٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لمّا ذكر أحد الخصمين وهو الكافر ذكر حال الخصم الآخر وهو المؤمن. {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} «مِن» صِلة. والأساور جمع أَسْوِرة، وأسورة واحدها سِوار؛ وفيه ثلاث لغات: ضم السين وكسرها وإسوار. قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبَس في الدنيا الأساور والتِّيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة، وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. قال هنا وفي فاطر: {أية : مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً}تفسير : [فاطر: 33] وقال في سورة الإنسان: {أية : وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} تفسير : [الإنسان: 21]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : تبلغ الحِلْية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء»تفسير : . وقيل: تُحَلَّى النساء بالذهب والرجال بالفضة. وفيه نظر، والقرآن يرده. {وَلُؤْلُؤاً} قرأ نافع وابن القَعْقاع وشيبة وعاصم هنا وفي سورة الملائكة «لؤلؤًا» بالنصب، على معنى ويُحَلَّون لؤلؤاً؛ واستدلوا بأنها مكتوبة في جميع المصاحف هنا بألف. وكذلك قرأ يعقوب والجَحْدَرِيّ وعيسى بن عمر بالنصب هنا والخفض في «فاطر» اتباعاً للمصحف، ولأنها كتبت هاهنا بألف وهناك بغير ألف. الباقون بالخفض في الموضعين. وكان أبو بكر لا يهمز «اللؤلؤ» في كل القرآن؛ وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصَّدَف. قال القُشيرِيّ: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ؛ ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مُصْمَت. قلت: وهو ظاهر القرآن بل نصّه. وقال ابن الأنباري: من قرأ «لؤلؤٍ» بالخفض وقف عليه ولم يقف على الذهب. وقال السِّجِستانِيّ: من نصب «اللؤلؤ» فالوقف الكافي «من ذهب»؛ لأن المعنى ويحلون لؤلؤ. قال ابن الأنباري: وليس كما قال، لأنا إذا خفضنا «اللؤلؤ» نسقناه على لفظ الأساور، وإذا نصبناه نسقناه على تأويل الأساور؛ وكأنا قلنا: يحلون فيها أساور ولؤلؤاً، فهو في النصب بمنزلته في الخفض، فلا معنى لقطعه من الأوّل. قوله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} أي وجميع ما يلبَسونه من فُرُشهم ولباسهم وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير. وروى النَّسائيّ عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من لبِس الحرير في الدنيا لم يلبَسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب فيها في الآخرة ـ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: لباسُ أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة»تفسير : . فإن قيل: قد سوّى النبيّ صلى الله عليه وسلم بين هذه الأشياء الثلاثة وأنه يُحْرمُها في الآخرة؛ فهل يحرمها إذا دخل الجنة؟ قلنا: نعم! إذا لم يتب منها حُرِمها في الآخرة وإن دخل الجنة؛ لاستعجاله ما حرم الله عليه في الدنيا. لا يقال: إنما يُحْرَم ذلك في الوقت الذي يعذَّب في النار أو بطول مقامه في الموقف، فأما إذا دخل الجنة فلا؛ لأن حرمان شيء من لذّات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبةٍ ومؤاخذةٍ، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذةَ فيها بوجه. فإنا نقول: ما ذكرتموه محتمل، لولا ما جاء ما يدفع هذا الاحتمال ويردّه من ظاهر الحديث الذي ذكرناه. وما رواه الأئمة من حديث ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حُرِمها في الآخرة»تفسير : . والأصل التمسك بالظاهر حتى يرد نصّ يدفعه؛ بل قد ورد نصّ على صحة ما ذكرناه، وهو ما رواه أبو داود الطيالسيّ في مسنده: حدّثنا هشام عن قتادة عن داود السرّاج عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو»تفسير : . وهذا نص صريح وإسناده صحيح. فإن كان «وإن دخل الجنة لبسه أهلُ الجنة ولم يلبسه هو» من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو الغاية في البيان، وإن كان من كلام الراوي على ما ذكر فهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال، ومثله لا يقال بالرأي، والله أعلم. وكذلك «من شرب الخمر ولم يتب». و«من استعمل آنية الذهب والفضة» وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه، وليس ذلك بعقوبة، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة. وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة مستوفى، والحمد لله، وذكرنا فيها أن شجر الجنة وثمارَها يتّفتق عن ثياب الجنة، وقد ذكرناه في سورة الكهف.
ابن كثير
تفسير : لما أخبر تعالى عن حال أهل النار، عياذاً بالله من حالهم، وما هم فيه من العذاب والنكال، والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار، ذكر حال أهل الجنة، نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنة، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاؤوا، وأين أرادوا {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} من الحلية {مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} أي: في أيديهم؛ كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «حديث : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء»تفسير : . وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكاً لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قلب منها - أي: سوار منها - لرد شعاع الشمس؛ كما ترد الشمس نور القمر. وقوله: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير؛ إستبرقه وسندسه، كما قال: {أية : عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} تفسير : [الإنسان: 21 - 22] وفي الصحيح: «حديث : لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة» تفسير : قال عبد الله بن الزبير: من لم يلبس الحرير في الآخرة، لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}. وقوله: {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} كقوله تعالى: {أية : وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ} تفسير : [إبراهيم: 23] وقوله: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 23 - 24] وقوله: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً} تفسير : [الواقعة: 25 - 26] فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، وقوله: {أية : وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰماً} تفسير : [الفرقان: 75] لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون به، ويقرعون به، يقال لهم: {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}. وقوله: {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ} أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم، وأنعم به وأسداه إليهم؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «حديث : إنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النَّفَس» تفسير : وقد قال بعض المفسرين في قوله: {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} أي: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ} أي: الطريق المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : وقال في المؤمنين {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً } بالجرّ أي منهما بأن يرصع الذهب باللؤلؤ وبالنصب عطفاً على محل من أساور {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } هو المحرّم لبسه على الرجال في الدنيا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه قول لا إله إلا الله، وهو قول الكلبي. والثاني: أنه الإِيمان، وهو قول الحسن. والثالث: القرآن، وهو قول قطرب. والرابع: هو الأمر بالمعروف. ويحتمل عندي تأويلاً خامساً: أنه ما شكره عليه المخلوقون وأثاب عليه الخالق. {وَهُدُواْ إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} فيه تأويلان: أحدهما: الإِسلام، وهو قول قطرب. والثاني: الجنة. ويحتمل عندي تأويلاً ثالثاً: أنه ما حمدت عواقبه وأمنت مغبته.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية معادلة لقوله: {أية : فالذين كفروا} تفسير : [الحج: 19] وقرأ الجمهور "يُحلون" بضم الياء وشد اللام من الحلي، وقرأ ابن عباس "يَحلَون" بفتح الياء واللام وتخفيفها، يقال حلي الرجل وحليت المرأة إذا صارت ذات حلي وقيل هي من قولهم لم يحل فلان بطائل، و {من} في قوله {من أساور} هي لبيان الجنس ويحتمل أن تكون للتبعيض، و"الأساور" جمع سوار وإسوار بكسر الهمزة، وقيل {أساور} جمع أسورة وأسورة جمع سوار، وقرأ ابن عباس من "أسورة من ذهب"، و"اللؤلؤ" الجوهر وقيل صغاره وقيل كباره والأشهر أنه اسم للجوهر، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر "ولؤلؤاً" بالنصب عطفاً على موضع الأساور لأن التقدير يحلون أساور، وهي قراءة الحسن والجحدري وسلام ويعقوب والأعرج وأبي جعفر وعيسى بن عمر، وحمل أبو الفتح نصبه على إضمار فعل، وقرأ الباقون من السبعة و"لؤلؤٍ" بالخفض عطفاً إما على لفظ الأساور ويكون اللؤلؤ في غير الأساور، وإما على الذهب لأن الأساور أيضاً تكون "من ذهب" و"لؤلؤ" قد جمع بعضه إلى بعض، ورويت هذه القراءة عن الحسن بن أبي الحسن وطلحة وابن وثاب والأعمش وأهل مكة، وثبتت في الإمام ألف بعد الواو قاله الجحدري، وقال الأصمعي: ليس فيها ألف، وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم همز الواو الثانية دون الأولى، وروى المعلى بن منصور عن أبي عن عاصم ضد ذلك، قال أبو علي: همزهما وتخفيفهما وهمز إحداهما دون الأخرى جائز كله، وقرأ ابن عباس "ولئلئاً" بكسر اللامين، وأخبر عنهم بلباس الحرير لأنها من أكمل حالات الآخرة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" تفسير : وقال ابن عباس: لا تشبه أمور الآخرة أمور الدنيا إلا في الأسماء فقط وأما الصفات فمتباينة، و {الطيب من القول} لا إله إلاَّ الله وما جرى معها من ذكر الله تعالى وتسبيحه وتقديسه وسائر كلام أهل الجنة من محاورة وحديث طيب فإنها لا تسمع فيها لاغية، و {صراط الحميد} هو طريق الله تعالى الذي دعا عباده إليه، ويحتمل أن يريد بـ {الحميد} نفس الطريق فأضاف إليه على حد إضافته في قوله {أية : دار الآخرة} تفسير : [الأنعام: 32، يوسف 109، النحل: 30] وقوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون} الآية، قوله {ويصدون} تقديره وهم يصدون وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي وقالت فرقة الواو زائدة {ويصدون} خبر {إن} وهذا مفسد للمعنى المقصود، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله {والبادي} تقديره خسروا أو هلكوا، وجاء {يصدون} مستقبلاً إذ هو فعل يديمونه كما جاء قوله تعالى: {أية : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم} تفسير : [الرعد: 28] ونحوه، وهذه الآية نزلت عام الحديبية حين صُدَّ رسولُ الله صلى عليه وسلم عن المسجد الحرام وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع إلا أن يراد صدهم لأفراد من الناس، فقد وقع ذلك في صدر المبعث، وقالت فرقة {المسجد الحرام} أرادوا به مكة كلها ع وهذا صحيح لكنه قصد بالذكر المهم المقصود من ذلك، وقرأ جمهور الناس "سواء" بالرفع وهو على الابتداء و {العاكف} خبره، وقيل الخبر {سواء} وهو مقدم وهو قول أبي علي والمعنى الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبداً، وقرأ حفص عن عاصم "سواء" بالنصب وهي قراءة الأعمش وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مفعولاً ثانياً لـ"جعل" ويرتفع "العاكفُ" به لأنه مصدر في معنى مستوٍ أُعْمِلَ عمل اسم الفاعل، والوجه الثاني ان يكون حالاً من الضمير في {جعلنا} وقرأت فرقة "سواءً" بالنصب "العاكفِ" بالخفض عطفاً على الناس، و {العاكف}، المقيم في البلد، و {البادي}، القادم عليه من غيره، وقرأ ابن كثير في الوصل والوقف "البادي" بالياء. ووقف أبو عمرو بغير ياء، ووصل بالياء، وقرأ نافع "البادِ" بغير ياء في الوصل والوقف في رواية المسيبي، وأبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس، وروى ورش الوصل بالياء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بغير ياء وصلاً ووقفاً، وهي في الإمام بغير ياء، وأجمع الناس على الاستواء في نفس {المسجد الحرام} واختلفوا في مكة، فذهب عمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وجماعة معهم إلى أن الأمر كذلك في دور مكة وأن القادم له النزول حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى، وقال: ذلك سفيان الثوري وغيره، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول، قال ابن سابط: وكانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل باباً فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق باباً في وجه حاج بيت الله؟ فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه فاتخذ الناس الأبواب، وقال جمهور من الأمة منهم مالك: ليست الدور كالمسجد ولأهلها الامتناع بها والاستبداد، وعلى هذا هو العمل اليوم، وهذا الاختلاف الأول متركب على الاختلاف في مكة هل هي عنوة كما روي عن مالك والأوزاعي، أو صلح كما روي عن الشافعي، فمن رآها صلحاً فإن الاستواء في المنازل عنده بعيد، ومن رآها عنوة أمكنه أن يقول الاستواء فيها، قرره الأئمة الذين لم يقطعوها أحداً وإنما سكنى من سكن من قبل نفسه. قال القاضي أبو محمد: وظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم "وهل ترك لنا عقيل منزلاً" يقتضي أن لا استواء وأنها متملكة ممنوعة على التأويلين في قوله تعالى عليه السلام لأنه تؤول بمعنى أنه ورث جميع منازل أبي طالب وغيره، وتؤول بمعنى أنه باع منازل بني هاشم حين هاجروا ومن الحجة لتملك أهلها دورهم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية داراً للسجن بأربعة آلاف، ويصح مع ذلك أن يكون الاستواء في وقت الموسم للضرورة والحاجة فيخرج الأمر حينئذ عن الاعتبار بالعنوة والصلح، وقوله تعالى: {بإلحاد} قال أبو عبيدة الباء زائدة ومنه قول الشاعر: شعر : بواد يمان ينبت الشت صدره وأسلفه بالمرخ والشهبان تفسير : ومنه قول الأعشى: شعر : ضمنت برزق عيالنا أرماحنا تفسير : وهذا كثير ويجوز أن يكون التقدير {ومن يرد فيه} الناس {بإلحاد} و"الإلحاد" الميل، وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب بذلك إلا في مكة، هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم، وقال ابن عباس: "الإلحاد" في هذه الآية الشرك، وقال أيضاً: هو استحلال الحرام وحرمته، وقال مجاهد: هو العمل السيىء فيه، وقال عبدالله بن عمرو: قول لا والله وبلى والله بمكة من الإلحاد، وقال حبيب بن أبي ثابت: الحكرة بمكة من الإلحاد بالظلم. ع. والعموم يأتي على هذا كله، وقرأت فرقة "ومن يرد" من الورود حكاه الفراء، والأول أبين وأعم وأمدح للبقعة، و {من} شرط جازمة للفعل وذلك منع من عطفها على {الذين} والله المستعان.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ولؤلؤاً} بهمزتين منصوباً: نافع وحفص. مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة. أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر. وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب. وفي "فاطر" بالهمز والخفض. الباقون بالهمز والخفض في السورتين {سواء} بالنصب: حفص وروح وزيد. الآخرون بالرفع. {والبادي} بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل. {بوأنا} مثل {أنشأنا} {بيتي} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام. {فتخطفه} بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع {الرياح} يزيد طريق المفضل {والمقيمي الصلاة} بالنصب على تقدير النون: عباس {منسكاً} ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف {لن تنال الله} بتاء التأنيث: يعقوب {ولكن تناله} بالتأنيث أيضاً زيد {يدفع} من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون {يدافع} من المدافعة {أذن} مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم {يقاتلون} مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما. {دفاع} بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب {لهدمت} مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً. الوقوف: {ولؤلؤاً} ط {من القول} ج للعطف مع تكرار {وهدوا} {الحميد} ه {والباد} ه ط {أليم} ه {السجود} ه {عميق} ه لا لتعلق اللام {الأنعام} ج للابتداء بالأمر مع الفاء {الفقير} ه للعطف مع العدول {العتيق} ه {ذلك} ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط {عند ربه} ط {الزور} ه لا {مشركين به} ط {سحيق} ه {ذلك} ق {القلوب} ه {العتيق} ه {الأنعام} ط {اسلموا} ط {المخبتين} ه لا لاتصال الوصف {الصلاة} ه {ينفقون} ج ه {خير} ق والوصل أحسن للفاء {صواف} ج للشرط مع الفاء {والمعتر} ط {تشكرون} ه {منكم} ط {هداكم} ط {المحسنين} ه {آمنوا} ط {كفور} ه {ظلموا} ط {لقدير} ه لا بناء على أن {الذين} بدل من الضمير في {نصرهم} {ربنا الله} ط {كثيراً} ه {ينصره} ط {عزيز} ه {المنكر} ط {الأمور} ه. التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف. ومن قرأ {لؤلؤاً} بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه. {وهدوا إلى الطيب من القول} عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك {وهدوا إلى صراط الحميد} أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله {أية : إلى صراط العزيز الحميد * الله الذي له ما في السموات وما في الأرض}تفسير : [إبراهيم: 1 ـ 2] وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن. وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال {إن الذين كفروا ويصدون} إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد. وقال ابو علي الفارسي. كفروا في الماضي وهم الآن يصدون. عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي. ومن قرأ {سواء} بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً {العاكف فيه والباد} ومن قرأ بالرفع فعلى أن {العاكف} مبتدأ و {سواء} خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون {للناس} مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله {سواء} إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مكة مباحة سبق إليها"تفسير : وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام. والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " حديث : يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار"تفسير : وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله تعالى {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} [الحج: 40] بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي. أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه. والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله {أية : وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه}تفسير : [الأعراف: 180] وقوله {بالحاد بظلم} حالان ومفعول {يرد} متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً. وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله {أية : وجزاء سيئة سيئة}تفسير : [الشورى: 40] واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله. وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم. وعن مجاهد أنه الاحتكار. وقيل: المنع من عمارته. وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله. ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله". والأولى التعميم. وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات. عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل. وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله تعالى عذاباً أليماً. واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال {وإذ بوأنا} أي واذكر حين جعلنا {لإبراهيم مكان البيت} مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله تعالى ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة". وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة. وأن في {أن لا تشرك} هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة". وإنما قال ههنا {والقائمين} لأن العاكف ذكر مرة في قوله {سواء العاكف} والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله {والركع السجود} أو بمعنى المقيم المتوطن. والظاهر أن الخطاب في {وأذن} لإبراهيم أيضاً أي ناد {في الناس} وهو أن يقول حجوا أو عليكم {بالحج} يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر. ولعل الفائدة في قوله {يأتوك} هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه. وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه. وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان. وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل. وقوله {وعلى كل ضامر} حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً. والضامر البعير المهزول لطول السفر. {ويأتين} صفة {لكل ضامر} لأنه في معنى الجمع. والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة. والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود. وفي تقديم المشاة تشريف لهم. روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم. قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف حسنة"تفسير : قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله تعالى لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب. وفي قوله {على ما رزقهم} إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله تعالى ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد. والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها. ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة. وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد. وعلى الأول يكون قوله {في أيام} متعلقاً بكلا الفعلين أعني {ليشهدوا} {وليذكروا} وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني. ومعنى {بهيمة الأنعام} بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة. وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين". قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته. أما قوله {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها. ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم. والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب. ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين. ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار. والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً. وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه حديث : عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟ قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونهاتفسير : . وقال ايضاً صلى الله عليه وسلم في مثله: حديث : لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتكتفسير : . قوله {ثم ليقضوا تفثهم} لا يبعد أن يكون معطوفاً على {ليشهدوا} فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم. قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث. وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير. وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله {ثم ليقضوا نفثهم}؟ فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك! ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي. وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه. {وليطوفوا} هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله {أية : فإذا أفضتم من عرفات}تفسير : [البقرة: 198] وقيل: هو طواف الوداع والصدر. سمي {بالبيت العتيق} لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم. وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط. وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان. وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير". والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل. وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها. وقوله {فهو خير} أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك. وقوله {عند ربه} إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله. قوله {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي {أية : حرمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3] أو قوله {أية : غير محلي الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 1] أو قوله {أية : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}تفسير : [الأنعام: 121] وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً {فاجتنبوا الرجس} وبينه بقوله {من الأوثان} أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم". والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله {أية : رجس من عمل الشيطان}تفسير : [المائدة: 90] والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه. قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة. وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام. ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها أنه الكذب والبهتان. ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله {حنفاء لله غير مشركين به} حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله {أية : حنيفاً ولم يك من المشركين}تفسير : [النحل: 120] وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله {ومن يشرك بالله} الآية. قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة. وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة. وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان. وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله {أية : فما استيسر من الهدي}تفسير : [الآية: 196] وقد أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف {فإنها من تقوى القلوب} أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به. وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة. أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا {ومن يعظم شعائر الله} فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها. ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله تعالى؟ فلهذا قال {لكم فيها منافع} يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله {لكم فيها خير} ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله {إلى أجل مسمى} وهو أوان النحر. ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله {أية : هديا بالغ الكعبة}تفسير : [المائدة: 95] ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده. قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة حديث : أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال صلى الله عليه وسلم: اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي. فقال: اركبها ويلك تفسير : . وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: حديث : اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً تفسير : . وهذا هو الذي اختاره الشافعي. وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها. وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها. وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها. وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك. أجاب الأولون بأن الضمير في قوله {لكم فيها منافع} عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه. قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت. ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال {ولكل أمة جعلنا منسكاً} موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس. ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً {فإلهكم إله واحد} لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه. ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله. ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً {فله أسلموا} أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك. ثم أمر نبيه عليه السلام بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة. ثم عطف على المخبتين قوله {والصابرين على ما أصابهم} أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال. ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله {ومما رزقناهم} عطف على {المقيمي الصلاة} من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله {والبدن جعلناها} هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً. قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك. واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء. وانتصب قوله و {البدن} بفعل يفسره ما بعده. ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله. عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول {لكم فيها خير} أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا. وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن. ومعنى {صواف} قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين. {فإذا وجبت جنوبها} اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت. والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً. وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل. ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه سبحانه سخرها. يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله تعالى ما هو المقصود منها فقال {لن ينال الله} أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق. {ولكن يناله التقوى منكم} بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر. ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام. قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام. وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله. والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله. وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ {وبشر المحسنين} إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها. والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها. وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال {إن الله يدفع} ومن قرأ {يدافع} فمعناه يبالغ في الدفع {عن الذين آمنوا} فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله {إن الله لايحب كل خوان كفور} أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟ وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل {أذن} وفاعله الله سبحانه أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله {للذين يقاتلون} إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال {بأنهم ظلموا} أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية. وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم. وفي قوله {إن الله يدافع} ثم في قوله {وإن الله على نصرهم لقدير} عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك. لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك. ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله {الذين أخرجوا من ديارهم} ومحل {أن يقولوا} جر على الإبدال من {حق} اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره {أية : هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله}تفسير : [المائدة: 59] {ولولا دفع الله الناس} قد مر في أواخر البقرة. وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين. وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية"تفسير : وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة. وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص. أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة. قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها. وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات. وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها. وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً. وإن كان الرمح لا يتقلد. هذا كله توجيه تفسير الحسن. والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين. وفي تخصيصها بقوله {يذكر فيها اسم الله كثيراً} تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط. وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود. قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا. وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن الآخرون السابقون"تفسير : وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد. وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها. وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام. ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله {إن الله لقوي عزيز} ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً. ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه. ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله. {الذين إن مكناهم} وقيل: هو بدل من قوله {من ينصره} وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا. وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله تعالى قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا. قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه تعالى لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين. ثم ختم الآية بقوله {ولله عاقبة الأمور} أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة. التأويل: {ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام} القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله {وإذ بوأنا لإبراهيم} الروح مكان بيت القلب {وطهر بيتي} عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة {رجالاً} هي النفس وصفاتها {وعلى كل ضامر} هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة. لأنها نيات الضمير فقط {من كل فج عميق} هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة {ليشهدوا منافع لهم} فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها {ويذكروا} اي القلب والنفس والقالب شكراً {على ما رزقهم من} تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة. {وأحلت لكم} استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة {إلا ما يتلى عليكم} في قولنا {أية : ولا تسرفوا}تفسير : [الأعراف: 31] وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه"تفسير : {فاجتنبوا} مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان. لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم. ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به. {فله أسلموا} أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار {وبشر المخبتين} عنى المستقيمين على هذه الطريقة. {وجلت قلوبهم} الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب {والصابرين على ما اصابهم} من غير تمني ترحة ولا روم فرحة {والمقيمي الصلاة} الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم {ومما رزقناهم ينفقون} يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود {والبدن} يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شعر : شربت الحب كأساً بعد كأس فما نفد الشراب وما رويت تفسير : {وكذلك سخرناها لكم} فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله {إن الله يدافع} خيانة النفس وهواها {عن الذين آمنوا} {أذن للذين يقاتلون} فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله تعالى وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة {ولولا دفع الله} النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي {يذكر فيها اسم الله كثيراً} لاتساعها بإشراف نور الله عليها {أن مكناهم في الأرض} البشرية {أقاموا} صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ...} الآية معادلة لقوله: {أية : فَـٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الحج:19] واللؤلؤ: الجوهر، وأخبر سبحانه: بأَنَّ لباسهم فيها حرير؛ لأَنَّهُ من أكمل حالات الدنيا؛ قال ابن عباس: لا تُشْبِهُ أمور الآخرة أمورَ الدنيا إلاَّ في الأسماء فقط، وأمَّا الصفات فمتباينة، والطَّيِّبُ من القول: لا إله إلا اللّه وما جرى معها من ذكر اللّه وتسبيحه، وتقديسه، وسائر كلام أهل الجنة من محاورة وحديث طيب؛ فإنَّها لا تُسْمَعُ فيها لاغية، و{صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ} هو طريقُ اللّه الذي دعا عبادَه إليه، ويحتمل أَنْ يريد بالحميد نفس الطريق، فأضاف إليهِ على حد إضافته في قوله: {دار الآخرة}، وقال البخاريُّ: {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ}: أي: أَلْهِمُوا إلى قراءة القرآن، {وَهُدُواْ إِلَى صِرَٰطِ ٱلْحَمِيدِ}: أي: إلى الإسلام، انتهى.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر ما لأحد الخصمين وهم الكافرون، أتبعه ما للآخر وهم المؤمنون، وغير السياق بالتأكيد لمن كأنه سأل عنه، معظماً له بإثبات الاسم العلم الجامع إيذاناً بالاهتمام فقال: {إن الله} أي الذي له الأمر كله {يدخل الذين آمنوا} عبر في الإيمان بالماضي ترغيباً في المبادرة إلى إيقاعه {وعملوا الصالحات} تصديقاً لإيمانهم، وعبر بالماضي إشارة إلى أن من عمل الصالح انكشف له ما كان محجوباً عنه من حسنه فأحبه ولم ينفك عنه {جنات تجري} أي دائماً {من تحتها الأنهار} أي المياه الواسعة، أينما أردت من أرضها جرى لك نهر في مقابلة ما يجري من فوق رؤوس أهل النار {يحلون فيها} في مقابلة ما يزال من بواطن الكفرة وظواهرهم {من أساور}. ولما كان مقصودها الحث على التقوى المعلية إلى الإنعام بالفضل، شوّق إليه بأغلى ما نعرف من الحلية فقال: {من ذهب ولؤلؤاً} وقراءة نافع وعاصم بنصبه دليل على عطفه بالجر على "أساور" {ولباسهم فيها حرير*} في مقابلة ثياب الكفار كما كان لباس الكفار في الدنيا حريراً، ولباس المؤمنين دون ذلك، وقد رود في الصححين عن عبد الله بن الزبير عن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" تفسير : قال ابن كثير: قال عبد الله بن الزبير "ومن لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة" قال تعالى: {ولباسهم فيها حرير} انتهى "وذلك أن في الصحيحين وغيرهما عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة" تفسير : " فيوشك لتشبهه بالكفار في لباسهم - أن يلحقه الله بهم فلا يموت مسلماً - والله الهادي {وهدوا} أي بأسهل أمر بهداية الله أعم من أن يكون السبب القريب لذلك العقل وحده أو مع الرسول أو الكتاب أو غير ذلك وهو حال من {الذين آمنوا}، وما بعدها ختم به لئلا يطول الفصل بين الفعل ومفعوله ولتكون محاسنهم محيطة بذكر دخولهم الجنة إشارة إلى دوامها {إلى الطيب من القول} فلم يزالوا في حال حسن {وهدوا} وبنى الفعل أيضاً للمفعول إشارة إلى سهولة الهداية لهم وللأتقياء منهم، ولذلك لم يذكر العزة، واكتفى بذكر الحمد فقيل: {إلى صراط الحميد*} الذي وفقهم لسلوك ما يحمدون عليه فيحمدون عاقبة، فكان فعلهم حسناً كما كان قولهم حسناً، فدخلوا الجنة التي هي أشرف دار عند خير جار وحلوا فيها أشرف الحلي كما تحلوا في الدنيا بأشرف. الطرائق، هذا بعد أن حازوا أشرف الذكر في الدنيا عكس حال الكفار في اقتراف ما أدخلهم ما كلما أرادوا الخروج منه اعيدوا فيه، مع ما نالهم من سوء الذكر، بإقبالهم كالبهائم على الفاني مع خسته لحضوره، وإعراضهم عن الباقي مع شرفه لغيابه. ولما بين ما للفريقين، وتضمن ما للفريق الثاني بيان أعمالهم الدالة على صدق إيمانهم، كرر ذكر الفريق الأول لبيان ما يدل على استمرار كفرهم، ويؤكد بيان جزائهم، فقال: {إن الذين كفروا} أي أوقعوا هذا الفعل الخبيث. ولما مان المضارع قد لا يلحظ منه زمان معين من حال أو استقبال، بل يكون المقصود منه الدلالة على مجرد الاستمرار كقولهم: فلان يعطي ويمنع، قال عاطفاً له على الماضي: {ويصدون} أي ويديمون الصد {عن سبيل الله} أي الملك الأعظم، باقتسامهم طرق مكة، وقول بعضهم لمن يمر به: خرج فينا ساحر، وآخر يقول شاعر، وآخر: كاهن، فلا تسمعوا منه، فإنه يريد أن يردكم عن دينكم؛ قال بعض من أسلم: لم يزالوا بي حتى جعلت في أدنى الكرسف مخافة أن أسمع شيئاً من كلامهم. وكانوا يؤذون من أسلم - إلى غير ذلك من أعمالهم، ولعله إنما عبر بالمضارع رحمة منه لهم ليكون كالشرط في الكفر فيدل على أن من ترك الصد زال عنه الكفر وإن طال ذلك منه {و} يصدون عن {المسجد الحرام} أن تقام شعائره من الطواف فيه بالبيت والصلاة والحج والاعتمار ممن هو أهل ذلك من أوليائنا. ثم وصفه بما يبين شديد ظلمهم في الصد عنه فقال: {الذي جعلناه} بما لنا من العظمة {للناس} أي كلهم؛ ثم بين جعله لهم بقوله: {سواء العاكف فيه} أي المقيم {والباد} أي الزائر له من البادية؛ قال الرازي في اللوامع: {سواء} رفع بالابتداء، و {العاكف} خبره، وصلح من تنكيره للابتداء، لأنه كالجنس في إفادة العموم الذي هو أحسن العهد. ولما ذكر الكفار ودليل كفرهم بما استعطفهم، وزاد في الاستعطاف بحذف الخبر عنهم، ودل آخر الآية هلى أنه يذيقهم العذاب الأليم، عطف عليه ما ينفر عن وصفهم فقال: {ومن يرد فيه} أي شيئاً من أفعال الكفار من الصد المذكور وغيره، أي يقع منه إرادة لشيء من ذلك {بإلحاد} أي مصاحبة تلك الإرادة وملتبسة بجور عن الأمر المعروف وميل واعوجاج. ولما كان ذلك يقع على مطلق هذا المعنى، بين المراد بقوله: {بظلم} أي في غير موضعه، وأما صد الكفار عنه فإنه بحق، لأنهم نجس لا ينبغي قربانهم المحال المقدسة، وكذا صد الحائض والجنب والخائن {نذقه} ولما كان المشروط نوعاً من الإلحاد، لا الإلحاد الكامل، عبر بقوله {من عذاب أليم*} ودل هذا الخبر عمن أراد شيئاً مما فعله الكفار أن الخبر عن الكفار الفاعلين لما رتب هذا الجزاء على إرادته ما قدرته.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} بـيان لحسنِ حالِ المُؤمنين إثر بـيان سوءِ حال الكَفرةِ وقد غُيِّر الأسلوبُ فيه بإسناد الإدخالِ إلى الله عزَّ وجلَّ. وتصديرُ الجملة بحرفِ التَّحقيقِ إيذاناً بكمال مباينةِ حالِهم لحالِ الكفرةِ وإظهاراً لمزيدِ العنايةِ بأمرِ المؤمنين ودلالة على تحقيقِ مضمونِ الكلام {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} على البناء للمفعولِ بالتَّشديدِ من التَّحليةِ وقرىء بالتَّخفيفِ من الإحلاءِ بمعنى الإلباسِ أي يُحلِّيهم الملائكةُ بأمرِه تعالى. وقُرىء يُحلَّون من حليةِ المرأةِ إذا لبستْ حِليتَها ومن في قوله تعالى: {مِنْ أَسَاوِرَ} إما للتبعيضِ أي بعضِ أساورَ وهي جمع أَسْوِرةٍ جمع سِوارٍ أو للبـيانِ لِما أنَّ ذكرَ التَّحليةِ ممَّا يُنبىء عن الحلى المبهمِ، وقيل: زائدةٌ، وقيل: نعتٌ لمفعولٍ محذوفٍ ليحلون فإنَّه بمعنى يلبسون {مّن ذَهَبٍ} بـيانٌ للأساورِ {وَلُؤْلُؤاً} عطفٌ على محلِّ من أساورَ أو على المفعولِ المحذوفِ أو منصوبٌ بفعل مضمرٍ يدلُّ عليه يحلون أي يُؤتون. وقُرىء بالجرِّ عطفاً على أساورَ وقُرىء لؤلؤاً بقلب الهمزة الثَّانيةِ واواً ولولياً بقلبها ياءً بعد قلبهما واواً وليليا بقلبهما ياءً {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} غُيِّر الأسلوبُ حيثُ لم يقُلْ ويلبسون فيها حريراً لكن لا للدِّلالةِ على أنَّ الحريرَ ثيابُهم المعتادة أو لمجرَّدِ المحافظةِ على هيئةِ الفواصلِ بل للإيذانِ بأن ثبوت اللباسِ لهم أمر محقَّقٌ غنيٌّ عن البـيان إذ لا يمكن عراؤهم عنْهُ وإنَّما المحتاجُ إلى البـيانِ أنَّ لباسَهم ماذا بخلافِ الأساورِ واللؤلؤ فإنَّها ليستْ من اللَّوازمِ الضَّروريَّةِ فجعل بـيان تحليتهم بها مقصوداً بالذَّاتِ ولعلَّ هذا هو الباعثُ إلى تقديمِ بـيانِ التَّحليةِ على بـيانِ حالِ اللِّباس. {وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} وهو قولُهم: { أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلاْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الزمر: 74] الآيةَ {وَهُدُواْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْحَمِيدِ} أي المحمودِ نفسُه أو عاقبتُه وهو الجنَّةُ، ووجه التَّأخيرِ حينئذٍ أنَّ ذكرَ الحمد يستدعِي ذكرَ المحمودِ. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ليس المرادُ به حالاً ولا استقبالاً وإنَّما هو استمرارُ الصَّدِّ ولذلك حسُن عطفُه على الماضي كما في قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 28] وقيل هو حالٌ من فاعل كفروا أي وهم يصدُّون وخبر إنَّ محذوفٌ لدلالة آخرِ الآية الكريمة عليه فإنَّ من ألحدَ في الحرمِ حيثُ عُوقب بالعذاب الأليم فلأنْ يُعاقبَ من جمعَ إليه الكفرَ والصَّدَّ عن سبـيل الله بأشدَّ من ذلك أحقُّ وأولى {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} عطف على سبـيلِ اللَّهِ قيل المرادُ به مكَّةُ بدليل وصفه بقوله تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ} أي كائناً مَن كان من غير فرقٍ بـين مكيَ وآفاقيَ {سَوَاء ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} أي المقيمُ والطارىءُ، وسواء أي مستوياً مفعول ثانٍ لجعلناه. والعاكفُ مرتفع به. واللاَّمُ متعلِّقٌ به ظرفٌ له. وفائدةُ وصفِ المسجدِ الحرامِ بذلك زيادةُ تشنيعِ الصَّادِّينَ عنه. وقُرىء سواءٌ بالرَّفعِ على أنَّه خبر مقدَّمٌ. والعاكفُ مبتدأٌ والجملة مفعول ثانٍ للجعل. وقُرىء العاكفِ بالجرِّ على أنَّه بدلٌ من النَّاسِ. {وَمَن يُرِدْ فِيهِ} ترك مفعولُه ليتناولَ كلَّ متناول كأنَّه قيل ومَن يُرد فيه مراداً ما. {بِإِلْحَادٍ} بعدولٍ عن القصدِ {بِظُلْمٍ} بغير حقَ وهما حالانِ مترادفانِ، أو الثَّاني بدلٌ من الأوَّلِ بإعادة الجارِّ أو صلةٌ له أي ملحداً بسبب الظُّلمِ كالإشراك واقتراف الآثام {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} جواب لمن.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} [الآية: 23]. قال: هم الذين صدقوا الله فى السر واتبعوا سنة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبتدعوا بحال.
القشيري
تفسير : التحلية تحصينٌ لهم، وسَتْرٌ لأحْوالهم؛ فهم للجنة زينة، وليس لهم بالجنة زينة: شعر : وإذا الدُّرُّ زَانَ حُسْنَ وجوهٍ كان للدُّرِّ حُسْنُ وَجْهِكَ زَيْنَا
البقلي
تفسير : قوله {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} يدخل العارفين الذين لهم صلاحية مشاهدته واستعداد قبول معرفته الى جنان قربه ووصله قيل هم الذين صدقوا الله فى السر واتبعوا سنة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يبتدعوا بحال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات}[وكردند عملهاى شايسته] {جنات تجرى من تحتها الانهار} الاربعة {يحلون فيها} من حليت المرأة اذا ألبست الحلى وهو ما يتحلى به من ذهب او فضة اى تحليهم الملائكة بامره تعالى وتزينهم: بالفارسية [آراسته كردانند وبيرايه بندند ايشانرا دربهشت] {من اساور} اى بعض اساور وهى جمع اسورة جمع سوار: بالفارسية [دستوانة] {من ذهب} بيان للاساور {ولؤلؤا} عطف على محل من اساور وقرىء بالجر عطفا على ذهب على ان الاساور مرصعة بالذهب واللؤلؤ او على انهم يسورون بالجنسين اما على المعاقبة واما على الجمع كما تجمع نساء الدنيا بين انواع الحلى وما احسن المعصم اذا كان فيه سواران سوار من ذهب احمر قان وسوار من لؤلؤ ابيض يقق وقيل عطف على اساور لا على ذهب لأن السوار لا يكون من اللؤلؤ فى العادة وهو غلط لما فيه من قياس عالم الملك بعالم الملكوت وهو خطأ لقوله "حديث : اعددت لعبادى الصالحين مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : وينصره قول سعيد بن جبير يحلى كل واحد منهم ثلاثة اساور واحد من ذهب وواحد من فضة وواحد من اللؤلؤ واليواقيت، قال ابن الشيخ وظاهر ان السوار قد يتخذ من اللؤلؤ وحده بنظم بعضه الى بعض غاية ما فى الباب ان لايكون معهودا فى الزمان الاول اى فيكون تشويقا لهم بما لم يعرفوه فى الدنيا {ولباسهم فيها حرير} يعنى انهم يلبسون فى الجنة ثياب الابريسم وهو الذى حرم لبسه فى الدنيا على الرجال على ما روى ابو سعيد عن النبي عليه اسلام انه قال "حديث : من لبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة"تفسير : فان دخل الجنة لبس اهل الجنة ولم يلبسه هو ولذلك قال ابو حنيفة رحمه الله لا يحل لرجل ان يلبس حريرا الا قدر اربع اصابع لما روى انه عليه السلام لبي جبة مكفوفة بالحرير ولم يفرق بين حالة الحرب وغيره وقال ابو يوسف ومحمد يحل فى الحرب ضرورة، قلنا الضرورة تندفع بما لحمته ابريسم وسداه غيره وعكسه فى الحرب فقط كما فى بحر العلوم، قال الامام الدميرى في حياة الحيوان ويجوز لبس الثوب الحرير لدفع القمل لانه لا يقمل بالخاصية والاصح ان الرخصة لا تختص بالسفر كما فى انوار المشارق.
الطوسي
تفسير : ثلاث آيات قرأ نافع وأبو بكر {ولؤلؤاً} بالنصب. الباقون بالجر. لما حكى الله تعالى أمر الخصمين اللذين يختصمان، من الكفار، والمؤمنين. ثم بين ما للكفار من عذاب النار، وإصهار ما في بطونهم، والمقامع من الحديد، وغير ذلك، بين ما للمؤمنين، وهم الفريق الآخر فى هذه الآية، فقال: {إن الله يدخل الذين آمنوا} بالله وأقروا بواحدانيته، وصدقوا رسله {وعملوا} الاعمال {الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها} أي يلبسون الحلي {من أساور من ذهب} والأساور جمع أسوار، وفيه ثلاث لغات اسوار - بالالف - وسوار وسورا. فمن جعله أسوار، جمعه على أساورة. ومن جعله سوراً، وسوراً، جمعه أسورة. وفى قراءة عبد الله "أساوير" واحدها إسوار أيضاً، وسوار وأساور، مثل كراع وأكارع، وجمع الاسورة سوراً {ولؤلؤاً} فمن جره عطفه على {من ذهب} وتقديره: يحلون أساور من ذهب ولؤلئ، ومن نصبه عطفه على الموضع، لأن {من} وما بعدها في موضع نصب، فعطف {ولؤلؤاً} على الموضع، وتقديره: ويحلون لؤلواً. وقد روي عن عاصم همز الاولى وتليين الثانية. وروي ضده، وهو تليين الأولى وهمز الثانية. الباقون يهمزونهما. وكل ذلك جائز فى العربية. واللؤلؤ الكبار، والمرجان الصغار. ويجوز أن يكون اللؤلؤ مرصعاً في الذهب، فلذلك قال: يحلون لؤلؤاً وقوى القراءة بالنصب أنه فى المصاحف مكتوباً بالالف، قال ابو عمرو: كتب كذلك، كما كتبوا كفروا بالألف. ثم اخبر ان لباسهم فى الجنة حرير، فحرم الله على الرجال لبس الحرير في الدنيا وشوقهم اليه فى الآخرة. ثم قال {وهدوا} يعني أهل الجنة الى الصواب من القول. قال الجبائي: هدوا الى البشارات من عند الله بالنعيم الدائم. وقيل: معناه الى القرآن. وقيل: الى الايمان. وقال الكلبى الى قول: لا إله إلا الله. وقال قوم: هو القول الذي لا فحش فيه، ولا صخب {وهدوا إلى صراط الحميد} قيل: الى الاسلام وقيل: الى الجنة. فالحميد هو الله المستحق الحمد. وقيل: المستحمد الى عباده بنعمه - في قول الحسن - أي الطالب منهم أن يحمدوه. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قالحديث : ما احد أحب اليه الحمد من الله - عز وجل - . تفسير : ثم قال تعالى {إن الذين كفروا} بوحدانيته واختصاصه بالعبادة. {ويصدون} أي ويمنعون غيرهم {عن} اتباع {سبيل الله} بالقهر والاغواء {والمسجد الحرام} أي ويمنعونهم عن المسجد الحرام أن يجيئوا اليه حجاجاً وعماراً {الذي} جعله الله تعالى {للناس} كافة قبلة لصلاتهم ومنسكاً لحجهم، والمراد بالمسجد الحرام المسجد بقبة. وقيل الحرم كله {سواء العاكف فيه والباد} قال ابن عباس وقتادة: العاكف المقيم فيه، والباد الطارئ. ونصب {سواء} حفص عن عاصم على انه مفعول ثان من قوله {جعلناه للناس سواء} أي مساوياً، كما قال {أية : إنا جعلناه قرآناً عربياً} تفسير : ويرتفع (العاكف) في هذه القرءاة بفعله أي يستوي العاكف والبادي. ومن رفع {سواء} جعله ابتداءاً وخبراً، كما تقول: مررت برجل سواء عنده الخير والشر، وتقديره العاكف والبادي سواء فيه بالنزول فيه. وقال مجاهد: معناه إنهم سواء في حرمته وحق الله عليهما فيه. واستدل بذلك قوم على أن أجرة المنازل فى أيام الموسم محرمة، وقال غيرهم: هذا ليس بصحيح، لان المراد به سواء العاكف فيه والباد، فى ما يلزمه من فرائض الله تعالى فيه، فليس لهم أن يمنعوه من الدور، والمنازل، فهي لملاكها. وهو قول الحسن. وانما عطف بالمستقبل على الماضي من قوله {كفروا، ويصدون} لان المعنى ومن شأنهم الصد، ونظيره {أية : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} تفسير : ويجوز فى {سواء} الرفع والنصب والجر، فالنصب على أن يكون المفعول الثاني لـ {جعلناه} على ما بيناه، والرفع على تقدير: هم سواء فيه. والجر على البدل من قوله {للناس سواء}. وقوله {ومن يرد فيه بالحاد بظلم} معناه من أرادته فيه بالحاد كما قال الشاعر: شعر : اريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : ذكره الزجاج. والباء في قوله {بإلحاد} مؤكدة. والباء فى قوله {بظلم} للتعدية، ومثله قول الشاعر: شعر : بواد يمان ينبت الشث صدره واسفله بالمرخ والشبهان تفسير : والمعنى ينبت المرخ. ومثله قوله {أية : تنبت بالدهن}. تفسير : أي تنبت الدهن. وقال الاعشى: شعر : ضمنت برزق عيالنا أرماحنا نيل المراجل والصريح الأجردا تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : ألا هل أتاها والحوادث جمة بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا تفسير : وقال الآخر: شعر : فلما جزت بالشرب هزّ لها العصا شجيح له عند الازاء نهيم تفسير : وقال الآخر: شعر : ألم يأتيك والابناء تنمى بما لاقت لبون بني زياد تفسير : ويجوز ان يكون المعنى، ومن يرد فيه منعاً {بإلحاد} أي يميل بظلم، فتكون حينئذ معدّية للارادة، وذلك انه يمكن أن يريد منعاً لا بالحاد، كما يمكن أن يميل لا بظلم، وكما يمكن أن يمرّ لا بشيء. وقال ابن عباس: المعنى فيه من يرد استحلال ما حرم الله. و (الالحاد) هو الميل عن الحق. وقوله {نذقه من عذاب أليم} يعني مؤلم. وحكى الفراء: انه قرئ {ومن يرد} بفتح الياء - من الورود، ومعناه من ورده ظلماً على غير ما أمر الله به، إلا انه شاذ. وقال مجاهد: معناه من ظلم فيه وعمل شيناً واشرك بالله غيره. وقال ابن مسعود: من استحل ما حرمه الله. وقال ابن عباس: هو استحلال الحرم متعمداً. وقال حسان بن ثابت: هو احتكار الطعام بمكة. وقيل نزلت فى ابي سفيان وأصحابه، حين صدوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن عمرة الحديبية.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} كان حقّ العبارة ان يقول والّذين آمنوا وعملوا الصّالحات قطّعت لهم ثياب من النّعيم اولهم جنّات (الى آخرها) لكنّه عدل الى هذه العبارة تشريفاً للمؤمنين بجعلهم ارفع شأناً من ان يجعلوا قريناً للكافرين، وافادةً لهذا المعنى مع تشريفهم بنسبة معاشرة الجزاء الى الله، واشعاراً بانّ جزاء الكافرين من لوازم اعمالهم وجزاء المؤمنين بمحض التّفضّل من الله، ولم يقتصر على الايمان كما اقتصر فى جانب الكفّار على الكفر لانّ الكفر كان فى العقوبة بخلاف الاسلام فانّه ان لم يقترن بالعمل الصّالح الّذى هو الولاية او من جملته الولاية لم يكف فى الجزاء بل كان صاحبه مثل المرجين لامر الله غير محكومٍ عليه بشيءٍ الى وقت الموت بخلاف من تولّى عليّاً فانّهم محكوم عليهم بأنّهم يدخلهم الله {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} قد مضى مكرّراً انّ المراد من تحت عماراتها او اشجارها او قطعها او المراد بالانهار المعنويّة تجرى من كلّ مرتبة على ما دونها من مراتب الجنان الى عالم الطّبع {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} قرئ بالنّصب وبالجرّ {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} يعنى ارشدهم الله الى الاقوال الّتى يطيب بها نفوسهم من الاذكار والتّحيّات والافكار والتّخيّلات وهو مثل جملة لباسهم فيها حرير عطف على تجرى، او يحلّون ان لم يكن جملة يحلّون صفةً بعد صفة، او هما مع جملة يحلّون احوال مترادفة او متداخلة، واذا كان معناه يهدون فيها الى الطّيّب من القول فالاتيان بالماضى لتحقّق وقوعه، وان كان معناه هدوا فى الدّنيا فهو على معناه {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ} الله {ٱلْحَمِيدِ} اتى بعنوان الحميد للاشارة الى انّ المؤمن العامل بالصّالحات لاستكماله فى اوصافه الحميدة وجنوده الكثيرة يهدى الى الله من حيث محموديّته بخلاف المجذوب الغير العامل فانّه يهدى اليه من حيث سبّوحيّته وقدّوسيّته ولذلك قال تعالى خطاباً لنبيّه (ص) {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي} تفسير : [آل عمران:31] يعنى فاستنّوا بسنّتى واعملوا بعملى تصيروا مثل الله متّصفين بالصّفات الحميدة ويحببكم الله حينئذٍ لاتّصافكم بصفاته وكان المشايخ الحقّة من السّلف والخلف يأمرون السّلاّك بحفظ النّواميس الشّرعيّة والعمل بجميع الفرائض والسّنن الواردة فى الشّريعة فلا يصغى الى ما قالته المتصوّفة من القلندريّة الاباحيّة انّ الشّريعة حجاب، وانّ العارف لا حاجة له الى العمل، وانّ الواصل اذا عمل كان العمل منه قبيحاً.
الحبري
تفسير : وقَوْلُهُ: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} اِلى قَوْلِهِ: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}. فِي عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ.
الأعقم
تفسير : {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار يحلّون فيها من أساور} وهي حلية اليد {ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير} يعني الديباج {وهُدوا إلى الطيب من القول} وهداهم الله وألهمهم أن يقولوا الحمد الله الذي صدقنا وعده وهداهم إلى طريق الجنة، وقيل: هو الكلام الحسن فلا يسمعون في الجنة إلا ما يحبون، وقيل: هدوا في الدنيا إلى الطيب من القول وهو الإِيمان {وهدوا} أرشدوا {إلى صراط الحميد} قيل: الدين، وقيل: طريق الجنة، قوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} عن دينه، وقيل: عن الحج والعمرة {والمسجد الحرام} يعني ويصدون عن المسجد الحرام وهو الكعبة، وقيل: الحرم والأول والمراد نفس المسجد يستوي فيه جميع الخلق {سواء العاكف فيه والباد}، قيل: هما سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك، وقيل: هما سواء في المنزل فليس أحد أولى بالمنزل من الآخر، وجزموا بهذا دون مكة وكرهوا إجارتها أيام الموسم عن ابن عباس وسعيد بن جبير، العاكف المقيم، والباد الجاي إليه من الآفاق {ومن يرد فيه بإلحاد} الإلحاد العدول عن القصد {بظلم نذقه من عذاب أليم}، قيل: الإِلحاد في الحرم منع الناس عن عمارته، وعن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله بلى والله، وكل من ارتكب ذنباً فهو كذلك {وإذ بوَّأنا لإِبراهيم}. قال جار الله: واذكر حين جعلنا لإِبراهيم {مكان البيت} ودللناه عليه قيل: أراه جبريل مكانه لأنه رفع إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء فأعلم الله إبراهيم مكانه {وطهّر بيتي} من الأصنام والأوثان والأقذار أن يطرح حوله {للطائفين} أي من يطوف بالبيت {والقائمين} في الصلاة {والركع السجود} لمن يعبد الله ويخضع {وأذّن في الناس بالحج} نادِ فيهم، والنداء بالحج أن يقول: حجّوا وعليكم بالحج، وروي أنه صعد أبا قبيس فقال: "يا أيها الناس حجّوا بيت ربكم" وعن الحسن: أنه خطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع {يأتوك رجالاً} جمع راجل كقائم وقيام {وعلى كل ضامر} أي راكب على كل ضامر وهو البعير المهرول وقد أضمره طول الطريق {يأتين من كل فجّ عميق} أي طريق بعيد، والعميق يقال بئر بعيد العمق.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} بيان لحسن حال المؤمنين إثر بيان سوء حال الكفرة، وغير الأسلوب فيه بإسناد الإدخال إلى الاسم الجامع وتصدير الجملة بحرف التحقيق وفصلها للاستئناف إيذاناً بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة وإظهاراً لمزيد العناية بأمر المؤمنين ودلالة على تحقيق مضمون الكلام {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} بالبناء للمفعول والتشديد من التحلية بالحلي أي تحليهم الملائكة عليهم السلام بأمره تعالى، وقوله تعالى: {مِنْ أَسَاوِرَ} قيل متعلق بيحلون، و {مِنْ} ابتدائية والفعل متعد لواحد وهو النائب عن الفاعل، وقيل: متعلق بمحذوف وقع صفة لمفعول محذوف و(من) للبيان والفعل متعد لاثنين أحدهما النائب عن الفاعل والآخر الموصوف المحذوف أي يحلون حلياً أو شيئاً من أساور، وعلى القول بتعدي هذا الفعل لاثنين جوز أن تكون (من) للتبعيض واقعة موقع المفعول، وأن تكون زائدة على مذهب الأخفش من جواز زيادتها في الإيجاب و {أَسَاوِرَ} مفعول {يُحَلَّوْنَ}. وقوله تعالى: {مّن ذَهَبٍ} / صفة لأساور، و {مِنْ} للبيان، وقيل: لابتداء الغاية أي أنشئت من ذهب، وقيل: للتبعيض وتعلقه بيحلون لا يخفى حاله، وقرىء {يحلون} بضم الياء والتخفيف، وهو على ما في «البحر» بمعنى المشدد، ويشعر كلام بعض أنه متعد لواحد وهو النائب الفاعل فمن أساور متعلق به و(من) ابتدائية. وقرأ ابن عباس {يحلون} بفتح الياء واللام وسكون الحاء من حليت المرأة إذا لبست حليها، وقال أبو حيان: إذا صارت ذات حلي، وقال أبو الفضل الرازي: يجوز أن يكون من حلي بعيني يحلى إذا استحسنته وهو في الأصل من الحلاوة وتكون (من) حينئذٍ زائدة، والمعنى يستحسنون فيها الأساورة، وقيل: هذا الفعل لازم و(من) سببية، والمعنى يحلى بعضهم بعين بعض بسبب لباس أساور الذهب. وجوز أبو الفضل أن يكون من حليت به إذا ظفرت به، ومنه قولهم: لم يحل فلان بطائل، و(من) حينئذٍ بمعنى الباء أي يظفرون فيها بأساور من ذهب. وقرأ ابن عباس {من أسور} بفتح الراء من غير ألف ولا هاء، وكان قياسه أن يصرف لأنه نقص بناؤه فصار كجندل لكنه قدر المحذوف موجوداً فمنع الصرف، وقد تقدم الكلام على نظير هذه الجملة في الكهف [31] فتذكر. وقوله تعالى: {وَلُؤْلُؤاً} عطف على محل {مِنْ أَسَاوِرَ} أو على الموصوف المحذوف، وحمله أبو الفتح على إضمار فعل أي ويؤتون لؤلؤاً أو نحو ذلك. وقرأ أكثر السبعة والحسن في رواية وطلحة وابن وثاب والأعمش وأهل مكة {ولؤلؤ} بالخفض عطفاً على {أَسَاوِرَ} أو على {ذَهَبَ} لأن السوار قد يكون من ذهب مرصع بلؤلؤ وقد يكون من لؤلؤ فقط كما رأيناه ويسمى في ديارنا خصراً وأكثر ما يكون من المرجان. واختلفوا هل في الإمام ألف بعد الواو فقال الجحدري: نعم، وقال الأصمعي: لا، وروى يحيـى عن أبـي بكر همز الآخر وقلب الهمزة الأولى واواً، وروى المعلى بن منصور عنه ضد ذلك. وقرأ الفياض {لولياً} قلب الهمزتين واوين فصارت الثانية واواً قبلها ضمة وحيث لم يكن في كلامهم اسم متمكن آخره واو قبلها ضمة قلب الواو ياء والضمة قبلها كسرة. وقرأ ابن عباس {وليلياً} بقلب الهمزتين واوين ثم قلبهما ياءين، أما قلب الثانية فلما علمت وأما قلب الأولى فللاتباع. وقرأ طلحة {ولول} كأُدل في جمع دلو قلبت الهمزتان واوين ثم قلبت ضمة اللام كسرة والواو ياء ثم أعل إعلال قاض. {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} غير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها حريراً للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان إذ لا يمكن عراؤهم عنه وإنما المحتاج إلى البيان أن لباسهم ماذا بخلاف التحلية فإنها ليست من لوازمهم الضرورية فلذا جعل بيانها مقصوداً بالذات. ولعل هذا هو السر في تقديم بيان التحلية على بيان حال اللباس قاله العلامة شيخ الإسلام، ولم يرتض ما قيل: إن التغيير للدلالة على أن الحرير لباسهم المعتاد أو لمجرد المحافظة على هيئة الفواصل، وظاهر كلامهم أن الجملة معطوفة على السابقة، وجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير {يُحَلَّوْنَ}. ثم إن الظاهر أن هذا الحكم عام في كل أهل الجنة، وقيل هو باعتبار الأغلب لما أخرج النسائي وابن حبان وغيرهما عن أبـي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه » تفسير : وحديث عدم لبس ذلك له في الآخرة مذكور في «الصحيحين» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً. / والظاهر أن حرمة استعمال الحرير للرجال في غير ما استثني مجمع عليها وأنه يكفر من استحل ذلك غير متأول، ولعل خبر البيهقي في «سننه» وغيره عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً « حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ولم يدخل الجنة » تفسير : إن صح محمول على ما إذا كان اللبس محرماً بالإجماع وقد استحله فاعله من غير تأول أو على أن المراد لم يدخل الجنة مع السابقين وإلا فعدم دخول اللابس مطلقاً الجنة مشكل.
ابن عاشور
تفسير : كان مقتضى الظاهر أن يكون هذا الكلام معطوفاً بالواو على جملة {أية : فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار}تفسير : [الحج: 19] لأنه قسيم تلك الجملة في تفصيل الإجمال الذي في قوله: {أية : هذان خصمان اختصموا في ربهم}تفسير : [الحج: 19] بأن يقال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات يُدخلهم الله جنات... إلى آخره. فعدل عن ذلك الأسلوب إلى هذا النظم لاسترعاء الأسماع إلى هذا الكلام إذا جاء مبتدأ به مستقلاً مفتتحاً بحرف التأكيد ومتوّجاً باسم الجلالة، والبليغ لا تفوته معرفة أنّ هذا الكلام قسيم للذي قبله في تفصيل إجمال {أية : هذان خصمان اختصموا في ربهم}تفسير : [الحج: 19] لوصف حال المؤمنين المقابل لحال الذين كفروا في المكان واللباس وخطاب الكرامة. فقوله: {يدخل الذين آمنوا} الخ مقابل قوله: {أية : كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها}تفسير : [الحج: 22]. وقوله: {يحلون فيها من أساور من ذهب} يقابل قوله {أية : يصب من فوق رؤوسهم الحميم}تفسير : [الحج: 19]. وقوله: {ولباسهم فيها حرير} مقابل قوله:{أية : قطعت لهم ثياب من نار}تفسير : [الحج: 19]. وقوله: {أية : وهدوا إلى الطيب من القول} تفسير : مقابل قوله: {أية : وذوقوا عذاب الحريق}تفسير : [الحج: 22] فإنه من القول النكِد. والتحليّة وضع الحَلْي على أعضاء الجسم. حَلاّه: ألبسه الحَلي مثل جلبب. والأساور: جمع أسورة الذي هو جمع سِوار. أشير بجمع الجمع إلى التكثير كما تقدم في قوله: {أية : يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً}تفسير : في[سورة الكهف: 31]. و(مِن) في قوله {من أساور} زائدة للتوكيد. ووجهه أنه لما لم يعهد تحلية الرجال بالأساور كان الخبر عنهم بأنهم يُحلّون أساور معرّضاً للتردد في إرادة الحقيقة فجيء بالمؤكد لإفادة المعنى الحقيقي، ولذلك فــــ {أساور}في موضع المفعول الثاني لــــ {يُحلَّون}. {ولؤلؤاً} قرأه ناقع، ويعقوب، وعاصم ــــ بالنصب ــــ عطفاً على محل {أساور}أي يحلون لؤلؤاً أي عقوداً ونحوها. وقرأه الباقون ــــ بالجرّ عطفاً على اللفظ ــــ والمعنى: أساور من ذهب وأساور من لُؤلؤ. وهي مكتوبة في المصحف بألف بعد الواو الثانية في هذه السورة فكانت قراءة جر {لؤلؤ} مخالفة لمكتوب المصحف. والقراءة نقل ورواية فليس اتباع الخط واجباً على من يروي بما يخالفه. وكتب نظيره في سورة فاطر بدون ألف، والذين قرأوه بالنصب خالفوا أيضاً خط المصحف واعتمدوا روايتهم. وسريان معنى التأكيد على القراءتين واحد لأنّ التأكيد تعلّق بالجملة كلها لا بخصوص المعطوف عليه حتى يحتاج إلى إعادة المؤكد مع المعطوف. واللؤلؤ: الدرّ. ويقال له الجمان والجوهر. وهو حبوب بيضاء وصفراء ذات بريق رقراق تُستخرج من أجواف حيوان مائي حَلزوني مستقرّ في غلاف ذي دفتين مغلقتين عليه يفتحهما بحركة حيوية منه لامتصاص الماء الذي يسبح فيه ويسمى غِلافه صَدفاً، فتوجد في جوف الحيوان حبة ذات بريق وهي تتفاوت بالكبر والصغر وبصفاء اللون وبياضه. وهذا الحيوان يوجد في عدّة بحار: كبحر العجم وهو المسمّى بالبحرين، وبحر الجابون، وشط جزيرة جربة من البلاد التونسية، وأجوده وأحسنه الذي يوجد منه في البحرين حيث مصب نهري الدجلة والفرات، ويستخرجه غَوّاصون مدَرّبون على التقاطه من قعر البحر بالغوص، يغوص الغائص مُشدوداً بحبل بيد مَن يمسكه على السفينة وينتشله بعد لحظة تكفيه للالتقاط. وقد جاء وصف ذلك في قول المسيب بن علَس أو الأعشى:شعر : لَجمانة البحريّ جاء بها غَوّاصها من لُجّة البحر نَصفَ النّهارَ الماء غامره ورفيقه بالغيب لا يدري تفسير : وقال أبو ذؤيب الهذلي يصف لؤلؤة:شعر : فجَاءَ بِها ما شئتَ من لَطَمِيّة على وجهها ماء الفرات يموج تفسير : وقد أشارت إليه آية [سورة النحل: 14] {أية : وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها}.تفسير : ولما كانت التحلية غير اللباس جيء باسم اللباس بعد {يُحَلّون} بصيغة الاسم دون (يلبسون) لتحصيل الدلالة على الثّبات والاستمرار كما دلّت صيغة {يُحَلّون} على أن التحلية متجددة بأصناف وألوان مختلفة، ومن عموم الصيغتين يفهم تحقق مثلها في الجانب الآخر فيكون في الكلام احتباك كأنه قيل: يحلّون بها وحليتهم من أساور من ذهب ولباسهم فيها حرير يلبسونه. والحرير: يطلق على ما نسج من خيوط الحرير كما هنا. وأصل اسم الحرير اسم لخيوط تفرزها من لعابها دودة مخصوصة تلفّها لَفّاً بعضها إلى بعض مثل كُبّة تلتئم مشدودة كصورة الفول السوداني تحيط بالدودة كمثل الجوزة وتمكث فيه الدودة مدّة إلى أن تتحول الدودة إلى فراشة ذات جناحين فتثقب ذلك البيت وتخرج منه. وإنما تحصّلُ الخيوط من ذلك البيت بوضعها في ماء حار في درجة الغليان حتى يزول تماسكها بسبب انحلال المادة الصمغية اللعابية التي تشدها فيُطلقونها خيطاً واحداً طويلاً. ومن تلك الخيوط تنسج ثياب تكون بالغة في اللين واللمعان. وثياب الحرير أجود الثياب في الدنيا قديماً وحديثاً، وأقدم ظهورها في بلاد الصين منذ خمسة آلاف سنة تقريباً حيث يكثر شجر التوت، لأن دود الحرير لا يفرز الحرير إلا إذا كان عَلَفُه ورقَ التُّوت، والأكثر أنه يبني بيوته في أغصان التُّوت. وكان غير أهل الصين لا يعرفون تربية دود الحرير فلا يحصّلون الحرير إلاّ من طريق بلاد الفرس يجلبه التجار فلذلك يباع بأثمان غالية. وكانت الأثواب الحريرية تباع بوزنها من الذهب، ثم نقل بَزر دود الحرير الذي يتولد منه الدود إلى القسطنطينية في زمن الأمبراطور (بوستنيانوس) بين سنة 527 وسنة 565م. ومن أصناف ثياب الحرير السندس والإستبرق وقد تقدما في سورة الكهف. وعُرفت الأثواب الحريرية في الرومان في حدود أوائل القرن الثالث المسيحي. ومعنى {وهدوا إلى الطيب من القول} أن الله يرشدهم إلى أقوال، أي يُلهمهم أقوالاً حسنة يقولونها بينهم، وقد ذُكر بعضها في قوله تعالى: {أية : دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}تفسير : [يونس: 10] وفي قوله: {أية : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين}تفسير : [الزمر: 74]. ويجوز أن يكون المعنى: أنهم يرشدون إلى أماكن يسمعون فيها أقوالاً طيبة. وهو معنى قوله تعالى: {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}تفسير : [الرعد: 24]. وهذا أشد مناسبة بمقابلة مما يسمعه أهل النار في قوله: {أية : وذوقوا عذاب الحريق}تفسير : [الحج: 22]. وجملة {وهدوا إلى صراط الحميد} معترضة في آخر الكلام، والواو للاعتراض، هي كالتكملة لوصف حسن حالهم لمناسبة ذكر الهداية في قوله: {وهدوا إلى الطيب من القول}، ولم يسبق مقابل لمضمون هذه الجملة بالنسبة لأحوال الكافرين وسيجيء ذكر مقابلها في قوله: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} إلى قوله: {أية : نذقه من عذاب أليم}تفسير : [الحج: 25] وذلك من أفانين المقابلة. والمعنى: وقد هُدُوا إلى صراط الحميد في الدنيا، وهو دين الإسلام، شبه بالصراط لأنه موصل إلى رضى الله. والحميد من أسماء الله تعالى، أي المحمود كثيراً فهو فعيل بمعنى مفعول، فإضافة {صراط} إلى اسم «الله» لتعريف أيّ صراط هو. ويجوز أن يكون {الحميد} صفة لــــ{صراط}، أي المحمود لسالكه. فإضافة صراط إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، والصراط المحمود هو صراط دين الله. وفي هذه الجملة إيماء إلى سبب استحقاق تلك النعم أنه الهداية السابقة إلى دين الله في الحياة الدنيا.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} (23) - لَمَّا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ، وَمَا يُلاقُونَهُ مِنَ العَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالحَرِيقِ وَالأَغْلالِ، وَمَا أُعدَّ لَهُمْ منْ ثِيابٍ مِنْ نَارٍ، ذَكَرَ حالَ أَهْلِ الجَنَّةِ فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ يُدْخِلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ في أَرْجَائِها، وَيُلْبِسُهُمْ رَبُّهُمْ فِيها حُلِيّاً: مِنْها أَسَاوِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِنْها لُؤْلُؤٌ (وَجَاءَ في الحَدِيثِ: تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ) (رَوَاهُ الإِمَامَانِ) وَيَكُونُ لِباسُهُمْ مِن الحَرِيرِ في الجَنَّةِ. (وجاءَ فِي الصَّحيحِ: لاَ تَلْبَسوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ فِي الدُّنيا فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يُبيِّن الحق سبحانه وتعالى مَا أعدّه لعباده المؤمنين حيث السكن: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [الحج: 23] والزينة: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ..} [الحج: 23] واللباس: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] فجمع لهم نعيم السَّكَن والزينة واللباس. وفي الآخرة يُنعَّم الرجال بالحرير وبالذهب الذي حُرِّم عليهم في الدنيا، وهنا قد يعترض النساء، وما النعيم في شيء تنعّمنا به في الدنيا وهو الحرير والذهب؟ نعم تتمتعْن بالحرير والذهب في الدنيا، أمّا في الآخرة فهو نوع آخر ومتعة كاملة لا يُنغِّصها شيء، فالحلي للمرأة خالصٌ من المكدِّرات، وباقٍ معها لا يأخذه أحد، ولا تحتاج إلى تغييره أو بيعه؛ لأنه يتجدّد في يدها كل يوم، فتراه على صياغة جديدة وشكل جديد غير الذي كان عليه. كما قلنا سابقاً في قوله تعالى عن أهل الجنة: {أية : قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ..} تفسير : [البقرة: 25]. فحسبوا أن طعام الجنة وفاكهتها كفاكهة الدنيا التي أكلوها من قبل، فيُبيِّن لهم ربهم أنها ليستْ كفاكهة الدنيا {أية : وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ..}تفسير : [البقرة: 25] يعني: أنواعاً مختلفة للصنف الواحد. ثم يقول الحق: {وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [23] 363 - أنا محمودُ بن غيلان، نا النَّضرُ بن شُميلٍ، أنا شعبةُ، نا خليفةُ، قال: سمعت عبد الله بن الزُّبير يُحدثُ يخطُبُ فقال: لا تلبسوا الحرير فإنِّي، سمعت عُمر بن الخطاب رضي الله عنه يقولُ [قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:] "حديث : من لبسه في الدُّنيا لم يلبسه في الآخرة"تفسير : ، وقال ابن الزُّبير: إنه من لبسه في الدُّنيا لم يدخل الجنة قال الله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}. 364 - أنا قتيبة بن سعيدٍ، نا حمادٌ، عن ثابتٍ، قال: سمعتُ عبد الله بن الزُّبير وهو على المنبر يخطبُ يقولُ: قال مُحمدٌ صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لبس الحرير في الدُّنيا لم يلبسهُ في الآخرةِ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):