٢١ - ٱلْأَنْبِيَاء
21 - Al-Anbiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
91
Tafseer
الرازي
تفسير : (القصة العاشرة، قصة مريم عليها السلام) اعلم أن التقدير واذكر التي أحصنت فرجها، ثم فيه قولان: أحدهما: أنها أحصنت فرجها إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت: { أية : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } تفسير : [مريم: 20]. والثاني: من نفخة جبريل عليه السلام حيث منعته من جيب درعها قبل أن تعرفه والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ. وأما قوله: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } فلقائل أن يقول: نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه قال تعالى: { أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } تفسير : [الحجر: 29] أي أحييته وإذا ثبت ذلك كان قوله: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } ظاهر الإشكال لأنه يدل على إحياء مريم عليها السلام. والجواب من وجوه: أحدها: معناه فنفخنا الروح في عيسى فيها، أي أحييناه في جوفها كما يقول الزمار نفخت في بيت فلان أي في المزمار في بيته. وثانيها: فعلنا النفخ في مريم عليها السلام من جهة روحنا وهو جبريل عليه السلام لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها ثم بين تعالى بأخصر الكلام ما خص به مريم وعيسى عليهما السلام من الآيات فقال: {وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا ءَايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } أما مريم فآياتها كثيرة: أحدها: ظهور الحبل فيها لا من ذكر فصار ذلك آية ومعجزة خارجة عن العادة. وثانيها: أن رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة وهو قوله تعالى: {أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ }. وثالثها ورابعها: قال الحسن إنها لم تلتقم ثدياً يوماً قط وتكلمت هي أيضاً في صباها كما تكلم عيسى عليه السلام، وأما آيات عيسى عليه السلام فقد تقدم بيانها فبين سبحانه أنه جعلهما آية للناس يتدبرون فيما خصا به من الآيات ويستدلون به على قدرته وحكمته سبحانه وتعالى فإن قيل: هلا قيل آيتين كما قال: { أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ } تفسير : [الإسراء: 12] قلنا؛ لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. وهنا آخر القصص.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي واذكر مريم التي أحصنت فرجها. وإنما ذكرها وليست من الأنبياء ليتم ذكر عيسى عليه السلام؛ ولهذا قال: {وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} ولم يقل آيتين لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما وأمرهما وقصتهما آية للعالمين. وقال الزجاج؛ إن الآية فيهما واحدة؛ لأنها ولدته من غير فحل؛ وعلى مذهب سيبويه التقدير: وجعلناها آية للعالمين وجعلنا ابنها آية للعالمين ثم حذف. وعلى مذهب الفراء: وجعلناها آية للعالمين وابنها؛ مثل قوله جل ثناؤه: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62]. وقيل؛ إن من آياتها أنها أول امرأة قبلت في النذر في المتعبد. ومنها أن الله عز وجل غذاها برزق من عنده لم يجره على يد عبد من عبيده. وقيل: إنها لم تلقم ثدياً قط. «وَأَحْصَنَتْ» يعني عَفّت فامتنعت من الفاحشة. وقيل: إن المراد بالفرج فرج القميص؛ أي لم تعلق بثوبها ريبة؛ أي إنها طاهرة الأثواب. وفروج القميص أربعة: الكمان والأعلى والأسفل. قال السهيلي: فلا يذهبن وهمك إلى غير هذا؛ فإنه من لطيف الكناية لأن القرآن أنزه معنًى، وأوزن لفظاً، وألطف إشارة، وأحسن عبارة من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل، لاسيما والنفخ من روح القدس بأمر القدوس، فأضف القدس إلى القدوس، ونزِّه المقدسة المطهرة عن الظن الكاذب والحدس. {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} يعني أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها، فأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها. وقد مضى هذا في «النساء» و«مريم» فلا معنى للإعادة. {آيَةً} أي علامة وأعجوبة للخلق، وعلما لنبوة عيسى، ودلالة على نفوذ قدرتنا فيما نشاء.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } من الحلال والحرام يعني مريم. {فَنَفَخْنَا فِيهَا } أي عيسى عليه الصلاة والسلام فيها أي أحييناه في جوفها، وقيل فعلنا النفخ فيها. {مِن رُّوحِنَا } من الروح الذي هو بأمرنا وحده أو من جهة روحنا يعني جبريل عليه الصلاة والسلام. {وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا } أي قصتهما أو حالهما ولذلك وحد قوله: {ءَايَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} فإن من تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الصانع تعالى.
ابن كثير
تفسير : هكذا يذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام مقرونة بقصة زكريا وابنه يحيى عليهما السلام، فيذكر أولاً قصة زكريا ثم يتبعها بقصة مريم، لأن تلك مربوطة بهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طعن في السن، ومن امرأة عجوز عاقر لم تكن تلد في حال شبابها، ثم يذكر قصة مريم وهي أعجب فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر، هكذا وقع في سورة آل عمران وفي سورة مريم، وههنا ذكر قصة زكريا ثم أتبعها بقصة مريم بقوله: {وَٱلَّتِىۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} يعني مريم عليها السلام، كما قال في سورة التحريم: {وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتِىۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا}. وقوله {وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ} أي دلالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه يخلق ما يشاء، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وهذا كقوله: {وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن شبيب يعني ابن بشر، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {لِلْعَـٰلَمِينَ} قال: العالمين: الجن والإنس.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر مريم {َ ٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } حفظته من أن ينال {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } أي جبريل حيث نفخ في جيب درعها فحملت بعيسى {وَجَعَلْنَٰهَا وَٱبْنَهَا ءَايَةً لّلْعَٰلَمِينَ } الإِنس والجنّ والملائكة حيث ولدته من غير فحل.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} فيه وجهان: أحدها: عفّت فامتنعت عن الفاحشة. والثاني: أن المراد بالفَرْج فَرْجُ درعها منعت منه جبريل قبل أن تعلم أنه رسول. {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} أي أجرينا فيها روح المسيح كما يجري الهواء بالنفخ، فأضاف الروح إليه تشريفاً له، وقيل بل أمر جبريل فحلّ جيب ردعها بأصابعه ثم نفخ فيه فحملت من وقتها. {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ} لأنها حملت من غير مسيس، ووُلد عيسى من غير ذَكَرٍ، مع كلامه في المهد، ثم شهادته ببراءتها من الفاحشة، فكانت هذه هي الآية، قال الضحاك: ولدته في يوم عاشوراء.
ابن عطية
تفسير : المعنى واذكر {التي أحصنت} وهي مريم بنت عمران أم عيسى، و"الفرج" فيما قال الجمهور وهو ظاهر القرآن الجارحة المعروفة وفي إحصانها هو المدح، وقالت فرقة الفرج هنا هو فرج ثوبها الذي منه نفخ الملك وهو ضعيف، وأما نفخ الولد فيها فقال كثير من العلماء إنما نفخ في جيب درعها وأخاف الروح إضافة الملك إلى المالك، {وابنها} هو عيسى ابن مريم عليه السلام، وأراد تعالى أَنه جعل مجموع قصة عيسى وقصة مريم من أولها إلى آخرها {آية} لمن اعتبر ذلك، و {للعالمين} يريد لمن عاصره فيما بعد ذلك، وقوله تعالى: {إن هذه أمتكم} يحتمل الكلام أن يكون منقطعاً خطاباً لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر عن الناس أنهم تقطعوا ثم وعد وأوعد، ويحتمل أن يكون متصلاً أي جعلنا مريم {وابنها آية للعالمين} بأن بعث لهم بملة وكتاب وقيل لهم {إن هذه أمتكم} أي دعي الجميع إلى الإيمان بالله تعالى وعبادته، ثم أخبر تعالى أَنهم بعد ذلك اختلفوا وتقطعوا أمرهم ثم فرق بين المحسن والمسيء فذكر المحسن بالوعد أي {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} فهو بنعيمه مجازى وذكر المسيء في قوله، {حرام} إلى آخر الآية فتأمل الوعيد فيها على كل قول تذكرة فإنه بين، و"الكفران" مصدر كالكفر ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : رأيت أناساً لا تنام جدودُهم وجدي ولا كفران لله نائم تفسير : واختلف القراء في قوله تعالى {وحرام}، فقرأ عكرمة وغيره "وحَرِم" بفتح الحاء وكسر الراء، وقرأ جمهور السبعة و"حرام" وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، و"حِرْم" بكسر الحاء وسكون الراء، وقرا ابن العباس بخلاف عنه "وحَرْم" بفتح وسكون الراء، وقرأت فرقة "وحَرّم" بفتح الحاء وشد الراء، وقرأت فرقة "وحُرِّم" بضم الحاء وكسر الراء وشدها، وقرأ قتادة ومطر الوراق "وحَرُم" بفتح الحاء وضم الراء، والمستفيض من هذه القراءات قراءة من قرأ و"حرم" وقراءة من قرأ و"حرام" وهما مصدران بمعنى نحو الحل والحلال، فأما معنى الآية فقالت فرقة "حرام وحرم" معناه جزم وحتم فالمعنى وحتم {على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون بل هو صائرون إلى العقاب، وقال بعض هذه الفرقة الإهلاك هو بالطبع على القلوب ونحوه والرجوع هو إلى التوبة والإيمان، وقالت فرقة المعنى {وحرام} أي ممتنع، و"حرم" كذلك، {على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} وقالوا {لا} زائدة في الكلام واختلفوا في الإهلاك والرجوع بحسب القولين المذكورين، قال أبو علي يحتمل أن يرتفع "حرامُ" بالابتداء والخبر رجوعهم و {لا} زائدة، ويحتمل أن يرتفع "حرام" على خبر الابتداء كأنه قال والإقالة والتوبة "حرام" ثم يكون التقدير "بأنهم لا يرجعون" فتكون {لا} على بابها كأنه قال هذا عليهم ممتنع بسبب كذا فالتحريم في الآية بالجملة ليس كتحريم الشرع الذي إن شاء المنهي ركبه. قال القاضي أبو محمد: ويتجه في الآية معنى ضمنه وعيد بيّن وذلك أنه ذكر من عمل صالحاً وهو مؤمن ثم عاد إلى ذكر الكفرة الذين من كفرهم ومعتقدهم أنهم لا يحشرون إلى رب ولا يرجعون إلى معاد فهم يظنون بذلك أنه لا عقاب ينالهم فجاءت الآية مكذبة لظن هؤلاء أي وممتنع على الكفرة المهلكين أن لا يرجعون بل هم راجعون إلى عقاب الله وأليم عذابه فتكون {لا} على بابها والحرام على بابه وكذلك الحرم فتأمله.
ابن عبد السلام
تفسير : {أحْصَنَتْ فَرْجَهَا} بالعفاف من الفاحشة، أو جيب درعها منعت منه جبريل ـ عليه السلام ـ قبل أن تعلم أنه رسول الله {مِن رُّوحِنَا} أجرينا فيها روح المسيح ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما يجري الهواء بالنفخ، أو أمر جبريل ـ عليه السلام ـ فمد جيب درعها بإصبعه ثم نفخ فيه فحبلت من وقتها وولدته يوم عاشوراء {ءَايَةً} خلقه من غير ذكر، وكلامه ببراءتها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} الآية. يجوز أن ينتصب قوله: "وَالَّتِي" نسقاً على ما قبلها، وأن ينتصب بإضمار اذكر، وأن يرتفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: وفيما يتلى عليكم التي أحصنت. ويجوز أن يكون الخبر "فَنَفَخْنَا" وزيدت الفاء على رأي الأخفش نحو زيد فقائم. وفي كلام الزمخشري: نفخنا الروح في عيسى فيها. قال أبو حيان مؤاخذاً له: فاستعمل "نفخ" متعدياً والمحفوظ أنه لا يتعدى فيحتاج في تعديه إلى سماع، وغير متعد استعمله هو في قوله؛ أي: نفخت في المزمار. انتهى ما آخذه به. قال شهاب الدين: وقد سمع "نفخ" متعدياً، ويدل على ذلك ما قرىء في الشاذ "فانفخها فَيَكُونُ طَائِراً"، وقد حكاها هو قراءة، فكيف ينكرها. فعليك بالالتفات إلى ذلك. وقال ابن الخطيب: جعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل - عليه السلام - لأنه نفخ في جيب درعها، فوصل النفخ إلى جوفها أي: أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها، وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها وأضاف الروح إليه تشريفاً لعيسى (- عليه السلام -). ومعنى "أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا" أي: إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت: {أية : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} تفسير : [مريم: 20]. وقيل: منعت جبريل جيب درعها قبل أن تعرفه. والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ. قوله: {وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلعَالَمِينَ} أما مريم فآياتها كثيرة: إحداها: ظهور الحبل فيها لا من ذكر، وذلك معجزة خارجة عن العادة. وثانيها: أنَّ رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة لقول زكريا: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 37]. وثالثها: ورابعها: قال الحسن: أنها لم تلتقم ثدياً قط، وتكلمت هي أيضاً في صباها كما تكلم عيسى. وأما آيات عيسى - عليه السلام - فقد تقدم بيانها فإن قيل: هلا قيل آيتين كما قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ} تفسير : [الإسراء: 12] ليطابق المفعول؟ فالجواب: أنَّ كلاًّ منهما آية بالآخر فصارا آية واحدة، لأنّ حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. أو تقول: حذف من الأول لدلالة الثاني، أو بالعكس أي: وجعلنا ابن مريم آية وأمه كذلك، وهو نظير الحذف في قوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62] وقد تقدم. أو أنّ معنى الكلام: جعلنا شأنهما وأمرهما آية.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كتب قيصر إلى معاوية: سلام عليك، أما بعد... فأنبئني بأكرم عباد الله عليه وأكرم إمائه عليه. فكتب إليه: أما بعد... كتبت إلي تسألني فقلت: أمّا أكرم عباده عليه فآدم، خلقه بيده وعلّمه الأسماء كلها. وأمّا أكرم إمائه عليه فمريم بنت عمران {التي أحصنت فرجها}. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {فنفخنا فيها من روحنا} قال: نفخ في جيبها. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: نفخ في فرجها.
القشيري
تفسير : يعني مريم، وقد نَفَى عنها سِمَةَ الفحشاء وهجنة الذم. ويقال فنفخنا فيها من روحنا، وكان النفخُ من جبريل عليه السلام، ولكن لمَّا كان بأمره - سبحانه - صحَّتْ الإضافةُ إليه، وفي هذا دليل على تأويل خبر النزول، فإنه يكون بإنزال مَلَكٍ فتَصِحُّ الإضافة إلى الله إذ كان بأمره... وإضافة الروح إلى نفسه على جهة التخصيص، كقوله (ناقة الله، وبيتي)... ونحو ذلك: {وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}: ولم يقل آيتين لأن أمرهما كان معجزة ودلالة، ويصح أن يراد أنَّ كلَّ واحدٍ منهما آيةٌ - على طريقة العرب في أمثال هذا. وفيه نفي لتهمة مَنْ قال إنها حبلت من الله.... تعالى الله عن قولهم! قوله: {آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}: وإن لم يهتد بهما جميعُ الناس... لكنهما كانا آيةً. ومَنْ نَظَرَ في أمرهما، ووضَعَ النظرَ مَوضِعَه لاهتدى، وإذا أعرض ولم ينظر فالآية لا تخرج عن كونها حُجَّةً ودلالةً بتقصير المُقَصِّر في بابها.
اسماعيل حقي
تفسير : {والتى احصنت فرجها} المراد بها مريم بنت عمران. والحصن فى الاصل كل موضع حصين اى محكم لا يوصل الى جوفه واحصنه جعله فى حصن وحرز ثم تجوز فى كل تحرز وامرأة حصان كسحاب عفيفة او متزوجة والفرج والفرجة الشق بين الشيئين كفرجة الحائط والفرج ما بين الرجلين وكنى به عن السوءة وكثر حتى صار كالصريح فيه والفرج انكشاف الغم وفراريج الدجاج لانفراج البيض عنها. اى اذكر خبر مريم التى حفظت سوأتها حفظا كليا من الحلال والحرام [يعنى خودرا يا كيزه داشت ودست هيجكس بدامن عفت او نرسيد]. وقال الامام السهيلى رحمه الله يريد فرج القميص اى لم يعلق بثوبها ريبة اى انها طاهرة الاثواب وفروج القميص اربعة الكمان والاعلى والاسفل فلا يذهب وهمك الى غير هذا فانه من لطيف الكناية انتهى {فنفخنا فيه} اى احيينا عيسى كائنا فى جوفها فقوله فيها حال من المفعول المحذوف {من روحنا} من الروح الذى هو من امرنا ففيه تشبيه لا يراد الروح فى البدن بنفخة النافخ فى الشئ فيكون نفخنا استعارة تبعية. وقال السهيلى النفخ من روح القدس بامر القدوس فاضف القدس الى القدوس ونزه المقدسة عن الظن الكاذب والحدس انتهى وقد سبقت قصة النفخ فى سورة مريم {وجعلناها وابنها} اى حالهما {آية} عظيمة {للعالمين} وعلامة دالة على القدرة الكاملة لاهل زمانهما ولمن بعدهما فان من تأمل فى ظهور ولد من بتول عذراء من غير فحل تحقق كمال قدرته تعالى ولم يقل آيتين لانها قصة واحدة وهى ولادتها له من غير ذكر ولكل واحد منهما آيات مستقلة متكاثرة كما اشير الى بعض منها فى القرآن والى بعض آخر فى التفاسير وكتب القصص: وفى المثنوى شعر : صومعه عيسيست خوان اهل دل هان هان اى مبتلا اين درمهل جمع كشتندى زهر اطراف خلق ازضرير وشل ولنك واهل دلق بر درآن صومعه عيسى صباح تابدم اوشان رهاند ازجناح اوجوكشتى فارغ از اوراد خويش جاشتكه بيرون شدى آن خوب كيش جوق جوقى مبتلا ديدى نزار شسته بردر براميد وانتظار كفتنى اى اصحاب آفت ازخدا حاجت ومقصود جمله شد روا بى توقف جمله شادان درامان ازدعاى اوشدندى بادوان ازدر دل واهل دل آب حيات جند نوشيدى وواشد جشمهات آزمودى توبسى آفات خويش يا فتى صحت ازين شاهان كيش بازاين دررا رها كردى زحرص كرد هردكان همى كردى زحرص بردر آن منعمان جرب ديك ميدوى بهر ثريد مرده ريك جربش اينجا دانكه جان فربه شود كار نا اميد اينجا به شود تفسير : ومن عجائب عيسى عليه السلام ان امه ذهبت به الى صباغ وقالت له خذ هذا الغلام وعلمه شيئا من صنعتك فاخذه منها وقال ما اسمك يا غلام فقال عيسى بن مريم فقال له يا عيسى خذ هذه الجرة واملأ هذه النقائر من هذا النهر ففعل فاعطاه الصباغ الثياب وقال له ضع كل لون مع ثيابه فى نقير ثم تركه وانصرف الى منزله فاخذ عيسى الثياب جميعا ووضعها فى نقير واحد ووضع عليها الاصباغ جملة واحدة وانصرف الى امه ثم عاد من الغد وجاء الصباغ فرأى الثياب والاصباغ كلها فى نقير واحد فغضب وقال اتلفتنى واتلفت ثياب الناس فقال له عيسى ما دينك قال يهودى فقال له قل لا اله الا الله وانى عيسى روح الله ثم ادخل يدك فى هذا النقير واخرج كل ثوب على اللون الذى يريده صاحبه فهداه الله تعالى ففعل فكان الامر كما قال عيسى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {التي أحصنت فرْجَها} على الإطلاق من الحلال والحرام، والتعبير عنها بالموصول؛ لتفخيم شأنها، وتنزيهها عما زعموه في حقها. {فنفخنا فيها من رُّوحِنَا} أي: أجرينا روح عيسى فيه وهو في بطنها، أو نفخنا في درع جيبها من ناحية روحنا، وهو جبريل عليه السلام، فأحدثنا بذلك النفخ عيسى عليه السلام، وإضافة الروح إليه تعالى؛ لتشريف عيسى عليه السلام، {وجعلناها وابنها} أي قضيتهما، أو حالهما، {آية للعالمين}، فإن من تأمل حالهما تحقق بكمال قدرته تعالى. وإنما لم يقل آيتين، كما قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} تفسير : [الإسرَاء: 12]؛ لأن مجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. وقيل: التقدير: وجعلناها آية وابنها كذلك، فآيةٌ مفعول المعطوف عليه، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: مَنْ حَصَّلَ التقوى في صغره، كان آية في كِبَرِهِ. تقول العامة: الثور الحراث في الربك يبان، وتقول الصوفية: البداية مجلاة النهاية. وقالت الحكماء: الصغر يخدم على الكبر. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر اتفاقهم في التوحيد
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا حفصاً عن عاصم "وحرم" بكسر الحاء بلا الف. الباقون بفتح الحاء. وإثبات الالف، وهما بمعنى واحد. يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) واذكر ايضاً {التي أحصنت فرجها} يعني مريم بنت عمران. والاحصان إحراز الشيء من الفساد، فمريم أحصنت فرجها بمنعه من الفساد فأثنى الله عليها، ورزقها ولداً عظيم الشأن، لا كالأولاد المخلوقين من النطفة. وجعله نبياً. وقوله {فنفخنا فيها من روحنا} معناه أجرينا فيها روح المسيح، كما يجري الهواء بالنفخ، وأضاف الروح الى نفسه، على وجه الملك تشريفاً له في الاختصاص بالذكر. وقيل: إن الله تعالى أمر جبرائيل بنفخ الروح في فرجها، وخلق المسيح في رحمها. وقوله {وجعلناها وابنها آية للعالمين} معناه إنا جعلنا مريم وابنها عيسى آية للعالمين. وانما قال {آية} ولم يثن، لأنه في موضع دلالة لهما، فلا يحتاج أن يثنى. والآية فيهما أنها جاءت به من غير فحل، فتكلم فى المهد بما يوجب براءة ساحتها من العيب، وفي ذلك دليل واضح على سعة مقدوراته تعالى، وأنه يتصرف كيف شاء. وقوله {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} قال ابن عباس ومجاهد والحسن: معناه دينكم دين واحد. واصل الأمة الجماعة التي على مقصد واحد، فجعلت الشريعة أمة، لاجتماعهم بها على مقصد واحد. وقيل: معناه جماعة واحدة في أنها مخلوقة مملوكة لله. ونصب {أمة} على الحال، ويسميه الكوفيون قطعاً. ثم قال {وأنا ربكم} الذي خلقكم {فاعبدوني} ولا تشركوا بي احداً. وقوله {وتقطعوا أمرهم بينهم} معناه اختلفوا فى الدين بما لا يسوغ، ولا يجوز - فى قول ابن زيد - ثم قال مهدداً لهم {كل الينا راجعون} أي الى حكمنا، في الوقت الذي لا يقدر على الحكم فيه سوانا، كما يقال: رجع أمرهم الى القاضي أي الى حكمه. وقوله {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} قيل: الصالحات - ها هنا - صلة الرحم، ومعونة الضعيف، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، والكف عن الظلم، ونحو ذلك من اعمال الخير، وانما شرط الايمان، لأن هذه الأشياء لو فعلها الكافر لم ينتفع بها عند الله. وقوله {فلا كفران لسعيه} معناه لا جحود لاحسانه في عمله، وهو مصدر كفر كفراً وكفراناً، قال الشاعر: شعر : من الناس ناس لا تنام خدودهم وخدي ولا كفران لله نائم تفسير : وقوله {وإنا له كاتبون} أي ملائكتنا يثبتون ذلك ويكتبونه، فلا يضيع له لديه شيء. وقوله {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} قيل: (لا) صلة، والمعنى: حرام رجوعهم. وقيل {أنهم لا يرجعون} أي حال قبول التوبة. وقال قوم: حرام على قرية أهلكناها، لانهم لا يرجعون. وقال الزجاج: المعنى وحرام على قرية أهلكناها أن نتقبل منهم عملا لأنهم لا يرجعون، أي لا يتوبون أبداً. وحرم وحرام لغتان مثل حل وحلال. وقيل: في معنى {وحرام على قرية} معناه واجب عليهم ألا يرجعون الى تلك القرية أبداً. وقال الجبائي: معناه وحرام على قرية أهلكناها عقوبة لهم ان يرجعوا الى دار الدنيا.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} عطف او بتقدير فعل كسوابقه وهى مريم (ع) كانت حفظت نفسها من ان ينظر الى عوراتها ومن ان يتصرّف فيها بالحلال او الحرام {فَنَفَخْنَا فِيهَا} اى فى الّتى احصنت فرجها بان نفخ رسولنا الّذى هو بمنزلة انفسنا فى جيب مدرعتها كما فى الخبر بعضاً {مِن رُّوحِنَا} الّتى هى ربّ نوع الانسان واضافتها الى نفسه تعالى لتشريفها او منفوخاً ناشئاً من روحنا {وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً} دالّة على علمنا وقدرتنا وحكمتنا بان حملت من غير فحلٍ ومن دون زوال بكارتها وتكامل الجنين فى رحمها فى ساعةٍ واحدةٍ مثل كمال الجنين فى تسعة اشهر، وتكلّم ابنها وشهادته على طهارة امّه وعدم تولّده من السّفاح فى اوّل تولّده وشهادته على نبوّته فى ذلك الزّمان {لِّلْعَالَمِينَ} لعدم حاجتها الى عقل او تذكّر او تأمّل ونظر او تسليم وانقياد او تطهير او لبٍّ او اعتبار.
اطفيش
تفسير : {وَالَّتِى أَحْصَنَتْ} حفظت {فَرْجَهَا} عن الحرام والحلال، وهى مريم. والعطف على المنصوب، أو التي مفعول به لمحذوف، أى واذكر. وذلك مدح وتمهيد لولادة عيسى - عليه السلام - من غير أب. وزعم بعض أن الفرج هنا هو فرج ثوبها، وأنه مذهب الجمهور. {فَنَفَخْنَا فِيهَا} متعلق بنفخنا، فإن النفخ واقع فيها، فصار منه عيسى، أو بمحذوف حال من محذوف، أى نفخنا فى عيسى، وهو فيها. وهذا بناء على أن عيسى كان شيئًا فيها قبل النفخ، مثل النطفة المجتمعة منها. ويجوز تعليق فيها بنفخنا على تقدير: فى عيسى. ونحو ذلك أن يقول الزمار: نفخت فى بيت فلان، أى نفخت فى المزمار فى بيته. {مِنْ رُوحِنَا} أى من الروح الذى هو ملك ومخلوق لنا، أى ألقينا فيها الروح بلا واسطة، أو المعنى: أمرنا جبريل بالنفخ فيها، أن ينفخ من الروح الذى هو ملكنا ومخلوقنا، فأسند النفخ إلى نفسه؛ لأنه الآمر به، والقاضى به، أو المراد بالروح: جبريل، أى نفخنا فيها، من جهة جبريل، أى بواسطته. والإضافة على كل للتشريف. {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} الإنس والجن والملائكة، إذ ولدته من غير فحل، ولم يقل: آيتين؛ لأن الآية واحدة، وهى قصتهما التى هى ولادته من غير فحل، فيقدر مضاف، أى جعلنا قصتها وقصة ابنها. وإن قلت: فقد قدرت قصتين، فهل قيل: آيتين؟ قلت: هما قصة واحدة. وإنما قدرت القصة الثانية؛ لئلا يقع العطف على المتصل المجرور بلا إعادة الجار. وهذا كما تقول: بينى وبين بكر.
اطفيش
تفسير : {والَّتى} واذكر مريم التى، أو مما يتلى عليكم مريم التى أى شأنها لا مبتدأ خبرها {نفخنا} لأن فيه زيادة الفاء من غير أن يتضمن المبتدأ معنى الشرط، وجواز ذلك ضعيف {أحصنت فَرْجها} عن الزنى وعن التزوج، وفى شرع قومها جواز التبتل للرجال والنساء، وحزم فى شرعنا إلا من يجد أو لم يحتج، وادعى بعض أن الفرج جيب قميصها إذا جاء جبريل للنفخ فيه ولم تعرفه فمنعته، وفى هذا مزيد مدح لها {فنفخنا فيها} أمرنا جبريل بالنفخ فيها نفسها فى بطنها كريح الفم، لكن من جيب القميص، فوصل النفخ منه الفرج وذلك نفخ فى الفرج تحقيقا. {مِنْ روحِنا} هو الروح المعروف فى الكلام والإضافة إضافة ملك المالك، ومن للتبعيض أى بعض روحنا فى تعدى النفخ للتضمن معنى الإلقاء، كما تقول لفظت النواة أو للابتداء، وقيل لا نفخ حقيقا هناك، بل المراد الإحياء فيحتاج الى أن عيسى في بطنها كلحمة وضعها الله فيه، أو نطفة منها فأحياه الله، وقيل الروح جبريل فمن للابتداء {وجَعَلناها وابنها آية للعالمين} دليلها على كمال قدرتنا، إذ تولد منها بلا أب أو جنس أيات كل منهما، أو يقدر وجعلناها آية وابنها آية، ولا دليل فى ذكرها مع الأنبياء على أنها نبية، وإنما ذكرت لأجل أبنها، وذكرا عند زكريا وزوجه وابنهما يحيى، للقرابة بينهم عليهم السلام.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} نصب نصب نظائره السابقة، وقيل رفع على الابتداء والخبر محذوف أي مما يتلى عليكم أو هو قوله تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} والفاء زائدة عند من يجيزه، والمراد بالموصول مريم عليها السلام، والإحصان بمعناه اللغوي وهو المنع مطلقاً، والفرج في الأصل الشق بين الشيئين كالفرجة وما بين الرجلين ويكنى به عن السوأة وكثر حتى صار كالصريح في ذلك وهو المراد به هنا عند جماعة أي منعت فرجها من النكاح بقسميه كما قالت { أية : وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } تفسير : [مريم: 20] وكان التبتل إذ ذاك مشروعاً للنساء والرجال، وقيل الفرج هنا جيب قميصها منعته من جبريل عليه السلام لما قرب منها لينفخ حيث لم تعرفه. وعبر عنها بما ذكر لتفخيم شأنها وتنزيهها عما زعموه في حقها، والمراد من الروح معناه المعروف، والإضافة إلى ضميره تعالى للتشريف، ونفخ الروح عبارة عن الإحياء وليس هناك نفخ حقيقة. ثم هذا الإحياء لعيسى عليه السلام وهو لكونه في بطنها صح أن يقال: نفخنا فيها فإن ما يكون فيما في الشيء يكون فيه فلا يلزم أن يكون المعنى أحييناها وليس بمراد، وهذا كما يقول الزمار. نفخت في بيت فلان وهو قد نفخ في المزمار في بيته، وقال أبو حيان: الكلام على تقدير مضاف أي فنفخنا في ابنها. ويجوز أن يكون المراد من الروح جبريل عليه السلام كما قيل في قوله تعالى: { أية : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } تفسير : [مريم: 17] و(من) ابتدائية وهناك نفخ حقيقة وإسناده إليه تعالى مجاز أي فنفخنا فيها من جهة روحنا، وكان جبريل عليه السلام قد نفخ من جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها فصح أن النفخ فيها من غير غبار يحتاج إلى النفخ، ثم النفخ لازم وقد يتعدى فيقال نفخنا الروح. وقد جاء ذلك في بعض الشواذ ونص عليه بعض الأجلة فإنكاره من عدم الاطلاع. {وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَا} أي جعلنا قصتهما أو حالهما {آيَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} فإن من تأمل حالتهما تحقق كمال قدرته عز وجل، فالمراد بالآية ما حصل بهما من الآية التامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما، وقيل أريد بالآية الجنس الشامل ما لكل واحد منهما من الآيات المستقلة، وقيل: المعنى وجعلناها آية وابنها آية فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها. / واستدل بذكر مريم عليها السلام مع الأنبياء في هذه السورة على أنها كانت نبية إذ قرنت معهم في الذكر. وفيه أنه لا يلزم من ذكرها معهم كونها منهم ولعلها إنما ذكرت لأجل عيسى عليه السلام، وناسب ذكرهما هنا قصة زكريا وزوجه وابنهما يحيـى للقرابة التي بينهم عليهم السلام.
ابن عاشور
تفسير : لما انتهى التنويه بفضل رجال من الأنبياء أعقب بالثناء على امرأة نبيئة إشارة إلى أن أسباب الفضل غير محجورة، كما قال الله تعالى: {أية : إن المسلمين والمسلمات}تفسير : [الأحزاب: 35] الآية. هذه هي مريم ابنة عمران. وعبر عنها بالموصول دلالة على أنها قد اشتهرت بمضمون الصلة كما هو شأن طريق الموصولية غالباً، وأيضاً لما في الصلة من معنى تسفيه اليهود الذين تقوّلوا عنها إفكاً وزُوراً، وليبنى على تلك الصلة ما تفرع عليها من قوله تعالى: {فنفخنا فيها من روحنا} الذي هو في حكم الصلة أيضاً، فكأنه قيل: والتي نفخنا فيها من روحنا، لأن كلا الأمرين مُوجب ثناء. وقد أراد الله إكرامها بأن تكون مظهر عظيمِ قدرته في مخالفة السنة البشرية لحصول حَمل أنثى دون قربان ذكر، ليرى الناس مثالاً من التكوين الأوّل كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}تفسير : [آل عمران: 59]. والنفخ، حقيقته: إخراج هواء الفم بتضييق الشفتين. وأطلق هنا تمثيلاً لإلقاء روح التكوين للنسل في رحم المرأة دفعة واحدة بدون الوسائل المعتادة تشبيهاً لِهيئة التكوين السريع بهيئة النفخ. وقد قيل: إن الملَك نفخَ مما هو لَه كالفم. والظرفية المفادة بــــ (في) كونُ مريم ظرفاً لحلول الروح المنفوخ فيها إذ كانت وعاءه، ولذلك قيل {فيها} ولم يقل (فيه) للإشارة إلى أن الحمل الذي كُوّن في رحمها حمل من غير الطريق المعتاد، كأنه قيل: فنفخنا في بطنها. وذلك أعرق في مخالفة العادة لأن خرق العادة تقوى دلالته بمقدار ما يضمحل فيه من الوسائل المعتادة. والروح: هو القوة التي بها الحياة، قال تعالى: {أية : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي}تفسير : [الحجر: 29]، أي جعلت في آدم روحاً فصار حَياً. وحَرف (مِن) تبعيضي، والمنفوخ رُوح لأنه جعل بعض روح الله، أي بعض جنس الروح الذي به يجعل الله الأجسام ذات حياة. وإضافة الروح إلى الله إضافة تشريف لأنه روح مبعوث من لدن الله تعالى بدون وساطة التطورات الحيوانية للتكوين النسلي. وجعلها وابنها آية هو من أسباب تشريفهما والتنويه بهما إذ جعلهما الله وسيلة لليقين بقدرته ومعجزات أنبيائه كما قال في [سورة المؤمنين: 50] {أية : وجعلنا ابن مريم وأمه آية}. تفسير : وبهذا الاعتبار حصل تشريف بعض المخلوقات فأقسم الله بها نحو: {أية : والليل إذا يغشى}تفسير : [الليل: 1]، {أية : والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها}تفسير : [الشمس: 1ــــ2]. وإفراد الآية لأنه أريد بها الجنس. وحيث كان المذكور ذاتين فأخبر عنهما بأنهما آية عُلِم أن كل واحد آيةٌ خاصة. ومن لطائف هذا الإفراد أن بين مريم وابنها حالة مشتركة هي آية واحدة، ثم في كل منهما آية أخرى مستقلة باختلاف حال الناظر المتأمل.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 91- واذكر مع هؤلاء قصة مريم التى صانت فرجها، فألقينا فيها سِرَّا من أسرارنا، وجعلناها تحمل دون زوج، وجعلنا ابنها دون أب، فكانت هى وابنها دليلا ظاهراً على قدرتنا فى تغيير الأسباب والمسببات، وإننا قادرون على كل شئ. 92- إن هذه الملّة - التى هى الإسلام - هى ملّتكم الصحيحة التى يجب أن تحافظوا عليها، حال كونها ملة واحدة متجانسة لا تنافر بين أحكامها، فلا تتفرقوا فيها شيعاً وأحزاباً، وأنا خالقكم ومالك أمركم، فأخلصوا لى العبادة ولا تشركوا معى غيرى. 93- ومع هذا الإرشاد، تفرّق أكثر الناس بحسب شهواتهم، جاعلين أمر دينهم قِطَعاً، فصاروا به فِرقاً مختلفة، وكل فريق منهم راجع إلينا يحاسب على أعماله. 94- فمن يعمل عمله من الأعمال الصالحة وهو يؤمن بالله وبدينه الذى ارتضاه فلا نقص لشئ من سعيه، بل سيوفَّى جزاءه كاملا، وإنا لهذا السعى كاتبون، فلا يضيع شئ منه. 95- وممتنع على أهل كل قرية أهلكناهم بسبب ظلمهم أنهم لا يرجعون إلينا يوم القيامة، بل لابد من رجوعهم وحسابهم على سوء أعمالهم. 96- حتى إذا فتحت أبواب الشر والفساد، وأخذ أبناء يأجوج ومأجوج يسرعون خفافاً من كل مرتفع فى الجبال والطرق بعوامل الفوضى والقلق. 97- واقترب الموعود به الذى لابد من تحققه وهو يوم القيامة، فيفاجأ الذين كفروا بأبصارهم لا تغمض أبداً من شدة الهول، فيصيحون قائلين: يا خوفنا من هلاكنا، ويا حسرتنا على ما قدمنا، قد كنا فى غفلة من هذا اليوم، بل كنا ظالمين لأنفسنا بالكفر والعناد.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَجَعَلْنَاهَا} {آيَةً} {لِّلْعَالَمِينَ} (91) - يَذْكُرُ تعالى قِصَّةَ مَرْيَمَ عَليها السَّلامُ، ويَصِفُها بِالعِفَّةِ والطَّهَارَةِ وإحْصَانِ النَّفْسِ، فَنَفَخَ اللهُ فِيها مِنْ رُوحِهِ، فَحَمَلَتْ بابْنِها عِيسَى، وقد جَعَلَها اللهُ وابْنَها عِيسَى عَليهِما السَّلامُ، دَلاَلةً مِنَ اللهِ عَلى أنَّهُ وَاحِدٌ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وأَنَّه يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وأنَّ أَمْرَهُ يَصْدُرُ مَرَّةً واحِدَةً، لا يَتَكَرَّرُ فَيَكُونُ ما أَرَادَ في لَمْحَةِ بَصَرٍ. أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا - حَفِظَتْهُ. مِنْ رُوحِنَا - مِنْ جِهَةِ رُوحِنَا! والرُّوحُ جِبْرِيلُ عليهِ السَّلامُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولك أن تسأل: لماذا يأتي ذِكْر السيدة مريم ضمن مواكب النبوة؟ نقول: لأن النبوة اصطفاء الله لنبي من دون خَلْق الله، وكوْنه يصطفي مريم من دون نساء العالمين لتلد بدون ذكورة، فهذا نوع من الاصطفاء، وهو اصطفاء خاص بمريم وحدها من بين نساء العالمين؛ لأن اصطفاء الأنبياء تكرَّر، أمّا اصطفاء مريم لهذه المسألة فلم يتكرر في غيرها أبداً. وقوله تعالى: {وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ..} [الأنبياء: 91] يعني: عَفَّتْ وحفظتْ فَرْجها، فلم تمكِّن منها أحداً. ومعنى: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا ..} [الأنبياء: 91] يعني: مسألة خاصة به، خارجة على قانون الطبيعة، فليس في الأمر ذكورة أو انتقاء، إنما النفخة التي نفخها الله في آدم، فجاءت منها كل هذه الأرواح، هي التي نفخها في مريم، فجاءت منها روح واحدة. فالروح هي نفسها التي قال الله فيها: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ..} تفسير : [الحجر: 29]. ثم يقول تعالى: {وَجَعَلْنَاهَا وَٱبْنَهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 91] يعني: شيئاً عجيباً في الكون، والعجيبة فيها أن تلدَ بدون ذكورة، والعجيبة فيه أن يُولَد بلا أب، فكلاهما آية لله ومعجزة. ثم يقول الحق سبحانه بعد سَرْد لقطات من موكب الأنبياء: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: واذكر مريم، عليها السلام، مثنيا عليها مبينا لقدرها، شاهرا لشرفها فقال: { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } أي: حفظته من الحرام وقربانه، بل ومن الحلال، فلم تتزوج لاشتغالها بالعبادة، واستغراق وقتها بالخدمة لربها. وحين جاءها جبريل في صورة بشر سوي تام الخلق والحسن {أية : قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } تفسير : فجازاها الله من جنس عملها، ورزقها ولدا من غير أب، بل نفخ فيها جبريل عليه السلام، فحملت بإذن الله. { وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ } حيث حملت به، ووضعته من دون مسيس أحد، وحيث تكلم في المهد، وبرأها مما ظن بها المتهمون وأخبر عن نفسه في تلك الحالة، وأجرى الله على يديه من الخوارق والمعجزات ما هو معلوم، فكانت وابنها آية للعالمين، يتحدث بها جيلا بعد جيل، ويعتبر بها المعتبرون. ولما ذكر الأنبياء عليهم السلام، قال مخاطبا للناس: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي: هؤلاء الرسل المذكورون هم أمتكم وأئمتكم الذين بهم تأتمون، وبهديهم تقتدون، كلهم على دين واحد، وصراط واحد، والرب أيضا واحد. ولهذا قال: { وَأَنَا رَبُّكُمْ } الذي خلقتكم، وربيتكم بنعمتي، في الدين والدنيا، فإذا كان الرب واحدا، والنبي واحدا، والدين واحدا، وهو عبادة الله، وحده لا شريك له، بجميع أنواع العبادة كان وظيفتكم والواجب عليكم، القيام بها، ولهذا قال: { فَاعْبُدُونِ } فرتب العبادة على ما سبق بالفاء، ترتيب المسبب على سببه. وكان اللائق، الاجتماع على هذا الأمر، وعدم التفرق فيه، ولكن البغي والاعتداء، أبيا إلا الافتراق والتقطع. ولهذا قال: { وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي: تفرق الأحزاب المنتسبون لاتباع الأنبياء فرقا، وتشتتوا، كل يدعي أن الحق معه، والباطل مع الفريق الآخر و {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }. تفسير : وقد علم أن المصيب منهم، من كان سالكا للدين القويم، والصراط المستقيم، مؤتما بالأنبياء وسيظهر هذا، إذا انكشف الغطاء، وبرح الخفاء، وحشر الله الناس لفصل القضاء، فحينئذ يتبين الصادق من الكاذب، ولهذا قال: { كُلٌّ } من الفرق المتفرقة وغيرهم { إِلَيْنَا رَاجِعُونَ } أي: فنجازيهم أتم الجزاء. ثم فصل جزاءه فيهم، منطوقا ومفهوما، فقال: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ } أي: الأعمال التي شرعتها الرسل وحثت عليها الكتب { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } بالله وبرسله، وما جاءوا به { فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } أي: لا نضيع سعيه ولا نبطله، بل نضاعفه له أضعافا كثيرة. { وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } أي: مثبتون له في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي مع الحفظة. أي: ومن لم يعمل من الصالحات، أو عملها وهو ليس بمؤمن، فإنه محروم، خاسر في دينه، ودنياه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):