٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمه البيت وعظم كفر هؤلاء فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد لأنهم كانوا يأبون ذلك. وفيه إشكال وهو أنه كيف عطف المستقبل وهو قوله: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } الماضي وهو قوله: {كَفَرُواْ } والجواب: عنه من وجهين: الأول: أنه يقال فلان يحسن إلى الفقراء ويعين الضعفاء لا يراد به حال ولا استقبال وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه في جميع أزمنته وأوقاته، فكأنه قيل إن الذين كفروا من شأنهم الصد عن سبيل الله، ونظيره قوله: {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الرعد:28]. وثانيهما: قال أبو علي الفارسي التقدير إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون ويدخل فيه أنهم يفعلون ذلك في الحال والمستقبل، أما قوله: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } يعني ويصدوهم أيضاً عن المسجد الحرام، قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عن المسجد الحرام عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم وكان محرماً بعمرة ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل. أما قوله: {ٱلَّذِي جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو علي الفارسي أي جعلناه للناس منسكاً ومتعبداً وقوله: {سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ } رفع على أنه خبر مبتدأ مقدم أي العاكف والباد فيه سواء، وتقدير الآية المسجد الحرام الذي جعلناه للناس منسكاً فالعاكف والبادي فيه سواء وقرأ عاصم ويعقوب (سواء) بالنصب بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين، والله أعلم. المسألة الثانية: العاكف المقيم به الحاضر. والبادي الطارىء من البدو وهو النازع إليه من غربته، وقال بعضهم يدخل في العاكف القريب إذا جاور ولزمه للتعبد وإن لم يكن من أهله. المسألة الثالثة: اختلفوا في أنهما في أي شيء يستويان قال ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات إنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها فليس أحدهما أحق بالمنزل الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون واحد سبق إلى المنزل وهو قول قتادة وسعيد بن جبير ومن مذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام واحتجوا عليه بالآية. والخبر، أما الآية فهي هذه قالوا إن أرض مكة لا تملك فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي، فلما استويا ثبت أن سبيله سبيل المساجد، وأما الخبر فقوله عليه السلام: « حديث : مكة مباح لمن سبق إليها » تفسير : وهذا مذهب ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ومذهب أبي حنيفة وإسحق الحنظلي رضي الله عنهم وعلى هذا المراد بالمسجد الحرام الحرم كله لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام والمراد منه البلد جائز بدليل قوله تعالى: { أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [الإسراء: 1] وههنا قد دل الدليل وهو قوله: {ٱلْعَـٰكِفُ } لأن المراد منه المقيم إقامة، وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل فيجب أن يقال ذكر المسجد وأراد مكة. القول الثاني: المراد جعل الله الناس في العبادة في المسجد سواء ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس قال عليه السلام: « حديث : يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار » تفسير : وهذا قول الحسن ومجاهد وقول من أجاز بيع دور مكة. وقد جرت مناظرة بين الشافعي وإسحق الحنظلي بمكة وكان إسحق لا يرخص في كراء بيوت مكة، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقّ } تفسير : [الحج:40] فأضيفت الدار إلى مالكها وإلى غير مالكها، وقال عليه السلام يوم فتح مكة: {حديث : من أغلق بابه فهو آمن}تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : هل ترك لنا عقيل من ربع » تفسير : وقد اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما دار السجن، أترى أنه اشتراها من مالكها أو من غير مالكها؟ قال إسحق: فلما علمت أن الحجة قد لزمتني تركت قولي. أما الذي قالوه من حمل لفظ المسجد على مكة بقرينة قوله العاكف، فضعيف لأن العاكف قد يراد به الملازم للمسجد المعتكف فيه على الدوام، أو في الأكثر فلا يلزم ما ذكروه، ويحتمل أن يراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه فلا وجه لصرف الكلام عن ظاهره مع هذه الاحتمالات. أما قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء {يُرِدْ } بفتح الياء من الورود، ومعناه من أتى فيه بإلحاد وعن الحسن ومن يرد إلحاده بظلم، والمعنى ومن يرد إيقاع إلحاد فيه، فالإضافة صحيحة على الاتساع في الظرف كمكر الليل والنهار، ومعناه ومن يرد أن يلحد فيه ظالماً. المسألة الثانية: الإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحاد الحافر، وذكر المفسرون في تفسير الإلحاد وجوهاً: أحدها: أنه الشرك، يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله تعالى، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس وقول عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل. وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في عبدالله بن سعد حيث استسلمه النبي صلى الله عليه وسلم فارتد مشركاً، وفي قيس بن ضبابة. وقال مقاتل: نزلت في عبدالله بن خطل حين قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم الفتح كافراً. وثالثها: قتل ما نهى الله تعالى عنه من الصيد. ورابعها: دخول مكة بغير إحرام وارتكاب ما لا يحل للمحرم. وخامسها: أنه الاحتكار عن مجاهد وسعيد بن جبير. وسادسها: المنع من عمارته. وسابعها: عن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله وبلى والله. وعن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل لا والله وبلى والله. وثامنها: وهو قول المحققين: أن الإلحاد بظلم عام في كل المعاصي، لأن كل ذلك صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه في سائر البقاع حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن رجلاً بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت أذاقه الله عذاباً أليماً. وقال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات، فإن قيل كيف يقال ذلك مع أن قوله: {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } غير لائق بكل المعاصي قلنا لا نسلم، فإن كل عذاب يكون أليماً، إلا أنه تختلف مراتبه على حسب اختلاف المعصية. المسألة الثالثة: الباء في قوله: {بِإِلْحَادٍ } فيه قولاه: أحدهما: وهو الأولى وهو اختيار صاحب «الكشاف» أن قوله: {بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً نذقه من عذاب أليم، يعني أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده. الثاني: قال أبو عبيدة: مجازه ومن يرد فيه إلحاداً والباء من حروف الزوائد. المسألة الرابعة: لما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين الله تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلاً إلى الظلم، فلهذا قرن الظلم بالإلحاد لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم، ولذلك قال تعالى: { أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان:13] أما قوله تعالى: {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } فهو بيان الوعيد وفيه مسائل: المسألة الأولى: من قال الآية نزلت في ابن خطل قال: المراد بالعذاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله يوم الفتح، ولا وجه للتخصيص إذا أمكن التعميم، بل يجب أن يكون المراد العذاب في الآخرة لأنه من أعظم ما يتوعد به. المسألة الثانية: أن هذه الآية تدل على أن المرء يستحق العذاب بإرادته للظلم كما يستحقه على عمل جوارحه. المسألة الثالثة: ذكروا قولين في خبر إن المذكور في أول الآية: الأول: التقدير إن الذين كفروا ويصدون ومن يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب فهو عائد إلى كلتا الجملتين. الثاني: أنه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم. وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ} أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صَدُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عامَ الحُدَيْبِيَة، وذلك أنه لم يُعلم لهم صَدّ قبل ذلك الجمع؛ إلا أن يريد صدّهم لأفرادٍ من الناس، فقد وقع ذلك في صدر من المبعث. والصد: المنع؛ أي وهم يصدّون. وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي. وقيل: الواو زائدة «ويصدون» خبر «إنّ». وهذا مفسد للمعنى المقصود، وإنما الخبر محذوف مقدّر عند قوله «والْبَادِي» تقديره: خسروا إذ هلكوا. وجاء «ويصدون» مستقبلاً إذ هو فعل يُديمُونه؛ كما جاء قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 28]؛ فكأنه قال: إن الذين كفروا من شأنهم الصدّ. ولو قال إن الذين كفروا وصدوا لجاز. قال النحاس: وفي كتابي عن أبي إسحاق قال وجائز أن يكون ـ وهو الوجه ـ الخبر «نُذِقْه من عذاب أليم». قال أبو جعفر: وهذا غلط، ولست أعرف ما الوجه فيه؛ لأنه جاء بخبر «إنّ» جزماً، وأيضاً فإنه جواب الشرط، ولو كان خبر «إن» لبقي الشرط بلا جواب، ولا سيما والفعل الذي في الشرط مستقبل فلا بُدّ له من جواب. الثانية: قوله تعالى: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قيل: إنه المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن؛ لأنه لم يذكر غيره. وقيل: الحرم كله؛ لأن المشركين صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه عنه عامَ الحديبية، فنزل خارجاً عنه؛ قال الله تعالى: {أية : وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [الفتح: 25] وقال: {أية : سُبْحَانَ الذي أسْرَى بعبده لَيْلاً من المسجد الحرام} تفسير : [الإسراء:1]. وهذا صحيح، لكنه قصد هنا بالذكر المهمّ المقصود من ذلك. الثالثة: قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} أي للصلاة والطواف والعبادة؛ وهو كقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 96]. {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} العاكف: المقيم الملازم. والبادِي: أهل البادية ومن يَقْدَم عليهم. يقول: سواء في تعظيم حرمته وقضاء النّسك فيه الحاضرُ والذي يأتيه من البلاد؛ فليس أهل مكة أحقّ من النازح إليه. وقيل: إن المساواة إنما هي في دُوره ومنازله، ليس المقيم فيها أولى من الطارىء عليها. وهذا على أن المسجد الحرام الحَرَم كله؛ وهذا قول مجاهد ومالك، رواه عنه ابن القاسم. ورُوي عن عمر وابن عباس وجماعة أن القادم له النزول حيث وُجِد، وعلى رب المنزل أن يؤوِيَه شاء أو أبى. وقال ذلك سفيان الثورِيّ وغيره. وكذلك كان الأمر في الصدر الأوّل، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة؛ فاتخذ رجل باباً فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق باباً في وجه حاج بيت الله؟ فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة؛ فتركه فاتخذ الناس الأبواب. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضاً أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء، وكانت الفساطيط تضرب في الدور. وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد؛ وهذا هو العمل اليوم. وقال بهذا جمهور من الأمة. وهذا الخلاف يُبْنَى على أصلين: أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس. وللخلاف سببان: أحدهما هل فتح مكة كان عَنْوَة فتكون مغنومة، لكن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم؛ كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السَّواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سَبْيِهم واسترقاقهم إحساناً إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لا تُباع ولا تُكْرَى، ومن سبق إلى موضع كان أولى به. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعيّ. أو كان فتحها صلحاً ـ وإليه ذهب الشافعيّ ـ فتبقى ديارهم بأيديهم، وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاؤوا. وروي عن عمر أنه اشترى دار صَفْوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجناً، وهو أوّل من حبس في السجن في الإسلام، على ما تقدّم بيانه في آية المحاربين من سورة «المائدة». وقد روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حَبس في تُهمة. وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول: لا ينبغي لبيت عذابٍ أن يكون في بيت رحمة. قلت: الصحيح ما قاله مالك، وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عَنوة. قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد. وروى الدّارقُطْنِيّ عن علقمة بن نَضْلة قال: توفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تُدْعَى رِباع مكة إلا السوائب؛ من احتاج سَكَن ومن استغنى أسكن. وزاد في رواية: وعثمان. وروي أيضاً عن علقمة بن نَضْلة الكنانيّ قال: كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما السوائب، لا تباع؛ من احتاج سَكَن ومن استغنى أسكن. وروي أيضاً عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها ـ وقال ـ: من أكل من أجر بيوت مكة شيئاً فإنما يأكل ناراً»تفسير : . قال الدارقطني: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعاً ووَهِم فيه، ووهِم أيضاً في قوله عبيد الله بن أبي يزيد وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والصحيح أنه موقوف، وأسند الدارقطنيّ أيضاً عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مكة مُناخ لا تُباع رِباعها ولا تؤاجر بيوتها»تفسير : . وروى أبو داود «حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، ألا أبني لك بمنًى بيتاً أو بناء يُظلك من الشمس؟ فقال: «لا، إنما هو مُناخ من سبق إليه»»تفسير : . وتمسك الشافعي رضي الله عنه بقوله تعالى: «الذِين أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِم» فأضافها إليهم. وقال عليه السلام يوم الفتح: «حديث : من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن».تفسير : الرابعة: قرأ جمهور الناس «سواء» بالرفع، وهو على الابتداء، و«العاكف» خبره. وقيل: الخبر «سواء» وهو مقدّم؛ أي العاكف فيه والبادي سواء؛ وهو قول أبي عليّ، والمعنى: الذي جعلناه للناس قِبلة أو متعبَّداً العاكفُ فيه والبادِي سواء. وقرأ حفص عن عاصم «سواءً» بالنصب، وهي قراءة الأعمش. وذلك يحتمل أيضاً وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولاً ثانياً لجعل، ويرتفع «العاكف» به لأنه مصدر، فأعمِل عَمَل اسم الفاعل لأنه في معنى مستوٍ. والوجه الثاني: أن يكون حالاً من الضمير في جعلناه. وقرأت فرقة «سواء» بالنصب «العاكِف» بالخفض، و«البادي» عطفاً على الناس؛ التقدير: الذي جعلناه للناس العاكِف والبادي. وقراءة ابن كَثير في الوقف والوصل بالياء، ووقف أبو عمرو بغير ياء ووصل بالياء. وقرأ نافع بغير ياء في الوصل والوقف. وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام، واختلفوا في مكة؛ وقد ذكرناه. الخامسة: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} شرط؛ وجوابه {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. والإلحاد في اللغة: الميل؛ إلا أن الله تعالى بيّن أن الميل بالظلم هو المراد. واختلف في الظلم؛ فروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس «ومن يرد فيه بإلحادٍ بظلم» قال: الشرك. وقال عطاء: الشرك والقتل. وقيل: معناه صَيْد حمامه، وقطع شجره، ودخوله غير محرِم. وقال ابن عمر: كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان: لا والله! وبلى والله! وكلاّ والله! ولذلك كان له فسطاطان، أحدهما في الحلِ والآخر في الحَرَم؛ فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحَرَم، وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الحِلّ، صيانةً للحَرَم عن قولهم كلاّ والله وبلى والله، حين عظّم الله الذنب فيه. وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان أحدهما في الحلِ والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحِلّ، وإذا أراد أن يصلّي صلّى في الحرم، فقيل له في ذلك فقال: إن كنا لنتحدّث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول كلا والله وبلى والله، والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين، إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حُرمة البلد الحرام؛ وهكذا الأشهر الحُرُم سواء. وقد تقدّم. وروى أبو داود عن يَعْلَى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : احتكار الطعام في الحَرم إلحاد فيه»تفسير : . وهو قول عمر بن الخطاب. والعموم يأتي على هذا كله. السادسة: ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وابن زيد إلى أن هذه الآية تدل على أن الإنسان يعاقَب على ما ينوِيه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله. وقد رُوي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر قالوا: لو همّ رجل بقتل رجل بهذا البيت وهو بعَدَن أبْيَن لعذّبه الله. قلت: هذا صحيح، وقد جاء هذا المعنى في سورة «نۤ والقلم» مبيَّناً، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. السابعة: الباء في «بِإلحادٍ» زائدة كزيادتها في قوله تعالى: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20]؛ وعليه حملوا قول الشاعر:شعر : نحن بنو جَعْدة أصحاب الفَلَج نضرب بالسيف ونرجو بالفَرَج تفسير : أراد: نرجو الفرج. وقال الأعشى:شعر : ضمـنـت بـرزق عيـالـنـا أرمـاحُـنـا تفسير : أي رزق. وقال آخر:شعر : ألم يأتِيك والأنباءُ تَنْمِي بما لاقت لَبُون بني زياد تفسير : أي ما لاقت؛ والباء زائدة، وهو كثير. وقال الفراء: سمعت أعرابياً وسألته عن شيء فقال: أرجو بذاك، أي أرجو ذاك. وقال الشاعر:شعر : بوادٍ يَمانٍ يُنبت الشثَّ صدرُه وأسفله بالمَرْخ والشَّبَهان تفسير : أي المرخ. وهو قول الأخفش، والمعنى عنده: ومن يرد فيه إلحاداً بظلم. وقال الكوفيون: دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد، والباء مع أن تدخل وتحذف. ويجوز أن يكون التقدير: ومن يرد الناس فيه بإلحاد. وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر؛ فلعظم حرمة المكان توعّد الله تعالى على نية السيئة فيه. ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسَب عليها إلا في مكة. هذا قول ابن مسعود وجماعةٍ من الصحابة وغيرهم، وقد ذكرناه آنفاً.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} لا يريد به حالاً ولا استقبالاً وإنما يريد به استمرار الصد منهم كقولهم: فلان يعطي ويمنع، ولذلك حسن عطفه على الماضي. وقيل هو حال من فاعل {كَفَرُواْ } وخبر {إِن} محذوف دل عليه آخر الآية أي معذبون. {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } عطف على اسم الله وأَوَّلَهُ الحنفية بمكة واستشهدوا بقوله: {ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} أي المقيم والطارىء على عدم جواز بيع دورها وإجارتها، وهو مع ضعفه معارض بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم }تفسير : [الحج: 40] وشراء عمر رضي الله تعالى عنه دار السجن فيها من غير نكير، و {سَوَآء} خبر مقدم والجملة مفعول ثان لـ {جَعَلْنَـٰهُ } إن جعل {لِلنَّاسِ } حالاً من الهاء وإلا فحال من المستكن فيه، ونصبه حفص على أنه المفعول أو الحال و {ٱلْعَـٰكِفُ } مرتفع به، وقرىء {ٱلْعَـٰكِف} بالجر على أنه بدل من الناس. {وَمَن يُرِدْ فِيهِ } مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول، وقرىء بالفتح من الورود. {بِإِلْحَادٍ } عدول عن القصد {بِظُلْمٍ } بغير حق وهما حالان مترادفان، أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار أو صلة له: أي ملحداً بسبب الظلم كالإِشراك واقتراف الآثام {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } جواب لـ {مِنْ }.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه، {أية : وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [الأنفال: 34] الآية، وفي هذه الآية دليل على أنها مدنية؛ كما قال في سورة البقرة: {أية : يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 217] وقال ههنا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي: ومن صفتهم أنهم مع كفرهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد: 28] أي: ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله. وقوله: {ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعاً سواء، لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه {سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام. وقال مجاهد في قله: {سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل، وكذا قال أبو صالح وعبد الرحمن بن سابط وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله، وهذه المسألة هي التي اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف، وأحمد بن حنبل حاضر أيضاً، فذهب الشافعي رحمه الله إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: «حديث : وهل ترك لنا عقيل من رباع؟» تفسير : ثم قال: «حديث : لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر» تفسير : وهذا الحديث مخرج في "الصحيحين"، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية داراً بمكة، فجعلها سجناً، بأربعة آلاف درهم، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث، ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وما تدعي رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وقال عبد الرزاق عن ابن مجاهد عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها، وقال أيضاً عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن تبويب دور مكة لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرءاً تاجراً، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، قال: فلك ذلك إذاً. وقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد: أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبواباً؛ لينزل البادي حيث يشاء، قال: وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول في قوله: {سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} قال: ينزلون حيث شاؤوا، وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو موقوفاً: «حديث : من أكل كراء بيوت مكة، أكل ناراً» تفسير : وتوسط الإمام أحمد فيما نقله صالح ابنه فقال: تملك وتورث، ولا تؤجر؛ جمعاً بين الأدلة، والله أعلم. وقوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} قال بعض المفسرين من أهل العربية: الباء ههنا زائدة؛ كقوله: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20] أي: تنبت الدهن، وكذا قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} تقديره: إلحاداً، وكما قال الأعشى.شعر : ضَمِنَتْ برزقِ عيالِنا أرماحُنا بين المَراجلِ والصريحِ الأَجْرَدِ تفسير : وقال الآخر:شعر : بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ العشَّبَّ صَدْرُهُ وأَسْفَلُهُ بالمَرْخِ والشُّبْهانِ تفسير : والأجود أنه ضمن الفعل ههنا معنى: يهم، ولهذا عداه بالباء، فقال: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} أي: يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار. وقوله: {بِظُلْمٍ} أي: عامداً قاصداً أنه ظلم، ليس بمتأول؛ كما قال ابن جريج عن ابن عباس: هو التعمد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بظلم؛ بشرك، وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله، وكذا قال قتادة وغير واحد. وقال العوفي عن ابن عباس: بظلم: هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك، فقد وجب له العذاب الأليم، وقال مجاهد: بظلم: يعمل فيه عملاً سيئاً، وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر، إذا كان عازماً عليه، وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة عن السدي: أنه سمع مرة يحدث عن عبد الله، يعني: ابن مسعود، في قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} قال: لو أن رجلاً أراد فيه بإلحاد بظلم، وهو بعدن أبين، لأذاقه الله من العذاب الأليم، قال شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه لكم. قال يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد عن يزيد بن هارون به، قلت: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة على وقفه من كلام ابن مسعود، وكذلك رواه أسباط وسفيان الثوري عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفاً، والله أعلم. وقال الثوري عن السدي عن مرة عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلاً بعدن أبين، همَّ أن يقتل رجلاً بهذا البيت، لأذاقه الله من العذاب الأليم، وكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال سفيان الثوري عن منصور، عن مجاهد: إلحاد فيه: لا والله، وبلى والله، وروي عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مثله، وقال سعيد بن جبير: شتم الخادم ظلم فما فوقه، وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن عطاء، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} قال: تجارة الأمير فيه. وعن ابن عمر: بيع الطعام بمكة إلحاد. وقال حبيب بن أبي ثابت: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} قال: المحتكر بمكة، وكذا قال غير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أنبأنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى، عن عمه عمارة بن ثوبان، حدثني موسى بن باذان عن يعلى بن أمية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : احتكار الطعام بمكة إلحاد» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قول الله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} قال: نزلت في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين: أحدهما مهاجر، والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، وهرب إلى مكة، فنزلت فيه: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني: بميل عن الإسلام، وهذه الآثار، وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت، أرسل الله عليهم طيراً أبابيل، {أية : تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } تفسير : [الفيل: 4 ــــ 5]، أي: دمرهم، وجعلهم عبرة ونكالاً لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يغزو هذا البيت جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خسف بأولهم وآخرهم» تفسير : الحديث. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كناسة، حدثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: أتى عبدُ الله بن عمر عبدَ الله بن الزبير فقال: يا ابن الزبير إياك والإلحاد في حرم الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إنه سيلحد فيه رجل من قريش، لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت» تفسير : فانظر، لا تكن هو، وقال أيضاً في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص: حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد، حدثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبدُ الله بن عمر عبدَ الله بن الزبير، وهو جالس في الحجر فقال: يابن الزبير إياك والإلحاد في الحرم، فاني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يحلها ويحل به رجل من قريش، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين، لوزنتها» تفسير : قال: فانظر، لا تكن هو، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } طاعته {وَ} عن {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَٰهُ } منسكاً ومتعبداً {لِلنَّاسِ سَوَاء ٱلْعَٰكِفُ } المقيم {فِيهِ وَٱلْبَادِ } الطارىء {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ } الباء زائدة {بِظُلْمٍ } أي بسببه بأن ارتكب منهياً، ولو شتم الخادم {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم: أي بعضه. ومن هذا يؤخذ خبر إنّ: أي نذيقهم من عذاب أليم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } عطف المضارع على الماضي؛ لأن المراد بالمضارع ما مضى من الصدّ، ومثل هذا قوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [محمد: 1]، أو المراد بالصدّ ها هنا الاستمرار لا مجرّد الاستقبال، فصح بذلك عطفه على الماضي، ويجوز أن تكون الواو في: {ويصدّون} واو الحال، أي كفروا والحال أنهم يصدون. وقيل: الواو زائدة والمضارع خبر إن والأولى أن يقدر خبر إن بعد قوله: {وَٱلْبَادِ } وذلك نحو خسروا أو هلكوا. وقال الزجاج: إن الخبر {نذقه من عذاب أليم} وردّ بأنه لو كان خبراً لإن لم يجزم وأيضاً لو كان خبراً لإن لبقي الشرط وهو {وَمَن يُرِدِ } بغير جواب، فالأولى أنه محذوف كما ذكرنا. والمراد بالصدّ: المنع وبسبيل الله: دينه، أي: يمنعون من أراد الدخول في دين الله و{المسجد الحرام}، معطوف على {سبيل الله} قيل: المراد به: المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني. وقيل: الحرم كله؛ لأن المشركين صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه يوم الحديبية. وقيل: المراد به: مكة بدليل قوله: {ٱلَّذِي جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ } أي جعلناه للناس على العموم يصلون فيه ويطوفون به مستوياً فيه العاكف وهو المقيم فيه الملازم له، والباد أي الواصل من البادية، والمراد به: الطارىء عليه من غير فرق بين كونه من أهل البادية أو من غيرهم. وانتصاب {سواء} على أنه المفعول الثاني لجعلناه، وهو بمعنى مستوياً، و{العاكف} مرتفع به، وصف المسجد الحرام بذلك لزيادة التقريع والتوبيخ للصادّين عنه، ويحتمل أن يكون انتصاب {سَوَآء } على الحال. وهذا على قراءة النصب، وبها قرأ حفص عن عاصم، وهي قراءة الأعمش، وقرأ الجمهور برفع {سواء} على أنه مبتدأ وخبره {العاكف} أو على أنه خبر مقدّم، والمبتدأ {العاكف} أي العاكف فيه والبادي سواء، وقرىء بنصب {سواء} وجرّ {العاكف} على أنه صفة للناس، أي جعلناه للناس، العاكف والبادي سواء، وأثبت الياء في البادي ابن كثير وصلا ووقفا، وحذفها أبو عمرو في الوقف، وحذفها نافع في الوصل والوقف. قال القرطبي: وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه. واختلفوا في مكة فذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوي فيها المقيم والطارىء. وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد، وعلى ربّ المنزل أن يؤويه شاء أم أبى. وذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام، ولأهلها منع الطارىء من النزول فيها. والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين: الأصل الأوّل: ما في هذه الآية: هل المراد بالمسجد الحرام المسجد نفسه، أو جميع الحرم، أو مكة على الخصوص؟ والثاني: هل كان فتح مكة صلحاً أو عنوة؟ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة هل أقرّها النبيّ صلى الله عليه وسلم في يد أهلها على الخصوص؟ أو جعلها لمن نزل بها على العموم؟ وقد أوضحنا هذا في شرحنا على المنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة. {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } مفعول يرد محذوف لقصد التعميم، والتقدير: ومن يرد فيه مراداً، أيّ مراد بإلحاد، أي بعدول عن القصد. والإلحاد في اللغة: الميل إلا أنه سبحانه بيّن هنا أنه الميل بظلم. وقد اختلف في هذا الظلم ماذا هو؟ فقيل: هو الشرك. وقيل: الشرك والقتل، وقيل: صيد حيواناته وقطع أشجاره، وقيل: هو الحلف فيه بالأَيمان الفاجرة، وقيل: المراد: المعاصي فيه على العموم. وقيل: المراد بهذه الآية أنه يعاقب بمجرد الإرادة للمعصية في ذلك المكان. وقد ذهب إلى هذا ابن مسعود وابن عمر والضحاك وابن زيد وغيرهم حتى قالوا: لو همّ الرجل في الحرم بقتل رجل بعدن لعذّبه الله. والحاصل: أن هذه الآية دلت على أن من كان في البيت الحرام مأخوذ بمجرّد الإرادة للظلم، فهي مخصصة لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ما حدّثت به أنفسها، إلا أن يقال: إن الإرادة فيها زيادة على مجرّد حديث النفس، وبالجملة فالبحث عن هذا وتقرير الحق فيه على وجه يجمع بين الأدلة ويرفع الإشكال يطول جدّاً، ومثل هذه الآية حديث: "حديث : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" تفسير : قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "حديث : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه" تفسير : فدخل النار هنا بسبب مجرّد حرصه على قتل صاحبه. وقد أفردنا هذا البحث برسالة مستقلة، والباء في قوله: {بِإِلْحَادٍ } إن كان مفعول {يرد} محذوفاً كما ذكرنا فليست بزائدة. وقيل: إنها زائدة هنا كقول الشاعر:شعر : نحن بنو جعدة أصحاب الفَلَج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج تفسير : أي: نرجو الفرج، ومثله:شعر : ألم يأتيك والأنباء تنمى بما لاقت لبون بني زياد تفسير : أي: ما لاقت، ومن القائلين بأنها زائدة الأخفش، والمعنى عنده: ومن يرد فيه إلحاداً بظلم. وقال الكوفيون: دخلت الباء لأن المعنى: بأن يلحد، والباء مع أن تدخل وتحذف، ويجوز أن يكون التقدير: ومن يرد الناس بإلحاد. وقيل: إن {يرد} مضمن معنى: يهمّ، والمعنى: ومن يهمّ فيه بإلحاد. وأما الباء في قوله: {بظلم} فهي للسببية، والمعنى: ومن يرد فيه بإلحاد بسبب الظلم، ويجوز أن يكون {بظلم} بدلاً من {بإلحاد} بإعادة الجارّ، ويجوز أن يكونا حالين مترادفين. {وإذ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ } أي: واذكر وقت ذلك، يقال: بوّأته منزلاً وبوّأت له، كما يقال: مكنتك ومكنت لك. قال الزجاج: معناه: جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم، ومعنى {بوّأنا}: بيّنا له مكان البيت، ومثله قول الشاعر:شعر : كم من أخ لي ماجد بوّأته بيديّ لحداً تفسير : وقال الفراء: إن اللام زائدة ومكان ظرف، أي أنزلناه فيه {أن لا تشرك بِي شَيْئاً } قيل: إن هذه هي مفسرة لبوّأنا، لتضمنه معنى تعبدنا؛ لأن التبوئة هي للعبادة. وقال أبو حاتم: هي مصدرية، أي لأن لا تشرك بي. وقيل: هي المخففة من الثقيلة، وقيل: هي زائدة. وقيل: معنى الآية: وأوحينا إليه أن لا تعبد غيري. قال المبرد: كأنه قيل له: وحدني في هذا البيت، لأن معنى لا تشرك: بي وحدني {وَطَهّرْ بَيْتِيَ} من الشرك وعبادة الأوثان. وفي الآية طعن على ما أشرك من قطان البيت أي: هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم فلم تفوا بل أشركتم. وقالت فرقة: الخطاب بقوله: {أَلاَّ تُشْرِكُواْ } لمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا ضعيف جدّاً. ومعنى {وَطَهّرْ بَيْتِىَ }: تطهيره من الكفر والأوثان والدماء وسائر النجاسات، وقيل: عنى به التطهير عن الأوثان فقط، وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت، وقد مرّ في سورة براءة ما فيه كفاية في هذا المعنى. والمراد بالقائمين هنا هم: المصلون وذكر {ٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } بعده لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا في البيت فالطواف عنده والصلاة إليه. {وَأَذّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ } قرأ الحسن وابن محيصن: "وآذن" بتخفيف الذال والمدّ. وقرأ الباقون بتشديد الذال، والأذان الإعلام، وقد تقدّم في براءة. قال الواحدي: قال جماعة المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت جاءه جبريل فأمره أن يؤذن في الناس بالحج، فقال: يا ربّ، من يبلغ صوتي؟ فقال الله سبحانه: أذن وعليّ البلاغ، فعلا المقام فأشرف به حتى صار كأعلى الجبال، فأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً وقال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللّهم لبيك. وقيل: إن الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أعلمهم يا محمد بوجوب الحجّ عليهم، وعلى هذا فالخطاب لإبراهيم انتهى عند قوله: {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } وقيل: إن خطابه انقضى عند قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ } وأن قوله: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى } وما بعده خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الجمهور {بالحجّ} بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها {يَأْتُوكَ رِجَالاً } هذا جواب الأمر، وعده الله إجابة الناس له إلى حجّ البيت ما بين راجل وراكب، فمعنى {رجالاً}: مشاة، جمع راجل. وقيل: جمع رجل. وقرأ ابن أبي إسحاق "رجالاً" بضم الراء وتخفيف الجيم. وقرأ مجاهد: "رجالى" على وزن فعالى مثل كسالى. وقدّم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي، وقال: {يأتوك} وإن كانوا يأتون البيت، لأن من أتى الكعبة حاجاً فقد أتى إبراهيم، لأنه أجاب نداءه {وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ } عطف على {رجالا} أي وركباناً على كل بعير. والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر، يقال: ضمر يضمر ضموراً، ووصف الضامر بقوله: {يَأْتِينَ } باعتبار المعنى؛ لأن ضامر في معنى ضوامر، وقرأ أصحاب ابن مسعود وابن أبي عبلة والضحاك "يأتون" على أنه صفة لـ {رجالاً}. والفجّ: الطريق الواسع، الجمع فجاج، والعميق: البعيد. واللام في {لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ } متعلقة بقوله: {ريأتوك} وقيل: بقوله: {وأذن} والشهود: الحضور، والمنافع هي تعمّ منافع الدنيا والآخرة. وقيل: المراد بها: المناسك. وقيل: المغفرة؛ وقيل: التجارة كما في قوله: {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } تفسير : [البقرة: 198]. {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ } أي يذكروا عند ذبح الهدايا والضحايا اسم الله. وقيل: إن هذا الذكر كناية عن الذبح؛ لأنه لا ينفك عنه. والأيام المعلومات هي: أيام النحر، كما يفيد ذلك قوله: {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ }. وقيل: عشر ذي الحجة. وقد تقدّم الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات في البقرة فلا نعيده، والكلام في وقت ذبح الأضحية معروف في كتب الفقه وشروح الحديث. ومعنى: {على ما رزقهم}: على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، وبهيمة الأنعام هي الأنعام، فالإضافة في هذا كالإضافة في قولهم: مسجد الجامع وصلاة الأولى {فَكُلُواْ مِنْهَا } الأمر هنا للندب عند الجمهور، وذهبت طائفة إلى أن الأمر للوجوب، وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب {وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَائِسَ ٱلْفَقِيرَ } البائس: ذو البؤس وهو شدة الفقر، فذكر الفقير بعده؛ لمزيد الإيضاح. والأمر هنا للوجوب. وقيل: للندب. {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } المراد بالقضاء هنا هو: التأدية، أي ليؤدوا إزالة وسخهم، لأن التفث هو: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار، وقد أجمع المفسرون، كما حكاه النيسابوري، على هذا. قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث. وقال أبو عبيدة: لم يأت في الشرع ما يحتجّ به في معنى التفث. وقال المبرّد: أصل التفث في اللغة: كل قاذورة تلحق الإنسان. وقيل: قضاؤه ادّهانه لأن الحاج مغبرّ شعث لم يدهن ولم يستحد، فإذا قضى نسكه وخرج من إحرامه حلق شعره ولبس ثيابه، فهذا هو قضاء التفث. قال الزجاج: كأنه خروج من الإحرام إلى الإحلال {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } أي: ما ينذرون به من البرّ في حجهم، والأمر للوجوب. وقيل: المراد بالنذور هنا أعمال الحج {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } هذا الطواف هو طواف الإفاضة. قال ابن جرير: لا خلاف في ذلك بين المتأوّلين، والعتيق: القديم كما يفيده قوله سبحانه: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 96] الآية، وقد سمي العتيق لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار. وقيل: لأن الله يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب. وقيل: لأنه أعتق من غرق الطوفان. وقيل: العتيق الكريم. وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } قال: الحرم كله، وهو المسجد الحرام {سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ } قال: خلق الله فيه سواء. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: هم في منازل مكة سواء، فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم. وقال البادي وأهل مكة سواء، يعني: في المنزل والحرم. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطونه ناراً. وأخرج ابن سعد عن عمر بن الخطاب، أن رجلاً قال له عند المروة: يا أمير المؤمنين، أقطعني مكاناً لي ولعقبي، فأعرض عنه عمر وقال: هو حرم الله، سواء العاكف فيه والباد. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبواباً حتى ينزل الحاجّ في عرصات الدور. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله: {سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ } قال: "حديث : سواء المقيم والذي يرحل"تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاح سكن ومن استغنى أسكن. رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حفرة عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة فذكره. وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً: «حديث : من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً»تفسير : . وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن راهويه وأحمد وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود رفعه في قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } قال: "حديث : لو أن رجلاً همّ فيه بإلحاد وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذاباً أليماً"تفسير : . قال ابن كثير: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة على وقفه. وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود في الآية قال: من همّ بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت، لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن همّ بخطيئة في البيت؛ لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري، ثم ارتدّ عن الإسلام وهرب إلى مكة، فنزلت فيه {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني بميل عن الإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } قال: بشرك. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن يعلى بن أمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: بيع الطعام بمكة إلحاد. وأخرج البيهقي في الشعب عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : احتكار الطعام بمكة إلحاد»تفسير : . وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه عن عليّ قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر. فلما قدم مكة رأى على رابية في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال: يا إبراهيم، ابْنِ على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر، وذلك حين يقول الله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ } الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء {وَٱلْقَائِمِينَ } قال: المصلين عنده. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة معناه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في السنن عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: ربّ، قد فرغت، فقال: {أَذِنَ فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ } قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليّ البلاغ، قال: ربّ كيف أقول؟ قال: قل: يا أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق. فسمعه من في السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون. وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ } قال: أسواقاً كانت لهم، ما ذكر الله منافع إلا الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، فأما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فمما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات. وأخرج أبو بكر المروزي في كتاب العيدين عنه أيضاً قال: الأيام المعلومات: أيام العشر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: أيام التشريق. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضاً في الأيام المعلومات قال: قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية ويوم عرفة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: البائس: الزمن. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر قال: التفث: المناسك كلها. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس نحوه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: التفث حلق الرأس والأخذ من العارضين ونتف الإبط وحلق العانة والوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار وقصّ الأظفار وقصّ الشارب والذبح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } هو طواف الزيارة يوم النحر، وورد في وجه تسمية البيت بالعتيق آثار عن جماعة من الصحابة، وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً. وورد في فضل الطواف أحاديث ليس هذا موضع ذكرها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} فيه قولان: أحدهما: أنه أراد المسجد نفسه، ومعنى قوله: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} أي قبلة لصلاتهم ومنسكاً لحجهم. {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ} وهو المقيم، {وَالْبَادِ} وهو الطارىء إليه، وهذا قول ابن عباس. والقول الثاني: أن المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم، وعلى هذا في قوله: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} وجهان: أحدهما: أنهم سواء في دوره ومنازله، وليس العاكف المقيم أولى بها من البادي المسافر، وهذا قول مجاهد ومَنْ منع بيع دور مكة كأبي حنيفة. والثاني: أنهما سواء في أن من دخله كان آمناً، وأنه لا يقتل بها صيداً ولا يعضد بها شجراً. {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} والإِلحاد: الميل عن الحق والباء في قوله: {بِإِلْحَادٍ} زائدة كزيادتها في قوله تعالى: {أية : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20] ومثلها في قول الشاعر: شعر : نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفَرَجِ تفسير : أي نرجو الفرج، فيكون تقدير الكلام: ومن يرد فيه إلحاداً بظلم. وفي الإِلحاد بالظلم أربعة تأويلات: أحدها: أنه الشرك بالله بأن يعبد فيه غير الله، وهذا قول مجاهد، وقتادة. والثاني: أنه استحلال الحرام فيه، وهذا قول ابن مسعود. والثالث: استحلال الحرام متعمداً، وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنه احتكار الطعام بمكة، وهذا قول حسان بن ثابت. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمرته عام الحديبية.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} المسجد نفسه {جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} قبلة ومنسكاً للحج فحاضره والبادي سواء في حكم المسجد، أو في حكم النسك، أو أراد جميع الحرم فالحاضر والبادي سواء في الأمن فيه وأن لا يقتلا به صيداً ولا يعضدا شجراً، أو سواء في دوره ومنازله فليس العاكف أولى بها من البادي {بِإِلْحَادٍ} الإلحاد: الميل عن الحق، الباء زائدة. قال الشاعر: شعر : نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج تفسير : {بِظُلْمٍ} بشرك، أو باستحلال الحرام، أو باستحلال الحرم تعمداً "ع" أو احتكار الطعام بمكة، أو نزلت في أبي سفيان وأصحابه لما صدوا الرسول صلى الله عليه وسلم عام الحديبية "ع".
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {إنّ الذين كفروا} يعني بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {ويصدّون عن سبيل الله} أي بالمنع من الهجرة والجهاد والإسلام {والمسجد الحرام} يعني ويصدون عن المسجد الحرام {الذي جعلناه للناس} أي قبلة لصلاتهم ومنسكاً متعبداً {سواء العاكف} أي المقيم {فيه} قال بعضهم ويدخل فيه الغريب إذا جاور وأقام به ولزم التعبد فيه {والباد} أي الطارىء المنتاب إليه من غيره واختلفوا في معنى الآية فقيل سواء العاكف فيه والبادي في تعظيم حرامته وقضاء النسك به. وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة قالوا: والمراد منه نفس المسجد الحرام ومعنى التسوية في تعظيم الكعبة وفي فضل الصلاة فيه والطواف به. وعن جبير بن مطعم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلّى أية ساعة شاء من ليل أو نهار"تفسير : أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. وقيل: المراد منه جميع الحرم ومعنى التسوية أنّ المقيم والبادي سواء في النزول به ليس أحدهما أحق بالمنزل من الآخر غير أنه لا يزعج أحد أحداً إذا كان قد سبق إلى منزلة وقول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد قالوا: هما سواء في البيوت والمنازل قال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق منهم وكان عمر بن الخطاب ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم فعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها قالوا: إنّ أرض مكة لا تملك لأنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي فلما استويا ثبت أن سبيلها سبيل المساجد وإليه ذهب أبو حنيفة. قالوا: والمراد بالمسجد الحرام جميع الحرم وعلى القول الأول الأقرب إلى الصواب أنه يجوز بيع دور مكة وإجارتها وهو قول طاوس وعمرو بن دينار. وإليه ذهب الشافعي احتج الشافعي في ذلك قوله تعالى: {أية : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق}تفسير : [الحج: 40]، أضاف الديار إلى مالكيها وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "حديث : من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن"تفسير : فنسب الديار إليهم نسبة ملك واشترى عمر بن الخطاب دار السجن بأربعة آلاف درهم فدلت هذه النصوص على جواز بيعها وقوله تعالى {ومن يرد فيه} أي في المسجد الحرام {بإلحاد بظلم} أي يميل إلى الظلم قيل الإلحاد فيه هو الشرك وعبادة غير الله. وقيل: هو كل شيء كان منهياً عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم. وقيل هو دخول الحرم بغير إحرام أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم من قتل صيد وقطع شجر. وقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم فيه من لا يظلمك. وقال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات وقيل: احتكار الطعام بمكة بدليل ما روى يعلى بن أمية أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه"تفسير : . أخرجه أبو داود وقال عبد الله بن مسعود في قوله ومن يرد فيه بإلحاد بظلم {نذقه من عذاب أليم} قال لو أنّ رجلاً همّ بخطيئة لم تكتب عليه ما لم يعملها ولو أنّ رجلاً همّ بقتل رجل بمكة وهو بعدن أبين أو ببلد آخر أذاقه الله من عذاب أليم. قال السدي: إلاّ أن يتوب. وروي عن عبد الله بن عمرو أنّه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فسئل عن ذلك فقال كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله وبلى والله. قوله تعالى {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} قال ابن عباس: جعلنا وقيل وطأنا وقيل بينا وإنما ذكر مكان البيت لأن الكعبة رفعت إلى السماء زمن الطوفان فلما أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام ببناء البيت لم يدر أي جهة يبني فبعث الله تعالى ريحاً خجوجاً فكنست له ما حول البيت عن الأساس وقيل بعث الله سحابة بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا إبراهيم ابن على قدري فبنى عليه {أن لا تشرك بي شيئاً} أي عهدنا إلى إبراهيم وقلنا له: لا تشرك بي شيئاً {وطهر بيتي} أي من الشرك والأوثان والأقذار {للطائفين} أي الذين يطوفون بالبيت {والقائمين} أي المقيمين فيه {والركع السجود} أي المصلين. قوله عزّ وجلّ {وأذن} أي أعلم وناد، والأذان في اللغة الإعلام {في الناس} قال ابن عباس: أراد بالناس أهل القبلة {بالحج} فقال إبراهيم عليه السلام وما يبلغ صوتي فقال الله عليك الأذان وعلينا الإبلاغ فقام إبراهيم على المقام حتى صار كأطول الجبال وأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً وقال يا أيُّها الناس ألا إن ربكم قد بنى بيتاً وكتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم فأجابه كل من يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك. قال ابن عباس: فأول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجاً وروي أنّ إبراهيم صعد أبا قبيس ونادى. وزعم الحسن أن المأمور بالتأذين هو محمد صلّى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع (م) عن أبي هريرة قال: "حديث : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيُّها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا"تفسير : {يأتوك رجالاً} أي مشاة على أرجلهم جمع راجل {وعلى كل ضامر} أي ركباناً على الإبل المهزولة من كثرة السير وبدأ المشاة تشريفاً لهم {يأتين} أي جماعة الإبل {من كل فج عميق} أي من كل طريق بعيد فمن أتى مكة حاجاً فكأنه قد أتى إبراهيم لأنه مجيب نداءه. قوله تعالى {ليشهدوا منافع لهم} قيل العفو المغفرة وقيل: التجارة وقال ابن عباس: الأسواق وقيل ما يرضى به الله من أمر الدنيا والآخرة {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} يعني عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين قيل لها معلومات للحرص عليها من أجل وقت الحج في آخرها. وعن ابن عباس أنها أيام عرفة والنحر وأيام التشريق وقيل: إنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} يعني الهدايا والضحايا من النعم وهي الإبل والبقر والغنم وفيه دليل على أنّ الأيام المعلومات يوم النحر وأيام التشريق لأنه التسمية على بهيمة الأنعام عند نحرها ونحر الهدايا يكون في هذه الأيام {فكلوا منها} أمر إباحة ليس بواجب وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئاً فأمر الله بمخالفتهم. واتفق العلماء على أن الهدى إذا كان تطوعاً يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع لما روى عن جابر بن عبد الله في قصة تطوعاً يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع لما روى عن جابر بن عبد الله في قصة حجة الوداع قال "وقدم علي ببدن من اليمن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فنحر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين بدنة ونحر علي ما غبر وأشركه في بدنه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر وطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها" أخرجه مسلم قوله ما غبر أي ما بقي قوله ببضعه أي بقطعة. واختلف العلماء في الهدي الواجب بالشرع مثل دم التمتع والقرآن والدم الواجب بإفساد الحج وفوته وجزاء الصيد هل يجوز للمهدي أن يأكل منه شيئاً قال الشافعي: لا يأكل منه شيئاً وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذر ويأكل مما سوى ذلك وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالك يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلاّ من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور وعند إصحاب الرأي أنه يأكل من دم التمتع والقرآن ولا يأكل من واجب سواهما. وقوله تعالى {وأطعموا البائس الفقير} يعني الزمن الذي لا شيء له.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} هذه الآية نزلت عام الحُدَيْبِيَّةِ حِينَ صُدَّ النبي صلى الله عليه وسلم وجاء {يَصُدُّونَ} مستقبلاً؛ ِاذ هو فعل يُدِيمونه، وخبر {إِنَّ} محذوف مُقَدَّرٌ عند قوله: و {ٱلْبَادِ}: تقديره: خسروا أو هلكوا. و {ٱلْعَـٰكِفُ}: المقيم في البلد، و «البادي»: القادم عليه من غيره. وقوله: {بِإِلْحَادِ} قال أبو عبيدة: الباء فيه زائدة. * ت * قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وجَعْلُ الباء زائدةً لا يُحْتَاجُ إليه في سبيل العربية؛ لأَنَّ حَمْلَ المعنى على القول أولى من حمله على الحروف، فيقال: المعنى ومن يَهُمَّ فيه بميل، لأَنَّ الإلحادَ هو الميل في اللغة إلاَّ أَنَّهُ قد صار في عُرْفِ الشرع ميلاً مذموماً، فرفع اللّه الإشكال، وبَيَّنَ سبحانه أَنَّ الميلَ بالظلم هو المراد هنا، انتهى. قال * ع *: والإلحاد الميلُ وهو يشمل جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد اللّه تعالى على نية السيئة فيه، ومَنْ نوى سيئة ولم يعملها ـــ لم يُحَاسَبْ بذلك إلاَّ في مَكَّةَ هذا قولُ ابنِ مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم. قال * ص *: وقوله: {أَن لاَّ تُشْرِكْ}: أَنْ: مفسِّرةٌ لقولٍ مُقَدَّرٍ، أي: قائلين له، أو موحين له: لا تشرك، وفي التقدير الأول نَظَرٌ فانظره، انتهى. وقوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْقَائِمِينَ...} الآية: تطهيرُ البيت عامٌّ في الكُفْرِ، والبِدَعِ، وجميعِ الأَنْجَاسِ، والدماءِ، وغير ذلك، {وَٱلْقَائِمِينَ}: هم المصلون، وخَصَّ سبحانه بالذكر من أركان الصلاة أعظَمَها، وهو القيامُ والركوعُ والسجودُ، ورُوِيَ: «أَنَّ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لَمَّا أُمِرَ بالأذان بالحج ـــ قال: يا رب، وإذا أَذَّنْتُ، فَمَنْ يَسْمَعُنِي؟ فقيل له: نادِ يا إبراهيمُ، فعليك النداءُ وعلينا البلاغ؛ فصعد على أبي قُبَيْس، وقيل: على حجر المَقَام، ونادى: أَيُّها الناس، إنَّ الله تعالى قد أَمرهم بحجِّ هذا البيتِ؛ فَحِجُّوا، فَرُوِيَ أَنَّ يومَ نادى أسمع كُلَّ مَنْ يحج إلى يوم القيامة في أصلابِ الرجال، وأجابه كُل شَيءٍ في ذلك الوقْتِ: من جمادٍ، وغيرهِ: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبيك؛ فجرت التلبيةُ على ذلك» قاله ابن عباس، وابن جبير،، و {رِجَالاً}: جمع رَاجِل، وَالـ {ضَامِر}: قالت فرقة: أراد بها الناقةَ؛ وذلك أَنه يقال: ناقة ضامرٌ، وقالت فرقة: لفظ «ضامر» يشمل كلَّ مَنِ اتصف بذلك من جمل، أو ناقة، وغيرِ ذلك. قال * ع *: وهذا هو الأظهر، وفي تقديم {رِجَالاً} تفضيلٌ للمُشَاةِ في الحج؛ وإليه نحا ابن عباس. قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: {يَأْتِينَ} رَدَّ الضمير إلى الإبل؛ تكرمةً لها لقصدها الحج مع أربابها؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً} تفسير : [العاديات:1]. في خيل الجهاد؛ تكرمةً لها حين سَعَتْ في سبيل اللّه، انتهى. والفَجُّ: الطريق الواسعة، والعميق: معناه: البعيد؛ قال الشاعر [الطويل]: شعر : إِذَا الْخَيْلُ جَاءَتْ مِنْ فِجَاجٍ عَمِيقَة يَمُدُّ بِهَا فِي السَّيْرِ أَشْعَثُ شَاحِبُ تفسير : والـ {مَنَـٰفِعَ} في هذه الآية التجارةُ في قول أكثر المتأولين، ابنِ عباس وغيرِه، وقال أبو جعفر محمد بن علي: أرادذ الأَجْرَ ومنافع الآخرة، وقال مجاهد بعموم الوجهين. * ت * وأظهرها عندي قول أبي جعفر؛ يظهر ذلك من مقصد الآية، واللّه أعلم. وقال ابن العربيِّ: الصحيح: القولُ بالعموم، انتهى. وقوله سبحانه: {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} ذهب قوم إلى: أَنَّ المراد ذكر اسم اللّه على النَّحْرِ والذبح، وقالوا: إنَّ في ذكر الأيام دليلاً على أنَّ الذبح في الليل لا يجوزُ، وهو مذهب مالكٍ وأصحابِ الرأي. وقالت فرقة فيها مالك وأصحابُه: الأيام المعلوماتُ: يومُ النحر ويومانِ بعده. وقوله: {فَكُلُواْ} ندبٌ، واستحب أهل العلم أن يأكلَ الإنسانُ مِنْ هَدْيِهِ وأَضْحِيَّتِهِ، وأنْ يتصدَّقَ بالأكثر، والبائس: الذي قد مَسَّهُ ضُرُّ الفاقة وبؤسها، والمراد أهل الحاجة، والتفث: ما يصنعه المُحْرِمُ عند حِلِّهِ من تقصيرِ شعر وحلقه، وإزالة شعث ونحوه، {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ}: وهو ما معهم من هدي وغيره، {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}: يعني: طوافَ الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: ولا خلاف بين المتأوِّلِينَ في ذلك. قال مالك: هو واجب، ويرجع تاركه من وطنه إلاَّ أَنْ يطوف طوافَ الوداع؛ فإنَّهُ يجزيه عنه، ويحتمل أَنْ تكونَ الإشارة بالآية إلى طواف الوداع، وقد أَسْنَدَ الطبريُّ عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيراً عن قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} فقال: هو طواف الوداع؛ وقاله مالك في الموطإِ، واخْتُلِفَ في وجهِ وصف البيتِ بالعتيق، فقال مجاهد وغيره: عتيق، أي: قديم. وقال ابن الزبير: لأَنَّ اللّه تعالى أعتقه من الجبابرة. وقيل: أعتقه من غرق الطَّوفانِ، وقيل غير هذا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. لما فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمة البيت، وعظم كفر هؤلاء فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد. قال ابن عباس: نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية عن المسجد الحرام وعن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهَدْي، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم وهو محرم، ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل. قوله: "وَيَصدُّونَ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه معطوف على ما قبله، وحينئذ ففي عطفه على الماضي ثلاثة تأويلات: أحدها: أنّ المضارع قد لا يقصد به الدلالة على زمن معين من حال أو استقبال وإنما يُراد به مجرد الاستمرار، فكأنه قيل: إن الذين كفروا ومن شأنهم الصدّ عن سبيل الله، ومثله: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 28]. الثاني: أنه مؤول بالماضي لعطفه على الماضي. الثالث: أنه على بابه فإن الماضي قبله مؤول بالمستقبل. الوجه الثاني: أنه حال من فاعل "كَفَرُوا"، وبه بدأ أبو البقاء. وهو فاسد ظاهراً، لأنه مضارع مثبت وما كان كذلك لا تدخل عليه الواو وما ورد منه على قلته مؤول، فلا يحمل عليه القرآن. وعلى هذين القولين فالخبر محذوف، واختلفوا في موضع تقديره، فقدره ابن عطية بعد قوله: "وَالبَادِ" أي: إن الذين كفروا خسروا أو أهلكوا، ونحو ذلك. وقدره الزمخشري بعد قوله: "وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ" أي إن الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم، وإنما قدره كذلك؛ لأن قوله: {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} يدل عليه. إلا أن أبا حيان في تقدير الزمخشري بعد "المَسْجِدِ الحَرَامِ": لا يصح، قال: لأن "الَّذِي" صفة للمسجد الحرام، فموضع التقدير هو بعد "وَالْبَادِ". يعني أنه يلزم من تقديره الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو خبر "إنَّ" فيصير التركيب: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم الذي جعلناه للناس. وللزمخشري أن ينفصل عن هذا الاعتراض بأن "الَّذِي جَعَلْنَاه" لا نسلم أنه نعت للمسجد حتى يلزم ما ذكر بل نجعله مقطوعاً عنه نصباً أو رفعاً. ثم قال أبو حيان: لكن مقدر الزمخشري أحسن من مقدر ابن عطية، لأنه يدل عليه الجملة الشرطية بعد من جهة اللفظ وابن عطية لحظ من جهة المعنى لأن من أذيق العذاب خسر وهلك. الوجه الثالث: أن الواو في "وَيَصُدُّونَ" مزيدة في خبر "إنَّ" تقديره: إن الذين كفروا (يصدون). وزيادة الواو مذهب كوفي تقدم بطلانه. وقال ابن عطية: وهذا مفسد للمعنى المقصود. قال شهاب الدين: ولا أدري فساد المعنى من أي جهة ألا ترى لو صرح بقولنا: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَصُدُّونَ) لم يكن فيه فساد معنى، فالمانع إنما هو أمر صناعي عند أهل البصرة لا معنوي، اللهم إلا أن يريد معنى خاصاً يفسد بهذا التقدير فيحتاج إلى بيانه. قوله: "الَّذِي جَعَلْنَاهُ" يجوز جره على النعت والبيان، والنصب بإضمار فعل، والرفع بإضمار مبتدأ. والجعل يجوز أن يتعدى لاثنين بمعنى صيّر، وأن يتعدى لواحد. والعامة على رفع "سواء". وقرأ حفص عن عاصم بالنصب هنا، وفي الجاثية "سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ" وافقه على الذي في الجاثية الأخوان وسيأتي توجيهه. فأما على قراءة الرفع، فإِن قلنا: إنَّ "جَعَلَ" بمعنى (صير) كان في المفعول الثاني ثلاثة أوجه: أظهرها: أن الجملة من قوله: "سَوَآءٌ ٱلْعَاكِفُ فِيهِ" هي المفعول الثاني، ثم الأحسن في رفع "سَوَاءٌ" أن يكون خبراً مقدماً، و"العاكف"، والبادي مبتدأ مؤخر، وإنما وَحَّد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين، لأنَّ "سَواءٌ" في الأصل مصدر وصف به، وقد تقدم أول البقرة. وأجاز بعضهم أن يكون "سَوَاءٌ" مبتدأ، وما بعده الخبر، وفيه ضعف أو منع من حيث الابتداء بالنكرة من غير مسوّغ، ولأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة المبتدأ. وعلى هذا الوجه أعني كون الجملة مفعولاً ثانياً فقوله: "للنَّاس" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بالجعل، أي: جعلناه لأجل الناس كذا. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من مفعول "جَعَلْنَاهُ"، ولم يذكر أبو البقاء فيه على هذا الوجه غير ذلك، وليس معناه متضحاً. الوجه الثاني: أنَّ "لِلنَّاسِ" هو المفعول الثاني، والجملة من قوله: "سَوَاءٌ العَاكِفُ" في محل نصب على الحال، إما من الموصول وإما من عائده وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأنه جعل هذه الجملة التي هي محطّ الفائدة فضلة. الوجه الثالث: أن المفعول الثاني محذوف. قال ابن عطية: المعنى الذي جعلناه للناس قبلة ومتعبداً. فتقدير ابن عطية هذا مرشد لهذا الوجه. إلا أن أبا حيان قال: ولا يحتاج إلى هذا التقدير إلا إن كان أراد تفسير المعنى لا الإعراب فيسوغ؛ لأن الجملة في موضع المفعول الثاني، فلا يحتاج إلى هذا التقدير وإن جعلناها متعدية لواحد كان قوله: "لِلنَّاسِ" متعلقاً بالجعل على الغلبة وجوَّز فيه أبو البقاء وجهين آخرين: أحدهما: أنه حال من مفعول "جَعَلْنَاهُ". والثاني: أنه مفعول تعدى إليه بحرف الجر. وهذا الثاني لا يتعقل كيف يكون "لِلنَّاسِ" مفعولاً عدي إليه الفعل بالحرف هذا ما لا يعقل، فإن أراد أنه مفعول من أجله فهي عبارة بعيدة من عبارة النحاة. وأما على قراءة حفص فإن قلنا: "جَعَلَ" يتعدى لاثنين كان "سواء" مفعولاً ثانياً. وإن قلنا: يتعدى لواحد كان حالاً من هاء "جَعَلْنَاهُ" وعلى التقديرين فـ "العَاكِفُ" مرفوع به على الفاعلية؛ لأنه مصدر وصف به، فهو في قوة اسم الفاعل المشتق، تقديره: جعلناه مستوياً فيه العاكف، ويدل عليه قولهم: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَوَاءٍ هُوَ وَالعَدَمُ، فهو تأكيد للضمير المستتر فيه، والعدم نسق على الضمير المستتر؛ ولذلك ارتفع، ويروى: سَوَاءٍ وَالعَدَمُ؛ بدون تأكيد وهو شاذ وقرأ الأعمش وجماعة "سَوَاء" نصباً "العَاكِف" جرًّا، وفيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من الناس بدل تفصيل. والثاني: أنه عطف بيان، فهذا أراد ابن عطية بقوله: عطفاً على الناس. ويمتنع في هذه القراءة رفع "سَوَاءٌ" لفساده صناعة ومعنى، ولذلك قال أبو البقاء: و"سَوَاء" على هذا نصب لا غير. وأثبت ابن كثير ياء "وَالبَادِي" وقفاً ووصلاً. وأثبتها أبو عمرو وورش وصلاً وحذفاها وقفاً. وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً، وهي محذوفة في الإمام. فصل معنى الكلام: ويصدون عن المسجد الحرام الذي جعلناه للناس قبلة لصلاتهم ومنسكاً ومتعبداً كما قال: "وُضِعَ لِلنَّاسِ" وتقدم الكلام على معنى "سَوَاء" باختلاف القراءة. وأراد بـ "العَاكِف" المقيم فيه، و"البَادِي" الطارئ من البدو، وهو النازع إليه من غربته. وقال بعضهم: يدخل في "العَاكِف" الغريب إذا جاور ولزمه كالبعيد وإن لم يكن من أهله. واختلفوا في معنى "سَوَاء" فقال ابن عباس في بعض الروايات: إنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدهما أحق بالنزول الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون أحدهما سبق إلى المنزل، وهو قول قتادة وسعيد بن جبير، ومن مذهب هؤلاء تحريم كراء دور مكة وبيعها، واستدلوا بالآية والخبر أما الآية فهذه، قالوا: إن أرض مكة لا تملك، فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والباد، فلما استويا ثبت أن سبيلها سبيل المساجد. وأما الخبر فقوله عليه السلام: "حديث : مكة مناخ لمن سبق إليه" تفسير : وهذا مذهب ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبي حنفية وإسحاق الحنظلي. وقال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة أحق بمنزله منهم. وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم وعلى هذا فالمراد بـ "المَسْجِدِ الحَرَامِ" الحرم كله؛ لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام وإرادة البلد الحرام جائز لقوله تعالى {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [الإسراء: 1]. وأيضاً فقوله: "العَاكِفُ" المراد منه المقيم، وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل. وقيل: "سَوَآءٌ ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِي" في تعظيم حرمته وقضاء النسك به وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة، أي ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس، قال عليه السلام: "حديث : يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلب من وُلِّي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صَلّى أية ساعة من ليل أو نهار" تفسير : وهذا قول من أجاز بيع دور مكة. وقد جرت مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي بمكة وكان إسحاق لا يرخِّص في كراء بيوت مكة، فاحتج الشافعي بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم} تفسير : [الحج: 40]. فأضاف الديار إلى مالكيها أو إلى غير مالكيها. وقال عليه السلام يوم فتح مكة: "حديث : من أغلق بابه فهو آمن"تفسير : وقوله عليه السلام: "حديث : هل ترك لنا عقيل من رباع"تفسير : . وقد اشترى عمر بن الخطاب دار السجن، أترى أنه اشتراها من مالكيها أو من غير مالكيها. قال إسحاق: فلما علمت أن الحجة لزمتني تركت قولي. والقول بجواز بيع دور مكة وإجارتها قول طاوس وعمرو بن دينار وبه قال الشافعي. قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن مفعول "يُرِدْ" محذوف، وقوله: "بإلحَادٍ بظُلمٍ" حالان مترادفان، والتقدير: ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً نذقه من عذاب إليم. وإنما حذف ليتناول كل متناول، قال معناه الزمخشري. والثاني: أنّ المفعول أيضاً محذوف تقديره: ومن يرد فيه تَعَدِّيا، و"بإلحاد" حال، أي: ملتبساً بإلحاد، و"بِظُلْمٍ" بدل بإعادة الجار. الثالث: أن يكون "بظلم" متعلقاً بـ "يُرِدْ" والباء للسببية، أي: بسبب الظلم و"بإلحَادٍ" مفعول به، والباء مزيدة فيه كقوله: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 195]. شعر : 3756- لاَ يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ تفسير : وإليه ذهب أبو عبيدة، وأنشد للأعشى: شعر : 3757- ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيالنَا أَرْمَاحُنَا تفسير : أي: ضمنت رزق. ويؤيده قراءة الحسن: {وَمَنْ يُرِدْ إلحَادَهُ بِظُلْمٍ}. قال الزمخشري: أراد إلحاده فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف كـ "مَكْرُ اللَّيْلِ" ومعناه: ومن يرد أن يلحد فيه ظالماً. الرابع: أن تضمن "يُرِدْ" معنى يلتبس فذلك تعدى بالباء، أي: ومن يلتبس بإلحاد مريداً له. والعامة على "يُرِد" بضم الياء من الإرادة. وحكى الكسائي والفراء أنه قرئ "يَرد" بفتح الياء، قال الزمخشري: من الورود ومعناه: من أتى فيه بإلحاد ظالماً. فصل الإلحاد: العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر. واختلف المفسرون فيه، فقيل: إنه الشرك، أي مَن لجأ إلى الحرم ليشرك به عَذّبه الله، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس، وهو قول مجاهد وقتادة. وروي عن ابن عباس هو أن تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم من لا يظلمك. وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن سعد حيث استسلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - فارتد مشركاً، وفي قيس بن (ضبابة). وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن خطل حيث قتل الأنصاريّ وهرب إلى مكة كافراً، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله يوم الفتح. وقال مجاهد: تضاعَفُ السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. وعن سعيد بن جبير وحبيب بن أبي ثابت: هو احتكار الطعام بمكة. وعن عطاء هو قول الرجل في المبايعة: لا والله وبلى والله. وعن عبد الله بن عمر: أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له في ذلك فقال: كنا نُحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله. وعن عطاء: هو دخول الحرم غير محرم وارتكاب شيء من محظورات الإحرام من قتل صيد أو قطع شجر. ولما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بيَّن تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلاً إلى الظلم فلهذا قرن الظلم بالإلحاد؛ لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم، ولذلك قال تعالى {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. وقوله: {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} بيان للوعيد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} [الآية: 25]. قال محمد بن على الترمذى: الفتوة أن يستوى عندك الطارئ والمقيم، وكذا تكون بيوت الفتيان من نزل فيه فقد تحرّم بأعظم حرمة، وأجلّ ذريعة، ألا ترى الله جل وعز كيف وصف بيته فقال: {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ}.
القشيري
تفسير : الصدُّ عن المسجد الحرام بإخافة السُّبُل، وبِغَصْبِ المال الذي لو بقي في يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام. قوله: {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} وإنما يعتبر فيه السبق والتقدم. ومشهد الكِرَام يستوي فيه الإقدام، فَمَنْ وَصلَ إلى تلك العقوة فلا ترتيبَ ولا ردَّ، وبعد الوصول فلا زَجْرَ ولا صدَّ، أمَّا في الطريق فربما يعتبر التقدم والتأخر؛ قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} تفسير : [الحجر: 24] ولكن في الوصول فلا تفاوتَ ولا تباين، ثم إذا اجتمعت النفوسُ فالموضع الواحد يجمعهم، ولكنْ لكلِّ حالٌ ينفرد بها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} داره دار كرامته ومنزل اضياف المعرفة اذا كشف من بيته ما فيه من أياته الكبرى يصل بركتها الى المقيم وللمسافر وخضرته القديمة منازل المقيمين فيها بالارواح من العارفين والمشاهدين والطيارين من حمائم اسرار الواصلين فالمقيم بقلبه هناك من اول عمره الى أخر عمره والطارى عليها لحظة من المكاشفين المشاهدين ينكشف له ما ينكشف للمقيمن لانه وهاب كريم يعطى للتائب من العاصى ما يعطى المطيع المقيم فى طاعته طول عمره قال محمد بن على الترمذى الفتوة ان يسنى عندك الطارى والمقيم وكذا يكون بيوت الفتيان من ترك فيها فقد تحرم باعظم حرمة واجل ذريعة الا ترى الله تعالى ذكره كيف وصف بيته فقال سواء العاكف فيه والباد قال الاستاذ مشهد الكرام ويستوى فيه الاقدام فمن وصل الى تلك العفوة فلا ترتيب ولا ردّ وبعد الوصول لا زجر ولا صد.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} اي يمنعون الناس عن طاعة الله والدخول فى دينه ولمراد بيصغة المضارع الاستمرار لا الحال والاستقبال كأنه قيل ان الذين كفروا ومن شأنهم الصد عن سبيل الله ومثله قوله تعالى {أية : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} تفسير : {والمسجد الحرام} عطف على سبيل الله والمراد به مكة او يمنعون المؤمنين عن طواف المسجد الحرام اى المحترم من كل وجه فلا يصاد صيده ولا يقطع شوكه ولا يسفك فيه الدماء قال الكاشفى [بقول اشهر روز حديبيه است كه حضرت بيغمبر عليه السلام واصحاب اورا ازطواف خانة ومسجد بازداشتند] {الذى جعلناه} صيرناه حال كونه معبدا {للناس} كائنا من كان من غير فرق بين مكى وآفاقى {سواء العاكف فيه والباد} مفعول ثان لجعلنا والعاكف مرتفع به على الفاعلية يقال للمقيم بالبادية باد والبادية كل مكان يبدو ما يعن فيه وبالعكس فى شىء من ساعاة الليل والنهار: وبالفارسية [يكسانست مقيم درو وآينده يعنى غريب وشهرى درقضاى مناسك واداى مراسم تعظيم خانه مساوى اند]، وفائدة وصف المسجد الحرام بذلك زيادة تشنيع الصادين عنه وخبران محذوف اى معذبون كما يدل عليه آخر الآية {ومن} [وهركه] {يرد} مراداما {فيه} [درحرم] {بالحاد بظلم} حالان مترادفان اى حال كونه مائلا عن القصد ظالما وحقيقته ملتبسا بظلم فالباء للملابسة والالحاد الميل، قال الراغب الحد فلان مال عن الحق والالحاد ضربان الحاد غلى الشرك بالله والحاد الى الشرك بالاسباب فالاول ينافى الايمان ويبطله والثاني يوهن عراه ولا يبطله ومن هذا النحو الآية {نذقه من عذاب اليم} جواب من يعنى يجب على من كان فيه ان يعدل في جميع ما يريده والمراد بالالحاد والظلم صيد حمامه وقطع شجره ودخوله غير محرم وجميع المعاصي حتى قيل شتم الخادم لان السيآت تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات: يعنى [جون مكة محترمه مخصوصيت بتضاعف حسنات جونمازى درو باجندين نماز در غير أو برابراست بس جزاى مساوى نيزدروكلى ترست ازسائر مواضع]، ولحرمة المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الاقصى قال الفقهاء لونذر ان يصلى فى احد هذه الثلاثة تعين بخلاف سائر المساجد فان من نذران يصلى فى احدها له ان يصلى فى آخر، قال حضرة الشيخ الاكر قدس سره الاطهر اعلم ان الله تعالى قد عفا عن جميع الخواطر التى لا تستقر عندنا الا بمكة لان الشرع قد ورد ان الله يؤاخذ فيه من يريد فيه بالحاد وبظلم وهذا كان سبب سكنى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما بالطائف احتياطا لنفسه لانه ليس فى قدرة الانسان ان يدفع عن قلبه الخواطر انتهى. وفى الآية اشارات، منها ان من حال النفوس المتمردة والارواح المرتدة مع انكارهم واعراضهم عن الحق يصدون الطالبين عن طريق الله بالانكار والاعتراضات الفاسدة على المشايخ ويقطعون الطريق على اهل الطلب ليردوهم عن طلب الحق وعن دخول مسجد حرم القلب فانه حرم الله تعالى: قال الحافظ شعر : در راه عشق وسوسة اهرمن بسيست هش دارو كوش دل به بيام سروش كن تفسير : : وفي المثنوى شعر : بس عدو جان صرافست قلب دشمن درويش كه بود غير كلب[1] مغزوا خالى كن از انكار يار تاكه ريحان يابد از كلزار يار [2] تفسير : ومنها انه يستوى فى الوصول الى مقام القلب الذى سبق اليه بمدة طويلة والذى يصل اليه في الحال ليس لاحد فضل على الآخر الا بالسبق الى مقامات القلب، قال فى الحقائق المقيم بقلبه هناك من اول عمره الى اخره والطارىء لحظة من المكاشفين والمشاهدين ينكشف له ما انكشف للمقيمين لانه وهاب كريم يعطى للتائب من المعاصى ما يعطى المطيع المقيم فى طاعته طول عمره: قال الحافظ شعر : فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد دكران هم بكنند آنجه مسيحا ميكرد تفسير : وقد قال بعضهم امسيت كرديا واصبحت عربيا، ومنها ان من اراد في القلب ميلاناالى غير الحق يذيقه الله عذاب اليم البعد والقطيعة عن الحضرة فالقلب معدن محبة الله ووضع محبة غيره فيه ظلم: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : دلم خانه مهريارست وبس ازان مى نكنجد دروكين كس تفسير : : وقال الخجندى شعر : بادوست كزين كمال ياجان يك خانه دوميهمان نكنجد تفسير : فلا يسع القلب غير محبة الله تعالى وعشقه وتوجهه
ابن عجيبة
تفسير : قلت: خبر {إن}: محذوف، يدل عليه ما بعده، أي: الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم؛ لأنه إذا كان الملحِدُ في الحرم مُعَدَّبًا فالجامع بين الكفر والصد أَولى. ومن رفع {سواء} جعله خبرًا مقدمًا. و {العاكف}: مبتدأ. ومن نصبه: جعله مفعولَ {جعل}، و {العاكف} فاعل به. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِن الذين كفروا ويَصدون} الناس {عن سبيل الله}، أي: واستمروا على الصد، ولذلك حسن عطفه على الماضي، {و} يصدون أيضًا عن {المسجد الحرام} والدخول فيه، كأهل مكة مع المسلمين، {الذي جعلناه للناس} أي: مقامًا ومسكنًا للناس، كائنًا من كان، لا فرق فيه بين مكي وآفاقي، وضعيف وقوي، حاضر وباد. فإن أُريد بالمسجد الحرام "مكة"، ففيه دليل على أن دور مكة لا تُباع، وأن الناس فيها سواء، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها مِلك. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك وغيره: ليست الدور فيها كالمسجد، بل هي مُتَمَلَّكَةٌ. وإن أريد به البيت كان نصًا في إباحته لجميع المؤمنين. وهو مجمع عليه. {سواءً العاكفُ فيه} أي: مستوٍ المقيم فيه {والباد}، أي: المسافر من أهل البادية، {من يُرِدْ فيه} أي: في المسجد، إحداث شيء {بإِلحادٍ} أي: بسبب ميل عن القصد، {بظُلم}، وهما حالان مترادفان، أي: ومن يرد فيه إحداث شيء؛ مائلاً عن الحق، ظالمًا فيه، {نذِقْهُ من عذابٍ أليم} في الآخرة. وكل من ارتكب فيه ذنبًا فهو كذلك. {و} اذكر يا محمد {إِذْ بوّأنا}: حين هيأنا {لإبراهيم مكانَ البيت} وعيناه له، حتى بناه في مكانه مسامتًا للبيت المعمور، حيث كان بناه آدم عليه السلام، وقد كان رُفع إلى السماء الرابعة، أيام الطوفان، وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم اللهُ إبراهيم مكانه، بريح أرسلها، يقال لها: الخَجُوح، فكنست مكان البيت، وقيل: سحابة على قدر البيت، وقيل: كلمته، وقالت له: ابنِ على قَدري. هـ. فبناه على أساسه القديم، وفي ابن حجر: أنه جعل طوله في السماء تسعة أذرع، ودوره في الأرض ثلاثين ذراعًا بذراعه. وأدخل الحِجْر في البيت، وكان قبل ذلك لغنم إسماعيل. وبنى الحجارة بعضها على بعض، أي: بلا تراب، ولم يجعل له سقفًا، وحفر له بئرًا، عند بابه خزانة للبيت، يُلقي ما يهدى له. هـ. رُوِيَ أن الكعبة الشريفة بُنيت خمس مرات، إحداها: بنتها الملائكة، وكانت من ياقوتة حمراء، ثم رُفعت أيام الطوفان. والثانية: بناها إبراهيم عليه السلام، وقيل: إن جُرهم كانت بنتها قبله، ثم هدمت، ويدل عليه: التجاء عادٍ إليها، حين نزل بهم القحط. فأرسل الله عليهم الريح، وكان ذلك قبل إبراهيم عليه السلام، والثالثة: بنتها قريش، وقد حضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة. والرابعة: بناها ابن الزبير، والخامسة: الحجاج. ثم قال تعالى: {أن لا تُشرك} أي: وقلنا له: ألا تشرك {بي شيئًا}، بل خلص عملك في بنائها وغيره، من شوائب حظ النفس، عاجلاً وآجلاً، لا طَمَعًا في جزاء، ولا خوفًا من عقوبة، بل محبة وشكرًا وعبودية. قال القشيري: أي: لا تلاحظ البيت ولا بنيانك. هـ. وقيل: في الآية طعن على من أشرك من قُطَّان البيت، أي: هذا الشرط كان على أبيكم فمَنْ بعده وأنتم، فلم تقبلوه، بل أشركتم وصددتم وألحدتم، فاستحققتم التوبيخ والذم على سلوككم على غير طريق أبيكم. {وطهِّرْ بيتيَ} من الأصنام والأقذار، {للطائفين} به {والقائمين} للصلاة فيه، أو المقيمين فيه، {والركَّع السجود} أي: المصلين، جمعًا من راكع وساجد. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن الذين كفروا بطريق الخصوصية، ويصدون الناس عن الدخول فيها، ويُعوقونهم عن مسجد الحضرة، الذي جعله للناس محلاً تسكن فيه قلوبهم، وتعشش فيه أرواحهم. فكل من قصده وباع نفسه وقلبه لله، وصله ودخله، وهو محل المشاهدة والمكالمة، والمساررة والمناجاة، محل شهود الحبيب والمساررة مع القريب، محل نزهة الأفكار في فضاء الشهود والاستبصار، فمن عاق عنها نُذقه من عذاب أليم. وقوله تعالى: {سواء العاكفُ فيه الباد}، قال القشيري: فيه إشارة إلى أن التفاوت إنما يكون في الطريق، وأما بعد الوصول، فلا تفاوت. ثم إذا اجتمعت النفوس، فالموضع الواحد مجمعها، ولكن لكلٍّ حالٌ يُعرف به. هـ. قلت: مقام التوحيد الخاص، وهو الفناء، هو محل الاجتماع، وتتفاوت بعد ذلك أذواقهم ومواجيدهم، وازدياد كشوفاتهم وترقياتهم، تفاوتًا بعيدًا، على حسب التفرغ والانقطاع، والتأهب والاتباع، حسبما سبقت به القسمة الأزلية. وقال الورتجبي، على قوله تعالى: {وإذ بوأنا...} الآية: هيأ لخليله وجميع أحبائه بيته، ودلَّه إلى ما فيه من الكرامات والآيات، وما ألبسه من أنوار حضرته؛ ليكون وسيلة لعبادته، ومرآة لأنوار آياته. هـ. قلت: الإشارة بالبيت إلى القلب؛ لأنه بيت الرب، أي: هيأنا لإبراهيم مكان قلبه؛ لمشاهدة أسرار جبروتنا وأنوار ملكوتنا، ليكون من المُوقنين بشهود ذاتنا، وقلنا له: لا تشرك بنا شيئًا من السِّوى، ولا ترى معنا غيرنا، وطهِّر بيتي، الذي هو القلب، من الأغيار والأكدار، ليكون محلاً للطائفين به من الواردات والأنوار، والعاكفين فيه من المشاهدات والأسرار، والركع السجود من القلوب التي تواجهك بالتعظيم والانكسار، فإنَّ قلبَ العارف كعبة للواردات والأسرار، ومحل حج قلوب الصالحين والأبرار. وفي بعض الأثر: "يا داود؛ طهر لي بيتًا أسكنه، فقال: يا رب... وأيُّ بيت يسعك؟ فقال: لم يسعني أرضي ولا سمائي. ووسعني قلب عبدي المؤمن". وفيه عند أهل الحديث كلام. ووسعه للربوبية بالعلم والمعرفة الخاصة. والله تعالى أعلم. ولما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت....
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} منقطع لفظاً ومعنىً عن سابقه، او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: قد عرفنا حال الكافر المطلق والمؤمن فما حال الكافر الصّادّ عن سبيل الله؟- فقال: انّ الّذين كفروا {وَيَصُدُّونَ} اتى بالمضارع اشعاراً بانّ الكفر امر وحدانىّ ثابت بخلاف الصّدّ فانّه امر متجدّد الحصول، وللاشارة الى انّ الكافر يصير شيمته الصّدّ على سبيل الاستمرار التّجدّدى {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} هو سبيل القلب الّذى تكوينيُّهُ ولاية تكوينيّة وتكليفيُّهُ ولاية تكليفيّة ولا سبيل لله سواه، وكلّما عدّ سبيل او فسّر سبيل الله به فهو سبيل الله لكونه سبيلاً الى سبيل القلب {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الصّورىّ او المعنوىّ وهو القلب {ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً} مفعول ثان لجعلنا او حال وقوله {ٱلْعَاكِفُ فِيهِ} مرفوعه سواء جعل سواء وصفاً او مصدراً فى معنى الوصف وقد مضى وجه كون الكعبة موضوعاً لانتفاع النّاس فى آل عمران، وقرئ سواء بالرّفع فيكون خبراً مقدّماً او مبتدءً مكتفياً بمرفوعه عن الخبر {وَٱلْبَادِ} باسقاط الياء فى الوقف واجرائه حال الوصل على الوقف والمراد بالبادى مطلق المسافر يعنى الخارج الى البادية سواء سكن البادية ام لا، والمراد بالمسجد الحرام الحرم وما حواه او مكّة او المسجد نفسه وفى اخبارنا تصريحات بانّ المراد مكّة ودورها لا يجوز اخذ الاجر عليها ولا يجوز ان يجعل عليها ابوابٌ وانّ اوّل من جعل على داره مصراعين معاوية وانّه صاحب السّلسلة الّتى قال الله تعالى: {أية : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً} تفسير : [الحاقة: 32]، وكان الطّارين اذا قدموا نزلوا على الحاضرين فى دورهم، وقرئ العاكف بالجرّ بدلاً من النّاس وحذف خبر انّ اتّكالاً على جزاء ما يأتى من قوله {وَمَن يُرِدْ فِيهِ} اى من يرد فى المسجد او فى سبيل الله شيئاً حذف المفعول لارادة التّعميم {بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} بدل من قوله بالحادٍ او صلة للالحاد او هما حالان متداخلان او مترادفان، او بالحادٍ صلة يرد وبظلمٍ حال، وقرئ يرد بفتح الياء من ورد {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذْ بَوَّأْنَا} واذكر او ذكّر قومك اذ بوّأنا {لإِبْرَاهِيمَ} اى عيّنّا على ما ورد انّ الله أرسل ريحاً فكنس مكان البيت فظهر اسّ البيت الّذى نزل لآدم (ع) من الجنّة فبنى ابراهيم (ع) البيت على ذلك او لام لابراهيم زائدة {مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} اى بيت الكعبة ولمّا كان الظّاهر عنوان الباطن فايواء ابراهيم (ع) مكان البيت او تعيينه له كان عنواناً لايوائه الى القلب وتعيين محلّ القلب له لينجذب اليه ويخلص التّوحيد له ولذلك قال تعالى {أَن لاَّ تُشْرِكْ} ان تفسيريّة لكون بوّأنا فى معنى القول او مصدريّة بتقدير الّلام {بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} الظّاهر والباطن من الاصنام الظّاهرة والباطنة ومن النّجاسات الظّاهرة ولوث الرّذائل الباطنة {لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ} الدّاعين لله فى القيام وبالقيام عنده او القائمين بامور العباد الكافين لهم {وَٱلرُّكَّعِ} الخاضعين لله او المنحنين لمرمّة معاشهم والمكبّين على وجوههم غير مرتفعين رؤسهم، او المفتقرين المحتاجين بحسب الدّنيا او الآخرة {ٱلسُّجُودِ} المتواضعين غاية التّواضع او المبتلين بمرمّة معاشهم بحيث لا يمكنهم الخلاص منها فى الكبير او الصّغير.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} أي: الهدى، يعني المشركين {وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ} أي: ويصدّون عن المسجد الحرام {الذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} أي: قِبلة ونسكاً. وقوله: {سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ} أي: الساكن فيه {وَالبَادِ}. قال بعضهم: العاكف فيه أهل مكة، والبادي من يقصده، أي: ينتابه من الناس للحج والعمرة، وهما سواء في حرمه ومناسكه وحقوقه. قوله: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} أي: بشرك {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. قال بعضهم: من لجأ إلى حرم الله ليعبد فيه غير الله عذّبه الله. تفسير الكلبي: الإِلحاد: الميل عن عبادة الله إلى الشرك. قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ} ذكروا عن ابن عباس أنه قال: موضع البيت [ربوة بيضاء حولها] حجارة موسومة حولها حرجة من سَمُر نابت. فهو قوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ} أي: أعلمناه {مَكَانَ البَيْتِ}. قوله: {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} أي: من عبادة الأوثان وقول الزور والمعاصي. ذكروا أن عائشة قالت: كسوة البيت على الأمراء، ولكن طيِّبوا البيت فإن ذلك من تطهيره. قوله: {لِلطَّآئِفِينَ وَالقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (لِلطَّآئِفِينَ) يعني أهل الطواف، (والقَآئِمِينَ) يعني أهل مكة، (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) يعني أهل الصلاة يصلّون إليه.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ} الناس اي يمنعونهم أو من الصد اللازم أي يعرضون {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} والمضارع للاستمرار ولذا حسن عطفه على الماضي كقولك: (زيد يعطي) أي الاعطاء عادته وليس يريد يعطي الآن أو سيعطي. وقيل: (الواو) للحال وصاحب الحال (واو) كفروا وفيه نظر لان المضارع المثبت لا يقرن بواو الحال الا ان اريد وهم يصدون خبر (ان) محذوف يدل عليه (نذقه من عذاب اليم) يقدر بعد أليم أو بعد البادي أي معذبون أو نذيقهم أو خسروا أو هلكوا {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} عطف على سبيل. وقيل: على اسم (الله) فيكون المعنى وعن سبيل المسجد الحرام {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} متعلق بجعلناه أو حال من الهاء أو من الذي {سَوَآءً العَاكِفُ} المقيم مبتدا خبره سواء والجملة مفعول ثان لـ (جعل) {فِيهِ} متعلق بالعاكف ويقدر مثله لسواء أو بالعكس {وَالبَادِ} الطارئ باثبات الباء وصلا عند ورش وابي عمرو وحذفها الباقون. ويجوز كون (الناس) متعلقا بمحذوف مفعول ثان والجملة بعده حال من الضمير المستتر في (للناس) أو من (الذي) أو من (الهاء). وقرأ حفص بنصب (سواء) على انه مفعول ثان وان جعلنا المفعول الثاني (للناس) فسواء حال من (الذي) أو (الهاء) أو (الناس) والعاكف فاعل سواء. وقرئ بجر العاكف بدلا من الناس (بدل كل) باعتبار عطف البادي والمراد العموم أي حاضر وباد ومقيم وطارئ ومكي وغيره. والآية نزلت عام الحديبية حين صدوا النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه. وقال أبو حنيفة واصحابة: المسجد الحرام مكة والحرم واستدلوا بقوله: (سواء العاكف فيه والبادي) بان بيع دور مكة واجارتها لا يجوزان ولا يخفى ما في تفسير (المسجد الحرام) بمكة من الضعف مع ان ذلك معارض بقوله: (الذين اخرجوا من ديارهم) فنسبة الديار إليهم دليل على انها ملكهم واشترى عمر دار السجن فيها باربعة آلاف درهم من غير ان ينكر عليه وهو في ظهور وقدرة ولولا انها ملك لصاحبها لانكروا عليه لانه يؤدي إلى منع اصحاب الدور دورهم الا بنحو البيع. ومذهب الشافعي جواز البيع والاجارة ودليله ما ذكر وقوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح "حديث : من اغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن"تفسير : فنسب الديار إليهم وهو قول طاوس وعمرو بن دينار والتسوية انما هي في تعظيم المسجد وقضاء النسك وهو قول مجاهد والحسن. وعن جبير بن مطعم عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : يا بني عبد مناف لا تمنعوا احدا الطواف والصلاة بهذا البيت ليلا أو نهارا " تفسير : وقول أبي حنيفة منسوب لابن عباس وابن جبير وقتادة وابن زيد من سبق إلى منزل فهو أحق به حتى يقضي حاجته. قال عبد الرحمن بن ساباط كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة أحق بمنزلة منهم كان عمر ينهى الناس ان يغلقوا ابوابهم في الموسم ووجه ذلك انه صلى الله عليه وسلم ملك مكة والحرم من غير قتال وجعلها في سبيل الله. ومذهبنا معشر الاباضية ان الاجرة على دور مكة مكروهة وجازت بلا كراهة على نحو الخشب والبيع كالاجارة. وقيل: الكراهة للمنع من الاقامة {وَمَن يُرِدْ فِيه} في المسجد الحرام {بِإِلْحَادِ} مصدر منون واحدى شكلتي الدال تصور كالميم اشعارا بان التنوين يقرأ إلى جهة الميم لمجئ الباء بعده. قال ابن هشام: والباء زائدة في المفعول به والالحاد الشرك وعبادة غير الله. وقيل: كل منهيّ عنه فى قول أو فعل حتى شتم الخادم. وقيل: دخول الحرام بغير إحرام وقتل صيد وقطع شجر ونحو ذلك. وقيل: ادخار الطعام بمكة وهو قول ابن جبير. ورواية عن ابن عباس وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : احتكار الطعام في الحرم الحاد فيه " تفسير : قيل الالحاد منع الناس من عمارته وقيل: الكذب. قال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات وذلك كله ظلم للنفس وبعضه ظلم للغير ايضا كما قال {بِظُلْمٍ} متعلق بالحاد. وعن ابن عباس (الالحاد بالظلم) ان تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم فيه من لا يظلمك * {نُّذِقْهُ مِنْ} للتبعيض أو زائدة عن بعض أو للابتداء {عَذَابٍ أَلِيمٍ} عن ابن مسعود وجماعة لو ان رجلا همّ بخطيئة لم تكتب عليه حتى يفعلها وان همّ بقتله بمكة كتب عليه قتله واذاقه الله من عذاب اليم. قال السدي: (الا ان تاب) وكان عبد الله بن عمر يضرب فسطاطا في الحرم وآخر في الحل وإذا اراد ان يعاتب اهله عاتبهم في الحل فسئل عن ذلك قال: كنا نعد من الالحاد فيه قول الرجل كلا والله وبلى والله. وعن عطاء (الالحاد) قول الرجل في المبايعه: لا والله وبلى والله وكان بعض لا يقضي حاجة الانسان الا في الحل. وقيل: الباء في (بالحاد) غير زائدة فاما لان مفعولا يرد مقدار أي معصية أو تركا يتناول كل متناول واما لتضمينه معنى الاهتمام أي ومن اهتم بالحاد وهو قول ابن العربي. وقرئ بالفتح للباء من الورود أي باءت بالحاد. وقيل: بالحاد وبظلم حالان أو بظلم بدل من بالحاد.
اطفيش
تفسير : خبر إن محذوف يقدر بعد أليم، هكذا هلكوا أو خسروا ولا بأس بهذا لقول، لأنه بالعطف والنعت، وصلة النعت، وذلك أن المسجد معطوف على سبيل، أو الله، والذى نعت كالحرام، وجعلناه للناس صلة، وسراء خبر مقدم للعاكف والبادى، والجملة مفعول ثان، وللناس متعلق بجلعناه، أو هو الثانى، والجملة حال أو مفعول ثان متعدد، وجملة الشرط بعد معطوفة على الصلة كقولك: أعجبنى الذى أكرمك، ومن اساء إلأيه عفا عنه، تريد أعجبنى الجامع بين الإكرام والعفو. ومعنى يصدون صدوا لأنها نزلت فى أبى سفيان إذ صد النبى صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية، فالمضارع لاستحضار ماضى، ومما وفقت لاستخراجه أن فى مواضع من القرآن التعبير عن الفعل لواقع مرة بصيغة التكرير، لأن صاحبه من شأنه أن يكرره، ولو لم يكرره فتحتمله الآية، والمسجد الحرام مكة كلها، وعبر عنها بجزئها الأعظم المراد بالذات، والعاكف المقيم، والبادى الحادث، والإقامة ليست فى المسجد، بل فى مكة، فهى المراد بالمسجد، ويجوز بيع دور مكة وأرضها وكرائها أولا، أو أرضها أو جاز فى غير الموسم، وإلحاد مفعول، والباء صلة أو المفعول محذوف، أى يرد شيئاً، والالحاد العدول عن الحق، ويظلم متعلق به، ومن الإلحاد فيه احتكار الطعام فيه، كما جاء فى الحديث، ودخوله بلا إحرام والهم فيها بمعصية ولو لم يفعلها، وقيل: الالحاد الشرك، وتضاعف السيئة فيها، وتكتب إرادتها. وجعل ابن عمر منزلا فى الحرم، وآخر فى الحل، فقيل له، فقال: لأن الحسنة فى الحرم أفضل فهو يصلى فيه، والخطيئة فيه أعظم، فهو حال غير العبادة فى الحل، والحرم مما يلى المدينة ثلاثة أميال، ومما يلى العراق، والطائف واليمن سبعة، ومما يلى جدة عشرة، ومما يلى جعرانة ستة.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وعيد لصنف من الكفرة، وحسن عطف المضارع على الماضي لما أنه لم يرد بالمضارع حال أو استقبال كما في قولهم: فلان يحسن إلى الفقراء فإن المراد به استمرار وجود الإحسان، وقيل: {يَصِدُّونَ} بمعنى صدوا إلا أنه عبر بالمضارع استحضاراً للصورة الماضية تهويلاً لأمر الصد، وقيل لا عطف بل الجملة خبر مبتدأ محذوف والمجموع في موضع الحال من فاعل {كَفَرُواْ} أي وهم يصدون، وجوز أن تكون الجملة حالاً من غير تقدير مبتدأ لشبهها بالجملة الاسمية معنى وخبر إن محذوف لدلالة آخر الآية الكريمة عليه أي نذيقهم من عذاب اليم، وقدره الزمخشري بعد {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وتعقبه أبو حيان بأنه لا يصح لما فيه من الفصل بين الصفة وهو {ٱلْمَسْجِدِ} والموصوف وهو {ٱلَّذِى}. وأجيب باحتمال أنه جعل {ٱلَّذِى} نعتاً مقطوعاً، وقدره ابن عطية بعد {وَٱلْبَادِ} وهو أولى إلا أنه قدر خسروا أو هلكوا وتقدير نذيقهم الخ أولى منه، وقيل الواو في {وَيَصُدُّونَ} زائدة والجملة بعده خبر {إن}. وتعقبه ابن عطية بأنه مفسد للمعنى المراد وغيره بأن البصريين لا يجيزون زيادة الواو والقول بجواز زيادتها قول كوفي مرغوب عنه، والظاهر أن {المسجد} عطف على {سَبِيلٍ} وجوز أن يكون معطوفاً على الاسم الجليل، والآية على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في أبـي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم عام الحديبية عن المسجد الحرام فكره عليه الصلاة والسلام أن يقاتلهم وكان محرماً بعمرة ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل. والمراد بالمسجد الحرام مكة وعبر به عنها لأنه المقصود المهم منها، ويدل على ذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ} أن كائناً من كان من غير فرق بين مكي وآفاقي {سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} أي المقيم فيه والطارىء فإن الإقامة لا تكون في المسجد نفسه بل في منازل مكة وفي وصفه بذلك زيادة التشنيع على الصادين عنه، وقد استشهد بعض الأئمة بالآية على عدم جواز بيع دور مكة وإجارتها وإلا لما استوى العاكف فيها والباد، وقد ورد التصريح بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، فروي من عدة طرق أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : مكة حرمها الله تعالى لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها» تفسير : وذكر ابن سابط أن دور أهل مكة كانت بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل باباً فأنكر عليه عمر رضي الله تعالى عنه قال: أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله تعالى؟ فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة فتركه فاتخذ الناس الأبواب، وأخرج ابن ماجه وابن أبـي شيبة عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن، وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل ناراً في بطنه لأن الناس في الانتفاع بها سواء، وجاء صدره من رواية الدارقطني مرفوعاً. وفي «النهاية» لا بأس ببيع بناء مكة ويكره بيع أرضها وهذا عند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال: لا بأس ببيع أرضها وهو رواية عنه أيضاً وهو مذهب الشافعي عليه الرحمة وعليه الفتوى. وفي «تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار» وجاز بيع بناء بيوت مكة وأرضها بلا كراهة وبه قال الشافعي وبه يفتي عيني. وفي «البرهان» في باب العشر ولا يكره بيع أرضها كبنائها وبه يعمل. وفي «مختارات النوازل» لصاحب «الهداية» لا بأس ببيع بنائها وإجارتها / لكن في الزيلعي وغيره يكره إجارتها، وفي آخر الفصل الخامس من «التاتار خانية» و«إجارة الوهبانية» قال أبو حنيفة: أكره إجارة بيوت مكة في أيام الموسم؛ وكان يفتي لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم لقوله تعالى: {سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} ورخص فيها في غير أيام الموسم؛ انتهى فليحفظ، قلت: وبهذا يظهر الفرق والتوفيق انتهى. والذي يفهم من «غاية البيان» أن القول بكراهة إجارة بيوتها أيام الموسم مما لم يتفرد به الإمام بل وافقه عليه صاحباه حيث نقل عن «تقريب الإمام الكرخي» ما نصه وروى هشام عن أبـي يوسف عن أبـي حنيفة أنه كره إجارة بيوت مكة في الموسم ورخص في غيره، وكذا قال أبو يوسف، وقال هشام: أخبرني محمد عن أبـي حنيفة أنه يكره كراء بيوت مكة في الموسم ويقول لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم إن كان فيها فضل وإن لم يكن فلا وهو قول محمد انتهى. والذي تحرر مما رأيناه من أكثر معتبرات «كتب ساداتنا الحنفية» أن جواز بيع بناء البيوت متفق عليه لأنه ملك لمن بناه كمن بنى في أرض الوقف بإذن المتولي، ولا يقال: إنه بناء غاصب كمن بنى بيتاً في جامع لظهور الإذن هنا دونه ثمة، وكذا كراهة الإجارة في أيام الموسم وأما بيع الأرض فعند الإمامين جائز بلا كراهة قولاً واحداً وعن الإمام روايتان الجواز وعدمه والمفتي به الجواز، ومستند من يجوز من الكتاب الجليل هذه الآية. وأجاب أصحاب الشافعي عنها أن المسجد الحرام في المطاف والعاكف في المعتكف للعبادة المعدود من أهل المسجد لملازمته له أظهر، وكذلك المساواة في أنه من شعائر الله تعالى المنصوبة لكل عاكف وباد أوضح وهو المقابل للموصوف بالصد عن سبيل الله تعالى والمسجد الحرام خاصة فما كانوا يصدون عن مكة ولا أن الصد عنها لغير مريد النسك معصية وأي مدخل لحديث التمليك وعدمه في هذا المساق. والاستدراك بأن له مدخلاً على سبيل الإدماج وإشارة النص كلام لا طائل تحته، وقد فسر {سَوَآء} بما فسر كذا في «الكشف». وقد جرت مناظرة بمكة بين الشافعي وإسحٰق بن راهويه الحنظلي وكان إسحٰق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقّ } تفسير : [الحج: 40] فأضيفت الديار إلى مالكيها وقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة « حديث : من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبـي سفيان فهو آمن » تفسير : وبأنه قد اشترى عمر رضي الله تعالى عنه دار السجن أترى أنه اشترى من مالكيها أو غير مالكيها قال إسحٰق: فلما علمت أن الحجة قد لزمتني تركت قولي، وأجاب بعضهم أن الإضافة إلى مالكي منفعة السكنى وأن عمر رضي الله تعالى عنه اشترى البناء دون الأرض وأرضى بالثمن من أنفق مالاً فيه لحاجة العامة وللإمام من ذلك ما ليس لغيره. وتعقب بأن الاستدلال بالظاهر والعدول عن الظاهر دون سند أقوى غير ملتفت إليه، ولذا قال ابن راهويه وهو أحد أركان المسلمين وعلم من أعلام الدين ما قال. والظاهر أن الأخبار المصرحة بتحريم البيع والإجارة لم تصح عند الشافعي رضي الله تعالى عنه، وعند من قال بمثل قوله. ونصب {سَوَآء} على أنه مفعول ثان لجعلنا، والأول الضمير الغائب المتصل و {ٱلْعَـٰكِفُ} مرتفع به لأنه بمعنى مستو وإن كان في الأصل مصدراً، ومن كلامهم مررت برجل سواء هو والعدم، واللام ظرف لما عنده. وجوز أن يكون {لِلنَّاسِ} في موضع المفعول الثاني أي جعلناه مباحاً للناس أو معبداً لهم و {سَوَآء} حالاً من الهاء وكذا يكون حالاً إذا لم يعد الجعل إلى مفعولين. / وقرأ الجمهور {سوآء} بالرفع على أنه خبر و{العاكف} مبتدأ، وضعف العكس لما فيه من الإخبار بالمعرفة عن النكرة، والجملة في موضع المفعول الثاني أو الحال، وجوز أن تكون تفسيرية لجعله للناس؛ وقرأت فرقة منهم الأعمش في رواية القطعي {سَوَآء} بالنصب {ٱلْعَـٰكِفُ فِيه} بالجر، ووجه النصب ما تقدم، ووجه جر {ٱلْعَـٰكِفُ} أنه بدل تفصيل من الناس، وقيل: هو عطف بيان. وقرىء {والبادي} بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، وقرىء بتركها فيهما وبإثباتها وصلاً وحذفها وقفاً. {وَمَن يُرِدْ فِيهِ} مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول أي ومن يرد فيه شيئاً ما أو مراداً ما، وقدر ابن عطية المفعول الناس أي ومن يرد فيه الناس. وقوله تعالى: {بِإِلْحَادٍ} أي عدول عن القصد أي الاستقامة المعنوية، وأصله إلحاد الحافر {بِظُلْمٍ} بغير حق حالان مترادفان أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار والباء فيهما للملابسة، أو الأول حال والثاني متعلق به والباء فيه للسببية أي ملحداً بسبب الظلم كالإشراك واقتراف الآثام، وقال أبو عبيدة: الباء زائدة و {إلحاد} مفعول {يُرِدْ} وأنشد عليه قول الأعشى: شعر : ضمنت برزق عيالنا أرماحنا تفسير : وأيد بقراءة الحسن {وَمَن يُرِدِ إلحاده بِظُلْمٍ} وهي على معنى إلحاداً فيه إلا أنه توسع فقيل إلحاده، وقال أبو حيان: الأولى أن يضمن «يرد» معنى يتلبس وتجعل الباء للتعدية. وقرأت فرقة «يرد» بفتح الياء من الورود. وحكاها الكسائي. والفراء أي من أتى فيه بإلحاد الخ، وتفسير الإلحاد بما ذكر هو الظاهر فيشمل سائر الآثام لأن حاصل معناه الميل عن الحق إلى الباطل وهو محقق في جميع الآثام، وكذا المراد بالظلم عند جمع وجمعهما على هذا للتأكيد، وقيل: المراد بذلك الشرك ولم يرتضه ابن أبـي مليكة، فقد أخرج عبد بن حميد أنه سئل عن قوله تعالى: {وَمَن يُرِدِ} الخ فقال: ما كنا نشك أنها الذنوب حتى جاء أعلاج من أهل البصرة إلى أعلاج من أهل الكوفة فزعموا أنها الشرك. وأخرج أبو داود وغيره عن يعلى بن أمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه، وهو من ذكر بعض الأفراد لاقتضاء الحال إياه، وجعل بعضهم من ذلك دخوله من غير إحرام، وروي عن عطاء تفسير الإلحاد به. وأخرج ابن جرير وجماعة عن مجاهد قال: كان لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يصلي صلى في الذي في الحرم وإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الذي في الحل فقيل له فقال: نحدث أن من الإلحاد فيه لا والله بلى والله. {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} جواب لمن الشرطية. والظاهر أن الوعيد على إرادة ذلك مطلقاً فيفيد أن من أراد سيئة في مكة ولم يعملها يحاسب على مجرد الإرادة وهو قول ابن مسعود وعكرمة وأبـي الحجاج، وقال الخفاجي: الوعيد على الإرادة المقارنة للفعل لا على مجرد الإرادة لكن في التعبير بها إشارة إلى مضاعفة السيئات هناك والإرادة المصممة مما يؤاخذ عليها أيضاً وإن قيل إنها ليست كبيرة، وقد روي عن مالك كراهة المجاورة بمكة انتهى، وإلى مضاعفة السيئة في مكة ذهب مجاهد، فقد أخرج عنه ابن المنذر وغيره أنه قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات، وقال رحمه الله تعالى: سألت ابن عمر وكان منزله في الحل ومسجده في الحرم لم تفعل هذا؟ فقال: لأن العمل في الحرم أفضل والخطيئة فيه أعظم فينبغي لمن كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد في جميع ما يهم به ويقصده. والظاهر أن هذه الإذاقة في الآخرة، وقيل كان قبل أن يستحله أهله تعجل العقوبة في الدنيا لمن قصده / بسوء. وأخرج ابن أبـي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال في الآية. حدثنا رجل سمعه من عقب المهاجرين والأنصار أنهم أخبروه أن أيما أحد أراد به ما أراد أصحاب الفيل عجل لهم العقوبة في الدنيا وقال: إنما يوفى استحلاله من قبل أهله، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما ينفعك في هذا المطلب. وحد بعضهم الحرم بقوله: شعر : وللحرم التحديد من أرض طيبة ثلاثة أميال إذا رمت اتقانه وسبعة أميال عراق وطائف وجدة عشر ثم تسع جعرانه ومن يمن سبع بتقديم سينه وقد كملت فاشكر لربك إحسانه تفسير : وأما المسجد الحرام فيطلق على الحرم كله عند عطاء فيكون حده ما ذكر. وفي «البحر العميق» عن أبـي هريرة قال: إنا لنجد في كتاب الله تعالى أن حد المسجد الحرام إلى آخر المسعى، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أساس المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام من الحزورة إلى مخرج مسيل جياد، وقد ذكروا أن طول المسجد اليوم أربعمائة ذراع وأربعة أذرع وعرضه ثلثمائة ذراع. وحكي أنه لم يكن كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن له جدار يحيط به فلما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وسع المسجد واشترى دوراً فهدمها وأدخلها فيه ثم أحاط عليه جداراً قصيراً دون القامة وكانت المصابيح توضع عليه، ثم لما استخلف عثمان اشترى دوراً أيضاً ووسع بها وبنى المسجد والأروقة، ثم إن عبد الله بن الزبير زاد سنة بضع وستين في المسجد زيادة كثيرة في خلافته، ومن ذلك بعض دار الأزرقي اشتراه بسبعة آلاف دينار، ثم عمره بعد ذلك عبد الملك بن مروان ولم يزيد فيه لكن رفع جدار المسجد وحمل إليه أعمدة الحجارة والرخام، ثم إن المنصور زاد في شقة الشامي وبناه وجعل فيه أعمدة من الرخام، ثم زاد المهدي بعده مرتين وكانت الكعبة في جانب المسجد فأحب أن تكون في الوسط فاشترى دوراً وزاد في المسجد ووسطها كذا ذكره النووي. وفي «البحر العميق» أن زيادة المهدي هي التي تلي دار الندوة خلف مقام الحنفي، ثم لما انتهت الدولة إلى سلاطين آل عثمان أبقى الله تعالى دولتهم ما دام الدوران لم يألوا جهداً في خدمته والسعي في مرمته.
سيد قطب
تفسير : انتهى الدرس الماضي بتصوير عاقبة الخصام في الله، ومشهد الجحيم الحارق للكافرين، والنعيم الوارف للمؤمنين. وبهذه النهاية يتصل الدرس الجديد، فيتحدث عن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام. وهم الذين كانوا يواجهون الدعوة الإسلامية في مكة، فيصدون الناس عنها؛ ويواجهون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين فيمنعونهم من دخول المسجد الحرام. وبهذه المناسبة يتحدث عن الأساس الذي أقيم عليه ذلك المسجد يوم فوض الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ في بنائه، والأذان في الناس بالحج إليه. ولقد كلف إبراهيم أن يقيم هذا البيت على التوحيد، وأن ينفي عنه الشرك، وأن يجعله للناس جميعاً، سواء المقيم فيه والطارئ عليه، لا يمنع عنه أحد، ولا يملكه أحد. ويستطرد إلى بعض شعائر الحج وما وراءها من استجاشة القلوب للتقوى وذكر الله والاتصال به.. وينتهي إلى ضرورة حماية المسجد الحرام من عدوان المعتدين الذين يصدون عنه ويغيرون الأساس الذي قام عليه؛ وبوعد الله للمدافعين بالنصر متى نهضوا بالتكاليف التي تفرضها حماية العقيدة. {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس، سوآء العاكف فيه والباد. ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}.. وكان ذلك فعل المشركين من قريش: أن يصدوا الناس عن دين الله ـ وهو سبيله الواصل إليه، وهو طريقه الذي شرعه للناس، وهو نهجه الذي اختاره للعباد ـ وأن يمنعوا المسلمين من الحج والعمرة إلى المسجد الحرام ـ كما فعلوا عام الحديبية ـ وهو الذي جعله الله للناس منطقة أمان ودار سلام، وواحة اطمئنان. يستوي فيه المقيم بمكة والطارئ عليها. فهو بيت الله الذي يتساوى فيه عباد الله، فلا يملكه أحد منهم، ولا يمتاز فيه أحد منهم: {سواء العاكف فيه والباد}. ولقد كان هذا المنهج الذي شرعه الله في بيته الحرام سابقاً لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام. يلقى فيها السلاح، ويأمن فيها المتخاصمون، وتحقن فيها الدماء، ويجد كل أحد فيها مأواه. لا تفضلاً من أحد، ولكن حقاً يتساوى فيه الجميع. ولقد اختلفت أقوال الفقهاء في جواز الملكية الفردية لبيوت مكة غير المسكونة بأهلها. وفي جواز كراء هذه البيوت عند من أجاز ملكيتها.. فذهب الشافعي رحمة الله ـ إلى أنها تملك وتورث وتؤجر محتجاً بما ثبت من أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ اشترى من صفوان بن أمية داراً بأربعة آلاف درهم فجعلها سجناً. وذهب إسحاق بن راهوية ـ رحمه الله ـ إلى أنها لا تورث ولا تؤجر، قال: توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة (جمع ربع) إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وقال عبد الرزاق عن مجاهد عن أبيه عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم ـ أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها. وقال أيضاً عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم. وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن تبويب دور مكة لأن ينزل الحاج في عرصاتها. فكان أول من بوّب سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: انظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجراً، فأردت أن أتخذ لي بابين يحبسان لي ظهري (أي ركائبي) قال: فلك ذلك إذن. وقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث يشاء.. وتوسط الإمام أحمد - رحمه الله - فقال: تملك وتورث ولا تؤجر. جمعاً بين الأدلة. وهكذا سبق الإسلام سبقاً بإنشاء واحة السلام، ومنطقة الأمان، ودار الإنسان المفتوحة لكل إنسان! والقرآن الكريم يهدد من يريد اعوجاجاً في هذا النهج المستقيم بالعذاب الأليم: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب اليم}.. فما بال من يريد ويفعل؟ إن التعبير يهدد ويتوعد على مجرد الإرادة زيادة في التحذير، ومبالغة في التوكيد. وذلك من دقائق التعبير. ومن دقائق التعبير كذلك أن يحذف خبر إن في الجملة: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام...} فلا يذكرهم ما لهم؟ ما شأنهم؟ ما جزاؤهم كأن مجرد ذكر هذا الوصف لهم يغني عن كل شيء آخر في شأنهم، ويقرر أمرهم ومصيرهم! ثم يرجع إلى نشأة هذا البيت الحرام، الذي يستبد به المشركون، يعبدون فيه الأصنام، ويمنعون منه الموحدين بالله، المتطهرين من الشرك.. يرجع إلى نشأته على يد إبراهيم ـ عليه السلام ـ بتوجيه ربه وإرشاده. ويرجع إلى القاعدة التي أقيم عليها وهي قاعدة التوحيد. وإلى الغرض من إقامته وهو عبادة الله الواحد، وتخصيصه للطائفين به والقائمين لله فيه: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً، وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين والركع السجود. وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق}.. فللتوحيد أقيم هذا البيت منذ أول لحظة. عرف الله مكانه لإبراهيم ـ عليه السلام ـ وملكه أمره ليقيمه على هذا الأساس: {أن لا تشرك بي شيئاً} فهو بيت الله وحده دون سواه. وليطهره به من الحجيج، والقائمين فيه للصلاة: {وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} فهؤلاء هم الذين أنشئ البيت لهم، لا لمن يشركون بالله، ويتوجهون بالعبادة إلى سواه. ثم أمر الله إبراهيم عليه السلام ـ باني البيت ـ إذا فرغ من إقامته على الأساس الذي كلف به أن يؤذن في الناس بالحج؛ وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام ووعده أن يلبي الناس دعوته، فيتقاطرون على البيت من كل فج، رجالا يسعون على أقدامهم، وركوباً {على كل ضامر} جهده السير فضمر من الجهد والجوع: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}.. وما يزال وعد الله يتحقق منذ إبراهيم ـ عليه السلام ـ إلى اليوم والغد. وما تزال أفئدة من الناس تهوى إلى البيت الحرام؛ وترف إلى رؤيته والطواف به.. الغني القادر الذي يجد الظهر يركبه ووسيلة الركوب المختلفة تنقله؛ والفقير المعدم الذي لا يجد إلا قدميه. وعشرات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة تلبية لدعوة الله التي أذن بها إبراهيم ـ عليه السلام ـ منذ آلاف الأعوام.. ويقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته: {ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق}.. والمنافع التي يشهدها الحجيج كثير. فالحج موسم ومؤتمر. الحج موسم تجارة وموسم عبادة. والحج مؤتمر اجتماع وتعارف، ومؤتمر تنسيق وتعاون. وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة.. أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقاً رائجة، حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء.. من أطراف الأرض؛ ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم.. يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد. فهو موسم تجارة ومعرض نتاج؛ وسوق عالمية تقام في كل عام. وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام. وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد.. طيف إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ وهو يودع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمه، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه: {أية : ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. ربنا ليقيموا الصلاة. فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون }.. تفسير : وطيف هاجر، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة المتلهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش، وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل.. ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء. وإذا هي زمزم. ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب. وطيف إبراهيم ـ عليه السلام - وهو يرى الرؤيا، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد: {أية : قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟} تفسير : فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل ـ عليه السلام -: {أية : قال يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين}..تفسير : وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء: {أية : وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنَّا كذلك نجزي المحسنين. إن هـذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم }.. تفسير : وطيف إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ يرفعان القواعد من البيت، في إنابة وخشوع: {أية : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم }.. تفسير : وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتتابع، حتى يلوح طيف عبد المطلب، وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء. وإذا هو عبد الله. وإذا عبد المطلب حريصاً على الوفاء بالنذر. وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء، والقدح يخرج في كل مرة على عبد الله، حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة. فيقبل منه الفداء، فينحر مائة وينجو عبد الله. ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله ـ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ثم يموت! فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير! ثم تتواكب الأطياف والذكريات. من محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى، حول هذا البيت.. وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفئ الفتنة التي كادت تنشب بين لقبائل.. وهو يصلي.. وهو يطوف.. وهو يخطب.. وهو يعتكف.. وإن خطواته ـ عليه الصلاة والسلام ـ لتنبض حية في الخاطر، وتتمثل شاخصة في الضمير، ويكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات.. وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وتدف فوق هذا الثرى، حول ذلك البيت، تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار! والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة. مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: {أية : ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هـذا}..تفسير : ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعاً إليه: هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعاً ويلتقون عليها جميعاً.. ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها.. راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان.. ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حيناً. قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين. الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد.. راية العقيدة والتوحيد. وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب. وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام. في ظل الله. بالقرب من بيت الله. وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة، والذكريات الغائبة والحاضرة. في أنسب مكان، وأنست جو، وأنسب زمان.. فذلك إذ يقول الله سبحانه: {ليشهدوا منافع لهم}.. كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته. وذلك بعض ما أراده الله بالحج يوم أن فرضه على المسلمين، وأمر إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن يؤذن به في الناس. ويمضي السياق يشير إلى بعض مناسك الحج وشعائره وأهدافها: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}.. وهذه كناية عن نحر الذبائح في أيام العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده. والقرآن يقدم ذكر اسم الله المصاحب لنحر الذبائح، لأن الجو جو عبادة ولأن المقصود من النحر هو التقرب إلى الله. ومن ثم فإن أظهر ما يبرز في عملية النحر هو ذكر اسم الله على الذبيحة. وكأنما هو الهدف المقصود من النحر لا النحر ذاته.. والنحر ذكرى لفداء إسماعيل ـ عليه السلام ـ فهو ذكرى لآية من آيات الله وطاعة من طاعات عبديه إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ فوق ما هو صدقة وقربى لله بإطعام الفقراء. وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم والمعز. {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}.. والأمر بالأكل من الذبيحة يوم النحر هو أمر للإباحة أو الاستحباب. أما الأمر بإطعام البائس الفقير منها فهو أمر للوجوب. ولعل المقصود من أكل صاحبها منها أن يشعر الفقراء أنها طيبة كريمة. وبالنحر ينتهي الإحرام فيحل للحاج حلق شعره أو تقصيره، ونتف شعر الإبط، وقص الأظافر والاستحمام. مما كان ممنوعاً عليه في فترة الإحرام، وهو الذي يقول عنه: {ثم ليقضوا تفثهم، وليوفوا نذورهم} التي نذروها من الذبائح غير الهدي الذي هو من أركان الحج. {وليطوّفوا بالبيت العتيق}.. طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفات. وبه تنتهي شعائر الحج. وهو غير طواف الوداع. والبيت العتيق هو المسجد الحرام أعفاه الله فلم يغلب عليه جبار. وأعفاه الله من البلى والدثور، فما يزال معموراً منذ إبراهيم عليه السلام ولن يزال. تلك قصة بناء البيت الحرام، وذلك أساسه الذي قام عليه.. بيت أمر الله خليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ بإقامته على التوحيد، وتطهيره من الشرك، وأمره أن يؤذن في الناس بالحج إليه. ليذكروا اسم الله ـ لا أسماء الآلهة المدعاة ـ على ما رزقهم من بهمية الأنعام. ويأكلوا منها ويطعموا البائس الفقير على اسم الله دون سواه.. فهو بيت حرام حرمات الله فيه مصونه ـ وأولها عقيدة التوحيد، وفتح أبوابه للطائفين والقائمين والركع السجود ـ إلى جانب حرمة الدماء، وحرمة العهود والمواثيق. وحرمة الهدنة والسلام. {ذلك. ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه. وأحلت لكم الأنعام ـ إلا ما يتلى عليكم ـ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور، حنفاء لله غير مشركين به. ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق}.. وتعظيم حرمات الله يتبعه التحرج من المساس بها. وذلك خير عند الله. خير في عالم الضمير والمشاعر، وخير في عالم الحياة والواقع. فالضمير الذي يتحرج هو الضمير الذي يتطهر والحياة التي ترعى فيها حرمات الله هي الحياة التي يأمن فيها البشر من البغي والاعتداء، ويجدون فيها متابة أمن، وواحة سلام، ومنطقة اطمئنان.. ولما كان المشركون يحرمون بعض الأنعام ـ كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ـ فيجعلون لها حرمة، وهي ليست من حرمات الله بينما هم يعتدون على حرمات الله ـ فإن النص يتحدث عن حل الأنعام إلا ما حرم الله منها ـ كالميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به: {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم}.. وذلك كي لا تكون هنالك حرمات إلا لله؛ وألا يشرع أحد إلا بإذن الله؛ ولا يحكم إلا بشريعة الله. وبمناسبة حل الأنعام يأمر باجتناب الرجس من الأوثان. وقد كان المشركون يذبحون عليها وهي رجس ـ والرجس دنس النفس ـ والشرك بالله دنس يصيب الضمير ويلوث القلوب، ويشوب نقاءها وطهارتها كما تشوب النجاسة الثوب والمكان. ولأن الشرك افتراء على الله وزور، فإنه يحذر من قول الزور كافة: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور}.. ويغلظ النص من جريمة قول الزور إذ يقرنها إلى الشرك.. وهكذا روى الإمام أحمد ـ بإسناده ـ عن فاتك الأسدي قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ الصبح. فلما انصرف قام قائماً فقال: "حديث : عدلت شهادة الزور الإشراك بالله عز وجل" تفسير : ثم تلا هذه الآية.. إنما يريد الله من الناس أن يميلوا عن الشرك كله، وأن يجتنبوا الزور كله، وأن يستقيموا على التوحيد الصادق الخالص: {حنفاء لله غير مشركين به}.. ثم يرسم النص مشهداً عنيفاً يصور حال من تزل قدماه عن أفق التوحيد، فيهوي إلى درك الشرك. فإذا هو ضائع ذاهب بدداً كأن لم يكن من قبل أبداً: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق}.. إنه مشهد الهويّ من شاهق {فكأنما خر من السماء}.وفي مثل لمح البصر يتمزق {فتخطفه الطير} أو تقذف به الريح بعيداً بعيداً عن الأنظار: {أو تهوي به الريح في مكان سحيق} في هوة ليس لها قرار! والملحوظ هو سرعة الحركة مع عنفها وتعاقب خطواتها في اللفظ "بالفاء" وفي المنظر بسرعة الاختفاء.. على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير. وهي صورة صادقة لحال من يشرك بالله، فيهوي من أفق الإيمان السامق إلى حيث الفناء والانطواء. إذ يفقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها. قاعدة التوحيد. ويفقد المستقر الآمن الذي يثوب إليه؛ فتتخطفه الأهواء تخطف الجوارح، وتتفاذفه الأوهام تقاذف الرياح. وهو لا يمسك بالعروة الوثقى، ولا يستقر على القاعدة الثابتة، التي تربطه بهذا الوجود الذي يعيش فيه. ثم يعود السياق من تعظيم حرمات الله باتقائها والتحرج من المساس بها.. إلى تعظيم شعائر الله ـ وهي ذبائح الحج ـ باستسمانها وغلاء أثمانها: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، ثم محلها إلى البيت العتيق}. ويربط بين الهدي الذي ينحره الحاج وتقوى القلوب؛ إذ أن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره. وهذه المناسك والشعائر إن هي إلا رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته. وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من عهد إبراهيم ـ عليه السلام ـ وما تلاه. وهي ذكريات الطاعة والإنابة، والتوجه إلى الله منذ نشأة هذه الأمة المسلمة. فهي والدعاء والصلاة سواء. وهذه الأنعام التي تتخذ هدياً ينحر في نهاية أيام الإحرام يجوز لصاحبها الانتفاع بها. إن كان في حاجة إليها يركبها، أو في حاجة إلى ألبانها يشربها، حتى تبلغ محلها ـ وهو البيت العتيق. ثم تنحر هناك ليأكل منها. ويطعم البائس الفقير. "وقد كان المسلمون على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يغالون في الهدي، يختارونه سميناً غالي الثمن، يعلنون بها عن تعظيمهم لشعائر الله، مدفوعين بتقوى الله. روى عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: "حديث : أهدي عمر نجيباً فأعطى بها ثلاث مائة دينار، فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً، فأعطيت بها ثلاث مائة دينار. أفأبيعها واشتري بثمنها بدناً؟ قال: لا. انحرها إياها ". تفسير : والناقة النجيب التي جاءت هدية لعمر ـ رضي الله عنه ـ قومت بثلاث مائة دينار لم يكن عمر ـ رضي الله عنه ـ يريد أن يضنَّ بقيمتها، بل كان يريد أن يبيعها فيشتري بها نوقاً أو بقراً للذبح. فشاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يضحي بالنجيب ذاتها لنفاستها وعظم قيمتها، ولا يستبدل بها نوقاً كثيرة، قد تعطي لحماً أكثر، ولكنها من ناحية القيمة الشعورية أقل. والقيمة الشعورية مقصودة {فإنها من تقوى القلوب}. وهذا هو المعنى الذي لحظه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقول لعمر ـ رضي الله عنه - "حديث : انحرها إياها"تفسير : هي بذاتها لا سواها! هذه الذبائح يذكر القرآن الكريم أنها شعيرة معروفة في شتى الأمم؛ إنما يوجهها الإسلام وجهتها الصحيحة حين يتوجه بها إلى الله وحده دون سواه: {ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. فإلـهكم إلـه واحد. فله أسلموا وبشر المخبتين، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم، والمقيمي الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون}.. والإسلام يوحد المشاعر والاتجاهات، ويتوجه بها كلها إلى الله. ومن ثم يعنى بتوجيه الشعور والعمل، والنشاط والعبادة، والحركة والعادة؛ إلى تلك الوجهة الواحدة. وبذلك تصطبغ الحياة كلها بصبغة العقيدة. وعلى هذا الأساس حرم من الذبائح ما أهل لغير الله به؛ وحتم ذكر اسم الله عليها، حتى ليجعل ذكر اسم الله هو الغرض البارز، وكأنما تذبح الذبيحة بقصد ذكر اسم الله. {ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}.. ويعقب بتقرير الوحدانية: {فإلهكم إله واحد}.. وبالأمر بالإسلام له وحده: {فله أسلموا}.. وليس هو إسلام الإجبار والاضطرار، إنما هو إسلام التسليم والاطمئنان: {وبشر المخبتين. الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} فبمجرد ذكر اسم الله يحرك الوجل في ضمائرهم ومشاعرهم. {والصابرين على ما أصابهم} فلا اعتراض لهم على قضاء الله فيهم. {والمقيمي الصلاة} فهم يعبدون الله حق عبادته. {ومما رزقناهم ينفقون} فهم لا يضنون على الله بما في أيديهم.. وهكذا يربط بين العقيدة والشعائر. فهي منبثقة من العقيدة وقائمة عليها. والشعائر تعبير عن هذه العقيدة ورمز لها. والمهم أن تصطبغ الحياة كلها ويصطبغ نشاطها بتلك الصبغة، فتتوحد الطاقة ويتوحد الاتجاه، ولا تتمزق النفس الإنسانية في شتى الاتجاهات. ويستطرد السياق في تقرير هذا المعنى وتوكيده وهو يبين شعائر الحج بنحر البدن: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير، فاذكروا اسم الله عليها صواف. فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر. كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون.. لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولـكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم، وبشر المحسنين}.. ويخص البدن بالذكر لأنها أعظم الهدي، فيقرر أن الله أراد بها الخير لهم، فجعل فيها خيراً وهي حية تركب وتحلب، وهي ذبيحة تهدى وتطعم فجزاء ما جعلها الله خيراً لهم أن يذكروا اسم الله عليها ويتوجهوا بها إليه وهي تهيأ للنحر بصف أقدامها: {فاذكروا اسم الله عليها صواف}. والإبل تنحر قائمة على ثلاث معقولة الرجل الرابعة ـ {فإذا وجبت جنوبها} واطمأنت على الأرض بموتها أكل منها أصحابها استحباباً، وأطعموا منها الفقير القانع الذي لا يسأل والفقير المعتر الذي يتعرض للسؤال. فلهذا سخرها الله للناس ليشكروه على ما قدر لهم فيها من الخير حية وذبيحة: {كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون}.. وهم حين يؤمرون بنحرها باسم الله {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} فإن اللحوم والدماء لا تصل إلى الله سبحانه. إنما تصل إليه تقوى القلوب وتوجهاتها ـ لا كما كان مشركو قريش يلطخون أوثانهم وآلهتهم بدماء الأضحيات على طريقة الشرك المنحرفة الغليظة! {كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم}.. فقد هداكم إلى توحيده والاتجاه إليه وإدراك حقيقة الصلة بين الرب والعباد، وحقيقة الصلة بين العمل والاتجاه. {وبشر المحسنين}.. الذين يحسنون التصور، ويحسنون الشعور، ويحسنون العبادة، ويحسنون الصلة بالله في كل نشاط الحياة. وهكذا لا يخطو المسلم في حياته خطوة، ولا يتحرك في ليله أو نهاره حركة، إلا وهو ينظر فيها إلى الله. ويجيش قلبه فيها بتقواه، ويتطلع فيها إلى وجهه ورضاه. فإذا الحياة كلها عبادة تتحقق بها إرادة الله من خلق العباد، وتصلح بها الحياة في الأرض وهي موصولة السبب بالسماء. تلك الشعائر والعبادات لا بد لها من حماية تدفع عنها الذين يصدون عن سبيل الله وتمنعهم من الاعتداء على حرية العقيدة وحرية العبادة، وعلى قداسة المعابد وحرمة الشعائر، وتمكن المؤمنين العابدين العاملين من تحقيق منهاج الحياة القائم على العقيدة، المتصل بالله، الكفيل بتحقيق الخير للبشرية في الدنيا والآخرة. ومن ثم أذن الله للمسلمين بعد الهجرة في قتال المشركين ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم اعتداء المعتدين، بعد أن بلغ أقصاه، وليحققوا لأنفسهم ولغيرهم حرية العقيدة وحرية العبادة في ظل دين الله، ووعدهم النصر والتمكين، على شرط أن ينهضوا بتكاليف عقيدتهم التي بينها لهم فيما يلي من الآيات: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا. وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكـاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور}.. إن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض، والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال؛ والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان. والشر جامح والباطل مسلح. وهو يبطش غير متحرج، ويضرب غير متورع؛ ويملك أن يفتن الناس عن الخير إن اهتدوا إليه، وعن الحق إن تفتحت قلوبهم له. فلا بد للإيمان والخير والحق من قوة تحميها من البطش، وتقيها من الفتنة وتحرسها من الأشواك والسموم. ولم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير والحق عزلاً تكافح قوى الطغيان والشر والباطل، اعتماداً على قوة الإيمان في النفوس وتغلغل الحق في الفطر، وعمق الخير في القلوب. فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس وتزيغ الفطر. وللصبر حد وللاحتمال أمد، وللطاقة البشرية مدى تنتهي إليه. والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم. ومن ثم لم يشأ ان يترك المؤمنين للفتنة، إلا ريثما يستعدون للمقاومة، ويتهيأون للدفاع، ويتمكنون من وسائل الجهاد.. وعندئذ أذن لهم في القتال لرد العدوان. وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة آذنهم أنه هو سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}.. وأنه يكره أعداءهم لكفرهم وخيانتهم فهم مخذولون حتماً: {إن الله لا يحب كل خوان كفور}.. وأنه حكم لهم بأحقية دفاعهم وسلامة موقفهم من الناحية الأدبية فهم مظلمون غير معتدين ولا متبطرين: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا}.. وأن لهم أن يطمئنوا إلى حماية الله لهم ونصره إياهم: {وان الله على نصرهم لقدير}.. وأن لهم ما يبرر خوضهم للمعركة فهم منتدبون لمهمة إنسانية كبيرة، لا يعود خيرها عليهم وحدهم، إنما يعود على الجبهة المؤمنة كلها؛ وفيها ضمان لحرية العقيدة وحرية العبادة. وذلك فوق انهم مظلومون أخرجوا من ديارهم بغير حق: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله}.. وهي أصدق كلمة أن تقال، وأحق كلمة بأن تقال. ومن أجل هذه الكلمة وحدها كان إخراجهم. فهو البغي المطلق الذي لا يستند إلى شبهة من ناحية المعتدين. وهو التجرد من كل هدف شخصي من ناحية المعتدى عليهم، إنما هي العقيدة وحدها من أجلها يخرجون، لا الصراع على عرض من أعراض هذه الأرض، التي تشتجر فيها الأطماع؛ وتتعارض فيها المصالح؛ وتختلف فيها الاتجاهات وتتضارب فيها المنافع! ووراء هذا كله تلك القاعدة العامة.. حاجة العقيدة إلى الدفع عنها: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً}.. والصوامع أماكن العبادة المنعزلة للرهبان، والبيع للنصارى عامة وهي أوسع من الصوامع، والصلوات أماكن العبادة لليهود. والمساجد أماكن العبادة للمسلمين. وهي كلها معرضة للهدم ـ على قداستها وتخصيصها لعبادة الله ـ لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها، ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض. أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها، ويعتدون على أهلها. فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول. ولا يكفي الحق أنه الحق ليقف عدوان الباطل عليه، بل لا بد من القوة تحميه وتدفع عنه. وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان! ولا بد من وقفة أمام هذه النصوص القليلة الكلمات العميقة الدلالة، وما وراءها من أسرار في عالم النفس وعالم الحياة. إن الله يبدأ الإذن بالقتال للذين قاتلهم المشركون، واعتدى عليهم المبطلون، بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وأنه يكره المعتدين عليهم من الكفار الخائنين: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور}.. فقد ضمن للمؤمنين إذن أنه هو تعالى يدافع عنهم. ومن يدافع الله عنه فهو ممنوع حتماً من عدوه، ظاهر حتماً على عدوه.. ففيم إذن يأذن لهم بالقتال؟ وفيم إذن يكتب عليهم الجهاد؟ وفيم إذن يقاتلون فيصيبهم القتل والجرح، والجهد والمشقة، والتضحية والآلام.. والعاقبة معروفة، والله قادر على تحقيق العاقبة لهم بلا جهد ولا مشقة، ولا تضحية ولا ألم، ولا قتل ولا قتال؟ والجواب أن حكمة الله في هذا هي العليا، وأن لله الحجة البالغة.. والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة ويظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من "التنابلة" الكسالى، الذين يجلسون في استرخاء، ثم يتنزل عليهم نصره سهلاً هيناً بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون إلى الله بالدعاء، كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء! نعم إنهم يجب أن يقيموا الصلاة، وأن يرتلوا القرآن، وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء. ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها؛ إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة. والذخيرة التي يدخرونها للموقعة، والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله. لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة. فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر؛ وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة.. عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها؛ ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة؛ ولتؤتي أقصى ما تملكه، وتبذل آخر ما تنطوي عليه؛ وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال. والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوفز كل استعدادها، وتجمع كل طاقاتها، كي يتم نموها، ويكمل نضجها، وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها. والنصر السريع الذي لا يكلف عناء، والذي يتنزل هيناً ليناً على القاعدين المستريحين، يعطل تلك الطاقات عن الظهور، لأنه لا يحفزها ولا يدعوها. وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه. أولاً لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة. وثانياً لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تشحذ طاقاتهم وتحشد لكسبه. فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه. وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة، والكر والفر، والقوة والضعف والتقدم والتقهقر. ومن المشاعر المصاحبة لها.. من الأمل والألم. ومن الفرح والغم، ومن الاطمئنان والقلق. ومن الشعور بالضعف والشعور بالقوة.. ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها وكشف نقط الضعف ونقط القوة، وتدبير الأمور في جميع الحالات.. وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة عليها وعلى الناس. من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله.. جعل الله دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم؛ ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء. والنصر قد يبطئ على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. فيكون هذا الإبطال لحكمة يريدها الله. قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها، ولم يتم بعد تمامها، ولم تحشد بعد طاقاتها، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات. فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكاً لعدم قدرتها على حمايته طويلاً! وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً، لا تبذله هيناً رخيصاً في سبيل الله. وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر. إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله. وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل؛ ولا تجد لها سنداً إلا الله، ولا متوجهاً إلا إليه وحده في الضراء. وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله. فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله. وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها. والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئاً من المشاعر الأخرى التي تلابسه. وقد سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى. فأيها في سبيل الله. فقال: "حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". تفسير : قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصاً، ويذهب وحده هالكاً، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار! وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماماً. فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصاراً من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله؛ فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة. فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عارياً للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية! وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة. فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار. فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستقبائه! من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله، قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام. مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية. وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكـاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر؛ ولله عاقبة الأمور}.. فوعد الله المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره.. فمن هم هؤلاء الذين ينصرون الله، فيستحقون نصر الله، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه؟ إنهم هؤلاء: {الذين إن مكناهم في الأرض}.. فحققنا لهم النصر، وثبتنا لهم الأمر.. {أقاموا الصلاة}.. فعبدوا الله ووثقوا صلتهم به، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين.. {وآتوا الزكاة}.. فأدوا حق المال، وانتصروا على شح النفس، وتطهروا من الحرص، وغلبوا وسوسة الشيطان، وسدوا خلة الجماعة، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج، وحققوا لها صفة الجسم الحي ـ كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"تفسير : .. {وأمروا بالمعروف}.. فدعوا إلى الخير والصلاح، ودفعوا إليه الناس.. {ونهوا عن المنكر}.. فقاوموا الشر والفساد، وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقى على منكر وهي قادرة على تغييره، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه.. هؤلاء هم الذين ينصرون الله، إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة، معتزين بالله وحده دون سواه. وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على وجه التحقيق واليقين. فهو النصر القائم على أسبابه ومقتضياته. المشروط بتكاليفه وأعبائه.. والأمر بعد ذلك لله، يصرفه كيف يشاء، فيبدل الهزيمة نصراً، والنصر هزيمة، عندما تختل القوائم، أو تهمل التكاليف: {ولله عاقبة الأمور}.. إنه النصر الذي يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة. من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح. المنظور فيه إلى هذه الغاية التي يتوارى في ظلها الأشخاص والذوات، والمطامع والشهوات.. وهو نصر له سببه. وله ثمنه. وله تكاليفه. وله شروطه. فلا يعطى لأحد جزافاً أو محاباة ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه..
ابن عاشور
تفسير : هذا مقابل قوله {أية : وهدوا إلى صراط الحميد}تفسير : [الحج: 24] بالنسبة إلى أحوال المشركين إذ لم يسبق لقوله ذلك مقابِل في الأحوال المذكورة في آية {أية : فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار}تفسير : [الحج: 19] كما تقدم. فموقع هذه الجملة الاستئناف البياني. والمعنى: كما كان سبب استحقاق المؤمنين ذلك النعيم اتّباعهم صراط الله كذلك كان سبَبُ استحقاق المشركين ذلك العذَاب كفرَهم وصدّهم عن سبيل الله. وفيه مع هذه المناسبة لما قبله تخلّص بديع إلى ما بعده من بيان حقّ المسلمين في المسجد الحرام، وتهويل أمر الإلحاد فيه، والتنويهُ به وتنزيههُ عن أن يكون مأوى للشرك ورجس الظلم والعُدوان. وتأكيد الخبر بحرف التأكيد للاهتمام به. وجاء {يصدّون}بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه دأبهم سواء فيه أهل مكة وغيرهم لأن البقية ظاهَرُوهم على ذلك الصد ووافقوهم. أما صيغة الماضي في قوله: {إن الذين كفروا} فلأنّ ذلك الفعل صار كاللقب لهم مثل قوله: {أية : إن الله يدخل الذين آمنوا}تفسير : [الحج: 24]. وسبيل الله: الإسلام، فصدهم عنه هو الذي حقق لهم عذاب النار، كما حقق اهتداءُ المؤمنين إليه لهم نعيمَ الجنّة. والصدّ عن المسجد الحرام مما شمله الصدّ عن سبيل الله فخصّ بالذكر للاهتمام به، ولينتقل منه إلى التنويه بالمسجد الحرام، وذكر بنائه، وشرع الحجّ له من عهد إبراهيم. والمراد بصدّهم عن المسجد الحرام صدّ عرفه المسلمون يومئذ. ولعله صدّهم المسلمين عن دخول المسجد الحرام والطواف بالبيت. والمعروف من ذلك أنهم مَنَعُوا المسلمين بعد الهجرة من زيارة البيت فقد قال أبو جهل لسَعْد بن معاذ لما جاء إلى مكّة معتمراً وقال لصاحبه أميّة بن خلف: انتظر لي ساعة من النهار لعلّي أطوف بالبيت، فبينما سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل وعَرَفَهُ. فقال له أبو جهل: أتطوف بالكعبة آمناً وقد أوتيتم الصُباة؟ (يعني المسلمين). ومن ذلك مَا صنعوه يوم الحديبية. وقد قيل: إنّ الآية نزلت في ذلك. وأحسب أنّ الآية نزلت قبل ذلك سواء نزلت بمكة أم بالمدينة. ووصف المسجد بقوله: {الذي جعلناه للناس} الآية للإيماء إلى علّة مؤاخذة المشركين بصدّهم عنه لأجل أنهم خالفوا ما أراد الله منه فإنه جعله للناس كلهم يستوي في أحقية التعبّد به العاكفُ فيه، أي المستقرّ في المسجد، والبادي، أي البعيد عنه إذا دخله. والمراد بالعاكف: الملازم له في أحوال كثيرة، وهو كناية عن الساكن بمكة لأنّ الساكن بمكة يعكف كثيراً في المسجد الحرام، بدليل مقابلته بالبادِي، فأطلق العكوف في المسجد على سكنى مكة مجازاً بعلاقة اللزوم العرفي. وفي ذكر العكوف تعريض بأنهم لا يستحقون بسكنى مكة مزية على غيرهم، وبأنهم حين يمنعون الخارجين عن مكة من الدخول للكعبة قد ظلموهم باستئثارهم بمكة. وقرأ الجمهور {سواءٌ}ــــ بالرفع ــــ على أنه مبتدأ {والعاكف فيه} فاعل سدّ مسدّ الخبر، والجملة مفعول ثان لــــ {جعلناه}. وقرأه حفص بالنّصب على أنه المفعول الثاني لــــ {جعلناه}. والعكوف: الملازمة. والبادي: ساكن البادية. وقوله {سواء} لم يبيّن الاستواء فيما ذا لظهور أنّ الاستواء فيه بصفة كونه مسجداً إنما هي في العبادة المقصودة منه ومن ملحقاته وهي: الطواف، والسّعي، ووقوف عرفة. وكتب {والباد} في المصحف بدون ياء في آخره، وقرأ ابن كثير {والبادِي }بإثبات الياء على القياس لأنه معرف، والقياس إثبات ياء الاسم المنقوص إذا كان معرّفاً باللام، ومحمل كتابته في المصحف بدون ياء عند أهل هذه القراءة أنّ الياء عوملت معاملة الحركات وألِفات أواسط الأسماء فلم يكتبوها. وقرأه نافع بغير ياء في الوقف وأثبتها في الوصل. ومحمل كتابته على هذه القراءة بدون ياء أنه روعي فيه التخفيف في حالة الوقف لأن شأن الرسم أن يراعى فيه حالة الوقف. وقرأه الباقون بدون ياء في الحالين الوصل والوقف. والوجه فيه قصد التخفيف ومثله كثير. وليس في هذه الآية حجة لحكم امتلاك دُور مكة إثباتاً ولا نفياً لأنّ سياقها خاص بالمسجد الحرام دون غيره. ويلحق به ما هو من تمام مناسكه: كالمسعَى، والموقف، والمشعر الحرام، والجمار. وقد جرت عادة الفقهاء أن يذكروا مسألة امتلاك دور مكة عند ذكر هذه الآية على وجه الاستطراد. ولا خلاف بين المسلمين في أنّ الناس سواء في أداء المناسك بالمسجد الحرام وما يتبعه إلاّ ما منعته الشريعة كطواف الحائض بالكعبة. وأما مسألة امتلاك دور مكة فللفقهاء فيها ثلاثة أقوال: فكان عُمر بن الخطاب وابن عباس وغيرهما يقولون: إن القادم إلى مكة للحج له أن ينزل حيث شاء من ديارها وعلى رب المنزل أن يؤويه. وكانت دور مكة تُدعى السوائب في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال مالك والشافعي: دور مكة مِلك لأهلها، ولهم الامتناع عن إسكان غيرهم، ولهم إكراؤها للناس، وإنما تجب المواساة عند الضرورة، وعلى ذلك حملوا ما كان يفعله عمر فهو من المواساة. وقد اشترى عمر دار صفوان بن أمية وجعلها سجناً. وقال أبو حنيفة: دور مكة لا تُملك وليس لأهلها أن يكروها. وقد ظُنّ أن الخلاف في ذلك مبني على الاختلاف في أنّ مكة فتحت عنوة أو صلحاً. والحق أنه لا بناء على ذلك لأنّ من القائلين بأنها فتحت عنوة قائلين بتملك دور مكة فهذا مالك بن أنس يراها فتحت عنوة ويرى صحة تملك دورها. ووجه ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرّ أهلها في منازلهم فيكون قد أقطعهم إياها كما مَنّ على أهلها بالإطلاق من الأسر ومن السبي. ولم يزل أهل مكة يتبايعون دورهم ولا ينكر عليهم أحد من أهل العلم. وخبر {إن الذين كفروا} محذوف تقديره: نذقهم من عذاب أليم، دلّ عليه قوله في الجملة الآتية: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}. وإذ كان الصد عن المسجد الحرام إلحاداً بظلم فإن جملة {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} تذييل للجملة السابقة لما في (مَن) الشرطية من العموم. والإلحاد: الانحراف عن الاستقامة وسواء الأمور. والظلم يطلق على الإشراك وعلى المعاصي لأنها ظلم النفس. والباء في {بإلحاد} زائدة للتوكيد مثلها في {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6]. أي من يُرد إلحاداً وبعداً عن الحق والاستقامة وذلك صدهم عن زيارته. والباء في {بظلم}للملابسة. فالظلم: الإشراك، لأنّ المقصود تهديد المشركين الذين حملهم الإشراك على مناوأة المسلمين ومنعهم من زيارة المسجد الحرام. و (من) في قوله: {من عذاب أليم} مزيدة للتوكيد على رأي من لا يشترطون لزيادة (مِن) وقوعها بعد نفي أو نهي. ولك أن تجعلها للتبعيض، أي نذقه عذاباً من عذاب أليم.
الشنقيطي
تفسير : اعلم أن خبر إن في قوله هنا {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا} محذوف كما ترى. والذي تدل عليه الآية أن التقدير: إن الذين كفروا، ويصدون عن سبيل الله، نذيقهم من عذاب أليم. كما دل على هذا قوله في آخر الآية {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وخير ما يفسر به القرآن القرآن. فإن قيل: ما وجه عطف الفعل المضارع على الفعل الماضي، في قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ}. فالجواب: من أربعة أوجه: واحد منها ظاهر السقوط. الأول: هو ما ذكره بعض علماء العربية من أن المضارع، قد لا يلاحظ فيه زمان معين من حال، أو استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار، ومنه {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وقوله {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد: 28] قاله أبو حيان وغيره. الثاني: أن يصدون خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: إن الذين كفروا، وهم يصدون، وعليه فالجملة المعطوفة اسمية لا فعلية، وهذا القول استحسنه القرطبي. الثالث: أن يصدون مضارع أريد به الماضي: أي كفروا، وصدوا وليس بظاهر. الرابع: أن الواو زائدة، وجملة يصدون خبر إن: أي إن الذين كفروا يصدون الآية. وهذا هو الذي قدمنا أنه ظاهر السقوط، وهو كما ترى، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من أن من أعمال الكفار الصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى {أية : وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 217] الآية. وقوله تعالى {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}تفسير : [الفتح: 25] وقوله تعالى {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ}تفسير : [المائدة: 2] الآية إلى غير ذلك من الآيات، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} قرأه عامة السبعة غير حفص عن عاصم: سواء، بضم الهمزة، وفي إعرابه على قراءة الجمهور هذه برفع سواء وجهان. الأول: أن قوله: العاكف: مبتدأ، والباد: معطوف عليه، وسواء خبر مقدم، وهو مصدر أطلق وأريد به الوصف. فالمعنى: العاكف والبادي سواء، أي مستويان فيه، وهذا الإعراب أظهر الوجه. الثاني: أن سواء مبتدأ والعاكف فاعل سد مسد الخبر، والظاهر أن مسوغ الابتداء بالنكرة التي هي سواء، على هذا الوجه: هو عملها في المجرور الذي هو فيه، إذ المعنى: سواء فيه العاكف والبادي، وجملة المبتدأ وخبره في محل المفعول الثاني: لجعلنا، وقرأ حفص عن عاصم: سواء بالنصب، وهو المفعول الثاني: لجعلنا التي بمعنى صيرنا. والعاكف فاعل سواء: أي مستوياً فيه العاكف والبادي، ومن كلام العرب: مررت برجل سواء هو والعدم، ومن قال: إن "جعل" في الآية تتعدى إلى مفعول واحد قال: إن سواء احال من الهاء في جعلناه: أي وضعناه للناس في حال كونه سواء العاكف فيه والبادي كقوله {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 96] الآية وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية الكريمة: يشمل جميع الحرم. ولذلك أخذ بعض العلماء من هذه الآية، أن رباع مكة لا تملك، وقد قدمنا الكلام مستوفى في هذه المسألة، وأقوال أهل العلم فيها، ومناقشة أدلتهم في سورة الأنفال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والعاكف: هو المقيم في الحرم، والبادي: الطارئ عليه من البادية، وكذلك غيرها من أقطار الدنيا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: والبادي قرأه أبو عمرو وورش، عن نافع بإثبات الياء، بعد الدال في الوصل، وإسقاطها في الوقف، وقرأه ابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً، وقرأه باقي السبعة بإسقاطها، وصلاً ووقفاً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} قد أوضحنا إزالة الإشكال عن دخول الباء على المفعول في قوله: بإلحاد، ونظائره في القرآن، وأكثرنا على ذلك من الشواهد العربية في الكلام على قوله تعالى {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}تفسير : [مريم: 25] فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والإلحاد في اللغة أصله: الميل، والمراد بالإلحاد في الآية: أن يميل، ويحيد عن دين الله الذي شرعه، ويعم ذلك كل ميل وحيدة عن الدين، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً الكفر بالله، والشرك به في الحرم، وفعل شيء مما حرمه وترك شيء مما أوجبه. ومن أعظم ذلك: انتهاك حرمات الحرم. وقال بعض أهل العلم: يدخل في ذلك احتكار الطعام بمكة، وقال بعض أهل العلم: يدخل في ذلك قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان له فسطاطان: أحدهما: في طرف الحرم، والآخر: في طرف الحل، فإِذا أراد أن يعاتب أهله، أو غلامه فعل ذلك في الفسطاط الذي ليس في الحرم، يرى أن مثل ذلك يدخل في الإلحاد فيه بظلم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر في هذه المسألة، أن كل مخالفة بترك واجب، أو فعل محرم تدخل في الظلم المذكور، وأما الجائزات كعتاب الرجل امرأته، أو عبده، فليس من الإلحاد، ولا من الظلم. مسألة قال بعض أهل العلم: من هم أن يعمل سيئة في مكة، أذاقه الله العذاب الأليم بسبب همه بذلك، وإن لم يفعلها، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع، فلا يعاقب فيه بالهم. وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: لو أن رجلاً أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بِعَدَنٍ أَبْيَن، لأذاقه الله من العذاب الأليم، وهذا ثابت عن ابن مسعود، ووقفه عليه أصح من رفعه، والذين قالوا هذا القول: استدلوا له بظاهر قوله تعالى {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} لأنه تعالى رتب إذاقة العذاب الأليم، على إرادة الإلحاد بالظلم فيه ترتيب الجزاء على شرطه، ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم: إن الباء في قوله: بإِلحاد، لأجل أن الإرادة مضمنة معنى الهم: أي ومن يهمهم فيه بإلحاد، وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره. فهذه الآية الكريمة مخصصة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ومن هم بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة" تفسير : الحديث، وعليه فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي، ووجه هذا ظاهر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ويحتمل أن يكون معنى الإرادة في قوله {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} العزم المصمم على ارتكاب الذنب فيه، والعزم المصمم على الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع الله مكة وغيرها. والدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزماً مصمماً عليه أنها كارتكابه حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح "حديث : إذا الْتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصاً على قتل صاحبه"" تفسير : فقولهم: ما بال المقتول: سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه النار مع أنه لم يفعل القتل، فبين النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه"تفسير : أن ذنبه الذي أدخله النار، هو عزمه المصمم وحرصه على قتل صاحبه المسلم. وقد قدمنا مراراً أن إن المكسورة المشددة: تدل على التعليل كما تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه. ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه، ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل، بسبب طير أبابيل {أية : تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ}تفسير : [الفيل: 4] لعزمهم على ارتكاب المناكر في الحرم، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه، والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن الضمير في قوله {فِيهِ} راجع إلى المسجد الحرام، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك. والله تعالى أعلم.
الواحدي
تفسير : {إنَّ الذين كفروا ويصدُّون عن سبيل الله} يمنعون عن طاعة الله تعالى. {والمسجد الحرام} يمنعون المؤمنين عنه {الذي جعلناه للناس} خلقناه وبنيناه للنَّاس كلِّهم لن نخصَّ به بعضاً دون بعض {سواءً العاكف فيه والباد} سواءٌ في تعظيم حرمته وقضاء النُّسك به الحاضر، والذي يأتيه من البلاد، فليس أهل مكَّة بأحقَّ به من النَّازع إليه {ومَن يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ} أَيْ: إلحاداً بظلمٍ، وهو أن يميل إلى الظُّلم، ومعناه: صيد حمامة وقطع شجرة، ودخوله غير مُحرمٍ، وجميع المعاصي؛ لأنَّ السَّيئات تُضاعف بمكَّة كما تُضاعف الحسنات. {وإذْ بوَّأنا لإبراهيم مكان البيت} بيَّنا له أين يُبنى {أن لا تشرك} يعني: وأمرناه أن لا تشرك {بي شيئاً وطهر بيتي} مفسَّرٌ في سورة البقرة. {وأذن في الناس} نادِ فيهم {بالحج يأتوك رجالاً} مُشاةً على أرجلهم، {و} ركباناً {على كلّ ضامر} وهو البعير المهزول {يأتين من كلِّ فج عميق} طريق بعيدٍ. {ليشهدوا} ليحضروا {منافع لهم} من أمر الدُّنيا والآخرة {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} يعني: التَّسمية على ما ينحر في يوم النَّحر وأيَّامِ التَّشريق {فكلوا منها} أمر إباحةٍ، وكان أهل الجاهليَّة لا يأكلون من نَسائكم، فأمر المسلمون أن يأكلوا {وأطعموا البائس الفقير} الشَّديد الفقر. {ثم ليقضوا تفثهم} يعني: ما يخرجون به من الإحرام، وهو أخذ الشَّارب، وتقليم الظُّفر، وحلق العانة، ولبس الثَّوب {وليوفوا نذورهم} يعني: ما نذروه من برٍّ وهدي في أيَّام الحجِّ {وليطوفوا بالبيت العتيق} القديم. وقيل: المُعتق من أن يتسلَّط عليه جبَّار. يعني: الكعبة. {ذلك} أَيْ: الأمر ذلك الذي ذكرت {ومن يعظم حرمات الله} فرائض الله وسننه. {وأحلت لكم الأنعام} أن تأكلوها {إلاَّ ما يتلى عليكم} في قوله: {أية : حُرِّمت عليكم الميتة...} تفسير : الآية. ومعنى هذا النَّهي تحريمُ ما حرَّمه أهل الجاهليَّة من البحيرة والسَّائبة وغير ذلك {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} يعني: عبادتها {واجتنبوا قول الزور} يعني: الشِّرك بالله. {حنفاء لله} مسلمين عادلين عن كلِّ دينٍ سواه. {ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ} سقط {من السماء} فاختطفته الطَّير من الهواء، أو ألقته الرِّيح في {مكان سحيق} بعيدٍ. يعني: إنَّ مَنْ أشرك فقد هلك وبَعُدَ عن الحقِّ. {ذلك ومن يعظم شعائر الله} يستسمن البُدن {فإنَّ ذلك من} علامات التَّقوى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كفروا: جحدوا توحيد الله وكذَّبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم. ويصدون عن سبيل الله: يمنعون الناس من الإِسلام، ويصرفونهم عنه. والمسجد الحرام: مكة المكرمة والمسجد الحرام ضمنها. العاكف: المقيم بمكة للتعبد في المسجد الحرام. والباد: الطارىء عن مكة النازح إليها. بإلحاد بظلم: أي إلحاداً أي ميلاً عن الحق مُلتبساً بظلم لنفسه أو لغيره. معنى الآية الكريمة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} هذه الآية الكريمة تحمل تهديداً ووعيداً شديداً لكل من كفر بتوحيد الله وكذب رسوله وما جاء به من الهدى والدين الحق وصدَّ عن سبيل الله أي صرف الناس عن الدخول في الإِسلام، وعن دخول المسجد الحرام للطواف بالبيت والإِقامة بمكة للتعبد في المسجد الحرام والآية وإن تناولت المشركين الذين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن دخول مكة عام الحديبية فإنها عامة فى كل من كفر وصدَّ إلى يوم القيامة وقوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} هو وصف للمسجد الحرام إذ جعله الله تعالى موضع تنسُّك لكل من أتاه وأقام به أو يأتيه للعبادة ثم يخرج منه، فالعاكف أي المقيم فيه كالبادي الطارىء القدوم إليه هم سواء في حق الإِقامة في مكة والمسجد الحرام للتعبد. وقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} أي يرد بمعنى يعتزم الميل عن الحق فيه بظلم يرتكبه كالشرك وسائر الذنوب والمعاصي القاصرة على الفاعل أو المتعدية إلى غيره. وقوله تعالى: {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} هذا جزاء من كفر وصد عن سبيل الله والمسجد الحرام ومن أراد فيه إلحاداً بظلم لنفسه أو لغيره. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: 1- التنديد بالكفر والصدَّ عن سبيل الله والمسجد الحرام والظلم فيه والوعيد الشديد لفاعل ذلك. 2- مكة بلد الله وحرمه من حق كل مسلم أن يقيم بها للتعبد والتنسك ما لم يظلم وينتهك حرمة الحرم بالذنوب والمعاصي، وخاصة الشرك والظلم والضلال. 3- عظيم شأن الحرم حيث يؤاخذ فيه على مجرد العزم على الفعل ولو لم يفعل.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَعَلْنَاهُ} {ٱلْعَاكِفُ} (25) - إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا بالله وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ، وَأَنْكَرُوا مَا جَاءَهُم بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِ اللهِ {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وَيَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنْ الوُصُولِ إِلى المَسْجِدِ الحَرَامِ، الذِي جَعَلَهُ اللهُ لِلَّذِين آمنُوا بهِ كَافَّةً، سَوَاءً مِنْهُمُ المُقِيمُ فِيهِ، وَالبَعِيدُ الدَّارِ عَنْهُ، فَإِنَّ اللهَ يَتَوَعَّدُهُمْ بِالعَذابِ الأَليمِ فِي الآخِرَةِ، كَمَا يَتَهَدَّدُ اللهُ بِالعَذَابِ الأَليمِ يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ يُريدُ أَنْ يَميلَ إِلى الظُّلْمِ في المَسْجِدِ الحَرَامِ فَيَعْصِيَ اللهَ فيهِ، أَوْ يُخَالِفَ أَمْرَهُ، مُتَعَمِّداً غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ عِقَابَهُ الشَّديدَ بِأَهْلِ الضَّلاَلِ لَمَّا هَمُّوا بِتَخْريبِ البَيْتِ، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِم الطَيرَ الأَبَابِيلَ فًَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالاً لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ بِبَيْتِ الله سُوءاً. المُسْجِد الحَرَام - الحَرَمُ أَيْ مَكَّةُ أَوْ هُوَ الكَعْبَةُ. العَاكِفُ - المُقِيمُ فِيهِ، المُلاَزِمُ لَهُ. البَادِ - الطَّارِئُ غَيْرُ المُقِيمِ. إِلحَادٍ بِظُلْمٍ - يَمِيلُ عَنِ الحَقِّ إِلى البَاطِلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : انتقلتْ بنا الآيات إلى موضوع جديد: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [الحج: 25] بصيغة الماضي، لأن الكفر وقع منهم فعلاً {وَيَصُدُّونَ ..} [الحج: 25] بصيغة المضارع، والقياس أن نقول: كفروا وصَدُّوا، لكن المسألة ليست قاعدة ولا هي عملية آلية؛ لأن الصدَّ عن سبيل الله ناشىء عن الكفر وما يزال صدُّهم مستمراً. ومعنى {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [الحج: 25] أي: عن الجهاد {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ..} [الحج: 25] لأنهم منعوا المسلمين من دخوله، وكان في قبضتهم وتحت سيطرتهم، وهذا ما حدث فعلاً في الحديبية حينما اشتاق صحابة رسول الله إلى أداء العمرة والطواف بالبيت الذي طالت مدة حرمانهم منه، فلما ذهبوا منعهم كفار مكة، وصدُّوهم عن دخوله. {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ..} [الحج: 25] كلمة حرام يُستفاد منها أنه مُحرَّم أنْ تفعل فيه خطأ، أو تهينه، أو تعتدي فيه. وكلمة (الحَرَام) وصف بها بعض المكان وبعض الزمان، وهي خمسة أشياء: نقول: البيت الحرام وهو الكعبة، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، ثم المشعر الحرام. وهذه عبارة عن دوائر مركز الكعبة، هذه أماكن، ثم الخامس وهو زمن: الشهر الحرام الذي قال الله فيه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ..} [الحج: 25]. وحُرْمة الزمان والمكان هنا لحكمة أرادها الخالق سبحانه؛ لأنه رَبٌ رحيم بخَلْقه يريد أن يجعل لهم فرصة لِستْر كبريائهم، والحدّ من غرورهم، وكانت تنتشر بين القوم الحروب والصراعات التي كانت تُذْكي نارها عادات قبلية وسعار الحرب، حتى أن كِلاَ الفريقين يريد أنْ يُفني الآخر، وربما استمروا في الحرب وهم كارهون لها، لكن يمنعهم كبرياؤهم من التراجع والانسحاب. لذلك جعل الله سبحانه لهذه الأماكن والأزمنة حُرْمة لتكون ستاراً لهذا الكبرياء الزائف، ولهذه العزة البغيضة. وكل حَدَث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فحرَّم الله القتال في الأشهر الحرم، حتى إذا ما استعرت بينهم حرب جاء شهر حرام، فأنقذ الضعيف من قبضة القوي دون أنْ يجرح كبرياءه، وربما هَزّ رأسه قائلاً: لولا الشهر الحرام كنت فعلتُ بهم كذا وكذا. فهذه - إذن - رحمة من الله بعباده، وستار يحميهم من شرور أنفسهم ونزواتها ويَحْقِن دماءهم. وما أشبه كبرياءَ العرب في هذه المسألة بكبرياء زوجيْن تخاصما على مَضَض، ويريد كل منهم أنْ يأتي صاحبه، لكن يمنعه كبرياؤه أن يتنازل، فجلس الرجل في غرفته، وأغلق الباب على نفسه، فنظرتْ الزوجة، فإذا به يرفع يديه يدعو الله أنْ تُصالحه زوجته، فذهبتْ وتزيَّنَتْ له، ثم دفعت الباب عليه وقالت - وكأن أحداً يُجبرها على الدخول - (مُوديَّانِي فين يا أم هاشم) وكذلك، جعل في المكان محرماً؛ لأن الزمن الحرام الذي حرم فيه قتال أربعة أشهر: ثلاثة سرد وواحد فرد، الفرد هو رجب، والسرد هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. فحرَّم أيضاً القتال في هذه الأماكن ليعصم دماء الخَلْق أنْ تُراقَ بسبب تناحر القبائل بالغِلِّ والحِقْد والكبرياء والغرور. يقول تعالى في تحريم القتال في البيت الحرام: {أية : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 191]. فلعلَّهم حين تأتي شهور التحريم، أو يأتي مكانه يستريحون من الحرب، فيدركون لذة السلام وأهمية الصلح، فيقضون على أسباب النزاع بينهم دون حرب، فسُعَار الحرب يجُرُّ حرباً، ولذة السلام وراحة الأمن والشعور بهدوء الحياة يَجُرُّ مَيْلاً للتصالح وفضّ مثل هذه المنازعات بالطرق السلمية. والمتأمل في هذه الأماكن التي حرَّمها الله يجدها على مراتب، وكأنها دوائر مركزها بيت الله الحرام وهو الكعبة، ثم المسجد الحرام حولها، ثم البلد الحرام وهي مكة، ثم المشعر الحرام الذي يأخذ جزءاً من الزمن فقط في أيام الحج. أما الكعبة فليست كما يظنُّ البعض أنها هذا البناء الذي نراه، الكعبة هي المكان، أما هذا البناء فهو المكين، فلو نقضْتَ هذا البناء القائم الآن فمكان البناء هو البيت، هذا مكانه إنْ نزلْتَ في أعماق الأرض أو صعدْتَ في طبقات السماء. إذن: فبيت الله الحرام هو هذه البقعة من الأرض حتى السماء، أَلاَ ترى الناس يُصَلُّون في الأدوار العليا، وهم أعلى من هذا البناء بكثير؟ إنهم يواجهون جَوَّ الكعبة، لا يواجهون الكعبة ذاتها، لماذا؟ لأن الكعبة ممتدة في الجو إلى ما شاء الله. ثم يلي البيت المسجد، وهو قطعة أرض حُكرت على المسجدية، لكن هناك مسجد بالمكان حين تقيمه أنت، وتجعل له بناء مثل هذا البناء الذي نتحدث فيه الآن يسمى "مسجد" بالمكان، أو مسجد بالمكين حين يضيق علينا هذا المسجد فنخرج نصلي في الشارع فهو في هذه الحالة مسجد، قالوا: ولو امتد إلى صنعاء وتواصلتْ الصفوف فكلُّه مسجد. نعود إلى حديث : ما دار بين المسلمين والمشركين يوم الحديبية، فقد صدَّ الكفار المسلمين عن بيت الله الحرام وهم على مَرْمى البصر منه، فاغتاظ المسلمون لذلك، ورأى بعضهم أن يدخل مكة عُنْوة ورَغْماً عنهم. لكن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سِرٌّ بينه وبين ربه عز وجل، فنزل على شروطهم، وعقد معهم صُلْحاً هو "صلح الحديبية" الذي أثار حفيظة الصحابة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، فقال لرسول الله: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال صلى الله عليه وسلم: "بلى" قال: أليسوا هم على باطل؟ قال: "بلى" قال: فلِمَ نُعْطِى الدنيّة في ديننا؟ ". تفسير : وكان من بنود هذا الصلح: إذا أسلم كافر ودخل في صفوف المسلمين يرده محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا ذهب مسلم إليهم لا يردونه إلى المسلمين. وكان للسيدة أم المؤمنين أم سلمة - رضوان الله عليها - موقف عظيم في هذه الشدة، ورَأْي سديد ردَّ آراء الرجال إلى الرُّشْد وإلى الصواب، وهذا مما نفخر به للمرأة في الإسلام، ونردّ به على المتشدِّقين بحقوق المرأة. فلما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فُسْطاطه مُغْضباً فقال لأم سلمة: "حديث : هلك المسلمون يا أم سلمة، لقد أمرتهم فلم يمتثلوا"تفسير : يعني امرهم بالعودة دون أداء العمرة هذا العام. فقالت السيدة أم المؤمنين: يا رسول الله، إنهم مكروبون، فقد مُنِعُوا عن بيت الله وهم على مَرْأىً منه، لكن اذهب يا رسول الله إلى ما أمرك به ربك، فافعل فإذا رأوْك فعلْتَهُ علموا أن الأمر عزيمة - يعني لا رجعةَ فيه - وفعلاً أخذ رسول الله بهذه النصيحة، فذهب فحلق، وذبح هديه وفعل الناس مثله، وانتهت هذه المسألة. لكن قبل أنْ يعودوا إلى المدينة شاءتْ إرادة الله أنْ يخبرهم بالحكمة في قبول رسول الله لشروط المشركين مع أنها شروط ظالمة مُجْحفة: أولاً: في هذا الصلح وهذه المعاهدة اعتراف منهم بمحمد ومكانته ومنزلته، وأنه أصبح مساوياً لهم، وهذا مكسب في حَدِّ ذاته. ثانياً: اتفق الطرفان على وقف القتال بينهم لعدة سنوات، وهذه الفترة أعطتْ المسلمين فرصة كي يتفرغوا لاستقبال الوفود ونَشْر دين الله. ثالثاً: كان في إمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يدخلهم مكة رَغْماً عن أهلها، وكان في مقدوره أن يقتلهم جميعاً، لكن ماذا سيكون موقف المؤمنين من أهل مكة والذين يسترون إيمانهم ولا يعرفهم أحد؟ إنهم وسط هؤلاء الكفار، وسينالهم ما ينال الكفار، ولو تميَّز المؤمنون من الكفار أو خرجوا في جانب لأمكن تفاديهم. اقرأ قوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الفتح: 25]. ثم يقول تعالى عن المسجد الحرام: {ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ ..} [الحج: 25] أي: جميعاً {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ..} [الحج: 25] العاكف فيه يعني: المقيم، والباد: القادم إليه من خارج مكة، ومعنى {سَوَآءً ..} [الحج: 25] يعني: هذان النوعان متساويان تماماً. لذلك نقول للذين يحجزون الأماكن لحسابهم في بيت الله الحرام خاصة، وفي بيوت الله عامة: أريحوا أنفسكم، فالمكان محجوز عند الله لمن سبق، لا لمن وضع سجادته، وشغل بها المكان. وقد دَعَتْ هذه الآية: {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ..} [الحج: 25] البعض لأنْ يقول: لا يجوز تأجير البيوت في مكة، فمَنْ أراد أن ينزل في بيت ينزل فيه دون أجرة حتى يستوي المقيم والغريب. وهذا الرأي مردود عليه بأن البيوت مكان ومكين، وأرض مكة كانت للجميع حين كان المكان حُراً يبني فيه من أراد، أمَّا بعد أن بنى بيتاً، وسكنه أصبح مكيناً فيه، لا يجوز لأحد دخوله إلا بإذنه وإرادته. وقد دار حول هذه المسألة نقاش بين الحنظلي في مكة والإمام الشافعي، حيث يرى الحنظلي أنه لا يجوز تأجير البيوت في مكة؛ لأنها حسب هذه الآية للجميع، فردَّ عليه الشافعي رضي الله عنه: لو كان الأمر كذلك لما قال سبحانه في المهاجرين: {أية : الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ..} تفسير : [الحشر: 8]. فنسب الديار إليهم. ولَمَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة: "حديث : وهل ترك لنا عقيل من دار أو من ربع؟"تفسير : وكوْنُ عقيل يبيع دُورهم بعد أن هاجروا، فهذا دليل على ملكيتهم لها. لذلك رجع الحنظلي إلى رأي الشافعي. هذا مع أن الآية تعني البيت فقط، لا مكة كلها، فما كان الخلاف ليصل إلى مكة كلها. ثم يقول تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25]. الإلحاد قد يكون في الحق الأعلى، وهو الإلحاد في الله عز وجل، أما هنا فيُراد بالإلحاد: الميْل عن طريق الحقِّ، وقوله: {بِظُلْمٍ ..} [الحج: 25] الظلم في شيء لا يسمو إلى درجة الكفر، والإلحاد بظلم إنْ حدث في بيت الله فهو أمر عظيم؛ لأنك في بيت ربك (الكعبة). وكان يجب عليك أن تستحي من مجرد حديث النفس بمعصية، مجرد الإرادة هنا تُعَدُّ ذنباً؛ لأنك في مقام يجب أنْ تستشعر فيه الجلال والمهابة، فكما أعطى الله لبيته مَيْزة في مضاعفة الحسنات، كذلك عظَّم أمر المعصية وأنت في رحاب بيته، فتنبَّه لهذه المسألة. حتى في أمثال أهل الريف يقولون: (تيجي في بيت العالم وتسكر) يعني: السُّكْر يُتصوَّر في بيت أحد العصاة، في بيت فاسق، في خمارة، لكن في بيت عالم، فهذا شيء كبير، وجرأة عظيمة. لماذا؟ فللمكان حُرْمة بحُرمة صاحبة، فإذا كان للمكان حُرْمة بحُرْمة صاحبه، والبيت منسوب إلى الله، فأنت تعصي ربك في عُقْر داره، وأيْ جرأة أعظم من الجرأة على الله؟ وهذه خاصية للمسجد الحرام، فكُلُّ المساجد في أي مكان بيوت الله، لكن هناك فَرْق بين بيت الله باختيار الله، وبيت الله باختيار عباد الله؛ لذلك جُعل بيتُ الله باختيار الله (البيت الحرام) هو القِبْلة التي تتجه إليها كل بيوت الله في الأرض. فما عاقبة الإلحاد في بيت الله؟ {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] إنهم سيذوقون العذاب بأمر من الحق دائماً وأبداً، والإذاقة أشد الإدراكات تأثيراً، وذلك هو العذاب المهين، والذوق هو الإحساس بالمطعوم شراباً كان أو طعاماً، إلا أنه تعدى كل مُحسٍّ به، ولو لم يكن مطعوماً أو مشروباً، ويقول ربنا عز وجل: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]. أي: ذق الإهانة والمذلة، لا مما يُطعم أو مما يُشرب، ولكن بالإحساس، فالإذاقة تتعدى إلى كل البدن، فالأنامل تذوق، والرِّجْل تذوق، والصدر يذوق، والرقبة تذوق. وهذا اللون من إذاقة الذل والإهانة في الدنيا لهؤلاء مجرد نموذج بسيط لشدة عقاب الله. وعذاب الآخرة سيكون مهولاً، والعذاب هو إيلام الحس. إذا أحببت أن تديم ألمه، فأبْقِ فيه آلة الإحساس بالألم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} معناه بِعدُولٍ عَن الحَقِّ. تفسير : وقوله تعالى: {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} والعَاكِفُ: المُقيمُ بمكةَ. والبَادي: الذي لا يَقومُ فِيهم من المَنازلَ، سَواءٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أحوال النفوس المتمردة والأرواح المرتدة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [الحج: 25] يشير إلى منكري هذا الشأن، فإنهم مع إنكارهم وإعراضهم عن الحق يصدون الطالبين عن طريق الله بالإنكار والاعتراضات الفاسدة على المشايخ، ويقطعون الطريق على أهل الطلب؛ ليردوهم على طلب الحق تعالى، وعن دخول مسجد حرام القلب، فإنه حرم الله تعالى. {ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} [الحج: 25] أي: جعلناه لهم بالاهتداء وطلب الحق لا عليهم، كالنفس الأمارة بالإضلال، والإعراض عن الحق سواء {ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} [الحج: 25] أي: يستوي في الوصول إلى مقام الطلب الذي سبق إليه بمدة طويلة، والذي يصل إليه في الحال ليس لأحد فضل على الآخرة إلا بالسبق إلى مقام القلب ومنازله. وبقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] يشير إلى أن من يريد في القلب ميلاً عن الحق بظلم بوضع الشيء في غيره موضعه؛ لأن القلب معدن محبة الله تعالى يذيقه الله تعالى عذاب البعد، والقطيعة عن الحضرة {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ} [الحج: 26]، الروح {مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} [الحج: 26] القلب، فإن تهيؤ القلوب بتدبير الأرواح وتقدير الحق تعالى {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} [الحج: 26] في سكنى القلب أي: حارساً للقلب لئلا يسكن فيه غيري {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج: 26] أي: أفرغ القلب عن الأشياء سواي، وهذا كمال قال تعالى بالوحي إلى بعض أنبيائه: أفرغ لي بيتاً أسكنه، فقال: إلهي أي بيت يسعك؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدي المؤمن، ويقال: طهر بيتي بإخراج كل نصيب لك في الدنيا والآخرة من تطلع إكرام، وتطلب إنعام أو إرادة مقام، ويقال: طهر قلبك {لِلطَّآئِفِينَ} [الحج: 26] فيها من واردات الحق وموارد الأحوال على ما يختاره الحق {ٱلْقَآئِمِينَ} [الحج: 26] وهي الأشياء المقيمة من مستوطنات العرفان، والأمور المغيبة عن البرهان، والمطلقة بما هي حقائق البيان {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} [الحج: 26] هي أركان الأحوال المتوالية من: الرهبة والرغبة والرجاء والمخافة والفيض والبسطة والإنس والهيبة، وفي معناه أنشد: شعر : لستُ من جملةِ المحبين إن لم أجعل القلبَ بيتَه والمَقاما وطوافي أخالُهُ السيرَ فيه وهو رُكني إذا أردتُ استلاما تفسير : {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} [الحج: 27] أي: وناد في الناسين من النفس وصفاتها والقالب وجوارحه؛ يعني: يقصدون القلب بالأعمال الشريعة البدنية، فإنهم كالكوكبات، لأن الأعمال البدنية مركبة من الحركات ونيات الضمير، كما أن أعمال النفس مفردة أنها من نيات الضمير فحسب {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} [الحج: 27] وهو سفل الدنيا؛ لأن القالب من الدنيا وأكثر استعماله في مصالح الدنيا بالجوارح والأعضاء، فردَّها إلى استعمالها في مصالح الدنيا بالجوارح والأعضاء، فردَّها إلى استعمالها في مصالح القلب إتيانها من فج عميق. {لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 28] أي: ليحضروا وينتفعوا بالمنافع التي هي مستكنة في القلب؛ فأمَّا النفس وصفاتها: فمنافعها تبديل الأخلاق، وأمَّا القالب وجوارحه: فمنافعهم قبول طاعتهم وأثارها على سيماهم {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} [الحج: 28] أي: القلب والنفس والقالب شكر {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} [الحج: 28] بأن جعل الصفات البهيمية الحيوانية مبدلَّة بالصفات القلبية الروحانية الربانية. وبقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} [الحج: 28] يشير إلى أن انتفعوا من هذه المقامات والكرامات، واطيبوا بمنافعها الطالب المحتاج، والقاصد إلى الله تعالى بالخدمة والهداية والإرشاد {ثُمَّ لْيَقْضُواْ} الطلاب {تَفَثَهُمْ} [الحج: 29] وهو ما يجب عليهم من شرائط الإرادة وقصد الطالب {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] فيما عاهدوا الله على التوجه إليه، وصدق الطلب والإرادة {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} [الحج: 29] أي: يطوفوا حول قرب الله تعالى بقلبه وسره، ولا يطوفوا حول ما سواه، وأراد بالعتيق القديم وهو من صفات الله عز وجل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن شناعة ما عليه المشركون الكافرون بربهم، وأنهم جمعوا بين الكفر بالله ورسوله، وبين الصد عن سبيل الله ومنع الناس من الإيمان، والصد أيضا عن المسجد الحرام، الذي ليس ملكا لهم ولا لآبائهم، بل الناس فيه سواء، المقيم فيه، والطارئ إليه، بل صدوا عنه أفضل الخلق محمدا وأصحابه، والحال أن هذا المسجد الحرام، من حرمته واحترامه وعظمته، أن من يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم. فمجرد إرادة الظلم والإلحاد في الحرم، موجب للعذاب، وإن كان غيره لا يعاقب العبد عليه إلا بعمل الظلم، فكيف بمن أتى فيه أعظم الظلم، من الكفر والشرك، والصد عن سبيله، ومنع من يريده بزيارة، فما ظنكم أن يفعل الله بهم؟!! وفي هذه الآية الكريمة، وجوب احترام الحرم، وشدة تعظيمه، والتحذير من إرادة المعاصي فيه وفعلها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 665 : 5 : 18 - سفين عن أبي حصين قال، أردت أن اعتكف - فقلت، سألت سعيد بن جبير، "أنت عاكف:، ثم قرأ {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} [الآية 25]. 666 : 6 : 19 - سفين عن السدي عن مرة عن بن مسعود أنه قال، من هم بخطية ولم يعملها، لم تكتب عليه حتى يعملها. ولو ان رجلاً هم، وهو يقدر، ان يقتل رجلاً عند البيت، لأذاقه الله عذاباً اليماً - ثم قرأ {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. [الآية 25].
همام الصنعاني
تفسير : 1907- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ}: [الآية: 25]، قال: سواءٌ فيه أهله وغيرهم. 1908- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن جابر، عن مجاهد، في قوله: {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ}: [الآية: 25]، قال: في تعظيمه وفي تحريمِهِ. 1909- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ}: [الآية: 25]، قال: هُوَ الشرك، من أشرك في بيت الله عذبه الله. 1910- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن عثمان بن الأسْودِ، عن مجاهد قال: سمعته يقول: بيع الطَّعَام بمكَّةَ إلحَادٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):