٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا } أي واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة، أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة. وكان قد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله تعالى إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها فكشفت ما حوله فبناه على وضعه الأول، وقيل أمر إبراهيم بأن يأتي موضع البيت فيبنى، فانطلق فخفي عليه مكانه فبعث الله تعالى على قدر البيت الحرام في العرض والطول غمامة وفيها رأس يتكلم وله لسان وعينان فقال يا إبراهيم ابن علي قدري وحيالى فأخذ في البناء وذهبت السحابة، وههنا سؤالات: السؤال الأول: لا شك أن (أن) هي المفسرة فكيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيراً للتبوئة الجواب: أنه سبحانه لما قال جعلنا البيت مرجعاً لإبراهيم، فكأنه قيل ما معنى كون البيت مرجعاً له، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحداً لرب البيت عن الشريك والنظير، وبقالبه مشتغلاً بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام. السؤال الثاني: أن إبراهيم لما لم يشرك بالله فكيف قال أن لا تشرك بي الجواب: المعنى لا تجعل في العبادة لي شريكاً، ولا تشرك بي غرضاً آخر في بناء البيت. السؤال الثالث: البيت ما كان معموراً قبل ذلك فكيف قال وطهر بيتي الجواب: لعل ذلك المكان كان صحراء وكانوا يرمون إليها الأقذار، فأمر إبراهيم ببناء البيت في ذلك المكان وتطهيره من الأقذار، وكانت معمورة فكانوا قد وضعوا فيها أصناماً فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ووضع بناء جديد وذلك هو التطهير عن الأوثان، أو يقال المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك وقول الزور. وأما قوله: {لِلطَّائِفِينَ وَٱلْقَائِمِينَ } فقال ابن عباس رضي الله عنهما للطائفين بالبيت من غير أهل مكة {وَٱلْقَائِمِينَ } أي المقيمين بها {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } أي من المصلين من الكل، وقال آخرون القائمون وهم المصلون، لأن المصلي لا بد وأن يكون في صلاته جامعاً بين القيام والركوع والسجود، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن محيصن {وآذِّن } بمعنى أعلم. المسألة الثانية: في المأمور قولان: أحدهما: وعليه أكثر المفسرين أنه هو إبراهيم عليه السلام قالوا لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال سبحانه: {وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ } قال يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال عليك الأذان وعلى البلاغ. فصعد إبراهيم عليه السلام الصفا وفي رواية أخرى أبا قبيس، وفي رواية أخرى على المقام قال إبراهيم كيف أقول؟ قال جبريل عليه السلام: قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى، وفي رواية أخرى أنه صعد الصفا فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم حج البيت العتيق فسمعه ما بين السماء والأرض، فما بقي شيء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول: لبيك اللهم لبيك، وفي رواية أخرى إن الله يدعوكم إلى حج البيت الحرام ليثيبكم به الجنة ويخرجكم من النار، فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وكل من وصل إليه صوته من حجر أو شجر ومدر وأكمة أو تراب، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك النداء، فمن أجاب مرة حج مرة، ومن أجاب مرتين أو أكثر. فالحج مرتين أو أكثر على ذلك المقدار، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى، قال القاضي عبد الجبار: يبعد قولهم إنه أجابه الصخر والمدر، لأن الإعلام لا يكون إلا لمن يؤمر بالحج دون الجماد، فأما من يسمع من أهل المشرق والمغرب نداءه فلا يمتنع إذا قواه الله تعالى ورفع الموانع ومثل ذلك قد يجوز في زمان الأنبياء عليهم السلام. القول الثاني: أن المأمور بقوله: {وَأَذِّن } هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الحسن واختيار أكثر المعتزلة واحتجوا عليه بأن ما جاء في القرآن وأمكن حمله على أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو المخاطب به فهو أولى وتقدم قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ } لا يوجب أن يكون قوله: {وَأَذِّن } يرجع إليه إذ قد بينا أن معنى قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا } أي واذكر يا محمد {إِذْ بَوَّأْنَا } فهو في حكم المذكور، فإذا قال تعالى: {وَأَذِّن } فإليه يرجع الخطاب وعلى هذا القول ذكروا في تفسير قوله تعالى: {وَأَذِّن } وجوهاً: أحدها: أن الله تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يعلم الناس بالحج. وثانيها: قال الجبائي أمره الله تعالى أن يعلن التلبية فيعلم الناس أنه حاج فيحجوا معه قال وفي قوله: {يَأْتُوكَ } دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدي به. وثالثها: أنه ابتداء فرض الحج من الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم. أما قوله: {يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجٍّ عَميِقٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الرجال المشاة واحدهم راجل كنيام ونائم وقرىء رجال بضم الراء مخفف الجيم ومثقله ورجال كعجال عن ابن عباس رضي الله عنهما وقوله: {وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ } أي ركباناً والضمور الهزال ضمر يضمر ضموراً، والمعنى أن الناقة صارت ضامرة لطول سفرها. وإنما قال: {يَأْتِينَ } أي جماعة الإبل وهي الضوامر لأن قوله: {وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ } معناه على إبل ضامرة فجعل الفعل بمعنى كل ولو قال يأتي على اللفظ صح وقرىء يأتون صفة للرجال والركبان، والفج الطريق بين الجبلين، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعاً، والعميق البعيد قرأ ابن مسعود معيق يقال بئر بعيدة العمق والمعق. المسألة الثانية: المعنى: وأذن، ليأتوك رجالاً وعلى كل ضامر، أي وأذن، ليأتوك على هاتين الصفتين، أو يكون المراد: وأذن فإنهم يأتوك على هاتين الصفتين. المسألة الثالثة: بدأ الله بذكر المشاة تشريفاً لهم، وروى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل يا رسول الله وما حسنات الحرم قال الحسنة بمائة ألف حسنة » تفسير : . المسألة الرابعة: إنما قال: {يَأْتُوكَ رِجَالاً } لأنه هو المنادي فمن أتى بمكة حاجاً فكأنه أتى إبراهيم عليه السلام لأنه يجيب نداءه. أما قوله: {لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما أمر بالحج في قوله: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ } ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله: {لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ } واختلفوا فيها فبعضهم حملها على منافع الدنيا. وهي أن يتجرو في أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة عن محمد الباقر عليه السلام، وبعضهم حملها على الأمرين جميعاً، وهو الأولى. المسألة الثانية: إنما نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات. المسألة الثالثة: كنى عن الذبح والنحر بذكر اسم الله تعالى لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن دكر اسمه إذا نحروا وذبحوا وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسم الله تعالى، وأن يخالف المشركين في ذلك فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان قال مقاتل إذا ذبحت فقل بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك وتستقبل القبلة، وزاد الكلبي فقال إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، قال القفال: وكان المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدى نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بدل مهجته طلباً لمرضاة الله تعالى، واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته. المسألة الرابعة: أكثر العلماء صاروا إلى أن الأيام المعلومات عشر ذي الحجة والمعدودات أيام التشريق، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله، واحتجوا بأنها معلومة عند الناس لحرصهم على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها. ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة، والمشعر الحرام وكذلك الذبائح لها وقت منها وهو يوم النحر، وقال ابن عباس في رواية عطاء إنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده وهو اختيار أبي مسلم قال لأنها كانت معروفة عند العرب بعدها وهي أيام النحر وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. أما قوله: {بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ } فقال صاحب «الكشاف»: البهمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز. أما قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا } فمن الناس من قال إنه أمر وجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها ترفعاً على الفقراء، فأمر المسلمين بذلك لما فيه من مخالفة الكفار ومساواة الفقراء واستعمال التواضع، وقال الأكثرون إنه ليس على الوجوب. ثم قال العلماء من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَائِسَ ٱلْفَقِيرَ } ومنهم من قال يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث، ومذهب الشافعي رحمه الله أن الأكل مستحب والإطعام واجب فإن أطعم جميعها أجزأه وإن أكل جميعها لم يجزه، هذا فيما كان تطوعاً، فأما الواجبات كالنذور والكفارات والجبرانات لنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودماء القلم والحلق فلا يؤكل منها. أما قوله: {وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَائِسَ ٱلْفَقِيرَ } فلا شبهة في أنه أمر إيجاب، والبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير الذي أضعفه الإعسار وهو مأخوذ من فقار الظهر. قال ابن عباس البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه، والفقير الذي لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني. أما قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير، وقال المبرد أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. والمراد ههنا قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، والمراد من القضاء إزالة التفث، وقال القفال قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ }؟ فقال ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل ما أتفثك وما أدرنك، ثم قال القفال وهذا أولى من قول الزجاج لأن القول قول المثبت لا قول النافي. أما قوله: {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } فقرىء بتشديد الفاء ثم يحتمل ذلك ما أوجبه الدخول في الحج من أنواع المناسك، ويحتمل أن يكون المراد ما أوجبوه بالنذر الذي هو القول، وهذا القول هو الأقرب فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه فأمر الله تعالى بالوفاء بذلك. أما قوله: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } فالمراد الطواف الواجب وهو طواف الإفاضة والزيارة، أما كون هذا الطواف بعد الوقوف ورمي الجمار والحلق، ثم هو في يوم النحر أو بعده ففيه تفصيل، وسمي البيت العتيق لوجوه: أحدها: العتيق القديم لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن. وثانيها: لأنه أعتق من الجبابرة فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى وهو قول ابن عباس وقول ابن الزبير، ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قصد أبرهة فعل به ما فعل، فإن قيل فقد تسلط الحجاج عليه فالجواب: قلنا ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصن به عبدالله بن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه وثالثها: لم يملك قط عن ابن عيينة ورابعها: أعتق من الغرق عن مجاهد وخامسها: بيت كريم من قولهم عتاق الطير والخيل، واعلم أن اللام في ليقضوا وليوفوا وليطوفوا لام الأمر، وفي قراءة ابن كثير ونافع والأكثرين تخفيف هذه اللامات وفي قراءة أبي عمرو تحريكها بالكسر.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} أي واذكر إذ بوّأنا لإبراهيم؛ يقال: بوّأته منزلاً وبوّأت له. كما يقال: مكّنتك ومكّنت لك؛ فاللام في قوله: «لإبراهِيمَ» صلة للتأكيد؛ كقوله: {أية : رَدِفَ لَكُم} تفسير : [النمل: 72]، وهذا قول الفراء. وقيل: «بوّأنا لإبراهيم مكان البيت» أي أرَيناه أصله ليَبْنِيَه، وكان قد دَرَس بالطوفان وغيره، فلما جاءت مدّة إبراهيم عليه السلام أمره الله ببنيانه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثراً، فبعث الله ريحاً فكشفت عن أساس آدم عليه السلام، فرتّب قواعده عليه؛ حسبما تقدم بيانه في «البقرة». وقيل: «بوّأنا» نازلة منزلة فعل يتعدّى باللام؛ كنحو جعلنا، أي جعلنا لإبراهيم مكان البيت مُبَوَّأً. وقال الشاعر:شعر : كم من أخ لي ماجد بوّأته بيديّ لَحْداً تفسير : الثانية: {أَن لاَّ تُشْرِكْ} هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام في قول الجمهور. وقرأ عكرمة «أن لا يُشْرِك» بالياء، على نقل معنى القول الذي قيل له. قال أبو حاتم: ولا بدّ من نصب الكاف على هذه القراءة، بمعنى لئلا يشرك. وقيل: إن «أن» مخففة من الثقيلة. وقيل مفسرة. وقيل: زائدة؛ مثل {أية : فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ} تفسير : [يوسف: 96]. وفي الآية طعن على من أشرك من قُطّان البيت؛ أي هذا كان الشرط على أبيكم فمَن بعده وأنتم، فلم تَفُوا بل أشركتم. وقالت فرقة: الخطاب من قوله: «أن لا تشرك» لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج. والجمهور على أن ذلك لإبراهيم؛ وهوالأصح. وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء. وقيل: عنى به التطهير عن الأوثان؛ كما قال تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30]؛ وذلك أن جُرْهُماً والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم عليه السلام. وقيل: المعنى نزّه بيتي عن أن يعبد فيه صنم. وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه. وقد مضى ما للعلماء في تنزيه المسجد الحرام وغيره من المساجد بما فيه كفاية في سورة «براءة». والقائمون هم المصلون. وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها، وهو القيام والركوع والسجود.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ } أي واذكر إذ عيناه وجعلناه له مباءة. وقيل اللام زائدة ومكان ظرف أي وإذ أنزلناه فيه. قيل رفع البيت إلى السماء وانطمس أيام الطوفان فأعلمه الله مكانه بريح أرسلها فكنست ما حوله فبناه على أسه القديم. {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْقَائِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } {أَن} مفسرة لـ {بَوَّأْنَا} من حيث إنه تضمن معنى تعبدنا لأن التبوئة من أجل العبادة، أو مصدرية موصولة بالنهي أي: فعلنا ذلك لئلا تشرك بعبادتي وطهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي فيه، ولعله عبر عن الصلاة بأركانها للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك كيف وقد اجتمعت، وقرىء {يُشْرَكَ} بالياء وقرأ نافع وحفص وهشام {بَيْتِىَ} بفتح الياء.
ابن كثير
تفسير : هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله، وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، أي: أرشده إليه، وسلمه له، وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال: إن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله، كما ثبت في الصحيحين عن أبي ذر، قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: «حديث : المسجد الحرام»تفسير : . قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : بيت المقدس»تفسير : . قلت: كم بينهما؟ قال: «حديث : أربعون سنة»تفسير : . وقد قال الله تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} تفسير : [آل عمران: 96] الآيتين، وقال تعالى: {أية : وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} تفسير : [البقرة: 125] وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته ههنا، وقال تعالى ههنا: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً} أي: ابنه على اسمي وحدي {وَطَهِّرْ بَيْتِىَ} قال قتادة ومجاهد: من الشرك {لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} أي: اجعله خالصاً لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها {وَٱلْقَآئِمِينَ} أي: في الصلاة، ولهذا قال: {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة، وفي الحرب، وفي النافلة في السفر، والله أعلم. وقوله: {وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ} أي: ناد في الناس بالحج، داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يا رب وكيف أبلغ الناس، وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد، وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً، فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك، وهذا مضمون ما روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، والله أعلم، أوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة. وقوله: {يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} الآية، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشياً لمن قدر عليه أفضل من الحج راكباً؛ لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم، وقوة هممهم وشدة عزمهم، وقال وكيع عن أبي العميس، عن أ بي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما أساء علي شيء إلا أن وددت أني كنت حججت ماشياً، لأن الله يقول: {يَأْتُوكَ رِجَالاً} والذي عليه الأكثرون أن الحج راكباً أفضل؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه حج راكباً مع كمال قوته عليه السلام. وقوله: {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ} يعني: طريق، كما قال: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} تفسير : [الأنبياء: 31] وقوله: {عَميِقٍ} أي: بعيد، قاله مجاهد وعطاء والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان والثوري وغير واحد، وهذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن إبراهيم حيث قال في دعائه: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ}تفسير : [إبراهيم: 37] فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ بَوَّأْنَا } بيَّنَّا {لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ } ليبنيه، وكان قد رفع من زمن الطوفان وأمرناه {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ } من الأوثان {لِلطَّائِفِينَ وَٱلْقَائِمِينَ } المقيمين به {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } جمع راكع وساجد: المصلّين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ بَوَّأنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} فيه وجهان: أحدهما: معناه وطأنا له مكان البيت، حكاه ابن عيسى. والثاني: معناه عرفناه مكان البيت بعلامة يستدل بها. وفي العلامة قولان: أحدهما: قاله قطرب، بعثت سحابة فتطوقت حيال الكعبة فبنى على ظلها. الثاني: قاله السدي، كانت العلامة ريحاً هبت وكنست حول البيت يقال لها الخجوج. {أَن لاَّ تُشْرِكَ بِي شَيْئاً} أي لا تعبد معي إلهاً غيري. {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الشرك وعبادة الأوثان، وهذا قول قتادة. الثاني: من الأنجاس والفرث والدم الذي كان طرح حول البيت، ذكره ابن عيسى. والثالث: من قول الزور، وهو قول يحيى بن سلام. {لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} أما الطائفون فيعني بالبيت وفي {الْقَائِمِينَ} قولان: أحدهما: يعني القائمين في الصلاة، وهو قول عطاء. والثاني: المقيمين بمكة، وهو قول قتادة. {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} يعني في الصلاة، وفي هذا دليل على ثواب الصلاة في البيت. وحكى الضحاك أن إبراهيم لما حضر أساس البيت وحد لَوْحاً، عليه مكتوب: أنا الله ذو بكّة، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قَدَّرْتُ على يديه الخير، وويلٌ لمن قدرت على يديه الشر. وتأول بعض أصحاب الخواطر قوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} يعني القلوب. {لِلطَّآئِفِينَ} يعني حجاج الله، {وَالْقَآئِمِينَ} يعني الإِيمان، {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} يعني الخوف والرجاء. قوله عز وجل: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} يعني أَعْلِمْهُم ونَادِ فيهم بالحق، وفيه قولان: أحدهما: أن هذا القول حكاية عن أمر الله سبحانه لنبيه إبراهيم، فروي أن إبراهيم صعد جبل أبي قبيس فقال: عباد الله إن الله سبحانه وتعالى قد ابتنى بيتاً وأمَرَكُمْ بحجه فَحُجُّوا، فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك داعي ربنا لبيك. ولا يحجه إلى يوم القيامة إلا من أجاب دعوة إبراهيم، وقيل إن أول من أجابه أهل اليمن، فهم أكثر الناس حجاً له. والثاني: أن هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس بحج البيت. {يَأْتُوكَ رِجَالاً} يعني مشاة على أقدامهم، والرجال جمع راجل. {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} أي جملٍ ضامر، وهو المهزول، وإنما قال {ضَامِرٍ} لأنه ليس يصل إليه إلا وقد صار ضامراً. {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أي بعيد، ومنه قول الشاعر: شعر : تلعب لديهن بالحريق مدى نياط بارح عميق
ابن عطية
تفسير : المعنى واذكر {إذ بوأنا}، و"بوأ" هي تعدية باء بالتضعيف، و"باء" معناه رجع فكأن المبوِّىء يرد المبوأ إلى المكان، واستعملت اللفظة بمعنى سكن، ومنه قوله تعالى: {أية : نتبوأ من الجنة حيث نشاء} تفسير : [الزمر: 74] وقال الشاعر: شعر : كم من أخ لي صالح بوأته بيديَّ لحدا تفسير : واللام في قوله تعالى: {لإبراهيم} قالت فرقة هي زائدة، وقالت فرقة {بوأنا} نازلة منزلة فعل يتعدى باللام كنحو جعلنا ع والأظهر أن يكون المفعول الأول بـ {بوأنا} محذوفاً تقديره الناس أو العالمين، ثم قال {لإبراهيم} بمعنى له كانت هذه الكرامة وعلى يديه بوؤا، و {البيت} هو الكعبة، وكان فيما روي قد جعله الله تعالى متعبداً لآدم عليه السلام، ثم درس بالطوفان، وغيره فلما جاءت مدة إبراهيم أمره الله تعالى ببنائه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثراً، فبعث الله ريحاً فكشف له عن أساس آدم، فرفع قواعده عليه. وقوله {أن لا تشرك} هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام، في قول الجمهور حكيت لنا بمعنى قيل له لا تشرك، وقرأ عكرمة "ألا يشرك" بالياء على نقل معنى القول الذي قيل له، قال أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى لأن لا يشرك ع يحتمل أن تكون "أن" في قراءة الجمهور مفسرة، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعد، وأنتم لم تفوا بل أشركتم، وقالت فرقة: الخطاب من قوله {أن لا تشرك} لمحمد صلى عليه وسلم وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج ع والجمهور على أن ذلك إبراهيم وهو الأصح. وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء وغير ذلك، و"القائمون"، هم المصلون، وذكر تعالى من أركان الصلاة: أعظمها. وهي القيام والركوع والسجود، وقرأ جمهور الناس "وأذّن" بشد الذال، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن محيصن "وآذن" بمدة وتخفيف الذال وتصحف هذا على ابن جني، فإنه حكى عنها "وأذن" فعل ماض وأعرب عن ذلك بأن جعله عطفاً على {بوأنا}، وروي أن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالأذان بالحج قال يا رب وإذا ناديت فمن يسمعني؟ فقيل له ناد يا إبراهيم فعليك النداء وعلينا البلاغ فصعد على أبي قبيس وقيل على حجر المقام ونادى: أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت فحجوا واختلفت الروايات في ألفاظه عليه السلام واللازم أن يكون فيها ذكر البيت والحج، وروي أنه يوم نادى أسمع كل من يحج إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك، قاله ابن عباس وابن جبير، وقرأ جمهور الناس "بالحَج" بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها، و {رجالاً}، جمع راجل كتاجر وتجار، وقرأ عكرمة وابن عباس وأبو مجلز وجعفر بن محمد "رُجّالاً" بضم الراء وشد الجيم ككاتب وكتاب، وقرأ عكرمة أيضاً وابن أبي إسحاق "رُجالاً" بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية الجمع ورويت عن مجاهد، وقرأ مجاهد "رُجالى" على وزن فعالى فهو كمثل كسالى، و"الضامر"، قالت فرقة أراد بها الناقة ع وذلك أنه يقال ناقة ضامر. ومنه قول الأعشى: شعر : عهدي بها في الحي قد ذرعت هيفاء مثل المهرة الضامر تفسير : فيجيء قوله {يأتين} مستقيماً على هذا التأويل، وقالت فرقة "الضامر" هو كل ما اتصف بذلك من جمل أو ناقة وغير ذلك ع وهذا هو الأظهر يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق فيحسن لذلك قوله {يأتين} وقرأ أصحاب ابن مسعود "يأتون" وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، وفي تقديم {رجالاً} تفضيل للمشاة في الحج، قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا أن أكون حججت ماشياً فإني سمعت الله تعالى يقول: {يأتونك رجالاً} وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل ماشيين، واستدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط ع قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكراً ع وهذا تأسيس لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس بالسفن ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلاً وإما على {ضامر} فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا القوي، فأما إذا اقترن به عدو أو خوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصاً ما، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع، وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاماً ظاهره أن الوجوب لا يسقطه شيء من هذه الأعذار ع وهذا ضعيف و"الفج" الطريق الواسعة، و"العميق" معناه البعيد. وقال الشاعر: [الطويل] شعر : إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة يمد بها في السير أشعث شاحب تفسير : و"المنافع" في هذه الآية التجارة في قول أكثر المتأولين ابن عباس وغيره، وقال أبو جعفر محمد بن علي: أراد الأجر و {منافع} الآخرة، وقال مجاهد بعموم الوجهين وقوله تعالى: {اسم الله}، يصح أن يريد بالاسم ها هنا المسمى بمعنى ويذكروا الله على تجوز في هذه العبارة إلا أن يقصد ذكر القلوب، ويحتمل أن يريد بالاسم التسميات وذكر الله تعالى إنما هو بذكر أسمائه ثم بذكر القلب السلطان والصفات، وهذا كله على أن يكون الذكر بمعنى حمده وتقديسه شكراً على نعمته في الرزق ويؤيده قوله عليه السلام "حديث : إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى"تفسير : ، وذهب قوم إلى أن المراد ذكر اسم الله تعالى على النحو والذبح، وقالوا إن في ذكر "الأيام" دليلاً على أن الذبح في الليل لا يجوز، وهو مذهب مالك وأصحاب الرأي، وقال ابن عباس "الأيام المعلومات" هي أيام العشر ويوم النحر وأيام التشريق، وقال ابن سيرين: بل أيام العشر فقط، وقالت فرقة: أيام التشريق، ذكره القتبي، وقالت فرقة فيها مالك وأصحابه: بل المعلومات يوم النحر ويومان بعده وأيام التشريق الثلاثة هي معدودات فيكون يوم النحر معلوماً لا معدوداً واليومان بعده معلومان معدودان والرابع معدود لا معلوم ع وحمل هؤلاء على هذا التفصيل أنهم أخذوا ذكر {اسم الله} هنا على الذبح للأضاحي والهدي وغيره، فاليوم الرابع لا يضحى فيه عند مالك وجماعة وأخذوا التعجل والتأخر بالنفر في الأيام المعدودات فتأمل هذا، يبين لك قصدهم، ويظهر أن تكون المعدودات والمعلومات بمعنى أن تلك الأيام الفاضلة كلها ويبقى أمر الذبح وأمر الاستعجال لا يتعلق بمعدود ولا بمعلوم وتكون فائدة قوله {معلومات} و {أية : معدودات} تفسير : [البقرة: 184، آل عمران: 24] التحريض على هذه الأيام وعلى اغتنام فضلها أي ليست كغيرها فكأنه قال: هي مخصوصات فلتغتنم. وقوله، {فكلوا} ندب، واستحب أهل العلم للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بأكثرها مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل، و {البائس} الذي قد مسه ضر الفاقة وبؤسها، يقال: بأس الرجل يبؤس وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم تكن فقراً، ومنه قوله عليه السلام، "لكن البائس سعد بن خولة"، والمراد في هذه الآية أهل الحاجة.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَوَّأْنَا} وطأنا، أو عرفناه بعلامة سحابة تطوقت حيال الكعبة فبنى على ظلها، أو ريح هبت فكنست حول البيت يقال لها: الخجوج {وَطَهِّرْ بَيْتِىَ} من الشرك وعبادة الأوثان. أو من الأنجاس كالفرث والدم الذي كان يطرح حول البيت، أو قول الزور {لِلطَّآئِفِينَ} بالبيت {وَالْقَآئِمِينَ} في الصلاة، أو المقيمين بمكة {وَالْرُّكَّعِ السُّجُودِ} في الصلاة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} الآية. أي؛ اذكر حين، واللام في "لإبراهيم" ثلاثة أوجه: أحدها: أنها للعلة، ويكون مفعول "بَوَّأْنا" محذوفاً، أي: بوأنا الناس لأجل إبراهيم مكان البيت، و"بَوَّأَ" جاء متعدياً صريحاً قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [يونس: 93] {أية : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} تفسير : [العنكبوت: 58]، وقال الشاعر: شعر : 3758- كَمْ صَاحِبٍ لِي صَالِحٍ بَوَّأْتُه بِيَدَيَّ لَحْدا تفسير : والثاني: أنها مزيدة في المفعول به، وهو ضعيف لما تقرر أنها لا تزاد إلا بعد تقدم معمول أو كان العامل فرعاً. الثالث: أن تكون معدية للفعل على أنه مضمن معنى فعل يتعدى بها، أي؛ هيأنا له مكان البيت، كقولك: هيأت له بيتاً، فتكون اللام معدية قال معناه أبو البقاء. وقال الزمخشري: واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة ففسر المعنى بأنه ضمن "بَوأْنا" معنى (جعلنا)، ولا يريد تفسير الإعراب. وفي "مكان البيت" وجهان: أظهرهما: أنه مفعول به. والثاني: قال أبو البقاء: أن يكون ظرفاً. وهو ممتنع من حيث إنه ظرف مختص فحقه أن يتعدى إليه بـ (في). فصل روي أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات: أحدها: بناء الملائكة قبل آدم، وكانت من ياقوتة حمراء، ثم رفعت إلى السماء أيام الطوفان. والثانية: بناء إبراهيم - عليه السلام -. والثالثة: بناء قريش في الجاهلية، وقد حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا البناء. والرابعة: بناء ابن الزبير. والخامسة: بناء الحجاج وهو البناء الموجود اليوم. حديث : وروى أبو ذر قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام". قال: ثم قلت: أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" تفسير : والمسجد الأقصى أسسه يعقوب - عليه السلام - وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : بعثَ اللَّهُ جبريلَ عليه السلام إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا ليَ بيتاً، فخطّ لهما جبريل فجعل آدمُ يحفر وحواء تنقل حتى أجابه الماء نودي من تحته: حسبك يا آدم. فلما بنياه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به، وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه"تفسير : . روي عن عليّ - رضي الله عنه - أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم - عليه السلام - أن ابنِ لي بيتاً في الأرض، فضاق به زرعاً، فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج لها رأس، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت، ثم تطوقت في موضع البيت تطوُّق الحية، فبنى إبراهيم حتى إذا بلغ مكان الحجر، قال لابنه: ابغني حجراً، فالتمس حجراً حتى أتاه به، فوجد الحجر الأسود قد ركب، فقال لأبيه: من أين لك هذا؟ قال: جاء به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل من السماء فأتمه، قال: فمرّ عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم انهدم فبنته قريش ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ رجل شاب فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول من خرج، فقضى بينهم أن يجعلوه في مربط ثم ترفعه جميع القبائل كلهم، فرفعوه، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فوضعه، وكانوا يدعونه الأمين. قال موسى بن عقبة: كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة. قال ابن إسحاق: كانت الكعبة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثماني عشرة ذراعاً، وكانت تكسى القباطي ثم كسيت البرود، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. وأما المسجد الحرام فأول من أخر بنيان البيوت من حول الكعبة عمر بن الخطاب اشتراها من أهلها وهدمها، فلما كان عثمان اشترى دوراً وزادها فيه، فلما وُلّي ابن الزبير أحكم بنيانه وأكثر أبوابه وحسن جدرانه، ولم يوسعه شيئاً آخر، فلما استوى الأمر إلى عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع جدرانه وأمر بالكعبة فكسيت الديباج، وتولى ذلك بأمره الحجاج. وروي أن الله تعالى لما أمر إبراهيم - عليه السلام - ببناء البيت لم يدر أين يبني فبعث الله تعالى ريحاً خجوجاً فكشفت ما حول البيت عن الأساس. وقال الكلبي: بعث الله سحابة بقدر البيت، فقامت بحيال البيت فيها رأس يتكلم وله لسان وعينان يا إبراهيم ابن على قدري وحيالي، فبنى عليه. قوله: {أَن لاَّ تُشْرِكْ} في "أَنْ" هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها هي المفسرة. قال الزمخشري بعد أن ذكر هذا الوجه: فإن قلت: كيف يكون النهي عن الشرك، والأمر بتطهير البيت تفسيراً للتبوئِة. قلت: كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، وكأنه قيل تعبدنا إبراهيم قلنا لا تشرك. يعني الزمخشري أن "أن" المفسرة لابد أن يتقدمها ما هو بمعنى القول لا حروفه ولم يتقدم إلا لتبوئة وليست بمعنى القول فضمنها معنى القول، ولا يريد بقوله: قلنا: لا تشرك. تفسير الإعراب بل تفسير المعنى، لأن المفسرة لا تفسر القول الصريح. الثاني: أنها المخففة من الثقيلة. قاله ابن عطية. وفيه نظر من حيث إن (أن) المخففة لا بد أن يتقدمها فعل تحقيق أو ترجيح كحالها إذا كانت مشددة. الثالث: أنها المصدرية التي تنصب المضارع، وهي توصل بالماضي والمضارع والأمر، والنهي كالأمر، وعلى هذا فـ "أن" مجرورة بلام العلة مقدرة أي: بوأناه لئلا تشرك، وكان من حق اللفظ على هذا الوجه أن يكون "أن لا يشرك" بياء الغيبة، وقد قرئ بذلك، قاله أبو البقاء: وقوى ذلك قراءة من قرأة بالياء. يعني من تحت. ووجه قراءة العامة على هذا التخريج أن يكون من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. الرابع: أنها الناصبة ومجرورة بلام أيضاً، إلا أن اللام متعلقة بمحذوف، أي: فعلنا ذلك لئلا تشرك، فجعل النهي صلة لها، وقَوَّى ذلك قراءة الياء قاله أبو البقاء. والأصل عدم التقدير مع عدم الاحتياج إليه. وقرأ عكرمة وأبو نهيك "أن لا يشرك" بالياء. قال أبو حيان: على معنى أن يقول معنى القول الذي قيل له. وقال أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى: لئلا يُشْرِكَ. قال شهاب الدين: كأنه لم يظهر له صلة (أَنْ) المصدرية بجملة النهي؛ فجعل (لاَ) نافية، وسلّط (أَنْ) على المضارع بعدها حتى صار علة للفعل قبله، وهذا غير لازم لما تقدم من وضوح المعنى مع جعلها ناهية. فصل وههنا سؤالات: الأول: إذا قلنا: أنّ (أَنْ) هي المفسرة: فكيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيراً للتبوئة؟ والجواب: أنه سبحانه لما قال: جعلنا البيت مرجعاً لإبراهيم، فكأنه قيل: ما معنى كون البيت مرجعاً له، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحداً لرب البيت عن الشريك والنظير مشتغلاً بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام. السؤال الثاني: أن إبراهيم - عليه السلام - لما لم يشرك بالله فيكف قيل: "لا تُشْرك بِي"؟ والجواب: المعنى: لا تجعل في العبادة لي شريكاً، ولا تشرك بي غرضاً آخر في بناء البيت. السؤال الثالث: أنَّ البيت ما كان معموراً قبل ذلك فكيف قال: "وَطَهِّرْ بَيتِي". والجواب: لعل ذلك المكان كان صحراء فكانوا يرمون إليها الأقذار، فأمر إبراهيم ببناء ذلك البيت في ذلك المكان وتطهيره عن الأقذار، أو كانت معمورة وكانوا وضعوا فيها أصناماً، فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ووضع بناء جديد، فذلك هو التطهير عن الأوثان، أو يكون المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك. وقوله: "لِلطَّائِفينَ" قال ابن عباس: للطائفين بالبيت من غير أهل مكة "والقائمين" أي: المقيمين فيها، "والرُّكَّع السُّجُود" أي: المصلين من الكل، وقيل: القائمون هم المصلون. قوله: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ}. قرأ العامة بتشديد الذال بمعنى (ناد). وقرأ الحسن وابن محيصن "آذن" بالمد والتخفيف بمعنى أعلم. ويبعده قوله: "فِي النّاس" إذ كان ينبغي أن يتعدى بنفسه. ونقل أبو الفتح عنهما أنهما قرءا بالقصر وتخفيف الذال، وخرجها أبو الفتح وصاحب اللوامح على أنها عطف على "بَوَّأْنَا" أي: واذكر إذ بوأنا وإذ أُذن في الناس، وهي تخريج واضح. وزاد صاحب اللوامح فقال: فيصير في الكلام تقديم وتأخير ويصير "يأتوك" جزماً على جواب الأمر في "وَطهِّر". ونسب ابن عطية أبا الفتح في هذه القراءة إلى التصحيف فقال بعد أن حكى قراءة الحسن وابن محيصن "وآذن" بالمد: وتصحف هذا على ابن جنيّ فإنه حكى عنهما "وأَذِنَ" على أنه فعل ماض وأعرب على ذلك بأن جعله عطفاً على "بَوَّأْنَا". قال شهاب الدين: ولم يتصحف عليه بل حكى هذه القراءة أبو الفضل الرازي في اللوامح له عنهما، وذكرها أيضاً ابن خالويه، ولكنه لم يطلع عليها، فنسب من اطّلع عليها للتصحيف، ولو تأنّى أصاب أو كاد. وقرأ ابن أبي إسحاق "بالحجِّ" بكسر الحاء حيث وقع كما تقدم. فصل قال أكثر المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال الله له: {أذن في الناس بالحج}، قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: عليك الأذان وعليَّ البلاغ فصعد إبراهيم الصفا، وفي رواية أبا قبيس، وفي رواية على المقام. فارتفع المقام حتى صار كأطول الجبال فأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً وقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم قد بنى بيتاً، وقد كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم، فأجابه كل من يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمّهات لبيك اللهم لبيك. قال ابن عباس: فأول من أجابه أهلُ اليَمَن فهم أكثر الناس حجاً. وقال مجاهد: من أجاب مرّة حجّ مرّة ومن أجاب مرتين أو أكثر فيحج مرتين أو أكثر بذلك المقدار. قال ابن عباس: لما أمر الله إبراهيم بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى. وقال الحسن وأكثر المعتزلة: إنّ المأمور بالأذان هو محمد - عليه السلام - واحتجوا بأن ما جاء في القرآن وأمكن حَمْله على أن محمداً هو المخاطب فهو أولى وقد بينا أن قوله: "وَإِذْ بَوَّأنَا"، أي: واذكر يا محمد إذ بوأنا، فهو في حكم المذكور، فلما قال: "وَأَذِّنْ" فإليه يرجع الخطاب. قال الجبائي: أمر محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل ذلك في حجة الوداع. قالوا: إنه ابتداء فرض الحج من الله تعالى للرسول، وفي قوله: "يَأْتُوكَ" دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدى به. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُم الحجَّ فحُجُّوا ". تفسير : قوله: "رِجَالاً" نصب على الحال، وهو جمع راجل نحو: صاحب وصِحَاب، وتاجر وتجار، وقائم وقيام. وقرأ عكرمة والحسن وأبو مجلز "رُجَّالاً" بضم الراء وتشديد الجيم. وروي عنهم تخفيفها، وافقهم ابن أبي إسحاق على التخفيف، وجعفر بن محمد ومجاهد على التشديد، ورويت عن ابن عباس أيضاً. فالمخفف اسم جمع كظؤار، والمشدد جمع تكسير كصائم وصوام. وروي عن عكرمة أيضاً "رُجَالَى" كنُعَامى بألف التأنيث. وكذلك عن ابن عباس وعطاء إلا أنهما شددا الجيم. قوله: {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} نسق على "رجالاً"، فيكون حالاً أي: مشاة وركباناً. والضمور: الهزال، ضَمَر يضْمُر ضُمُوراً، والمعنى أن الناقة صارت ضامرة لطول سفرها. قوله: "يأتين". النون ضمير "كُلِّ ضَامِر" حملاً على المعنى، إذ المعنى: على ضوامر، فـ "يَأْتِينَ" صفة لـ "ضامر"، وأتى بضمير الجمع حَملاً على المعنى، أي جماعة الإبل، وقد تقدم في أول الكتاب أن "كل" إذا أضيفت إلى نكرة لم يراع معناها إلا في قليل، كقوله: شعر : 3759- جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْتُ كُلَّ حَديقَة كَالدِّرْهَمِ تفسير : وهذه الآية ترده، فإن "كلّ" فيها مضافة لنكرة وقد روعي معناها، وكان بعضهم أجاب عن بيت زهير بأنه إنما جاز ذلك؛ لأنه في جملتين، قيل له: فهذه الآية جملة واحدة، لأن "يأتين" صفة لـ "ضَامِر". وجوَّز أبو حيان أن يكون الضمير يشمل "رجالاً" و"كل ضامر" قال: على معنى الجماعات والرفاق. قال شهاب الدين: فعلى هذا يجوز أن يقال عنده: الرجال يأتين، ولا ينفعه كونه اجتمع مع الرجال هنا "كل ضامر"، فيقال جاز ذلك لما اجتمع معه ما يجوز فيه ذلك إذ يلزم منه تغليب غير العاقل على العاقل وهو ممنوع. وقال البغوي: وإنما جمع "يَأْتِين" لمكان "كُلّ" وأراد النوق. وقرأ ابن مسعود والضحاك وابن أبي عبلة "يَأْتون" تغليباً للعقلاء الذكور. وعلى هذا فيحتمل أن يكون قوله: {على كل ضامر} حالاً أيضاً، ويكون "يأتون" مستأنفاً متعلق به من كل فج أي يأتونك رجالاً وركباناً ثم قال: {يأتون من كل فج} وأن يتعلق بقوله "يأتون" أي يأتون على كل ضامر من كل فجّ، و"يأتون" مستأنف أيضاً، فلا يجوز أن يكون صفة لـ "رجالاً" ولـ "ضامر" لاختلاف الموصوف في الإعراب؛ لأن أحدهما منصوب والآخر مجرور، ولو قلت: رأيت زيداً ومررت بعمرو العاقلين. على النعت لم يجز بل على القطع. وقد جوَّز ذلك الزمخشري فقال: وقرئ "يَأْتُون" صفة للرجال والركبان وهو مردود بما ذكرنا. والفج: الطريق بين الجبلين، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعاً. والعميق: البعيد سفلاً، يقال: بئر عميقة معيقة، فيجوز أن يكون مقلوباً إلا أنه أقل من الأول، قال: شعر : 3760- إِذَا الخَيْلُ جَاءَتْ مِنْ فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ يَمُدُّ بِهَا فِي السَّيْرِ أَشْعَثُ شَاحِبُ تفسير : وقرأ ابن مسعود: "مَعِيقٌ" ويقال: عمق وعمق بكسر العين وضمها عمقاً بفتح الفاء قال الليث: عميق (ومعيق، والعميق في الطريق أكثر. وقال الفراء: عميق لغة الحجاز) ومعيق لغة تميم وأعمقت البئر وأمعقتها وعَمُقَت ومَعُقَت عماقة ومعاقة وإعماقاً وإمعاقاً قال رؤبة: شعر : 3761- وَقَاتِمِ الأَعْمَاقِ خَاوِي المُخْتَرقْ تفسير : الأعماق هنا بفتح الهمزة جمع عُمْق وعلى هذا فلا قلب في معيق، لأنها لغة مستقلة، وهو ظاهر قول الليث أيضاً، ويؤيده قراءة ابن مسعود بتقديم الميم، ويقال: غميق بالغين المعجمة أيضاً. فصل بدأ الله بذكر المشاة تشريفاً لهم، وروى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف حسنة ". تفسير : وإنما قال تعالى: "يَأْتُوكَ رِجَالاً"؛ لأنه هو المنادي فمن أتى مكة حاجّاً فكأنه أتى إبراهيم - عليه السلام -، لأنه يجيب نداءه. قوله: "لِيَشْهَدُوا" يجوز في هذه اللام وجهان: أحدهما: أن تتعلق بـ "أَذِّنْ"، أي: أذن ليشهدوا. والثاني: أنها متعلقة بـ "يَأْتُوكَ". وهو الأظهر. قال الزمخشري: ونكر "مَنَافِعَ" لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات. قل سعيد بن المسيب ومحمد بن علي الباقر: المنافع: هي العفو والمغفرة وقال سعيد بن جبير: التجارة، وهي رواية ابن زيد. وعن ابن عباس قال: الأسواق. وقال مجاهد: التجارة وما يرضى الله به من أمر الدنيا والآخرة. {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} قال الأكثرون: هي عشر ذي الحجة قيل لها "مَعْلُومَات" للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. والمعدودات: أيام التشريق. وروي عن علي: أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وهو اختيار الزجاج. لأن الذكر على "بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ" يدل على التسمية على نحرها. والنحر للهدايا إنما يكون في هذه الأيام. وروى عطاء عن ابن عباس: أنها يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وقيل: عبر عن الذبح والنحر بذكر اسم الله؛ لأن المسلمين لا ينفكون عن ذكر اسم الله إذا نحروا. ثم قال: {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} يعني الهدايا والضحايا تكون من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم. قال الزمخشري: البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم. قوله: "فَكُلُوا مِنْهَا". قيل: هذا أمر وجوب، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئاً تَرَفُّقاً على الفقراء. وقيل: هذا أمر إباحة. واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعاً كان للمُهْدِي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطوع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يؤخذ من كل جزور بضعه، فطبخت، وأكل لحمها، وحسي من مرقها، وكان هذا تطوعاً. واختلفوا في الهدي الواجب في النذور والكفارات والجبرانات للنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودم التقليم والحلق، والواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد. فقال الشافعي وأحمد: لا يأكل منه. وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذور، ويأكل مما سواهما. وقال مالك: يأكل من هدي التمتع، ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور. وعند أصحاب الرأي: يأكل من دم التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما. قوله: {وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ}. يعني الزمن الفقير الذي لا شيء له. قال ابن عباس: البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه، والفقير الذي لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني. والبؤس شدة الفقر. قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ}. العامة على كسر اللام، وهي لام الأمر. وقرأ نافع والكوفيون والبزي بسكونها، إجراء للمنفصل مجرى المتصل نحو كتف، وهو نظير تسكين هاء (هو) بعد (ثُمَّ) في قراءة الكسائي وقالون حيث أجريت (ثُمَّ) مجرى الواو والفاء والتَّفَث: قيل أصله من التف. وهو وسخ الأظفار قلبت الفاء ثاء كمعثور في معفور. وقيل: هو الوسخ والقذر يقال: ما تفثك. وحكى قطرب: تفث الرجل، أي: كثر وسخه في سفره. قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التّفَث إلا من التفسير. وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ}، فقال: ما أفسر القرآن، ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك، أي: أوسخك وما أدرنك. ثم قال القفال: وهذا أولى من قول الزجاج لأن القول قول المثبت لا قول النافي. والمراد بالتفث هنا: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار والشعث والحاج أشعث أغبر، والمراد قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. والمراد بالقضاء إزالة ذلك، والمراد به الخروج من الإحرام بالحلق وقص الشارب والتنظيف ولبس الثياب. وقال ابن عمر وابن عباس: قضاء التفث مناسك الحج كلها. وقال مجاهد: هو مناسك الحج وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقلم الأظفار. وقيل: التفث هنا رمي الجمار. وقيل: معنى "لِيَقْضُوا تَفَثَهُم" ليصنعوا ما يصنعه المحرم من إزالة شعر وشعث ونحوهما عند حله، وفي ضمن هذا قضاء جميع المناسك إذ لا يفعل هذا إلا بعد فعل المناسك كلها. قوله: "وَليُوفُوا". قرأ أبو بكر "وَليُوفُّوا" بالتشديد، والباقون بالتخفيف. وتقدّم في البقرة أن فيه ثلاث لغات وَفّى، وَوفَى، وأَوْفَى. وقرأ ابن ذكوان: "ولِيوفوا" بكسر اللام، والباقون بسكونها. وهذا الخلاف جار في قوله "وَلِيَطَّوَّفُوا". والمراد بالوفاء ما أوجبه بالنذر، وقيل: ما أوجبه الدخول في الحج من المناسك. قال مجاهد: أراد نذر الحج والهدي، وما ينذره الإنسان من شيء يكون في الحج. وقيل: المراد الوفاء بالنذر مطلقاً وقوله: "وَلِيَطَّوَّفُوا" المراد الطواف الواجب، وهو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق وسمي البيت العتيق قال الحسن: القديم لأنه أول بيت وضع للناس. وقال ابن عباس وابن الزبير: لأنه أُعْتِقَ من الجبابرة، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله، ولما قصده أبرهة فُعِل به ما فعل. فإن قيل: قد تسلَّط الحجاج عليه؟ فالجواب: أنه ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصّن به عبد الله بن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه وقال ابن عيينة: لم يُمْلك قط. وقال مجاهد: أعتق من الغرق. وقيل: لأنه بيت كريمٌ من قولهم: عِتاق الخيل والطير. فصل والطواف ثلاثة أطواف: الأول: طواف القدوم وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعاً، يرمل ثلاثاً من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه، ويمشي أربعاً وهذا الطواف سنة لا شيء على تاركه. والثاني: طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق، ويسمى أيضاً طواف الزيارة وطواف الصدر، وهو واجب لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به. والثالث: طواف الوداع لا رخصة لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر في أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعاً، فمن تركه فعليه دم إلا الحائض والنفساء، فلا وداع عليهما لما روى ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه أرخص للمرأة الحائض. والرمل يختص بطواف القدوم، ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت، أتبعه التذكير به وبحجه، لما فيه من التذكير بالقيامة الحاملة على التقوى التي هي مقصد السورة، بما فيه من الوفادة على الله، مع التجرد من المحيط، والخضوع للرب، والاجتماع في المشاعر موقفاً في أثر موقف، ولما فيه من الحث على التسنن بأبيهم الأعظم إبراهيم عليه السلام فقال، مقرعاً وموبخاً لمن أشرك في نفعه "أسست على التوحيد من أول يوم" عطفاً على قوله أول السورة {اتقوا} {وإذ} أي واذكروا إذ {بوأنا} بما لنا من العظمة، ولما لم يجعله سبحانه سكنه بنفسه، قصر الفعل عن التعدية إلى مفعوله الأول فقال: {لإبراهيم} أي قدرنا له {مكان البيت} أي الكعبة وجعلناه له مباءة، أي منزلاً يبوء إليه أي يرجع، لأنه - لما نودعه فيه من اللطائف - أهل لأن يرجع إليه من فارقه ويحن إليه، ويشتاق من باعده وينقطع إليه بعض ذريته، من المباءة بمعنى المنزل، وبوأه إياه وبوأه له، أي أنزله، قال في ترتيب المحكم: وقيل: هيأته ومكنت له فيه. ويدل على أن إبراهيم عليه السلام أول بان للبيت ما في الصحيح حديث : عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال:المسجد الحرام، قلت: ثم أيّ؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة"تفسير : ولما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام نبياً، كان من المعلوم أن نبوته له لأجل العبادة، فكان المعنى: قلنا له: أنزل أهلك هاهنا وتردد إلى هذا المكان للعبادة، فذلك فسره بقوله: {أن لا تشرك بي شيئاً} فابتدأ بأسّ العبادة ورأسها، وعطف على النهي قوله: {وطهر بيتي} عن كل ما لا يليق به من قذر حسي ومعنوي من شرك ووثن وطواف عريان به، كما كانت العرب تفعل {للطائفين} به. ولما تقدم العكوف فاستغنى عن إعادته، قال: {والقائمين} أي حوله تعظيماً لي كما يفعل حول عرشي، أو في الصلاة، ولأن العكوف بالقيام أقرب إلى مقصود السورة. {والركع} ولما كان كل من الطواف والقيام عبادة برأسه، ولم يكن الركوع والسجود كذلك، عطف ذاك، واتبع هذا لما بينهما من كمال الاتصال، إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر في الصلاة فقال: {السجود*} أي المصلين صلاة أهل الإسلام الأكمل {وأذن في الناس} أي أعلمهم وناد فيهم {بالحج} وهو قصد البيت على سبيل التكرار لعبادة المخصوصة بالمشاعر المنصوصة {يأتوك} أي يأتوا بيتك الذي بنيته لذلك، مجيبين لصوتك بإذننا سامعين طائعين مخبتين خاشعين من أقطار الأرض كما يجيبون صوت الداعي من قبلنا إذا دعاهم بمثل ذلك بعذ الموت {رجالاً} أي مشاة على أرجلهم {وعلى كل ضامر} أي هزيل من طول السير من الإبل لبعد الشقة وعظم المشقة. ولما كان الضامر يطلق على كل من الذكر والأنثى من الجمال، وكانت الأنثى أضعف النوعين، فكان الحكم عليها بالإتيان المذكور حكماً على الذكر الذي هو أشد بطريق الأولى، أسند إلى ضميرها فقال معبراً بما يدل على التجدد والاستمرار، واصفاً الضوامر التي أفهمتها "كل" {يأتين} أي الضوامر {من كل فج} أي طريق واسع بين جبلين {عميق*} أي بعيد منخفض بالنسبة إلى علو جباله. قال أبو حيان: أصله البعد سفلاً - انتهى. حفاة عراة، ينتقلون من مشعر من مشاعر الحج إلى معشر، ومن مشهد إلى مشهد، مجموعين بالدعوة، خاشعين للهيبة، خائفين من السطوة، راجين للمغفرة، ثم يتفرقون إلى مواطنهم، ويتوجهون إلى مساكنهم، كالسائرين إلى مواقف الحشر، يوم البعث والنشر، المتفرقين إلى داري النعيم والجحيم، فيا أيها المصدقون بأن خليلنا إبراهيم عليه السلام نادى بالحج فأجابه بقدرتنا كرامة له من أراد الله حجة على بعد أقطارهم، وتنائي ديارهم، ممن كان موجوداً في ذلك الزمان، وممن كان في ظهور الآباء الأقربين أو الأبعدين! صدقوا أن الداعي من قبلنا بالنفخ في الصور يجيبه كل من كان على ظهرها ممن حفظنا له جسده، أو سلطنا عليه الأرض فمزقناه حتى صار تراباً، وما بين ذلك، لأن الكل علينا يسير. ولما كان الإنسان ميالاً إلى الفوائد، مستشرقاً إلى جميل العوائد، علل الإتيان بما يرغبه مبيحاً من فضله ما يقصده من أمر المعاش فقال: {ليشهدوا} أي يحضروا حضوراً تاماً {منافع لهم} أي لا للمعبود، دينية ودنيوية، فإنه كما جعل سبحانه تلك المواطن ماحية للذنوب، جالبة للقلوب، جعلها جالبة للفوائد، جارية على أحسن العوائد، سالمة للفقر جابرة للكسر، ولما كانت المنافع لا تطيب وتثمر إلا بالتقوى كان الحامل على التقوى لذكر قال: {ويذكروا اسم الله} أي الجامع لجميع الكمالات بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره، إعلاماً بأنه المقصود الذي يتبعه جميع المقاصد لأنه ما جمعهم على ما فيه من تلك الأرض الغراء والأماكن الغبراء إلا هو بقدرته الكاملة، وقوته الشاملة، لا اسم شيء من الأصنام كما كانت الجاهلية تفعل {في أيام معلومات} أي علم أنها أول عشر في ذي الحجة الذي يوافق اسمه مسماه، لا ما سموه به ومسماه غيره على ما حكم به النسيء، وفي هذا إشارة إلى أن المراد به الإكثار إذ مطلق الذكر مندوب إليه في كل وقت، وفي التعبير بالعلم إشارة إلى وجوب استفراغ الجهد بعد القطع بأن الشهر ذو الحجة اسماً ومسمى في تحرير أوله، وأما أيام التشريق فإنها لما كانت مبنية على العلم بأمر الشهر الذي أمر به هنا، فأنتج العلم بيوم العيد، لم يحتج في أمرها إلى غير العد فلذا عبر عنها به دون العلم. ولما كانت النعم أجل أموالهم، قال تعالى مرغباً لهم ومرهباً: {على} أي مبركين بذكره وحامدين على {ما رزقهم} ولو شاء محقه {من بهيمة} ولما كانت البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، بينها بقوله: {الأنعام} من الإبل والبقر والغنم بالتكبير عند رؤيته، ثم عند ذبحه، وفيه حث على التقرب بالضحايا، والهدايا، ولذلك التفت إلى الإقبال عليهم، وتركيب "لهم" يدور على الاستعجام والخفاء والانغلاق وعدم التمييز، وتركيب "نعم" على الرفاهية والخفض والدعة. ولما ذكر سبحانه العبادة فخاطب بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، تنبيهاً على أنها لعظم المعبود لا يقوم بها على وجهها إلا الخلص، أقبل على العابدين كلهم بالإذن في ما يسرهم من منحة التمتيع، تنبيهاً على النعمة، حثاً على الشكر، فقال مبيناً عما اندرج في ذلك من الذبح: {فكلوا منها} أي إن شئتم إذا تطوعتم بها ولا تمتنعوا كأهل الجاهلية، فالأكل من المتطوع به لا يخرجه عن كونه قرباناً في هذه الحنيفية السمحة منة على أهلها، تشريفاً لنبيها صلى الله عليه وسلم، والأكل من الواجب لا يجوز لمن وجب عليه، لأنه إذا أكل منه ولم يكن مخرجاً لما وجب عليه بكماله {وأطعموا البائس} أي الذي اشتدت حاجته، من بئس كسمع إذا ساءت حاله وافتقر، وبين أنه من ذلك، لا من بؤس - ككرم الذي معناه: اشتد في الحرب، بقوله: {الفقير*} وأكد هذا الحث ونفى عنه الريب بعوده إلى الأسلوب الأول في قوله: {ثم ليقضوا} أي يقطعوا وينهوا يوم النحر بعد طول الإحرام {تفثهم} أي شعثهم بالغسل وقص الأظفار والشارب وحلق العانة ونحو ذلك {وليوفوا نذورهم} أخذاً من الفراغ من الأمر والخروج من كل واجب {وليطوفوا} فيكون ذلك آخر أعمالهم، وحث على الإكثار منه والاجتهاد فيه بصيغة التفعل، وعلى الإخلاص بالإخفاء بحسب الطاقة بالإدغام، واللام إن كسرت - كما هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وورش عن نافع وقنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب في {ليقضوا} وقراءة ابن ذكوان عن ابن عامر وحده في {ليوفوا.. وليطوفوا} يصح أن تكون للعلة عطفاً على {ليشهدوا} ويكون عطفها بأداة التراخي لطول المدة على ما هو مفهومها مع الإشارة إلى التعظيم في الرتبة، ويصح أن تكون للأمر كقراءة الباقين بالإسكان، وقوله: {بالبيت} أي من ورائه، لعلم الحجر، ومتى نقص عن إكمال الدوران حوله أدنى جزء لم يصح لأنه لم يوقع مسمى الطواف، فلا تعلق بالباء في التبعيض ووصفه بقوله: {العتيق*} إشارة إلى استحقاقه للتعظيم بالقدم والعتق من كل سوء، ثم أشار إلى تعظيم الحج وأفعاله هذه بقوله: {ذلك} أي الأمر الجليل العظيم الكبير المنافع دنيا وأخرى ذلك. ولما كان التقدير: فمن فعله سعد، ومن انتهك شيئاً منه شقي، عطف عليه قوله: {ومن يعظم} أي بغاية جهده {حرمات الله} أي ذي الجلال والإكرام كلها من هذا ومن غيره، وهي الأمور التي جعلها له فحث على فعلها أو تركها {فهو} أي التعظيم الحامل له على امتثال الأمر فيها على وجهه واجتناب المنهي عنه كالطواف عرياناً والذبح بذكر اسم غير الله {خير} كائن {له عند ربه} الذي أسدى إليه كل ما هو فيه من النعم فوجب عليه شكره فإن ذلك يدل على تقوى قلبه، لأن تعظيمها من تقوى القلوب، وتعظيمها لجلال الله، وانتهاكها شر عليه عند ربه. ولما كان التقدير: فقد حرمت عليكم أشياء أن تفعلوها، وأشياء أن تتركوها، عطف عليه قوله بياناً أن الإحرام لم يؤثر فيها كما أثر في الصيد: {وأحلت لكم الأنعام} وهي الإبل والبقر والغنم كلها {إلا ما يتلى} أي على سبيل التجديد مستمراً {عليكم} تحريمه من الميتة والدم وما أهل لغير الله به، خلافاً للكفار في افترائهم على الله بالتعبد بتحريم الوصيلة والبحيرة والسائبة والحامي وإحلال الميتة والدم. ولما أفهم ذلك حل السوائب وما معها وتحريم المذبوح للأنصاب، وكان سبب ذلك كله الأوثان، سبب عنه قوله: {فاجتنبوا} أي بغاية الجهد اقتداء بالأب الأعظم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي تقدم الإيصاء له بمثل ذلك عند جعل البيت له مباءة {الرجس} أي القذر الذي من حقه أن يجتنب من غير أمر؛ ثم بينه وميزه بقوله: {من الأوثان} أي القذر الذي من حقه أن يحتنب من غير أمر، فإنه إذا اجتنب السبب اجتنب المسبب. ولما كان ذلك كله من الزور، أتبعه النهي عن جميع الزور، وزاد في تبشيعه وتغليظه إذ عدله - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك فقال: {واجتنبوا} أي بكل اعتبار {قول الزور*} أي جميعه، وهو الانحراف عن الدليل كالشرك المؤدي إلى لزوم عجز الإله وتحريم ما لم ينزل الله به سلطاناً من السائبة وما معها، وتحليل الميتة ونحوها مما قام الدليل السمعي على تحريمه كما أن الحنف الميل مع الدليل، ولذلك أتبعه قوله: {حنفاء لله} الذي له الكمال كله، فلا ميل في شيء من فعله، وإنما كانا كذلك مع اجتماعهما في مطلق الميل، لأن الزور تدور مادته على القوة والوعورة، والحنف - كما مضى في البقرة - على الرقة والسهوله، فكان ذو الزور معرضاً عن الدليل بما فيه من الكثافة والحنيف مقبلاً على الدليل بما له من الاطافة. ولما أفهم ذلك التوحيد، أكده بقوله: {غير مشركين به} أي شيئاً من إشراك، بل مخلصين له الدين، ودل على عظمة التوحيد وعلوه، وفظاعة الشرك وسفوله، بقوله زاجراً عنه عاطفاً على ما تقديره: فمن امتثل ذلك أعلاه اعتداله إلى الرفيق الأعلى: {ومن يشرك} أي يوقع شيئاً من الشرك {بالله} أي الذي له العظمة كلها، لشيء من الأشياء في وقت من الأوقات {فكأنما خرّ من السماء} لعلو ما كان فيه من أوج التوحيد وسفول ما انحط إليه من حضيض الإشراك. ولما كان الساقط من هذا العلو متقطعاً لا محالة إما بسباع الطير أو بالوقوع على جلد، عبر عن ذلك بقوله: {فتخطفه الطير} أي قطعاً بينها، وهو نازل في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض {أو تهوي به الريح} أي حيث لم يجد في الهواء ما يهلكه {في مكان} من الأرض {سحيق*} أي بعيد في السفول، فيتقطع حال وصوله إلى الأرض بقوة السقطة وشدة الضغطة لبعد المحل الذي خر منه وزل عنه، فالآية من الاحتباك: خطف الطير الملزوم للتقطع أولاً دال على حذف التقطع ثانياً، والمكان السحيق الملزوم لبلوغ الأرض ثانياً دليل على حذف ضده أولاً؛ ثم عظم ما تقدم من التوحيد وما هو مسبب عنه بالإشارة بأداة البعد.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ بَوَّأْنَا} يقال بوَّأهُ منزلاً أي أنزلَه فيه. ولمَّا لزمه جعل الثَّاني مباءةً للأوَّلِ وقيل: {لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} وعليه مَبْنى قولِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُما جعلناهُ أي اذكر وقتَ جعلنا مكانَ البـيت مباءةً له عليه السَّلامُ أي مرجعاً يرجع إليه للعمارةِ والعبادةِ. وتوجيه الأمرِ بالذِّكرِ إلى الوقت مع أنَّ المقصود تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث قد مرَّ بـيانُه غير مرَّةٍ. وقيل اللاَّمُ زائدةٌ ومكانَ ظرفٌ كما في أصل الاستعمالِ أي أنزلناهُ فيه. قيل رُفع البـيت إلى السَّماءِ أيَّامِ الطُّوفانِ وكان من ياقوتةٍ حمراءَ فأعلم اللَّهُ تعالىٰ إبراهيمَ عليه السَّلامُ مكانَه بريحٍ أرسلها يقال لها الخجوجُ كنستْ ما حولَه فبناه على أُسِّهِ القديمِ. رُوي أنَّ الكعبةَ الكريمة بُنيت خمس مرَّاتٍ إحداها: بناءُ الملائكةِ وكانت من ياقوتةٍ حمراءَ ثمَّ رُفعت أيَّام الطُّوفانِ، والثَّانيةُ: بناءُ إبراهيمَ عليه السلام، والثَّالثة: بناءُ قُريشٍ في الجاهليةِ وقد حضر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذا البناءَ، والرَّابعةُ: بناءُ ابن الزُّبـيرِ، والخامسةُ: بناءُ الحجَّاجِ. وقد أوردنا ما في هذا الشَّأنِ من الأقاويل في تفسير قوله تعالى: { أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [البقرة: 127] وأنَّ في قوله تعالى: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً} مفسِّرةٌ لبوَّأنا من حيث إنَّه متضمِّنٌ لمعنى تعبدنا لأنَّ التَّبوئة للعبادة أو مصدريَّةٌ موصولة بالنَّهي، وقد مرَّ تحقيقُه في أوائل سُورة هود. أي فعلنا ذلك لئلاَّ تشركَ بـي في العبادة شيئاً {وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْقَائِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} أي وطهِّرْ بـيتي من الأوثانِ والأقذارِ لمن يطوفُ به ويصلِّي فيه ولعلَّ التَّعبـيرَ عن الصَّلاةِ بأركانِها للدِّلالةِ على أنَّ كلَّ واحدٍ منها مستقلٌّ باقتضاء ذلك فكيف وقد اجتمعتْ. وقرىء يُشرك بالياء. {وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ} أي نادِ فيهم. وقُرىء آذِن {بِٱلْحَجّ} بدعوة الحجِّ، والأمر به. رُوي أنَّه عليه السلام صعد أبا قُبـيسٍ فقال: يا أيُّها النَّاسُ حجُّوا بـيت ربِّكم فأسمعه اللَّهُ تعالىٰ من في أصلاب الرِّجالِ وأرحام النِّساءِ فيما بـين المشرقِ والمغربِ ممَّن سبق في علمه تعالى أنْ يحجَّ. وقيل الخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أُمر بذلك في حجَّةِ الوداع ويأباهُ كونُ السُّورةِ مكِّيةً {يَأْتُوكَ} جوابٌ للأمر {رِجَالاً} أي مُشاةً جمع راجلٍ كقيامٍ جمع قائمٍ. وقُرىء بضمِّ الرَّاءِ وتخفيفِ الجيمِ وتشديدِه، ورَجَالىٰ كعَجَالىٰ {وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ} عطفٌ على رِجالاً أي رُكباناً على كلِّ بغيرٍ مهزولٍ أتعبه بعدُ الشُّقِّةِ فهزله أو زادَ هزالُه. {يَأْتِينَ} صفةٌ لضامرٍ محمولة على المعنى. وقُرىء يأتُون على أنَّه صفةٌ للرِّجالِ والرُّكبانِ أو استئنافٌ فيكون الضَّميرُ للنَّاسِ {مِن كُلّ فَجّ} طريقٍ واسع {عَميِقٍ} بعيد. وقُرىء مُعيقٍ يقال بئرٌ بعيدة العُمقِ وبعيدةُ المُعقِ بمعنى، كالجَذْبِ والجَبْذِ.
التستري
تفسير : قوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ}[26] يعني طهّر بيتي من الأوثان لعبادي الطاهرة قلوبهم من الشك والريب والقسوة، فكما أمر الله بتطهير بيته من الأصنام، فكذلك أمر بتطهير بيته الذي أودعه سر الإيمان ونور المعرفة، وهو قلب المؤمن، أمر الله تعالى المؤمن بتطهيره عن الغل والغش والميل إلى الشهوات والغفلة للطائفين فيه زوائد التوفيق والقائمين بأنوار الإيمان، {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}[26] الخوف والرجاء، فإن القلب إذا لم يسكن خرب، وإذا سكنه غير مالكه خرب، فإذا أردتم أن تعمروا قلوبكم فلا تدعوا فيها غير الله، وإذا أردتم أن تعمروا ألسنتكم فلا تدعوا فيها غير الصدق، وإذا أردتم أن تعمروا جوارحكم فلا تدعوا فيها شيئاً إلا بالسنة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى ذكره: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} [الآية: 26]. قال ابن عطاء: وفقناه لبناء البيت، وأعنّاه عليه وجعلناه منسكًا له ولمن بعده من الأولياء والصديقين إلى يوم القيامة وبينا آثاره، وأمرنا الخليل عند بنائه أن لا يرى فعله ولا بناء، ولا يشرك بنا ذلك شيئًا. قال بعضهم: قوله عز وجل: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ}: وهو قلبك "للطائفين فيه" وهو زوائد التوفيق، {وَٱلْقَآئِمِينَ} وهو أنوار الإيمان، {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}: الخوف والرجاء. فإن القلب إذا لم يسكن بالمعرفة خرب. وإذا سكنه غير مالكه أو من يسكنه مالكه خرب. وطهارة القلب يكون بالاتفاق عن الاختلاف، وبالطاعة عن المعصية، وبالإقبال عن الإدبار، وبالنصيحة عن الغش، وبالأمانة عن الخيانة، فإذا طهر من هذه الأشياء قذف الله فيه النور فينشرح وينفسح فيكون محلاً للمحبة والمعرفة، والشوق والوصلة. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم يقول: سمعت أبا جعفر الملطى يقول: عن على بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عليهم السلام فى قوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ} قال: طهر نفسك من مخالطة المخالفين والاختلاط بغير الحق، والقائمين هو قواد العارفين المقيمون معه على بساط الأنس والخدمة، {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}: الأمة والسادة الذين رجعوا إلى البداية عن تناهى النهاية.
القشيري
تفسير : أصلحنا له مكانَ البيت وأسكنَّاه منه؛ وأرشدناه له، وهديناه إليه، وأَعنَّاه عليه، وذلك أنه رفع البيت إلى السماء الرابعة في زمن طوفان نوح عليه السلام، ثم أمر إبراهيم عليه السلام ببناءِ البيت على أساسه القديم. قوله {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً}، أي لا تلاحظ البيتَ ولا بِناءَك له. {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ....} يعني الكعبة - وذلك على لسان العلم، وعلى بيان الإشارة فَرِّغَ قَلبَكَ عن الأشياء كلِّها سوى ذِكْرِه - سبحانه. وفي بعض الكتب: "أوحى الله إلى بعض الأنبياء فَرِّغ لي بيتاً أسكنه، فقال ذلك الرسول: إلهي...أي بيت تشغل؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدي المؤمن". والمراد منه ذكر الله تعالى؛ فالإشارة فيه أن يفَّرِّغ قلبه لذكر الله. وتفريغ القلب على أقسام: أوله من الغفلة ثم مِنْ توهُّم شيءٍ من الحدثان من غير الله. ويقال قد تكون المطالبة على قوم بِصَوْنِ القلب عن ملاحظة العمل، وتكون المطالبة على الآخرين بحراسة القلب عن المساكنة إلى الأحوال. ويقال: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ}: أي قَلبكَ عن التطلع والاختيار؛ بألا يكون لك عند الله حظٌّ في الدنيا أو في الآخرة حتى تكون عبداً له بكمال قيامك بحقائق العبودية. ويقال {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ}: أي بإخراج كل نصيب لك في الدنيا والآخرة من تطلعِ إكرام، أو تَطَلُّبِ إنعام، أو إرادة مقام، أو سبب من الاختيار والاستقبال. ويقال طَهِّرْ قلبك للطائفين فيه من موارد الأحوال على ما يختاره الحق. {وَٱلْقَآئِمِينَ} وهي الأشياء المقيمة من مستودعات العرفان في القلب من الأمور المُغْنِيةِ عن البرهان، ويتطلع بما هو حقائق البيان التي هي كالعيان كما في الخبر: "كأنك تراه". {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}: هي أركان الأحوال المتوالية من الرغبة والرهبة، والرجاء والمخافة، والقبض والبسط، وفي معناه أنشدوا: شعر : لست من جملة المحبين إن لم أجعل القلبَ بيتَه والمقاما وطوافي إجالةُ السِّرِّ فيه وهو ركني إذا أردتُ استلاما تفسير : قوله: {لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً}: لا تلاحظ البيت ولا بِنَاءكَ للبيت. ويقال هو شهود البيت دون الاستغراق في شهود ربِّ البيت.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} هذا لخليله وجميع احبائه بينه وذلة الى ما فيه من الأيات والكرامات وما البسه من انوار حضرته ليكون وسيلة لعبادته ومرأة لانوار أياته وامره ان لا يطلب فى طلبه شيئا من غيره فى طاعته من الجنة وما فيها وجعل بيته مثالا لبيته الخاص الذى هو قلب العارف فى هذا الظاهر الأيات وفى بيت الباطن انوار الصفات ومشاهدة الذات فامره ان يظهر بيت الظاهر والباطن من خطرات النفسانية وخطوات الشيطانية بقوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} الطائفين عساكر انوار تجلى الحق وزوّار وارد الغيب والقائمين انوار المعرفة والتوحيد والركع السجود انوار الايمان والاسلام وايضا الطائفين ملائكة الالهام والقائمين والارواح والركع السجود العقول اى ظهر قلبك عن ذكر ما سوا حتى لا يشوش هؤلاء فى ---- انوار صفاتى وذاتى قال ابن عطا فى قوله واذ بوأنا لابراهيم فقناه لبناء البيت واعناه عليه وجعلناه منسكا له ولمن بعده ومن الاولياء والصديقين الى يوم القيامة وببناءِ فيه أثاره وامرنا الخليل عند بنائه ان لا يرى فعله وبناءه ولا يشرك بنا فى ذلك شيئا قال بعضهم فى قوله طهر بيتى وهو قلبك للطائفين فيه وهى زواية التوفيق والقائمين وهى انوار الايمان والركع السجود الخوف والرجاء قال جعفر بن محمد طهر بيتى للطائفين طهر نفسك عن مخالفة المخالفين والاختلاط بغير الحق القائمين هم فواد العارفين المقيمون معه على بساط الانس والخدمة والرّكع والائمة السادة الذين رجعوا الى البدايات عن تناهى النهاية قال سهل كما طهر البيت من الاصنام والاوثان وطهر القلب من الشرك والريب والغل والغش والقسوة والحس ولما استقام الخليل فى تجريد التوحيد امره الحق بان يدعو بلسان الخلد زوار الحضرة من اماكن الغيبة ومكامن العدمية بقوله {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} دعاهم بلسان الحق لذلك اجابوه بالتلبية بقولهم لبيّك اللّهم لبيك وتلك الاجابة من الارواح القدسية من معادنها من الغيب عشقا ومحبة وهذه المعانى تدل على كون الارواح قبل الاشباح ياتون مقام خلتك المحبون المفردون من غيرنا المتجر دون من انفسهم فى زيارتنا {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} نفوس مهزولة بالمجاهدات {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} من كل طريق بعيد من الاوهان لانهم فى طرق الاسرار ونوادر الانوار يأتونك من مقام المشاهدة الى مقام المتابعة اظهارا للعبودية بعد كونهم فى مشاهدة الربوبية قال ابن عطا رجالا استصلحناهم للوفود الينا وليس كل احد يصلح ان يكون وفدا على سيده والذى يصلح للوفادة هو اللبيب فى افعاله والكيس فى اخلاقه والصارف بما يفديه وبما يرد ويصدر ثم ذكر سبحانه علة الدعوة وبناء الكعبة بقوله {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} اى ليشهدوا بارواحهم مشاهد قربنا ومشاهدتنا وما اعددنا لهم من علم المقامات وسنى الدرجات قال ابن عطا ما وعده لمن قسم لربهم مما وعده الله لهم من القربة اقل جعفر ليشهدوا الذى بينى وبينهم قوله تعالى {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} امرهم بالتواضع فى مواكلة الفقراء والمساكين اهل بوس المجاهدات والافتقار الى المشاهدات اى اطعموهم من اطيب ما تاكلون ولا تؤثر وانفسهم عليهم فانهم لا ياكلون طعام البخلاء والمؤثرين هواهم على مرادنا وفيه اشارة الى اهل روح وصال المشاهدة والمكاشفة ان يخبروا طلاب المعرفة والمحبة مما كوشف لهم من احكام الملكوت وغيب الجبروت قال ابو ---- ادب ادب الله به عباده ان يطعموا الفقراء الا بما كانوا ياكلون ولا يجعلون لله ما يكرهوك هو لن تشاركوهم فى ماكلهم وملابسهم ومشاربهم لقوله فكلوا منها واطعموا وقال ابن عطا البائس الذى تأنف عن مجالسته ومواكلته والفقير من تعلم حاجته الى طعامك وان لم يسال.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ بوأنا لابراهيم مكان البيت} يقال برأه منزلا اى انزله فيه. والمعنى اذكر وقت جعلنا مكان البيت اى الكعبة مباءة له عليه السلام اى مرجعا يرجع اليه للعمارة والعبادة، وفى الجلالين بينا له ان يبنى ـ روى ـ ان الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات، احداها بناء الملائكة اياها قبل آدم وكانت من ياقوتة حمراء ثم رفعت الى السماء ايام الطوفان، والثانية بناء ابراهيم روى ان الله تعالى لما امر ابراهيم ببناء البيت لم يدر اين يبنى فاعلمه الله مكانه بريح ارسلها يقال لها الحجوج كنست ما حوله فبناه على القديم، وقال الكلبي بعث الله سحابة على قدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا ابراهيم ابن على قدرى فبنى عليه، والمرة الثالثة بناء قريش فى الجاهلية وقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البناء وكان يومئذ رجلا شابا فلما ارادوا ان يرفعوا الحجر الاسود اختصموا فيه فاراد كل قبيلة ان تتولى رفعه ثم توافقوا على ان يحكم بينهم اول رجل يخرج من هذه السكة فكان عليه السلام اول من خرج فقضى بينهم ان يجعلوه فى مرط ثم يرفعه جميع القبائل كلهم فرفعوه ثم ارتقى هو عليه السلام فرفعوه اليه فوضعه في مكانه وكانوا يدعونه الامين قيل كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة. والمرة الرابعة بناء عبدالله بن الزبير رضى الله عنه، والخامسة بناء الحجاج وهو البناء الموجود اليوم وكان البيت فى الوضع القديم مثلث الشكل اشارة الى قلوب الانبياء عليهم السلام اذ ليس لنبى الا خاطر الهى وملكى ونفسى ثم كان فى الوضع الحادث على اربعة اركان اشارة الى قلوب المؤمنين بزيادة الخاطر الشيطانى ـ ذكر المحدث الكازورنى فى مناسكه ـ ان هذا البيت خامس خمسة عشر سبعة منها فى السماء الى العرش وسبعة منها الى تخوم الارض السفلى لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت لو سقط منها بيت لسقط بعضها على بعض الى تخوم الارض السابعة ولكل بيت من اهل السماء والارض من يعمره كما يعمر هذه البيت وافضل الكل الكعبة المكرمة شعر : روبحرم نه كه دران خوش حريم هست سيه بوش نكارى مقيم صحن حرم روضه خلد برين اوبجنان ضحن مربع تشين قلبه خوبان عرب روى او سجده شوخان عجم سوى او كعبه بودنو كل مشكين من تازه ازو باغ دل ودين من تفسير : {ان لاتشرك بى شيئا} مفسرة لبوأنا من حيث انه متضمن لمعنى تعبدنا اذ التبوئة لا تقصد الا من اجل العبادة فكأنه قيل واذ تعبدنا ابراهيم قلنا له لا تشرك بى شيأ [آنكه شرك ميار وانباز مكير بمن جيزى راكه من ازشرك منزه ومقدسم] {وطهر بيتى} من الاوثان والاقذار ان تطرح حوله اضافه الى نفسه لانه منور بانوار آياته {للطائفين} لمن يطوف به {والقائمين والركع السجود} جمع راكع وساجد اى ويصلى فيه ولعل التعبير عن الصلاة باركانها وهى القيام والركوع والسجود للدلالة على ان كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك فكيف وقد اجتمعت، وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد بالقائمين المقيمون بالبيت فيكون المراد بالطائفين من يطوف به وآفاقى غير مقيم هناك، قال الكاشفى [اين بزبان اهل علمست واما بلسان اشارت ميفروما يدكه دل خودراكه دار الملك كبرياى منست ازهمه جيزباك كن وغيرى را بروراه مده كه او بيمانه اشراب محبت ماست "القلوب اوانى الله فى الارض فاحب اواني الى اصفاها" وحى آمد بداود عليه السلام كه براى من خائه باك سازكه نظر عظمت من بوى فرود آيد داود عليه السلام كفت "واى بيت يسعك" كدام خانه است كه عظمت وجلال ترا شايد فرمودكه آن دل بنده مؤمن است داود عليه السلام فرمودكه اوراجه كونه باك دارم كفت آتش عشق دروى زن تاهرجه غير ماست همه رابسوزد شعر : خوش آن آتش كه دردل برفروزد بجز حق هرجه بيش آيد بسوزد تفسير : قال سهل رحمه الله كما يطهر البيت من الاصنام والاوثان يطهر القلب من الشرك والريب والغل والغش والقسوة والحسد: قال الشيخ المغربى رحمه الله شعر : كل توحيد نرويد ززمينى كه درو خارشرك وحسد وكبر وريا وكينست مسكن دوست زجان ميطلبيدم كفتا مسكن دوست اكرهست دل مسكين است تفسير : وفى التأويلات النجمية كن حارسا للقلب لئلا يسكن فيه غيرى وفرغ القلب من الاشياء سواى ويقال {وطهر بيتى} اى باخراج كل نصيب لك فى الدنيا والآخرة من تطلع اكرام وتطلب انعام او ارادة مقام ويقال طهر قلبك {للطائفين} فيه من واردات الحق وموارد الاحوال على ما يختاره الحق {والقائمين} وهى الاشياء المقيمة من مستوطنات العرفان والامور المغنية عن البرهان وتطلعه بما هى حقيقة البيان{والركع السجود} وهى اركان الاحوال المتوالية من الرغبة والرهبة والرجاء والمخافة والقبض والبسط والانس والهيبة وفى معناها انشدوا شعر : لست من جملة المحبين ان لم اجعل القلب بيته والمقاما وطوافى اجالة السر فيه وهو ركنى اذا اردت استلاما
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) واذكر يا محمد {إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} ومعناه جلعنا له علامة يرجع اليها. وقال قوم: معنى بوأنا وطّأنا له. وقال السدي: كانت العلامة ريحاً هبت، فكشف حول البيت، يقال لها الحجوج. وقال قوم: كانت: سحابة تطوقت حيال الكعبة، فبنى على ظلها. واصل بوأنا من قوله {باؤا بغضب من الله} أي رجعوا بغضب منه. ومنه قول الحارث بن عباد (بؤ بشسع كليب) أي ارجع، قال الشاعر: شعر : فان تكن القتلى بواء فانكم فتى ما قتلتم آل عوف ابن عامر تفسير : اي قد رجع بعضها ببعض فى تكافئ. وتقول: بوأته منزلا أي جعلت له منزلا يرجع اليه، والمكان والموضع والمستقر نظائر. والبيت مكان مهيأ بالبناء للبيتوتة، فهذا اصله. وجعل البيت الحرام على هذه الصورة. وقوله {ألا تشرك بي شيئاً} معناه وأمرناه ألا تشرك بي شيئاً في العبادة {وطهر بيتي} قال قتادة: يعني من عبادة الاوثان. وقيل: من الادناس. وقيل من الدماء، والفرث، والاقذار التى كانت ترمى حول البيت، ويلطخون به البيت إذا ذبحوا. وقوله {للطائفين} يعني حول البيت {والقائمين والركع السجود} يعني طهر حول البيت للذين يقومون هناك للصلاة والركوع والسجود. وقال عطاء: والقائمين في الصلاة. وإذا قال: طاف، فهو من الطائفين، وإذا قعد، فهو من العكف، وإذا صلى، فهو من الركع السجود. وفى الآية دلالة على جواز الصلاة في الكعبة. وقوله {وأذن في الناس بالحج} قال الحسن: والجبائي: هو أمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يؤذن للناس بالحج ويأمرهم به، وانه فعل ذلك في حجة الوداع. وقال ابن عباس: ان إبراهيم قام في المقام، فنادى (يا أيها الناس إن الله قد دعاكم الى الحج) فأجابوا (بلبيك اللهم لبيك). وقوله {يأتوك رجالاً} أي مشاة على أرجلهم، فرجال جمع راجل مثل صاحب وصحاب، وقائم وقيام {وعلى كل ضامر} أي على كل جمل ضامر، وهو المهزول، أضمره السير {من كل فج عميق} أي طريق بعيد، قال الراجز: شعر : يقطعن بعد النازح العميق تفسير : وإنما قال {يأتين} لانه في معنى الجمع. وقيل: لأن المعنى وعلى كل ناقة ضامر. وقوله {ليشهدوا منافع لهم} قيل الأجر والثواب في الآخرة، والتجارة في الدنيا. وقال أبو جعفر (ع): المغفرة. وقوله {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} قال الحسن وقتادة: الأيام المعلومات عشر من ذي الحجة، والأيام المعدودات أيام التشريق. وقال ابو جعفر (ع) الأيام المعلومات أيام التشريق، والمعدودات العشر، لأن الذكر الذي هو التكبير في أيام التشريق. وانما قيل لهذه الأيام: معدودات، لقلتها. وقيل لتلك: معلومات، للحرص على علمها بحسابها، من أجل وقت الحج في آخرها. وقوله {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} يعني مما يذبح من الهدي. وقال ابن عمر: الأيام المعلومات أيام التشريق، لأن الذبح فيها الذي قال الله تعالى {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}. وقوله {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} قال مجاهد وعطاء: أمرنا بأن نأكل من الهدي وليس بواجب. وهو الصحيح، غير انه مندوب اليه. والبائس الذي به ضر الجوع، والفقير الذي لا شيء له، يقال: بؤس فهو بائس إذا صار ذا بؤس، وهو الشدة. أمر الله تعالى أن يعطى هؤلاء من الهدي. وقوله {ثم ليقضوا تفثهم} فالنفث مناسك الحج، من الوقوف، والطواف، والسعي، ورمي الجمار، والحلق بعد الاحرام من الميقات. وقال ابن عباس وابن عمر: التفث جمع المناسك. وقيل التفث قشف الاحرام، وقضاؤه بحلق الرأس، والاغتسال، ونحوه. قال الازهري: لا يعرف التفث في لغة العرب إلا من قول ابن عباس. وقوله {وليوفوا نذورهم} أي يوفوا بما نذروا، من نحر البدن - فى قول ابن عباس - وقال مجاهد: كل ما نذر في الحج. وقرأ أبو بكر عن عاصم {وليوفّوا} مشدة الفاء، ذهب إلى انه التكبير. وقوله {وليطوفوا بالبيت العتيق} أمر من الله تعالى بالطواف بالبيت. قال ابن زيد: سمي البيت عتيقاً، لانه أعتق من ان تملكه الجبابرة عن آدم. وقيل: لأنه اول بيت بني. كقوله تعالى {أية : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً} تفسير : ثم حدده إبراهيم (ع). وقيل: لانه أعتق من الغرق أيام الطوفان، فغرقت الارض كلها إلا موضع البيت، روي عن أبي جعفر (ع). والطواف المأمور به من الله فى هذه الآية، قال قوم: هو طواف الافاضة بعد التعريف إما يوم النحر، وإما بعده، وهو طواف الزيارة، وهو ركن بلا خلاف. وروى أصحابنا ان المراد - ها هنا - طواف النساء الذي يستباح به وطؤ النساء، وهو زيادة على طواف الزيارة. وقوله {ذلك ومن يعظم حرمات الله} بأن يترك ما حرمه الله. وقوله {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} يعني إلا ما يتلى عليكم فى كتاب الله: من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب. وقيل: واحلت لكم الانعام، من الابل، والبقر، والغنم، فى حال إحرامكم {إلا ما يتلى عليكم} من الصيد، فانه يحرم على المحرم. وقوله {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} معنى {من} لتبيين الصفة، والتقدير فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. وروى أصحابنا أن المراد به اللعب بالشطرنج، والنرد، وسائر انواع القمار {واجتنبوا قول الزور} يعني الكذب. وروى اصحابنا أنه يدخل فيه الغناء وسائر الاقوال الملهية بغير حق.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ} واذكر إذ * {بَوَّأنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ} جعلنا لابراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة. روي ان البيت رفع للسماء ايام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء فاعلم الله ابراهيم عليه السلام مكانه بريح ارسلها يقال لها الخجوج كنست ما حوله فبناه على اسه القديم ولذا قال (مكان البيت) وروي ان الاس تكلم (يا ابراهيم ابن علي) وقد فسر بعضهم (بوانا) ببينا. قيل: وكان حوله حجارة سوداء. وقيل: انطمس مكان البيت ايام الطوفان فبينته الريح. وقيل: (بوأنا) (انزلنا) (وإبراهيم) مفعول زيدت فيه اللام ومكان ظرف مكان وفيه ضعف لزيادة اللام من غير أن تكون في معمول عامل ضعف عمله بالتخير أو بكونه فرعا في العمل {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} ان تفسيريه ووجه كون النهي عن الاشراك والامر بتطهير البيت تفسيرا المتبوئة ان التبوئة مقصودة من أجل العبادة لله وحده فكأنه قيل تعبدنا ابراهيم قلنا له (لا تشرك بي شيئا) واجاز بعضهم كونها مصدرية موصولة بالنهي فقدم لام التعليل قبلها {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} من الاصنام والاقذار والانجاس وما لا يليق ان يحضر حوله وقرئ ان لا يشرك بالتحتية وزعم الصفاقضي ان تفسير لقول محذوف وان التقدير قائلين: (لا تشرك) ويرده ان التفسيرية تكون مع ما فيه معنى القول لا حرفه وانه لا تكون على هذا التقدير تفسيرية قال أو يقدر موبخين له (لا تشرك) ويرده ان هذا المقام لا يناسبه التوبيخ. وعن عائشة كسوة البيت على الامراء. وسكن الياء غير نافع وحفص وهشام {لِلطَّآئِفينَ} به * {وَالْقَآئِمِينَ} الميقمين به للذكر والقراءة {والرُّكَّعِ السُّجُودِ} جمعا راكع وساجد والمراد المصلون ولكنه والله اعلم عبر عن الصلاة باركانها للدلالة على ان كلا منها مستقل باقتضاء التطهير مما ذكر فكيف وقد اجتمعت. وقيل: المراد بالقائمين (من قام مصليا) فيكون خص من اركان الصلاة اعظمها القيام والركوع والسجود.
اطفيش
تفسير : {وإذ بوَّأنا لإبراهيم مَكان البَيْت} إذ مفعول به لا ذكر، أى وذاكر للكفرة الصادين عن سبيل الله والمسجد الحرام وقت تبوأتنا لجدهم إبراهيم مكان الكعبة، وتبوئه البيت له جعله مباءة أى مرجعا للعمارة، والعبادة عنده أن بينا مكان البيت له ليبنيه، ويكون مباءة له ولعقبه للعبادة، والحج لما أمره الله ببنائه أمر الله له الريح، فكشفت له أساسه وهو لبناء الثانى، والأول بناء الملائكة من ياقوتة حمراء، رفع عند الطوفان، والثالث بناء قريش، والنبى صلى الله عليه وسلم شاب، واتفقوا بعد نزاعهم فيمن يضع الحجر الأسود، فكان على أول من يخرج من هذه السكة فخرج صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا الأمين فوضعوه، فى ثبوت، وأمسكوا بأطرافه فرفعوه فطلع صلى الله عليه وسلم فوضعه، والرابع بناء عبد الله بن الزبير بنى فيه الحجر الحطيم، والخامس بناء الحجاج رده كما كان، فأخرج الحطيم، وجمع البيت بيوت والنظم أبيات لا بيوت نصوا على ذلك. {أنْ لا تُشْرك بى شيئاً} إن تفسيرته، لأن فى بوأنا معنى القول دون حروفه، لأن التبوئة للعبادة، فكانه قيل أمرنا أن لا تشرك بى شيئا، أو لأن بوأنا بمعنى قلنا تبوأ، والخطاب لإبراهيم عليه السلام كما قرىء أن لا يشرك بالتحتية، وكما قال: وإذن، وقيل للنبى صلى الله عليه وسلم والصحيح الأول. {وطهِّر بيْتِى} من الأوثان، والأوساخ والأنجاس والمعاصى {للطائفين} به {والقائمين} المصلين عنده {والركَّع السُّجود} جمع ساجد، خصهما مع دخولهما فى القائمين إظهار الشأن الخضوع بالانحناء، ولم يعطف السجود، لأن السجود والركوع كليهما انحناء، أو خصهما تلويحا بأن مجموعهما مستحق للتبوئة أو التطهير، كما استحقه القيام أو بأن صلاة هذه الأمة اشتملت عليهما وعلى القيام.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} أي اذكر لهؤلاء الكفرة الذين يصدون عن سبيل الله تعالى والمسجد الحرام وقت جعلنا مكان البيت مباءة لجدهم إبراهيم عليه السلام أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة ويقال بوأه منزلاً إذا أنزله فيه ولما لزمه جعل الثاني مباءة للأول جيء باللام فهي للتعدية، و {مَّكَانَ} مفعول به. وقال الزجاج: المعنى بينا له مكان البيت ليبنيه ويكون مباءة له ولعقبه يرجعون إليه ويحجونه، والأول مروي عن ابن عباس، وقيل: اللام زائدة في المفعول به و {مَّكَانَ} ظرف لبوأنا. واعترض بأن اللام إنما تزاد إذا قدم المعمول أو كان العامل فرعاً وشيء منهما غير متحقق هٰهنا وأن {مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} ظرف معين فحقه أن يتعدى الفعل إليه بفي، وفيه نظر كما يعلم من «كتب العربية»، وقيل: مفعول {بَوَّأْنَا} محذوف أي بوأنا الناس واللام في {لإبراهيم} لام العلة أي لأجل إبراهيم أي كرامة له، والمعول عليه ما قدمنا، وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المراد تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر غير مرة، والمكان المتعارف ما يستقر عليه الشيء / ويمنعه من النزول وللعلماء فيه مذاهب وليس هذا مكان تحقيقها. وأصل البيت مأوى الإنسان بالليل ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه وجمعه أبيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر أخص، ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومن مدر ومن صوف ووبر، ويعبر عن مكان الشيء ببيته، والمراد بالبيت بيت الله عز وجل الكعبة المكرمة، وقد بنيت خمس مرات، إحداها بناء الملائكة عليهم السلام قبل آدم وكانت من ياقوتة حمراء ثم رفع ذلك البناء إلى السماء أيام الطوفان، والثانية بناء إبراهيم عليه السلام. روي أنه تعالى لما أمره ببناء البيت لم يدر أين يبني فأرسل الله تعالى له الريح الخجوج فكشفت عن أسه القديم فبنى عليه، والثالثة: بناء قريش في الجاهلية، وقد حضره النبـي صلى الله عليه وسلم وكان شاباً فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فأراد كل قبيلة أن يتولى رفعه ثم توافقوا على أن يحكم بينهم أول رجل يخرج من هذه السكة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج فقضى بينهم أن يجعلوه في مرط ثم يرفعه جميع القبائل فرفعوه ثم ارتقى صلى الله عليه وسلم فرفعوه إليه فوضعه مكانه وكانوا يدعونه عليه السلام الأمين وكان ذلك قبل المبعث فيما قيل بخمس عشرة سنة، والرابعة بناء عبد الله بن الزبير، والخامسة بناء الحجاج وهو البناء الموجود اليوم. وارتفاعها في السماء سبعة وعشرون ذراعاً وربع ذراع والذراع أربع وعشرون أصبعاً والأصبع ست شعيرات والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون. وأما طولها في الأرض فمن الركن اليماني إلى الركن الأسود خمسة وعشرون ذراعاً وكذا ما بين اليماني والغربـي، وأما عرضها فهو من الركن اليماني إلى الركن الأسود عشرون ذراعاً، وطول الباب ستة أذرع وعشرة أصابع، وعرضه أربعة أذرع والباب في جدارها الشرقي وهو من خشب الساج مضبب بالصفائح من الفضة، وارتفاع ما تحت عتبة الباب من الأرض أربعة أذرع وثلاث أصابع، والميزاب في وسط جدار الحجر. وعرض الملتزم وهو ما بين الباب والحجر الأسود أربعة أذرع، وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ثلاثة أذرع إلا سبعاً، وعرض القدر الذي بدر منه شبر وأربع أصابع مضمومة، وعرض المستجاد وهو بين الركن اليماني إلى الباب المسدود في ظهر الكعبة مقابلاً للمتلزم أربعة أذرع وخمس أصابع، وعرض الباب المسدود ثلاثة أذرع ونصف ذراع وطوله أكثر من خمسة أذرع. وأما الحجر ويسمى الحطيم والحظيرة فعلى هيئة نصف دائرة من صوب الشام والشمال بين الركن العراقي والشامي. وحده من جدار الكعبة الذي تحت الميزاب إلى جدار الحجر سبعة عشر ذراعاً وثماني أصابع منها سبعة أذرع أو ستة وشبر من أرض الكعبة، والباقي كان زرباً لغنم سيدنا إسماعيل عليه السلام فأدخلوه في الحجر، وما بين بابـي الحجر عشرون ذراعاً، وعرض جدار الحجر ذراعان، وذرع تدوير جدار الحجر من داخله ثمانية وثلاثون ذراعاً ومن خارجه أربعون ذراعاً وست أصابع، وارتفاع جدار الحجر ذراعان فذرع الطوق وحده حوالي الكعبة، والحجر مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعاً واثنتا عشرة أصبعاً، وهذا على ما ذكره الإمام حسين بن محمد الآمدي في «رسالة» له في ذلك والعهدة عليه، وإنا لنرجوا من رب البيت أن يوفقنا لزيارة بيته وتحقيق ذلك بلطفه وكرمه. و{أنٍ} في قوله تعالى {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} قيل مفسرة، والتفسير باعتبار أن التبوئة من أجل العبادة فكأنه قيل أمرنا إبراهيم عليه السلام بالعبادة وذلك فيه معنى القول دون حروفه أو لأن بوأناه بمعنى قلنا له تبوأ، وقال ابن عطية: مخففة من الثقيلة وكأنه لتأويل بوأناه بأعلمناه، فلا يرد عليه أنه لا بد أن يتقدمها فعل تحقيق أو ترجيح. / وقال أبو حيان: الأولى أن تكون الناصبة وكما توصل بالمضارع توصل بالماضي والأمر والنهي انتهى، وحينئذ لا تنصب لفظاً، وقول أبـي حاتم: لا بد من نصب الكاف على هذا رده في «الدر المصون» أي فعلنا ذلك لئلا تشرك بي في العبادة شيئاً، والظاهر أن الخطاب لإبراهيم عليه السلام، ويؤيده قراءة عكرمة وأبـي نهيك {أَن لاَّ يُشْرِكْ} بالياء التحتية؛ وقيل: الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم. {وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْقَائِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} المراد بالطهارة ما يشمل الحسية والمعنوية أي وطهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلى عنده، ولعل التعبير عن الصلاة بأركانها من القيام والركوع والسجود للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء التطهير أو التبوئة على ما قيل: فكيف وقد اجتمعت أو للتنصيص على هذه الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية إذ اجتماع هذه الأركان ليس إلا في صلاتهم، ولم يعطف السجود لأنه من جنس الركوع في الخضوع، ويجوز أن يكون {ٱلْقَائِمِينَ} بمعنى المقيمين و {الطَّائِفِينَ} بمعنى الطارئين فيكون المراد بالركع السجود فقط المصلين إلا أن المتبادر من الطائفين ما ذكر أولاً.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم}تفسير : [الحج: 25] عطف قصة على قصة. ويعلم منها تعليل الجملة المعطوفة عليها بأن المُلحد في المسجد الحرام قد خالف بإلحاده فيه ما أراده الله من تطهيره حتى أمر ببنائه، والتخلص من ذلك إلى إثبات ظلم المشركين وكفرانهم نعمة الله في إقامة المسجد الحرام وتشريع الحجّ. و (إذ) اسم زمان مجرد عن الظرفية فهو منصوب بفعل مقدّر على ما هو متعارف في أمثاله. والتقدير: واذكر إذْ بوّأنا، أي اذكر زمان بوّأنا لإبراهيم فيه كقوله تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30]، أي اذكر ذلك الوقت العظيم، وعُرف معنى تعظيمه من إضافة اسم الزمان إلى الجملة الفعلية دون المصدر فصار بما يدلّ عليه الفعل من التجدد كأنه زمن حاضر. والتبوِئَة: الإسكان. وتقدم في قوله تعالى: {أية : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها}تفسير : [يوسف: 56]. والمكان: الساحة من الأرض وموضع للكون فيه، فهو فعل مشتق من الكون، فتبوئته المكان: إذنُه بأن يتخذه مَباءة، أي مقراً يبني فيه بيتاً، فوقع بذكر {مكان}إيجاز في الكلام كأنه قيل: وإذْ أعطيناه مكاناً ليتخذ فيه بيتاً، فقال: مكان البيت، لأنّ هذا حكاية عن قصة معروفة لهم. وسبق ذكرها فيما نزل قبل هذه الآية من القرآن. واللام في {لإبراهيم}لام العلة لأنّ {إبراهيم}مفعول أول لــــ {بوّأنا}الذي هو من باب أعطى، فاللام مثلها في قولهم: شكرت لك، أي شكرتك لأجلك. وفي ذكر اللام في مثله ضرب من العناية والتكرمة. و {البيت} معروف معهود عند نزول القرآن فلذلك عرف بلام العهد ولولا هذه النكتة لكان ذكر {مكان}حشواً. والمقصود أن يكون مأوى للدين، أي معهداً لإقامة شعائر الدين. فكان يتضمن بوجه الإجمال أنه يترقب تعليماً بالدين فلذلك أعقب بحرف (أنْ) التفسيرية التي تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه. وكان أصل الدين هو نفي الإشراك بالله فعلم أن البيت جعل مَعْلَماً للتوحيد بحيث يشترط على الداخل إليه أن لا يكون مشركاً، فكانت الكعبة لذلك أول بيت وضع للناس، لإعلان التوحيد كما بيناه عند قوله تعالى: {أية : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين}تفسير : في[سورة آل عمران: 96]. وقوله تعالى: {وطهر بيتي} مؤذن بكلام مقدّر دلّ عليه {بوأنا لإبراهيم مكان البيت}. والمعنى: وأمرناه ببناء البيت في ذلك المكان، وبعد أن بناه قلنا لا تُشرك بي شيئاً وطهّر بيتي. وإضافة البيت إلى ضمير الجلالة تشريف للبيت. والتطهير: تنزيهه عن كل خبيث معنىً كالشرك والفواحش وظلم الناس وبثّ الخصال الذميمة، وحسّاً من الأقذار ونحوها، أي أعدده طاهراً للطائفين والقائمين فيه. والطواف: المشي حول الكعبة، وهو عبادة قديمة من زمن إبراهيم قررها الإسلام وقد كان أهل الجاهلية يطوفون حول أصنامهم كما يطوفون بالكعبة. والمراد بالقائمين: الداعون تجاه الكعبة، ومنه سمي مقام إبراهيم، وهو مكان قيامه للدعاء فكان الملتزم موضعاً للدعاء. قال زيد بن عَمرو بن نُفيل:شعر : عُذتُ مما عاذ به إبراهيمُ مستقبلَ الكعبة وهو قائم تفسير : والركّع: جمع راكع، ووزن فُعّل يكثر جمعاً لفاعل وصفاً إذا كان صحيح اللام نحو: عُذّل وسُجّد. والسجود: جمع سَاجد مثل: الرقود، والقعود، وهو من جموع أصحاب الأوصاف المشابهة مَصادر أفعالها.
الشنقيطي
تفسير : أي اذكر حين بوأنا، تقول العرب: بوأت له منزلاً، وبوأته منزلاً، وبوأته في منزل بمعنى واحد كلها بمعنى: هيأته له، ومكنت له فيه، وأنزلته فيه، فتبوأه: أي نزله، وتبوأت له منزلاً أيضاً هيأته له، وأنزلته فيه فبوأه المتعدي بنفسه، كقوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً}تفسير : [العنكبوت: 58] الآية وقوله {أية : وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً}تفسير : [النحل: 41] الآية ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: شعر : كم من أخ لي ماجد بوأته بيدي لحدا تفسير : أي هيأته له، وأنزلته فيه، وبوأت له كقوله هنا {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ} الآية، وبوأته فيه كقول الشاعر: شعر : وبوئت في صميم معشرها وتم في قومها مبوؤها تفسير : أي نزلت من الكرم في صميم النسب، وتبوأت له منزلاً كقوله تعالى {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً}تفسير : [يونس: 87] وتبوأه كقوله {أية : وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ}تفسير : [الزمر: 74] الآية. وقوله تعالى {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ}تفسير : [يوسف: 56] وقوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ}تفسير : [الحشر: 9] الآية. وأصل التبوء. من المباءة: وهي منزل القوم في كل موضع، فقوله {بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} أي هيأناه له، وعرفناه إياه، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة، حين أمرنا ببنائه، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه. والمفسرون يقولون: بوأه له، وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق الأساس، حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرساً، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه. وقيل: أرسل له مزنة فاستقرت فوقه، فكان ظلها على قدر مساحة البيت، فحفرا عن الأساس، فظهر لهما فبنياه عليه. وهم يقولون أيضاً: إنه كان مندرساً من زمن طوفان نوح، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم، والله تعالى أعلم. وغاية ما دل عليه القرآن: أن الله بوأ مكانه لإبراهيم، فهيأه له، وعرفه إياه ليبنيه في محله، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله. وظاهر قوله: حين ترك إسماعيل، وهاجر في مكة {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}تفسير : [إبراهيم: 37] يدل على أنه كان مبنياً، واندرس، كما يدل عليه قوله هنا {مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} لأنه يدل على أن له مكاناً سابقاً، كان معروفاً. والله أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ} الآية متعلق بمحذوف، وقد دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة وهي قوله تعالى {أية : وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}تفسير : [البقرة: 125] الآية فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} وعهدنا إليه: أي أوصيناه، أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين، وزادت آية البقرة: أن إسماعيل مأمور بذلك أيضاً مع أبيه إبراهيم، وإذا عرفت أن المعنى: وعهدنا إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئاً، وطهر بيتي. الآية. فاعلم أن في "أَنْ" وجهين: أحدهما: أنها هي المفسرة، وعليه فتطهير البيت من الشرك، وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم: أي والعهد هو إيصاؤه بالتطهير المذكور. والثاني: أنها مصدرية بناء على دخول "أن" المصدرية على الأفعال الطلبية. فإنْ قيل: كيف تكون مفسرة للعهد إلى إبراهيم، وهو غير مذكور هنا؟ فالجواب: أنه مذكور في سورة البقرة في المسألة بعينها، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فالمذكور هناك كأنه مذكور هنا، لأن كلام الله يصدق بعضه بعضاً، والتطهير هنا في قوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} يشمل التطهير المعنوي، والحسي، فيطهره الطهارة الحسية من الأقذار، والمعنوية: من الشرك والمعاصي، ولذا قال {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} وكانت قبيلة جرهم تضع عنده الأصنام تعبدها من دون الله، وقد قدمنا في سورة الإسراء الكلام مستوفى فيما كان عند الكعبة من الأصنام عام الفتح، وطهرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنجاس الأوثان وأقذارها. كما أمر الله بذلك إبراهيم هنا وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [النحل: 123] الآية والمراد بالطائفين في هذه الآية: الذين يطوفون حول البيت، والمراد بالقائمين والركع السجود: المصلون أي طهر بيتي للمتعبدين، بطواف، أو صلاة، والركع: جمع راكع، والسجود: جمع ساجد. وقوله تعالى في هذه الآية {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} لفظة "شَيْئاً" مفعول به: للا تشرك: أي لا تشرك بي شيئاً من الشركاء كائناً ما كان، ويحتمل أن تكون ما ناب عن المطلق، من لا تشرك: أي لا تشرك بي شيئاً من الشرك، لا قليلاً، ولا كثيراً. فالمعنى على هذا: لا تشرك بي شركاً قليلاً، ولا كثيراً، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في رواية هشام. بيتي بفتح الياء، وقرأ باقي السبعة بإسكانها. واعلم أن المؤرخين لهم كلام كثير في قصة بناء إبراهيم، وإسماعيل للبيت، ومن جملة ما يزعمون، أن البيت الحرام رفعه الله إلى السماء أيام الطوفان، وأنه كان من ياقوتة حمراء ودرج على ذلك ناظم عمود النسب فقال: شعر : ودلت إبراهيم مزنة عليه فهي على قدر المساحة تريه وقيل دلته خجوج كنست ما حوله حتى بدا ما أسست قبل الملائك من البناء قبل ارتفاعه إلى السماء تفسير : ومعلوم أن هذا ونحوه شبيه بالاسرائيليات لا يصدق منه إلا ما قام دليل من كتاب، أو سنة على صدقه، ولذلك نقلل من ذكر مثل ذلك في الغالب. مسألة يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار، ولا نجس من الأنجاس المعنوية، ولا الحسية، فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضي الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات. ولا شك أن دخول المصورين في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام بآلات التصوير يصورون بها الطائفين والقائمين والركع السجود: أن ذلك مناف لما أمر الله به من تطهير بيته الحرام للطائفين والقائمين والركع السجود، فانتهاك حرمة بيت الله بارتكاب حرمة التصوير عنده لا يجوز. لأن تصوير الإنسان دلت الأحاديث الصحيحة على أنه حرام، وظاهرها العموم في كل أنواع التصوير. ولا شك أن ارتكاب أي شيء حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من الأقذار، والأنجاس المعنوية التي يلزم تطهير بيت الله منها. وكذلك ما يقع في المسجد من الكلام المخل بالدين والتوحيد لا يجوز إقرار شيء منه، ولا تركه. ونرجو الله لنا ولمن ولاه الله أمرنا، ولإخواننا المسلمين التوفيق إلى ما يرضيه في حرمه، وسائر بلاده، إنه قريب مجيب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات وإذ بوأنا لإِبراهيم: أي أذكر يا رسولنا إذ بوأنا: أي أنزلنا إبراهيم بمكة مبينين له مكان البيت. أن لا تشرك بي شيئاً: أي ووصيناه بأن لا تشرك بي شيئاً من الشرك والشركاء. وطهر بيتي: ونظف بيتي من أقذار الشرك وأنجاس المشركين. وأذن في الناس بالحج: أعلن في الناس بأعلى صوتك. رجالاً وعلى كل ضامر: مشاة وركباناً على ضوامر الإِبل. فج عميق: طريق واسع بعيد الغور في قارات الأرض. في أيام معلومات: هي أيام التشريق. بهيمة الأنعام: أي الإِبل والبقر والغنم إذ لا يصح الهدى إلا منها. البائس الفقير: أي الشديد الفقر. ليقضوا تفثهم: أي ليزيلوا أوساخهم المترتبة على مدة الإِحرام. وليوفوا نذورهم: أي بأن يذبحوا وينحروا ما نذروه لله من هدايا وضحايا. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ} أي اذكر يا رسولنا لقومك المنتسبين إلى إبراهيم باطلاً وزوراً حيث كان موحداً وهم مشركون اذكر لهم كيف بوأه ربُّه مكان البيت لِيَبْنِيه ويرفع بناءه وكيف عهد الله إليه ووصاه بأن يطهره من الأقذار الحسية كالنجاسات من دماء وأوساخ والمعنوية كالشرك والمعاصي وسائر الذنوب وذلك من أجل الطائفين به والقائمين في الصلاة والراكعين والساجدين فيه إذ الرُّكع جمع راكع والسجد جمع ساجد حتى لا يتأذوا بأي أذى معنوي أو حسيّ وهم حول بيت ربهم وفي بلده وحرمه، ليذكر قومك هذا وهم قد نصبوا حول البيت التماثيل والأصنام، ويحاربون كل من يقول لا إله إلا الله وقد صدوك وأصحابك عن المسجد الحرام ومنعوك من الطواف بالبيت العتيق، فأين يذهب بعقولهم عندما يدعون أنهم على دين إبراهيم وإسماعيل. هذا ما دل عليه قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}. وقوله تعالى {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ} أي وعهدنا إليه آمرين إياه أن يؤذن في الناس بأن ينادي معلنا معلماً: أيها الناس إن ربكم قد بنى لكم بيتاً فحجوه ففعل ذلك فأسمع الله صوته من شاء من عباده ممن كتب لهم أزلا أن يحُجوا وسهل طريقهم حجوا فعلاً ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالاً} أي عليك النداء وعلينا البلاغ فنادِ {يَأْتُوكَ رِجَالاً} أي مشاة {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} من النوق المهازيل {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} أي طريق بعيد في أغوار الأرض وأبعادها كالأندلس غرباً وأندونيسيا شرقاً. وقوله تعالى: {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} أي يأتوك ليشهدوا منافع لهم دينيَّة كمغفرة ذنوبهم واستجابة دعائهم والفوز برضا ربهم، وتعلم دينهم من علمائهم، ودينويّة كربح تجارة ببيع وشراء وعرض سلع وأنواع صناعات، وقوله تعالى: {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} شاكرين لله تعالى إنعامه عليهم وإفضاله وذلك في أيام الحج كلها من العشر الأول من ذي الحجة إلى نهاية أيام التشريق بالصلاة والذكر والدعاء، كما يذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام عند نحر الإِبل وذبح البقر والغنم بأن يقول الناحر أو الذابح بسم الله والله أكبر وقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا} أي من بهيمة الأنعام التي نحرتموها أو ذبحتموها تقرباً إلينا كهدى التمتع أو التطوع، {وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} وهو من اشتد به الفقر وقوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} بإزالة الشعث والوسخ الذي لازمهم طيلة مدة الإِحرام. وقوله: {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} أن من كان منهم قد نذر هدياً بذبحه في الحرم فليوف بذلك إذ هذا أوان الوفاء بما نذر أن ينحره أو يذبحه بالحرم. وقوله {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أي وليطوفوا طواف الإِفاضة وهو ركن الحج ولا يصح إلا بعد الوقوف بعرفة ورمي جمرة العقبة صباح العيد عيد الأضحى. هداية الآيات من هداية الآيات 1- وجوب بناء البيت وإعلائه كلما سقط وتهدم ووجوب تطهيره من كل ما يؤذي الطائفين والعاكفين في المسجد الحرام من الشرك والمعاصي وسائر الذنوب ومن الأقذار كالأبوال والدماء ونحوها. 2- مشروعية فتح مكاتب للدعاية للحج. 3- جواز الاتجار أثناء إقامته في الحج. 4- وجوب شكر الله تعالى وذكره. 5- جواز الأكل من الهدي ومن ذبائح التطوع بل استحبابه. 6- وجوب الحلق أو التقصير بعد رمي حمة العقبة. 7- وجوب الوفاء بالنذور الشرعية أما النذور للأولياء فهي شرك ولا يجوز الوفاء بها. 8- تقرير طواف الإِفاضة وبيان زمنه وهو بعد الوقوف بعرفة ورمي جمرة العقبة.
القطان
تفسير : بوّأْنا لابراهيم مكان البيت: انزلناه فيه، يعني في الحرم. وطهِّر بيتي: اجعله مطهَّرا بالعبادة الصحيحة. للطائفين: الذين يدورون حوله. وأذّن في الناس بالحج: ناد الناس للحج وادعهم اليه. رجالا: مشاة. وعلى كل ضامر: جملٌ ضامر وناقة ضامر، قليلة اللحم تتحمل مشاق السفر. فج عميق: طريق بعيد. ليذكروا اسم الله: ليحمدوه ويشكروه. في أيام معلومات: ايام النحر الثلاثة وهي يوم العيد ويومان بعده. بهيمة الانعام: الإبل والبقر والضان. البائس: الذي افتقر واشتدت حاجته. ثم ليقضوا تفثهم: ليزيلوا ما علق بهم من اوساخ. وليوفوا نذورهم: يؤدوا ما نذروه. بالبيت العتيق: المسجد الحرام، لأنه أولُ بيتٍ وضع للناس. {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}. اذكَر أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذي يصدّون عن سبيلِ الله ودخول المسجد الحرام ويدَّعون انهم أتباع ابراهيم.... اذكُر لهم قصة إبراهيم والبيت الحرام حين أنزلناه فيه وأمرناه باعادة بنائه، وقلنا له: لا تُشرك بي شيئا، وطهّر بيتي من عبادة الاوثان لمن يطوف به ويقيم بجواره ويتعبد عنده. {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} وقلنا له (ابراهيم): نادِ الناسَ داعياً اياهم الى الحجّ وزيارة هذا البيت الذي أُمرتَ ببنائه يأتوك مشاةً على ارجلهم، وركباناً على كل جمل ضامر وناقة ضامر من كل طريق بعيد. ثم بيّن السبب في هذه الزيارة فقال: {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ}. نادِهم يا إبراهيم ليحصلوا على منافعَ دينية لهم بأداء فريضة الحج، ومنافعَ دنيوية بالتعارف مع إخوانهم المسلمين والتشاور معهم فيما ينفعُهم في دينهم ودنياهم. (والحجُّ اكبر مؤتمرٍ في العالم، وهو من أعظمِ التجمعات لو عرف المسلمون كيف يستفيدون منه.) وليذكروا اسم الله في أيام النَّحْر ويشكروه ويحمدوه على ما رزقهم ويسّر لهم من الإبل والبقر والغنم، فكلوا منها ما شئتم وأطعِموا الفقراءَ وكلَّ محتاجٍ من البائسين والمحتاجين. {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}. ثم عليهم بعدَ ذلك أن ينظّفوا أجسامهم مما عَلِقَ بها أثناء الإحرامِ من آثار العرق وطول السفر، لأن الحاجّ لا يستطيع ان يقصّ شَعره او يقلّم أظافره او يزيلَ ما علق به من أدران حتى يتحلّلَ من الإحرام، ثم بعد ذلك يقومون بما عليهم من نُذورٍ فيؤدونها، ويطُوفون بالبيتِ العتيق... وبذلك ينتهي حجّهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {لإِبْرَاهِيمَ} {لِلطَّآئِفِينَ} {وَٱلْقَآئِمِينَ} (26) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ مِلَّةَ إِبرَاهِيمَ، مَعَ أَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ البَيْتَ الحَرَامَ مَكَاناً لأَِصْنَامِهِمْ، قِصَّةَ بِنَاءِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، إِذْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامِ، بِبِنَاءِ البَيْتِ عَلَى اسْمِهِ تَعَالَى، وَأَرْشَدَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي يَبْنِيهِ فِيهِ، وَأَمَرَهُ بِأَلاَّ يُشْرِكَ باللهِ شَيئاً فِي العِبَادَةِ، وَبِأَنْ يُطَهِّرَ بَيْتَهُ مِنَ الأَصْنَامِ والأَرْجَاسِ وَالأَقْذَارِ لِيَكُونَ مُعَدّاً لِمَنْ يَطُوفُ بِهِ، وَيُقِيمُ بِجِوَارِهِ، وَيَتَعَبَّدُ فِيهِ رَبَّهُ، وَيُؤَدِّي صَلاتَهُ. بَوَّأَنا لإبْرَاهِيمَ - وَطَّأنَا وَبَيَّنَّا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما دام الكلام السابق كان حول البيت الحرام، فمن المناسب أنْ يتكلم عن تاريخه وبنائه، فقال سبحانه: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} [الحج: 26] معنى بَوَّأه: أي: جعله مَبَاءةً يعني: يذهب لعمله ومصالحه، ثم يبوء إليه ويعود، كالبيت للإنسان يرجع إليه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 61]. وإذ: ظرف زمان لحدث يأتي بعده الإخبار بهذا الحدث، والمعنى خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اذكر يا محمد الوقت الذي قيل فيه لإبراهيم كذا وكذا. وهكذا في كل آيات القرآن تأتي (إذ) في خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحدث وقع في ذلك الظرف. لكن، ما علاقة المباءة أو المكان المتبوّأ بمسألة البيت؟ قالوا: لأن المكان المتبوّأ بقعة من الأرض يختارها الإنسان؛ ليرجع إليها من متاعب حياته، ولا يختار الإنسان مثل هذا المكان إلا توفرتْ فيه كل مُقوِّمات الحياة. لذلك يقول تعالى في قصة يوسف عليه السلام: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ..} تفسير : [يوسف: 56]. وقال في شأن بني إسرائيل: {أية : وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ..} تفسير : [يونس: 93] فمعنى: {بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ..} [الحج: 26] أي: جعلناه مبَاءة له، يرجع إليه من حركة حياته بعد أنْ أعلمنَاهُ، ودَلَلْناه على مكانه. وقلنا: إن المكان غير المكين، المكان هو البقعة التي يقع فيها ويحلُّ بها المكين، فأرض هذا المسجد مكان، والبناء القائم على هذه الأرض يُسمَّى "مكين في هذا المكان". وعلى هذا فقد دَلَّ الله إبراهيم عليه السلام على المكان الذي سيأمره بإقامة البيت عليه. وقد كان للعلماء كلام طويل حول هذه المسألة: فبعضهم يذهب إلى أن إبراهيم عليه السلام هو أول مَنْ بنى البيت. ونقول لأصحاب هذا الرأي: الحق - تبارك وتعالى - بوَّأ لإبراهيم مكان البيت، يعني: بيَّنه له؛ كأن البيت كان موجوداً، بدليل أن الله تعالى يقول في القصة على لسان إبراهيم: {أية : إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ..} تفسير : [إبراهيم: 37]. وفي قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ..} تفسير : [البقرة: 127]. ومعلوم أن إسماعيل قد شارك أباه وساعده في البناء لما شَبَّ، وأصبح لديه القدرة على معاونة أبيه، أمّا مسألة السكن فكانت وإسماعيل ما يزال رضيعاً، وقوله تعالى: {أية : عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ..} تفسير : [إبراهيم: 37] يدل على أن العِنْدية موجودة قبل أنْ يبلغَ إسماعيل أنْ يساعد أباه في بناية البيت، إذن: هذا دليل على أن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم. وقد أوضح الحق - سبحانه وتعالى - هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 96]. وحتى نتفق على فَهْم الآية نسأل: مَنْ هُم الناس؟ الناس هم آدم وذريته إلى أن تقوم الساعة، إذن: فآدم من الناس، فلماذا لا يشمله عموم الآية، فالبيت وُضِع للناس، وآدم من الناس، فلا بُدَّ أن يكون وُضِع لآدم أيضاً. إذن: يمكنك القول بأن البيت وُضِع حتى قبل آدم؛ لذلك نُصدِّق بالرأي الذي يقول: إن الملائكة هي التي وضعتْ البيت أولاً، ثم طمسَ الطوفانُ معالم البيت، فدلَّ الله إبراهيم بوحي منه على مكان البيت، وأمره أنْ يرفعه من جديد في هذا الوادي. ويُقال: إن الله تعالى أرسل إلى إبراهيم سحابة دَلَّتْه على المكان، ونطقتْ: يا إبراهيم خُذْ على قدري، أي: البناء. ولو تدبرتَ معنى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ ..} تفسير : [البقرة: 127] الرَّفْع يعني: الارتفاع، وهو البعد الثالث، فكأن القواعد كان لها طُول وعَرْض موجود فعلاً، وعلى إبراهيم أنْ يرفعها. لكن لماذا بوَّأ الله لإبراهيم مكان البيت؟ لما أسكن إبراهيم ذريته عند البيت قال: {أية : رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ..} تفسير : [إبراهيم: 37] كأن المسألة من بدايتها مسألة عبادة وإقامة للصلاة، الصلاة للإله الحقِ والربِّ الصِّدْق؛ لذلك أمره أولاً: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} [الحج: 26] والمراد: طَهِّر هذا المكان من كل ما يُشعِر بالشرك، فهذه هي البداية الصحيحة لإقامة بيت الله. وهل كان يُعقل أنْ يدخل إبراهيم - عليه السلام - في الشرك؟ بالطبع لا، وما أبعدَ إبراهيمَ عن الشرك، لكن حين يُرسِل الله رسولاً، فإنه أول مَنْ يتلقَّى عن الله الأوامر ليُبلِّغ أمته، فهو أول مَنْ يتلقى، وأول مَنْ يُنفذ ليكون قدوةً لقومه فيُصدِّقوه ويثقوا به؛ لأنه أمرهم بأمر هو ليس بنَجْوة عنه. ألا ترى قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} تفسير : [الأحزاب: 1] وهل خرج محمد صلى الله عليه وسلم عن تقوى الله؟ إنما الأمر للأمة في شخص رسولها، حتى يسهُلَ علينا الأمر حين يأمرنا ربنا بتقواه، ولا نرى غضاضةً في هذا الأمر الذي سبقنا إليه رسول الله؛ لأنك تلحظ أن البعض يأنف أن تقول له: يا فلان اتق الله، وربما اعتبرها إهانة واتهاماً، وظن أنها لا تُقال إلا لمَنْ بدر منه ما يخالف التقوى. وهذا فَهْم خاطىء للأمر بالتقوى، فحين أقول لك: اتق الله. لا يعني أنني أنفي عنك التقوى، إنما أُذكِّرك أنْ تبدأ حركة حياتك بتقوى الله. إذن: قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً ..} [الحج: 26] لا تعني تصوُّر حدوث الشرك من إبراهيم، وقال {شَيْئاً ..} [الحج: 26] ليشمل النهيُ كُلَّ ألوان الشرك، أياً كانت صورته: شجر، أو حجر، أو وثن، أو نجوم، أو كواكب. ويؤكد هذا المعنى بقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ..} [الحج: 26] والتطهير يعني: الطهارة المعنوية بإزالة أسباب الشرك، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريكَ له، وطهارة حِسّية ممّا أصابه بمرور الزمن وحدوث الطوفان، فقد يكون به شيء من القاذورات مثلاً. ومعنى {لِلطَّآئِفِينَ ..} [الحج: 26] الذين يطوفون بالبيت: {وَٱلْقَآئِمِينَ ..} [الحج: 26] المقيمين المعتكفين فيه للعبادة {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} [الحج: 26] الذين يذهبون إليه في أوقات الصلوات لأداء الصلاة، عبَّر عن الصلاة بالركوع والسجود؛ لأنهما أظهر أعمال الصلاة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} معناه جَعلنَا لَهُ مَنزلاً. تفسير : وقوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ} معناه من الأَوثانِ والرِّيبِ، للطائفينَ بالبَيتِ والقَائمينَ فِي الصَّلاةِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف لا نذيقه من عذابنا الأليم، إذ بناء بيتنا هذا على الطهارة الكاملة من جميع الآثام، اذكر يا أكمل الرسل {إِذْ بَوَّأْنَا} أي: بيَّنا وعيَّنا {لإِبْرَاهِيمَ} حين شرفناه بأمرنا المتعلق بيناء بيتنا هذا {مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} أي: الكعبة بعدما اندرست وسقطت بالطوفان، وصارت سوى لا علامة لها أصلاً، فأعلمنا له بريحٍ أرسلناها مع إبراهيم فكنست الريحُ حولها فبناه على بنائه الذي بناه آدم عليه السلام، وأوصينا {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} من مظاهري وأظلالي في الوجود معي {وَ} بعدما نزَّهت ذاتي عن الشريك والنظير {طَهِّرْ بَيْتِيَ} هذا الممثَّل من بيتي الذي في صدرك عن جميع المعاصي والآثام والمؤذيات والقاذورات، وأنواع الخبائث والمكروهات، إذ جعلناه قبلة ومقصداً {لِلطَّآئِفِينَ} القاصدين بطوافهم حول البيت التحققَ عند كعبة الذات والوقوف على عرفات الأسماء والصفات {وَٱلْقَآئِمِينَ} المواظبين بالتوجه الدائمي، والميل الشوقي الحقيقي الحبي بجميع الأركان والجوارح نحو الذات الأحدية، المنقطعين عن جميع العلائق والإضافات {وَٱلرُّكَّعِ} الراكعين الذين قُصمت ظهور هوياتهم عن حمل أعباء العبودية {ٱلسُّجُودِ} الحج: 26] أي: الساجدين المتذللين الخاضعين الواضعين جباه أنانيتهم على تراب المذلة والانكسار لدى الملك الجبار القهار لسمت السوى والأغيار. {وَ} بعدما أوصيناه بما أوصيناه قلنا آمراً إياه: {أَذِّن} وأعلم إعلاماً عاماً {فِي} حق عموم {ٱلنَّاسِ} وبشرهم {بِٱلْحَجِّ} أي: أعلم الداني والقاصي منهم بوجوب الحج عليهم، لزمهم أن {يَأْتُوكَ} ويزوروا بيتك ويطوفوا حولها آتين {رِجَالاً} مشاة إن كانوا من الأداني {وَ} ركباناً {عَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} بعيرٍ مهزول أهزله وأتعبه بُعد المسافة؛ إذ {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ} طريق {عَميِقٍ} [الحج: 27] غائر بعيد إن كانوا من الأقاضي، وإنما أمرناهم بالحج وفرضناه عليهم {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} أي: أمكنة ينفعهم الحضور فيها والوقوف بها منافع النشأة الأخرى، ونسّهل عليهم سلوك طريق التوحيد بالفناء والإفناء، والانقطاع عن حطام الدنيا، والتعري عن لباس البأس والعناء، التخلص عن مقتضيات القوى، والتجلي بلباس التقوى، والتشمر نحو جناب المولى، والتجرد عن موانع الوصول إلى دار البقاء من الأموال والأبناء {وَيَذْكُرُواْ} فيها {ٱسْمَ ٱللَّهِ} المشتمل لجميع الأوصاف والأسماء، المحيط بجميع الأشياء إحاطة الشمس على جميع الأظلال والأضواء بلا تركيبٍ وانقسام إلى أبعاض وأجزاء سيما {فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} عينها الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء للتوجه والدعاء، وهي عُشر ذي الحجة، وقيل: أيام النحر {عَلَىٰ} ذبح {مَا رَزَقَهُمْ} الله وأباحهم {مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} مما ملكت أيمانهم، متقربين بها إلى الله هَدْيَة أو أُضحية {فَكُلُواْ} مما ذبحتم {مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} [الحج: 28] الذين شملهم بؤس الفقر وإحاطته شدة الفاقة. {ثُمَّ} بعد ذبح الهدايا والضحايا {لْيَقْضُواْ} وليزلوا {تَفَثَهُمْ} أي: أوساخهم العارضة لهم من رين الإمكان، وطغيان الهويات، ومقتضى الأنانيات {وَ} بعد تطهير أوساخ الإمكان {لْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} التي نذروها في قطع بوادي تعيناتهم، ومهاوي هوياتهم من ذبح بقرة أمّارتهم المضِلَّة عن سواء السبيل {وَ} بعدما طهروا من الأوساخ ووافوا بالنذور {لْيَطَّوَّفُواْ} منخلعين عن خِلَع ناسوتهم، متجردين عن ثياب بشريتهم {بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} [الحج: 29] والركن الوثيق الأزلي الأبدي، الذي لا يحلقه انصرام، ولا يعرضه انقراض وانخرام، فالأمر ذلك لمن أراد سلوك طريق الفناء، والحج الحقيقي، والطواف المعنوي. {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} أي: ومن يحافظ على حرمة ما حرمه الله في أوقات الحج ولم يهتك حرمتها ليجبرها بدم {فَهُوَ} أي: الحفظ بلا هتك حرمة {خَيْرٌ لَّهُ} مقبول {عِندَ رَبِّهِ} من هتكها وجبرها بدم {وَ} اعلموا أيها المؤمنون {أُحِلَّتْ لَكُمُ} في دينكم {ٱلأَنْعَامُ} كلها بأنواعها وأصنافها، وشرب ألبانها، والانتفاع بأشعارها وأوبارها والتقرب بها إلى الله في أوقات الحج {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} في كتابكم تحريمه بقوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}تفسير : [المائدة: 3] ومتى عرفتم ما أحل الله لكم {فَٱجْتَنِبُواْ} أيها الموحدون {ٱلرِّجْسَ} والقذر الذي هو {مِنَ ٱلأَوْثَانِ} أي: من قبلها، إذ هي شرك منافٍ للتوحيد والشرك من أخبت الخبائث {وَٱجْتَنِبُواْ} أيضاً {قَوْلَ ٱلزُّورِ} [الحج: 30] والبهتان، إذ هو ظلمُ والظلم مقرونُ باكفر، والشركُ معدودُ من عداده مسقطُ للمروءة والعدالة اللازمة لأهل الإيمان والتوحيد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى عظمة البيت الحرام وجلالته وعظمة بانيه، وهو خليل الرحمن، فقال: { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ } أي: هيأناه له، وأنزلناه إياه، وجعل قسما من ذريته من سكانه، وأمره الله ببنيانه، فبناه على تقوى الله، وأسسه على طاعة الله، وبناه هو وابنه إسماعيل، وأمره أن لا يشرك به شيئا، بأن يخلص لله أعماله، ويبنيه على اسم الله. { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ } أي: من الشرك والمعاصي، ومن الأنجاس والأدناس وأضافه الرحمن إلى نفسه، لشرفه، وفضله، ولتعظم محبته في القلوب، وتنصب إليه الأفئدة من كل جانب، وليكون أعظم لتطهيره وتعظيمه، لكونه بيت الرب للطائفين به والعاكفين عنده، المقيمين لعبادة من العبادات من ذكر، وقراءة، وتعلم علم وتعليمه، وغير ذلك من أنواع القرب، { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } أي: المصلين، أي: طهره لهؤلاء الفضلاء، الذين همهم طاعة مولاهم وخدمته، والتقرب إليه عند بيته، فهؤلاء لهم الحق، ولهم الإكرام، ومن إكرامهم تطهير البيت لأجلهم، ويدخل في تطهيره، تطهيره من الأصوات اللاغية والمرتفعة التي تشوش المتعبدين، بالصلاة والطواف، وقدم الطواف على الاعتكاف والصلاة، لاختصاصه بهذا البيت، ثم الاعتكاف، لاختصاصه بجنس المساجد. { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } أي: أعلمهم به، وادعهم إليه، وبلغ دانيهم وقاصيهم، فرضه وفضيلته، فإنك إذا دعوتهم، أتوك حجاجا وعمارا، رجالا أي: مشاة على أرجلهم من الشوق، { وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } أي: ناقة ضامر، تقطع المهامه والمفاوز، وتواصل السير، حتى تأتي إلى أشرف الأماكن، { مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } أي: من كل بلد بعيد، وقد فعل الخليل عليه السلام، ثم من بعده ابنه محمد صلى الله عليه وسلم، فدعيا الناس إلى حج هذا البيت، وأبديا في ذلك وأعادا، وقد حصل ما وعد الله به، أتاه الناس رجالا وركبانا من مشارق الأرض ومغاربها، ثم ذكر فوائد زيارة بيت الله الحرام، مرغبا فيه فقال: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } أي: لينالوا ببيت الله منافع دينية، من العبادات الفاضلة، والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية، من التكسب، وحصول الأرباح الدنيوية، وكل هذا أمر مشاهد كل يعرفه، { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ } وهذا من المنافع الدينية والدنيوية، أي: ليذكروا اسم الله عند ذبح الهدايا، شكرا لله على ما رزقهم منها، ويسرها لهم، فإذا ذبحتموها { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } أي: شديد الفقر ، { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ } أي: يقضوا نسكهم، ويزيلوا الوسخ والأذى، الذي لحقهم في حال الإحرام، { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } التي أوجبوها على أنفسهم، من الحج، والعمرة والهدايا، { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أي: القديم، أفضل المساجد على الإطلاق، المعتق: من تسلط الجبابرة عليه. وهذا أمر بالطواف، خصوصا بعد الأمر بالمناسك عموما، لفضله، وشرفه، ولكونه المقصود، وما قبله وسائل إليه. ولعله -والله أعلم أيضا- لفائدة أخرى، وهو: أن الطواف مشروع كل وقت، وسواء كان تابعا لنسك، أم مستقلا بنفسه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 667 : 7 : 7 - سفين عن ليث عن مجاهد في قوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ} قال، من الشرك. [الآية 26]. 668 : 8 : 8 - سفين عن بن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال، من الآفات والريب. 669 : 9 : 26 - سفين في قوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ} قال، القايم المصلي.
همام الصنعاني
تفسير : 1911- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ}: [الآية: 26]، قا ل: وضع الله البيت مَعَ آدم، أَهْبَطَ الله آدم إلى الأرض، فكان مهبطه بأرض الهنْد وكان رأسه في السَّماء، ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذِرَاعاً فحزن آدم، إذ فقد أصْوَات الملائكة وتسبيحهم، فَشَكا ذلك إلى الله فقال: يا آدم إني قد أَهْبَطت لك بيتاً، يطاف به، كما يطاف حول عرشي، وَيُصَلَّى عنده كما يُصَلَّى عند عرشي، فانْطلِقْ إلَيْهِ، فخرج إلَيْهِ آدم ومدَّ لَهُ في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفازة على ذلِكَ، فأتى آدم البيت فطاف به ومن بعده مِنَ الأنبياء. 1912- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أبان: أن البيت أهبط ياقوتَةً واحِدَةٌ، أو دُرَّةٌ واحِدَةً. 1913- قال عبد الرزاق، قال معمر، وبلغني أن سفينة نُوحٍ، طافت بالبيت سَبعاً حين أغرق الله قَوْم نَوحٍ رفعه الله وبقي أساسه فبوأه الله لإبراهيم، فبناه بعد ذَلِكَ، فذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ}تفسير : : [البقرة: 127]،. 1914- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: مرَّ إبراهيم وسَارة بجبار من الجبابرة، فأخبر الجبار بهما، فأرسل إلى إبراهيم، فقال: من هذه معك؟ فقال: أختي، قال أبو هريرة: لم يكذب إبراهيم قط، إلاّ ثلاث مرات: مرتين في الله، وواحدة في امرأته قوله: {أية : إِنِّي سَقِيمٌ}تفسير : : [الصافات: 89]، وقوله: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا}تفسير : : [الأنبياء: 63]، وقوله للجبار في امرأته: هِيَ أختي، فلما خرج من عند الجبار، دخل على سَارة، فقال لها: إنَّ الجبَّار سألنِي عنك، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، وأنتِ أختي في الله، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فأرسل إليها الجبار، فلما دخلت عليه دعت الله أن يكفَّهُ عَنْهَا، قال أيوب: (فضبث) بيده. فأُخِذَ أخذةً شديدة فَعَاهَدَهَا لئن خُلِّيَ عنه لا يقربها فدعت الله فَخُلِّيَ عنه، ثم هَمَّ الثانية، فأُخذ أَخْذَةً هي أشدّ من الأولى فعاهدها أيضاً، لئن خُلي عنه لا يقربها، فَدَعَت الله فَخُلِّيَ عنه، ثم هَمَّ بها الثالثة، فأُخِذ أخذةً هي أشَدُّ من الأُولَيَيْن، فعاهدها أيضاً لئن خُلِّيَ عنه لا يقربها، فدعت الله فَخُلِّيَ عنه، فقال للذي أدخلها عليه: أخرجها عَنِّي! فإنك إنما أدخلت عَلَيَّ شيطاناً، ولم تُدْخِل عَلَيَّْ إنساناً، وأخدمها هاجَرَ فرجعت إلى إبراهيم وهو يُصلّي ويدعو الله، فقالت: أبشر، فقد كَفَّ الله يد الفاجر الكافر، وأخدمها هاجر، ثم صَارَت هاجر لإبراهيم بعد، فولدت له إسْماعِيل، قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء كانت أمة لأم إسحاق يعني العرب. 1915- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ملكتم القبط فأحسنوا إليهم، فإن لهم ذمة، وإن لهم رحماً ". تفسير : 1916- حدّثنا عبد الرزاق، قال: وأنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أية : أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}تفسير : : [البقرة: 125]، قال: من أهل الشرك، وعبادة الأوثان، وقوله: {لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ}: [الآية: 26]، قال: القائمون المُصَلُّون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):