٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ} قرأ جمهور الناس «وأذِّن» بتشديد الذال. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن مُحَيْصِن «وآذن» بتخفيف الذال ومدّ الألف. ابن عطية: وتصحّف هذا عَلَى ابنِ جِنّي، فإنه حكى عنهما «وأذن» على أنه فعل ماض، وأعرب عَلَى ذلك بأن جعله عطفاً على «بوّأنا». والأذان الإعلام، وقد تقدّم في «براءة». الثانية: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، وقيل له: أذّن في الناس بالحج، قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن وعليّ الإبلاغ؛ فصعِد إبراهيم خليل الله جبل أبي قُبيس وصاح: يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثِيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار، فحُجّوا؛ فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لَبَّيْكَ اللَّهُمّ لَبَّيْك! فمن أجاب يومئذٍ حج على قدر الإجابة، إن أجاب مرّةً فمرّة، وإن أجاب مرتين فمرّتين؛ وجرت التلبية على ذلك؛ قاله ابن عباس وابن جبير. وروي عن أبي الطُّفيل قال: قال لي ابن عباس: أتدري ما كان أصل التلبية؟ قلت: لا! قال: لما أمِر إبراهيم عليه السلام أن يؤذّن في الناس بالحج خفضت الجبال رؤوسها ورُفعت له القرى؛ فنادى في الناس بالحج فأجابه كل شيء: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك. وقيل: إن الخطاب لإبراهيم عليه السلام تمّ عند قوله «السجود»، ثم خاطب الله عز وجل محمداً عليه الصلاة والسلام فقال: «وأذّن في الناس بالحج»؛ أي أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث: إن الخطاب من قوله «أن لا تشرك» مخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا قول أهل النظر؛ لأن القرآن أنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك. وهاهنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو «أن لا تشرك بي» بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم عليه السلام غائب؛ فالمعنى على هذا: وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد الله تعالى وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده. وقرأ جمهور الناس «بالحج» بفتح الحاء. وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها. وقيل: إن نداء إبراهيم من جملة ما أمِر به من شرائع الدين. والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، وإنما قال: «يأتوك» وإن كانوا يأتون الكعبة لأن المنادَى إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجاً فكأنما أتى إبراهيم؛ لأنه أجاب نداءه، وفيه تشريف إبراهيم. ابن عطية: «رجالاً» جمع راجل مثل تاجر وتجار، وصاحب وصحاب. وقيل: الرجال جمع رَجْل، والرَّجْل جمع راجل؛ مثل تجار وتجر وتاجر، وصحاب وصحب وصاحب. وقد يقال في الجمع: رُجّال، بالتشديد؛ مثل كافر وكفار. وقرأ ابن أبي إسحاق وعكرمة «رُجَالا» بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية الجمع، ورويت عن مجاهد. وقرأ مجاهد «رُجَالَى» على وزن فُعَالَى؛ فهو مثل كسالى. قال النحاس: في جمع راجل خمسة أوجه، رُجّال مثل رُكّاب، وهو الذي روى عن عكرمة، ورجال مثل قيام، ورَجْلة، ورَجْل، ورَجّالة. والذي روي عن مجاهد رُجَالاً غير معروف، والأشبه به أن يكون غير منون مثل كُسالى وسُكارى، ولو نُوِّن لكان على فُعالٍ، وفُعَالٌ في الجمع قليل. وقدّم الرجال على الرُّكبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي. {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ} لأن معنى «ضامر» معنى ضوامر. قال الفراء: ويجوز «يأتي» على اللفظ. والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر؛ يقال: ضَمَرَ يَضْمُر ضُموراً؛ فوصفها الله تعالى بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة. وذكر سبب الضمور فقال: {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} أي أثّر فيها طول السفر. وردّ الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها؛ كما قال: {أية : وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} تفسير : [العاديات: 1] في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله. الرابعة: قال بعضهم: إنما قال «رجالا» لأن الغالب خروج الرجال إلى الحج دون الإناث؛ فقوله: «رِجَالا» من قولك: هذا رجل؛ وهذا فيه بعد؛ لقوله: «وعلى كل ضامر» يعني الركبان، فدخل فيه الرجال والنساء. ولما قال تعالى: «رجالا» وبدأ بهم دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس: ما آسَى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججتُ ماشياً، فإني سمعت الله عز وجل يقول: «يأتوك رجالا» وقال ابن أبي نجِيح: حج إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ماشيين. وقرأ أصحاب ابن مسعود «يأتون» وهي قراءة ابن أبي عَبْلة والضحاك، والضمير للناس. الخامسة: لا خلاف في جواز الركوب والمشي، واختلفوا في الأفضل منهما؛ فذهب مالك والشافعي في آخرِين إلى أن الركوب أفضل، اقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكثرة النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل لما فيه من المشقّة على النفس، ولحديث أبي سعيد قال: حجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، وقال: «حديث : ارْبطوا أوساطكم بأزُرِكم» تفسير : ومشَى خِلْط الهَرْولَة؛ خرّجه ابن ماجه في سننه. ولا خلاف في أن الركوب عند مالك في المناسك كلّها أفضل؛ للاقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. السادسة: استدلّ بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط. قال مالك في المَوّازِيّة: لا أسمع للبحر ذكراً، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضِفّة بحر فيأتيها الناس في السفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلاً وإما على ضامر، فإنما ذكرت حالتا الوصول؛ وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقويّ. فأما إذا اقترن به عدوٌّ وخوفٌ أو هَوْل شديد أو مرض يلْحَق شخصاً، فمالكٌ والشافعيّ وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع. قال ابن عطية: وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاماً، ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشيء من هذه الأعذار؛ وهذا ضعيف. قلت: وأضعف من ضعيف، وقد مضى في «البقرة» بيانه. والفَجّ: الطريق الواسعة، والجمع فجاج. وقد مضى في «الأنبياء». والعميق معناه البعيد. وقراءة الجماعة «يأتِين». وقرأ أصحاب عبد الله «يأتون» وهذا للركبان و«يأتِين» للجمال؛ كأنه قال: وعلى إبل ضامرة يأتين {مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} أي بعيد؛ ومنه بئر عميقة أي بعيدة القعر؛ ومنه:شعر : وقاتِـم الأعْـمـاق خـاوِي المـخـتَـرق تفسير : السابعة: واختلفوا في الواصل إلى البيت، هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا؛ فروى أبو داود قال: سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه فقال: ما كنت أرى أن أحداً يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نكن نفعله. وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ترفع الأيدي في سبعة مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت والصّفَا والْمَرْوَة والموقفين والجمرتين»تفسير : . وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوريّ وابن المبارك وأحمد وإسحاق وضعفوا حديث جابر؛ لأن مهاجراً المكيّ راويه مجهول. وكان ابن عمر يرفع يديه عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثله؟.
البيضاوي
تفسير : {وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ} ناد فيهم وقرىء «وَآذّن». {بِٱلْحَجِّ} بدعوة الحج والأمر به. روي أنه عليه الصلاة والسلام صعد أبا قبيس فقال: حديث : يا أيها الناس حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله من أصلاب الرجال وأرحام النساء فيما بين المشرق والمغرب من سبق في علمه أن يحج تفسير : .وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في حجة الوداع. {يَأْتُوكَ رِجَالاً } مشاة جمع راجل كقائم وقيام، وقرىء بضم الراء مخفف الجيم ومثقله ورجالى كعجالى. {وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ } أي وركباناً على كل بعير مهزول أتعبه بعد السفر فهزله. {يَأْتِينَ } صفة لـ {ضَامِرٍ} محمولة على معناه، وقرىء «يأتون» صفة للرجال والركبان أو استئناف فيكون الضمير لـ {ٱلنَّاسِ }. {مِن كُلّ فَجٍّ} طريق. {عَميِقٍ} بعيد، وقرىء «معيق» يقال بئر بعيدة العمق والمعق بمعنى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَذّن } نادِ {فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ } فنادى على جبل أبي قبيس:( يا أيها الناس إنّ ربكم بنى بيتا) وأوجب عليكم الحج إليه فأجيبوا ربكم، والتفت بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمّهات:«لبيك اللهم لبيك»، وجواب الأمر {يَأْتُوكَ رِجَالاً } مشاة جمع راجل كقائم وقيام {وَ} ركباناً {عَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ } أي بعير مهزول وهو يطلق على الذكر والأنثى {يَأْتِينَ } أي الضوامر حملاً على المعنى {مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ } طريق بعيد.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَذِّن فِى النَّاسِ} أعلمهم ونادِ فيهم، خوطب به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقام إبراهيم على أبي قُبَيْس فقال: عباد الله إن الله ـ تعالى ـ قد بنى بيتاً، وأمركم بحجة فحجوا فأجابوه من أصلاب الرجال وأرحام النساء. لبيك داعي ربنا فلا يحجه إلى يوم القيامة إلا من أجاب إبراهيم، قيل أول من أجابه به أهل اليمن فهم أكثر الناس حَجاً {رِجَالاً} جمع راجل {ضَامِرٍ} جمع مهزول {عَمِيقٍ} بعيد.
النسفي
تفسير : {وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ } ناد فيهم، والحج هو القصد البليغ إلى مقصد منيع. ورُوي أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس حجوا بيت ربكم. فأجاب من قدر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. وعن الحسن أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع. والأول أظهر وجواب الأمر {يَأْتُوكَ رِجَالاً } مشاة جمع راجل كقائم وقيام {وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ } حال معطوفة على رجال كأنه قال: رجالاً وركباناً. والضامر البعير المهزول، وقدم الرجال على الركبان إظهاراً لفضيلة المشات كما ورد في الحديث {يَأْتِينَ } صفة لـ {كل ضامر} لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله {يأتون} صفة للرجال والركبان {مِن كُلّ فَجّ } طريق {عَميِقٍ } بعيد. قال محمد بن ياسين: قال لي شيخ في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان. قال: كم بينكم وبين البيت؟ قلت: مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال: فأنتم جيران البيت؟ فقلت: أنت من أين جئت؟ قال: من مسيرة خمس سنوات وخرجت وأنا شاب فاكتهلت. قلت: والله هذه الطاعة الجميلة والمحبة الصادقة فقال: شعر : زر من هويت وإن شطت بك الدار وحال من دونه حجب وأستار لا يمنعنك بعدٌ عن زيارته إن المحب لمن يهواه زوّار
التستري
تفسير : قوله: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً}[27] قال: إن لله تعالى عباداً يذهبون إلى المساجد بعضهم على السرير، وبعضهم على المراكب من ذهب عليها سندس، وتجرها الملائكة. قال أحمد بن سالم: كنت في أرض أصلحها، فرأيت سهلاً على فرش فوق ماء الفرات. وقال: دخلت يوماً دار سهل وكان بابه صغيراً، فرأيت فرساً قائماً، فخرجت فزعاً، وتعجبت كيف دخل من هذا الباب الصغير، فرآني سهل وقال: ارجع، فرجعت فلم أر شيئاً. وحكي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشرف على أهل عرفات فقال: لو يعلم الجمع هنا بفناء من نزلوا لاستبشروا بالفضل بعد المغفرة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} [الآية: 27]. قال ابن عطاء: رجالاً استخلصناهم للوفود علينا فليس يصلح لكل أحد أن يكون وفدًا إلى سيده والذي يصلح للوفادة فهو اللبيب فى أفعاله، والكيس فى أقواله، والعارف بما يبديه، وما يرد، وما يصدر. سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: قال ذو النون رحمة الله عليه وعليهم أجمعين: فأما الحج فزيارة بيت الله فريضة على كل مسلم فى دهره مرة واحدة من استطاع إليه سبيلاً. وفى الحج مشاهدة أحوال الآخرة. "ومنافع كثيرة" فى زيادة اليقين فى مشاهدتها ووجود الروح والراحة والاشتيقاق إلى الله، ولزوم المحبة للقلب والطمأنينة إلى الله، والاعتبار بالمناسك، والوقوف على معانيها وحقائقها، وذلك أن أول حالٍ من أحوال الحج العزم عليه، ومثل ذلك كمثل الإنسان الموقن بالموت والقدوم على الله فيكتب وصيته، ويوصى ويتحرى فيه لطاعة الله عز وجل ومرضاته، ويخرج من مظالم عباده ما أمكنه، ويخرج خروج الميت من دار الدنيا إلى دار الآخرة لا يطمع فى العود إليها أبدًا فيركب راحلته، وخير الرواحل التوكل ويحمل زاده وخير الزاد التقوى ويكون فى سيره كأنه محمول إلى قبره فإذا دخل السارية كأنه أدخل قبره، وعديله عدله فى نفسه، وإخوانه من المسلمين ومن ولاه الله أمرهم واسترعاه حقهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ". تفسير : وأنيسه العمل الصالح والذكر، فإذا بلغ موضع الإحرام فكأنه ميت ينشر من قبره، ونودى لوقوفه بين يدى الله ربه وذلك قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} إلى قوله: {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} والتلبية إجابة النداء بقوله: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك فى وحدانيتك، وإلهيتك، وربوبيتك. لبيك إن الحمد والنعمة لك فيما أنهضتنا لزيارتك، وأخرجتنا إلى بيتك، وأهلتنا لذلك، والملك لا شريك لك فيه لا يعتمد فى ملكك على أحد سواك. والاغتسال للإحرام كغسل الميت، ولبس ثياب الإحرام كالكفن فإذا وقف فى الموقف أشعث أغبر كأنه أخرج من قبره والتراب على رأسه، ودفعه بدفع الإمام، وسيره بسيره. كشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم إلى ربه والخلق معه يستشفعون به فيشفع ويشفع، يسيرون بسيره. وينصرفون بانصرافه، والمزدلفة كالجواز على الصراط. ورمى الجمار كرفع البراة فمن قُبِل منه فاز ونجا من لم يقبل منه ورُدَّ عليه هلك. والصفا والمروة ككفتى الميزان: الصفا: الحسنات، والمروة: السيئات. فهو يعدو مرَّةً إلى هذه الكفة، ومرة إلى هذه الكفة ينتظر ما يكون من رجحان أحد الشقتين: ومنسكًا: الأعراف بين الجنة والنار. والمسجد الحرام: كالجنة التى من دخلها أمن من بوائق الآفات. والبيت كعرش الله، والطواف به كطواف الملائكة بالعرش، وحلق الرأس اشتهار بالعمل، كل امرئ يكشف رأسه بعمل، فالمؤمن يباهى به، والمنافق يفتضح به، ونعوذ بالله من ذلك. وسئل بعضهم ماذا أسأل فى الحج وفى الموقف؟ قال: سله قطع نفسك عنه بترك كل ما يقطعك عن القربة، واستعمال كل ما يوجب الزلفة وانشدت فى معناه: شعر : لَستُ مِن جُملة المُحبين إنْ لَمْ أجعَل بَيْتَهُ وَالمقَامــا وطَوافِى إحالةٌ السِّر فِيه وهُوَ رُكنى إذَا أردت استلاَما تفسير : ثم قال: اجعل البيت قلبك، واجعل مكة طرقًا لقلبك، واجعل طوافك حوله طوافًا من سرك تجد الله كوجود البيت إن كنت هكذا وإلا فأنت ميت. قال: وجاء رجل إلى الجنيد رحمة الله عليه يستأذنه فى الحج على التجريد فقال: جرد قلبك من السهو، ونفسك من اللهو، ولسانك من اللغو، ثم اسلك حيث شئت.
القشيري
تفسير : أَذَّن إبراهيم - عليه السلام - بالحج ونادى، وأسمع اللَّهُ نداءَه جميعَ الذرية في أصلابِ آبائهم، فاستجاب مَنْ المعلوم مِنْ حاله أنه يحج. وقدَّم الرَّجالةَ على الركبان لأنَّ الحَمْلَ على المركوب أكثر. ولتلك الجِمالِ على الجمال خصوصية لأنها مركب الأحباب، وفي قريبٍ من معناه أنشدوا: شعر : وإنَّ جِمالاً قد علاها جَمَالُكُم - وإن قُطِّعَتْ أكبادنا - لحبائب تفسير : ويقال {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} هذا على وجه المدح وسبيل الشكر منهم. وكم قَدْرُ مسافةِ الدنيا بجملتها!؟ ولكنْ لأَجْلِ قَدْرِ أفعالهم وتعظيمِ صنيعِهم يقول ذلك إظهاراً لفضله وكرمه.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذن فى الناس} التأذين النداء الى الصلاة كما فى القاموس والمؤذن كل من يعلم بشىء نداء كما فى المفردات والمعنى ناد فيهم يا ابراهيم {بالحج} بدعوة الحج والامر به: وبالفارسية [وندا درده اى ابراهيم درميان مردمان وبخوان ايشانرا بحج خانه خداى]، روى ان ابراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء البيت قال الله تعالى له اذن فى الناس بالحج قال يا رب وما يبلغ صوتى قال تعالى عليك الاذان وعلى البلاغ فصعد ابراهيم الصفا وفى رواية اباقبيس وفى اخرى على المقام فارتفع المقام حتى صار كطول الجبال فادخل اصبعيه فى اذنيه واقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال ايها الناس ألا ان ربكم قد بنى بيتا وكتب عليكم الحج الى بيت العتيق فاجيبوا ربكم وحجوا بيته الحرام ليثيبكم به الجنة ويجيركم من النار فسمعه اهل مابين السماء والارض فما بقى شىء سمع صوته الا اقبل يقول لبيك اللهم لبيك فاول من اجاب اهل اليمن فهم اكثر الناس حجا ومن ثمة جاء فى الحديث "احديث : لايمان يمان"تفسير : ويكفى شرفا لليمن ظهور اويس القرنى منه واليه الاشارة بقوله عليه السلام "حديث : انى لاجد نفس الرحمن من قبل اليمن"تفسير : ، قال مجاهد من اجاب مرة حج مرة ومن اجاب مرتين او اكثر يحج مرتين او اكثر بذلك المقدار، قال فى اسئلة الحكم فاجابوه من ظهور الآباء وبطون الامهات فى عالم الارواح شعر : اذن فى الناس نداييست عام توكه بخواب آمده بين الانام دعوى خاصى كنى وامتياز خاص نباشد همه كس جوز اياز بهرهمين شد دل خاصان دونيم حالت لبيك زاميد وبيم تفسير : وفي الخصائص الصغرى وافترض على هذه الأمة ما افترض على الانبياء والرسل وهو الوضوء والغسل من الجنابة والحج والجهاد وما وجب فى حق نبى وجب فى حق امته الا ان يقوم الدليل الصحيح على الخصوصية {يأتوك} جواب للامر والخطاب لابراهيم فان من اتى الكعبة فكأنه قد اتى ابراهيم لانه مجيب نداءه {رجالا} حال اى مشاة على ارجلهم جمع راجل كقيام جمع قائم، قال الراغب اشتق من الرجل رجل وراجل للماشى بالرجل {وعلى كل ضامر} عطف على رجالا اى وركبانا على كل بعير ضامر اى مهزول اتعبه بعد السفر فهزل، قال الراغب الضامر من الفرس الخفيف اللحم من الاصل لا من الهزال {يأتين} صفة لضامر لان المعنى على ضوامر من جماعة الابل {من كل فج} طريق واسع، قال الراغب الفج طريق يكتنفها جبلان {عميق} بعيد واصل العمق البعد سفلا يقال بئر عميق اذا كانت بعيدة القعر ـ روى ـ حديث : عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حجة وللحاج الماشى بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم" قال قيل وما حسنات الحرم قال "الحسنة بمائة الف"تفسير : قال مجاهد حج ابراهيم واسماعيل عليهما السلام ماشيين وكانا اذا قربا من الحرم خلعا نعالهما هذا اذا لم يتغير خلقه بالمشى والا فالركوب افضل ولما انفرد الرهبانيون فى الملل السالفة بالسياحة والسفر الى البلاد والبواد سئل رسول الله صلى الله عليه سلم عن ذلك فقال "حديث : ابدل الله بها الحج"تفسير : فانعم بالحج على امته بان جعل الحج وسفره رهبانية لهم وسياحة وفى الخبر "حديث : ان الله ينظر الى الكعبة كل سنة فى نصف شعبان فعند ذلك تحن اليها القلوب"تفسير : فلا يحن عند التجلى الا القلب المسارع لاجابة ابراهيم فما حن قلب لتلك الاجابة الا القلب المسارع لدعوة الحق فى قوله {أية : ألست بربكم قالوا بلى}،تفسير : قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر اخبرنى بعض العارفين عن رجل من اهل الثروة فى الدنيا لم يحدث نفسه بالحج قط فجرى له امر كان سببا لان قيد بالحديد وجي به الى الامير صاحب مكة ليقتله لامر بلغه عنه والذى وشى به عند الامير حاضر فاتفق ان كان وصوله يوم عرفة والامير بعرفة فاحضره بين يديه وهو مغلول العنق بالحديد فاستدعى الامير الواشى وقال له هذا صاحبنا فنظر الى الرجل فقال لا ايها الامير فاعتذر اليه الامير وازيل عنه الحديد واغتسل واهل بالحج ولى من عرفة ورجع معفوا مغفورا بالظاهر والباطن فانظر العناية الالهية ما تفعل بالعبد فمن الناس من يقاد الى الجنة بالسلاسل وهو من اسرار الاجابة والابراهيمية: وفى فتوح الحرمين شعر : هركه رسيده بوجود ازعدم در ره اوساخته از سرقدم هيج نبى هيج ولى هم نبود كونبرد در ره اميدسود جملة خلائق زعرب تاعجم باديه بيما بهواى حرم
ابن عجيبة
تفسير : {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ...} قلت: {وعلى كل ضامر}: حال معطوفة على حال، أي: يأتوك حال كونهم رجالاً وركبانًا. و {يأتين}: صفة لكل ضامر؛ لأنه في معنى الجمع. وقرأ عبد الله: "يأتون"، صفة لرجال. و {رجال}: جمع راجل؛ كقائم وقيام. يقول الحقّ جل جلاله: لإبراهيم عليه السلام: {وأذِّن في الناس بالحج} أي: نادِ فيهم ليحجوا. رُوي: أنه عليه السلام صعد أبا قبيس، فقال: يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله تعالى الأرواح، فأجاب من قُدِّر له أن يحج من الأصلاب والأرحام بلبيك اللهم لبيك. {يأتوك} إن أذنت {رجالاً} أي: مشاةً {و} ركبانًا {على كل ضامر} أي: بعير مهزول، أتعبه بُعدُ الشُقة، فهزّله، أو زاد هزاله. وقدّم الرجال على الركبان؛ لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث {يأتين} تلك الضوامر بركبانها، {من كل فج}؛ طريق {عميق}؛ بعيد. قال محمد بن ياسين: قال لي شيخٌ في الطواف: من أين أنت؟ فقلت: من خُراسان. فقال: كم بينك وبين البيت؟ فقلت: مسيرة شهرين أو ثلاثة. قال: فأنتم جيران البيت. فقلتُ: وأنت من أين سَعيت؟ فقال: من مسيرة خمس سنوات، وخرجت وأنا شاب، فاكتهلت. فقلت: هذه واللهِ هي الطاعة الجميلة، والمحبة الصادقة، فضحك. وقال: شعر : زُرْ مَن هَوَيْتَ وإن شطتْ بِكَ الدارُ وحالَ من دُونه حُجُبٌ وأستارُ لا يَمْنََعَنَّكَ بُعْدٌ عنْ زِيارته إنَّ المُحب لمنْ يهواه زوَّارُ تفسير : {ليشهدوا منافعَ لهم} أي: يأتوك ليحضروا منافع لهم، دنيوية ودينية، لا تُوجد في غير هذه العبادة؛ كالطواف ونظر الكعبة، وتضعيف أمر الصلاة؛ لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال، وقد اشتمل الحج عليهما، مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال، وقطع الأسباب وقطيعة الأصحاب، وهجرة البلاد والأوطان، ومفارقة الأهل والولدان. ولذلك ورد أنه يُكفر الذنوب كلها، كما في الحديث: "حديث : مَنْ حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجعَ من ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ "تفسير : . {ويذكروا اسمَ الله} عند ذبح الضحايا والهدايا {في أيام معدوداتٍ}، وهي أيام النحر عند مالك، وعند الشافعي: اليوم الأول والثاني والثالث؛ لأن هذه هي أيام الضحايا عنده. ولم يجز ذبحها بالليل؛ لقوله: {في أيام}. وقال أبو حنيفة: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة ويوم النحر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وأما الأيام المعدودات، فهي: الثلاثة بعد يوم النحر - فيوم النحر معلوم لا معدود -، ورابعه: معدود لا معلوم، واليومان بعده: معلومان ومعدودان. فيذكروا اسم الله {على ما رزقهم} أي: على ذبح ما رزقهم {من بهيمة الأنعام}، وهي الإبل والبقر والغنم، {فكُلُوا منها}؛ من لحومها، والأمر: للإباحة، ولإزاحة ما كانت عليه الجاهلية من التحرج. قال ابن جزي: ويُستحب أن يأكل الأقل من الضحايا، ويتصدق بالأكثر. هـ. وقال النسفي: ويجوز الأكل من هَدي التطوع والمتعة والقِران؛ لأنه دم نسك؛ لأنه أشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا. هـ. وهو حنفي، وفي مذهب مالك تفصيل يطول ذكره. {وأطعموا البائسَ}، وهو الذي أصابه البؤس، أي: ضرر الحاجة، وقيل: المتعفف، وقيل: الذي يظهر عليه أثر الجوع، {الفقير}: المحتاج الذي أضعفه الإعسار. {ثم لْيَقْضُوا تَفَثَهم} أي: ليزيلوا عنهم أدرانهم، قاله نفطويه. وقيل: قضاء التفث: قصُ الشارب والأظافر، ونتف الإبط، والاستحداد، وسائر خصال الفطرة. وهذا بعد أن يُحلوا من الحج؛ التحلل الأصغر بالنحر. {ولْيُوفُوا نذورَهم} أي: ما ينذرونه من البر في الحج وغيره، وقيل: مواجب حجهم من فعل أركانه، {وليَطّوفوا} طواف الإفاضة، الذي هو ركن لا يُجبر بالدم، وبه يتم الحج، ويكون {بالبيت العتيق}: القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم ثم جدَّده إبراهيم، أو الكريم، ومنه: عتاق الخيل لكرائمها، أو: لأنه عتق من الغرق، أو من أيدي الجبابرة، فكم من جبار رام هدمه فمنعه الله منه. وقيل: عتيق لم يملكه أحد قطُّ، وهو مَطاف أهل الغبراء، كما أن البيت المعمور مطاف أهل السماء. {ذلك} أي: الأمر ذلك، وهذا من فضل الكلام، كما يقدم الكاتبُ جملة من الكلام، ثم يقول: هذا، وقد كان كذا وكذا وكذا، إذا أراد أن يخرج من كلام إلى كلام آخر، وإن كان له تعلق بما قبله. والكلام هنا متصل بتعظيم حرمات البيت، فقال: {ومن يعظِّم حُرمات الله}، جمع حرمة، وهو ما لا يحل هتكه من الشريعة، فيدخل ما يتعلق بالحج دخولاً أوليًا، وقيل: حرمات الله: البيت الحرام، والمشعر الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام. وقيل: المحافظة على الفرائض والسنن واجتناب المعاصي، {فهو خيرٌ له} أي: فالتعظيم خير له ثوابًا {عند ربه}، ومعنى التعظيم: العلم بوجوب مراعاتها، والعمل بموجبه، والاهتمام بشأنه والتأدب معه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قوله تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم}، قال القشيري: أي: حوائجهم، ويحققوا عهودهم، ويُوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فَمَنْ كان عقدُه التوبةَ؛ فوفاؤه ألاَّ يرجعَ إلى العصيان، ومَنْ كان عَهْدُه اعتناقَ الطاعةِ، فَشَرْطُ وفائه ترك تقصيره، ومن كان عهدُه ألاَّ يرجع إلى طلب مقامٍ وتطلع إكرامٍ، فوفاؤه استقامته على الجملة، التي دخل عليها في هذه الطريق، بألا يرجع إلى استعجال نصيبٍ واقتضاءِ حظ. هـ. قلت: ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال: ومَنْ عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. هـ. وهو أيضًا ليس بمُعَظِّمٍ لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم. ولمّا كان الإحرام يُحرم لحوم الصيد، فربما يتوهم أن اللحوم كلها تجتنب، رفعَ ذلك الإبهام، فقال: {... وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأُحِلتْ لكم الأنعامُ} أي: أكلها، {إِلا ما يُتلىَ} أي: سيتلى {عليكم} منها في آية المائدة، كالميتة والموقوذة وأخواتهما. والمعنى: إن الله قد أحل لكم الأنعام إلاَّ ما بيَّن في كتابه، فحافظوا على حدوده، ولا تُحرِّموا شيئًا مما أحلَّ لكم، كتحريم البحيرة وما معها، ولا تُحلوا ما حرَّم، كإحلال المشركين الميتة والموقوذة وغيرهما. ثم نهى عن الأوثان التي كانوا يذبحون لها، فقال: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}؛ لأن ذلك من تعظيم حرمات الله، و {من}: للبيان، أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والرجس: كل ما يستقذر من الخبث، وسمى الأوثان رجسًا على طريقة التشبيه، أي: فكما تنفرون بطباعكم من الرجس، فعليكم أن تنفروا عنها. والمراد: النهي عن عبادتها، أو عن الذبح تقربًا لها. {واجتنبوا قولَ الزُّور}، وهو تعميم بعد تخصيص، فإنَّ عبادة الأوثان رأس الزور، ويدخل فيه الكذب والبهتان وشهادة الزور. وقيل: المراد شهادة الزور فقط، لِمَا رُوي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "حديث : عَدلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الإِشْرَاكَ بِاللهِ تعالى" تفسير : ثلاثًا، وتلى هذه الآية. والزور من الزّور، وهو الانحراف والميل؛ لأن صاحبه ينحرف عن الحق، ولا شك أن الشرك داخل في الزور؛ لأن المشرك يزعم أن الوثن تحق له العبادة، وهو باطل وزور. ثم قال تعالى: {حنفاءَ لله}: مائلين عن كل دين زائغ إلى دين الحق، مخلصين لله، {غير مشركين به} شيئًا من الأشياء، {ومن يُشرك بالله}، أظهر الاسم الجليل؛ لإظهار كمال قبح الشرك، {فكأنما خَرَّ}: سقط {من السماء} إلى الأرض؛ لأنه يسقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. وقيل: هو إشارة إلى ما يكون له حين يصعد بروحه عند الموت، فتطرح من السماء إلى الأرض. قاله ابن البنا. {فتخطفه الطير} أي: تتناوله بسرعة، فالخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة؛ لأن الأهواء المردية كانت توزع أفكاره، {أو تَهْوِي به الريحُ} أي: تسقطه وتقذفه. والهوى: السقوط. {في مكان سحيق}: بعيد؛ لأن الشيطان قد طرحه في الضلال والتحير الكبير. والله تعالى أعلم. الإشارة: جعل الحقُّ تعالى شكرَ النعم أمرين: طهارة الباطن من شرك الميل إلى السِّوى، ولسانه من زور الدعوى، وهو الترامي على مراتب الرجال قبل التحقق بها، حنيفًا موحدًا، شاكرًا لأنعمه يجتبيه ربه، ويهديه إلى صراط مستقيم. ومن يشرك بالله؛ بأن يُحب معه غيره، فقد سقط عن درجة القرب والتحقيق، فتخطفه طيور الحظوظ والشهوات، وتهوي به ريح الهوى، في مكان سحيق. والعياذ بالله. ثمَّ حض على الاعتناء بشأن الهدايا
الجنابذي
تفسير : {وَأَذِّن} بالغ فى الاعلام {فِي ٱلنَّاسِ} لم يقل اذّن النّاس للاشعار بانّ اعلامه لم يكن للجميع بل لمن شاء الله ان يسمعه نداء ابراهيم فانّه روى انّ ابراهيم (ع) صعد ابا قبيسٍ فقال: يا ايّها النّاس حجّوا بيت ربّكم فأسمعه الله من فى اصلاب الرّجال وارحام النّساء فيما بين المشرق والمغرب ممّن سبق فى علمه ان يحجّ وليس المراد من كان فى زمانه فى اصلاب الرّجال وارحام النّساء بل من كان يقع فى اصلاب الرّجال وارحام النّساء الى يوم القيامة وذلك انّ ابراهيم (ع) نادى بلسانه الملكوتىّ وندائه الملكوتىّ وسمع من سمع باذنه الملكوتىّ وكلّ النّاس كانوا قبل هذا العالم فى العوالم العالية من العوالم الملكوتيّة والجبروتيّة من النّفوس والعقول، فمن سمع فى تلك العوالم بتلك الآذان اجاب، ومن لم يسمع وكان اصمّ من ذلك النّداء فى تلك العوالم لم يجب ولم يحجّ فى هذا العالم، وعلى هذا جاز تفسير اصلاب الرّجال وأرحام النّساء بالعوالم العالية من العقول والنّفوس وان يكون وجودهم فى الاصلاب والارحام كناية عن وجودهم الاجمالىّ فى العقول والنّفوس من دون تفصيلٍ وتمييزٍ، وروى انّه لمّا امر ابراهيم واسماعيل ببناء البيت وتمّ بناؤه قعد ابراهيم (ع) على ركن ثمّ نادى: هلمّ الحجّ فلو نادى هلمّوا الى الحجّ لم يحجّ الاّ من كان يومئذٍ انسيّاً مخلوقاً ولكن نادى هلمّ هلمّ الحجّ الحجّ فلبّى النّاس فى اصلاب الرّجال لبّيك داعى الله لبّيك داعى الله، فمن لبّى عشراً حجّ عشراً، ومن لبّى خمساً حجّ خمساً، ومن لبّى اكثر فبعدد ذلك، ومن لبّى واحدةً حجّ واحدةً، ومن لم يلبّ لم يحجّ، وفى خبرٍ فأسمع من فى اصلاب الرّجال وارحام النّساء الى ان تقوم السّاعة، وورد فى الخبر انّ الخطاب فى قوله تعالى اذّن فى النّاس لمحمّدٍ (ص) فعن الصّادق (ع) انّ رسول الله اقام بالمدينة عشر سنين لم يحجّ ثمّ انزل الله تعالى واذّن فى النّاس بالحجّ (الآية) فأمر المؤذّنين ان يؤذّنوا بأعلى اصواتهم بانّ رسول الله (ص) يحجّ فى عامه هذا، فعلم به من حضر بالمدينة واهل العوالى والاعراب واجتمعوا لحجّ رسول الله وانّما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون به فيتّبعونه او يصنع شيئاً فيصنعونه {بِٱلْحَجِّ} اى بقصد البيت للمناسك المخصوصة {يَأْتُوكَ} لم يقل يأتوا البيت للاشارة الى انّ المقصود من تشريع الحجّ زيارة القلب وصاحبه لا زيارة البيت واحجاره كما انّ فى قوله {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} تفسير : [ابراهيم:37] اشارة الى ذلك، والى هذا اشار الباقر (ع) حين رأى النّاس يطوفون حول الكعبة بقوله: هكذا كانوا يطوفون فى الجاهليّة انّما امروا ان يطوفوا ثمّ ينفروا الينا فيعلمونا ولايتنا ومودّتهم ويعرضوا علينا نصرتهم {رِجَالاً} اى مشاة قرئ بكسر الرّاء وتخفيف الجيم وضمّها وتخفيف الجيم وتشديده وكسكارى {وَ} محمولين بانفسهم او احمالهم {عَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} لمّا كان ما حول مكّة برار بعيدة خالية من الماء والعشب وكان كلّ فرس او جمل او استر او حمار يأتى مكّة يضمر ويلصق بطنه بظهره ادّاه بلفظ الضّامر، ولمّا لم يكن الآتون يستوعبون بافرادهم جميع الضّامرات الّتى فى العالم وصفه بقوله {يَأْتِينَ} يعنى يأتين لقصد صاحبيهنّ مكّة {مِن كُلِّ فَجٍّ} اى طريق واسع وهو فى الاصل الطّريق الواسع بين الجبلين لكن اتّسع واستعمل فى مطلق الطّريق {عَميِقٍ} اى بعيد يعنى من كلّ فجّ فى اطراف مكّة لا فى العالم، وهذه التّقييدات خلاف ظاهر الآية ولا بدّ منها لتصحيح تنزيلها، فانّ ظاهر الآية هكذا اذّن فى النّاس جميعاً فانّ الّلام فى مثله ليس الاّ للاستغراق يأتوك باجمعهم رجالاً وركباناً على كلّ ضامرٍ فى العالم يأتين من كلّ فجٍّ عميقٍ فى العالم، والحال انّه ما اتوا او لا يأتى جميع النّاس ولا كلّ الضّامرات يأتين ولا كلّ الضّامرات الآتيات يأتين الى مكّة ولا كلّ الآتيات الى مكّة مركوباتٍ للحاجّين ولا كلّ المركوبات للحاجّين يأتين من كلّ فجٍّ عميقٍ فى العالم، لكنّه لمّا اراد التّنبيه على التّأويل ادّى الآية بهذه العبارة فانّها باطلاقها وعمومها فى جميع الفاظها صحيحة بحسب التّأويل؛ لانّه اذا اذّن ابراهيم (ع) الّذى فى العالم الصّغير او محمّد (ص) فيه بلسان الرّسالة او الولاية فى النّاس فى العالم الصّغير بحجّ بيت الله الحرام الّذى هو القلب اسمع الله تعالى نداءه لجميع القوى الانسانيّة الموجودة والمكمونة المجرّدة عن الاختلاط بالقوى الحيوانيّة والمختلطة بها البعيدة من حرم الصّدر المنشرح بالاسلام المحتاجة فى سيرها الى مكّة القلب الى ركوب القوى الحيوانيّة، وهيّج الله بعد الاسماع جميع القوى الانسانيّة الّتى هى افراد الانسان فى العالم الصّغير واتوا الى القلب وصاحبه وكان الحاضرون حول حرم الصّدر وبيت القلب مشاة فى مجيئهم لعدم اختلاطهم بالقوى الحيوانيّة وعدم احيتاجهم الى ركوبها، وكان المتباعدون عن الحرم والبيت راكبين ومختلطين بالقوى الحيوانيّة ولذلك كان الحجّ ماشياً لاهل الحرم افضل ويتدرّج الى الفعليّة القوى المكمونة الغير الخارجة من القوّة الى الفعل، وبعد الخروج من القوّة الى الفعليّة تأتى الى بيت الله وتطوف حول القلب مشاةً وركباناً.
فرات الكوفي
تفسير : {وأذن في الناس بالحج27} قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله [عزّ وجلّ. ر]: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً} [قال: أ، ب]: فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجابه من آمن ومن [كان. ر، ب] سبق في علم الله أنه يحج إِلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك.
الهواري
تفسير : وقوله: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} ذكروا أن إبراهيم نادى: يا أيها الناس، إن لله بيتاً فحُجوه، فأسمع ما بين الخافقين أو المشرقين، فأقبل الناس يقولون: لبّيك لبّيك؛ وبلغنا أنه أجابه يومئذ من كان حاجاً إلى يوم القيامة. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: قام إبراهيم عند البيت فأذّن في الناس بالحج، فسمعه أهل المشرق والمغرب. وذكروا عن ابن عباس قال: إن إبراهيم وإسماعيل بنَيَا البيت. فلما أقبل أذّن في الناس بالحج، فجعل لا يمر بأحد إلا قال: يا أيها الناس بني لكم بيت فحجّوه، فجعل لا يسمعه حجر ولا شجر إلا أجابه: لبّيك اللهم لبّيك. وذكروا عن ابن عباس قال: لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج خفضت الجبال رؤوسها، ورفعت له القرى، فأذّن في الناس بالحج. قوله: {يَأتُوكَ رِجَالاً} أي: مشاة {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}. قال بعضهم: أو يأتوك على كل ضامر، أي: الإِبل. قال بعضهم: أي لا تبلغه المطي حتى تَضمُر. قوله: {يَأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أي: من كل فج بعيد. قال بعضهم: (عَمِيقٍ) ما بين تهامة والعراق، ويؤتى من أبعد من ذلك.
اطفيش
تفسير : {وَأذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ} نادى فيهم به. وقرأ ابن محيصن واذن وكل من التاذين والايذان الاعلان قل: (حِجُّوا أو عليكم بالحج). قال ابن عباس: اراد بالناس أهل القبلة. وقيل: أهل القبلة وغيرهم بناء على تكليف المشركين بفروع الشريعة وهو الحق وروي ان ابراهيم عليه السلام قال (يا رب وما يبلغ صوتي؟ فقال الله جل جلاله عليك الأذان وعليّ الابلاغ) فقام ابراهيم على المقام وصار كاطول الجبال وادخل اصبعيه في اذنيه واقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال: (يا ايها الناس الا ان ربكم قد بنى بيتا وكتب عليكم الحج فاجيبوا ربكم) فاجابه كل من يحج من اصلاب الآباء وارحام الامهات (لبيك اللهم لبيك). قال ابن عباس: أول من اجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا. وروي انه صعد ابا قبيس فقال: (يا ايها الناس حجوا بيت ربكم) وانما اجابه من سبق في علم الله انه يحج وقيل: اجابه في ذلك الوقت كل شيء من جماد أو غيره. وذكر الطبري انه نادى في المقام وطال كأرفع جبل وجمعت له الارض سهلها وجبلها وبرها وبحرها وانسها وجنها وانه بدء بالشق اليمين. وانه قيل لما قيل له اذن قال كيف أقول؟ قال: قل: (يا ايها الناس اجيبوا ربكم ثلاث مرات) واثر الله قدميه في المقام آية. قال: افلا تراهم يقولون لبيك اللهم لبيك؟ فمن اجاب مرة حج مرة أو مرتين فمرتين أو ثلاثا فثلاثا وهكذا ومن سبق في علم الله انه لا يحج لم يجب. وعن الحسن ان الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم امر ان يقول ذلك في حجة الوداع عن أبي هريرة "حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ايها الناس قد فرض عليكم حج هذا البيت فحجوا"تفسير : وروي انه (لما أَمر بالتأذين ابراهيم خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى) * {يَأْتُوكَ رِجَالاً} حال من الواو جمع راجل أي مشاة على ارجلهم كـ(قائم وقيام). وقرأه رجال بضم الراء مخفف الجيم ومشددها. وقرأ ابن عباس (ورجالي) بضم الراء وتخفيف الجيم وبالف التانيث بعد اللام (كعجالي) وقدم المشاة لفضلهم وهو قول ابن عباس {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} متعلق بحال محذوفة معطوفة على (رجالا) اي (وراكبين أو ركبانا على كل ضامر) والجار لغو على الضجيج. وقيل: مستقر وهي من المسائل الواقعة بين السعد والسيد. وان قدرنا الحال كونا عاما فالجار مستقر والضامر البعير المهزول ذكرا أو أنثى وانما هزل لان السفر اتعبه. وقيل: الضامر الناقة المهزولة. وقيل: يطلق على كل مهزولة واستظهره ابن عرفة {يَأَتِينَ} نعت لضامر ولو كان ضامر مفردا لانه بواسطة اضافة كل إليه في معنى الجمع أو نعت لكل. وقرئ (يأتون) نعت للحالين ومانع نعت الصفة يجعله مستانفا. قال ابن العربي: قوله تعالى (ياتين) فيه فيرد الضمير إلى الابد تكرمة لها لقصدها الحج مع اربابها {مِن كُلِّ فَجٍّ} طريق واسع {عَمِيقٍ} بعيد كالصين فانه قد دخله الاسلام وكالاندلس. وقرأ ابن مسعود (معيق) والمعنى واحد * بير بعيدة العمق والمعق أي القعر * وعميقة ومعيقة بعيد القعر.
اطفيش
تفسير : {وأذَّن} ناد {فى النَّاس بالحج} بأمر الحج عنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بنائه قال: يا رب فرغت، قال أذِّن بالحج، قال يا رب ما يبلغ صوتى، قال علىَّ إبلاغه، قال: يا رب ما أقول؟ قال: قل أيها الناس كتب الله عليكم الحج الى البيت العتيق فسمعه أهل السماوات والأرض، ألا ترى كيف يجيئون يلبون من أطراف الأرض، ولا يحج إلا من لبى يومئذ من الأصلاب والأرحام والموجودين، وأول من أجاب أهل اليمن اليمن وقبلهم نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان نداؤه على أبى قبيس واضعا أصبعيه فى أذنيه أو على الحجر أو الصفا أو على الصفا، نتطاول به كأعلى جبل، أو على المقام، فتطاول كذلك روايات، ولعل النداء تكرر، وقيل أذن خطاب له صلى الله عليه وسلم بالتأذين فى حجة الوداع، ولا دليل عليه. {يأتُوك} يأتوا بيتك أو ضمن معنى يجيبوك {رجالاً} مشاة جمع رجل بمعنى ماش {وعَلَى كل ضَامر} أى وراكبين على كل بعير هزيل لطول السفر، ولم يقل رجالا وراكبين ليدل على كثرة الآتين من الأماكن البعيدة، واستدل بعض على أنه لا حج على من لا يجد الحج إلا بالبحر بالآية، إذ لم يذكره ويرده إن عدم ذكر الشىء لا يوجب سقوطه، وبأن اهل البحر يأتون مكة بعد الخروج منه رجالا، وعلى كل ضامر، وأيضا يجوز الحج على نحو حمار وبغل، مع أنه لم يذكره، وبدا بالمشى لأنه أفضل. وعن ابن عباس ما آسى على ما فاتنى إلا الحج راجلاً، وقد كبرت الآن، وربى بدأ به، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : للحاج راكباً بكل خطوة تخطوها دابته سبعون حسنة" تفسير : ولله أمشى بكل خطوة سبعامئة حسنة من حسنات الحرم وحسنة الحرم مائة ألف حسنة ولفظ كل للمبالغة { يأتين} ضمير الإناث للجماعات من الرجال والركبان، وليس فيه تغليب، لأن الجماعات لفظ مؤنث، وقيل الضمير لكل أو لضامر المتصف بالكلية {من كُلِّ فج} كل للمبالغة، والفج الطريق مطلقا، وأصله بين الجبلين {عَميقٍ} بعيد على وجه الأرض طولا، وأصله البعيد سفلا.
الالوسي
تفسير : { وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ} أي ناد فيهم {بِٱلْحَجّ} بدعوة الحج والأمر به، أخرج ابن أبـي شيبة في «المصنف» وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس قال: «لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال: رب قد فرغت فقال: أذن في الناس بالحج قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليَّ البلاغ قال: رب كيف أقول؟ قال: قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه أهل السماء والأرض ألا ترى أنهم يجيبون من أقصى البلاد يلبون» وجاء في رواية أخرى عنه أنه عليه السلام صعد أبا قبيس فوضع أصبعيه في أدنيه ثم نادى يا أيها الناس إن الله تعالى كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من أجاب يومئذ إبراهيم عليه السلام، وفي رواية أنه قام على الحجر فنادى، وعن مجاهد أنه عليه السلام قام على الصفا، وفي رواية أخرى عنه أنه عليه السلام تطاول به المقام حتى كان كأطول جبل في الأرض فأذن بالحج، ويمكن الجمع بتكرر النداء، وأياً ما كان فالخطاب لإبراهيم عليه السلام. وزعم بعضهم أنه لنبينا صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في حجة الوداع وروي ذلك عن الحسن وهو خلاف الظاهر جداً ولا قرينة عليه، وقيل: يأباه كون السورة مكية وقد علمت ما فيه أولها. وقرأ الحسن وابن محيصن و {آذِنَ} بالمد والتخفيف أي أعلم كما قال البعض، وقال آخرون: المراد به هنا أوقع الإيذان لأنه على الأول كان ينبغي أن يتعدى بنفسه لا بفي فهو كقوله: شعر : يجرح في عراقيبها نَصلي تفسير : وقال ابن عطية: قد تصحفت هذه القراءة على ابن جني فإنه حكى عنهما {وَآذّن} فعلاً ماضياً وجعله معطوفاً على {بَوَّأْنَا} وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بتصحيف بل قد حكى ذلك أبو عبد الله الحسين بن خالويه في «شواذ القراءات» من جمعه، وقرأ ابن أبـي إسحٰق {بالحج} بكسر الحاء حيث وقع. وقوله تعالى: {يَأْتُوكَ} جزم في جواب الأمر وهو {آذن} على القراءتين و {طهر} على الثالثة كما قال صاحب «اللوامح». وإيقاع الإتيان على ضميره عليه السلام لكون ذلك بندائه، والمراد يأتوا بيتك، وقوله سبحانه: {رِجَالاً} في موضع / الحال أي مشاة جمع راجل كقيام جمع قائم. وقرأ ابن أبـي إسحٰق {رجالاً} بضم الراء والتخفيف وروي ذلك عن عكرمة والحسن وأبـي مجلز، وهو اسم جمع لراجل كطؤار لطائر أو هو جمع نادر، وروي عن هؤلاء وابن عباس ومحمد بن جعفر ومجاهد رضي الله تعالى عنهم {رجالا} بالضم والتشديد على أنه جمع راجل كتاجر وتجار، وعن عكرمة أنه قرأ {رجالى} كسكارى وهو جمع رجلان أو راجل، وعن ابن عباس وعطاء وابن حدير مثل ذلك إلا أنه شددوا الجيم. وقوله تعالى: {وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ} عطف على {رِجَالاً} أي وركباناً على كل بعير مهزول أتعبه بعد الشقة فهزله أو زاد هزاله، والضامر يطلق على المذكر المؤنث، وعدل عن ركباناً الأخصر للدلالة على كثرة الآتين من الأماكن البعيدة. وفي الآية دليل على جواز المشي والركوب في الحج، قال ابن الغربـي: واستدل علماؤنا بتقديم {رِجَالاً} على أن المشي أفضل، وروي ذلك عن ابن عباس فقد أخرج ابن سعد وابن أبـي شيبة والبيهقي وجماعة أنه قال: ما آسى على شيء فاتني إلا أني لم أحج ماشياً حتى أدركني الكبر أسمع الله تعالى يقول: {يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ} فبدأ بالرجال قبل الركبان، وفي ذلك حديث مرفوع فقد أخرج ابن سعد وابن مردويه وغيرهما عنه أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حديث : إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة وللماشي بكل قدم سبعمائة حسنة من حسنات الحرم قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة مائة ألف حسنة » تفسير : وأخرج ابن أبـي شيبة عن مجاهد أن إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام حجا وهما ماشيان. وقال ابن الفرس: واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجب الحج على من في طريقه بحر ولا طريق له سواه لكونه لم يذكر في الآية. وتعقب بأنه استدلال ضعيف لأن مكة ليست على بحر وإنما يتوصل إليها على إحدى الحالين مشي أو ركوب، وأيضا في دلالة عدم الذكر على عدم الوجوب نظر. وقوله تعالى: {يَأْتِينَ} صفة لضامر أو لكل، والجمع باعتبار المعنى كأنه قيل وركباناً على ضوامر يأتين، و {كُلٌّ} هنا للتكثير لا للإحاطة وما قيل من أنها إذا أضيفت لنكرة لم يراع معناها إلا قليلاً ردوه بهذه الآية ونظائرها، وكذا ما قيل إنه يجوز إذا كانا في جملتين لأن هذه جملة واحدة. وجوز أبو حيان أن يكون الضمير شاملاً لرجال و {كُلّ ضَامِرٍ} والجملة صفة لذلك على معنى الجماعات والرفاق. وتعقب بأنه يلزمه تغليب غير العقلاء عليهم وقد صرحوا بمنعه. نعم قرأ عبد الله وأصحابه والضحاك وابن أبـي عبلة {يَأْتُونَ} واعتبار التغليب فيه على بابه، والمشهور جعل الضمير لرجالاً وركباناً فلا تغليب، وجوز جعل الضمير للناس والجملة استئنافية. {مِن كُلّ فَجّ} أي طريق كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وأبـي العالية، وهو في الأصل شقة يكتنفها جبلان ويستعمل في الطريق الواسع وكأنهم جردوه عن معنى السعة لأنه لا يناسب هنا بل لا يخلو من خلل {عَميِقٍ} أي بعيد وبه فسره الجماعة أيضاً، وأصله البعيد سفلاً وهو غير مناسب هنا. وقرأ ابن مسعود {معيق} قال الليث: يقال عميق ومعيق لتميم وأعمقت البئر وأمعقتها وقد عمقت ومعقت عماقة ومعاقة وهي بعيدة العمق والمعق.
ابن عاشور
تفسير : {وأذّن} عطف على {أية : وطهر بيتي}تفسير : [الحج: 26]. وفيه إشارة إلى أن من إكرام الزائر تنظيف المنزل وأنّ ذلك يكون قبل نزول الزائر بالمكان. والتأذين: رفع الصوت بالإعلام بشيء. وأصله مضاعف أذن إذا سمع ثم صار بمعنى بلغه الخبر فجاء منه آذن بمعنى أخبر. وأذّن بما فيه من مضاعفة الحروف مشعر بتكرير الفعل، أي أكثر الإخبار بالشيء. والكثرة تحصل بالتكرار وبرفع الصوت القائم مقام التكرار. ولكونه بمعنى الإخبار يُعدّى إلى المفعول الثاني بالباء. والناس يعمّ كل البشر، أي كل ما أمكنه أن يبلغ إليه ذلك. والمراد بالحجّ: القصد إلى بيت الله. وصار لفظ الحجّ علماً بالغلبة على الحضور بالمسجد الحرام لأداء المناسك. ومن حكمة مشروعيته تلقي عقيدة توحيد الله بطريق المشاهدة للهيكل الذي أقيم لذلك حتى يرسخ معنى التوحيد في النفوس لأن للنفوس ميلاً إلى المحسوسات ليتقوى الإدراك العقلي بمشاهدة المحسوس. فهذه أصل في سنّة المؤثرات لأهل المقصد النافع. وفي تعليق فعل {يأتوك}بضمير خطاب إبراهيم دلالة على أنه كان يحضر موسم الحجّ كل عام يبلّغ للناس التوحيد وقواعد الحنيفية. روي أن إبراهيم لما أمره الله بذلك اعتلى جبل أبي قيس وجعل أصبعيه في أذنيه ونادى: «إن الله كتب عليكم الحجّ فْحُجُّوا». وذلك أقصى استطاعته في امتثال الأمر بالتأذين. وقد كان إبراهيم رحّالة فلعله كان ينادي في الناس في كل مكان يحل فيه. وجملة {يأتوك}جواب للأمر، جعل التأذين سبباً للإتيان تحقيقاً لتيسير الله الحج على الناس. فدل جواب الأمر على أنّ الله ضمن له استجابة ندائه. وقوله {رجالاً} حال من ضمير الجمع في قوله {يأتوك}. وعطف عليه و{على كل ضامر} بواو التقسيم التي بمعنى (أو) كقوله تعالى: {أية : ثيبات وأبكاراً}تفسير : [التحريم: 5] إذ معنى العطف هنا على اعتبار التوزيع بين راجل وراكب، إذ الراكب لا يكون راجلاً ولا العكس. والمقصود منه استيعاب أحوال الآتين تحقيقاً للوعد بتيسير الإتيان المشار إليه بجعل إتيانهم جواباً للأمر، أي يأتيك من لهم رواحل ومن يمشون على أرجلهم. ولكون هذه الحال أغرب قدّم قوله {رجالاً} ثم ذكر بعده {وعلى كل ضامر} تكملة لتعميم الأحوال إذ إتيان الناس لا يعدو أحد هذين الوصفين. و{رجالاً}: جمع راجل وهو ضد الراكب. والضامر: قليل لحم البطن. يقال: ضمر ضمُوراً فهو ضامر، وناقة ضامر أيضاً. والضمور من محاسن الرواحل والخيلِ لأنه يعينها على السير والحركة. فالضامر هنا بمنزلة الاسم كأنه قال: وعلى كلّ راحلة. وكلمة (كُلّ) من قوله {وعلى كل ضامر} مستعملة في الكثرة، أي وعلى رواحل كثيرة. وكلمة (كلّ) أصلها الدلالة على استغراق جنس ما تضاف إليه ويكثر استعمالها في معنى كثير مما تضاف إليه كقوله تعالى: {أية : وأوتيت من كل شيء}تفسير : [النمل: 23] أي من أكثر الأشياء التي يؤتاها أهل الملك، وقول النابغة:شعر : بها كلّ ذيّال وخنساء ترعوي إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد تفسير : أي: بها وحش كثير في رمال كثيرة. وتكرر هذا الإطلاق ثلاث مرات في قول عنترة:شعر : جادت عليه كلّ بِكْرٍ حُرة فتركْنَ كلّ قرارة كالدرهم سَحاً وتسكاباً فكلّ عشيةٍ يجري عليها الماء لم يتصرم تفسير : وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } تفسير : في[سورة البقرة: 145]. ويأتي إن شاء الله في سورة النمل. و{يأتين} يجوز أن يكون صفة لــــ {كل ضامر} لأن لفظ (كل) صيره في معنى الجمع. وإذ هو جمع لما لا يعقل فحقه التأنيث، وإنما أسند الإتيان إلى الرواحل دون الناس فلم يقل: يأتون، لأنّ الرواحل هي سبب إتيان الناس من بُعد لمن لا يستطيع السفر على رجليه. ويجوز أن تُجعل جملة {يأتين}حالاً ثانية من ضمير الجمع في {يأتوك}لأنّ الحال الأولى تضمنت معنى التنويع والتصنيف، فصار المعنى: يأتوك جماعات، فلما تأوّل ذلك بمعنى الجماعات جرى عليهم الفعل بضمير التأنيث. وهذا الوجه أظهر لأنه يتضمن زيادة التعجيب من تيسير الحج حتى على المشاة. وقد تشاهد في طريق الحج جماعات بين مكة والمدينة يمشون رجالاً بأولادهم وأزوادهم وكذلك يقطعون المسافات بين مكة وبلادهم. والفجّ: الشقّ بين جبلين تسير فيه الركاب، فغلب الفجّ على الطريق لأن أكثر الطرق المؤدية إلى مكة تُسلك بين الجبال. والعميق: البعيد إلى أسفل لأن العمق البعد في القعر، فأطلق على البعيد مطلقاً بطريقة المجاز المرسل، أو هو استعارة بتشبيه مكة بمكان مرتفع والناس مصعدون إليه. وقد يطلق على السفر من موطن المسافر إلى مكان آخر إصعاد كما يطلق على الرجوع انحدار وهبوط، فإسناد الإتيان إلى الرواحل تشريف لها بأن جعلها مشاركة للحجيج في الإتيان إلى البيت. وقوله {ليشهدوا}يتعلق بقوله {يأتوك}فهو علّة لإتيانهم الذي هو مسبب على التأذين بالحجّ فآل إلى كونه علّة في التأذين بالحجّ. ومعنى {لِيَشهدوا} ليحضروا منافع لهم، أي ليحضروا فيحصّلوا منافع لهم إذ يحصّل كلّ واحد ما فيه نفعه. وأهم المنافع ما وعدهم الله على لسان إبراهيم - عليه السلام - من الثواب. فكُني بشهود المنافع عن نيلها. ولا يعرف ما وعدهم الله على ذلك بالتعيين. وأعظم ذلك اجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد ليتلقى بعضهم عن بعض ما به كمال إيمانه. وتنكير {منافع} للتعظيم المراد منه الكثرة وهي المصالح الدينية والدنيوية لأن في مجمع الحجّ فوائد جمّة للناس: لأفرادهم من الثواب والمغفرة لكل حاج، ولمجتمعهم لأن في الاجتماع صلاحاً في الدنيا بالتعارف والتعامل. وخُص من المنافع أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. وذلك هو النحر والذبح للهدايا. وهو مجمل في الواجبة والمتطوع بها. وقد بيّنْته شريعة إبراهيم من قبل بما لم يبلغ إلينا، وبيّنه الإسلام بما فيه شفاء. وحرف {على} متعلّق بــــ {يذكروا}، وهو للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى الملابسة والمصاحبة، أي على الأنعام. وهو على تقدير مضاف، أي عند نحر بهيمة الأنعام أو ذبحها. و(ما) موصولة، و {من بهيمة الأنعام} بيان لمدلول (ما). والمعنى: ليذكروا اسم الله على بهيمة الأنعام. وأدمج في هذا الحكم الامتنان بأنّ الله رزقهم تلك الأنعام، وهذا تعريض بطلب الشكر على هذا الرزق بالإخلاص لله في العبادة وإطعام المحاويج من عباد الله من لحومها، وفي ذلك سد لحاجة الفقراء بتزويدهم ما يكفيهم لعامهم، ولذلك فرع عليه {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}. فالأمر بالأكل منها يحتمل أن يكون أمر وجوب في شريعة إبراهيم - عليه السلام - فيكون الخطاب في قوله {فكلوا} لإبراهيم ومن معه. وقد عدل عن الغيبة الواقعة في ضمائر {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}، إلى الخطاب بذلك في قوله: {فكلوا منها وأطعموا البائس} الخ. على طريقة الالتفات أو على تقدير قول محذوف مأمورٍ به إبراهيم عليه السلام. وفي حكاية هذا تعريض بالرد على أهل الجاهلية إذ كانوا يمنعون الأكل من الهدايا. ثم عاد الأسلوب إلى الغيبة في قوله: {أية : ثم ليقضوا تفثهم}تفسير : [الحج: 29]. ويحتمل أن تكون جملة {فكلوا منها} الخ معترضة مفرّعة على خطاب إبراهيم ومن معه تفريعَ الخبر على الخبر تحذيراً من أن يُمنع الأكل من بعضها. والأيام المعلومات أجملت هنا لعدم تعلّق الغرض ببيانها إذ غرض الكلام ذكر حجّ البيت وقد بينت عند التعرض لأعمال الحج عند قوله تعالى: {أية : واذكروا الله في أيام معدودات}تفسير : [البقرة: 203]. والبائس: الذي أصابه البؤس، وهو ضيق المال، وهو الفقير، هذا قول جمع من المفسرين. وفي «الموطأ»: في باب ما يكره من أكل الدواب، قال مالك: سمعت أن البائس هو الفقير اهــــ. وقلت: من أجل ذلك لم يعطف أحد الوصفين على الآخر لأنه كالبيان له وإنما ذكر البائس مع أنّ الفقير مغن عنه لترقيق أفئدة الناس على الفقير بتذكيرهم أنه في بؤس لأن وصف فقير لشيوع تداوله على الألسن صار كاللقب غيرَ مشعر بمعنى الحاجة وقد حصل من ذكر الوصفين التأكيد. وعن ابن عباس: البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه، والفقير: الذي تكُون ثيابه نقيّة ووجهه وجه غني. فعلى هذا التفسير يكون البائس هو المسكين ويكون ذكر الوصفين لقصد استيعاب أحوال المحتاجين والتنبيه إلى البحث عن موقع الامتناع.
د. أسعد حومد
تفسير : (27) - وَقُلْنَا لإِبْرَاهِيمَ: نَادِ النَّاسَ دَاعِياً إِيَّاهُم إِلَى الحَجِّ إِلَى هَذا البَيْتِ الذي أَمَرْنَاكَ بِبِنَائِهِ، يَأْتُوكَ مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِهِمْ (رِجَالاً)، مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ، وَيَأْتُوكَ رَاكَبِينَ (رُكْبَاناً) عَلَى الخَيْلِ والجِمَالِ المُضَمَّرَةِ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ بَعِيدٍ. (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُبَلِّغُ النَّاسَ وَصَوْتِي لاَ يَنْفُذُهُم؟ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: نَادِ وَعَلَيْنَا البَلاَغُ، فَقَامَ فَنَادَى، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُم اتَّخَذَ بَيْتاً فَحُجُّوهُ. وَلِهَذَا يَرُدُّ مَنْ يَحُجُّ البَيْتَ عَلَى نِدَاءِ اللهِ قَائِلاً: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ). أَذِّنْ فِي النَّاسِ - نَادِ فِيهمِ وَأَعْلِمْهُم. رِجَالاً - مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِهِمْ. ضَامِرٍ - بَعِير أَوْ فَرَسٍ مَهْزُولٍ مِنْ بُعْدِ الشُّقَّةِ. فَجٍّ عَمِيقٍ - طَرِيقٍ بَعِيدٍ.
الثعلبي
تفسير : {وَأَذِّن} يعني وعهدنا إلى إبراهيم ايضاً أن أذّنْ أي أعلِمْ ونادِ في الناس {بِٱلْحَجِّ}. فقال إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان وعليّ البلاغ، فقام إبراهيم على المقام وقيل: على جبل أبي قبيس ونادى: يا أيها الناس ألا إنّ ربّكم قد بنى بيتاً فحجّوه، فأسمع الله ذلك من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وما بين المشرق والمغرب والبر والبحر ممن سبق في علم الله سبحانه أن يحجّ إلى يوم القيامة، فأجابه: لبيك اللهم لبيك. وقال ابن عباس: عنى بالناس في هذه الآية أهل القبلة وزعم الحسن أنّ قوله تعالى {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ} كلام مستأنف، وأن المأمور بهذا التأذين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمر أن يفعل ذلك في حجّة الوداع. {يَأْتُوكَ رِجَالاً} مشاة على أرجلهم جمع راجل مثل قائم وقيام وصائم وصيام. {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} أي وركبانا، والضامر البعير المهزول، وإنما جمع {يَأْتِينَ} لمكان كلّ، أراد النوق {مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} طريق بعيد. سمعت أبا الحسن محمد بن القاسم الفقيه يقول: سمعت أبا القاسم بشر بن محمد بن ياسين القاضي يقول: رأيت في الطواف كهلاً قد أجهدته العبادة واصفرّ لونه وبيده عصا وهو يطوف معتمداً عليها، فتقدّمت إليه وجعلت أُسائله فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من خراسان قال: في أي ناحية تكون خراسان؟ كأنّه جهلها؟ قلت: ناحية من نواحي المشرق، فقال: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: في شهرين وثلاثة أشهر، قال: أفلا تحجّون كل عام فأنتم من جيران هذا البيت؟ فقلت له: وكم بينكم وبين هذا البيت؟ فقال: مسيرة خمس سنين، خرجت من بلدي ولم يكن في رأسي ولحيتي شيب، فقلت: هذا والله الجهد البيّن والطاعة الجميلة والمحبة الصادقة، فضحك في وجهي وأنشأ يقول: شعر : زُر مَن هويت وإنْ شطّت بك الدار وحال من دونه حجب وأستارُ لا يمنعك بُعدٌ من زيارته إنّ المحبّ لمن يهواه زَوارُ تفسير : {لِّيَشْهَدُواْ} ليحضروا {مَنَافِعَ لَهُمْ} يعني التجارة عن سعيد بن جبير، وهي رواية ابن رزين عن ابن عباس قال: هي الأسواق. مجاهد: التجارة وما يرضي الله سبحانه من أمر الدنيا والآخرة. سعيد بن المسيب وعطية العوفي ومحمد بن علىّ الباقر: العفو والمغفرة. {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} يعني ذي الحجّة في قول أكثر المفسّرين، والمعدودات أيام التشريق، وإنّما قيل لها معدودات لأنّها قليلة، وقيل للعشر: معلومات للحرص على علمها بحسابها من أجل أنّ وقت الحج في آخرها. وقال مقاتل: المعلومات أيام التشريق. محمد بن كعب: المعدودات والمعلومات واحدة. {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} يعني الهدايا والضحايا من الإبل والبقر والغنم. {فَكُلُواْ مِنْهَا} أمر إباحة وليس بواجب. قال المفسرون: وإنّما قال ذلك لأنّ أهل الجاهلية كانوا ينحرون ويذبحون ولا يأكلون من لحوم هداياهم شيئاً. {وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ} يعني الزمِن {ٱلْفَقِيرَ} الذي لا شيء له {ثُمَّ لْيَقْضُواْ} واختلف القرّاء في هذه اللامات فكسرها بعضهم فرقاً بين ثم والواو والفاء لأن ثمّ مفضول من الكلام، والواو والفاء كأنهما من نفس الكلمة، وجزمها الآخرون لأنّها كلّها لامات الأمر {تَفَثَهُمْ} والتفث: مناسك الحج كلّها عن ابن عمر وابن عباس. وقال القرظي ومجاهد: هو مناسك الحج واخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقصّ الأظفار. عكرمة: التفث: الشعر والظفر. الوالبي عن ابن عباس: هو وضع الإحرام من حلق الرأس وقصّ الأظفار ولبس الثياب ونحوها. وأصل التفث في اللغة الوسخ، تقول العرب للرجل تستقذره: ما أتفثك أي ما أوسخك! وأقذرك! قال أمية بن الصلت: شعر : ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثاً وينزعوا عنهم قملاً وصئبانا تفسير : {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} قال مجاهد: نذر الحج والهدي وما ينذر الانسان من شيء يكون في الحج. {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أراد الطواف الواجب وهو طواف الإفاضة والزيارة الذي يطاف بعد التعريف أمّا يوم النحر وأمّا بعده. واختلف العلماء في معنى العتيق، فقال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وقتادة: سمّي عتيقاً لأنّ الله سبحانه أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه، فلم يظهر عليه جبار قطّ، ولم يسلّط عليه إلاّ من يعظّمه ويحترمه. قال سعيد بن جبير: أقبل تبّع يريد هدم البيت حتى إذا كان بقديد أصابه الفالج فدعا الأحبار فقالوا: إنّ لهذا البيت ربّاً ما قصده قاصد بسوء إلاّ حجبه عنه بمكروه فإن كنت تريد النجاة ممّا عرض لك فلا تتعرّض له بسوء. قال: فأهدى إلى البيت كسوة وأنطاعاً فأُلبست، وكان أوّل ما أُلبست، ونحر عنده ألف ناقة وعفا عن أهله وبرّهم ووصلهم، فسمّيت المطابخ لمطبخة القوم، وكانت خيله جياداً فسميّت جياد لخيل تبّع، وسميّت قعيقعان لقعقعة السلاح حين أقبل من المدينة. وقال سفيان بن عيينة: سمّي بذلك لأنه لم يُملك قط، وهي رواية عبيد عن مجاهد قال: إنما سمّي البيت العتيق لأنّه ليس لأحد فيه شيء. ابن زيد: لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس، يقال: سيف عتيق ودينار عتيق أي قديم، وقيل: لأنه كريم على الله سبحانه، يقول العرب: فرس عتيق. {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} فيجتنب معاصيه {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ}. قال ابن زيد: الحرمات: المشعر الحرام والبيت الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام، وقيل: هي المناسك. {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ} أن تأكلوها إذا ذكّيتموها {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} في القرآن وهو قوله {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ}تفسير : [المائدة: 3] الآية، وقوله {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 121] وقيل: وأُحلّت لكم الأنعام في حال إحرامكم إلاّ ما يتلى عليكم من الصيد فإنه حرام في حال الإحرام. {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} يعني عبادتها لأن الأوثان كلّها رجس. {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} يعني الكذب والبهتان. قال أيمن بن حريم: قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: "حديث : يا أيها الناس عدلت شهادة الزور الشرك بالله، ثمَّ قرأ هذه الآية ". تفسير : وقال بعضهم: هو قول المشركين في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. {حُنَفَآءَ} مستقيمين مخلصين {لِلَّهِ} وقيل: حجاجاً غير مشركين به {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي سقط إلى الأرض {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} والخطف والاختطاف تناول الشيء بسُرعة، وقرأ أهل المدينة فتخَطّفه بفتح الخاء وتشديد الطاء أي تتخَطَّفه فأُدغم، وتصديق قراءة العامة قوله تعالى {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ}تفسير : [الصافات: 10]. {أَوْ تَهْوِي} تميل وتذهب {بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} بعيد. قال أهل المعاني: إنما شبّه حال المشرك بحال الهاوي في أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا دفع ضر يوم القيامة. وقال الحسن: شبّه أعمال الكفّار بهذه الحال في أُنها تذهب وتبطل، فلا يقدرون على شيء منها. {ذٰلِكَ} الذي ذكرت من اجتناب الرجس والزور وتعظيم شعائر الله {مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} هذا معنى الآية ونظمها: وشعائر الله: الهدي والبُدن، وأصلها من الإشعار وهو إعلامها لتعرف أنها هدي فسمّيت به، وتعظيمها استعظامها واستحسانها واستسمانها. {لَكُمْ فِيهَا} أي في الهدايا {مَنَافِعُ} قيل: أن يسمّيها صاحبها بدنة أو هدياً ويشعرها ويقلدّها في رسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} وهو أن يسمّيها هدياً ويوجبها، فإذا فعل ذلك لم يكن له من منافعها شيء، هذا قول مجاهد وعطاء والضحاك وقتادة، ورواية مقسم عن ابن عباس، وقيل: معناه: لكم في هذه الهدايا منافع بعد إنجابها وتسميتها هدياً بأن تركبوها إذا احتجتم إليها وتشربوا ألبانها إن اضطررتم إليها، إلى أجل مسمّى يعني إلى أن تُنحر، وهذا قول عطاء بن أبي رباح. وقال بعضهم: أراد بالشعائر المناسك ومشاهد مكة، ومعنى الآية: لكم فيها منافع بالتجارة والأسواق إلى أجل مسمّى وهو الخروج من مكة، وهذه رواية أبي ذر عن ابن عباس. وقال بعضهم: لكم فيها منافع بالأجر والثواب في قضاء المناسك وإقامة شعائر الحج إلى أجل مسمى وهو انقضاء أيام الحج. {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أي منحرها عند البيت العتيق يعني أرض الحرم كلّها، نظيرها قوله سبحانه {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [التوبة: 28] أي الحرم كلّه، وقال الذين قالوا: عنى بالشعائر المناسك، معنى الآية: ثم محلّ الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق أن يطوفوا به طواف الزيارة يوم النحر بعد قضاء المناسك. {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} جماعة مؤمنة سلفت قبلكم {جَعَلْنَا مَنسَكاً} اختلف القرّاء فيه فقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصماً بكسر السين في الحرفين على معنى الاسم مثل المجلس والمطلع أي مذبحاً موضع قربان، وقرأ الآخرون بفتح السين فيهما على المصدر مثل المدخل والمخرج أي إهراق الدماء وذبح القرابين. {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} عند ذبحها ونحرها، وإنّما خصّ بهيمة الأنعام لأنَّ من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير، وإنما قيل بهائم لأنها لا تتكلم. {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} قال ابن عباس وقتادة: المتواضعين، مجاهد: المطمئنّين إلى الله سبحانه، الأخفش: الخاشعين، ابن جرير: الخاضعين، عمرو بن أوس: هم الذين لا يَظلمون، وإذا ظُلموا لم ينتصروا. {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَٱلْبُدْنَ} أي الإبل العظام الضخام الأجسام، وتخفّف وتثقّل واحدتها بدنة مثل تمرة وتمر وخشبة وخشب وبادن مثل فاره وفره، والبدن هو الضخم من كلّ شيء ومنه قيل لامرئ القيس بن النعمان صاحب الخورنق والسدير: البدن لضخمه، وقد بدُن الرجل بدناً وبدانةً إذا ضخم، فأما إذا أشفى واسترخى قيل: بدّن تبديناً. وقال عطاء والسدّي: البدن: الإبل والبقر. {جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} أي أعلام دينه إذا أُشعر {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} النفع في الدنيا، والأجر في العقبى {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} عند نحرها، قال ابن عباس: هو أن تقول: الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر، اللهمّ منك ولك. {صَوَآفَّ} أي قياماً على ثلاث قوائم قد صفّت رجليها وإحدى يديها ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك. روى يعلى بن عطاء عن يحيى بن سالم قال: رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته فقال: صوافّ كما قال الله سبحانه، فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها. وقال مجاهد: الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث وتنحر كذلك. وقرأ ابن مسعود: صوافن وهي المعقلة تعقل يد واحدة، وكانت على ثلاث وتنحر، وهو مثل صواف. وقرأ أُبيّ: صوافي وهكذا أيضاً مجاهد وزيد بن أسلم بالياء أي صافية خالصة لله سبحانه لا شريك له فيها كما كان المشركون يفعلون. {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} أي سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض. وقال ابن زيد: فإذا ماتت، وأصل الوجوب الوقوع، يقال: وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب، ووجب الفعل إذا وقع ما يلزم به فعله. {فَكُلُواْ مِنْهَا} أمر إباحة ورخصة مثل قوله سبحانه {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ}تفسير : [المائدة: 2] وقوله سبحانه وتعالى {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الجمعة: 10]. {وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ} اختلفوا في معناهما، فروى العوفي عن ابن عباس وليث عن مجاهد أنّ القانع الذي يقنع بما أُعطي، ويرضى بما عنده ولا يسأل، والمعترّ: الذي يمرّ بك ويتعّرض لك ولا يسأل. عكرمة وابن ميثم وقتادة: القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: السائل الذي يعتريك ويسألك، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس. حصيف عن مجاهد، القانع: أهل مكة وجارك وإن كان غنّياً، والمعتّر الذي يعتريك ويأتيك فيسألك، وعلى هذه التأويلات يكون القانع من القناعة وهي الرضا والتعفّف وترك السؤال. سعيد بن جبير والكلبي: القانع: الذي يسألك، والمعترّ: الذي يتعرّض لك ويريك نفسه ولا يسألك، وعلى هذا القول يكون القانع من القنوع وهو السؤال. قال الشماخ: شعر : لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعفّ من القنوع تفسير : وقال لبيد: شعر : واعطاني المولى على حين فقره إذا قال أبصر خلّتي وقنوعي تفسير : وقال زيد بن أسلم: القانع: المسكين الذي يطوف ويسأل، والمعترّ: الصديق الزائر الذي يعترّ بالبدن. ابن أبي نجيح عن مجاهد: القانع: الطامع، والمعتر: من يعتر بالبدن من غنّي أو فقير. ابن زيد: القانع: المسكين، والمعترّ الذي يعترّ القوم للحمهم وليس بمسكين ولا يكون له ذبيحة، يجيء إلى القوم لأجل لحمهم. وقرأ الحسن: والمعتري وهو مثل المعتر، يقال: عراه واعتراه إذا أتاه طالباً معروفه. {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} وذلك أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطّخوا حيطان الكعبة بدمائها فأنزل الله سبحانه {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ} أي لن يصل إلى الله {لُحُومُهَا وَلا دِمَآؤُهَا}. {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} أي النيّة وإلاخلاص وما أُريد به وجه الله عزّ وجلّ، وقرأ يعقوب تنال وتناله بالتاء، غيره: بالياء. {كَذٰلِكَ} هكذا {سَخَّرَهَا} يعني البدن {لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} لإعلام دينه ومناسك حجّه وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا وأولانا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أمر الله نبيه إبراهيم بعد أنْ رفع القواعد من البيت أنْ يُؤذِّن في الناس بالحج، لماذا؟ لأن البيت بيت الله، والخَلْق جميعاً خَلْق الله، فلماذا تقتصر رؤية البيت على مَنْ قُدِّر له أنْ يمرّ به، أو يعيش إلى جواره؟ فأراد الحق - سبحانه وتعالى - أنْ يُشيع هذه الميْزة بين خَلْقه جميعاً، فيذْهبوا لرؤية بيت ربهم، وإنْ كانت المساجد كلها بيوت الله، إلا أن هذا البيت بالذات هو بيت الله باختيار الله؛ لذلك جعله قبْلة لبيوته التي اختارها الخَلْق. إن من علامات الولاء بين الناس أنْ نزور قصور العظماء وعِلْية القوم، ثم يُسجل الزائر اسمه في سِجلِّ الزيارات، ويرى في ذلك شرفاً ورِفْعة، فما بالك ببيت الله، كيف تقتصر زيارته ورؤيته على أهله والمجاورين له أو مَنْ قُدِّر لهم المرور به؟ ومعنى {أَذِّن ..} [الحج: 27] الأذان: العلم، وأول وسائل العلم السماع بالأذن، ومن الأذن أُخذ الأذان. أي: الإعلام. ومن هذه المادة قوله تعالى: {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 7] أي: أعلم؛ لأن الأذن وسيلة السماع الأولى، والخطاب المبدئي الذي نتعلَّم به؛ لذلك قبل أنْ تتكلَّم لا بُدَّ أنْ تسمع. وحينما أمر الله إبراهيم بالأذان لم يكُن حول البيت غير إبراهيم وولده وزوجته، فلمَنْ يُؤذِّن؟ ومَنْ سيستمع في صحراء واسعة شاسعة وواد غير مسكون؟ فناداه ربه: "يا إبراهيم عليك الأذان وعلينا البلاغ". مهمتك أنْ ترفَع صوتك بالأذان، وعلينا إيصال هذا النداء إلى كل الناس، في كل الزمان، وفي كل المكان، سيسمعه البشر جميعاً، وهم في عالم الذَّرِّ وفي أصلاب آبائهم بقدرة الله تعالى الذي قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ..} تفسير : [الأنفال: 17]. يعني: أَدِّ ما عليك، واترك ما فوق قدرتك لقدرة ربك. فأذَّنَ إبراهيم في الناس بالحج، ووصل النداء إلى البشر جميعاً، وإلى أن تقوم الساعة، فَمنْ أجاب ولَبَّى: لبيك اللهم لبيك كُتِبَتْ له حَجَّة، حتى إن من العلماء من قال: مَنْ لبَّى مرة كُتِبَتْ له حجة، ومَنْ لبَّى مرتين كتِبت له حجَّتيْن وهكذا، لأن معنى لبيك: إجابةً لك بعد إجابة. فإنْ قُلْتَ: إن مطالب الله وأوامره كثيرة، فلماذا أخذ الحج بالذات هذه المكانة؟ نقول: أركان الإسلام تبدأ بالشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج، لو نظرتَ إلى هذه الأركان لوجدتَ أن الحج هو الركن الوحيد الذي يجتهد المسلم في أدائه وإنْ لم يكُن مستطيعاً له فتراه يوفر ويقتصد حتى من قُوته، وربما حرمَ نفسه لِيُؤدِّي فريضة الحج، ولا يحدث هذا ولا يتكلفه الإنسان إلا في هذه الفريضة، لماذا؟ قالوا: لأن الله تعالى حكم في هذه المسألة فقال: أَذِّن - يأتوكَ، هكذا رَغْماً عنهم، ودون اختيارهم، أَلاَ ترى الناس ينجذبون لأداء هذه الفريضة، وكأن قوة خارجة عنهم تجذبهم. وهذا معنى قوله تعالى: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ ..}تفسير : [إبراهيم: 37] ومعنى تهوي: تأتي دون اختيار من الْهُويِّ أي: السقوط، وهو أمر لا يملكه الإنسان، كالذي يسقط من مكان عالٍ، فليس له اختيار في ألاَّ يسقط. وهكذا تحِنُّ القلوب إلى بيت الله، وتتحرَّق شَوْقاً إليه، وكأن شيئاً يجذبها لأداء هذه الفريضة؛ لأن الله تعالى أمر بهذه الفريضة، وحكم فيها بقوله {يَأْتُوكَ ..} [الحج: 27] أما في الأمور الأخرى فقد أمر بها وتركها لاختيار المكلف، يطيع أو يعصي، إذن: هذه المسألة قضية صادقة بنصِّ القرآن. وبعض أهل الفَهْم يقولون: إن الأمر في: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ..} [الحج: 27] ليس لإبراهيم، وإنما لمحمد صلى الله عليه وسلم - الذي نزل عليه القرآن، وخاطبه بهذه الآية، فالمعنى {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ..} تفسير : [الحج: 26] يعني: اذكر يا مَنْ أُنْزل عليه كتابي إذْ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، اذكر هذه القضية {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ..} [الحج: 27] فكأن الأمر هنا لمحمد صلى الله عليه وسلم. لذلك لا نشاهد هذا النسك في الأمم الأخرى كاليهود والنصارى، فهم لا يحجون ولا يذهبون إلى بيت الله أبداً، وقد ثبت أن موسى - عليه السلام - حج بيت الله، لكن لم يثبت أن عيسى عليه السلام حَجَّ، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : "يُوشك أنْ ينزل ابن مريم، ويأتي حاجاً، ويزور قبري، ويُدفن هناك ." تفسير : فقال رسول الله: "ويأتي حاجاً" لأنه لم يمت، وسوف يدرك عهد التكليف من رسول الله حين ينزل من السماء، وسيصلي خلف إمام من أمة محمد صلى الله على جميع أنبياء الله ورُسُله. ومن المسائل التي نحتجُّ بها عليهم قولهم: إن الذبيح إسحاق، فلو أن الذبيح إسحاق كما يدَّعون لكانت مناسك الذبح والفداء ورَمْي الجمار عندكم في الشام، أمّا هذه المناسك فهي هنا في مكة، حيث كان إسماعيل. ثم تذكَّروا جيداً ما قاله كتابكم المقدس في الأصحاح 23، 24 من أن الحق - سبحانه وتعالى - أوحى إلى إبراهيم أن يصعد على جبل فاران، ويأخذ ولده الوحيد ويذبحه، فالوحيد إسماعيل لا إسحاق؛ لأن الله فدى إسماعيل، ثم بشَّر إبراهيم بإسحاق. ومن حكمة الله - عز وجل - أنْ جعل في كذب الكاذب مَنْفذاً للحق، وثغرات نصل منها إلى الحقيقة؛ لذلك يقول رجال القضاء: ليست هناك جريمة كاملة أبداً، لا بُدَّ أنْ يترك المجرم قرينة تدلُّ عليه مهما احتاط لجريمته، كأن يسقط منه شيء ولو أزرار من ملابسه، أو ورقة صغيرة بها رقم تليفون.. إلخ، لذلك نقول: الجريمة لا تفيد؛ لأن المجرم سيقع لا محالة في يد مَنْ يقتصُّ منه. ولرجال القضاء ووكلاء النيابة مقدرة كبيرة على استخلاص الحقيقة من أفواه المجرمين أنفسهم، فيظل القاضي يحاوره إلى أنْ يجد في كلامه ثغرةً أو تضارباً يصل منه إلى الحقيقة. ذلك لأن للصدق وجهاً واحداً لا يمكن أنْ يتلجلج صاحبه أو يتردد، أمّا الكذب فله أكثر من وجه، والكاذب نفسه لو حاورتَهُ أكثر من مرة لوجدتَ تغييراً وتضارباً في كلامه؛ لذلك العرب يقولون: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً. يعني: تذكَّر ما قُلْته أولاً، حتى لا تُغيِّره بعد ذلك. ومن أمثلة الكذب الذي يفضح صاحبه قَوْلُ أحدهم للآخر: هل تذكر يوم كنا في مكان كذا ليلة العيد الصغير، وكان القمر ظهراً!! فقال: كيف، يكون القمر مثل الظهر في آخر الشهر؟ وقد يلجأ القاضي إلى بعض الحِيَل، ولا بُدَّ أنْ يستخدم ذكاءه لاستجلاء وجه الحق، كالقاضي الذي احتكم إليه رجلان يتهم أحدهما الآخر بأنه أخذ ماله أمانة، ثم أخذها لنفسه ودفنها في موضع كذا وكذا، فلما حاور القاضي المتهم أنكر فانصرف عنه، وتوجَّه إلى صاحب الأمانة، وقال له: اذهب إلى المكان، وابحثْ لعلَّك تكون قد نسيتَه هنا أو هناك. أو لعلّ آخر أخذه منك، فذهب صاحب المال، وفجأة سأل القاضي المتهم: لماذا تأخر فلان طوالَ هذا الوقت؟ فردَّ المتهم: لأن المكان بعيدٌ يا سيادة القاضي. فخانتْه ذاكرته، ونطق بالحق دون أن يشعر. ثم يقول تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالاً ..} [الحج: 27] ورجالاً هنا ليست جَمْعاً لرجل، إنما جمع لراجل، وهو الذي يسير على رِجْلَيْه {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ..} [الحج: 27] الضامر: الفَرَس أو البعير المهزول من طول السفر. وتقديم الماشين على الراكبين تأكيد للحكم الإلهي {يَأْتُوكَ ..} [الحج: 27] فالجميع حريص على أداء الفريضة حتى إنْ حَجَّ ماشياً. وقوله: {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} [الحج: 27] أي: من كل طريق واسع {عَميِقٍ} [الحج: 27] يعني: بعيد. ثم يقول الحق سبحانه: {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال نا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله، عز وجل: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ} [الآية: 27]. قال: لما أَمر الله، عز وجل، إِبراهيم عليه السلام، أَن يؤذن في الناس بالحج، قال: يا أَيها الناس، إِن ربكم اتخذ بيتاً وأَمركم أَن تحجوه. فاستجاب له ما سمعه من حجر أَو شجر أَو أَكمة أَو تراب أَو شيء. فقالوا: لبيك اللهم لبيك. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} [الآية: 28]. قال: يعني الأَجر في الآخرة والتجارة في الدنيا. أَنا عبدالرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا شيبان عن عاصم بن أَبي النجود، عن أَبي رزين في قوله: {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} [الآية: 28]. قال: يعني الأَسواق. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} [الآية: 29]. قال: التفث حلق الرأْس والعانة، وقص اللحية والشارب والأَظفار ورمي الجمار. أَنا عبد الرحمن، قال نا إبراهيم، قال: نا آدم، قال ثنا ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الآية: 29]. يعني: نذر الحج والهدي وما نذر الإِنسان من شيء يكون في الحج. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} [الآية: 29]. أَعتقه الله، عز وجل، من الجبابرة أَن يدعيه أَحد منهم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالاً} معناه رَجَّالةٌ {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} معناه رُكابٌ عَلى الدَّوابِ. تفسير : وقوله تعالى: {مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} معناه من طَريقٍ بعيدٍ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 670 : 10 : 27 - سفين في قوله {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} [الآية 27]. 671 : 11 : 1 - سفين عن منصور عن مجاهد قال، أمر إبراهيم، صلى الله عليه وسلم أن يؤذن بالحج، فقام على المقام، فتطاول به حتى صار كأطول جبل، فنادى: "يا أيها الناس، أجيبوا ربكم" مرتين. فأجابوه من تحت البحور السبع: "لبيك اجبنا - لبيك اطعنا". فمن حج الى يوم القيامة، فهو من استجاب له. "فوقرت في نفس كل مسلم. [الآية 27]. 672 : 12 : 2 - سفين عن سلمة بن كهيل عن مجاهد، (مثله) الا انه لم يذكر "فوقرت في قلب كل مسلم".
همام الصنعاني
تفسير : 1917- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالاً}: [الآية: 27]، قال: عَلَى أرْجُلِهِمْ، {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ}: [الآية: 27]. 1918- حدّثنا عبد الزراق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة، في قوله تعالى: {مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ}: [الآية: 27]، قال: من كل مكان بعيد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):