، وقدره غيره، فحينئذ يبعثون، وقوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ} عطف على هذا المقدر. والثاني: أنَّ جوابها الفاء في قوله: "فَإِذَا هِيَ" قاله الحوفي والزمخشري وابن عطية، فقال الزمخشري: و "إذا" هي للمفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله تعالى: {أية : إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} تفسير : [الروم: 36]، فَإِذَا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، ولو قيل: (إذَا هِيَ شَاخِصَةٌ) كان سديداً. وقال ابن عطية: والذي أقول: إنَّ الجواب في قوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ} وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره، لأنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون به وحرم عليهم امتناعه. وقوله: "يَأْجُوج" هو على حذف مضاف، أي سدّ يأجوج ومأجوج، وتقدم الكلام فيهما وهما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة أجزاء منها يأجوج ومأجوج يخرجون حيت يفتح السد. قيل: السد يفتحه الله ابتداء. وقيل: بل إذا جعل الله الأرض دكاً زالت تلك الصلابة من أجزاء الأرض فحينئذ ينفتح السد. قوله: "وَهُمْ" قال أكثر المفسرين: "هُم" كناية عن "يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ". وقال مجاهد: كناية عن جميع العالم بأسرهم أي: يخرجون من قبورهم، ومن كل موضع، فيحشرون إلى موقف الحساب. والأول أظهر وإلا لتكلف النظم، ولأنه روي في الخبر أن يأجوج ومأجوج لا بدَّ وأن يسيروا في الأرض، ويقبلوا على الناس من كل موضع مرتفع. وقرأ العامة" يَنْسِلُونَ" بكسر السين. وأبو السمال وابن أبي إسحاق بضمها. والحَدَب: النشز من الأرض. أي: المرتفع، ومنه الحدب في الظهر، وكل كُدْيَة أو أَكْمَةٍ فهي حدبة، وبها سمي القبر لظهوره على وجه الأرض والنَّسَلاَنُ: مقاربة الخطا مع الإسراع كالرملِ يقال: نَسَلَ يَنْسِلُ وَيَنْسُلُ بالفتح في الماضي والكسر والضمّ في المضارع، ونَسَلَ وعَسَلَ واحد قال الشاعر: شعر : 3736- عَسَلاَنَ الذئبِ أَمْسَى قَارِباً بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ تفسير : والنَّسْلُ من ذلك، وهو الذُّرّيةُ، أطلق المصدر على المفعول، وَنَسَلْتُ ريشَ الطائِر من ذلك. وقدم الجار على متعلقة لتراخي رؤوس الآي. وقرأ عبد الله وابن عباس: "جَدَث" بالثاء المثلثة والجيم اعتباراً بقوله: {أية : فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} تفسير : [يس: 51]. وقرىء بالفاء، وهي بدل منها قال الزمخشري: الثاء للحجاز، والفاء لتميم. وينبغي أن يكونا أصلين، لأنَّ كلاً منهما لغة مستقلة، ولكن كثر إبدال الثاء من الفاء، قالوا مغثور في مغفور، وقالوا فُمَّّ في ثُمَّ، فأبدلت هذه من هذه تارة، وهذه من هذه أخرى. حديث : (روى حذيفة بن أسد الغفاري قال: اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - علينا ونحن نتذاكر، فقال: "مَا تَذْكُرُونَ؟" قالوا: نذكر الساعة قال: إنها لن تقوم حَتى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيات فذكر الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم). تفسير : قوله: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ}. المراد بالوعد الموعود وهو يوم القيامة. (وسمي الموعود وعداً تجوّزاً. قال الفراء وجماعة: الواو في قوله: "وَاقْتَرَبَ" مقحمة معناه: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، كقوله: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ} تفسير : [الصافات: 103، 104] أي: ناديناه. ويدل عليه ما روى حذيفة قال: لو أنَّ رجلاً اقتنى فُلُوًّا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة. وقال قوم: لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ} في قوله: "يَا وَيْلَنَا" يكون مجازاً لأنّ التقدير: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة). قوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ} "إذَا" هنا للمفاجأة، و "هِيَ" فيها أوجه: أجودها: أن يكون ضمير القصة، و "شَاخِصَةٌ" خبر مقدم، و "أَبْصَارُ" مبتدأ مؤخر، والجملة خبر لـ "هِيَ"، لأنها لا تفسر إلا بجملة مصرح بخبرها، وهذا مذهب البصريين. الثاني: أن تكون "شَاخِصَةٌ" مبتدأ، و "أَبْصَارُ" فاعل سد مسد الخبر، وهذا يتمشى على رأي الكوفيين، لأن ضمير القصة يفسر عندهم بالمفرد العامل عمل الفعل فإنه في قوة الجملة. الثالث: قال الزمخشري: "هِيَ" ضمير مبهم يوضحه الأبصار ويفسره كما فسر "الَّذِينَ ظَلَمُوا" "وَأَسَرُّوا". ولم يذكر غيره. قال شهاب الدين: وهذا قول الفراء، فإنه قال في ضمير الأبصار: تقدمت لدلالة الكلام ومجيء ما يفسرها، وأنشد شاهداً على ذلك: شعر : 3737- فَلاَ وَأَبِيهَا لا تَقُولُ خَلِيلَتِي أَلاَ فَرَّ عَنِّي مَالِكُ بْنُ أَبِي كَعْبِ تفسير : الرابع: أن تكون "هِيَ" عماداً، وهو قول الفراء أيضاً قال: لأنه يصلح موضعها هو، فتكون كقوله: {أية : إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 9] ومثله: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [الحج: 46] وأنشد: شعر : 3738- بِثَوب ودينارٍ وشاة ودرهم فَهَلْ هُوَ مَرْفُوع بِمَا هَاهُنَا رَاس تفسير : وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي، وهو أنه يجيز تقدم الفصل مع الخبر المتقدم نحو: هو خير منك زيد. الأصل زيد هو خير منك. وقال أبو حيان: أجاز هو القائم زيد، على أنَّ زيداً هو المبتدأ، والقائم خبره، وهو عماد، وأصل المسألة: زيد هو القائم. قال شهاب الدين: وفي التمثيل نظر، لأنّ تقديم الخبر هنا ممتنع لاستوائهما في التعريف بخلاف المثال المتقدم. فيكون أصل الآية الكريمة: فإذا أبصار الذين كفروا هي شاخصة، فلما قدم الخبر، "شَاخِصَة"، قدم معها العماد. وهذا أيضاً إنما يجيء على مذهب من يرى وقوع العماد قبل النكرة غير المقارنة للمعرفة. الخامس: أن تكون "هِيَ" مبتدأ وخبره مضمر، فيتم الكلام حينئذ على "هِيَ" ويبتدأ بقوله: "شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ"، والتقدير: فإذا هي بارزة، أي: الساعة بارزة أو حاضرة و "شَاخِصَةٌ" خبر مقدم، و "أَبْصَارُ" مبتدأ مؤخر. ذكره الثعلبي. وهو بعيد جداً لتنافر التركيب، وهو التعقيد عند علماء البيان. قوله: "يَا وَيْلَنَا" معمول لقول محذوف، أي: يقولون يَا وَيْلَنَا. وفي هذا القول المحذوف وجهان: أحدهما: أنه جواب "حتى إذا" كما تقدم. والثاني: في محل نصب على الحال من "الَّذِينَ كَفَرُوا" قاله الزمخشري. قوله: {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} يعني في الدنيا حيث كذبناه وقلنا: إنه غير كائن، بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وتكذيب محمد، وعبادة الأوثان.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الآية: 94]. قال أبو بكر الوراق: العمل الصالح هو الخالص الذى لا رياء فيه ولا سمعة، ولا يكون فيه طلب ثواب ويكون معاملة على مشاهدة.
القشيري
تفسير : مَنْ تَعنَّى لله لم يخسر على الله، ومَنْ تَحَمَّلَ لله مشقةً وَجَبَ حقُّه على الله: قوله: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} بعد قوله: {يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} دليل على أن من لا يكون مؤمناً لا يكون عمله صالحاً ففائدة قوله ها هنا: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} في المآل والعاقبة، فقد يعمل الأعمال الصالحة من لا يُخْتَمُ له بالسعادة، فيكون في الحال مؤمناً وعملُه يكون على الوجه الذي آمن ثم لا ثواب له، فإذا كانت عاقبته على الإسلام والتوحيد فحينئذٍ لا يضيع سَعْيُه.
الجنابذي
تفسير : {فَمَن يَعْمَلْ} الفاء للتّرتيب فى الاخبار {مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} بعضاً من الصّالحات {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} بالايمان العامّ والبيعة العامّة النّبويّة او بالايمان الخاصّ والبيعة الخاصّة الولويّة {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} كفران السّعى كناية عن ضياعة علّق عدم ضياع السّعى على عمل شيءٍ من الصّالحات به يظهر اثر الايمان على البدن او النّفس مقيّداً بقبول الدّعوة الظّاهرة او الدّعوة الباطنة واذا اعتبر مفهوم القيدين صار المعنى: من لم يعمل شيئاً من الصّالحات سواء لم يعمل شيئاً من السّيّئات او عمل بعضها او كلّها، وسواء كان مؤمناً او كافراً، ومن عمل شيئاً من الصّالحات او جميعها ولم يكن مؤمناً ضاع سعيه وهو هكذا كما يدلّ عليه الاخبار، فليس الامر كما يقوله القلندريّة من انّك اذا عرفت فاعمل ما شئت، فلا تصغوا اخوتى الى اقاويل البطّالين من المتصوّفة والقلندريّة واعملوا بلوازم ايمانكم ما قدرتم ثمّ تفوزوا ان شاء الله بنتائج ايمانكم واعمالكم {وَإِنَّا لَهُ} اى لذلك البعض من الصّالحات او لسعيه {كَاتِبُونَ} او لاجل من يعمل من الصّالحات كاتبون فى صحائف عمله ما يعمله.
اطفيش
تفسير : {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وأما الكافر فعمله باطل محبَط. {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} لا يُجحد سعيه، ولا يضيع، بل يُجازى به. وأصل الشكر: الثناء على المحن بما أولاه من المعروف أو الإحسان بغير اللسان بما أولاه؛ والكفر عكسه. ومعنى ذلك الشكر فى حقه تعالى محال، ولكنه يستعمل بمعنى الإعطاء مجازاة. فالكفران هنا: عبارة عن عدم الإعطاء، فلا التبرئة توكيداً، وزاد التوكيد بلفظ الكفران، وكان يكفى أن يقال: لا كفر. {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} آمرون الحفظة بكتابته، تأكيد لعدم الكفران.
اطفيش
تفسير : {فَمَن يعْمل من الصالحات} قدراً واجباً من الصالحات أو زاد أو بعض الصالحات، وهو الواجب أو مع زيادة {وهُو مُؤمنْ} بما يجب الإيمان به {فَلا كُفْرانَ} لا حرمان ولا جحود، كما أنى حرمت على عبادى الكفر بى وجحود نعمتى، وهذا تأكيد عظيم فى الثواب {لسَعْيه} لثواب سَعْيه أى عمله {وإنَّا له} أى لسعيه، وهذا أولى من أن يقال: الهاء عائد الى من على معنى أنه لا ننساه، ولا يلتبس علينا، كما يكتب أسماء الجند فى بعض الأحيان {كاتبون} فى اللوح المحفوظ بقدرتنا، أو بالملائكة فى الصحف.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} تفصيل للجزاء أي فمن يعمل بعض الصالحات أو بعضاً من الصالحات {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} بما يجب الإيمان به {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي لا حرمان لثواب عمله ذلك، عبر عنه بالكفران الذي هو سر النعمة وجحودها لبيان كمال نزاهته تعالى عنه بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من القبائح، وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه تعالى ونفي نفي الجنس المفيد للعموم للمبالغة في التنزيه، والظاهر أن التركيب على طرز «لا مانع لما أعطيت» والكلام فيه مشهور بين علماء العربية؛ وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به، وفي حرف عبد الله {فَلاَ كفر} والمعنى واحد {وَإِنَّا لَهُ} أي لسعيه، وقيل: الضمير لمن وليس بشيء {كَـٰتِبُونَ} أي مثبتون في صحيفة عمله لا يضيع بوجه ما. واستدل بالآية على أن قبول العمل الصالح مطلقاً مشروط بالإيمان وهو قول لبعضهم، وقال آخرون: الإيمان شرط لقبول ما يحتاج إلى النية من الأعمال، وتحقيقه في موضعه.
ابن عاشور
تفسير : فُرّع على الوعيد المعرض به في قوله تعالى: {أية : كل إلينا راجعون}تفسير : [الأنبياء: 94] تفريعٌ بديع من بيان صفة ما توعدوا به، وذلك من قوله تعالى: {أية : فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا}تفسير : [الأنبياء: 97] الآيات. وقدم وَعد المؤمنين بجزاء أعمالهم الصالحة اهتماماً به، ولوقوعه عقب الوعيد تعجيلاً لمسرة المؤمنين قبل أن يسمعوا قوارع تفصيل الوعيد، فليس هو مقصوداً من التفريع، ولكنه يشبه الاستطراد تنويهاً بالمؤمنين كما سيُعتَنى بهم عقب تفصيل وعيد الكافرين بقوله تعالى: {أية : إن الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون} تفسير : [الأنبياء: 101] إلى آخر السورة. والكفران مصدر أصله عدم الاعتراف بالإحسان، ضد الشكران. واستعمل هنا في حرمان الجزاء على العمل الصالح على طريقة المجاز لأن الاعتراف بالخير يستلزم الجزاء عليه عُرفاً كقوله تعالى: {أية : وما تفعلوا من خير فلن تكفروه}تفسير : [آل عمران: 115] فالمعنى: أنهم يُعطَون جزاء أعمالهم الصالحة. وأكد ذلك بقوله: {وإنا له كاتبون} مؤكداً بحرف التأكيد للاهتمام به. والكتابة كناية عن تحققه وعدم إضاعته لأن الاعتناء بإيقاع الشيء يستلزم الحفظ عن إهماله وعن إنكاره، ومن وسائل ذلك كتابته ليذكر ولو طالت المدة. وهذا لزوم عرفي. قال الحارث بن حلزة:شعر : وهَل يَنقض ما في المهارق الأهواء تفسير : وذلك مع كون الكتابة مستعملة في معناها الأصلي كما جاءت بذلك الظواهر من الكتاب والسنة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّالِحَاتِ} {كَاتِبُونَ} (94) - فَمَنْ عَمِلَ عَمَلاً صَالحِاً، وكَانَ قَبلَ ذَلِكَ قد آمَنَ باللهِ، وكُتُبهِ وَرُسُلِهِ، وَأَنَّه لا إِلهَ إلاَّ هُوَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فإِنَّ اللهَ تَعَالَى لا يُضَيعُ عَليهِ شَيْئاً مِنَ عَمَلِهِ، ولا يكْفُرُه سَعْيَهُ، بَلْ يَشْكُرُهُ لَهُ، وَيَكْتُبُ لَهُ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ، فَلا يَضِيعُ شيءٌ مِنْها، ولا يَظْلِمُهُ مِنْ عَمَلِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - يستأنف معنا العِظة بالعمل الصالح ليعطينا الأمل لو رجعنا إلى الله، والدنيا كلها تَشهد أن أيَّ مبدأ باطل، أو شعار زائف زائل يُزخرفون به أهواءهم لا يلبث أنْ ينهار ولو بَعْد حين، ويتبين أصحابه أنه خطأ ويعدلون عنه. ومثال ذلك الفكر الشيوعي الذي ساد روسيا منذ عام 1917وانتهكت في سبيله الحرمات، وسفكتْ الدماء، وهدمتْ البيوت، وأخذت الثروات، وبعد أن كانت أمة تصدر الغذاء لدول العالم أصبحت الآن تتسول من دول العالم، وهم أول مَنْ ضَجَّ من هذا الفكر وعانى من هذه القوانين. وقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ..} [الأنبياء: 94] ربط العمل الصالح بالإيمان، لأنه مُنطلَق المؤمن في كُلِّ ما يأتي وفي كُلِّ ما يدع؛ لينال بعمله سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. أمّا مَنْ يعمل الصالح لذات الصلاح ومن منطلق الإنسانية والمروءة، ولا يخلو هذا كله في النهاية عن أهواء وأغراض، فليأخذ نصيبه في الدنيا، ويحظى فيها بالتكريم والسيادة والسُّمْعة، وليس له نصيب في ثواب الآخرة؛ لأنه فَعَل الخير وليس في باله الله. والحق سبحانه يعطينا مثالاً لذلك في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ..}تفسير : [ النور: 39]. يعني: فوجئ بوجود إله يحاسبه ويجازيه، وهذه مسألة لم تكُنْ على باله، فيقول له: عملتَ ليقال وقد قيل . وانتهت المسألة؛ لذلك يقول تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ..} تفسير : [الشورى: 20] أي: نعطيه أجره في عالم آخر لا نهاية له {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. لأنه عَمِلَ للناس، فليأخذ أجره منهم، يُخلِّدون ذكراه، ويُقيمون له المعارض والتماثيل .. الخ. وقوله تعالى: {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ..} [الأنبياء: 94] يعني: لا نبخسه حَقَّه ولا نجحد سَعْيه أبداً {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] نسجِّل له أعماله ونحفظها، والمفروض أن الإنسان هو الذي يُسجِّل لنفسه، فإنْ سجَّل لك عملَك ربُّك الذي يُثيبك عليه، وسجَّله على نفسه، فلا شكَّ أنه تسجيل دقيق لا يبخسك مثقال ذرة من عملك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):