Verse. 2619 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

وَہُدُوْۗا اِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ۝۰ۚۖ وَہُدُوْۗا اِلٰى صِرَاطِ الْحَمِيْدِ۝۲۴
Wahudoo ila alttayyibi mina alqawli wahudoo ila sirati alhameedi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهدوا» في الدنيا «إلى الطيب من القول» وهو لا إله إلا الله «وهدوا إلى صراط الحميد» أي طريق الله المحمود ودينه.

24

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} أي أُرشِدوا إلى ذلك. قال ابن عباس: يريد لا إلٰه إلا الله والحمد لله. وقيل: القرآن، ثم قيل: هذا في الدنيا، هُدُوا إلى الشهادة، وقراءة القرآن. {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} أي إلى صراط الله. وصراط الله: دينه وهو الإسلام. وقيل: هُدُوا في الآخرة إلى الطيِّب من القول، وهو الحمد لله؛ لأنهم يقولون غداً الحمد لله الذي هدانا لهذا، الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَن؛ فليس في الجنة لَغْوٌ ولا كذب فما يقولونه فهو طيب القول. وقد هُدُوا في الجنة إلى صراط الله، إذ ليس في الجنة شيء من مخالفة أمر الله. وقيل: الطيب من القول ما يأتيهم من الله من البِشارات الحسنة {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} أي إلى طريق الجنة.

البيضاوي

تفسير : {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } وهو قولهم {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ }تفسير : [الزمر: 74] أو كلمة التوحيد. {وَهُدُواْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْحَمِيدِ } المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة، أو الحق أو المستحق لذاته الحمد وهو الله سبحانه وتعالى وصراطه الإِسلام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُدُواْ } في الدنيا {إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } وهو لا إله إلا الله {وَهُدُواْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْحَمِيدِ } أي طريق الله المحمود ودينه.

ابن عبد السلام

تفسير : {الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} لا إله إلا الله، أو الإيمان، أو القرآن، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. {صِرَاطِ الْحَمِيدِ} الإسلام، أو الجنة.

النسفي

تفسير : {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْحَمِيدِ } أي أرشد هؤلاء في الدنيا إلى كلمة التوحيد و {إلى صراط الحميد} أي الإسلام أو هداهم الله في الآخرة وألهمهم أن يقولوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده وهداهم إلى طريق الجنة. والحميد الله المحمود بكل لسان. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي يمنعون عن الدخول في الإسلام ويصدون، حال من فاعل {كفروا} أي وهم يصدون أي الصدود منهم مستمر دائم كما يقال «فلان يحسن إلى الفقراء» فإنه يراد به استمرار وجود الإحسان منه في الحال والاستقبال {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي ويصدون عن المسجد الحرام والدخول فيه {ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ } مطلقاً من غير فرق بين حاضر وبادٍ، فإن أريد به البيت فالمعنى أنه قبلة لجميع الناس {سَوَآء } بالنصب: حفص مفعول ثانٍ لـ {جعلناه} أي جعلناه مستوياً {ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ } وغير المقيم. بالياء: مكي وافقه أبو عمرو في الوصل وغيره بالرفع على أنه خبر والمبتدأ مؤخر أي العاكف فيه والباد سواء، والجملة مفعول ثانٍ {للناس} حال {وَمَن يُرِدْ فِيهِ } في المسجد الحرام {بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } حالان مترادفان ومفعول {يرد} متروك ليتناول كل متناول كأنه قال: ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً، فالإلحاد العدول عن القصد {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } في الآخرة وخبر «إن» محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك. {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ } واذكر يا محمد حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة وقد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها فكنست مكان البيت فبناه على أسه القديم {أن} هي المفسرة للقول المقدر أي قائلين له {لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ } من الأصنام والأقذار: وبفتح الياء: مدني وحفص {لِلطَّائِفِينَ } لمن يطوف به {وَٱلْقَائِمِينَ } والمقيمين بمكة {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } المصلين جمع راكع وساجد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وهدوا إلى الطيب‏}‏ قال‏:‏ ألهموا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ‏{‏وهدوا إلى الطيب من القول‏} ‏ قال‏:‏ في الخصومة، إذ قالوا‏:‏ الله مولانا ولا مولى لكم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد ‏ {‏وهدوا إلى الطيب من القول‏} ‏ قال‏:‏ القرآن ‏ {‏وهدوا إلى صراط الحميد‏} ‏ قال‏:‏ الإسلام‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ‏{‏وهدوا إلى الطيب من القول‏} ‏ قال‏:‏ الإخلاص ‏{‏وهدوا إلى صراط الحميد‏}‏ قال‏:‏ الإسلام‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏{‏وهدوا إلى الطيب من القول‏} ‏ قال‏:‏ لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله، الذي قال ‏{‏إليه يصعد الكلم الطيب‏}‏‏. وأخرج عبد حميد عن ابن عباس قال‏:‏ الحرم كله هو المسجد الحرام‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله ‏ {‏سواء العاكف فيه والباد‏}‏ قال‏:‏ خلق الله فيه سواء‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏سواء‏} ‏ يعني شرعاً واحداً ‏ {‏العاكف فيه‏} ‏ قال‏:‏ أهل مكة في مكة أيام الحج ‏ {‏والباد‏}‏ قال‏:‏ من كان في غير أهلها من يعتكف به من الآفاق، قال‏:‏ هم في منازل مكة، سواء، فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال البادي وأهل مكة سواء في المنزل والحرم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء ‏{‏سواء العاكف فيه والباد‏}‏ قال‏:‏ سواء في تعظيم البلد وتحريمه‏. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان، عن قتادة في الآية قال‏:‏ ‏ {‏سواء‏} ‏ في جواره وأمنه وحرمته ‏ {‏العاكف فيه‏}‏ أهل مكة ‏ {‏والباد‏}‏ من يعتكفه من أهل الآفاق‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن حصين قال‏:‏ سألت سعيد بن جبير‏:‏ أعتكف بمكة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏‏.‏‏.‏ أنت معتكف ما أقمت‏.‏ قال الله ‏{‏سواء العاكف فيه والباد‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد في الآية قال‏:‏ الناس بمكة سواء، ليس أحد أحق بالمنازل من أحد‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن عبدالله بن عمرو قال‏:‏ من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطنه نارا‏ً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء، أنه كان يكره أن تباع بيوت مكة أو تكرى‏. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يكره إجارة بيوت مكة‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر، أن عمر نهى أن تغلق أبواب دور مكة، فإن الناس كانوا ينزلون منها حيث وجدوا، حتى كانوا يضربون فساطيطهم في الدور‏. وأخرج ابن سعد عن عمر بن الخطاب، أن رجلاً قال له عند المروة‏:‏ يا أمير المؤمنين، أقطعني مكاناً لي ولعقبي‏.‏ فأعرض عنه عمر وقال‏:‏ هو حرم الله ‏ {‏سواء العاكف فيه والباد‏}. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال‏:‏ بيوت مكة لا تحل إجارتها‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جريج قال‏:‏ أنا قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز على الناس بمكة، فنهاهم عن كراء بيوت مكة ودورها‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم قال‏:‏ من أكل شيئاً من كراء مكة، فإنما يأكل ناراً‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال‏:‏ كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبواباً حتى ينزل الحاج في عرصات الدور‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه قال‏:‏ لم يكن للدور بمكة أبواب، كان أهل مصر وأهل العراق يأتون فيدخلون دور مكة‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط في قوله ‏ {‏سواء العاكف فيه والباد‏} ‏ قال‏:‏ البادي، الذي يجيء من الحج والمقيمون سواء في المنازل ينزلون حيث شاؤوا ولا يخرج رجل من بيته‏. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح، عن ابن عباس قال‏:‏‏ ‏حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى ‏{‏سواء العاكف فيه والباد‏} ‏ قال‏: ‏"سواء المقيم والذي يرحل" ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله ‏ {‏سواء العاكف فيه والباد‏} ‏ قال‏:‏ ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن علقمة بن نضلة قال‏:‏ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن عمر أنه قال‏:‏ يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث شاء‏. وأخرج الدارقطني عن ابن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن راهويه وأحمد وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن مسعود رفعه في قوله ‏ {‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏}‏ قال‏:‏ لو أن رجلاً هم فيه بإلحاد وهو بعدن أبين، لأذاقه الله تعالى عذاباً أليما‏ً. وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود في قوله ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم‏} ‏ قال‏:‏ من هم بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين‏:‏ أحدهما مهاجري والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب فغضب عبد الله بن أنيس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة‏.‏ فنزلت فيه ‏ {‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم‏} ‏ يعني من لجأ إلى الحرم ‏{‏بإلحاد‏} ‏ يعني بميل عن الإسلام‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان، عن قتادة في قوله ‏ {‏ومن يرد فيه بإلحاد‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏ .‏ قال‏:‏ من لجأ إلى الحرم ليشرك فيه عذبه الله‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏}‏ قال‏:‏ بشرك‏. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏} ‏ قال‏:‏ هو أن يعبد فيه غير الله‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏}‏ يعني أن تستحل من الحرام ما حرم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك‏.‏ فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم‏. وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت في قوله ‏ {‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏} ‏ قال‏:‏ هم المحتكرون الطعام بمكة‏. وأخرج البخاري في تاريخه وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن يعلى بن أمية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال‏:‏ بيع الطعام بمكة إلحاد‏. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : احتكار الطعام بمكة إلحاد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن مجاهد قال‏:‏ كان لعبد الله بن عمرو فسطاطان‏:‏ أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يصلي صلى في الذي في الحرم، واذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الذي في الحل‏.‏ فقيل له فقال‏:‏ كنا نحدَّث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل‏:‏ كلا والله وبلى والله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآيه قال‏:‏ شتم الخادم في الحرم ظلم فما فوقه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال‏:‏ تجارة الأمير بمكة إلحاد‏. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ أقبل تبع بريد الكعبة، حتى إذا كان بكراع الغميم بعث الله تعالى عليه ريحاً، لا يكاد القائم يقوم إلا بمشقة‏.‏ ويذهب القائم يقعد فيصرع، وقامت عليه ولقوا منها عناء، ودعا تبع حبريه فسألهما‏:‏ ما هذا الذي بعث علي‏ّ؟‏ قالا‏:‏ أو تؤمنا‏؟‏ قال‏:‏ أنتم آمنون‏.‏ قالا‏:‏ فإنك تريد بيتاً يمنعه الله ممن أراده‏!‏ قال‏: ‏فما يذهب هذا عني‏؟‏ قالا‏:‏ تجرد في ثوبين ثم تقول‏:‏ لبيك اللهم لبيك، ثم تدخل فتطوف به فلا تهيج أحداً من أهله‏.‏ قال‏:‏ فإن أجمعت على هذا، ذهبت هذه الريح عني‏؟‏ قالا: نعم‏.‏ فتجرد ثم لبى فأدبرت الريح كقطع الليل المظلم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم‏} ‏ قال‏:‏ حدثنا شيخ من عقب المهاجرين والأنصار، أنهم أخبروه أن أيما أحد أراد به ما أراد أصحاب الفيل، عجل لهم العقوبة في الدنيا وقال‏:‏ إنما يؤتي استحلاله من قبل أهله‏.‏ فأخبرني عنهم أنه وجد سطران بمكة مكتوبان في المقام‏:‏ أما أحدهما، فكان كتابته‏:‏ بسم الله والبركة، وضعت بيتي بمكة طعام أهله اللحم والسمن والتمر، ومن دخله كان آمناً لا يحله إلا أهله‏.‏ قال‏:‏ لولا أن أهله هم الذين فعلوا به ما قد علمت لعجل لهم في الدنيا العذاب‏.‏ قال‏:‏ ثم أخبرني أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ قبل أن يستحل منه الذي يستحل قال‏:‏ أجد مكتوباً في الكتاب الأول‏:‏ عبد الله يستحل به الحرم، وعنده عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير‏.‏ فقال‏:‏ عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، قال كل واحد منهما‏:‏ لست قاراً به إلا حاجاً أو معتمراً أو حاجة لا بد منها‏.‏ وسكت عبد الله بن الزبير فلم يقل شيئاً فاستحل من بعد ذلك‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال‏:‏ من هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها‏.‏ ولو أن رجلاً كان بعدن أبين حدث نفسه بأن يلحد في البيت، والإلحاد فيه‏:‏ أن يستحل فيه ما حرم الله عليه فمات قبل أن يصل إلى ذلك، أذاقه الله من عذاب أليم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد‏} ‏ قال‏:‏ ان الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه وما عملها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد قال‏:‏ تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح ‏ {‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏}‏ قال‏:‏ القتل والشرك‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي مليكة، أنه سئل عن قوله ‏ {‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏}‏ قال‏:‏ ما كنا نشك أنها الذنوب حتى جاء إعلاج من أهل البصرة إلى إعلاج من أهل الكوفة، فزعموا أنها الشرك‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ ما من عبد يهم بذنب فيؤاخذه الله بشيء حتى يعمله، إلا من هم بالبيت العتيق شراً فإنه من هم به شراً عجل الله له‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي الحجاج في الآية قال‏:‏ إن الرجل يحدث نفسه أن يعمل ذنباً بمكة فيكتبه الله عليه ذنبا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ رأيت عبد الله بن عمرو بعرفة، ومنزله في الحل ومسجده في الحرم فقلت له‏:‏ لم تفعل هذا‏؟‏‏؟‏ قال‏:‏ لأن العلم فيه أفضل والخطيئة فيه أعظم‏.‏ والله أعلم‏. وأخرج أبو الشيخ وابن عدي وابن مردويه والديلمي بسند ضعيف، عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : دثر مكان البيت فلم يحجه هود ولا صالح حتى بوأه الله لإبراهيم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من طريق حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال‏:‏ يا إبراهيم، ابن على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص‏.‏ فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر‏.‏ وذلك حين يقول الله ‏ {‏وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رياح قال‏:‏ لما أهبط الله آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، فيسمع كلام أهل السماء ودعاءهم فيأنس إليهم، فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فأخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة فكان موضع قدمه قرية وخطوة مفازة، حتى انتهى إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطاف به حتى أنزل الله الطوفان فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم فبناه‏.‏ فذلك قول الله ‏ {‏وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق معمر، عن قتادة قال‏:‏ وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذلك إلى الله فقال الله‏:‏ ‏"‏حديث : يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي‏.‏‏.‏‏.‏ فاخرج إليه‏"‏‏‏ تفسير : . فخرج اليه آدم ومدّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة‏.‏ فلم تزل تلك المفاوز بعد على ذلك‏.‏‏.‏‏.‏ وأتى آدم فطاف به ومن بعده من الأنبياء‏. قال معمر‏:‏ وأخبرني أبان أن البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة‏.‏ قال معمر‏:‏ وبلغني أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً، حتى إذا أغرق الله قوم نوح فقدوا بقي أساسه، فبوّأه الله لإبراهيم فبناه بعد ذلك‏.‏ فذلك قول الله ‏ {‏وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏ .‏ قال معمر‏:‏ قال ابن جريج‏:‏ قال ناس‏:‏ أرسل الله سبحانه سحابه فيها رأس، فقال الرأس‏:‏ يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تأخذ قدر هذه السحابة‏.‏ فجعل ينظر إليها ويخط قدرها‏.‏ قال الرأس‏:‏ قد فعلت‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ ثم ارتفعت فحفر فأبرز عن أساس ثابت في الأرض‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ قال مجاهد‏:‏ أقبل الملك والصرد والسكينة مع إبراهيم من الشام، فقالت السكينة‏:‏ يا إبراهيم، ريض على البيت‏.‏ قال‏:‏ فلذلك لا يطوف البيت أعرابي ولا ملك من هذه الملوك، إلا رأيت عليه السكينة والوقار‏. قال ابن جريج‏:‏ وقال ابن المسيب‏:‏ قال علي بن أبي طالب‏:‏ وكان الله استودع الركن أبا قبيس، فلما بنى إبراهيم ناداه أبو قبيس فقال‏:‏ يا إبراهيم، هذا الركن فيّ فخده‏.‏ فحفر عنه فوضعه، فلما فرغ إبراهيم من بنائه قال‏:‏ قد فعلت يا رب، فأرنا مناسكنا‏.‏‏.‏‏.‏ أبرزها لنا وعلمناها‏.‏ فبعث الله جبريل فحج به، حتى إذا رأى عرفة قال‏:‏ قد عرفت‏.‏ وكان أتاها قبل ذلك مرة‏.‏ قال‏:‏ فلذلك سميت عرفة، حتى إذا كان يوم النحر عرض له الشيطان فقال‏:‏ احصب‏.‏ فحصبه بسبع حصيات‏.‏ ثم اليوم الثاني فالثالث فسدّ ما بين الجبلين - يعني إبليس - فلذلك كان رمي الجمار‏.‏ قال‏:‏ اعل على ثبير‏.‏ فعلاه فنادى‏:‏ يا عباد الله، أجيبوا الله‏.‏‏.‏‏.‏ يا عباد الله، أطيعوا الله‏.‏‏.‏‏.‏ فسمع دعوته من بين الأبحر السبع ممن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان‏.‏ فهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك قوله‏:‏ لبيك اللهم لبيك، ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال‏:‏ كان البيت غثاة - وهي الماء - قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عاماً، ومنه دحيت الأرض‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن السدي قال‏:‏ إن الله عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل، فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة من البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس‏.‏ فذلك حين يقول الله ‏ {‏وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت‏} ‏ فلما بنيا القواعد فبلغ مكان الركن، قال إبراهيم لإسماعيل‏:‏ اطلب لي حجراً حسناً أضعه ههنا‏.‏ قال‏:‏ يا أبت، اني كسلان لغب‏.‏ قال‏:‏ عليّ ذلك‏.‏ فانطلق يطلب له حجراً فأتاه بحجر فلم يرضه، فقال‏:‏ ائتني بحجر أحسن من هذا‏.‏ فانطلق يطلب حجراً فجاءه جبريل بالحجر الأسود من الجنة، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسوّد من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجد عنده الركن فقال‏:‏ يا أبت، من جاءك بهذا‏؟‏ قال‏:‏ جاءني به من هو أنشط منك‏.‏ فبينما هما يدعوان بالكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه، فلما فرغا من البنيان أمره الله أن ينادي‏.‏ فقال ‏ {‏أذن في الناس بالحج‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن حوشب بن عقيل قال‏:‏ سألت محمد بن عباد بن جعفر‏:‏ متى كان البيت‏؟‏ قال‏:‏ خلقت الأشهر له‏.‏ قلت‏:‏ كم كان طول بناء إبراهيم‏؟‏ قال‏:‏ ثمانية عشر ذراعا‏ً.‏ قلت‏:‏ كم هو اليوم‏‏ قال‏:‏ ستة وعشرون ذراعاً‏:‏ قلت‏:‏ هل بقي من حجارة بناء إبراهيم شيء‏؟‏ قال‏:‏ حشي به البيت إلا حجرين مما يليا الحجر‏. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ قال الله لنبيه ‏{‏وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود‏} ‏ قال‏:‏ طواف قبل الصلاة‏.‏ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة، إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله ‏ {‏للطائفين‏} ‏ قال‏:‏ الذين يطوفون به ‏ {‏والقائمين‏}‏ قال‏:‏ المصلين عنده‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ القائمون، المصلون‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال‏:‏ لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال‏:‏ ربّ، قد فرغت‏.‏ فقال ‏{‏أذن في الناس بالحج‏} ‏ قال‏:‏ ربّ، وما يبلغ صوتي‏؟‏ قال‏:‏ أذّن وعليّ البلاغ‏.‏ قال‏:‏ ربّ، كيف أقول‏؟‏ قال‏:‏ يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق‏.‏‏.‏‏.‏ فسمعه من بين السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي، عن ابن عباس قال‏:‏ لما بنى إبراهيم البيت، أوحى الله إليه أن أذن في الناس بالحج‏.‏ فقال‏:‏ ألا إن ربكم قد اتخذ بيتاً وأمركم أن تحجوه‏.‏ فاستجاب له ما سمعه من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء‏.‏ فقالوا‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ لما أمر الله إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج، صعد أبا قبيس فوضع أصبعيه في أذنيه ثم نادى‏:‏ إن الله كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم‏.‏ فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن‏.‏ فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة، إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ. وأخرج الديلمي بسندٍ واهٍ، عن علي رفعه‏:‏ لما نادى إبراهيم بالحج لبى الخلق، فمن لبى تلبية واحدة حج حجة واحدة، ومن لبى مرتين حج حجتين، ومن زاد فبحساب ذلك‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وأذّن في الناس بالحج‏}‏ قال‏:‏ قام إبراهيم عليه السلام على الحجر فنادى‏:‏ يا أيها الناس، كتب عليكم الحج‏.‏‏.‏‏.‏ فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجاب من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ‏ {‏وأذن في الناس بالحج‏}‏ قال‏:‏ وقرت في كل ذكر وأنثى‏. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، أوحى الله إليه أن ‏ {‏أذن في الناس بالحج‏} ‏ فخرج فنادى في الناس‏:‏ يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه‏.‏ فلم يسمعه حينئذ من إنس ولا جن ولا شجرة ولا أكمة ولا تراب ولا جبل ولا ماء ولا شيء، إلا قال‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏. وأخرج أبو الشيخ في كتاب الأذان، عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ أخذ الأذان من أذان إبراهيم في الحج ‏ {‏وأذن في الناس بالحج‏}‏ قال‏:‏ فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال‏:‏ لما أمر إبراهيم عليه السلام بدعاء الناس إلى الله، استقبل المشرق فدعا، ثم استقبل المغرب فدعا، ثم استقبل الشام فدعا، ثم استقبل اليمن فدعا، فأجيب‏:‏ لبيك لبيك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة، أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام أن ‏{‏أذن في الناس بالحج‏} ‏ فقام على الحجر فقال‏:‏ يا أيها الناس، إن الله يأمركم بالحج‏.‏ فأجابه من كان مخلوقاً في الأرض يومئذ، ومن كان في أرحام النساء، ومن كان في أصلاب الرجال، ومن كان في البحور، فقالوا‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ قال جبريل لإبراهيم ‏ {‏وأذن في الناس بالحج‏}‏ قال‏:‏ كيف أؤذن‏؟‏ قال‏:‏ قل يا أيها الناس، أجيبوا إلى ربكم‏؛‏ ثلاث مرات‏.‏ فأجاب العباد فقالوا‏:‏ لبيك اللهم ربنا لبيك، لبيك اللهم ربنا لبيك‏.‏ فمن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق فهو حاج‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء البيت، أمر إبراهيم أن يؤذن بالحج، فقام على الصفا فنادى بصوت سمعه ما بين المشرق والمغرب يا أيها الناس، أجيبوا إلى ربكم‏.‏ فأجابوه وهم في أصلاب آبائهم فقالوا‏:‏ لبيك‏.‏ قال‏:‏ فإنما يحج البيت اليوم من أجاب إبراهيم يومئذ‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ لما أذن إبراهيم بالحج قال‏:‏ يا أيها الناس، أجيبوا ربكم‏.‏ فلبى كل رطب ويابس‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد قال‏:‏ لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، قام على المقام فنادى بصوت أسمع من بين المشرق والمغرب‏:‏ يا أيها الناس، أجيبوا ربكم‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد قال‏:‏ قال إبراهيم‏:‏ كيف أقول‏؟‏ قال‏:‏ قل يا أيها الناس أجيبوا ربكم‏.‏ فما خلق الله من جبل ولا شجر ولا شيء من المطيعين له، إلا ينادي‏:‏ لبيك اللهم لبيك‏.‏ فصارت التلبية‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ تطاول به المقام حتى كان كأطول جبل في الأرض، فأذن فيهم بالحج فأسمع من تحت البحور السبع وقالوا‏:‏ لبيك أطعنا‏.‏‏.‏‏.‏ لبيك أجبنا‏.‏ فكل من حج إلى يوم القيامة ممن استجاب له يومئذ‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ قيل لإبراهيم ‏ {‏أذن في الناس بالحج‏}‏ قال‏:‏ يا رب، كيف أقول‏؟‏ قال‏:‏ قل لبيك اللهم لبيك‏.‏ فكان إبراهيم أول من لبى‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ لما أمر إبراهيم بالحج قام على المقام فنادى نداء سمعه جميع أهل الأرض‏:‏ ألا إن ربكم قد وضع بيتاً وأمركم أن تحجوه‏.‏ فجعل الله في أثر قدميه آية في الصخرة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء قال‏:‏ صعد إبراهيم على الصفا فقال‏:‏ يا أيها الناس، أجيبوا ربكم‏.‏ فأسمع من كان حياً في أصلاب الرجال‏. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال‏:‏ أجاب إبراهيم كل جنّي وإنسي وكل شجر وحجر‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال‏:‏ لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس، تواضعت له الجبال ورفعت له الأرض فقام فقال‏:‏ يا أيها الناس، أجيبوا ربكم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ صعد إبراهيم أبا قبيس فقال‏:‏ الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن إبراهيم رسول الله‏.‏‏.‏‏.‏ أيها الناس، إن الله أمرني أن أنادي في الناس بالحج‏.‏‏.‏‏.‏ أيها الناس، أجيبوا ربكم‏.‏ فأجابه من أخذ الله ميثاقه بالحج إلى يوم القيامة‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وأذن في الناس بالحج‏}‏ يعني بالناس أهل القبلة، ألم تسمع أنه قال {أية : إن أول بيت وضع للناس‏.‏‏.‏‏.‏‏} تفسير : [آل عمران: 96] إلى قوله {أية : ومن دخله كان آمنا‏ً} ‏تفسير : [‏آل عمران: 97‏]‏ يقول‏:‏ ومن دخله من الناس الذين أمر أن يؤذن فيهم وكتب عليهم الحج‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس، ‏ {‏يأتوك رجالا‏ً} ‏ قال‏:‏ مشاة ‏ {‏وعلى كل ضامر‏} ‏ قال‏:‏ الإبل ‏ {‏يأتين من كل فج عميق‏} ‏ قال‏:‏ بعيد‏. وأخرج الخطيب في تاريخه عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ ما آسى على شيء إلا أني لم أكن حججت راجلاً؛ لأني سمعت الله يقول ‏ {‏يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر‏} ‏ وهكذا كان يقرأوها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ما آسى على شيء فاتني، إلا أني لم أحج ماشياً حتى أدركني الكبر أسمع الله تعالى يقول ‏{‏يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر‏}‏ فبدأ بالرجال قبل الركبان‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد، أن إبراهيم وإسماعيل حجا وهما ماشيان‏. وأخرج ابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏من حج من مكة ماشياً حتى يرجع إلى مكة، كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم‏.‏ قيل‏:‏ وما حسنات الحرم‏؟‏ قال‏:‏ بكل حسنة مائة ألف حسنة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد وابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل قدم سبعمائة حسنة من حسنات الحرم‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله، وما حسنات الحرم‏!‏‏؟‏ قال‏: الحسنة مائة ألف حسنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الملائكة لتصافح ركاب الحجاج وتعتنق المشاة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏يأتوك رجالاً‏} ‏ قال‏:‏ على أرجلهم ‏ {‏وعلى كل ضامر‏}‏ قال‏:‏ الإبل ‏ {‏يأتون من كل فج عميق‏} ‏ يعني مكان بعيد‏. وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ كانوا يحجون ولا يتزوّدون، فأنزل الله ‏{أية : ‏وتزودوا‏}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 197‏]‏‏.‏ وكانوا يحجون ولا يركبون، فأنزل الله ‏ {‏يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر‏} ‏ فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر‏. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏من كل فج عميق‏}‏ قال‏:‏ طريق بعيد قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قول الشاعر‏: شعر : فساروا العناء وسدوا الفجاج بأجساد عادلها آيدات تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر‏} ‏ قال‏:‏ هم المشاة والركبان‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وعلى كل ضامر‏}‏ قال‏:‏ ما تبلغه المطي حتى تضمر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏من كل فج عميق‏}‏ قال‏:‏ طريق بعيد‏. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه مثله‏. وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه ‏{‏من كل فج عميق‏} ‏ قال‏:‏ مكان بعيد‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه مثله‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبيد بن عمير قال‏:‏ لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركباً يريدون البيت فقال‏:‏ من أنتم‏؟‏ فأجابه أحدثهم سناً فقال‏:‏ عباد الله المسلمون‏.‏ فقال‏:‏ من أين جئتم‏؟‏ قال‏:‏ من الفج العميق‏.‏ قال‏:‏ أين تريدون‏؟‏ قال‏:‏ البيت العتيق‏.‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ تأوّلها لعمر الله‏.‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ من أميركم‏؟‏ فأشار إلى شيخ منهم، فقال عمر‏:‏ بل أنت أميرهم لأحدثهم سناً الذي أجابه‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏ليشهدوا منافع لهم‏} ‏ قال‏:‏ أسواقاً كانت لهم‏.‏ ما ذكر الله منافع إلا الدنيا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ليشهدوا منافع لهم‏}‏ قال‏:‏ منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة‏.‏ فأمّا منافع الآخرة، فرضوان الله عز وجل‏.‏ وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏ليشهدوا منافع لهم‏} ‏ قال‏:‏ الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ويذكروا اسم الله‏} ‏ قال‏:‏ فيما ينحرون من البدن‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ويذكروا اسم الله‏}‏ قال‏:‏ كان يقال‏:‏ إذا ذبحت نسيكتك فقل بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك عن فلان، ثم كل وأطعم كما أمرك الله‏:‏ الجار والأقرب فالأقرب‏. وأخرج أبو بكر المروزي في كتاب العيدين وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الأيام المعلومات، أيام العشر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الأيام المعلومات‏:‏ يوم النحر وثلاثة أيام بعده‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏في أيام معلومات‏}‏ يعني أيام التشريق‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ‏{‏في أيام معلومات‏} ‏ يعني أيام التشريق ‏ {‏على ما رزقهم من بهيمة الأنعام‏} ‏ يعني البدن‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ الأيام المعلومات والمعدودات، هن جميعهن أربعة أيام‏.‏ فالمعلومات، يوم النحر ويومان بعده‏.‏ والمعدودات، ثلاثة أيام بعد يوم النحر‏. وأخرج ابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ الأيام المعلومات، يوم النحر وثلاثة أيام بعده‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏في أيام معلومات‏}‏ قال‏:‏ قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ومجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ الأيام المعلومات، أيام العشر‏. وأخرج عن سعيد بن جبير والحسن رضي الله عنه مثله‏. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم رضي الله عنه قال‏:‏ كان المشركون لا يأكلون من ذبائح نسائكم، فأنزل الله ‏ {‏فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير‏} ‏ فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن مجاهد في الآية قال‏:‏ هي رخصة، إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل‏.‏ بمنزلة قوله‏:‏ ‏ {وإذا حللتم فاصطادوا‏}‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ‏ {‏فكلوا منها وأطعموا‏}‏ قال‏:‏ إذا ذبحتم فاهدوا وكلوا وأطعموا وأقلوا لحوم الأضاحي عندكم‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي رضي الله عنه ‏{‏فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير‏}‏ قال‏:‏ هي في الأضاحي‏. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه قال‏:‏ إن شاء أكل من الهدي والأضحية؛ وإن شاء لم يأكل‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فكلوا منها‏} ‏ أن ابن مسعود كان يقول للذي يبعث‏:‏ بهديه معه: كُلْ ثلثاً، وتصدق بالثلث، واهد لآل عتبة ثلثاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ "حديث : نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل جزور بضعة، فجعلت في قدر فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي من اللحم وحسوا من المرق"‏تفسير : .‏ قال سفيان‏:‏ لأن الله يقول ‏{‏فكلوا منها‏}‏‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏{‏وأطعموا البائس‏}‏ قال‏:‏ الزمن‏. وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قول الله ‏ {‏وأطعموا البائس الفقير‏} ‏ قال‏:‏ ‏ {‏البائس‏}‏ الذي لم يجد شيئاً من شدة الحاجة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت طرفة وهو يقول‏:‏ شعر : يغشاهم البائس المدقع والضيف وجار مجاور جنب تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ومجاهد قالا ‏ {‏البائس‏} ‏ الذي يمد كفيه إلى الناس يسأل‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏البائس‏}‏ المضطر الذي عليه البؤس و ‏{‏الفقير‏} ‏ الضعيف‏. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏و {‏البائس الفقير‏}‏ قال‏:‏ هما سواء‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏ {‏البائس الفقير‏}‏ الذي به زمانه وهو فقير‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} [الآية: 24]. قال ابن عطاء: الطيب من القول: هو النصيحة للمسلمين. وقال بعضهم: الطيب من القول: قراءة القرآن.

القشيري

تفسير : الطيبُ من القول ما صَدَر عن قلبٍ خالصٍ، وسِرٍّ صافٍ مما يَرْضَى به علم التوحيد، فهو الذي لا اعتراض عليه للأصول. ويقال الطيب من القول ما يكون وعظاً للمسترشدين، ويقال الطيبُ من القول هو إرشاد المريدين إلى الله. ويقال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقال الدعاء للمسلمين. ويقال كلمة حقٍ عند من يُخَافُ ويُرْجَى. ويقال الشهادتان عن قلبٍ مخلص. ويقال ما كان قائله فيه مغفوراً وهو مُسْتَنْطَقٌ. ويقال هو بيان الاستغفار والعبد بريءٌ من الذنوب. ويقال الإقرار بقوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23]. ويقال أَنْ تَدْعُوَ للمسلمين بما لا يكون لَكَ فيه نصيب. وأَمَّا {صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ}: فالإضافة فيه كالإضافة عند قولهم: مسجد الجامع أي المسجد الجامع والصراط الحميد: الطريق المرضي وهو ما شهدت له الشريعة بالصحة، وليس للحقيقة عليه نكير. ويقال الصراط الحميد: ما كان طريق الاتباع دون الابتداع.

البقلي

تفسير : وصف من ندخل جنان المشاهدة ورتعوا رياض المكاشفة عرفوا طيب الخطاب فى مقام المداناة والمناجاة وكوشف لهم انوار سبل الذات والصفات طيب الله السنتهم وقلوبهم بطيب ذكره وهداهم السبل معرفته قال ابن عطا الطيب من القول هو ذكر الله وقال جعفر هو الامر بالمعروف وقيل هو نصيحة المسلمين وقيل هو قرأه القرأن قال الاستاذ الطيب من القول ما صدر عن قلب خالص وسر صادق مما رضى به علوم التوحيد الذى لا اعترض عليه للاصول ويقال صراط الحميد ما كان طريق الاتباع دون الابتداع.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهدوا الى الطيب من القول} [راه نموده شده اند مؤمنان به با كيزه ازقول بسخنهاى باك راه نمايند ايشانرا درآخرت وآن جنان باشدكه جون نظر ايشان بربهشت افتدكويند "الحمد لله الذي هدانا لهذا" وجون ببهشت در آيندبرزبان رانندكه "الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن" وجون درمنارل خود قرار كيرند كويند "الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الارض" الآية واكثر مفسران برانندكه ايشان راه يافته اند بقول طيب دردنياكه كلمه طيبه "لا اله الا الله ومحمد رسول الله" است] كما قال فى التأويلات النجمية هو الاخلاص فى قول لا اله الا الله والعمل به، وقال فى حقائق البقلى هو الذكر اوالامر بالمعروف او نصيحة المسلمين او دعاء المؤمنين وارشاد السالكين، قال الكاشفى [حضرت الهى در كشف الاسرار فرموده كه كلام باكيزه آنست كه ازدعوى باك باشد وازعجب دوروبنياز نزديك. سهل تسترى رحمه الله فرموده كه درين كلام نظر كردم هيج راه بحق نزديكنر ازنياز نديدم وهيج عجائب صعبتر ازدعوى نيافتم شعر : ايمن آبادست اين راه نياز ترك نازش كيروبا اين ره بساز روبترك دعوى دوعت بكو راه حق ازكبرو از نخوت مجو تفسير : {وهدوا الى صراط الحميد} اى المحمود نفسه او عاقبته وهو الجنة اخر بيان الهداية لرعاية الفواصل، وقال الكاشفى [وراه يافته شده اند اهل ايمان براه خداوند ستوده كه دين اسلامست] اى فيكون المعنى دين الله المحمود فى افعاله. وفى التأويلات النجمية هو الطريق الى الله فان الحميد هو الله تعالى، واعلم ان علامة الاهتداء الى الطريق القويم السلوك بقدم العمل الصالح وهو ما كان خالصا لله تعالى ومجرد الايمان وان كان يمنع المؤمن من الخلود فى النار ويدخله الجنة لكن العمل يزيد نور الايمان وبه يتنور قلب المؤمن، قال موسى عليه السلام يارب اى عبادك اعجز قال الذى يطلب الجنة لا عمل والرزق بلا دعاء قال وأى عبادك ابخل قال الذى سأله سائل وهو يقدر على اطعامه ولم يطعمه وكان رجل بيثرب جمع قوما من ندمائه ودفع الى غلام له اربعة دراهم وامره ان يشترى شيأ من الفواكه للمجلس فمر الغلام بباب مسجد منصور بن عمار وهو يسأل الفقير شيئا ويقول من دفع اليه اربعة دراهم دعوت له اربع دعوات فدفع لغلام الدراهم فقال منصور ما الذى تريد ان ادعولك فقال لى سيد اريد ان اتخلص منه فدعاه منصور ثم قال والآخران يخلف الله على دارهمى فدعاه ثم قبل والآخر فقال ان يتوب الله على سدى فدعاه ثم قال والآخر فقال ان يغفر الله لى ولسيدى ولك وللقوم فدعاه منصور فرجع الغلام الى سيده فقال لم ابطأت فقص عليه القصة فقال وبم دعا فقال سألت لنفسى العتق فقال اذهب فانت حر ثم قال وأى شىء الثانى فقال ان يخلف الله علىّ الدراهم فقال لك اربعة آلاف درهم ثم قال وأى شىء الثالث فقال ان يتوب الله عليك فقال تبت الى الله ثم قال وأى شيء الرابع فقال ان يغفر الله لى ولك وللمذكور وللقوم فقال هذا الواحد ليس الىّ فلما بات رأى فى المنام كأن قائلا يقول له انت فعلت ما كان اليك أترى أنى لا افعل ما الىّ فقد غفرت لك وللغلام ولمنصور وللقوم الحاضرين ففى الحكاية فوائد لا تخفى نسأل الله المغفرة والعاقبة المحمودة شعر : توجا كر در سلطان عشق شوجواياز كه هست عاقبت كار عاشقان محمود

اطفيش

تفسير : {وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ} في الدنيا وهو لا اله الا الله. وقيل: المراد في الآخرة. وقيل: يقولون في الجنة لا اله الا الله والله اكبر وسبحان الله. وقيل: القرآن. وقيل: قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده. وقيل: ذكر الله مطلقا وما يجري بينهم من حديث طيب فانه لا تسمع فيها لاغية * {وَهُدُواْ إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ} أي إلى دين الله المحمود نفسه أو المحمودة جنته أو المحمودة هو الصراط اضيف الصراط إلى الحميد على ان الاصل إلى صراط هو الحميد. وقيل: من اضافة الموصوف إلا الصفة والاصل الصراط المحمود وذلك بالدنيا اليق.

اطفيش

تفسير : {وهُدوا إلى الطيَّب من القَوْل} فى الجنة هو: "أية : الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن" تفسير : [فاطر: 34] الى "أية : لغوب" تفسير : [فاطر: 35] و "أية : الحمد لله الذى صدقنا" تفسير : [الزمر: 74] الخ، وقيل ذلك وسائر ما يتحاورون به فى الجنة، وقيل قولهم فى الدنيا لا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر، وسائر الإذكار، والقرآن والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر {وهُدُوا} فى الجنَّة {إلى صراط الحَمِيد} طريق هو الطريق المحمود، على أن الإضافة للبيان أو صراط الله الحميد، أى المحمود أو الحامد للمؤمنين حمدا عظيما لهم، أى المثنى عليهم، وهى لأقوال والأفعال والمعاشرة الجاريات بينهم فى الجنة، أو هدوا فى الدنيا الى صراط الله الحميد، وهو دينه كما قال: "أية : إلى صراط العزيز الحميد"تفسير : [إبراهيم: 1، سبأ: 6] أو صراط هو دينه المحمود، أو طريق الجنة وهو الإسلام، أو الصراط الطريق إليها فى الأرض كما قال فى الأشقياء: "أية : فاهدوهم إلى صراط الجحيم" تفسير : [الصافات: 23].

الالوسي

تفسير : {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} وهو قولهم: { أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الزمر: 74] كما روي عن ابن عباس، وقيل: ما يعمه وسائر ما يقع في محاورة أهل الجنة بعضاً لبعض، وقيل: إن هذه الهداية في الدنيا فالطيب قول لا إلٰه إلا الله، وفي رواية عن ابن عباس ذلك مع زيادة والحمد لله، وزاد ابن زيد والله أكبر، وعن السدي هو القرآن، وحكى الماوردي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل: ما يعم ذلك وسائر الأذكار. {وَهُدُواْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْحَمِيدِ} أي المحمود جداً، وإضافة {صِرٰطِ} إليه قيل بيانية. والمراد به الإسلام فإنه صراط محمود من يسلكه أو محمود هو نفسه أو عاقبته، وقيل: الجنة وإطلاق الصراط عليها باعتبار أنها طريق للفوز بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقيل: {ٱلْحَمِيدِ} هو الجنة والإضافة على ظاهرها، والمراد بصراطها الإسلام أو الطريق المحسوس الموصل إليها يوم القيامة، واستظهر أن المراد من الحميد هو الله عز وجل المستحق لذاته لغاية الحمد. والمراد بصراطه تعالى الإسلام فإنه طريق إلى رضوانه تعالى. وقيل: الجنة فإنها طريق للفوز بما تقدم وأضيفت إليه تعالى للتشريف. وحاصل ما قالوه هنا أن الهداية تحتمل أن تكون في الآخرة وأن تكون في الدنيا وأن المراد بالحميد إما الحق تعالى شأنه وإما الجنة وإما الصراط نفسه، وبالصراط إما الإسلام وإما الجنة وإما الطريق المحسوس الموصل إليها يوم القيامة. ووجهوا تأخير هذه الجملة عن الجملة الأولى تارة بأنه لرعاية الفواصل وأخرى بأن ذكر الحمد الذي تضمنته الأولى يستدعي ذكر المحمود ولا يبعد أن يقال: إن الهداية في الجملتين في الآخرة بعد دخول الجنة وإن الإضافة هنا بيانية وإن المراد بالقول الطيب القول الذي تستلذه النفوس الواقع في محاورة أهل الجنة بعضهم لبعض. وبالصراط الحميد ما يسلكه أهل الجنة في معاملة بعضهم بعضاً من الأفعال التي يحمدون عليها أو مما هو أعم من ذلك. فحاصل الجملة الأولى وصف أهل الجنة بحسن الأقوال. وحاصل الثانية وصفهم بحسن الأفعال أو مما هو أعم منها ومن الأقوال. وكأنه تعالى بعد أن ذكر حسن مسكنهم وحليهم ولباسهم ذيل ذلك بحسن معاملة بعضهم بعضاً في الأقوال والأفعال إيماءاً إلى أن ما هم فيه لا يخرجهم إلى خشونة المقال ورداءة الأفعال المشينتين لحسن ما هم فيه والمنغصتين للذة الاجتماع. ووجه التقديم والتأخير على هذا غير خفي على الفطن. والذي اختاره أن القول الطيب قولهم بعد دخول الجنة { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } تفسير : [فاطر: 34-35] لقوله تعالى: في سورة فاطر بعد قوله سبحانه: { أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } تفسير : [فاطر: 33-34] الخ والقرآن يفسر بعضه بعضاً. وأن المراد بالصراط الحميد ما يعم الأقوال والأفعال الجارية بين أهل الجنة مما يحمد سلوكه في المعاشرة والاجتماع في هاتيك البقاع فراراً من شائبة التأكيد كما لا يخفى / على ذي فكر سديد فتأمل هديت إلى صراط الحميد.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 24- وزيادة فى تنعيمهم بالجنة ألهمهم الله فيها الطيِّب من القول، والحميد من الفعل، فيسبحون الله ويقدسونه ويشكرونه، ويعاشر بعضهم بعضاً بمحبة وسلام. 25- إن الذين كفروا بالله ورسله واعتادوا مع ذلك منْع الناس من الدخول فى الإسلام، ومنْع المؤمنين من دخول المسجد الحرام فى مكة - وقد جعله الله حرماً آمناً للناس جميعاً المقيم والطارىء - يجازيهم على ذلك بالعذاب الشديد، وكذلك كل من ينحرف عن الحق، ويرتكب أى ظلم فى الحرم عذَّبه عذاباً أليماً. 26- واذكر - أيها النبى - لهؤلاء المشركين الذين يدَّعون اتِّباع إبراهيم - عليه السلام - ويتخذون من البيت الحرام مكاناً لأصنامهم، اذكر لهم قصة إبراهيم والبيت الحرام حين أرشدناه إلى مكانه، وأمرناه ببنائه وقلْنا له: لا تشرك بى شيئاً ما فى العبادة، وطهر بيتى من الأصنام والأقذار، ليكون مُعدَّا لمن يطوف به، ويقيم بجواره، ويتعبد عنده. 27- وأَعْلِم الناس - أيها النبى - أن الله فرض على المستطيعين منهم أن يقصدوا هذا البيت فيلبوا نداءَك، ويأتون إليه مشاة وركباناً على إبل يُضَمِّرها السفر من كل مكان بعيد. 28- ليحصلوا على منافع دينية لهم بأداء فريضة الحج، ومنافع دنيوية بالتعارف مع إخوانهم المسلمين، والتشاور معهم فيما ينفعهم فى دينهم ودنياهم، وليذكروا اسم الله فى يوم عيد النحر والأيام الثلاثة بعده على ذَبْح ما رزقهم ويسر لهم من الإبل والبقر والغنم، فكلوا منها ما شئتم وأطعموا الذى أصابه البؤس والفقر.

د. أسعد حومد

تفسير : {صِرَاطِ} (24) - وَيَهْدِيْهِمْ رَبُّهم إِلى القَوْلِ الطَّيِّبِ، مِثْلِ قَوْلِهِمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ}، تفسير : وَيهْدِيهِمْ رَبُّهم وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الحَمِيدِ الذِي يَجْعَلُ أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ مُرْضِيَةً عِنْدَ اللهِ، مَحْمُودَةً عِنْدَ مُعَاشِرِيهِمْ، فَيُسَبِّحُونَ اللهَ وَيُقَدِّسُونَهُ، وَيَشْكُرُونَهُ عَلَى نِعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ. صِرَاطِ الحَمِيدِ - الإِسْلامِ الذِي ارْتَضَاهُ اللهُ دِيناً لِعِبَادِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (هُدُوا) هداهم الله، فالذي دلّهم على وسائل دخول الجنة والتمتّع فيها بالسكن والزينة واللباس كذلك يهديهم الآن في الجنة ويدلّهم على كيفية شُكر المنعم على هذه النعمة، هذا معنى: {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ..} [الحج: 24] هذا القول الطيب لخَّصته آيات أخرى، ومنها قوله تعالى: {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ..} تفسير : [الزمر: 74]. وقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ .. * ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [فاطر: 34-35]. وقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ..}تفسير : [فاطر: 34]. فحين يدخل أهل الجنةِ الجنةَ، ويباشرون النعيم المقيم لا يملكون إلا أنْ يقولوا: الحمد لله، كما يقول الحق سبحانه عنهم: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10]. وقالوا: {ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ..} [الحج: 24] هو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فهذه الكلمة هي المعشوقة التي أتتْ بنا إلى الجنة، والمعنى يسَع كل كلام طيب، كما قال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [إبراهيم: 24]. ثم يقول تعالى: {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} [الحج: 24] أي: هداهم الله إلى طريق الجنة، أو إلى الجنة ذاتها، كما قال في آية أخرى عن الكافرين: {أية : وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ..}تفسير : [النساء: 168-169]. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ} هذا اخبار عما يقع منهم في الآخرة وهو قولهم: {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} تفسير : [الزمر: 74] وما أشبه ذلك من محاورة أهل الجنة ويكون الصراط الطريق إلى الجنة * والظاهر أن الحميد وصف الله تعالى وناسب هذا الوصف لكثرة ما يحمده أهل الجنة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ} الآية المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على الاستمرار ومنه ويصدون عن سبيل الله كقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُو} وتطمئن وهذه الآية، نزلت عام الحديبية حين صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام والظاهر أنه نفس المسجد وقيل الحرم كله ومن صد عن الوصول إليه فقد صد عنه وقرىء سواء بالنصب مفعول ثان لجعلنا فارتفع به العاكف وسواء أصله مصدر بمعنى مستو فعلى هذا يكون العاكف مبتدأ وفيه متعلق بالعاكف وسواء الخبر والجملة في موضع المفعول الثاني لجعلنا وخبر أن محذوف يدل عليه جزاء الشرط تقديره يجزون على كفرهم وصدهم بالعذاب الأليم ومفعول يرد بالحاء والباء زائدة والأحسن أن يضمن معنى يرد يلتبس فيتعدى بالباء والإِلحاد هو الميل عن القصد والظلم هو الشرك ولذلك رتب عليه العذاب الأليم * ولما ذكر تعالى حال الكفار وصدهم عن المسجد الحرام وتوعد من أراد فيه بإِلحاد ذكرهم حال أبيهم إبراهيم ووبخهم على سلوكهم غير طريقه من كفرهم باتخاذ الأصنام وامتنانه عليهم بإِيفاد العلم إليهم. {وَإِذْ بَوَّأْنَا} أي واذكر إذ بوأنا أي: جعلنا لإِبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة. {أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً} خطاب لإِبراهيم صلى الله عليه وسلم وكذا ما بعده من الأمر وأن مصدرية وصلت بالنهي كما توصل بالأمر. {وَٱلْقَآئِمِينَ} هم المصلون ذكر من أركانها أعظمها وهو القيام والركوع والسجود. {وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ} أي ناد وروي أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس حجوا بيت ربكم. {يَأْتُوكَ} جواب الأمر والكاف في يأتوك خطاب لإِبراهيم صلى الله عليه وسلم جعل إتيان البيت إتياناً له صلى الله عليه وسلم لأنه المعلم بإِتيان الناس. و{رِجَالاً} جمع راجل وهو الماشي على قدميه. {وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ} أي وركباناً على كل ضامر وهي الإِبل التي ضمرت أحشاؤها من طول السير والضمير في: {يَأْتِينَ} عائد على كل ضامر. {عَميِقٍ} البعيد وأصله البعد سفلاً يقال: بئر عميق أي بعيدة الغور والفعل عمق وعمق قال الشاعر: شعر : إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة يمد بها في السير أشعث شاحب تفسير : {لِّيَشْهَدُواْ} متعلق بيأتوك ونكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنياوية لا توجد في غيرها من العبادات. {وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} كني عن النحر والذبح بذكر اسم الله لأن أهل الإِسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه وإذا نحروا أو ذبحوا وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب إلى الله أن يذكر اسمه عليه * والأيام المعلومات أيام العشر قاله ابن عباس وجماعة * وبهيمة الانعام تقدم الكلام عليها في المائدة. {فَكُلُواْ مِنْهَا} الظاهر وجوب الأكل والإِطعام وقيل باستحبابهما وقيل باستحباب الأكل ووجوب الإِطعام والبائس الذي أصابه بؤس أي شدّة. {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} والتفث ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر وحلقه وإزالة شعثه ونحوه من إقامة الخمس من الفطرة حسب الحديث والنذور هنا ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم. {وَلْيَطَّوَّفُواْ} هذا طواف الإِفاضة وهو طواف الزيارة الذي هو من أركان الحج وبه تمام التحلل * والعتيق القديم كما قال تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ}تفسير : [آل عمران: 96] وقال الشاعر: شعر : إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة معتقة مما يجيء به التجر تفسير : يعني بمعتقة أي قديمة. {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} ذلك إشارة إلى الطواف وهو مبتدأ خبره محذوف تقديره تمام الحج والحرمات ما لا يحل هتكه وجميع التكليفات من مناسك الحج وغيرها حرمة وضمير فهو عائد على المصدر المفهوم من قوله: ومن يعظم أي فالتعظيم خير له عند ربه أي قربة منه وزيادة في طاعته يثيبه عليها والظاهر عمومه في جميع التكاليف والظاهر أن خيراً هنا ليس أفعل تفضيل. {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ} دفعاً لما كانت العرب تعتاده من تحريم أشياء برأيها كالبحيرة والسائبة ويعني بقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} ما نص في كتابه على تحريمه والمعنى إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه ولما حث على تعظيم حرمات الله وذكر أن تعظيمها خير لمعظمها عند الله أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور لأن توحيد الله ونفي الشركاء عنه وصدق القول أعظم الحرمات وجمعا في قرآن واحد لأن الشرك من أعظم الزور لأن المشرك يزعم أن الوثن يستحق العبادة فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور. {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} كله ومن في من الأوثان لبيان الجنس وتقدّر بالموصول عندهم أي الرجس الذي هو الأوثان. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} شبه المشرك بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير فتفرق قطعاً في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة. {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} الآية ذلك مبتدأ خبره محذوف تقديره حال المشرك وتقدّم تفسير شعائر الله في أول المائدة وأما هنا فقال ابن عباس وجماعة هي البدن الهدايا وتعظيمها تسمينها والاهتبال بها والمغالاة فيها والضمير في فإِنها عائد على الشعائر على حذف مضاف أي فإِن تعظيمها * وأضاف التقوى إلى القلوب كما قال صلى الله عليه وسلم حديث : التقوى هاهنا وأشار إلى صدره تفسير : قال الزمخشري: فإِن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع إلى الجزاء إلى من ليرتبط به وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى الذي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر أثرها في سائر الأعضاء "انتهى" وما قدّره عار من راجع إلى الجزاء إلى من ألا ترى أن قوله: فإِن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب ليس في شىء منه ضمير يعود إلى من يربط جملة الجزاء بجملة الشرط الذي أداته من وإصلاح ما قاله أن يكون التقدير فإِن تعظيمها منه فيكون الضمير في منه عائداً إلى من فيرتبط الخبراء بالشرط فاعرفه * والضمير في فيها عائد على البدن والمنافع درها ونسلها وصوفها وركوب ظهرها. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} وهو أن يسمنها ويوجبها هدياً فليس له شىء من منافعها قاله ابن عباس: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ} وثم للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأفعال ثم محلها. {إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت العتيق والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت. {مَنسَكاً} قال الفراء عيداً. {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر الله وأن يكون الذبح له لأنه رازق ذلك ثم خرج إلى الحاضرين فقال: {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ} أي انقادوا وكما أن الإِله واحد يجب أن يخلص له في الذبيحة ولا يشرك فيها بغيره وتقدّم شرح الاخبات وناس تبشير من اتصف بالاجبات وناسب تبشير من اتصف بالاخبات هنا لأن أفعال الحج من نزع الثياب والتجرد من المخيط وكشف الرأس والتردّد في تلك المواضع المغبرة المحجرة والتلبس بأفعال شاقة لا يعلم معناها إلا الله مؤذن بالاستسلام المحض والتواضع المفرط حيث يخرج الإِنسان عن مألوفه إلى أفعال غريبة ولذلك وصفهم بالاخبات والوجل إذا ذكر الله والصبر على ما أصابهم من المشاق وإقامة الصلوات في مواضع لا يقيمها إلا المؤمنون المصطفون والانفاق مما رزقهم الله ومنها الهدايا التي يغالون فيها * وانتصب البدن على الاشتغال أي وجعلنا البدن وقرىء: بالرفع على الابتداء. و{لَكُمْ} أي لأجلكم من شعائر في موضع المفعول الثاني ومعنى من شعائر الله من أعلام الشريعة التي شرعها الله وأضافها إلى اسمه تعظيماً لها. {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} قاله ابن عباس: نفع في الدنيا وأجر في الآخرة وذكر اسم الله أن يقول عند النحر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك. {عَلَيْهَا صَوَآفَّ} أي على نحرها معقولة. {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} عبارة عن سقوطها إلى الأرض بعد نحرها قال ابن عباس: القانع المستغني بما أعطيته والمقر المعترض من غير سؤال. {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ} أي مثل ذلك التسخير سخرناها لكم تأخذونها منقادة منّ الله عليهم بذلك ولولا التسخير من الله لم نطق ذلك وكفى بالإِبل شاهداً وعبرة. {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} قال مجاهد: أراد المسلمون أن يفعلوا فعل المشركين من الذبح وتشريح اللحم حول الكعبة منصوباً ونضح حوالي الكعبة بالدم تقرباً إلى الله فنزلت هذه الآية وكرر تذكير النعم بالتسخير أي: لتشكروا الله على هدايته إياكم لإِعلام دينه ومناسك حجه بأن تهللوا وتكبروا، فاختصر الكلام بأن ضمن التكبير معنى الشكر وعدي تعديته. {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} ظاهر في العموم. {إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} روي أن المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويحتال ويغدر فنزلت إلى قوله: كفور وعرفها بالمدافعة ونهي عن الخيانة وخص المؤمنين بالدفع عنهم والنصرة لهم * ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر جملة مما يفعل في الحج وكان المشركون قد صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية وآذوا من كان بمكة من المؤمنين أنزل الله تعالى هذه الآيات مبشرة للمؤمنين بدفعه تعالى عنهم ومشيرة إلى نصرهم وآذنة لهم في القتال وتمكنهم في الأرض بردهم إلى ديارهم وفتح مكة وأن عاقبة الأمور راجعة إلى الله تعالى. {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} لما هاجر المؤمنون إلى المدينة أذن الله في القتال، وقرىء: أذن وأذن ويقاتلون بكسر التاء وفتحها. {ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ} في موضع جر نعت للذين أو بدل أو في موضع نصب بأعني أو في موضع رفع إضمارهم. و{إِلاَّ أَن يَقُولُواْ} استثناء منقطع، فإِن يقولوا في موضع نصب لأنه منقطع لا يمكن توجه العامل إليه فهو مقدر بلكن من حيث المعنى، لأنك لو قلت: الذين أخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا الله لم يصح، وقال الزمخشري: أن يقولوا في محل الجر على الإِبدال من حق أي: بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإِقرار والتمكين لا موجب الإِخراج والتسيير ومثله وهل تنقمون منا الآية "انتهى" اتبع الزمخشري في هذا الزجاج وما أجازاه من البدل لا يكون إلا إذا سبقه نفي أو نهى أو استفهام في معنى النفي نحو ما قام أحد إلا زيد ولا يضرب أحد إلا زيد وهل يضرب أحد إلا زيد وأما إذا كان الكلام موجباً أو أمراً فلا يجوز البدل لا يقال قام القوم إلا زيد على البدل ولا ليضرب القوم إلا زيد على البدل لأن البدل لا يكون إلا حيث يكون العامل يتسلط عليه ولو قلت قام إلا زيد وليضرب إلا عمر ولم يجز ولو قلت في غير القرآن أخرج الناس من ديارهم إلا بأن يقولوا: لا إله إلا الله لم يكن كلاماً هذا إذا تخيل أن يكون إلا أن يقولوا في موضع جر بدلاً من غير المضاف إلى حق وأما أن يكون بدلاً من حق كما نص عليه الزمخشري فهو في غاية الفساد لأنه يلزم منه أن يكون البدل يلي ضميراً فيصير التركيب بغير إلا أن يقولوا وهذا لا يصح ولو قدر إلا بغير كما يقدر في النفي في ما مررت بأحد إلا زيد فيجعله بدلاً لم يصح لأنه يصير التركيب بغير ضمير كقولهم: ربنا الله فتكون قد أضيفت غير إلى غير وهي هي فصار بغير غير ويصح في ما مررت بأحد إلا زيد أن تقول ما مررت بغير زيد ثم ان الزمخشري حين مثل البدل قدره بغير موجب سوى التوحيد وهذا التمثيل للصفة جعل إلا بمعنى سوى ويصح على الصفة فالتبس عليه باب الصفة بباب البدل ويجوز أن تقول: مررت بالقوم إلا زيد على الصفة لا على البدل. {وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ} تقدّم الكلام عليه في البقرة * الهدم معروف * الصومعة موضع العبادة ووزنها فوعلة وهي بناء مرتفع منفرد حديد الأعلى والأصمع من الرجال الحديد القول فكانت قبل الإِسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصائبين ثم استعمل في مئذنة المسلمين والأظهر في تعداد هذه المواضع أن ذلك بحسب متعبدات الأمم فالصوامع للرهبان وقيل للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود وهو على حذف مضاف أي ومواضع صلوات والمساجد للمسلمين وأخبر تعالى أنه قوي على نصرهم عزيز لا يغالب والظاهر عود الضمير في قوله: يذكر منها على المواضع جميعاً فيكون يذكر في موضع الصفة لها ويجوز أنيعود على قوله: ومساجد فيكون يذكر صفة للمساجد. {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ} يجوز في إعرابه ما يجوز في إعراب الذين أخرجوا. {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ} توعد للمخالف ما ترتب على التمكين. {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} فيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتكذيب من سبق من الأمم السالفة لأنبيائهم ووعيد لقريش إذ مثلهم بالأمم المكذبة المعذبة وأسند الفعل بعلامة التأنيث من حيث أراد الأمة والقبيلة وبني الفعل للمفعول في وكذب موسى لأن قومه لم يكذبوه إنما كذبه القبط. {فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} أي أمهلت لهم وأخرت عنهم العذاب مع علمي بفعلهم وفي قوله: فأمليت للكافرين، ترتيب الإِملاء على وصف الكفر فكذلك قريش أملى لهم الله تعالى ثم أخذهم في غزوة بدر وفتح مكة وغيرهما، والأخذ كناية عن العذاب والإِهلاك والنكير مصدر كالنذير المراد به المصدر والمعنى فكيف إنكاري عليهم وتبديل حالهم الحسنة بالسيئة وحياتهم بالإِهلاك ومعمورهم بالخراب وهذا استفهام يصحبه معنى التعجب كأنه قيل ما أشد ما كان إنكاري عليهم وفي الجملة إرهاب لقريش. {وَكَأَيِّن} للتكثير وتقدم الكلام عليها واحتمل أن يكون في موضع رفع الابتداء وفي موضع نصب على الاشتغال. {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} جملة حالية. {فَهِيَ خَاوِيَةٌ} تقدم تفسيرها في البقرة * وقال الزمخشري: * فإِن قلث ما محل الجملتين من الإِعراب أعني وهي ظالمة فهو خاوية * قلت الأولى في محل نصب على الحال والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على أهلكناها وهذا الفعل ليس له محل "انتهى". وهذا الذي قاله ليس بجيد لأن وكأين الأجود في إعرابها أن تكون مبتدأة والخبر الجملة من قوله أهلكناها فهي في موضع رفع والمعطوف على الخبر خبر فيكون قوله: فهي خاوية في موضع رفع لكن يتجه قول الزمخشري على الوجه القليل وهو إعراب فكأين منصوباً بإِضمار فعل على الاشتغال فتكون الجملة من قوله: أهلكناها مفسرة لذلك الفعل وعلى هذا لا محل لهذه الجملة المفسرة فالمعطوف عليها لا محل له * وقرىء: وبئر بهمز وبغير همز * يقال عطلت البئر وأعطلتها فعطلت بفتح الطاء وعطلت المرأة من الحلى بكسر الطاء ووصف القصر بمشيد ولم يوصف بمشيد كما في بروج مشيدة لأن ذلك جمع ناسب التكثير فيه وهذا مفرد وأيضاً مشيد فاصلة آية وقال الشاعر: شعر : وتيماء لم نترك بها جذع نخلة ولا اطما إلا مشيداً بجندل تفسير : وعطف وبئر وقصر على قوله: من قرية يدل على التكثير وثم بليدة عند البئر اسمها حاضورا بناها قوم صالح وأمروا عليهم جلهس بن جلاس وأقاموا بها زماناً وعبدوا صنماً فأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان وقيل اسمه شريح بن صفوان نبياً فقتلوه في السوق فأهلكهم الله عن آخرهم وسلط عليهم بخت نصر الذي تقدم ذكره في الأنبياء وعطف وبئر وقصر على قوله من قرية فدل على التكثير وقد عينت هذه البئر فعن ابن عباس أنها كانت لأهل عدن من اليمن وهي الرس وعن كعب الاحبار ان القصر بناه عاد الثاني وهو منذر بن عاد بن زم بن عاد وعن الضحاك وغيره ان البئر بحضرموت من أرض الشحر والقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى. {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} الآية تقدم الكلام عليه وإسناد العقل إلى القلب يدل على أنه محله ولا ننكر أن للدماغ بالقلب اتصالاً يقتضي فساد العقل إذا فسد الدماغ ومتعلق يعقلون بها محذوف أي ما حل بالأمم السالفة حين كذبوا أنبياءهم وكذلك مفعول يسمعون أي يسمعون أخبار تلك الأمم الماضية والضمير في فإِنها ضمير القصة. {وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ} وصفت القلوب بالتي في الصدور مبالغة كقوله: يقولون بأفواههم والضمير في ويستعجلونك لقريش وكان صلى الله عليه وسلم يحذرهم نقمات الله تعالى ويتوعدهم ذلك دنيا وآخره وهم لا يصدقون بذلك ويستبعدون وقوعه فكان استعجالهم على سبيل الاستهزاء وأن ما وعدتنا به لا يقع وأن لا بعث وفي قوله: ولن يخلف الله وعده أي أن ذلك واقع لا محالة لكن لوقوعه أجل لا يتعداه وأضاف الوعد إليه تعالى لأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو المخبر به عن الله تعالى وقيل التشبيه وقع في الطول للعذاب فيه والشدة أي وان يوماً من أيام عذاب الله لشدة العذاب فيه وطوله كألف سنة من عددكم إذ أيام الترحة مستطالة وأيام الفرحة مستقصرة وقرىء: تعدون بالتاء للخطاب والياء للغيبة وتكرر التكثير بكأين في القرى لإِفادة معنى ضمير ما جاءت له الأولى لأنه ذكر فيها القرى التي أهلكنا دون إملاء وتأخير بل أعقب الإِهلاك التذكير وهذه الآية لما كان تعالى قد أمهل قريشاً حتى استعجلت بالعذاب جاءت بالإِهلاك بعد الإِملاء تنبيهاً على أن قريشاً وان أملى تعالى لهم وأمهلهم فإِنه لا بد من عذابهم فلا يفرحوا بتأخير العذاب عنهم ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لأهل مكة يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين من عذاب الله موضح لكم ما تحذرون أو موضح النذارة لا تلجلج فيها وذكر النذارة دون البشارة وان كان التقسيم بعد ذلك يقتضيها لأن الحديث مسوق للمشركين ويا أيها الناس نداء لهم وهم المقول فيهم والسعي الطلب والاجتهاد في ذلك فيكون بإِصلاح وبإِفساد وقرىء: معاجزين ومعجزين فاما معاجزين فمعناه معاندين ومعجزين معناه مثبطين. {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} الآية، ذكر له تعالى مسلاة ثانية باعتبار من مضى من الرسل والأنبياء وهو أنهم كانوا حريصين على إيمان قومهم وأنه ما منهم أحد إلا وكان الشيطان يراغمه بتزيين الكفر لقومه وبث ذلك إليهم وإلقائه في نفوسهم كما أنه صلى الله عليه وسلم كان من أحرص الناس على هداية قومه وكان فيهم شياطين كالنضر بن الحارث يلقون لقومهم وللوافدين عليهم شبهاً يثبطون بها عن الاسلام ولذلك جاء قبل هذه الآية والذين سعوا في آياتنا معاجزين وسعيهم إلقاء الشبه في قلوب من استمالوه ونسب ذلك إلى الشيطان لأنه هو المغوي والمحرك شياطين الإِنس للإِغواء كما قال لأغوينهم وقيل ان الشياطين هنا هو جنس يراد به شياطين الإِنس والضمير في أمنيته عائد على الشياطين أي في أمنيته نفسه أي بسبب أمنية نفسه ومفعول ألقى محذوف لفهم المعنى وهو الشر والكفر ومخالفة ذلك الرسول أو النبي لأن الشيطان ليس يلقي الخير ومعنى: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ} أي يزيل تلك الشبهة شيئاً فشيئاً حتى يسلم الناس كما قال تعالى: {أية : وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً}تفسير : [النصر: 2]. {يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ} أي معجزاته يظهرها محكمة لا لبس فيها. {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} من تلك الشبه وزخارف القول فتنة لمريض القلب ولقاسيه وليعلم من أوتي العلم أن ما تمنى الرسول والنبي من هداية قومه وإيمانهم هو الحق وهذه الآية ليس فيها إسناد شىء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تضمنت حالة من كان قبله من الرسل والأنبياء إذا تمنوا * وذكر المفسرون أشياء ذكرت فيه البحر. {مِن قَبْلِكَ} من لابتداء الغاية وفي. {مِن رَّسُولٍ} زائدة تفيد استغراق الجنس وهو مفعول تقديره رسولاً وعطف ولا نبي على من رسول دليل على المغايرة وتقدم الكلام عليها وحمل بعض المفسرين قوله: إذا تمنى على تلا وفي أمنيته أي في تمنيه ضلاله تابع الرسول أو النبي لتعارض الحق بالباطل * والمرية الشك * والظاهر أن الساعة يوم القيامة * واليوم العقيم يوم بدر وإنما وصف يوم الحرب بالعقم لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن * والتنوين في يومئذٍ تنوين العوض والجملة المعوض منها هذا التنوين هو الذي حذف بعد إلغائه أي الملك إذ تأتيهم الساعة. {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} هذا ابتداء معنى آخر وذلك أنه لما مات عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد، قال بعض الناس: من قتل من المهاجرين أفضل ممن مات حتف أنفه فنزلت مسوية بينهم في أن الله يرزقهم زرقاً حسناً وظاهر والذين هاجروا العموم. {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً} لما ذكر الرزق ذكر المسكن وهو الجنة. {يَرْضَوْنَهُ} إذ فيه رضاهم كما قال تعالى: {أية : لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً}تفسير : [الكهف: 108]. {ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ} قيل نزلت في قوم من المؤمنين لقيهم الكفار في الشهر الحرام فأبى المؤمنون من قتالهم وأبو المشركون إلا القتال فلما اقتتلوا جد المؤمنون ونصرهم الله ومناسبتها لما قبلها واضحة وهو أنه تعالى لما ذكر ثواب من هاجر وقتل أو مات في سبيل الله أخبر أنه لا يدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم. {يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ} الآية تقدم الكلام عليه في أوائل آل عمران. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} لما ذكر تعالى ما دل على قدرته الباهرة من إيلاج الليل في النهار وهما مرئيان مشاهدان مجيء الظلمة والنور ذكر أيضاً ما هو مشاهد من العالم العلوي والعالم السفلي وهو نزول المطر وإنبات الأرض ونسبة الإِنزال الأرض ونسبة الإِنزال إلى الله مدرك بالعقل وقوله: {فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} قال سيبويه فيه: وسألته يعني الخليل عن ألم تر ان الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة فقال: هذا واجب وهو تنبيه كأنك قلت: أتسمع إنزال الله من السماء ماء فكان كذا ولابن عطية والزمخشري فيه كلام في البحر.