٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
92
Tafseer
الرازي
تفسير : قال صاحب «الكشاف»: الأمة الملة وهو إشارة إلى ملة الإسلام، أي أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها يشار إليها بملة واحدة غير مختلفة، وأنا إلهكم إله واحد فاعبدون، ونصب الحسن (أمتكم) على البدل من هذه ورفع أمة خبراً وعنه رفعهما جميعاً خبرين أو نوى للثاني المبتدأ. أما قوله تعالى: {وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريق الالتفات كأنه ينقل عنهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء، والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً كما تتوزع الجماعة الشيء ويقسمونه فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى. أما قوله تعالى: {كُلٌّ إِلَيْنَا رٰجِعُونَ } فقد توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو محاسبهم ومجازيهم، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة فتهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة واحدة، قالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة الناجية؟ قال: الجماعة الجماعة الجماعة » تفسير : فتبين بهذا الخبر أن المراد بقوله تعالى: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ } الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات، وأن في قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الناجية إنها الجماعة إشارة إلى أن هذه أشار بها إلى أمة الإيمان وإلا كان قوله في تعريف الفرقة الناجية إنها الجماعة لغواً إذ لا فرقة تمسكت بباطل أو بحق إلا وهي جماعة من حيث العدد وطعن بعضهم في صحة هذا الخبر، فقال: إن أراد بالثنتين والسبعين فرقة أصول الأديان فلم يبلغ هذا القدر، وإن أراد الفروع فإنها تتجاوز هذا القدر إلى أضعاف ذلك، وقيل أيضاً: قد روى ضد ذلك، وهو أنها كلها ناجية إلا فرقة واحدة. والجواب: المراد ستفترق أمتي في حال ما وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال لا يجوز أن يزيد وينقص.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} لما ذكر الأنبياء قال: هؤلاء كلهم مجتمعون على التوحيد؛ فالأمة هنا بمعنى الدين الذي هو الإسلام؛ قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. فأما المشركون فقد خالفوا الكل. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} أي إلٰهكم وحدي. {فَٱعْبُدُونِ } أي أفردوني بالعبادة. وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ واحِدة» ورواها حسين عن أبي عمرو. الباقون {أُمَّةً وَاحِدَةً} بالنصب على القطع بمجيء النكرة بعد تمام الكلام؛ قاله الفراء. الزجاج: انتصب «أُمَّةً» على الحال؛ أي في حال اجتماعها على الحق؛ أي هذه أمتكم ما دامت أمة واحدة واجتمعتم على التوحيد؛ فإذا تفرقتم وخالفتم فليس من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق؛ وهو كما تقول: فلان صديقي عفيفاً أي ما دام عفيفاً فإذا خالف العفة لم يكن صديقي. وأما الرفع فيجوز أن يكون على البدل من «أمتكم» أو على إضمار مبتدأ؛ أي إن هذه أمتكم، هذه أمة واحدة. أو يكون خبراً بعد خبر. ولو نصبت «أمتكم» على البدل من «هذه» لجاز ويكون «أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» خبر «إن».
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ} أي إن ملة التوحيد والإِسلام ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها فكونوا عليها. {أُمَّةً وَاحِدَةً} غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا مشاركة لغيرها في صحة الاتباع. وقرىء {أُمَتُكُمْ} بالنصب على البدل و {أُمَّةٌ} بالرفع على الخبر وقرئتا بالرفع عن أنهما خبران. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} لا إله لكم غيري. {فَٱعْبُدُونِ} لا غير.
ابن كثير
تفسير : قال ابن عباس ومجاهد وسعيد ابن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} يقول: دينكم دين واحد وقال الحسن البصري في هذه الآية يبين لهم ما يتقون وما يأتون، ثم قال: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي سنتكم سنة واحدة، فقوله إن هذه إن واسمها، وأمتكم خبر إن، أي هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم. وقوله أمة واحدة نصب على الحال، ولهذا قال: {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ} كما قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [المؤمنون:51-52]وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» تفسير : يعني أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: {أية : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}تفسير : [المائدة:48]. وقوله: {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي اختلفت الأمم على رسلها فمن بين مصدق لهم ومكذب، ولهذا قال: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَٰجِعُونَ} أي يوم القيامة، فيجازي كل بحسب عمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ولهذا قال: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي قلبه مصدق وعمل صالحاً {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} كقوله: {أية : إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 30] أي: لا يكفر سعيه وهو عمله بل يشكر فلا يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: {وَإِنَّا لَهُ كَـٰتِبُونَ} أي يكتب جميع عمله فلا يضيع عليه منه شيء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ هَٰذِهِ } أي ملة الإِسلام {أُمَّتُكُمْ } دينكم أيها المخاطبون: أي يجب أن تكونوا عليها {أُمَّةً وَاحِدَةً } حال لازمة {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ } وحِّدونِ.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَةً وَاحِدَةً} معناه أن دينكم دين واحد، وهذا قول ابن عباس، وقتادة. ويحتمل عندي وجهين آخرين: أحدهما: أنكم خلق واحد، فلا تكونوا إلا على دين واحد. والثاني: أنكم أهل عصر واحد، فلا تكونوا إلا على دين واحد. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} فأوصى ألا يعبد سواه. {وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: اختلفوا في الدين، قاله الأخفش. الثاني: تفرقوا، قاله الكلبي.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُمَّتُكُمْ} دينكم دين واحد.
النسفي
تفسير : {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } لأمة الملة وهذه إشارة إلى ملة الإسلام وهي ملة جميع الأنبياء. و {أُمَّةً وَاحِدَةً } حال أي متوحدة غير متفرقة والعالم ما دل عليه اسم الإشارة أي أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها يشار إليها ملة واحدة غير مختلفة {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ } أي ربيتكم اختياراً فاعبدوني شكراً وافتخاراً والخطاب للناس كافة. {وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أصل الكلام وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، والمعنى وجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً وصاروا فرقاً وأحزاباً. ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة {كُلٌّ إِلَيْنَا رٰجِعُونَ } فنجازيهم على أعمالهم {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } شيئاً {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } بما يجب الإيمان به {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } أي فإن سعيه مشكور مقبول والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه وقد نفى نفي الجنس ليكون أبلغ {وَإِنَّا لَهُ } للسعي أي الحفظة بأمرنا {كَـٰتِبُونَ } في صحيفة عمله فنثيبه به {وَحَرَامٌ } {وحرم} كوفي غير حفص وخلف وهما لغتان كحل وحلال وزناً وضده معنى والمراد بالحرام الممتنع وجوده {عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } والمعنى ممتنع على مهلك غير ممكن أن لا يرجع إلى الله بالبعث، أو حرام على قرية أهلكناها أي قدرنا إهلاكهم أو حكمنا بإهلاكهم ذلك وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور أنهم لا يرجعون من الكفر إلى الإسلام. {حَتَّىٰ } هي التي يحكى بعدها الكلام والكلام المحكي الجملة من الشرط والجزاء أعني {إِذَا } و «ما» في حيزما {فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ } أي فتح سدهما فحذف المضاف كما حذف المضاف إلى قرية {فتّحت}: شامي وهما قبيلتان من جنس الإنس. يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج {وَهُمْ } راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر. وقيل: هم يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد {مّن كُلّ حَدَبٍ } نشز من الأرض أي ارتفاع {يَنسِلُونَ } يسرعون
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وحرم} بكسر الحاء: حمزة وعلي وعاصم غير حفص وأبي زيد عن المفضل {فتحت} بالتشديد: ابن عامر ويزيد ويعقوب. {لا يحزنهم} بضم الياء وكسر الزاء يزيد {نطوي} بضم التاء الفوقانية وفتح الواو {والسماء} بالرفع: يزيد. {للكتب} على الجمع: حمزة وعلي وخلف وحفص {بدأنا} مثل {أنشأنا} {قال} بالألف على حكاية قول الرسول {رب} بحذف الياء اكتفاء بالكسرة: حفص غير الخراز {رب} بضم الباء على أنه مبتدأ {احكم} على صيغة التفضيل. يزيد عن يعقوب الباقون {رب احكم} {يصفون} على الغيبة: المفضل وابن ذكوان في رواية. الوقوف: {واحدة} ز لأن المقصود من قوله {أنا ربكم} قوله {فاعبدون} وكان الكلام متصلاً {فاعبدون} ه {وبينهم} ط {راجعون} ه {لسعيه} ج لاختلاف الجملتين {كاتبون} ه {لا يرجعون} ه {ينسلون} ه {كفروا} ط لإضمار القول {ظالمين} ه {جهنم} ط {واردون} ه {ما وردوها} ط{خالدون} ه {فيها} ط {لا يسمعون} ه {الحسنى} لا لأن ما بعد خبر "إن" {مبعدون} ه لا لأن ما بعده خبر بعد خبر {حسيسها} ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف {خالدون} ه ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون صفة أو استئنافاً {الملائكة} ط لأن التقدير قائلين هذا يومكم {توعدون} ه {للكتب} ط لأن الجار يتعلق بما بعده {نعيده} ط لحق المضمر اي وعدنا وحقاً {علينا} ط {فاعلين} ه {الصالحون} ه {عابدين} ه ط لاختلاف الجملتين {للعالمين} ه واحد ج للاستفهام مع الفاء {مسلمون} ه {على سواء} ط لابتداء النفي {توعدون} ه {تكتمون} ه {حين} ه {بالحق} ط لأن ما بعده مبتدأ خارج عن المقول، ومن قرأ {ربي احكم} فوقفه مجوز لنوع عدول من الواحد إلى الجمع {تصفون} ه. التفسير: لما فرغ من قصص الأنبياء أراد أن يذكر ما استقر عليه أمر الشرائع في آخر الزمان فقال {إن هذه أمتكم} وسيرتكم، فالأمة الدين والطريقة لأنه أصل وقانون يرجع إليه. وللتركيب دلالة على ذلك وهذا إشارة إلى ملة الإسلام أي إن هذه الملة هي طريقتكم وسيرتكم التي يجب أن تكونوا عليها حال كونها طريقة واحدة غير مختلفة. {وأنا ربكم} لا غيري {فاعبدون} والخطاب للناس كافة، وكان الظاهر أن يقال بعده وتقطعتم أمركم ينكم أي جعلتم أمر دينكم بينكم قطعاً كما يقسم الشيء بين الجماعة فيصير لهذا نصيب ولهذا نصيب فصرتم فرقاً مختلفة وأحزاناً شتى، إلا أنه عدل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه يقبح أمرهم إلى غيرهم فيقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء؟ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة وأن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة وتخلص فرقة واحدة قالوا: يا رسول الله ومن الفرقة الناجية؟ قال: الجماعة الجماعة"تفسير : فهذا الحديث مفسر للآية من حيث إن هذه الأمة يجب أن يكونوا على كلمة واحدة، طعن بعضهم في الحديث أنه أراد بالاثنتين والسبعين فرقة اصول الأديان فإنها لا تبلغ هذا العدد، وإن أراد الفروع فإنها أضعاف هذا العدد. وأجيب بأنه أراد ستفترق أمتي هذا العدد في حال ما، وهذا لا ينافي كون العدد في بعض الأحوال أنقص أو أزيد. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة {فاعبدون وتقطعوا} بالواو وفي "المؤمنين" {أية : فاتقون * فتقطعوا}تفسير : [الآية: 52 ـ 53] بالفاء لأن الخطاب ههنا أعم والعبادة أعم من التقوى. وأيضاً الخطاب يتناول الكفار وقد وجد منهم التقطع قبل هذا القول، وفي سورة المؤمنين الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بدليل قوله {أية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات}تفسير : [الآية: 51] ثم قال {أية : فتقطعوا}تفسير : [الآية: 53] اي ظهر منهم أي من أمتهم التقطع بعد هذا القول ولأن التقطع منهم أغرب أكده هناك بقوله {زبراً} وفي قوله {كل إلينا راجعون} وعيد عظيم للفرق المختلفة. ثم فصل مآل لهم بقوله {فمن يعمل} الآية والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه في قوله {أية : فأولئك كان سعيهم مشكوراً} تفسير : [الإسراء: 19] وإنما لم يقل "فلا يكفر سعيه" لأن نفي الجنس أبلغ فإن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها. وفي قوله {وأنا له} اي لذلك السعي {كاتبون} مبالغة أخرى فإن المثبت في الصحيفة أبعد من النسيان والغلط كما قيل: قيدوا العلم بالكتابة. ولا سيما إذا كان الكاتب ممن لا يجوز عليه السهو والنسيان. قال المفسرون: معناه حافظون لنجازي عليه. وقيل: مثبتون في أم الكتاب أو في صحف الأعمال. هذا حال السعداء وأما أحوال أضدادهم فذلك قوله {وحرام} ومن قرأ {حرم} فإنه فعل بمعنى مفعول. والتركيب يدور على المنع اي ممتنع أو ممنوع وهذا خبر لا بد له من مبتدأ وذلك قوله {أنهم لا يرجعون} أو غير ذلك. والرجوع إما الرجوع عن الشرك إلى الإسلام أو الرجوع إلى الدنيا أو إلى الآخرة. وعلى الأول إما أن تكون "لا" زائدة أقحمت للتأكيد ومعنى الآية ممتنع على أهل قرية عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها أن يرجعوا أو يتوبوا إلى أن تقوم الساعة والمراد تصميمهم على الكفر. وإما أن تكون معيدة ولكن الحرام بمعنى الواجب تسمية لأحد الضدين باسم الآخر باشتراكهما في المنع إلا أن الوجوب منع عن الترك والحرمة منع عن الفعل، وقد ورد في الاستعمال مثل ذلك قال سبحانه {أية : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا}تفسير : [الأنعام: 151] وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وقالت الخنساء: شعر : وإن حراماً لا ارى الدهر باكياً على شجوه إلا بكيت على عمرو تفسير : وعلى الثاني فالإهلاك على أصله، والمعنى أن رجوعهم إلى الدنيا ممتنع أو عدم رجوعهم واجب إلى قيام الساعة نظيره قوله {أية : فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون}تفسير : [يس: 50] وعلى الثالث فقوله "حتى" غاية لقوله {لا يرجعون} اي ممتنع عدم رجوع المهلكين إلى عذاب الآخرة حتى الساعة، وذلك أن رجوعهم إلى عذاب النار قبل الساعة واجب بقوله {أية : النار يعرضون عليها غدواً وعشياً}تفسير : [غافر: 46] وقال أبو مسلم: أراد أن رجوعهم إلى الآخرة واجب إلى هذه الغاية أي أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة. وعلى الرابع فالمعنى وحرام عليهم ذلك وهو المذكور من السعي المشكور غير المكفور لأنهم لا يرجعون عن الكفر إلى أن تقوم الساعة. قوله تعالى {حتى إذا فتحت} "حتى" هي التي يقع بعدها الجملة وهي ههنا مجموع الشرط والجزاء و"إذا" المفاجأة تسد مسد فاء الجزاء، وقد يجمع بينهما للتعاون على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد وإنما احتيج إلى هذا التأكيد لأن الشرط يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل يوم القيامة، ولعل بينهما فاصلة بالزمان إلا أن التفاوت القليل كالمعدوم والمضاف محذوف أي سد يأجوج ومأجوج وتأنيث الفعل لأنهما قبيلتان وهما ومن جنس الأنس كما مر في آخر الكهف. يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج. وفي الحديث "حديث : إن منكم واحداً ومن يأجوج ومأجوج ألف"تفسير : . قوله {وهم من كل حدب ينسلون} قال أكثر المفسرين: الضمير ليأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد. وعن مجاهد أنه لجميع المكلفين الذين يساقون إلى المحشر. والحدب ما إرتفع من الأرض والنسل الإسراع. {واقترب} عطف على {فتحت} وهو داخل في الشرط. و{الوعد الحق} القيامة وقوله {فإذا هي شاخصة} كقوله في سورة إبراهيم {أية : ليوم تشخص فيه الأبصار}تفسير : [إبراهيم: 42] وقال في الكشاف: {هي} ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره. قلت: فعلى هذا {هي} مبتدأ {وشاخصة} خبره {وأبصار} بدل {هي} ولو قيل: {هي} ضمير القصة مبتدأ والجملة التي هي أبصار الذين كفروا شاخصة خبره جاز وهو قول سيبويه. ثم ههنا إضمار اي يقولون {يا ويلنا} وهو في موضع الحال من الذين كفروا والعامل شاخصة {قد كنا في غفلة من هذا} الوعد أو الأمر {بل كنا ظالمين} أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب الرسل وعبادة الأوثان. ثم بين حال معبوديهم يوم القيامة فقال: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} اي محصوبها بمعنى محصوب فيها، والحصب الرمي ومنه الحصباء لأنه يرمى بها الشيء وقرئ حطب. واللام في قوله {أنتم لها واردون} كاللام في قوله "هو لزيد ضارب" وذلك لضعف عمل اسم فيما تقدم عليه. والمعنى لا بد لكم أن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها. ثم ألزمهم الحجة بقوله {لو كان هؤلاء} المعبودون {آلهة} في الحقيقة {ما وردوها} لكنهم واردوها للخبر الصادق الذي يتنبه لصدقه من يتأمل في إعجازه فينتج أن هؤلاء ليسوا بآلهة وأنها لا تستحق تعظيماً أصلاً. ثم أخبر أنهم بعد ورودهم النار لا يخلصون منها أبداً فقال {وكل} اي من العابدين والمعبودين {فيها خالدون لهم فيها زفير} قد سبق معانيه في آخر سورة هود {وهم فيها لا يسمعون} شيئاً إما لأنهم يجعلون في توابيت من نار عن ابن مسعود، وإما لأنه تعالى يصمهم كما يعميهم. والصمم في بعض الأوقات لا ينافي كونهم سامعين أقوال أهل الجنة في غير ذلك الوقت، أو المراد أنهم لا يسمعون ما يسرهم، أو الضمير للمعبودين والسماع سماع إجابة، وعلى هذا فالضمير في {لهم فيها زفير} للعابدين وجاز اعتماداً على فهم السامع حيث يرد كلاً من الضميرين على ما يناسبهما كأنه قيل: العابد يدعو والمعبود لا يجيب، ويجوز أن يكون للمعبودين أيضاً لأن فيهم من يتأتى منه الزفير كالشياطين فغلب، أو لأن الجماد ينطقه الله وقتئذ والزفير بمعنى اللهيب والله أعلم. يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث وكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليهم {إنكم وما تعبدون من دون الله} الاية. فأقبل عبد الله بن الزبعري فأخبره الوليد بن المغيرة بنا جرى فقال معترضاً: اليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟ فقال عليه السلام: بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك وأنزل الله تعالى {إن الذين سبقت} الآية. فخرج من الحديث. الآية جواب ابن الزبعري على أتم وجه وأكمله كأنه قيل أولاً إن الاية باقية على عمومها لأن الذين عبدوا عزيراً والمسيح والملائكة لم يعبدونهم في الحقيقة، وإنما عبدوا الشياطين التي دعتهم إلى ذلك، ولئن سلم أنهم عبدوهم في الحقيقة لكنهم مخصوصون بما سبقت لهم منا الخصلة الحسنى وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو بتوفيق الطاعة وكل ميسر لما خلق له. ومن المفسرين من أجاب عن اعتراض ابن الزبعري بوجوه آخر منها: أن قوله {إنكم} خطاب لمشركي قريش وإنهم لم يعبدوا سوى الأصنام. ولقائل أن يقول: حمل الآية على العموم أتم فائدة. ومنها أن قوله {وما تعبدون} لا يتناول العقلاء فيسقط الاعتراض. ولقائل أن يقول: ما أعم لا مباين فيشمل ذوي العقول وغيرهم ولهذا جاء {أية : والسماء وما بناها}تفسير : [الشمس: 5] سبحان ما سخركن لنا. ومنها أنه تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه، وضعف بأن القوم لم يعبدوا تلك الصورة، وبأن الملك لا يتعذب بالنار كخزنة جهنم. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقوله {إن الذين} لا يبعد أن يكون عاماً لكل المؤمنين ويؤيده ما روي أن علياً قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف. وزعم مثبتوا لعفو أن الحسنى في الاية هي الوعد بالعفو لأنه قال {أولئك عنها مبعدون} بأزاء قوله {أنتم لها واردون} والورود الدخول فالإبعاد الإخراج من النار بعد أن كانوا فيها. وأيضاً إبعاد البعيد محال. وقوله {لا يسمعون حسيسها} إذ الصوت الذي يحس به مخصوص بما بعد الإخراج. وايضاً قوله {لا يحزنهم الفزع الأكبر} يفهم منه أنه يحزنهم الفزع الأصغر، فالأكبر عذاب الكفار والأصغر عذاب صاحب الكبيرة، والأكثرون على أن المراد من قوله {مبعدون} أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة لأن ما جعل بعيداً عن شيء ابتداء يحسن أن يقال: إنه أبعد عنه، وهؤلاء لم يفسروا الورود في قوله {أية : وإن منكم إلا واردها}تفسير : [مريم: 71] بالدخول كما مر في سورة مريم. وفي قوله {لا يسمعون حسيسها} تأكيد للإِبعاد فقد لا يدخل النار ويسمع حسيسها. ثم بين أنهم مع العبد عن المنافي منتفعون بالقرب من الملائم ملتذون به على سبيل التأبيد فقال {وهم فيما إشتهته} {أنفسهم} أي فيما تطلبه للالتذاذ به {خالدون} هذا نصيب أهل الجنة، وأما أهل الله فهم فيما اشتهت قلوبهم وارواحهم وأسرارهم خالدون. والفزع الأكبر قيل: النفخة الأخيرة لقوله {أية : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض}تفسير : [النمل: 87] وعن الحسن هو الانصراف إلى النار فإنه لا فزع أكبر مما إذا شاهدوا النار، وهذا أمر يشترك فيه أهل النار جيمعاً، ثم مراتب التعذيب بعد ذلك متفاوتة. وعن الضحاك وسعيد بن جبير هو حين تطبق النار على أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح فعند ذلك يستقر أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وتستقبلهم الملائكة مهنئين قائلين {هذا يومكم} اي وقت ثوابكم {الذي كنتم توعدون} ذلك قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم. والعامل في {يوم نطوي السماء}: {لا يحزنهم} أو {تتلقاهم}. والسجل اسم للطومار الذي يكتب فيه. وعن ابن عباس أنه ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه وهو مروي ايضاً عن علي رضي الله عنه. وروى أيضاً أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بمعروف. قال الزجاج: هو الرجل بلغة الحيش. فعلى هذه الوجوه فالطي وهو المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الوجه الأول هو مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف كطي الطاوي للسجل وهو قول الأكثرين وإشتقاقه من السجل الدلو العظيم وقد قرئ به والتركيب يدل على الامتلاء والاجتماع ولهذا لا يسمى الدلو سجلاً إلا إذا كان فيه ماء ومنه "أسجلت الحوض ملأته". وقوله {للكتاب} أي للكتابة ومعناه ليكتب فيه أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب. ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي ما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وكيفية هذا الطي لا يعلمها إلا من أخبر عن ذلك أما قوله {كما بدأنا} فمن المفسرين من قال: إنه ابتداء كلام ومنهم من قال: إنه وصف قوله {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} بقوله {يوم نطوي} ثم عقبه بوصف آخر فقال {كما بدأنا أول خلق} وهو مفعول نعيد الذي يفسره {نعيده} و"ما" كافة أي نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء. فكما أوجده أولاً عن عدم يعيده ثانياً عن عدم. ومنهم من قال: الإعادة إنما تتعلق بالضم والتركيب بعد تفريق الأجزاء الاصلية والآية لا تطابقه كل المطابقة. وأول خلق كقولك "هو أول رجل" اي إذا فضلت رجلاً رجلاً فهو أولهم، وإنما خص أول الخلائق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم ودفعاً للاعتراض. وجوز جار الله أن تنتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده و"ما" موصولة اي نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و {أول خلق} ظرف {لبدأنا} أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ وقوله {وعداً} مصدر مؤكد لأن قوله نعيد عدة للإعادة وقيل: أراد حتماً {علينا} لسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه فإن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ثم حقق ذلك بقوله {إنا كنا فاعلين} اي سنفعل ذلك لا محالة فإنا قادرون عليه. عن سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد أن الزبور جنس للكتب المنزلة كلها، والذكر أم الكتاب يعني اللوح ففيه كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة، وكتب الأنبياء كلهم منتسخة منه، وعن قتادة أن الزبور هو القرآن، والذكر هو التوراة. وعن الشعبي أن الزبور هو كتاب داود عليه السلام والذكر التوراة. وجوز الإمام فخر الدين أن يراد بالذكر العلم أي كتبنا فيه بعد أن كنا عالمين غير ساهين. والمراد تحقيق وقوع المكتوب فيه، والأرض أرض الجنة، والعباد الصالحون هم المؤمنون العالمون بما يجب عليهم نظيره قوله {أية : وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين}تفسير : [الزمر: 74] قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والسدي وأبو العالية. وإنما ذهبوا إلى هذا القول لأن أرض الدنيا تعم الصالح وغير الصالح، ولأن الآية وردت بعد ذكر الإعادة. وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أنها أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار نظيره {أية : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأرض}تفسير : [النور: 55] وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم عند نزول عيسى ابن مريم {إن في هذا} الذي ذكر في السورة من الأخبار والوعد والوعيد وغير ذلك {لبلاغاً} لكفاية {لقوم عابدين} عاملين بما ينبغي عمله من الخيرات بعدما عملوا من كيفية أدائها. والبلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط والوسائل، ولا مطلوب أجل من سعادة الدارين فكل من كان وسيلة إلى نيل هذا المطلوب على الوجه الأتم الأكمل كان وجوده رحمة من الله للطالب المتحير وما ذاك إلا خاتم النبيين فلهذا قال {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وكونه رحمة للكل لا ينافي قتله بعض الكفرة والتعرض لأموالهم وأولادهم كما أن كي بعض أعضاء المريض بل قطعه لا ينافي حذق الطبيب وإشفاقه على المريض ومن هنا قيل: آخر الدواء الكي. والعاقل لا ينسب التقصير إلى الفاعل لقصور في القابل. قالت المعتزلة: لو كان الكفر الكافر بخلق الله لم يكن إرسال الرسول رحمة له لأنه لا يحصل له حينئذ إلا لزوم الحجة عليه. وأجيب بأنه كونه رحمة للفجار هو أنهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال، ولا يلزم أن يكون الرسول رحمة للمؤمنين من جهة كونه رحمة للكافرين، والجواب المحقق أن كونه رحمة عامة بالنسبة على أمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم. وفي الآية دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله {أية : ويستغفرون لمن في الأرض}تفسير : [الشورى: 5] والاستغفار رحمة. والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير الرحمة بمعنى الدعاء، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك، ثم بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك فقال {قال إنما يوحى إلي} إن كانت "ما" موصولة فمعناه أن الذي يوحي إليَّ هو أن وصفه تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزه إلى ما يناقضها أو يضادها بأي قسمة فرضت وإن كانت كافة المعنى أن الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدة، وذلك أن القصر يكون أبداً لما يلي إنما وفي قوله {فهل أنتم مسلمون} بعث لهم على قبول هذا الوحي الذي هو أصل التكاليف كلها، وفيه نوع من التهديد فلذلك صرح به قائلاً {فإن تولوا فقل آذنتكم} اي أعلمتكم والمراد ههنا أخص من ذلك وهو الإنذار {على سواء} هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله {أية : فانبذ إليهم على سواء}تفسير : [الأنفال: 58] إلى وقت اي حال كونكم مستوين في ذلك لا فرق بين القريب والأجنبي والقاصي والداني والشريف والوضيع ولهذا قال أبو مسلم: الإيذان على سواء هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله {أية : فانبذ إليهم على سواء} تفسير : [الأنفال: 58] وقيل: أراد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من أصول التكاليف ولا سيما التوحيد على السوية من غير فرق في الإبلاغ بين مكلف ومكلف. ولست {أدري أقريب ما توعدون} أم بعيد والموعود قيل: هو عذاب الآخرة. واعترض بأنه ينافي قوله {واقترب الوعد الحق} وقيل: هو الأمر بالقتال لأن السورة مكية وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة. وقيل: هو إعلاء شأن الإسلام وغلبة ذويه فإنه لا بد أن يلحق للكفار حينئذ ذلة وصغار. ولما أمره أن ينفي عن نفسه علم الغيب أمره أن يقول لهم إن الله سبحانه هو العالم بالسر والعلن فيعلم ما تجاهرون به من المطاعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الإحن والضغائن فيجازيكم على القبيلين {وإن أدري لعله} اي ما أدري لعل تأخير هذا الوعد أو إبهام وقته أو تأخير الأمر بالجهاد امتحان لكم لينظر كيف تعملون وتمنيع لكم {إلى حين} حضور وقت الموعد. وقال الحسن: لعل ما أنتم عليه من الدنيا ونعيمها بلية لكم. وقيل: اراد لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت ابتلاء لكم لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالاً بعد حال يكون عذابه اشد. ومعنى {رب احكم بالحق} أقضى بيني وبين من يكذبني بالعذاب. قال قتادة: امره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون {أية : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق}تفسير : [الأعراف: 89] فاستجيب له فعذبوا ببدر، وقال جار الله: بالحق لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم كما قال "حديث : أشدد وطأتك على مضر"تفسير : وقيل: معناه وافعل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع تنصرني عليهم كأنه سبحانه قال له: قل داعياً إليَّ رب احكم بالحق وقل متوعد للكفار {وربنا الرحمن المستعان} الذي يستعان به {على ما تصفون} من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل، وكانوا يطمعون أن يكون لهم الغلبة والدولة فقلب الله الأمر عليهم. وفي هذا الأمر تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ورفع عن مقداره حيث أمر بالانقطاع إلى الرب في دفع أذية القوم ليحصل له مع الخلاص من أذيتهم شرف الاستجابة وهذه غاية العناية. التأويل: {إن هذه أمتكم} فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة في ذاته كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول {أنا ربكم} الذي بلغتكم هذه الرتبة {فاعبدون} أي فاعرفون {وتقطعوا أمرهم} فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله {كل إلينا راجعون} أما طالب الدنيا فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم، وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا فإنه يرجع إلينا بالحقيقة {وإنا له كاتبون} في الأزل من أهل السعادة {حتى إذا فتح} سد {يأجوج} النفس و{مأجوج} الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة والباطنة {ينسلون} فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح {واقترب الوعد} إهلاك القلوب الغافلة {فإذا هي شاخصة ابصار} بصائرها بالانهماك في الأهواء {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} العناية الأزلية {لا يسمعون حسيسها} أعني مقالات أهل البدع والأهواء {وهم فيما اشتهت أنفسهم} المطمئنة المجذوبة بجذبة {ارجعي} في مقامات السير في الله {خالدون} الفزع الأكبر قوله في الأزل "هؤلاء في النار ولا أبالي" {يوم نطوي} سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله {كما بدأنا أول خلق نعيده} يعني أن الرجوع يكون بالتدريح كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة ثم خلق المضغة عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر. ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة {أية : ارجعي إلى ربك}تفسير : [الفجر: 28] {ولقد كتبنا في الزبور} أي في أم الكتاب {من بعد الذكر} أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره {أية : كن فيكون}تفسير : [يس: 82] أن أرض جنة الوجود الحقيقي {يرثها عبادي الصالحون} وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي. فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، ولوجود الحقيقي لكونه ثابتاً ومستقراً على حالة واحدة كالأرض {لقوم عابدين} عارفين. {وما أرسلناك} من كتم العدم {إلا رحمة للعالمين} فلولاك لما خلقت الأفلاك "أول ما خلق الله روحي" ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ} يُحْتَمَلُ أن يكون منقطعاً خطاباً لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبر عن الناس أَنَّهُمْ تقطعوا، ثم وعد وأوعد، ويحتمل أنْ يكون مُتَّصِلاً بقصة مريمَ وابنها - عليهما السلام -. * ص *: أبو البقاء: {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} أي، في أمرهم، يريد أنه منصوب على إسقاط حرف الجر. وقيل: عُدِّيَ بنفسه؛ لأنَّه بمعنى قطعوا، أي فرقوا، انتهى. وقال البخاري: {أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}، أي: دينكم دينٌ واحد. انتهى. وقرأ جمهور السبعة: «وحرام»، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: «وحِرْم» ـــ بكسر الحاء وسكون الراء ـــ وهما مصدران بمعنى، فأَمَّا معنى الآية، فقالت فرقة: حَرَامٌ وحَرْمٌ معناه: جزم وحتم، فالمعنى: وحتم على قرية أهلكناها، أَنَّهم لا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون، بل هم صائرون إلى العقاب. وقالت طائفة: حرام وحرم، أي: ممتنع.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً} الآية. قرأ العامة على رفع "أُمَّتُكُمْ" خبراً لـ "إنَّ"، ونصب "أُمَّةً واحِدَةً" على الحال، وقيل: على البدل من "هَذِهِ" فيكون قد فصل بالخبر بين البدل والمبدل فيه نحو: إنَّ زيداً قائمٌ أخاك. وقرأ الحسن "أمَّتَكُمْ" بالنصب على البدل من "هَذِهِ"، أو عطف البيان. وقرأ أيضاً هو وابن أبي إسحاق والأشهب العقيلي وأبو حيوة وابن أبي عبلة وهارون عن أبي عمرو "أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ" بالرفع على خبر "إنَّ" و {أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ} برفع الثلاث على أن يكون "أُمَّتُكُمْ" خبر "إنَّ" كما تقدم و "أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ" بدل منها بدل نكرة من معرفة، أو يكون "أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ" خبر مبتدأ محذوف ومعنى "أُمَّتُكُمْ" قال الزمخشري: الأمة الملة، وأشار إلى ملة الإسلام. "أمَّةً وَاحِدَةً" أي: ديناً واحداً وهو الإسلام غير مختلف، فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان. وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد، فجعلت الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحد. ثم قال: "وَأَنَا رَبُّكُمْ" أي: إلهكم فَاعْبدُونِ. قوله: "وَتَقَطّعُوا" أي: اختلفوا، والأصل: وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريق الالتفاف، وكأنه ينفي عهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء، والمعنى: اختلفوا في الدين فصاروا فرقاً وأحزاباً. قال الكلبي: وفرقوا دينهم بينهم يلعن بعضهم بعضاً ويتبرأ بعضهم من بعض. والتقطع هاهنا بمعنى: التقطيع. قوله: "أَمَرَهُمْ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي: تفرقوا في أمرهم. الثاني: أنه مفعول به، وعدى "تَقَطعُوا" لأنه بمعنى: قطعوا. الثالث: أنه تمييز، وليس بواضح معنى، وهو معرفة، فلا يصح من جهة صناعة البصريين. قال أبو البقاء: وقيل: هو تمييز أي: تقطع أمرهم. فجعله منقولاً من الفاعلية. و "زُبُراً" يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً على أن تضمن (تقطعوا) معنى (صيروا) بالتقطيع. وإمَّا أن ينصب على الحال من المفعول، أي: مثل زبر، أي: كتب، فإنّ الزبر جمع زَبُور كرُسُل جمع رَسُول. أو يكون حالاً من الفاعل، نقله أبو البقاء في سورة المؤمنين. وفيه نظر إذ لا معنى له، وإنما يظهر كونه حالاً من الفاعل في قراءة "زُبَراً" بفتح الباء أي فرقاً. والمعنى: صيروا أمرهم زبراً أي تقطعوه في هذه الحال، والوجهان مأخوذان من تفسير الزمخشري، لمعنى الآية الكريمة، فإن قال: والمعنى جعلوا أَمْر دِينهم فيما بينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة، ويقتسمونه، فيصير لهذا نصيب، ولذلك نصيب تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً وفي الكلام التفاف من الخطاب وهو قوله: "أُمَّتُكُمْ" إلى الغيبة تشنيعاً عليهم بسوء صنيعهم. وقرأ الأعمش: "زُبَراً" بفتح الباء جمع زُبْرَة، وهي قطعة الحديد في الأصل ونصبه على الحال من ضمير الفاعل في "تَقَطَّعُوا" كما تقدم. ولم يتعرض له أبو البقاء في هذه السورة، وتعرض له في المؤمنين، فذكر فيه الأوجه المتقدمة، وزاد أنه قرىء "زُبْراً" بسكون الباء وهو بمعنى المضمومة. قوله: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} توعدهم بأن هذه الفرق المختلفة إليه يرجعون فيحاسبهم ويجازيهم بأعمالهم، قال عليه السلام: حديث : تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، فهلك سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، تهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة، وقالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة. قال: "الجماعة الجماعة الجماعة" تفسير : وبهذا الخبر بيّن أن المراد بقوله: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ} الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات، وأن قول الرسول في الناجية إنّها الجماعة ليس تعريفاً للفرقة الناجية، إذ لا فرقة تمسكت بباطل أو بحق إلا وهي جماعة من حيث العدد، ولهذا طعن بعضهم في صحة الخبر، فقال: إنْ أراد بالاثنتين وسبعين فوقة أصول الأديان فلن يبلغ هذا القدر، وإن أراد الفروع فإنَّها تتجاوز هذا القدر إلى أضعاف ذلك. وقيل أيضاً ضد ذلك، وهو أنها كلها ناجية إلا فرقة واحدة. والجواب: قال ابن الخطيب: المراد ستفترق أُمتي في حال ما وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال، ولأنه لا يجوز أن يزيد وينقص.
البقاعي
تفسير : ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء وغيرهم على أن لله القدرة الباهرة، القوة البالغة الشاملة للبعث وغيره، وكان ذلك دالاًّ على التوحيد الذي هو أصل الدين، وأنهم كلهم متفقون عليه بالتصريح من البعض هنا ومن الباقين فيما سبق، كان إثباته فذلكة هذه القصص وما تقدمها من هذه السورة، فلذلك اتصل به قوله مخاطباً لمن قال لهم: أفأنتم له منكرون: {إن هذه} أي الأنبياء الذين أرسلناهم قبل نبيكم صلى الله عليه وسلم رجالاً نوحي إليهم كما أنه رجل نوحي إليه لا آباؤكم ولا ما وجدتموه عليه {أمتكم} أي مقصودكم أيها الخلق بالاقتداء في الاهتداء، حال كونها {أمة} قال البغوي: وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد - انتهى. وأكد سبحانه هذا المعنى فقال: {واحدة} كما في الخبر أنهم أولاد علات. أمهاتهم شتى ودينهم واحد. لا اختلاف بينهم أصلاً في التوحيد الذي هو الأصل ولا في توجيه الرغبات إلينا، وقصر النظر علينا، علماً منهم بما لنا من صفات الكمال، وأن كل شيء فإلينا مفتقر، ولدينا خاضع منكسر، فاتبعوهم في ذلك، لا تحيدوا عنهم تضلوا، وإنما فرقناهم وجعلناهم عدداً بحسب الأمم المتشعبة في الأزمان المتطاولة، وأنا لم نجعل لأحد منهم الخلد، ولغير من الحكم، فبثثناهم في الأقطار، حتى ملؤوها من الأنوار. ولما كان المقصود تعيين المراد من غير لبس، عدل عن صيغة العظمة فقال: {وأنا ربكم} أي لا غيري، في كل زمان وكل مكان، لكل أمة، لأني لا أتغير على طول الدهر، ولا يشغلني شأن عن شأن {فاعبدون*} دون غيري فإنه لا كفوء لي. ولما كان من المعلوم أنهم لم يفعلوا، أعرض إلى أسلوب الغيبة إيذاناً بالغضب، فكان التقدير في جواب من كأنه قال: ما فعلوا؟: لم يطيعوا أمري في الاجتماع على ما جمعتهم عليه من عبادتي التي هي سبب لجلب كل خير، ودفع كل ضير ولا افتدوا في ذلك بالكمّل من عبادي، فعطف عليه قوله {وتقطعوا} أي مخالفة للأمر بالاجتماع ولما كان الدين الحق من الجلاء والعظمة والملاءمة للنفوس بحيث لا يجهله ولا يأباه أحد نصح لنفسه وإن جهله، كفى أدنى تنبيه في المبادرة إليه وترك ما سواه كائناً ما كان، فكان خروج الإنسان عنه بعد أن كان عليه في غاية البعد فضلاً عن أن يتكلف ذلك بمنازعة غيره المؤدية إلى الافتراق والتباغض ولا سيما إن كان ذلك الغير قريبه أو صديقه، وكانت صيغة التفعل من القطع صريحة في التفرق، وتفيد العلاج والتكلف، وكانت تأتي بمعنى التفعيل والاستفعال، عبر بها. ولما كان في غاية البعد أن يقطع الإنسان أمر نفسه، كان تقديم الأمر أهم فقال: {أمرهم} فنصبه بفعل التقطع لأنه بمعنى التقطيع كما قاله البغوي وغيره، أو بمعنى الاستفعال كما قالوا في تجبر وتكبر. ولما كان في غاية من العجب أن يكون التقطيع واقعاً منهم بهم وأن يكون مستغرقاً لظرفه، قال: {بينهم} أي فكانوا فرقاً كل فرقة على شعبة من ضلال، زينها لها هواها، فلم يدعوا شيئاً من الأمر بغير تقطيع، وكان العطف بالواو دون الفاء كما في المؤمنون لأن ترك العبادة ليس سبباً للتقطع، بل ربما كان عنه الاجتماع على الضلال، كما يكون في آخر الزمان وكما قال تعالى أية : كان الناس أمة واحدة تفسير : [البقرة: 213] الآية {أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} تفسير : [البينة: 4]. ولما كان كأنه قيل: فماذا يفعل بهم؟ قال ما هو غاية في الدلالة على باهر العظمة وتام القدرة ليكون أشد في الوعيد، وصادع التهديد: {كل} أي من هذه الفرق وإن بالغ في التمرد {إلينا} على عظمتنا التي لا يكافئها شيء، لا إلى غيرنا {راجعون *} فنحكم بينهم فيتسبب عن ذلك أنا نجازيهم إقامة للعدل فنعطي كلاًّ من المحق التابع لأصفيائنا والمبطل المائل إلى الشياطين أعدائنا ما يستحقه، وذلك هو معنى قوله تعالى، فارقاً بين المحسن والمسيء تحقيقاً للعدل وتشويقاً بالفضل: {فمن يعمل} أي منهم الآن {من الصالحات وهو} أي والحال أنه {مؤمن} أي بان لعمله على الأساس الصحيح {فلا كفران} أي إبطال بالتغطية {لسعيه} بل نحن نجزيه عليه بما يستحقه ونزيده من فضلنا {وإنا له} أي لسعيه الآن على عظمتنا {كاتبون*} وما كتبناه فهو غير ضائع، بل باق، لنطلعه على يوم الجزاء بعد أن نعطيه قدرة على تذكره، فلا يفقد منه شيئاً قل أو جل، ومن المعلوم أن قسميه "ومن يعمل من السيئات وهو كافر فلا نقيم له وزناً" و "من عمل منها وهو مؤمن فهو في مشيئتنا"، ولعله حذف هذين القسمين ترغيباً في الإيمان. ولما كان هذا غير صريح في أن هذا الرجوع بعد الموت، بينه بقوله: {وحرام} أي وممنوع ومحجور {على قرية} أي أهلها {أهلكناها} أي بالموت بعظمتنا {أنهم لا يرجعون*} أي إلينا بأن يذهبوا تحت التراب باطلاً من غير إحساس، بل إلينا بموتهم رجعوا فحبسناهم في البرزخ منعمين أو معذبين نعيماً وعذاباً دون النعيم والعذاب الأكبر، ولقد دل على قدرته قوله: {حتى إذا فتحت} بفتح السد الذي تقدم وصفنا له، وأن فتحه لا بد منه وقراءة ابن عامر بالتشديد تدل على كثرة التفتيح أو على كثرة الخارجين من الفتح وإن كان فرحة واحدة كما أشار إطلاق قراءة الجماعة بالتخفيف {يأجوج ومأجوج} فخرجوا على الناس؛ وعبر عن كثرتهم التي لا يعلمها إلا هو سبحانه بقوله: {وهم} أي والحال أنهم {من كل حدب} أي نشز عال من الأرض {ينسلون*} أي يسرعون، من النسلان وهو تقارب الخطا مع السرعة كمشي الذئب، وفي العبارة إيماء إلى أن الأرض كرية {واقترب الوعد الحق} وهو حشر الأموات الذي يطابقه الواقع، إذا وجد قرباً عظيماً، كأن الوعد طالب له ومجتهد فيه. ولما دلت صيغة "افتعل" على شدة القرب كما في الحديث أن الساعة إذ ذاك مثل الحامل المتمّ، علم أن التقدير جواباً لإذا: كان ذلك الوعد فقام الناس من قبورهم: {فإذا هي شاخصة} أي واقفة جامدة لا تطرف لما دهمهم من الشدة، ويجوز وهو أقرب أن تكون إذا هذه الفجائية هي جواب إذا الشرطية، وهي تقع في المجازات سادة مسد الفاء، فإذا جاءت الفاء معها متفاوتة على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، فالمعنى: إذا كان الفتح ووقع ما تعقبه فاجأت الشخوص {أبصار الذين كفروا} أي منهم، لما بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبونه من الأهوال، قائلين: {يا ويلنا} أي حضرنا الويل فهو نديمنا فلا مدعو لنا غيره {قد كنا} أي في الدنيا {في غفلة من هذا} أي مبتدئة من اعتقاد هذا البعث فكنا نكذب به فعمتنا الغفلة. ولما كان من الوضوح في الدلائل والرسوخ في الخواطر بحيث لا يجهله أحد، أضربوا عن الغفلة فقالوا: {بل كنا ظالمين*} أي بعدم اعتقاده واضعين الشيء في غير موضعه حيث أعرضنا عن تأمل دلائله، والنظر في مخايله، وتقبل كلام الرسل فيه، فأنكرنا ما هو أضوأ من الشمس.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} قال: إن هذا دينكم ديناً واحداً. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة {إن هذه أمتكم أمة واحدة} أي دينكم دين واحد وربكم واحد والشريعة مختلفة. وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي {إن هذه أمتكم أمة واحدة} قال: لسانكم لسان واحد. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {وتقطعوا أمرهم بينهم} قال: {تقطعوا} اختلفوا في الدين. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، أنه قرأ "وحرم على قرية". وأخرج عبد بن حميد عن ابن الزبير قال: إن صبياناً ههنا يقرؤون "وحرم على قرية" وإنما هي {وحرام على قرية}. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه كان يقرأ {وحرام على قرية} بالألف. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس في قوله: {وحرام على قرية أهلكناها} قال: وجب إهلاكها. قال: دمرناها {أنهم لا يرجعون} قال: إلى الدنيا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس أنه كان يقرأ "وحرم على قرية" قال: وجب على قرية {أهلكناها أنهم لا يرجعون} كما قال: {أية : ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون} تفسير : [يس: 31]. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف "وحرم على قرية" فقيل لسعيد: أي شيء حرم؟ قال: يحرم. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة "وحرم" قال: وجب {على قرية أهلكناها} قال: كتبنا عليها الهلاك في دينها {أنهم لا يرجعون} عما هم عليه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة "وحرم" قال: وجب بالحبشية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {وحرام على قرية} أي وجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ هَـٰذِهِ} أي ملةَ التوحيد والإسلام أشير إليها بهذه تنبـيهاً على كمال ظهور أمرِها في الصحة والسَّداد {أُمَّتُكُمْ} أي ملتُكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتُراعوا حقوقَها ولا تُخِلّوا بشيء منها والخطابُ للناس قاطبة {أُمَّةً وَاحِدَةً} نصب على الحالية من أمتُكم أي غيرَ مختلفة فيما بـين الأنبـياء عليهم السلام، إذ لا مشاركةَ لغيرها في صحة الاتباعِ ولا احتمال لتبدّلها وتغيُّرها كفروع الشرائعِ المتبدلة حسب تبدّلِ الأممِ والأعصار، وقرىءأمتَكم ـ بالنصب على البدلية من اسم إن ـ أمةٌ واحدةٌ بالرفع على الخبرية وقرئتا بالرفع على أنهما خبران {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} لا إلٰه لكم غيري {فَٱعْبُدُونِ} خاصة لا غيرُ. وقوله تعالى: {وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} التفاتٌ إلى الغَيبة لينعىٰ عليهم ما أفسدوه من التفرق في الدين وجعلِ أمره قِطَعاً مُوَزّعةً وينهى قبائحَ أفعالهم إلى الآخرين كأنه قيل: ألا ترَون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله الذي أجمعت عليه كافةُ الأنبـياء عليهم السلام {كُلٌّ} أي كلُّ واحدة من الفرق المتقطّعة أو كلُّ واحد من آحاد كلِّ واحدة من تلك الفرق {إِلَيْنَا رٰجِعُونَ} بالبعث لا إلى غيرنا فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم، وإيرادُ اسمِ الفاعل للدِلالة على الثبات والتحقق. وقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} الخ، تفصيلٌ للجزاء أي فمن يعملْ بعضَ الصالحات أو بعضاً من الصالحات {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} بالله ورسله {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي لا حِرمانَ لثواب عملِه ذلك، عبّر عن ذلك بالكفران الذي هو سَتْرُ النعمة وجحودُها لبـيان كمال نزاهتِه تعالى عنه بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه تعالى من القبائح وإبرازِ الإثابة في معرِض الأمور الواجبةِ عليه تعالى، ونفيُ الجنس للمبالغة في التنزيه وعبّر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به {وَإِنَّا لَهُ} أي لسعيه {كَـٰتِبُونَ} أي مُثبّتون في صحائف أعمالِهم لا نغادر من ذلك شيئاً. {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} أي ممتنعٌ على أهلها غيرُ متصوَّر منهم، وقرىء حِرْمٌ وهي لغة كالحِل والحلال {أَهْلَكْنَـٰهَا} قدّرنا هلاكها أو حكمنا به لغاية طغيانهم وعتوّهم وقوله تعالى: {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} في حيز الرفع على أنه مبتدأٌ خبرُه حرامٌ أو فاعل له سادٌّ مسدَّ خبرِه، والجملةُ لتقرير مضمونِ ما قبلها من قوله تعالى: {كُلٌّ إِلَيْنَا رٰجِعُونَ} [الأنبياء: 93] وما في أنّ من معنى التحقيق معتبرٌ في النفي المستفادِ من حرامٌ لا من المنفي أي ممتنعٌ البتةَ عدمُ رجوعِهم إلينا للجزاء، لا أن عدمَ رجوعِهم المحقق ممتنعٌ، وتخصيصُ امتناعِ عدمِ رجوعِهم بالذكر مع شمول الامتناعِ لعدم رجوعِ الكل حسبما نطق به قوله تعالى: {كُلٌّ إِلَيْنَا رٰجِعُونَ} [الأنبياء: 93] لأنهم المنكِرون للبعث والرجوعِ دون غيرهم، وقيل: ممتنعٌ رجوعُهم إلى التوبة على أن (لا) صلةٌ، وقرىء أنهم لا يرجِعون بالكسر على أنه استئنافٌ تعليليٌّ لما قبله فحرامٌ خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي محرمٌ عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية السابقة من العمل الصالح المشفوعِ بالإيمان والسعي المشكور، ثم علل بقوله تعالى: {أية : أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ} تفسير : [القصص: 39] عما هم عليه من الكفر فكيف لا يمتنع ذلك، ويجوز حملُ المفتوحة أيضاً على هذا المعنى بحذف اللامِ عنها، أي لأنهم لا يرجعون وحتى في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} الخ، هي التي يُحكى بعدها الكلامُ وهي على الأول غايةٌ لما يدل عليه ما قبلها، كأنه قيل: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا قامت القيامةُ يرجعون إلينا ويقولون: يا ويلنا الخ، وعلى الثاني غايةٌ للحُرمة أي يستمر امتناعُ رجوعِهم إلى التوبة حتى إذا قامت القيامة يرجعون إليها حين لا تنفعهم التوبةُ، وعلى الثالث غايةٌ لعدم الرجوعِ عن الكفر أي لا يرجعون عنه حتى إذا قامت القيامة يرجعون عنه حين لا ينفعهم الرجوع، ويأجوجُ ومأجوجُ قبـيلتان من الإنس قالوا: الناسُ عشرةُ أجزاء تسعةٌ منها يأجوجُ ومأجوج، والمرادُ بفتحها فتحُ سدِّها على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه، وقرىء فتّحت بالتشديد {وَهُمْ} أي يأجوجُ ومأجوجُ، وقيل: الناس {مّن كُلّ حَدَبٍ} أي نشَز من الأرض، وقرىء جدَث وهو القبر {يَنسِلُونَ} أي يسرعون وأصله مقاربةُ الخَطْو مع الإسراع، وقرىء بضم السين.
القشيري
تفسير : أي كلكم خِلْقَتُه، وكلكم اتفقتم في الفقر، وفي الضعف، وفي الحاجة. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ}: وخالقكم على وصفِ التَّفَرُّد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان هذه} اى ملة التوحيد والاسلام اشير اليها بهذه تنبيها على كمال ظهور امرها فى الصحة والسداد {امتكم} ايها الناس اى ملتكم التى يجب ان تحافظوا على حدودها وتراعوا حقوقها ولا تخلوا بشئ منها {امة واحدة} نصب على الحالية من امتكم اى غير مختلفة فيما بين الانبياء فانهم متفقون فى الاصول وان كانوا مختلفين فى الفروع بحسب الامم والاعصار. قال فى القاموس الامة جماعة ارسل اليهم رسول انتهى فاصلها القوم الذى يجتمعون على دين واحد ثم اتسع فيها فاطلقت على ما اجتمعوا عليه من الدين والملة واشتقاقها من ام بمعنى قصد فالقوم هم الجماعة القاصدة وما اجتمعوا عليه هو الملة المقصود {وانا ربكم} لا اله لكم غيرى {فاعبدون} خاصة لا غير.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أمة}: حال من {أمتكم} أي: متحدة أو متفقة، والعامل فيه ومعنى الإشارة، والإشارة إلى طريق الأنبياء المذكورين قبلُ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِنّ هذه} الطريق والسيرة التي سلكها الأنبياء المذكورون، واتفقوا عليها، وهو التوحيد، هي {أُمتكم} أي: ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، ولا تخرجوا عنها، حال كونها {أمةً واحدةً}، غير مختلفة فيما بين الأنبياء - عليهم السلام - وإن اختلفت شرائعهم. وفي الحديث: "حديث : الأنْبِيَاءُ أبناء عَلاَّتٍ، أُمهَاتُهمْ شتَّى، وأبوهم واحد" تفسير : والعلات: الضرائر، أي: شرائعهم مختلفة، وأبوهم واحد، وهو التوحيد. قال القشيري: {وأنا ربكم فاعبدون} أي: ربيتكم؛ اختيارًا، فاعبدوني؛ شكرًا وافتخارًا. هـ. والخطاب للناس كافة. {وتقطعوا أمرهم}، أصل الكلام: وتقطعتم في أمر دينكم وتفرقتم. إلاَّ أن الكلام صرف إلى الغيبة، على طريقة الالتفات؛ ليَنْعي عليهم ما أفسدوه في الدين، والمعنى: فجعلوا أمر دينهم فيما {بينهم} قِطَعًا، وصاروا أحزابًا متفرقة، كأنه يُنْهِي إلى أهل التوحيد قبائح أفعالهم، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، الذي أجمعت عليه كافة الأديان؟ ثم توعدهم بقوله: {كُلٌّ إِلينا راجعون} أي: كل واحد، من الفرق المتقطعة، راجع إلينا بالبعث، فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم. ثم فصَّل الجزاء فقال: {فمن يعملْ} شيئًا {من الصالحات وهو مؤمنٌ} بالله ورسله وبما يجب الإيمان به. قال القشيري: (وهو مؤمن، أي: في المآل بأن يختم له به)، وكأنه يشير إلى الخاتمة؛ لأن من لم يختم له بالإيمان لا ثواب لأعماله، والعياذ بالله، {فلا كُفْرَانَ لسَعْيِهِ} أي: لا حرمان لثواب عمله، بل سعيُه مشكور مقبول، فالكفران مَثلٌ في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثلٌ في إعطائه، وعبّر عن ذلك بالكفران، الذي هو ستر النعمة وجحدها؛ لبيان كمال تنزهه تعالى عنه. وعبّر عن العمل بالسعي؛ لإظهار الاعتداد به، {وإِنّا له} أي: لسعيه {كاتبون}؛ مُثبتون في صحائف أعمالهم، نأمر الحفظة بذلك، لا نغادر من ذلك شيئًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: الصوفية - رضي الله عنهم -، في حال سيرهم إلى الحضرة وسلوكهم في طريق التربية، مختلفون بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص. وفي حال نهايتهم - وهو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وإشراق شمس العرفان، الذي هو مقام الإحسان، ويُعبِّرون عنه بالفناء والبقاء، وهو التوحيد الخاص - متفقون، وفي ذلك يقول القائل: شعر : عباراتنا شتى وحسْنُك واحد وكُلٌّ إلى ذاك الجَمَالِ يُشير تفسير : لأن ما كان ذوقًا ووجدًا لا يختلف، بل يجده كل من له ذوق سليم. نعم تتفاوت أذواقهم على حسب مشاربهم، ومشاربُهم على حسب إعطائهم نفوسَهم وبيعها لله، وتتفاوت أيضًا بحسب التخلية والتفرغ، وبحسب الجد والاجتهاد، وكلهم على بصيرة من الله وبينة من ربهم: نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم، آمين. ثمَّ تمم قوله كذلك إلينا راجعون فقال:
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما قلت لهؤلآء الانبياء او العباد بعد بعث الانبياء؟- فقال قلت لهم: انّ هذه امّتكم، او حال عن الافعال السّابقة على سبيل التّنازع وكلا الوجهين بتقدير القول اى قلنا للانبياء بعد قبول امرهم واجتماع جمعٍ على شريعتهم: هذه امّتكم ومؤتمّون بكم، او قلنا للخلق او لمن اتّبعهم: هؤلآء الانبياء مأموموكم، او قلنا للانبياء او للاتباع: هذه الطّريقة الّتى هى التّوحيد والتّسليم طريقتكم، او هو جوابٌ لسؤالٍ مقّدرٍ او حال بتقدير القول، وخطاب للحاضرين فى زمان محمّد (ص) والمعنى انّ هذه الجماعة من الانبياء المذكورين ائمّتكم واسوتكم، او هذه الطّريقة طريقتكم {أُمَّةً وَاحِدَةً} جماعة واحدة من حيث الطّريقة او طريقة واحدة غير متفرّقة {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوۤاْ} عطف على القول المقدّر اى قلنا انّ هذه امّتكم امّة واحدة وتقطّعوا {أَمْرَهُمْ} اى امر دينهم اوامر امامتهم بان جعل كلّ لنفسه ديناً وطريقاً او اماماً ومقتدىً، او امر اتباعهم بان جعل كلّ منهم اتباعهم لأهويةٍ عديدةٍ {بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} جواب لسؤالٍ مقّدرٍ ووعدٌ ووعيدٌ كأنّه قيل: ما يصير حالهم؟- قال: كلّ الينا راجعون او حال مفيدة لهذا المعنى يعنى رجوع الكلّ الينا فنجازيهم على حسب امرهم وطريقهم، وصيغة تقطّعوا للمبالغة فى الفعل، وبينهم ظرف لغو متعلّق بتقطّعوا، او مستقرّ حال من امرهم والمعنى فرّقوا امر دينهم او امر امامتهم او اتّباعهم بينهم.
الأعقم
تفسير : {إنَّ هذه أمتكم أمة واحدة}، قيل: دينكم ديناً واحداً وهو الإِسلام، والأمة الملة، وهذه إشارة إلى ملَّة الإِسلام التي يجب أن يكونوا عليها لا ينحرفون عنها، إشارة إلى ملَّة واحدة غير مختلفة، وقيل في أنها مخلوقة مملوكة لله، ومتى قيل: من هذه الأمة؟ قيل: أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت مجتمعة فتفرقت، وقيل: من تقع في التوحيد الأنبياء الذي قصّ الله خبرهم {وأنا ربكم فاعبدون} إلهكم إله واحد فاعبدون دون غيري، وقيل: هذا تفسير لقوله: {أية : وإن هذه أمتكم أمة واحدة} تفسير : [المؤمنون: 52] أي دينكم التوحيد {وتقطَّعوا أمرهم بينهم} أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقاً وأحزاباً {كلٌّ إلينا راجعون} يعني من اجتمع منه وافترق راجع إلى حكمنا {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} الصالحات الطاعات كلها، وقيل: صلة الأرحام ومعونة الضعيف ونصرة المظلوم {فلا كفران لسعيه} أي لا جحدان لإِحسانه في عمله بل يثاب عليه {وإنَّا له كاتبون} ضامنون له جزائه {وحرام على قرية} استعيرالحرام للمتنع وجوده ومنه قوله تعالى: {أية : إن الله حرمهما على الكافرين} تفسير : [الأعراف: 50] وأصل الحرام المنع، قيل: حرام على قرية {أهلكناها أَنَّهم لا يرجعون} عن كفرهم، وقيل: حرام على قرية امتناها بآجالها رجوعهم إلى الدنيا لأنا قد قضينا أنهم لا يرجعون، وقيل: حرام أن لا يرجعوا بعد الممات بل يرجعون للجزاء، وقيل: حرام قبول توبتهم وإيمانهم لأنهم لا يرجعون إلى الدنيا، وعدهم بالرجوع إلى الآخرة يوم القيامة وبيَّن علامة ذلك فقال سبحانه: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} وهو سدهما كما حذف المضاف إلى القرية يعني يفتح عنهم السد بسقوط أو هَدم أو كسر، وقيل: فتحت كما قيل: أهلكنا، ويأجوج ومأجوج أمّتان وخروجهما من علامات القيامة كخروج الدجال، ونزول عيسى، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من المغرب، وهما قبيلتان من جنس الإِنس، يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منهم يأجوج ومأجوج وجزء و... يخرجون عند أن يفتح السد {وهم من كل حدبٍ ينسلون} وهو كناية عن يأجوج ومأجوج، وقيل: كناية عن الخلق واستدلت بقوله: {أية : فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون}،تفسير : [يس: 51] وقيل: من حدب مرتفع من الأرض، وقيل: من القبور ينسلون يخرجون {واقترب الوعد الحق} يعني الصدق بالله وأنبيائه ووعد القيامة والجزاء فكان كما وعد {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} مفتحة ينظرون إلى تلك الأهوال {يا ويلنا} أي يقولون: {قد كنا في غفلة من هذا} أي اشتغلنا بأمر الدنيا وغفلنا عن هذا اليوم {بل كنا ظالمين} بأن عصينا الله تعالى، فاعترفوا على أنفسهم بالذنب والغفلة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكم آُمَّةً وَاحِدَةً} هذه إشارة إلى مدة الإسلام. والأمة: الدِّين، وأمة حال لازمة مؤكدة، وصاحبها أمتكم. والإضافة إشعار بأنه يجب أن تكونوا عليها، وهى لا تختلف بين الأنبياء. وهذا خطاب الناس. ويجوز اتصاله بقصة مريم؛ فإنها دليل للملة واتحادها. ويجوز كون صاحب الحال هذه. وقرأ الحسن بنصب أمتكم، على الإبدال من هذه، أو المفعولية لأعنى أو أمدح محذوفا، ويرفع أمة واحدة على الإخبار. وقرئ برفعهما على الإخبار المتعدد، أو الثانى خبر لمحذوف، أى هى أمة. {وَأَنَا رَبُّكمْ فاعْبُدُونِ} وحدونى وأطيعونى، والخطاب للناس، وإن قلنا باتصال ذلك بالقصة.
اطفيش
تفسير : {إنَّ هذه أمتُكُم} هذه الطريقة أو الملة المذكورة عن الأنبياء، وهى التوحيد والعمل بما اوحى اليهم أمتكم، أى طريقتكم أيها الناس، أو أيها المؤمنين، أو أيها المعاندون من محمد صلى الله عليه وسلم بدأ السورة بهم، ووعظهم وذكر لهم الأنبياء وأممهم، وختم بهم، ومن معانى الأمة فى اللغة الطريقة أو هؤلاء الأنبياء أمتكم جماعتكم التى تتبعونها، ولا تميلون عنها، وذلك فى التوحيد وصفات الله وأفعاله، وتختلف الأنبياء وأممهم فى الفروع، وقيل الأمة الدين مجازاً وقيل حقيقة {أمَّةً} حال من أمتكم فيختلف عامل الحال وعامل صاحبها، فإن عامل الخبر المبتدأ. وهذا المبتدأ رافع لخبر ناصب للحال {واحدةً} متحدة فيما بين الأمم والأنبياء كلهم أو فى أنها لا يخالطها الشرك فى القبول وصحة الاتباع. {وأنَا ربُّكم} وأن إلهكم واحد الملة واحدة، والرب واحد، وأمر الأنبياء واحد، ويناسب أن الرب بمعنى الإله قوله تعالى: {فاعْبُدون} خاصة والإله المعبود والإلاهة العبادة، وفى لفظ الرب ترجيح جانب الرحمة، ودعاء العبادة بالترغيب.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ} خطاب للناس قاطبة، والإشارة إلى ملة التوحيد والإسلام وذلك من باب { أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } تفسير : [الكهف: 78] وهذا أخوك تصور المشار إليه في الذهن وأشير إليه، وفيه أنه متميز أكمل التمييز ولهذا لم يبين بالوصف، والأمة على ما قاله صاحب «المطلع» أصلها القوم يجتمعون على دين واحد ثم اتسع فيها حتى أطلقت على نفس الدين، والأشهر أنها الناس المجتمعون على أمر أو في زمان وإطلاقها على نفس الدين مجاز، وظاهر كلام الراغب أنه حقيقة أيضاً وهو المراد هنا، وأريد بالجملة الخبرية الأمر بالمحافظة على تلك الملة ومراعاة حقوقها، والمعنى أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتراعوا حقوقها فافعلوا ذلك. وقوله تعالى: {أُمَّةً وَاحِدَةً} نصب على الحال من {أُمَّةٍ} والعامل فيها اسم الإشارة، ويجوز أن يكون العامل في الحال غير العامل في صاحبها وإن كان الأكثر الاتحاد كما في «شرح التسهيل» لأبـي حيان، وقيل بدل من {هَـٰذِهِ} ومعنى وحدتها اتفاق الأنبياء عليهم السلام عليها أي إن هذه أمتكم أمة غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم السلام بل أجمعوا كلهم عليها فلم تتبدل في عصر من الأعصار كما تبدلت الفروع، وقيل: معنى وحدتها عدم مشاركة غيرها وهو الشرك لها في القبول وصحة الاتباع. وجوز أن تكون الإشارة إلى طريقة الأنبياء المذكورين عليهم السلام والمراد بها التوحيد أيضاً، وقيل: هي إشارة إلى طريقة إبراهيم عليه السلام والكلام متصل بقصته وهو بعيد جداً، وأبعد منه بمراحل ما قيل إنها إشارة إلى ملة عيسى عليه السلام والكلام متصل بما عنده كأنه قيل وجعلناها وابنها آية العالمين قائلين لهم إن هذه أي الملة التي بعث بها عيسى أمتكم الخ بل لا ينبغي أن يلتفت إليه أصلاً، وقيل: إن {هَـٰذِه} إشارة إلى جماعة الأنبياء المذكورين عليهم السلام والأمة بمعنى الجماعة أي إن هؤلاء جماعتكم التي يلزمكم الاقتداء بهم مجتمعين على الحق غير مختلفين، وفيه جهة حسن كما لا يخفى، والأول أحسن وعليه جمهور المفسرين وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. وجوز بعضهم كون الخطاب للمؤمنين كافة، وجعله الطيبـي للمعاندين خاصة حيث قال في وجه ترتيب النظم الكريم: إن هذه السورة نازلة في بيان النبوة وما يتعلق بها والمخاطبون المعاندون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من بيان النبوة وتكريره تقريراً ومن ذكر الأنبياء عليهم السلام مسلياً عاد إلى خطابهم بقوله تعالى شأنه: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ} الخ أي هذه الملة التي كررتها عليكم ملة واحدة اختارها لكم لتتمسكوا بها وبعبادة الله تعالى والقول بالتوحيد وهي التي أدعوكم إليها لتعضوا عليها بالنواجذ لأن سائر الكتب نازلة في شأنها والأنبياء كلهم مبعثون للدعوة إليها ومتفقون عليها، ثم لما علم إصرارهم قيل { أية : وَتَقَطّعُواْ } تفسير : [الأنبياء: 93] الخ، وحاصل المعنى الملة واحدة والرب واحد والأنبياء عليهم السلام متفقون عليها وهؤلاء البعداء جعلوا أمر الدين الواحد فيما بينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة الشيء الواحد انتهى، والأظهر العموم، وأمر النظم عليه يؤخذ من كلام الطيبـي بأدنى التفات. وقرأ الحسن {أُمَّتُكُمْ} بالنصب على أنه بدل من {هَـٰذِهِ} أو عطف بيان / عليه و {أُمَّةً وَاحِدَةً} بالرفع على أنه خبر {إِنَّ}. وقرأ هو أيضاً وابن إسحاق والأشهب العقيلي وأبو حيوة وابن أبـي عبلة والجعفي وهارون عن أبـي عمرو والزعفراني برفعهما على أنهما خبرا {إِنَّ}، وقيل: الأول خبر والثاني بدل منه بدل نكرة من معرفة أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هي أمة واحدة. {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} أي أنا إلٰهكم إلٰه واحد {فَٱعْبُدُونِ} خاصة؛ وتفسير الرب بالإلٰه لأنه رتب عليه الأمر بالعبادة، والدلالة على الوحدة من حدة الملة، وفي لفظ الرب إشعار بذلك من حيث إن الرب وإن توهم جواز تعدده في نفسه لا يمكن أن يكون لكل مربوب إلا رب واحد لأنه مفيض الوجود وكمالاته معاً، وفي العدول إلى لفظ الرب ترجيح جانب الرحمة وأنه تعالى يدعوهم إلى عبادته بلسان الترغيب والبسط قاله في «الكشف».
ابن عاشور
تفسير : {إنّ} مكسورة الهمزة عند جميع القراء، فهي ابتداء كلام. واتفقت القراءات المشهورة على رفع {أمتُكم}. والأظهر أن الجملة محكية بقول محذوف يدل عليه السياق. وحذف القول في مثله شائع في القرآن. والخطاب للأنبياء المذكورين في الآيات السابقة. والوجه حينئذ أن يكون القول المحذوف مصوغاً في صيغة اسم الفاعل منصوباً على الحال. والتقدير: قائلين لهم إن هذه أمتكم إلى آخره. والمقول محكي بالمعنى، أي قائلين لكلّ واحد من رسلنا وأنبيائنا المذكورين ما تضمنته جملة {إن هذه أمتكم}. فصيغة الجمع مراد بها التوزيع، وهي طريقة شائعة في الإخبار عن الجماعات. ومنه قولهم: رَكب القوم دَوَابهم، فتكون هذه الآية جارية على أسلوب نظيرها في سورة المؤمنين. وفيه ما يزيد هذه توضيحاً فإنه ورد هنالك ذِكر عدة من الأنبياء تفصيلاً وإجمالاً، كما ذُكروا في هذه السورة. ثم عقب بقوله تعالى: {أية : يا أيّها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم}تفسير : [المؤمنون: 51] وأَنّ ــــ بفتح الهمزة وبكسرها ــــ {أية : هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون}تفسير : [المؤمنون: 52]، فظاهر العطف يقتضي دخول قوله تعالى: {وإنّ هذه أمتكم أمة واحدة} في الكلام المخاطب به الرسل، والتأكيد عن هذا الوجه لمجرد الاهتمام بالخبر ليتلقاه الأنبياء بقوة عزم، أو روعي فيه حال الأمم الذين يبلغهم ذلك لأن الإخبار باتحاد الحال المختلفة غريب قد يثير تردّداً في المراد منه فقد يحمل على المجاز فأكد برفع ذلك. وهو وإن كان خطاباً للرسل فإن مما يقصد منه تبليغَ ذلك لأتباعهم ليعلموا أن دين الله واحد، وذلك عون على قبول كل أمة لما جاء به رسولها لأنه معضود بشهادة مَن قبله من الرسل. ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً والخطاب لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أي أن هذه الملة، وهي الإسلام، هي ملة واحدة لسائر الرسل، أي أصولها واحدة كقوله تعالى: {أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً}تفسير : [الشورى: 13] الآية. والتأكيد على هذا لردّ إنكار من ينكر ذلك مثل المشركين. والإشارة بقوله تعالى: {هذه} إلى ما يفسره الخبر في قوله تعالى: {أُمتكم} كقوله تعالى: {أية : قال هذا فراق بيني وبينك}تفسير : [الكهف: 78]. فالإشارة إلى الحالة التي هم عليها يعني في أمور الدين كما هو شأن حال الأنبياء والرسل. فما أفادته الإشارةُ من التمييز للمشار إليه مقصود منه جميع مَا عَليه الرسل من أصول الشرائع وهو التوحيد والعمل الصالح. والأمة هنا بمعنى الملة كقوله تعالى: {أية : قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون}تفسير : [الزخرف: 22]، وقال النابغة:شعر : حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبَة وهل يأثَمَنْ ذو أُمة وهو طائع تفسير : وأصل الأمة: الجماعة التي حالها واحد، فأطلقت على ما تكون عليه الجماعة من الدين بقرينة أن الأمم ليست واحدة. و {أمة واحدة} حال من {أمتكم} مؤكدة لما أفادته الإشارة التي هي العامل في صاحب الحال. وأفادت التمييز والتشخيص لحال الشرائع التي عليها الرسل أو التي دعا إليها محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعنى كونها واحدة أنها توحّد الله تعالى فليس دونه إله. وهذا حال شرائع التوحيد وبخلافها أديان الشرك فإنها لتعدد آلهتها تتشعب إلى عدة أديان لأن لكل صنم عبادة وأتباعاً وإن كان يجمعها وصف الشرك فذلك جنس عام وقد أومأ إلى هذا قوله تعالى: {وأنا ربكم}، أي لا غيري. وسيأتي بسط القول في عَربية هذا التركيب في تفسير سورة المؤمنين. وأفاد قوله تعالى: {وأنا ربكم} الحصر، أي أنا لا غيري بقرينة السياق والعطف على {أمة واحدة}، إذ المعنى: وأنا ربكم رباً واحداً، ولذلك فرع عليه الأمر بعبادته، أي فاعبدون دون غيري. وهذا الأمر مراعى فيه ابتداءً حال السامعين من أمم الرسل، فالمراد من العبادة التوحيد بالعبادة والمحافظة عليها.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا معاني "الأمة" في القرآن في سورة "هود". والمراد بالأمة هنا: الشريعة والملة. والمعنى: وأن هذه شريعتكم شريعة واحدة، وهي توحيد الله على الوجه الأكمل من جميع الجهات، وامتثال أمره، واجتناب نهيه بإخلاص في ذلك. على حسب ما شرعه لخلقه {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ} أي وحدي. والمعنى دينكم واحد وربكم واحد، فلم تختلفون {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} المعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه. فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب. تمثيلاً لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقاً شتى ا هـ. وظاهر الآية أن "تقطع" متعدية إلى المفعول ومفعولها "أمرهم" ومعنى تقطعوه. أنهم جعلوه قطعاً كما ذكرنا. وقال القرطبي قال الأزهري: {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} أي تفرقوا في أمرهم فنصب "أمرهم" بحذف "في" ومن إطلاق الأمة بمعنى الشريعة والدين كما في هذه الآية: قوله تعالى عن الكفار: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ}تفسير : [الزخرف: 22] أي على شريعة وملة ودين. ومن ذلك قول نابغة ذبيان: شعر : حلفت فلم أترك في نفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع تفسير : ومعنى قوله: "وهل يأثمن ذو أمة.. الخ" أن صاحب الدين لا يرتكب الإثم طائعاً. وما ذكره جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: من أن الدين واحد والرب واحد فلا داعي للاختلاف. وأنهم مع ذلك اختلفوا وصاروا فرقاً ـ أوضحه في سورة {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1] وزاد أن كل حزب من الأحزاب المختلفة فرحون بما عندهم. وذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ}تفسير : [المؤمنون: 51-54]. وقوله في هذه الآية {زُبُراً} أي قطعاً كزبر الحديد والفضة، أي قطعها. وقوله {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} تفسير : [المؤمنون: 53] أي كل فرقة من هؤلاء الفرق الضالين المختلفين المتقطعين دينهم قطعاً ـ فرحون بباطلهم، مطمئنون إليه، معتقدون أنه هو الحق. وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أن ما فرحوا به، واطمأنّوا إليه باطل، كما قال تعالى في سورة "المؤمن": {أية : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ}تفسير : [غافر: 83-84]، وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [الأنعام: 159]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ هَـٰذِهِ} "هَذِه" اسم "إِنَّ" وخبرها {أُمَّتُكُمْ}. وقوله {أُمَّةً وَاحِدَةً} حال كما هو ظاهر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن هذه أمتكم: أي ملتكم وهي الإِسلام ملة واحدة من عهد آدم إلى العهد المحمدي إذ دين الأنبياء واحد وهو عبادة الله تعالى وحده بما يشرع لهم. وأنا ربكم فاعبدون: أنا الهكم الحق حيث خلقتكم ورزقتكم فلا تنبغي العبادة إلا لي فاعبدون ولا تعبدوا معي غيري. وتقطعوا أمرهم بينهم: أي وتفرقوا في دينهم فأصبح لكل فرقة دين كاليهودية والنصرانية والمجوسية والوثنيات وما أكثرها. كل إلينا راجعون: أي كل فرقة من تلك الفرق التي قطعت الإِسلام راجعة إلينا وسوف نجزيها بكسبها. فلا كفران لسعيه: أي لا نكران ولا جحود لعمله بل سوف يجزى به وافياً. وإنا له كاتبون: إذ الكرام الكاتبون يكتبون أعمال العباد خيرها وشرها. وحرام: أي ممتنع رجوعهم إلى الدنيا. يأجوج ومأجوج: قبيلتان موجودتان وراء سدهما الذي سيفتح عند قرب الساعة. حدب: أي مرتفع من الأرض. ينسلون: أي يسرعون المشي. الوعد الحق: يوم القيامة. في غفلة من هذا: أي من يوم القيامة وما فيه من أحداث. معنى الآيات: بعد ذكر أولئك الأنبياء وما أكرمهم الله تعالى به من إفضالات وما كانوا عليه من كمالات قال تعالى مخاطباً الناس كلهم: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ} أي ملتكم {أُمَّةً وَاحِدَةً} أي ملة واحدة من عهد أول الرسل إلى خاتمهم وهو الإِسلام القائم على الإِخلاص لله في العبادة والخلوص من الشرك وقوله تعالى: {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } ينعى تعالى على الناس تقطيعهم الإِسلام إلى ملل شتى كاليهودية والنصرانية وغيرهما، وتمزيقه إلى طوائف ونحل، وقوله {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} إخبار منه تعالى أنهم راجعون إليه لا محالة بعد موتهم وسوف يجزيهم بما كانوا يكسبون ومن ذلك تقطيعهم للدين الإِسلامي وتمزيقهم له فذهبت كل فرقة بقطعة منه. وقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} والحال أنه مؤمن، والمراد من الصالحات ما شرعه الله تعالى من عبادات قلبية وقولية وفعلية {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي لعمله فلا يجحد ولا ينكر بل يراه ويجزي به كاملاً. وقوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} يريد أن الملائكة تكتب أعماله الصالحة بأمرنا ونجزيه بها أيضاً أحسن جزاء وهذا وعد من الله تعالى لأهل الإِيمان والعمل الصالح جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم. وقوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} يخبر تعالى أنه ممتنع امتناعاً كاملاً أن يهلك أمة بذنوبها في الدنيا ثم يردها إلى الحياة في الدنيا، وهذا بناء على أن {لاَ} مزيدة لتقوية الكلام ويحتمل الكلام معنى آخر وهي ممتنع على أهل قرية قضى الله تعالى بعذابهم في الدنيا أو في الآخرة أنهم يرجعون إلى الإِيمان والطاعة والتوبة الصادقة وذلك بعد أن كذبوا وعاندوا وظلموا وفسقوا فطبع على قلوبهم فهم لا يرجعون إلى التوبة بحال، ومعنى ثالث وهو حرام على أهل قرية أهلكهم الله بذنوبهم فأبادهم إنهم لا يرجعون إلى الله تعالى يوم القيامة بل يرجعون للحساب والجزاء فهذه المعانى كلها صحيحة، والمعنى الأخير لا تكلف فيه بكون {لاَ} صلة بل هي نافية ويرجح المعنى الأخير قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} فهو بيان لطريق رجوعهم إلى الله تعالى وذلك يوم القيامة وبدايته بظهور علاماته الكبرى ومنها إنكسار سد يأجوج ومأجوج وتدفقهم في الأرض يخربون ويدمرون {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ} وصوب {يَنسِلُونَ} مسرعين. وقوله تعالى: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} وهو يوم الدين والحساب والجزاء وقوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وذلك بعد قيامهم من قبورهم وحشرهم إلى أرض المحشر وهم يقولون في تأسف وتحسر {يٰوَيْلَنَا} أي يا هلاكنا {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ} أي في دار الدنيا {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} فاعترفوا بذنبهم حيث لا ينفعهم الاعتراف إذ لا توبة تقبل يومئذ. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وحدة الدين وكون الإِسلام هو دين البشرية كافة لأنه قائم على أساس توحيد الله تعالى في عبادته التي شرعها ليعبد بها. 2- بيان ما حدث للبشرية من تمزيق الدين بينها بحسب الأهواء والأطماع والأغراض. 3- وعد الله لأهل الإِيمان والعمل الصالح بالجزاء الحسن وهو الجنة. 4- تقرير حقيقة وهي إذا قُضِي بهلاك أمة تعذرت عليها التوبة، وأن أمة يهلكها الله تعالى لا تعود إلى الحياة الدنيا بحال وإن البشرية عائدة إلى ربها فممتنع عدم عودة الناس إلى ربهم، وذلك لحسابهم وجزائهم يوم القيامة.
القطان
تفسير : الأمة: جماعة من الناس تجمعهم صفات موروثة ومصالح وأماني واحدة، او يجمعهم امر احد من دين او مكان او زمان، ثم شاع استعمالها في الدين. وتقطّعوا امرهم: تفرقوا وصاروا شيعا. فلا كفران لسعيه: لا يضيع سعيه، ولا يُجحد. حرام على قرية: ممتنع على اهل القرية. من كل حدب: من كل مرتفع من الارض. ينسلِون: يسرعون. حصب جهنم: وقود جهنم. زفير: شدة تنفسهم في النار. بعد عرض سُنن الله الكونية، الشاهدة بوحدة الخالق، وسنن الله في ارسال الرسل بالدعوات الشاهدة بوحدة العقيدة - يؤكد القرآن الكريم هنا وحدة الأمة والإله، وان الله لا يضيع عمل عاملٍ مخلص، ثم يعرض مشهداً من القيامة، ومصير المشركين والشركاء في ذلك اليوم. {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ}. الخطاب هنا لجميع الناس، ان هذه ملّتكم ملة واحدة، وأنا ربكم ايها الناس، فعليكم ان تدينوا جميعا بدِين التوحيد الذي جاء به جميع الانبياء. فاعبدوني دون جميع هذه الآلهة والأوثان. وأمةً بالنصب حال. {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ}. مع كل هذا الإرشاد تفرَّق اكثرُ الناس بحسب شهواتهم، وصاروا شِيعاً مختلفة، منهم الجاحدون ومنهم المشركون، وكلّهم راجعون الينا، فمن يعمل الأعمال الصالحةَ وهو مؤمن بالله فلا ينقص شيء من سعيه، بل سيوفّاه كاملا {أية : إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}تفسير : [الكهف:30]. {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}. ان كل أهل قريةٍ اهلكناهم في الدنيا لا بد ان يرجعوا الينا ليلاقوا جزاءهم يوم القيامة، فالجزاء على الاعمال إنما يتم في الآخرة ولو قدِّم منه شيء في الدنيا. وهذه الآية أشكلت على المفسرين، وقال بعضهم إنها مشكلة، وتعذر معناها: وحرام على أهل قرية حكمنا باهلاكها ان يُقبل لهم من عمل لأنهم لا يتوبون، وقال بعضهم: وحرم الله على اية قرية اهلكها الله أن يعيدها الى الدنيا... قراءات: قرأ ابو بكر وحمزة والكسائي: وحرم بكسر الحاء واسكان الراء. والباقون: وحرام بفتح الحاء والراء والف بعدها والمعنى واحد. {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ}. لا يزال الأمر يجري على ما قدّمنا، نكتب الأعمال الصالحة للمؤمنين ونشكر سعيهم، ونهلك القرى الظالمة، ونحرم رجوعهم بعد الهلاك الى ان يُفتح سدُّ يأجوج ومأجوج، وتراهم يسرعون من كل مرتفع من الارض. وهذا الأمر من علامات اقتراب الساعة، كما جاء في سورة الكهف 98 {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} تفسير : قراءات: قرأ ابن عامر: فُتِّحتْ بالتشديد. والباقون: فُتِحت بالتخفيف. {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} لقد قَرُبَ مجيء يوم القيامة، وعندها تشخَص أبصار الذين كفروا من شدة الهول، فيصيحون قائلين: يا هلاكنا قد كنا في غفلة من هذا اليوم، بل كنا ظالمين لأنفسنا بالكفر والعناد. {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} ويقال لهؤلاء الكفار: انكم جميعا مع من عبدتم من دون الله وقودُ نارِ جهنم واردون لها، وداخلون فيها. {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ}. لو كان هؤلاء الأصنام الذين عبدتموهم من دون الله آلهة ما دخلوا النار، وكلُّكم: العابدون والمعبودون المزيفون - في النار مخلَّدون. ولكم في النار زفير ونَفَس متقطع، من شدة ما ينالكم من العذاب، ولن تسمعوا شيئا يسرّكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاحِدَةً} (92) - إنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ هو الانْقِيادُ لَهُ وَحْدَهُ، لاَ يَقْبَلُ غَيرَه، وعَليهِ اتَّفَقَ جَمِيعُ الأَنبِياءِ والشَّرَائِعِ، وما اخْتَلَفُوا إلاَّ في الصُّورِ والرُّسُومِ، بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأزْمِنَة والأمْكِنَةِ، فَعَلَيْكُم أنْ تَعْبَدُوهُ وَحدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. (وفي الحَدِيثِ : حديث : نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِياءِ أَولاَدُ عَلاَّتٍ: دِينُنَا وَاحِدٌتفسير : ) وهذا يَعْني أَنَّ المقْصُودُ عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ بِشَرَائِعَ مُتَنَوِّعَةٍ لِرُسُلِهِ. أُمَّتكُمْ - مِلَّتُكُم (الإِسْلامُ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأمة: الجماعة يجمعها رباط واحد من أرض أو مُلك مَلِك أو دين، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ ..}تفسير : [الزخرف: 22] يعني: على دين. فالمراد: هذه أمتكم أمةٌ حال كَوْنها أمةً واحدة، لا اختلافَ فيها والرسل جميعاً إنما جاءوا ليتمموا بناءً واحداً، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلاّ وُضِعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ". تفسير : والمعنى أن به صلى الله عليه وسلم تتم النبوة وتختم. وتُطلَق الأمة على الرجل الذي يجمع خصال الخير كلها؛ لأن الله تعالى بعثر خصال الخير في الخَلْق، فليس هناك مَنْ هو مَجْمع مواهب وفضائل، إنما في كل منا ميزةٌ وفضيلةٌ في جانب من الجوانب؛ ليتكامل الناس ويحتاج بعضهم إلى بعض، ويحدث الترابط بين عناصر المجتمع، هذا الترابط يتم إمَّا بحاجات تطوُّعية، أو حاجات اضطرارية. فلو تعلَّم الناس جميعاً وتخرجوا في الجامعة فَمنْ للمِهَن والحِرَف الأخرى؟ مَنْ سيكنس الشوارع، ويقضي مثل هذه الأمور؟ لو تعطلتْ مجاري الصرف الصحي، أيجتمع هؤلاء الدكاترة والأساتذة لإصلاحها، ولو أصلحوها مرة فهذا تطوُّع. أمّا المصالح العامة فلا تقوم على التطوع إنما تقوم على الحاجة والاضطرار، ولولا هذه الحاجة لما خرجَ عامل الصرف الصحي في الصباح إلى هذا العمل الشاقّ المنفّر، لكن كيف وفي رقبته مسئولية أُسْرة وأولاد ونفقات؟ وسبق أنْ قُلْنا: ينبغي ألاَّ يغترَّ المرء بما عنده من مواهب ومميزات، ولا يتعالى بها على خَلْق الله، وعليه أنْ يسأل عَمَّا عند الآخرين من مواهب يحتاج هو إليها، ولا يؤديها بنفسه. إذن: الحاجة هي الرابطة في المجتمع، ولو كانَ التطوّع والتفضّل فلن نحقق شيئاً، فلو قلنا للعامل: تفضل بكنس الشارع لوجدَ ألْفَ عذر يعتذر به، أما إنْ كان أولاده سيموتون جوعاً إن لم يعمل فلا شكَّ أنه سيُسرع ويُبادر. فالحقيقة أن كل فرد في المجتمع لا يخدم إلا نفسه، فكما تنفع الآخرين تنتفع بهم؛ لذلك إياك أنْ تحسد صاحب التفوق على تفوّقه في أمر من الأمور؛ لأن تفوقه في النهاية عائد عليك. وكما نقول هذه المسائل في أمور الدنيا نقولها في أمور الآخرة، حين نرى صاحب التديُّن، وصاحب الخُلق والالتزام لا نهزأ به ولا نسخر منه، كما يحلو للبعض؛ لأن صلاحه سيعود عليك، وسوف تنتفع بتديُّنه واستقامته ولعلنا نُرزَق بسبب هؤلاء. وقد يكون في البيت الواحد فُتوات وأذكياء ومتعلمون وفيهم مُعوَّق أو مجنون أو مجذوب، فترى الجميع يحتقرونه، ويُهوِّنون من شأنه، أو تراه منبوذاً بين هؤلاء مُبْعَداً، لا يشرُف بمعرفته أحد، وربما يعيشون جميعاً في ظِلِّه ويُرزَقون كرامة له. وكثيراً ما نرى الناس يغضبون وينقمون على قضاء الله إن رزقهم بمولود فيه عيب أو إعاقة، ووالله لو رضيتَ به وتقبلْتَ قضاء الله فيه، لكان هو الظل الظليل لك. فهؤلاء خُلِقوا هكذا لحكمة، حتى لا نتمرد على صَنْعة الله في كَوْنه، وحتى يشعر أهل النعمة والسلامة والصحة بفضل الله عليهم، ولنعلم أن الله تعالى لا يسلب شيئاً من عبده إلاّ وقد أعطاه عِوَضاً عنه. ولك أن تلاحظ مثلاً أحوال الناس المجاذيب الذين تراهم في أيِّ مكان مُهملين يستقلهم الناس، وينفرون من هيئتهم الرثّة، ومع ذلك ترى أصحاب الجاه والسلطان إذا نزلتْ بهم ضائقة وأعيَتْهم الأسباب يلجئون لمثل هؤلاء المجاذيب يلتمسون منهم البركة والدعاء، وهذا في حَدِّ ذاته أسمى ما يمكن أن يتطلع إليه أهل الجاه وأهل السلطان والنفوذ، أن تكون كلمتهم مسموعةً وأمرهم مُطاعاً، وأن يلجأ الناس إليهم كما لجئوا إلى هذا المجذوب المسكين. فإذا ما أجرى الله الخير على يد هذا الشيخ المجذوب ترى السيد العظيم يتمحك فيه، ويدعوه إلى طعامه، ويدفع عنه أذى الناس ويحتضنه، لأنه جرَّب وعلم أن لديه فيضاً من فيض الله وكرامة يختص الله بها مَنْ يشاء من عباده، ونحن جميعاً عباد الله ليس فينا مَنْ هو ابن لله، أو بينه وبين الله قرابة. وإنْ كان العقل هو أعزّ ما يعتز به الإنسان، وهو زينته وحليته، فلك أن تنظر إلى المجنون الذي فقد العقل، وحُرِم هذه الآلة الغالية، وترى الناس يشيرون إليه: هذا مجنون، نعم هو مجنون، لكن انظر إلى سلوكه: هل رأيتم مجنوناً يسرق؟ هل رأيتم مجنوناً يزني؟ هل رأيتم مجنوناً انتحر؟ إذن: مع كونه مجنوناً إلا أنه مدرك لنفسه تماماً؛ لأن خالقه عز وجل وإنْ سلبه العقل إلا أنه أعطاه غريزة تحكمه كما تحكم الغريزة الحيوان، وهل رأيتم حماراً ألقى بنفسه مثلاً أمام القطار؟ إذن: علينا ألاَّ نُحقِّر هؤلاء، وألاَّ نستقل بهم فقد عوَّضهم الله عما سلبه منهم، ومنّا مَنْ يسعى ليصل إلى ما وصلوا هم إليه ولا يستطيع، ومَنْ مِنّا لا يتمنى أن يكون مثل هذا المجذوب الذي يتمسَّح الناس فيه، ويطلبون منه البركة والدعاء؟ وأيُّ عظمة يطلبها الإنسان فوق هذا؟ ويكفي هذا أنه لا يُسأَلُ عَمّا يفعل في الدنيا، ولا يُسْأَل كذلك في الآخرة. نعود إلى قول الله تعالى: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ..} [الأنبياء: 92] فمن معاني أمة: الرجل الذي جمع خصال الخير كلها؛ لذلك وصف الله نبيه إبراهيم بأنه أمة، فقال: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ..}تفسير : [النحل: 120]. يعني: جمع من خصال الخير مَا لا يوجد إلا في أمة كاملة. والأمة لا تكون واحدة، إلا إذا صدر تكوينها المنهجي عن إله واحد، فلو كان تكوينها من متعدد لذهب كُلُّ إله بما خلق، ولعلاَ بعضهم على بعض، ولفسد الحال. إذن: كما قال سبحانه:{أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ..} تفسير : [المؤمنون: 71]. فلا تكون الأمة واحدة إلا إذا استقبلت أوامرها من إله واحد وخضعت لمعبود واحد، فإنْ نسيتْ هذا الإله الواحد تضاربتْ وتشتتتْ. وكأن الحق سبحانه يقول: أنتم ستجربون أمة واحدة، تسودون بها الدنيا وتنطلق دعوتكم من أمة أمية لا تعرف ثقافة، ولا تعرف علماً، ولم تتمرس بحكم الأمم؛ لأنها كانت أمة قبلية، لكل قبيلة قانونها وسيادتها وقيادتها. ثم ينزل لكم نظام يجمع الدنيا كلها بحضاراتها، نظام يطوي تحت جناحه حضارة فارس وحضارة الروم ويُطوِّعها، ولو أنكم أمة مثقفة لقالوا قفزة حضارية، إنما هذه أمة أمية، ونبيها أيضاً أُمِّي إذن: فلا بُدَّ أن يكون المنهج الذي جاء به ليسلب هذه الحضارات عِزَّها ومجدَها منهجاً أعلى من كل هذه المناهج والحضارات. ثم يقول تعالى: {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] أي: التزموا بمنهجي لتظلوا أمة واحدة، واختار صفة الربوبية فلم يقُلْ: إلهكم؛ لأن الرب هو الذي خلق ورزق وربى، أمّا الإله فهو الذي يطلب التكاليف. فالمعنى: ما دُمْتُ أنا ربكم الذي خلقكم من عَدَم، وأمدكم من عُدْم، وأنا القيوم على مصالحكم، أكلؤكم بالليل والنهار، وأرزق حتى العاصي والكافر بي، فأنا أوْلَى بالعبادة، ولا يليق بكم أن أصنع معكم هذا كله وتذهبون إلى إله غيري، هذا منطق العقل السليم، وكما يقولون (اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي). ومن العبادة أن تطيع الله في أمره ونَهيْه؛ لأن ثمرة هذه الطاعة عائدة عليك بالنفع، فلله تعالى صفات الكمال الأزليّ قبل أنْ يخلق مَنْ يطيعه، فطاعتك لن تزيد شيئاً في مُلْك الله، ومعصيتك لن تنتقص منه شيئاً. إذن: فالأمر راجع إليك، وربك يُثيبك على فعل هو في الحقيقة لصالحك. لكن، هل سمع الناس هذا النداء وعملوا بمقتضاه، فكانوا أمة واحدة كهذه الأمة التي أدخلتْ الدنيا في رحاب الإسلام في نصف قرن؟ هذه الأمة التي ما زلنا نرى أثرها في البلاد التي تمردتْ على العروبة، وعلى لغة القرآن، ومع ذلك هم مسلمون على لغاتهم وعلى حضارتهم، إن الدين الذي يصنع هذا ، والأمة الواحدة التي تحمَّلتْ هذه المسئولية ما كان ينبغي أن نتخلى عنها. والسؤال: هل بقيت الأمة الواحدة؟ تجيب الآيات: {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ} الظاهر أن قوله: أمتكم خطاب لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه إشارة إلى أن ملة الإِسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا أنتم عليها لا تنحرفون عنها ملة واحدة غير مختلفة. {وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أخبر تعالى أنهم بعد ذلك اختلفوا وتقطعوا أمرهم والضمير في تقطعوا عائد على ضمير الخطاب على سبيل الإِلتفات أي وتقطعتم ولما كان هذا الفعل من أقبح المرتكبات عدل عن الخطاب إلى الغيبة كان هذا الفعل ما صدر من المخاطب لأن في الاخبار عنهم بذلك نعياً عليهم ما أفسدوه وكأنه يخبر غيرهم بما صدر عنهم من قبيح فعلهم ويقول: ألا ترى ما ارتكب هؤلاء في دين الله جعلوا أمر دينهم قطعا كما تتوزع الجماعة الشىء لهذا نصيب ولهذا نصيب تمثيلاً لاختلافهم ثم توعدهم برجوع هذه الفرقة المختلفة إلى جزائه. {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} ذكر حال المحسن وأنه لا يكفر سعيه والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه إذ قيل لله شكور ولا لنفي الجنس فهو أبلغ من قوله: فلا نكفر سعيه والكتابة عبارة عن إثبات عمله الصالح في صحيفة الأعمال ليثاب عليه ولا يضيع. {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} استعير الحرام للممتنع وجوده ومعنى أهلكناها قدرنا إهلاكها على ما هي عليه من الكفر فالإِهلاك هنا إهلاك عن كفر ولا في لا يرجعون زائدة أي لا يرجعون إلى الإِيمان كقوله: {أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12] والمعنى وممتنع على أهل قرية قدرنا عليهم إهلاكهم لكفرهم رجوع في الدنيا إلى الإِيمان إلى أن تقوم القيامة فحينئذٍ يرجعون ويقولون يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا وغيا بما قرب من مجيء الساعة وهو فتح يأجوج ومأجوج وتقدّم الكلام على يأجوج والضمير في وهم عائد على يأجوج ومأجوج. {مِّن كُلِّ حَدَبٍ} أي من الأماكن المرتفعة. {يَنسِلُونَ} يتساقطون ويسرعون. {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ} أي الوعد بالبعث. {ٱلْحَقُّ} الذي لا شك فيه والفاء جواب إذا السابقة وإذا الفجائية وهي ضمير القصة مبتدأ وأبصار مبتدأ وشاخصة خبره والجملة خبر عن ضمير القصة وقال الزمخشري: هي ضمير مبهم يوضحه الابصار ويفسره كما فسروا الذين ظلموا وأسروا "انتهى" لم يذكر غير هذا الوجه وهو قول الفراء. {فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} أي مما وجدنا الآن وتبينا من الحقائق ثم أضربوا عن قولهم: قد كنا في غفلة وأخبروا بما كانوا قد تعمدوه من الكفر والإِعراض عن الإِيمان فقالوا: {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} والخطاب بقوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} للكفار المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سيما أهل مكة ومعبوداتهم هي الأصنام * والحصب ما يحصب به أي يرمي به في نار جهنم. {أَنتُمْ لَهَا} أي النار. {وَارِدُونَ} الورود هنا ورود دخول. {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ} أي الأصنام التي يعبدونها. {آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} أي ما دخلوها. {وَكُلٌّ فِيهَا} أي كل من العابدين ومعبوداتهم. {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} الزفير صوت نفس المغموم يخرج من وسط القلب والظاهر أن الزفير إنما يكون ممن تقوم به الحياة وهم العابدون والمعبودون ممن كان يدعي الإِلهية كفرعون وغلاة الإِسماعيلية الذين كانوا ملوك مصر من بني عبيد الله أول ملوكهم ويجوز أن يجعل الله تعالى للأصنام التي عبدت حياة فيكون لها زفير. {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} ما يسرهم بل يسمعون كلام من يتولى عذابهم من الزبانية كما قال تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً}تفسير : [الإسراء: 97]. {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ} الآية سبب نزولها قول ابن الزبعري حين سمع أنكم وما تعبدون الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة فقال صلى الله عليه وسلم: بل عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فأنزل الله الآية. و{ٱلْحُسْنَىٰ} الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن إما السعادة وإما البشرى بالثواب * والحسيس الصوت الذي يحس من حركة الإِجرام والشهوة طلب النفس اللذة * والفزع الأكبر عام في كل هول يكون في القيامة. {وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} بالسلام عليكم وعن ابن عباس تتلقاهم الملائكة بالرحمة عند خروجهم من القبور قائلين لهم: {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} بالكرامة والثواب والنعيم فيه. {يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} المعنى طياً مثل طي السجل قال الزمخشري: العامل في يوم من قوله: يوم نطوي الفزع "انتهى" هذا ليس بجائز لأن الفزع مصدر وقد وصف قبل أخذ معموله فلا يجوز ما ذكر والعامل فيه اذكر مقدرة التقدير أذكر يوم نطوي وطي مصدر مضاف إلى المفعول أي ليكتب فيه أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة والظاهر أن الكاف ليست مكفوفة بل هي جارة وما بعدها مصدرية ينسبك منها مع الفعل مصدر هو في موضع جر بالكاف * وأول خلق مفعول بدأنا والمعنى نعبد أول خلق إعادة مثل بدأتنا له أي: كما أبرزناه من العدم إلى الوجود كذلك نعيده من العدم إلى الوجود وانتصب. {وَعْداً} على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة الخبرية قبله. {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} تأكيد لتحتم الخبر أي نحن قادرون على أن نفعل * والزبور الظاهر أنه زبور داود وقيل الزبور يعم الكتب المنزلة * والذكر اللوح المحفوظ * والأرض قال ابن عباس: هي أرض الجنة قال تعالى: {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ}تفسير : [الزمر: 74] نتبوأ والإِشارة في قوله: ان في هذا لبلاغاً إلى المذكور في هذه السورة من الاخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. {لَبَلاَغاً} كفاية يبلغ بها إلى الخير وكونه عليه السلام رحمة لكونه جاءهم بما يسعدهم. و{لِّلْعَالَمِينَ} قيل خاص بمن آمن به وقيل عام وكونه رحمة للكافرين حيث أخر عقوبتهم ولم يستأصل الكفار بالعذاب، قال: عوفي مما أصاب غيرهم من الأمم من مسخ وخسف وغرق وقذف وأخر أمره إلى الآخرة * قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون معناه وما أرسلناك للعالمين إلا رحمة أي هو رحمة في نفسه وهدى بين أخذ به من أخذ وأعرض عنه من أعرض "انتهى" لا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد إلا بالفعل قبلها إلا ان كان العامل مفرغاً له نحو ما مررت إلا بزيد * قال الزمخشري: إنما لقصر الحكم على شىء أو لقصر الشىء على حكم كقوله: إنما زيد قائم وإنما يقوم زيد وقد اجتمع المثالان في هذه الآية لأن إنما يوحى إلي مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد وإنما إلهكم إله واحد بمنزلة إنما زيد قائم * وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم مقصور على استئثار الله بالوحدانية "انتهى" أما ما ذكره في إنما انها لقصر ما ذكر فهو مبني على أن إنما للحصر وقد قررنا أنها لا تكون للحصر وأن ما مع أن كهي مع كأن ومع لعل فكما أنها لا تفيد الحصر في التشبيه ولا الحصر في الترجي فكذا لا تفيده مع أن وأما جعله إنما المفتوحة الهمزة مثل مكسورتها تدل على القصر فلا نعلم الخلاف إلا في إنما بالكسر وأما بالفتح فحرف مصدري ينسبك منه مع ما بعده مصدر فالجملة بعدها ليست جملة مستقلة ولو كانت إنما دالة على الحصر لزم أن يقال: أنه لم يوح إليه شىء إلا التوحيد وذلك لا يصح في الحصر إذ قد أوحي إليه أشياء غير التوحيد. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} استفهام يتضمن الأمر بإِخلاص التوحيد والانقياد إلى الله تعالى. {ءَاذَنتُكُمْ} أعلمتكم ويتضمن معنى التحذير والنذارة. {عَلَىٰ سَوَآءٍ} لم أحض أحداً دون أحد وهذا الإِنذار إعلام بما يحل بمن تولى من العذاب وغلبة الإِسلام ولكني لا أدري متى يكون ذلك وان نافية وأدري معلقة * والجملة الاستفهامية في موضع نصب بأدري وتأخر المستفهم عنه لكونه فاصلة إذ لو كان التركيب. {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} لم تكن فاصلة وكثيراً ما يرجح الحكم في الشىء لكونه فاصلة آخر آية والمعنى: أنه تعالى لم يعلمني علمه ولم يطلعني عليه والله هو العالم الذي لا يخفى عليه شىء وما في قوله: ما توعدون فاعل بقريب تقديره أيقرب ما توعدون أم يبعد. {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ} أي: لعل تأخير هذا الوعد امتحان لكم لينظر كيف تعملون أو متاع لكم إلى حين ليكون ذلك حجة وليقع الموعد في وقت هو حكمه وأدري هي هنا معلقة أيضاً وجملة الترجي هي مصب الفعل والكوفيون يجرون لعل مجرى هل فكما يقع التعليل عن هل فكذلك عن لعل وقد ذهب إلى ذلك أبو علي الفارسي وإن كان ذلك ظاهراً فيها كقوله تعالى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}تفسير : [الشورى: 17] وقيل إلى حين إي إلى يوم القيامة. {قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} قرىء: قل على الأمر وقال: على الخبر وهو من باب الإِلتفات انتقل من ضمير المتكلم في أدري إلى ضمير الغائب في قال: ورب منادى مضاف تقديره يا رب وقرىء: احكم على الأمر وقرىء: بإِسكان الياء في ربي أحكم جعله أفعل التفضيل فربي أحكم مبتدأ وخبر وقرىء: احكم فعلاً ماضياً وقرأ الجمهور تصفون بتاء الخطاب وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على أبيّ ما يصفون بياء الغيبة.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه مخاطباً لجماهير الأنبياء والرسل وأممهم: {إِنَّ هَـٰذِهِ} الملة التي هي ملة الإسلام، وطريق التوحيد والفرقان {أُمَّتُكُمْ} أي: قدوتكم وقبلتكم وقصارى أمركم، والحكمة في جبلتكم وخلقكم ما كانت إلا {أُمَّةً وَاحِدَةً} لا تعدد فيها أصلاً {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} الواحد الأحد الصمد الفرد {فَٱعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] أيها الضلال المنعكسة من أسمائي وأوصافي، وتوجهوا نحوي بغاية التذلل والخضوع، ونهاية الانكسار والخشوع. {وَ} بعدما كانوا أمة واحد لا اختلاف فيهم أصلاً {تَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} أي: أمر دينهم قطعاً، وتحزبوا أحزاباً فوقع النزاع {بَيْنَهُمْ} فاختلفوا اختلافاً كثيراً على سبيل المراء والمجادلة، ولا تبال بهم وباختلافهم وتحزبهم؛ إذ {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: 93] رجوع الأمواج إلى البحر. وبعدما اختلفوا وتعددوا: {فَمَن يَعْمَلْ} منهم {مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} المرضية لنا المقبولة عندنا {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} موقن بتوحيدنا، مصدق لرسلنا وكتبنا {فَلاَ كُفْرَانَ} ولا تضييع منَّا {لِسَعْيِهِ} الذي سعى في طريقنا طلباً لمرضاتنا، بل {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] حافظون حارسون ما صدر عنه من الخيرات الموجبة للمثوبات، ورفع الدرجات، فنعطيه ما استحق له من الثواب بلا فوت شيء منها. {وَ} حفظنا وحراستنا {حَرَامٌ} ممنوع منَّا محرمٌ {عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ} أي: أهلها قهراً وغضباً منَّا إياهم بسبب {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] ولا يتوجهون إلينا، ولا يؤمنون بتوحيدنا ولا يصدقون بكتبنا ورسلنا، بل يكذبون وينكرون، وهكذا تتمادى حرمتنا ومنعنا أياهم إلى أن ظهرت أشراط الساعة ولاحت أمراتها. {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ} وفتقت {يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} سدهما الذي شدَّ بينهما وبين سائر الناس {وَهُمْ} بعد فتح السد، ورفع المانع من غاية عدوانهم مع الناس، وحرصهم على تخريب البلاد {مِّن كُلِّ حَدَبٍ} أي: تلال وجبال {يَنسِلُونَ} [الأنبياء: 96] يسرعون إلى الناس كالذباب الجوّع. {وَ} بعدما {ٱقْتَرَبَ} ودنا {ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} الموعود المحقق الذي هو فتح السد وخروجهما من أشراطه وعلامته، وقامت القيامة {فَإِذَا هِيَ} أي: الشأن والقصة حين أنها {شَاخِصَةٌ} حائرة مدهوشة مضطربة {أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في النشأة الأولى بالله، وكذبوا بهذا اليوم، فيقولون حينئذ متحسرين خائبين: {يٰوَيْلَنَا} وهلاكنا تعال فالآن وقت حلولك {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ} عظيمة {مِّنْ} مجيء {هَـٰذَا} اليوم في نشأتنا الأولى {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 97] خارجين عن مقتضى الحكم الإلهي، منكرين لهذا اليوم بعدما أخبره بوقوعه الرسلُ ونطلق به الكتب. ثم خاطب سبحانه الكافرين الذين أشركوا بالله مع أنه سبحانه لم ينزل عليه سلطاناً خطابا عاماً شاملاً للعابدين ومعبوداتهم فقال: {إِنَّكُمْ} أيها المشركون الجاهلون بقدر الله وعلو شأنه {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأضلال والتماثيل التي اتخذتموها آلهة، وادعيتم استحقاقها للعبادة والإطاعة أنتم وهم كلكم {حَصَبُ جَهَنَّمَ} أي: حطبها ووقودها {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98] ورودَ الأنعام للماء. {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً} كما زعمتم واعتقدتم {مَّا وَرَدُوهَا} لأنهم ينقذونكم منها ألبتة، ولا هم آلهةُ لكنهم يردون النار، جميعاً عابداً ومعبوداً، فظهر أنهم ما كانوا آلهةً، بل عبادُ أمثالكم {وَكُلٌّ} منكم ومنهم {فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 99] مخلدون معذبون دائماً. {لَهُمْ فِيهَا} أي: لأهل النار في النار {زَفِيرٌ} تنفيس شديد، وأنين طويلِ {وَهُمْ فِيهَا} من شدة الأهوال والأفزاع {لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنبياء: 100]. ثم لما نزلت هذه الآية اعترض ابن الزبعري بأن عزيراً وعيسى والملائكة من المعبودين، فهم أيضاً في النار، مع أنهم من الأنبياء والمَلَك، وهم محفوظون منها على زعمكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):