٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
93
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي تفرقوا في الدين؛ قاله الكلبي. الأخفش؛ اختلفوا فيه. والمراد المشركون؛ ذمّهم لمخالفتهم الحق، واتخاذهم آلهة من دون الله. قال الأزهري: أي تفرقوا في أمرهم؛ فنصب «أَمْرَهُمْ» بحذف «في». فالمتقطع على هذا لازم وعلى الأوّل متعد. والمراد جميع الخلق؛ أي جعلوا أمرهم في أديانهم قطعاً وتقسموه بينهم، فمن موحد، ومن يهوديّ، ومن نصرانيّ، ومن عابد ملك أو صنم. {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} أي إلى حكمنا فنجازيهم. قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} «مِن» للتبعيض لا للجنس إذ لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات كلّها فرضها ونفلها؛ فالمعنى: من يعمل شيئاً من الطاعات فرضاً أو نفلاً وهو موحّد مسلم. وقال ابن عباس: مصدقاً بمحمد صلى الله عليه وسلم. {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي لا جحود لعمله؛ أي لا يضيع جزاؤه ولا يغطى. والكفر ضدّه الإيمان. والكفر أيضاً جحود النعمة، وهو ضدّ الشكر. وقد كفره كفوراً وكفرانا. وفي حرف ابن مسعود «فَلاَ كُفْرَ لِسَعْيِهِ». {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} لعمله حافظون. نظيره {أية : أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} تفسير : [آل عمران: 195] أي كل ذلك محفوظ ليجازى به.
البيضاوي
تفسير : {وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} صرفه إلى الغيبة التفاتاً لينعى على الذين تفرقوا في الدين وجعلوا أمره قطعاً موزعة بقبيح فعلهم إلى غيرهم. {كُلٌّ} من الفرق المتحزبة. {إِلَيْنَا رٰجِعُونَ} فنجازيهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَتُقَطَّعُواْ } أي بعض المخاطبين {أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي تفرّقوا أمر دينهم متخالفين فيه، وهم طوائف اليهود والنصارى. قال تعالى:{كُلٌّ إِلَيْنَا رٰجِعُونَ } أي فنجازيه بعمله.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَتَقَطَّعُواْ} اختلفوا في الدين، أو تفرقوا فيه.
الخازن
تفسير : {وتقطعوا أمرهم بينهم} أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقاً وأحزاباً حتى لعن بعضهم بعضاً وتبرأ بعضهم من بعض {كل إلينا راجعون} فنجزيهم بأعمالهم {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} أي لا يجحد ولا يبطل سعيه بل يشكر ويثاب عليه {وإنا له كاتبون} أي لعلمه وحافظون له. وقيل: الشكر من الله المجازاة، والكفران ترك المجازاة. قوله عز وجل {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} قال ابن عباس: ومعناه وحرام على أهل قرية أهلكانهم أن يرجعوا بعد الهلاك، وقيل: معناه وحرام على أهل قرية حكمنا بهلاكهم أن نقبل أعمالهم لأنهم لا يتوبون. قوله عز وجل {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} يريد فتح السد وذلك أن الله يفتحه أخبر عن يأجوج ومأجوج وهما قبيلتان، يقال إنهما تسعة أعشار بني آدم {وهم من كل حدب ينسلون} أي يسرعون النزول من كل الآكام والتلال. وفي هذه الكناية وجهان: أحدهما أن المراد بهم يأجوج ومأجوج وهو الأصح بدليل ما روي عن النواس بن سمعان قال "حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظننا أنه من طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله, ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: غير الدجال أخوفني عليكم إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرىء حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يميناً وعاث شمالاً يا عباد الله فاثبتوا قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال لا أقدروا له قدره قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر لهم السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا وأصبغه ضروعاً وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه"تفسير : . قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأديهم شيء من أموالهم "ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم عليه السلام فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي إلى حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله. ثم يأتي عيسى عليه السلام إلى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح على وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى عليه السلام إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد أن يقاتلهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول لقد كان بهذة مرة ماء ويحضر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله فيهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة. ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك ودري بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة" أخرجه مسلم. شرح غريب ألفاظ الحديث قوله حتى طنناه في طائفة النخل أي ناحية النخل وجانبه والطائفة القطعة من الشيء، وقوله فخفض فيه ورفع خفض صوته ورفعه من شدة ما تكلم به في أمره. وقيل إنه خفض من أمره تهوينا له ورفع من شدة فتنته والتخويف من أمره. قوله إنه شاب قطط أي جعد الشعر وقوله طافئة أي خارجة عن حدها قوله إنه خارج خلة أي إنه يخرج قصداً وطريقاً بين جهتين والتخلل الدخول في الشيء. قوله فعاث أي أفسد. قوله اقدروا له قدرة أي قدروا قدر يوم من أيامكم المعهودة وصلوا فيه بقدر أوقاته، وقوله فتروح عليهم سارحتهم أي مواشيهم، وقوله فيصبحون ممحلين أي مقحطين قد أجدبت أرضهم وغلت أسعارهم. قوله كيعاسيب النحل جمع يعسوب وهو فحل النحل ورئيسها. قوله فيقطعه جزلتين رمية الغرض أي قطعتين والغرض الهدف الذي يرمى بالنشاب. قوله بين مهرودتين رويت بالدال المهملة وبالمعجمة أي شقتين وقيل حلتين وقيل الهرد الصبغ الأصفر بالورس والزعفران. قوله لا يدان لأحد بقتالهم أي لا قدرة ولا قوة لأحد بقتالهم والنغف دود يكون في أنوف الإبل والغنم فرسى جمع فريس وهو القتيل. قوله زهمهم أي ريحهم النتنة. قوله كالزلفة أي كالمرآة وجمعها زلف ويروى بالقاف وأراد به استوائها ونظافتها. قوله تأكل العصابة أي الجماعة قيل يبلغون أربعين وقحف الرمانة في الحديث قشرها. والرسل بكسر الراء اللبن واللقحة الناقة ذات اللبن، والفئام الجماعة من الناس، والفخذ دون القبيلة، وقوله يتهارجون أي يختلفون والتهاريج الاختلاف، وأصله القتل. الوجه في تفسير قوله تعالى {وهم من كل حدب ينسلون} قيل جميع الخلائق يخرجون من قبورهم إلى موقف الحساب (م) عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: "حديث : ما تذكرون قالوا؟ نذكر الساعة قال إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغاربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاث خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"تفسير : . قوله عز وجل {واقترب الوعد الحق} أي القيامة قال حذيفة لو أن رجلاً اقتنى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة. الفلو المهر {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} قيل معنى الآية أن القيامة إذا قامت شخص أبصار الذين كفروا من شدة الأهوال ولا تكاد تطوف هول ذلك اليوم ويقولون {يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا} يعني في الدنيا حيث كذبنا به وقلنا إنه غير كائن {بل كنا ظالمين} أي في وضعنا العبادة في غير موضعها. قوله عز وجل {إنكم} الخطاب للمشركين {وما تعبدون من دون الله} يعني الأصنام {حصب جهنم} أي حطبها ووقودها وقيل يرمي بهم في النار كما يرمي بالحصباء وأصل الحصب الرمي {أنتم لها واردون} أي فيها داخلون {لو كان هؤلاء} يعني الأصنام {آلهة} أي على الحقيقة {ما وردوها} أي ما دخل الأصنام النار وعبدوها {وكل فيها خالدون} يعني العابدين والمعبودين {لهم فيها زفير} قيل الزفير هو أن يملأ الرجل صدره غماً ثم يتنفس وقيل هو شدة ما ينالهم من العذاب {وهم فيها لا يسمعون} قال ابن مسعود في هذه الآية: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخر ثم تلك التوابيت في توابيت أخر عليها مسامير من نار فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار أحداً يعذب غيره.
القشيري
تفسير : اختلفوا وتنازعوا، واضطربت أمورهم، وتفرَّقَتْ أحوالُهم، فاستأصلتهم البلايا. قوله: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ}: وكيف لا... وهم ما يتقلبون إلاَّ في قبضة التقدير؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {وتقطعوا امرهم بينهم} التفات من الخطاب الى الغيبة. القطع فصل الشئ مدركا بالبصر كالاجسام او بالبصيرة كالاشياء المعقولة والتفعل هنا للتعدية نحو علمته الفقه فتعلم الفقه والمعنى جعل الناس امر الدين قطعا واختلفوا فيه فصاروا فرقا كأنه قيل ألا ترون الى عظيم ما ارتكب هؤلاء فى دين الله الذى اجمعت عليه كافة الانبياء حيث جعلوا امر دينهم فيما بينهم قطعا فاصاب كل جماعة قطعة من الدين فصاروا بتقطيع دينهم كأنهم قطع شتى يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض كما قال الكاشفى [وببريدند امم ماضيه كاردين خودرا درميان خود يعنى فرقه فرقه شدند جون يهود ونصارى وهريك تكفير ديكرى كرند] وقد ثبت ان امة ابراهيم عليه السلام صاروا بعده سبعين فرقة وامة موسى عليه السلام احدى وسبعين وامة عيسى عليه السلام ثنتين وسبعين وامة محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثا وسبعين كلهم فى النار الا واحدة وهى التى لا يشوبون ما عين الله ورسوله بشئ من الهوى {كل} اى كل واحدة من الفرق المتقطعة {الينا} لا الى غيرنا {راجعون} بالبعث فنجازيهم حينئذ بحسب اعمالهم. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الخلق تفرقوا فى امرهم فمنهم من طلب الدنيا ومنهم من طلب الآخرة ومنهم من طلب الله تعالى ثم قال {كل الينا راجعون} فاما طالب الدنيا فراجع الى صورة قهرنا وهى جهنم واما طالب الآخرة فراجع الى سورة لطفنا وهى الجنة واما طالبنا فراجع الى وحدانيتنا ثم فصل الجزاء بقوله {فمن} [بس هركه}{يعمل من الصالحات} اى بعض الصالحات {وهو} اى والحال انه {مؤمن} بالله ورسله {فلا كفران لسعيه} اى لا حرمان لثواب عمله استعير لمنع الثواب كما استيعر الشكر لاعطائه يعنى شبه رد العمل ومنع الثواب بالكفران الذى هو ستر النعمة وانكارها وشبه قبول العمل واعطاء الثواب بمقابلته بشكر المنعم عليه للنعم فاطلق عليه الشكر كما قال ان {أية : ربنا لغفور شكور}تفسير : والسعى فى الاصل المشى السريع وهو دون العدو ويستعمل للجد فى الامر خيرا كان او شرا واكثر ما يستعمل فى الافعال المحمودة {وانا له } اى لسعيه {كاتبون} اى مثبتون فى صحائف اعمالهم لا نغادر من ذلك شيئا [مزدكار نيكوان ضائع نباشد نزد حق} لا يضيع الله فى الدارين اجر المحسنين.
الهواري
تفسير : قال عز وجل: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ} يعني أهل الكتاب. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : افترقت بنو إسرائيل على سبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرها في النار، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرها في النار . تفسير : قوله عز وجل: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} يعني البعث. قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي: لعمله {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} أي: نكتب حسناته حتى نجازيه بها الجنة. قوله عزّ وجل: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي: لا يتوبون. قال ابن عباس: إنهم لا يرجعون إلى الدنيا. قوله: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} قد فسَّرناه في سورة الكهف. قال عزّ وجل: {وَهُم مِّنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} قال بعضهم: من كل أكمة ومن كل نجو يخرجون. ذكروا أن عبد الله بن عمرو قال: إن الله عَزّ وجلّ خلق الملائكة والجن والإنس فجزأهم عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الملائكة، وجزء واحد الجن والإِنس، وجزأ الملائكة عشرة أجزاء؛ تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، وجزء واحد منهم لرسالته وما يشاء من أمره. وجزّأ الجن والإِنس عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الجن، وجزء واحد الإِنس؛ فلا يولد من الإِنس مولود إلا ولد من الجن تسعة. وجزأ الإِنس عشرة أجزاء؛ تسعة منهم ياجوج وماجوج، وسائرهم بنو آدم، يعني ما سوى ياجوج وماجوج من ولد آدم. وكان الحسن يقول: الإِنس كلهم من عند آخرهم ولد آدم. والجن كلهم من عند آخرهم ولد إبليس.
اطفيش
تفسير : {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أى تقطَّع بعض المخاطبين أمر دينهم، متخالفين فيه. وهم طوائف اليهود والنصارى، افترقت اليهود سبعين فرقة، وكذا النصارى، كلٌّ فى النار إلا واحدةً وافترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين، كلٌّ فى النار إلا واحدة. وروى: كلٌّ فى الجنة إلا واحدة. والأصل: فتقطعتم أمركم بينكم فنقل الكلام من الخطاب للغيبة، وفى ذلك تقبيح افتراق هؤلاء إلى مَن سوهم، وهو فائدة الالتفات، كأنه قال: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكبوا فى دين الله، جعلوا أمر دينهم قطعا، كما توزّّع الجماعة شيئًا وتفرِّقه، ويكون لكل واحد نصيب، وذلك تمثيل لاختلافهم وصيرورتهم فرقا. قال أبو البقاء: نُصِب الأمر على تقدير: {فى} أو هو مفعول لتقطَّعوا بمعنى قطعوا، أى فرقوا أمرهم، فكل يلعن آخر. {كُلٌّ} من المتقطعين {إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} فنجازيهم بأعمالهم.
اطفيش
تفسير : {وتَقطَّعُوا أمْرهُم بينَهمُ} عطف على محذوف بطريق الالتفات من الخطاب الى الغيبة قطعاً عنها، ونعياً لهم على كفرهم أى أمروا بالاتفاق على التوحيد، وتقطعوا أمرهم، أو عطف على قولهم: "أية : إنَّ هذه أمتكم" تفسير : [الأنبياء: 92] عطف فعليه على اسمية، أو عطف على المعنى، كما يقال فى غير القرآن عطف توهم، كأنه قيل: أمرتم بالاتفاق وتقطعتم، وأمرهم منصوب على تقدير فى، أى تفرقوا فيه، أو مفعول به على أن تقطع بمعنى قطع بالشد من تفعل بمعنى فعل بالشد، وان ضمن معنى جعلوا، فأين المفعول الثانى؟ وان جعل تمييزاً فالتمييز لا يكون معرفة؟ ومعنى تفرقهم اختلافهم فى أنواع الشرك والمعاصى، أو تقطعوا المسلمون والمشركون باختلافهم بالإسلام والشرك {كل إلينا راجعُونَ} للجزاء كما قال تفصيلاً للجزاء.
الالوسي
تفسير : {وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً على أن تقطع مضمن معنى الجعل فلذا تعدى إلى {أَمَرَهُمْ} بنفسه، وقال أبو البقاء: تقطعوا أمرهم أي في أمرهم أي تفرقوا، وقيل: عدي بنفسه لأنه بمعنى قطعوا أي فرقوا، وقيل: {أَمَرَهُمْ} تمييز محول عن الفاعل أي تقطع أمرهم انتهى، وما ذكر أولاً أظهر وأمر التمييز لا يخفى على ذي تمييز، ثم أصل الكلام وتقطعتم أمركم بينهم على الخطاب فالتفت إلى الغيبة لينعي عليهم ما فعلوا من الفرق في الدين وجعله قطعاً موزعة وينهي ذلك إلى الآخرين كأنه قيل ألا ترون إلى عظم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى الذي أجمعت عليه كافة الأنبياء عليهم السلام وفي ذلك ذم للاختلاف في الأصول. {كُلٌّ} أي كل واحدة من الفرق المتقطعة أو كل واحد من آحاد كل واحدة من تلك الفرق {إِلَيْنَا رٰجِعُونَ} بالبعث لا إلى غيرنا فنجازيهم حينئذٍ بحسب أعمالهم، ولا يخفى ما في الجملة من الدلالة على الثبوت والتحقق.
سيد قطب
تفسير : هذا الشوط الأخير في السورة بعد عرض سنن الله الكونية، الشاهدة بوحدة الخالق؛ وسنن الله في إرسال الرسل بالدعوات الشاهدة بوحدة الأمة ووحدة العقيدة.. يعرض السياق فيه مشهداً للساعة وأشراطها، يتبين فيه مصير المشركين بالله ومصير الشركاء؛ ويتفرد الله ذو الجلال بالتصريف فيه والتدبير. ثم يقرر سنة الله في وراثة الأرض، ورحمة الله للعالمين المتمثلة في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وعندئذ يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ينفض يده منهم، وأن يدعهم لمصيرهم، فيترك الحكم لله فيهم؛ ويستعين به على شركهم وتكذيبهم واستهزائهم، وانصرافهم إلى اللعب واللهو، ويوم الحساب قريب. {وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون. فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه، وإنا له كاتبون. وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون}.. إن أمة الرسل واحدة تقوم على عقيدة واحدة وملة واحدة، أساسها التوحيد الذي تشهد به نواميس الوجود؛ والذي دعت إليه الرسل منذ أولى الرسالات إلى أخراها دون تبديل ولا تغيير في هذا الأصل الكبير. إنما كانت التفصيلات والزيادات في مناهج الحياة القائمة على عقيدة التوحيد، بقدر استعداد كل أمة، وتطور كل جيل؛ وبقدر نمو مدارك البشرية ونمو تجاربها، واستعدادها لأنماط من التكاليف ومن التشريعات؛ وبقدر حاجاتها الجديدة التي نشأت من التجارب، ومن نمو الحياة ووسائلها وارتباطاتها جيلاً بعد جيل. ومع وحدة أمة الرسل، ووحدة القاعدة التي تقوم عليها الرسالات.. فقد تقطع أتباعها أمرهم بينهم، كأنما اقتطع كل منهم قطعة وذهب بها. وثار بينهم الجدل، وكثر بينهم الخلاف، وهاجت بينهم العداوة والبغضاء.. وقع ذلك بين اتباع الرسول الواحد حتى ليقتل بعضهم بعضاً باسم العقيدة. والعقيدة واحدة، وأمة الرسل كلها واحدة. لقد تقطعوا أمرهم بينهم في الدنيا. ولكنهم جميعاً سيرجعون إلى الله. في الآخرة: {كل إلينا راجعون} فالمرجع إليه وحده، وهو الذي يتولى حسابهم ويعلم ما كانوا عليه من هدى أو ضلال: {فمن يعمل الصالحات وهو مؤمن، فلا كفران لسعيه، وإنا له كاتبون}.. هذا هو قانون العمل والجزاء.. لا جحود ولا كفران للعمل الصالح متى قام على قاعدة الأيمان.. وهو مكتوب عند الله لا يضيع منه شيء ولا يغيب. ولا بد من الأيمان لتكون للعمل الصالح قيمته، بل ليثبت للعمل الصالح وجوده. ولا بد من العمل الصالح لتكون للإيمان ثمرته، بل لتثبت للإيمان حقيقته. إن الإيمان هو قاعدة الحياة، لأنه الصلة الحقيقية بين الإنسان وهذا الوجود، والرابطة التي تشد الوجود بما فيه ومن فيه إلى خالقه الواحد، وترده إلى الناموس الواحد الذي ارتضاه، ولا بد من القاعدة ليقوم البناء. والعمل الصالح هو هذا البناء. فهو منهار من أساسه ما لم يقم على قاعدته. والعمل الصالح هو ثمرة الإيمان التي تثبت وجوده وحيويته في الضمير. والإسلام بالذات عقيدة متحركة متى تم وجودها في الضمير تحولت إلى عمل صالح هو الصورة الظاهرة للإيمان المضمر.. والثمرة اليانعة للجذور الممتدة في الأعماق. ومن ثم يقرن القرآن دائماً بين الإيمان والعمل الصالح كلما ذكر العمل والجزاء. فلا جزاء على إيمان عاطل خامد لا يعمل ولا يثمر. ولا على عمل منقطع لا يقوم على الإيمان. والعمل الطيب الذي لا يصدر عن إيمان إنما هو مصادفة عابرة، لأنه غير مرتبط بمنهج مرسوم، ولا موصول بناموس مطرد. وإن هو إلا شهوة أو نزوة غير موصولة بالباعث الأصيل للعمل الصالح في هذا الوجود. وهو الإيمان بإله يرضى عن العمل الصالح، لأنه وسيلة البناء في هذا الكون، ووسيلة الكمال الذي قدره الله لهذه الحياة. فهو حركة ذات غاية مرتبطة بغاية الحياة ومصيرها، لا فلتة عابرة، ولا نزوة عارضة، ولا رمية بغير هدف، ولا اتجاهاً معزولاً عن اتجاه الكون وناموسه الكبير. والجزاء على العمل يتم في الآخرة حتى ولو قدم منه قسط في الدنيا. فالقرى التي هلكت بعذاب الاستئصال ستعود كذلك حتماً لتنال جزاءها الأخير، وعدم عودتها ممتنعة، فهي راجعة بكل تأكيد. {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون}.. إنما يفرد السياق هذه القرى بالذكر بعد أن قال: {كل إلينا راجعون} لأنه قد يخطر للذهن أن هلاكها في الدنيا كان نهاية أمرها، ونهاية حسابها وجزائها. فهو يؤكد رجعتها إلى الله، وينفي عدم الرجعة نفياً قاطعاً في صورة التحريم لوقوعه. وهو تعبير فيه شيء من الغرابة، مما جعل المفسرين يؤولونه فيقدرون أن {لا} زائدة. وأن المعنى هي نفي رجعة القرى إلى الحياة بعد إهلاكها. أو نفي رجوعهم عن غيهم إلى قيام الساعة. وكلاهما تأويل لا داعي له. وتفسير النص على ظاهره أولى، لأن له وجهه في السياق على النحو الذي ذكرنا. ثم يعرض مشهداً من مشاهد القيامة يبدؤه بالعلامة التي تدل على قرب الموعد. وهو فتح يأجوج ومأجوج: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، واقترب الوعد الحق، فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا. يا ويلنا قد كنا في غفلة من هـذا، بل كنا ظالمين. إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هـؤلاء آلهة ما وردوها، وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون. إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولـئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة هـذا يومكم الذي كنتم توعدون. يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعداً علينا إنا كنا فاعلين}.. وقد قلنا من قبل عند الكلام على يأجوج ومأجوج في قصة ذي القرنين في سورة الكهف: اقتراب الوعد الحق الذي يقرنه السياق بفتح يأجوج مأجوج، ربما يكون قد وقع بانسياح التتار وتدفقهم شرقاً وغرباً، وتحطيم المماليك والعروش.. لأن القرآن قد قال منذ أيام الرسول ـ صلى الله عليه السلام - {أية : اقتربت الساعة}. تفسير : غير أن اقتراب الوعد الحق لا يحدد زماناً معيناً للساعة. فحساب الزمن في تقدير الله غيره في تقدير البشر {أية : وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون }.. تفسير : إنما المقصود هنا هو وصف ذلك اليوم حين يجيء، والتقديم له بصورة مصغرة من مشاهد الأرض، هي تدفق يأجوج ومأجوج من كل حدب في سرعة واضطراب. على طريقة القرآن الكريم في الاستعانة بمشاهدات البشر والترقي بهم من تصوراتهم الأرضية إلى المشاهد الأخروية. وفي المشهد المعروض هنا يبرز عنصر المفاجأة التي تبهت المفجوئين! {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا}.. لا تطرف من الهول الذين فوجئوا به. ويقدم في التعبير كلمة {شاخصة} لترسم المشهد وتبرزه! ثم يميل السياق عن حكاية حالهم إلى إبرازهم يتكلمون، وبذلك يحيي المشهد ويستحضره: {يا ويلنا! قد كنا في غفلة من هذا. بل كنا ظالمين}.. وهو تفجع المفجوء الذي تتكشف له الحقيقة المروعة بغتة؛ فيذهل ويشخص بصره فلا يطرف، ويدعو بالويل والهلاك، ويعترف ويندم، ولكن بعد فوات الأوان! وحين يصدر هذا الاعتراف في ذهول المفاجأة يصدر الحكم القاطع الذي لا مرد له: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون}.. وكأنما هم اللحظة في ساحة العرض، يردون جهنم هم وآلهتهم المدعاة؛ وكأنما هم يقذفون فيها قذفاً بلا رفق ولا أناة؛ وكأنما تحصب بهم حصباً كما تحصب بالنواة! وعندئذ يوجه إليهم البرهان على كذب ما يدعون لها من كونها آلهة. يوجه إليهم من هذا الواقع المشهود: {لو كان هؤلاء ما وردوها}.. وهو برهان وجداني ينتزع من هذا المشهد المعروض عليهم في الدنيا، وكأنما هو واقع في الآخرة.. ثم يستمر السياق على أنهم قد وردوا جهنم فعلاً، فيصف مقامهم فيها، ويصور حالهم هناك؛ وهي حال المكروب المذهوب بإدراكه من هول ما هو فيه: {وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير، وهم فيها لا يسمعون}. وندع هؤلاء لنجد المؤمنين في نجوة من هذا كله، قد سبقت لهم الحسنى من الله، وقدر لهم الفوز والنجاة: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولـئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون}.. ولفظة {حسيسها} من الألفاظ المصورة بجرسها لمعناها. فهو تنقل صوت النار وهي تسري وتحرق، وتحدث ذلك الصوت المفزع. وإنه لصوت يتفزع له الجلد ويقشعر. ولذلك نجي الذين سبقت لهم الحسنى من سماعه ـ فضلاً على معاناته ـ نجوا من الفزع الأكبر الذي يذهل المشركين. وعاشوا فيما تشتهي أنفسهم من أمن ونعيم. وتتولى الملائكة استقبالهم بالترحيب، ومصاحبتهم لتطمئن قلوبهم في جو الفزع المرهوب: {لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة. هـذا يومكم الذي كنتم توعدون}.. ويختم المشهد بمنظر الكون الذي آل إليه. وهو يشارك في تصوير الهول الآخذ بزمام القلوب، وبزمام الكائنات كلها في ذلك اليوم العصيب: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب}.. فإذا السماء مطوية كما يطوي خازن الصحائف صحائفه؛ وقد قضي الأمر، وانتهى العرض، وطوي الكون الذي كان يألفه الإنسان.. وإذا عالم جديد وكون جديد: {كما بدأنا أول خلق نعيده}.. {وعداً علينا إنا كنا فاعلين}.. ومن هذا المشهد المصور لنهاية الكون والأحياء في الآخرة يعود السياق لبيان سنة الله في وراثة الأرض، وصيرورتها للصالحين من عبادة في الحياة. وبين المشهدين مناسبة وارتباط: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}.. والزبور إما أن يكون كتاباً بعينه هو الذي أوتيه داود عليه السلام. ويكون الذكر إذن هو التوراة التي سبقت الزبور. وإما أن يكون وصفاً لكل كتاب بمعنى قطعة من الكتاب الأصيل الذي هو الذكر وهو اللوح المحفوظ، الذي يمثل المنهج الكلي، والمرجع الكامل، لكل نواميس الله في الوجود. وعلى أية حال فالمقصود بقوله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر...} هو بيان سنة الله المقررة في وراثة الأرض: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}.. فما هي هذه الوراثة؟ ومن هم عباد الله الصالحون؟ لقد استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها وإصلاحها، وتنميتها وتحويرها، واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها، واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة، والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم الله. ولقد وضع الله للبشر منهجاً كاملاً متكاملاً للعمل على وفقه في هذه الأرض. منهجاً يقوم على الإيمان والعمل الصالح. وفي الرسالة الأخيرة للبشر فصل هذا المنهج، وشرع له القوانين التي تقيمه وتحرسه؛ وتكفل التناسق والتوازن بين خطواته. في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال ثرواتها والانتفاع بطاقاتها هو وحده المقصود. ولكن المقصود هو هذا مع العناية بضمير الإنسان، ليبلغ الإنسان كماله المقدر له في هذه الحياة. فلا ينتكس حيواناً في وسط الحضارة المادية الزاهرة؛ ولا يهبط إلى الدرك بإنسانيته وهو يرتفع إلى الأوج في استغلال موارد الثروة الظاهرة والمخبوءة. وفي الطريق لبلوغ ذلك التوازن والتناسق تشيل كفة وترجح كفة. وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة. وقد يغلب عليها همج ومتبربرون وغزاة. وقد يغلب عليها كفار فجار يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالاً مادياً.. ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق. والوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين، الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح. فلا يفترق في كيانهم هذان العنصران ولا في حياتهم. وحيثما اجتمع إيمان القلب ونشاط العمل في أمة فهي الوارثة للأرض في أية فترة من فترات التاريخ. ولكن حين يفترق هذان العنصران فالميزان يتأرجح. وقد تقع الغلبة للآخذين بالوسائل المادية حين يهمل الأخذ بها من يتظاهرون بالإيمان، وحين تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح الدافع إلى العمل الصالح، وإلى عمارة الأرض، والقيام بتكاليف الخلافة التي وكلها الله إلى هذا الإنسان. وما على أصحاب الإيمان إلا أن يحققوا مدلول إيمانهم، وهو العمل الصالح، والنهوض بتبعات الخلافة ليتحقق وعد الله، وتجري سنته: {إن الأرض يرثها عبادي الصالحون}.. فالمؤمنون العاملون هم العباد الصالحون.. وفي النهاية يجيء إيقاع الختام في السورة مشابهاً لإيقاع الافتتاح! {إن في هـذا لبلاغاً لقوم عابدين. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. قل: إنما يوحى إلي أنما إلـهكم إلـه واحد فهل أنتم مسلمون؟ فإن تولوا فقل: آذنتكم على سوآء، وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون. إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون. وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.. قال: رب احكم بالحق، وربنا الرحمـن المستعان على ما تصفون}.. {إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين}.. إن في هذا القرآن وما يكشفه من سنن في الكون والحياة. ومن مصائر الناس في الدنيا والآخرة. ومن قواعد العمل والجزاء.. إن في هذا لبلاغاً وكفاية للمستعدين لاستقبال هدى الله. ويسميهم {عابدين} لأن العابد خاشع القلب طائع متهيئ للتلقي والتدبر والانتفاع. ولقد أرسل الله رسوله رحمة للناس كافة ليأخذ بأيديهم إلى الهدى، وما يهتدي إلا أولئك المتهيئون المستعدون. وإن كانت الرحمة تتحقق للمؤمنين ولغير المؤمنين.. إن المنهج الذي جاء مع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة. ولقد جاءت هذه الرسالة للبشرية حينما بلغت سن الرشد العقلي: جاءت كتاباً مفتوحاً للعقول في مقبل الأجيال، شاملاً لأصول الحياة البشرية التي لا تتبدل، مستعداً لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير. ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم لحياة إنسانية متجددة. وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها ارتباطات حياتها النامية المتجددة، واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة وملابساتها، دون اصطدام بأصول المنهج الدائم. وكفل للعقل البشري حرية العمل، بكفالة حقه في التفكير، وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير. ثم ترك له الحرية في دائرة الأصول المنهجية التي وضعها لحياة البشر، كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة الناس في هذه الأرض. ولقد دلت تجارب البشرية حتى اللحظة على أن ذلك المنهج كان وما يزال سابقاً لخطوات البشرية في عمومه. قابلاً لأن تنمو الحياة في ظلاله بكل ارتباطاتها نمواً مطرداً. وهو يقودها دائماً، ولا يتخلف عنها، ولا يقعد بها، ولا يشدها إلى الخلف، لأنه سابق دائماً على خطواتها متسع دائماً لكامل خطواتها. وهو في تلبيته لرغبة البشرية في النمو والتقدم لا يكبت طاقاتها في صورة من صور الكبت الفردي أو الجماعي، ولا يحرمها الاستمتاع بثمرات جهدها وطيبات الحياة التي تحققها. وقيمة هذا المنهج أنه متوازن متناسق. لا يعذب الجسد ليسمو بالروح، ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد. ولا يقيد طاقات الفرد ورغائبه الفطرية السليمة ليحقق مصلحة الجماعة أو الدولة. ولا يطلق للفرد نزواته وشهواته الطاغية المنحرفة لتؤذي حياة الجماعة، أو تسخرها لإمتاع فرد أو أفراد. وكافة التكاليف التي يضعها ذلك المنهج على كاهل الإنسان ملحوظ فيها أنها في حدود طاقته، ولمصلحته؛ وقد زود بالاستعدادات والمقدرات التي تعينه على أداء تلك التكاليف، وتجعلها محببة لديه ـ مهما لقي من أجلها الآلام أحياناً ـ لأنها تلبي رغيبة من رغائبه، أو تصرف طاقة من طاقاته. ولقد كانت رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده والمبادئ التي جاء بها كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الواقعية والروحية من مسافة. ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئاً فشيئاً من آفاق هذه المبادئ. فتزول غرابتها في حسها، وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى. لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية الجغرافية. لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد.. وكان هذا غريباً على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يومذاك. والأشراف يعدون أنفسهم من طينة غير طينة العبيد.. ولكن ها هي ذي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر قرناً تحاول أن تقفو خطى الإسلام، فتتعثر في الطريق، لأنها لا تهتدي بنور الإسلام الكامل. ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج ـ ولو في الدعاوى والأقوال ـ وإن كانت ما تزال أمم في أوربا وأمريكا تتمسك بالعنصرية البغيضة التي حاربها الإسلام منذ نيف وثلاث مائة وألف عام. ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس أمام القضاء والقانون. في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات، وتجعل لكل طبقة قانوناً. بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع.. فكان غريباً على ضمير البشرية يومذاك أن ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم بمبدأ المساواة المطلقة أمام القضاء.. ولكن ها هي ذي شيئاً فشيئاً تحاول أن تصل ـ ولو نظرياً ـ إلى شيء مما طبقة الإسلام عملياً منذ نيف وثلاث مائة وألف عام. وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما أرسل رحمة للعالمين. من آمن به ومن لم يؤمن به على السواء. فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة، شاعرة أو غير شاعرة؛ وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة، لمن يريد أن يستظل بها، ويستروح فيها نسائم السماء الرخية، في هجير الأرض المحرق وبخاصة في هذه الأيام. وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها. وهي قلقة حائرة، شاردة في متاهات المادية، وجحيم الحروب، وجفاف الأرواح والقلوب.. وبعد إبراز معنى الرحمة وتقريره يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يواجه المكذبين المستهزئين، بخلاصة رسالته التي تنبع منها الرحمة للعالمين: {قل إنما يوحى إليَّ أنَّما إلـهكم إلـه واحد. فهل أنتم مسلمون؟}. فهذا هو عنصر الرحمة الأصيل في تلك الرسالة. عنصر التوحيد المطلق الذي ينقذ البشرية من أوهام الجاهلية، ومن أثقال الوثنية، ومن ضغط الوهم والخرافة. والذي يقيم الحياة على قاعدتها الركينة، فيربطها بالوجود كله، وفق نواميس واضحة وسنن ثابتة، لا وفق أهواء ونزوات وشهوات. والذي يكفل لكل إنسان أن يقف مرفوع الرأس فلا تنحني الرؤوس إلا لله الواحد القهار. هذا هو طريق الرحمة.. {فهل أنتم مسلمون؟}. وهذا هو السؤال الواحد الذي يكلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يلقيه على المكذبين المستهزئين. {فإن تولوا فقل: آذنتكم على سواء}.. أي كشفت لكم ما عندي فأنا وأنتم على علم سواء. والإيذان يكون في الحرب لإنهاء فترة السلم، وإعلام الفريق الآخر أنها حرب لا سلام.. أما هنا ـ والسورة مكية ولم يكن القتال قد فرض بعد ـ فالمقصود هو أن يعلنهم بأنه قد نفض يده منهم، وتركهم عالمين بمصيرهم، وأنذرهم عاقبة أمرهم. فلم يعد لهم بعد ذلك عذر، فليذوقوا وبال أمرهم وهم عالمون.. {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون}.. آذنتكم على سواء. ولست أدري متى يحل بكم ما توعدون. فهو غيب من غيب الله. لا يعلمه إلا الله. وهو وحده يعلم متى يأخذكم بعذابه في الدنيا أو في الآخرة سواء. وهو يعلم سركم وجهركم، فما يخفى عليه منكم خافية: {إنه يعلم الجهر من القول، ويعلم ما تكتمون}.. فأمركم كله مكشوف له، وحين يعذبكم يعذبكم بما يعلم من أمركم ظاهره وخافيه. وإذا أخر عنكم العذاب فحكمة تأخيره عند الله: {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين}.. وما أدري ما يريد الله بهذا التأخير. فلعله يريد أن يكون فتنة لكم وابتلاء، فيمتعكم إلى أجل، ثم يأخذكم أخذ عزيز مقتدر. وبهذا التجهيل يلمس قلوبهم لمسة قوية، ويدعهم يتوقعون كل احتمال، ويتوجسون خيفة من المفاجأة التي تأخذهم بغتة. وتوقظ قلوبهم من غفلة المتاع فلعل وراءه الفتنة والبلاء. وتوقع العذاب على غير موعد مضروب كفيل بأن يترك النفس متوجسة، والأعصاب متوفزة، ترتقب في كل لحظة أن يرفع الستار المسدل، عن الغيب المخبوء. وإن القلب البشري ليغفل عما ينتظره من غيب الله، وإن المتاع ليخدع، فينسى الإنسان أن وراء الستار المسدل ما وراءه مما لا يدريه ولا يكشف عنه إلا الله في موعده المغيب المجهول. فهذا الإنذار يرد القلوب إلى اليقظة، ويعذر إليها بين يدي الله قبل فوات الأوان. وهنا يتوجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ربه. وقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة. وآذنهم على سواء، وحذرهم بغتة البلاء.. يتوجه إلى ربه الرحمن يطلب حكمه الحق بينه وبين المستهزئين الغافلين، ويستعينه على كيدهم وتكذيبهم. وهو وحده المستعان: {قال: رب احكم بالحق، وربنا الرحمـن المستعان على ما تصفون}.. وصفة الرحمة الكبيرة هنا ذات مدلول. فهو الذي أرسله رحمة للعاليمن، فكذب به المكذبون واستهزأ به المستهزئون. وهو الكفيل بأن يرحم رسوله ويعينه على ما يصفون. وبهذا المقطع القوي تختم السورة كما بدأت بذلك المطلع القوي. فيتقابل طرفاها في إيقاع نافذ قوي مثير عميق.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}تفسير : [الأنبياء: 92] أي أعرضوا عن قولنا. و {تقطّعوا} وضمائر الغيبة عائدة إلى مفهوم من المقام وهم الذين مِن الشأن التحدّثُ عنهم في القرآن المكي بمثل هذه المذام، وهم المشركون. ومثل هذه الضمائر المرادِ منها المشركون كثير في القرآن. ويجوز أن تكون الضمائر عائدة إلى أمم الرسل. فعلى الوجه الأول الذي قدمناه في ضمائر الخطاب في قوله تعالى: {أية : إن هذه أمتكم أمة واحدة}تفسير : [الأنبياء: 92] يكون الكلام انتقالاً من الحكاية عن الرسل إلى الحكاية عن حال أممهم في حياتهم أو الذين جاءوا بعدهم مثل اليهود والنصارى إذ نقضوا وصايا أنبيائهم. وعلى الوجه الثاني تكون ضمائر الغيبة التفاتاً. ثم يجوز أن تكون الواو عاطفة قصة على قصة لمناسبة واضحة كما عطف نظيرها بالفاء في سورة المؤمنين. ويجوز كونها للحال، أي أمَرنا الرسل بملة الإسلام، وهي الملة الواحدة، فكان من ضلال المشركين أن تقطعوا أمرهم وخالفوا الرسل وعدلوا عن دين التوحيد وهو شريعة إبراهيم أصلهم. ويؤيد هذا الوجه أن نظير هذه الآية في سورة المؤمنين جاء فيه العطف بفاء التفريع. والتقطع: مطاوع قَطّع، أي تفرقوا. وأسند التقطع إليهم لأنهم جعلوا أنفسهم فرقاً فعبدوا آلهة متعددة واتخذت كل قبيلة لنفسها إلهاً من الأصنام مع الله، فشبه فعلهم ذلك بالتقطع. وفي «جمهرة الأنساب» لابن حزم: «حديث : كان الحُصين بن عبيد الخُراعي، وهو والد عمران بن حُصين لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله: يا حصين ما تعبد؟ قال: عشرة آلهة، قال: ما هم وأين هم؟ قال: تسعة في الأرض وواحد في السماء. قال: فمَن لحاجتك؟ قال: الذي في السماء، قال: فمن لِطلْبَتِكَ؟ قال: الذي في السماء، قال: فمن لكذا؟ فمن لكذا؟ كُلّ ذلك يقول: الذي في السماء، قال رسول الله: فالغ التسعة». تفسير : وفي كتاب الدعوات: من «سنن الترمذي»: أنه قال: «حديث : سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء».تفسير : والأمر: الحال. والمراد به الدين كما دل عليه قوله تعالى: {أية : إن الذين فرقوا دينهم}تفسير : [سورة الأنعام: 159]. ولمّا ضُمن {تقطعوا}معنى توزّعوا عُدّي إلى «دينهم» فنصبَه، والأصل: تقطعوا في دينهم وتوزعوه. وزيادة {بينهم} لإفادة أَنهم تعاونوا وتظاهروا على تقطّع أمرهم. فربّ قبيلة اتخذت صنماً لم تكن تعبُدهُ قبيلة أخرى ثم سوّلوا لجيرتهم وأحلافهم أن يعبدوه فألحقوه بآلهتهم. وهكذا حتى كان في الكعبة عدة أصنام وتماثيل لأن الكعبة مقصودة لجميع قبائل العرب. وقد روي أن عَمرو بن لُحيَ الملقب بخزاعة هو الذي نقل الأصنام إلى العرب. وجملة {كل إلينا راجعون} مستأنفة استئنافاً بيانياً لجواب سؤال يجيش في نفس سامع قوله تعالى {وتقطعوا أمرهم} وهو معرفة عاقبة هذا التقطع. وتنوين {كلٌّ} عوض عن المضاف إليه، أي كلّهم، أي أصحاب ضمائر الغيبة وهم المشركون. والكلام يفيد تعريضاً بالتهديد. ودلّ على ذلك التفريع في قوله تعالى {أية : فمن يعمل من الصالحات}تفسير : [الأنبياء: 94] إلى آخره.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَاجِعُونَ} (93) - ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ عَلى رُسُلِها، فَصَارُوا فِرَقاً كَثِيرَةً فَمِنْ بَينِ مُكَذِّبٍ وَمُصَدِّقٍ لَهُمْ. وَيَوْمَ الْقَيَامَةِ يَرْجِعُونَ إلى اللهِ تَعَالَى جَمِيعاً، فَيُجَازِي كُلاً بِحَسَبِ عَمَلِهِ في الدُّنْيَا. (وقَالَ مُفَسِّرُونَ: إِنَّ الذينَ تَفَرَّقُوا شِيَعاً واخْتَلَفُوا هُمُ المُسْلِمُونَ، فَقَدْ تَفَرَّقُوا فِرَقاً كَثِيرَةً، كُلُّ فِرْقَةٍ تَنْعِى عَلَى ما سِوَاها، وقَدْ كَانَ لَهُمْ مِنْ عِبَر الماضِي مَا يَمْنَعُهُم مِنَ الوُقُوعِ فِي مِثْلِ هَذا التَّفَرُّقِ). تَقَطَّعُوا أمْرَهُم - تَفَرَّقُوا في دِينِهِم فِرَقاً وأَحْزَاباً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: صاروا شيعاً وأحزاباً وجماعات وطوائف، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..} تفسير : [الأنعام: 159]. لماذا، لست منهم في شيء؟ لأنهم يقضون على واحدية الأمة، ولا يقضون على واحدية الأمة إلا إذا اختلفتْ، ولا تختلف الأمة إلا إذا تعددتْ مناهجها، هنا ينشأ الخلاف، أمَّا إنْ صدروا جميعاً عن منهج واحد فلن يختلفوا. وما داموا قد تقطعوا أمرهم بينهم، فصاروا قِطَعاً مختلفة، لكل قطعة منهج وقانون، ولكل قطعة تكاليف، ولكل قطعة راية، وكأن آلهتهم متعددة، فهل سيُتركون على هذا الحال، أم سيعودون إلينا في النهاية؟ {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: 93] إذن: أنتم أمة واحدة في الخَلْق من البداية، وأمة واحدة في المرجع وفي النهاية، فلماذا تختلفون في وسط الطريق؟ إذن: الاختلاف ناشىء من اختلاف المنهج، وكان ينبغي أن يكون واضع المنهج واحداً. وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم خَاتَماً للرسالات، وجاءت شريعته جامعة لمزايا الشرائع السابقة، بل وتزيد عليها المزايا التي تتطلبها العصور التي تلي بعثته. فكان المفروض أن تجتمع الأمة المؤمنة على ذلك المنهج الجامع المانع الشامل، الذي لا يمكن أن يستدرك عليه، وبذلك تتحقق وحدة الأمة، وتصدر في تكليفاتها عن إله واحد، فلا يكون فيها مَدْخَل للأهواء ولا للسلطات الزمنية أو الأغراض الدنيئة. لذلك، إذا تعددت الجماعات التي تقول بالإسلام وتفرقت نقول لهم: كونوا جماعة واحدة، وإلا فالحق مع أيِّ جماعة منكم؟! لأن الله تعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ..}تفسير : [ الأنعام: 159]. ولا يتفرق الداعون لدعوة واحدة إلا باتباع الأهواء والأغراض، أما الدين الحق فهو الذي يأتي على هوى السماء، موافقاً لما ارتضاه الله تعالى لخَلْقه. لقد انفضَّ المؤمنون عن الجامع الذي يجمعهم بأمر الله، فانفضت عنهم الوحدة، وتدابروا حتى لم يَعُدْ يجمعهم إلا قَوْلُ "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أما مناهجهم وقوانينهم فقد أخذوها من هنا أو من هناك، وسوف تعضهم هذه القوانين، وسوف تخذلهم هذه الحضارات، ويرون أثرها السيء، ثم يعودون في النهاية إلى الإسلام فهو مرجعهم الوحيد، كما نسمع الآن نداء لا حَلَّ إلا الإسلام. نعم، الإسلام حَلٌّ للمشاكل والأزمات والخلافات والزعامات، حَلٌّ للتعددية التي أضعفتْ المسلمين وقوَّضَتْ أُخوَّتهم التي قال الله فيها: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ..}تفسير : [آل عمران: 103]. ووالله، لو عُدْنا إلى حبل الله الواحد فتمسَّكنا به، ولم تلعب بنا الأهواء لَعُدْنا إلى الأمة الواحدة التي سادتْ الدنيا كلها. إذن: {إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: 93] أي: في الآخرة للحساب، وأنا أقول يا رب .. لعل هذا الرجوع يكون في الدنيا بأنْ تعضَّنا قوانين البشر، فنفزع إلى الله ونعود إليه من جديد، فيعود لنا مجدنا، ويصْدُق فينا قَوْل الرسول صلى الله عليه وسلم:"حديث : بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء ". تفسير : ويُعزِّز هذا الفهم ويُقوِّي هذا الرجاء قول الله تعالى بعدها: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ..}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} معناه تَفرَّقُوا واختلَفُوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):