Verse. 2624 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

ثُمَّ لْيَقْضُوْا تَفَثَہُمْ وَلْيُوْفُوْا نُذُوْرَہُمْ وَلْيَطَّوَّفُوْا بِالْبَيْتِ الْعَتِيْقِ۝۲۹
Thumma lyaqdoo tafathahum walyoofoo nuthoorahum walyattawwafoo bialbayti alAAateeqi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم ليقضوا تفثهم» أي يزيلوا أوساخهم وشعثهم كطول الظفر «وليوفوا» بالتخفيف والشديد «نذورهم» من الهدايا والضحايا «وليطوفوا» طواف الإفاضة «بالبيت العتيق» أي القديم لأنه أول بيت وضع للناس.

29

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} ثم ليزيلوا وسخهم بقص الشارب والأظفار ونتف الإِبط والاستحداد عند الإِحلال. {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } ما ينذرون من البر في حجهم، وقيل مواجب الحج. وقرأ أبو بكر بفتح الواو وتشديد الفاء. {وَلْيَطَّوَّفُواْ } طواف الركن الذي به تمام التحلل فإنه قرينة قضاء التفث، وقيل طواف الوداع. وقرأ ابن عامر وحده بكسر اللام فيهما. {بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } القديم لأنه أول بيت وضع للناس، أو المعتق من تسلط الجبابرة فكم من جبار رسا إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى، وأما الحجاج فإنما قصد إخراج ابن الزبير منه دون التسلط عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } أي يزيلوا أوساخهم وشعثهم كطول الظفر {وَلْيُوفُواْ }بالتشديد و التخفيف {نُذُورَهُمْ } من الهدايا والضحايا {وَلْيَطَّوَّفُواْ } طواف الإِفاضة {بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } أي القديم لأنه أوّل بيت وضع للناس.

ابن عطية

تفسير : اختلفت القراءة في سكون اللام في قوله تعالى: {ليقضوا وليوفوا وليطوفوا} وفي تحريك جميع ذلك بالكسر وفي تحريك "ليقضوا" وتسكين الاثنين وقد تقدم في قوله: {أية : فليمدد} تفسير : [الحج: 15، مريم: 75] بسبب توجيه جميع ذلك، و"التفث" ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر وحلقه وإزالة شعث ونحوه من إقامة الخمس من الفطرة حسب الحديث وفي ضمن ذلك قضاء جميع مناسكه إذ لا يقضى التفث إلا بعد ذلك، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر "وليوَفّوا" بفتح الواو وشد الفاء، ووفى وأوفى لغتان مستعملتان في كتاب الله تعالى، وأوفى أكثر. و"النذور" ما معهم من هدي وغيره، والطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج، قال الطبري لا خلاف بين المتأولين في ذلك، قال مالك: هو واجب يرجع تاركه من وطنه إلا أن يطوف طواف وداع فإنه يجزئه منه. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل بحسب الترتيب أن تكون الإشارة إلى طواف الوادع إذ المستحسن أن يكون ولا بد، وقد أسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيراً عن قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} فقال: هو طواف الوداع، وقال مالك في الموطأ واختلف المتألون في وجه صفة البيت بـ {العتيق}، فقال مجاهد والحسن {العتيق} القديم يقال سيف عتيق وقد عتق الشيء، قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول يعضده النظر إذ هو أول بيت وضع للناس إلا أن ابن الزبير قال: سمي عتيقاً لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة بمنعه إياه منهم وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نظر مع الحديث، وقالت فرقة: سمي عتيقاً لأنه لم يملك موضعه قط، وقالت فرقة: سمي عتيقاً لأن الله تعالى يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب، قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا يرده التصريف: وقيل: سمي عتيقاً لأنه أعتق من غرق الطوفان، قاله ابن جبير، ويحتمل أن يكون {العتيق} صفة مدح تقتضي جودة الشيء كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "حملت على فرس عتيق" الحديث ونحوه قولهم كلام حر وطين حر، وقوله تعالى: {ذلك} يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير فرضكم ذلك أو الواجب ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير امتثلوا ذلك ونحو هذا الإضمار، وأحسن الأشياء مضمراً أحسنها ومظهراً ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير: [البسيط] شعر : هذا وليس كمن يعطي بخطته وسط الندى إذا ما قائل نطقا تفسير : والحرمات المقصودة ها هنا في أفعال الحج المشار إليها في قوله {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، قاله ابن زيد وغيره، ووعد على تعظيمها بعد ذلك تحريضاً، وتحريصاً، ثم لفظ الآية بعد ذلك يتناول كل حرمة لله تعالى في جميع الشرع. وقوله تعالى: {فهو خير}، ظاهره أنها ليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير، ويحتمل أن يجعل {خير} للتفضيل على تجوز في هذا الموضع، وقوله تعالى: {أحلت} إشارة إلى ما كانت العرب تفعله من تحريم أشياء برأيها كالبحيرة والسائبة فأذهب الله تعالى ذلك وأحل لهم جميع {الأنعام إلا ما يتلى} عليهم في كتاب الله تعالى. في غير موضع ثم أمرهم باجتناب {الرجس من الأوثان} والكلام يحتمل معنيين أحدهما أن تكون {من} لبيان الجنس فيقع نهيه عن رجس الأوثان فيقع نهيها في غير هذا الموضع، والمعنى الثاني أن تكون {من} لابتداء الغاية فكأنه نهاهم عن الرجس عاماً ثم عين لهم مبدأ الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس، ويظهر أن الإشارة إلى الذبائح التي كانت للأوثان فيكون هذا مما يتلى عليهم، ومن قال {من} للتبعيض قلب معنى الآية ويفسده، والمروي عن ابن عباس وابن جريج أن الآية نهي عن عبادة الأوثان، و {الزور}، عام في الكذب والكفر وذلك أن كل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور، وقال ابن مسعود وابن جريج: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عدلت شهادة الزور بالشرك"تفسير : ، وتلا هذه الآية، و {الزور} مشتق من الزور وهو الميل ومنه في جانب فلان زور ويظهر أن الإشارة في زور أقوالهم في تحريم وتحليل مما كانوا قد شرعوه في الأنعام، و {حنفاء}، معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل، و {حنفاء} نصب على الحال، وقال قوم {حنفاء} معناه حجاجاً ع وهذا تخصيص لا حجة معه، و {غير مشركين}، ويجوز أن يكون حالاً أخرى، ويجوز أن يكون صفة لقول {حنفاء} ثم ضرب تعالى مثلاً للمشرك بالله أظهره في غاية السقوط وتحمل والانبتات من النجاة بخلاف ما ضرب للمؤمن في قوله {أية : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} تفسير : [البقرة: 256] ومنه قول علي رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن رسول الله فلأن أخر من السماء إلى الأرض أهون علي من أن أكذب عليه، الحديث. وقرأ نافع وحده "فتخطّفه الطير" بفتح الخاء وشد الطاء على حذف تاء التفعل وقرأ الباقون "فتخْطفه" بسكون الخاء وتخفيف الطاء، وقرأ الحسن فيما روي عنه "فَتِخِطَّفه" بكسر التاء والخاء وفتح الطاء مشددة، وقرأ أيضاً الحسن وأبو رجاء بفتح التاء وكسر الخاء والطاء وشدها، وقرأ الأعمش "من السماء تخطفه" بغير فاء وعلى نحو قراءة الجماعة وعطف المستقبل على الماضي لأنه بتقدير فهو تخطفه الطير، وقرأ أبو جعفر، "الرياح" و"السحيق" البعيد ومنه قولهم أسحقه الله ومنه قوله عليه السلام "فسحقاً فسحقاً" ومنه نخلة سحوق للبعيدة في السماء.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَفَثَهُمْ} مناسك الحج "ع"، أو حلق الرأس، أو إزالة قشف الإحرام بالتقليم والطيب وأخذ الشعر وتقليم الأظفار والغسل "ح" {نُذُورَهُمْ} من نحر، أو غيره {وَلْيَطَّوَّفُواْ} طواف الإفاضة {الْعَتِيقِ} عتقه الله ـ تعالى ـ من الجبابرة "ع"، أو عتيق لم يملكه أحد من الناس، أو من الغرق زمن الطوفان، أو قديم أول بيت وضع للناس بناه آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وأعاده بعد الطوفان إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ.

النسفي

تفسير : {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } ثم ليزيلوا عنهم أدرانهم كذا قاله نفطويه. قيل: قضاء التفث قص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد، والتفث: الوسخ والمراد قضاء إزالة التفث. وقال ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما: قضاء التفث مناسك الحج كلها {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } مواجب حجهم والعرب تقول لكل من خرج عما وجب عليه: وفى بنذره وإن لم ينذر، أو ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم، {وليوفوا} بسكون اللام والتشديد: أبو بكر {وَلْيَطَّوَّفُواْ } طواف الزيارة الذي هو ركن الحج ويقع به تمام التحلل. اللامات الثلاث ساكنة عند غير ابن عياش وأبي عمرو {بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } القديم لأنه أول بيت وضع للناس بناه آدم ثم جدده إبراهيم، أو الكريم ومنه عتاق الخيل لكرائمها، وعتاق الرقيق لخروجه من ذل العبودية إلى كرم الحرية، أو لأنه أعتق من الغرق لأنه رفع زمن الطوفان، أو من أيدي الجبابرة؛ كم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله، أو من أيدي الملاك فلم يملك قط وهو مطاف أهل الغبراء كما أن العرش مطاف أهل السماء، فإن الطالب إذا هاجته معية الطرب وجذبته جواذب الطلب جعل يقطع مناكب الأرض مراحل ويتخذ مسالك المهالك منازل، فإذا عاين البيت لم يزده التسلي به إلا اشتياقاً ولم يفده التشفي باستلام الحجر إلا احتراقاً، فيرده الأسف لهفان ويردده اللهف حوله في الدوران، وطواف الزيارة آخر فرائض الحج الثلاث، وأولها الإحرام وهو عقد الالتزام يشبه الاعتصام بعروة الإسلام حتى لا يرتفض بارتكاب ما هو محظور فيه ويبقى عقده مع ما يفسده وينافيه، كما أن عقد الإسلام لا ينحل بازدحام الآثام وترتفع ألف حوبة بتوبة. وثانيها الوقوف بعرفات بسمة الابتهال في صفة الاهتبال، وصدق الاعتزال عن دفع الاتكال على مراتب الأعمال وشواهد الأحوال.

الخازن

تفسير : وقوله تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم} أي ليزيلوا أدرانهم وأوساخهم والمراد منه الخروج عن الإحرام بالحلق وقص الشارب ونتف الإبط وقلم الأظفار والاستحداد ولبس الثياب والحاج أشعث أغبر إذا لم يزل هذه الأوساخ. وقال ابن عمر وابن عباس: قضاء التفث مناسك الحج كلها {وليفوا نذورهم} أراد نذر الحج والهدي وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج أي ليتموها بقضائها. وقيل المراد منه الوفاء بما نذر وهو على ظاهره وقيل: أراد به الخروج عمَا وجب عليه نذره أو لم ينذره {وليطوفوا بالبيت العتيق} أراد به طواف الواجب وهو طواف الإفاضة ووقته يوم النحر بعد الرمي والحلق. والطواف ثلاثة طواف القدوم وهو أنّ من قدم مكة يطوف بالبيت سبعاً يرمل ثلاثاً من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي أربعاً وهذا الطواف سنة لا شيء على من تركه (ق) عن عائشة: "حديث : إن أول شيء بدأ به حين قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة ثم حجّ أبو بكر وعمر مثله" تفسير : (ق) عن ابن عمر "حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف الطواف الأول خب ثلاثاً ومشى أربعاً"تفسير : . زاد في رواية "حديث : ثم يصلي ركعتين يعني بعد الطواف بالبيت ثم يطوف بين الصفا والمروة"تفسير : . ولفظ أبي داود "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو العمرة أو ما يقدم يسعى ثلاثة أشواط ويمشي أربعاً ثم يصلي سجدتين"تفسير : . والطواف الثاني هو طواف الإفاضة وذلك يوم النحر بعد الرمي والحلق (ق) عن عائشة قالت: "حديث : حاضت صفية ليلة النفر فقالت: ما أراني إلا حابستكم قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم عقرى حلقى أطافت يوم النحر قيل نعم قال فانفري"تفسير : . قوله عقرى وحلقى معناه عقرها الله أي أصابها بالعقر وبوجع في حلقها وقيل معناه مشئومة مؤذية ولم يرد به الدعاء عليها وإنّما هو شيء يجري على ألسنة العرب كقولهم: لا أم لك وتربت يمينك وفيه دليل على أن من لم يطف يوم النحر طواف الإفاضة لا يجوز له أن ينفر. الثالث طواف الوداع لا رخصة لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر في أن يفارقها حتى يطوف سبعاً فمن تركه فعليه دم إلا المرأة الحائض فإنه يجوز لها تركه للحديث المتقدم ولما روى ابن عباس قال "أمر الناس أن يكون الطواف آخر عهدهم بالبيت إلا أنه رخص للمرأة الحائض" متفق عليه. الرمل سنة تختص بطواف القدوم ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع وقوله {بالبيت العتيق} قال ابن عباس وغيره سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه فلم يظهر عليه جبار قط، وقيل لأنه أول بيت وضع للناس وقيل لأن الله أعتقه من الغرق فإنه رفع أيام الطوفان وقيل لأنه لم يملك. قوله عزّ وجلّ {ذلك} أي الأمر ذلك يعني ما ذكر من أعمال الحج {ومن يعظم حرمات الله} أي ما نهى الله عنه من معاصيه وتعظيمها ترك ملابستها وقيل: حرمات الله ما لا يحل انتهاكه وقيل الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه وقيل: الحرمات هنا مناسك الحج وتعظيمها إقامتها وإتمامها وقيل الحرمات هنا البيت الحرام والبلد الحرام والمسجد الحرام والشهر الحرام ومعنى التعظيم العلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظ حرمتها {فهو خير له عند ربه} أي ثواب تعظيم الحرمات خير له عند الله في الآخرة {وأحلت لكم الأنعام} أي أن تأكلوها بعد الذبح وهي الإبل والبقر والغنم {إلا ما يتلى عليكم} أي تحريمه وهو قوله في سورة المائدة {أية : حرمت عليكم الميتة والدم}تفسير : [المائدة: 3] الآية {فاجتنبوا الرجس والأوثان} أي اتركوا عبادتها فإنها سبب الرجس وهو العذاب وقيل سمى الأوثان رجساً لأنّ عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات {واجتنبوا قول الزور} يعني الكذب والبهتان. وقال ابن عباس: هي شهادة الزور وروي عن أيمن بن خريم قال: "إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قام خطيباً فقال أيها الناس عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور" أخرجه الترمذي وقال قد اختلفوا في روايته ولا نعرف لأيمن سماعاً من النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخرجه أبو داود عن خريم بن فاتك بنحوه وقيل: هو قول المشركين في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك تملكه وما ملك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ التفث، المناسك كلها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ التفث، قضاء النسك كله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال في التفث‏:‏ حلق الرأس، والأخذ من العارضين، ونتف الابط، وحلق العانة والوقوف بعرفة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، وقص الأظفار، وقص الشارب، والذبح‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏ثم ليقضوا تفثهم‏} ‏ قال‏:‏ يعني بالتفث‏:‏ وضع إحرامهم من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقص الأظفار‏.‏‏.‏‏.‏ ونحو ذلك ‏ {‏وليوفوا نذورهم‏} ‏ قال‏:‏ يعني نحر ما نذروا من البدن‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ‏ {‏ثم ليقضوا تفثهم‏} ‏ قال‏:‏ التفث، كل شيء أحرموا منه ‏ {‏وليوفوا نذورهم‏}‏ قال‏:‏ هو الحج‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ ‏{‏ليقضوا تفثهم‏} ‏ قال‏:‏ حلق الرأس والعانة، ونتف الأبط، وقص الشارب والأظفار، ورمي الجمار، وقص اللحية‏:‏ ‏ {‏وليوفوا نذورهم‏}‏ قال‏:‏ نذر الحج‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب قال‏:‏ التفث، حلق العانة، ونتف الابط، وأخذ من الشارب، وتقليم الأظفار‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه، أنه قرأ ‏ {‏وليوفوا نذورهم‏}‏ مثقله بجزم اللام‏.‏ ‏ {‏وليطوفوا‏}‏ بجزم اللام مثقلة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وليطوفوا‏} ‏ قال‏:‏ هو الطواف الواجب يوم النحر‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وليطوفوا‏} ‏ قال‏:‏ هو الطواف الواجب يوم النحر‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وليطوفوا‏}‏ قال‏:‏ طواف الزيارة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏وليطوفوا‏} ‏ قال‏:‏ يعني زيارة البيت‏.‏ ولفظ ابن جرير‏:‏ هو طواف الزيارة يوم النحر‏. وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إنما سمى الله البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ البيت العتيق، لأنه أعتق من الجبابرة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق من الجبابرة لم يدعه جبار قط‏.‏ وفي لفظ‏:‏ فليس في الأرض جبار يدعي أنه له‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق من الغرق في زمان نوح‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ إنما سمي العتيق؛ لأنه أول بيت وضع‏. وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إنما جعل الطواف بالبيت ملاذاً؛ لأن الله لما خلق آدم أمر إبليس بالسجود له فأبى، فغضب الرحمن فلاذت الملائكة بالبيت حتى سكن غضبه ‏"‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏ {‏وليطوفوا بالبيت العتيق‏} ‏ طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه‏. وأخرج سفيان بن عيينة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال‏:‏ الحجر من البيت؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت من ورائه. قال الله ‏ {‏وليطوفوا بالبيت العتيق‏}‏‏ . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ طواف الوداع واجب، وهو قول الله ‏ {‏وليطوفوا بالبيت العتيق‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جمرة قال‏:‏ قال لي ابن عباس‏:‏ أتقرأ سورة الحج‏؟‏ يقول الله ‏ {‏وليطوفوا بالبيت العتيق‏} ‏ قال‏:‏ فإن آخر المناسك الطواف بالبيت‏. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ كانوا ينفرون من منى إلى وجوههم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون آخر عهدهم بالبيت، ورخص للحائض‏. وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ من طاف بهذا البيت سبعاً لا يتكلم فيه إلا بتكبير أو تهليل، كان عدل رقبة‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ من طاف بالبيت أسبوعاً وصلى ركعتين، كان مثل يوم ولدته أمه. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ من طاف بالبيت كان عدل رقبة‏. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : من طاف بالبيت سبعاً يحصيه، كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة ورفعت له درجة، وكان له عدل رقبة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي عقال قال‏:‏ طفت مع أنس في مطرة فقال لنا‏:‏ استأنفوا العمل فقد غفر لكم، طفت من نبيكم صلى الله عليه وسلم في مثل هذا اليوم فقال‏:‏ ‏"‏حديث : استأنفوا العمل فقد غفر لكم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن محمد بن المنكدر عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من طاف حول البيت أسبوعاً لا يلغو فيه، كان عدل رقبة يعتقها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ من طاف بالبيت خمسين أسبوعاً، خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن جبير بن مطعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء، أنه طاف بالبيت بعد العصر وصلى ركعتين، فقيل له فقال‏:‏ إنها ليست كسائر البلدان‏. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر، "حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت، استلم الحجر والركن في كل طواف ‏"تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه "حديث : عن ابن عباس قال‏:‏ رأيت عمر بن الخطاب قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّل الركن اليماني ووضع خده عليه‏ "تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ كان ابن عباس يقول‏:‏ احفظوا هذا الحديث‏.‏ وكان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو به بين الركنين‏:‏ ‏"‏حديث : رب قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلف عليّ كل غائبة بخير‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم وصححه، عن ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : إن الطواف بالبيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس، "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب ماء في الطواف‏ "تفسير : . وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن عبد الأعلى التيمي قال‏:‏ ‏ حديث : قالت خديجة رضي الله عنها‏:‏ ‏"‏يا رسول الله، ما أقول وأنا أطوف بالبيت‏؟‏ قال‏: قولي‏:‏ اللهم اغفر ذنوبي وخطئي وعمدي وإسرافي في أمري، إنك إن لا تغفر لي تهلكني" ‏‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ أسمعت ابن عباس‏؟‏ قال‏:‏ إنما أمرتم بالطواف به ولم تؤمروا بدخوله‏.‏ قال‏:‏ لم يكن نهانا عن دخوله، ولكن سمعته يقول‏:‏ أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت، فلما خرج ركع ركعتين في قبل البيت‏.‏ وقال‏:‏ هذه القبلة‏. وأخرج الحاكم وصححه ‏ ‏ ‏"‏حديث : عن عائشة قالت‏: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع وهو حزين فقلت‏:‏ يا رسول الله، خرجت من عندي وأنت كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ قال‏: إني دخلت الكعبة‏.‏‏.‏‏.‏ وددت أني لم أكن فعلته، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة، أنها كانت تقول‏:‏ عجباً للمرء المسلم‏!‏ إذا "حديث : دخل الكعبة حين يرفع بصره قِبَل السقف، يدع ذلك إجلالاً لله وإعظاماً، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها ‏".

التستري

تفسير : قوله: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}[29] قال: اختلف الناس فيه. قال الحسن: إنما سماه عتيقاً تكرمه له، كما تقول العرب: جسد عتيق، وفرس عتيق إذا كان كريماً. وحكى خاله محمد ابن سوار عن الثوري أنه قال: إنما قيل ذلك لأنه أقدم مساجد الله وأعتقها، كما قال:{أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}تفسير : [آل عمران:96]، وقال بعضهم: سماه عتيقاً لأنه لم يقصده جبار من الجبابرة بمكيدة إلا قصمه الله تعالى، فأعتق البيت منه. وقال بعضهم: لأنه أعتق من الغرق في زمن الطوفان، حيث رفع إلى السماء، وكما أعتق الله بيته كذلك أعتق قلب المؤمن من الغير، وهو أقدم مما نصبه الله تعالى علماً في أرضه وجعله في المسجد الحرام، كذلك القلب له قلب آخر، وهو موضع وقوف العبد بين يدي مولاه، لا يتحرك في شيء إنما هو ساكن إليه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ}. ليقضوا حوائجهم وليحققوا عهودَهم، وليوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فَمَنْ كان عقدُه التوبة فوفاؤه ألا يرجعَ إلى العصيان. ومَنْ كان عَهْدُه اعتناقَ الطاعةِ فَشَرْطُ وفائه تركُ تقصيره. ومن كان عهدُه ألا يرجع إلى طلب مقامٍ وتطلُّع إِكرام فوفاؤه استقامته على الجملة في هذا الطريق بألا يرجع إلى استعجالِ نصيبٍ واقتضاءِ حظٍ. قوله جلّ ذكره: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}. الإشارة في الطواف إلى أنه يطوف بنَفْسه حولَ البيت، وبقلبه في ملكوت السماء، وبِسِرِّه في ساحات الملكوت.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم ليقضوا تفثهم} عطف على يذكروا اى ليزبلوا وسخهم بخلق الرأس وقص الشارب والاظفار ونتف الابط ولاستحداد عند الاحلال اى الخروج من الاحرام فالتفث الوسخ يقال للرجل ما أتفثك وما ادرنك اى وما اوسخك وكل ما يستقذر من الشعث وطول الظفر ونحوهما تفث، قال الراغب اصل التفث سخ الظفر وغير ذلك مما شأنه ان يزال عن البدن والقضاء فصل الامر قولا كان ذلك او فعلا وكل واحد منها على وجهين الهى وبشرى والآية من قبيل البشرى كما فى قوله تعالى {أية : ثم اقضوا الىّ ولا تنظرون}تفسير : اى افرغوا من امركم وقول الشاعر شعر : قضيت امورا ثم غادرت بعدها تفسير : يحتمل القضاء بالقول والفعل جميعا كما فى المفردات {وليوفوا نذورهم} يقال وفى بعهده واوفى اذا تمم العهد ولم ينقض حفظه كما دل عليه الغدر وهو الترك والنذر ان توجب على نفسك ما ليس بواجب والمراد بالنذور ما نذروه من اعمال البر فى ايام الحج فان الرجل اذا حج واعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدى وغيره ما لولا ايجابه لم يكن الحج يقتضيه وان كان على الرجل نذور مطلقة فالافضل ان يتصدق بها على اهل مكة {وليطوفوا} طواف الركن الذى به يتم التحلل فانه قرينة قضاء التفث {بالبيت العتيق} اى القديم فانه اول بيت وضع للناس او المعتق من تسلط الجبابرة فكم من جبار سار اليه ليهدمه فعصمه الله واما الحجاج الثقفى فانما قصد اخراج ابن الزبير رضى الله عنه لا التسلط عليه ولما قصد التسلط عليه ابرهه فعل به ما فعل، اعلم ان طواف الحجاج ثلاثة. الاول طواف القدوم وهو ان من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا يرمل ثلاثا من الحجر الاسود الى ان ينتهى اليه ويمشى اربعا وهذا الطواف سنة لاشىء بتركه. والثانى طواف الافاضة يوم النحر بعد الرمى والحلق ويسمى ايضا طواف الزيارة وهو ركن لا يحصل التحلل من الاحرام ما لم يأت به. والثالث طواف الوداع لا رخصه لمن اراد مفارقة مكة الى مسافة القصر فى ان يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعا فمن تركه فعليه دم الا المرأة الحائضة فانه يجوز لها ترك طواف الوداع ثم ان الرمل يختص بطواف القدوم ولا رمل فى طواف الافاضة والوداع شعر : اى كه درين كوى قدم مى نهى روى توجه بحرم مى نهى باى باندازه درين كوى نه باى كر سوده شود روى نه جرخ زنان طوف كنان برحضور توشده بروانه واوشمع نور عادت براونة ندانى مكر جرخ زند اول وسوزد دكر تفسير : قال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى الفتوحات المكية لما نسب الله العرش فى السماء الى نفسه وجعله محل استواء للرحمن فقال {أية : الرحمن على العرش استوى}تفسير : وجعل الملائكة حافين به بمنزلة الحراس الذين يدورون بدار الملك والملازمين له لتنفيذ امره كذلك جعل الله بيته فى الارض ونصبه للطائفين على ذلك الاسلوب وتميز البيت على العرش بامر جلى وسر الهى ما هو فى العرش وهي يمين الله فى الارض لتبايعه فى كل شوط مبايعة رضوان فالحجر يمين الله يبايع به عباده بلا شك ولكن على الوجه الذى يعلمه سبحانه من ذلك فصح النسب بالتقديس ومن هنا يعرف ان مافى الوجود الا الله سبحانه وتقدس شعر : كعبه كرو درهمه دلها ره است جزوى از اعضاى يمين الله است تفسير : قال بعض لكبار وضع الله بيته فى الارض قبل آدم وذريته وآجال الطائفين حوله ابتلاء وامتحانا ليحتجبوا بالبيت عن صاحب البيت يعنى حجبهم بالوسائط عن مشاهدة جماله غيرة على نفسه من ان يرى احد اليه سبيلا ـ حكى ـ ان عارفا من اولياء الله تعالى قصد الحج وكان له ابن فقال ابنه الى اين تقصد فقال الى بيت الله فظن الغلام ان من يرى البيت يرى رب البيت فقال يا ابى لم لا تحملنى معك فقال انت لا تصلح لذلك فبكى الغلام فحمله معه فلما بلغا الى الميقات احرما ولبيا ودخلا الحرم فلما شوهد البيت تحير الغلام عند رؤيته فخر ميتا فدهش والده وقال اين ولدى وقطعة كبدى فنودى من زواية البيت انت طلبت البيت فوجدته وهو طلب رب البيت فوجد رب البيت فرفع الغلام من بينهم فهتف هاتف انه ليس فى القبر ولا فى الارض ولافى الجنة بل هو فى مقعد صدق عند مليك مقتدر: وفى المثنوى شعر : خوش بكش اين كاروانرا تابحج اى امير الصبر مفتاح الفرج حج زيارت كردن خانه بود حج رب البيت مردانه بود تفسير : فمن اعرض عن الجهة وتوجه الى الوجه الاحدى صار الحف قبله له فيكون هو قبله الجميع كآدم عليه السلام كان قبلة الملائكة لانه وسيلة الحق بينه وبين ملائكته لما عليه نم كسوة جماله وجلاله كما قال عليه السلام "حديث : خلق الله آدم على صورته"تفسير : يعنى القى عليه حسن صفاته ونو مشاهدته، قال بعض العارفين لما كانت البيت المحرم سر لباس شمس الذات الاحدية وحد الحق سبحانه القصد اليه فقال {أية : ولله على الناس حج البيت}تفسير : فجاء بلفظ البيت لما فيه من اشتقاق المبيت والمبيت لا يكون الا فى الليل والليل محل التجلى للعباد فانه فيه نزول الحق كما يليق وهو مظهر الغيب وهو محل التجلى ولباس الشمس كذلك البيت الحرام مظهر حضر الغيب الالهى وسر التجلى الوحدانى وسر منبع رحمة الرحمانية لأن الحق اذا تجلى لاهل الارض بصفة الرحمة ينزل الرحمة اولا على البيت ثم تقسم منه فالبيت سر وحدانية ا لحق فجعل الحق حجة واحدة لا يتكرر وجوبه كتكرر سائر العبادات لاجل مضاهاته بحضرة الاحدية وفضل البيت على سائر البيوت كفضله سبحانه على خلقه والفضل كله لله تعالى فانوار جميع البيوت وفضائلها مقتبسة من نوره كما وردت الاشارة ان الارض مدت من البيت وهو حقيقة الحقائق الكونية الشهادية فلذلك سميت مكة بام القرى شرفها الله تعالى وتقدس. وفى التأويلات النجمية {أية : واذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا}تفسير : اى وناد فى الناسين من النفس وصفاتها والقالب وجوارحه بزيارة القلب للاتصاف بصفاته والدخول فى مقاماته يأتوك مشاة وهى النفس وصفاتها {أية : وعلى كل ضامر}تفسير : وهو القالب وجوارحه يعنى يقصدون القلب بالاعمال الشرعية البدنية فانهم كالركبان لأن الاعمال البدنية مركبة بحركات الجوارح ونيات الضمير كما ان اعمال النفس مفردة لانها نيات الضمير فحسب {أية : يأتين من كل فج عميق}تفسير : وهو سفل الدنيا لأن القالب من الدنيا واكثر استعماله فى مصالح الدنيا بالجوارح والاعضاء فردها الى استعمالها فى مصالح لقلب اتيانها من كل فج عميق {أية : ليشهدوا منافع لهم}تفسير : اى ليحضروا وينتفعوا بالمنافع التى هى مستكنة فى القلب فاما النفس وصفاتها فمنافعها بتبديل الاخلاق واما القالب وجوارحه فمنافعهم قبول طاعاتهم وظهو آثارها على سيماهم ويذكروا اسم الله اى القلب والنفس والقالب شكرا على ما رزقهم من بهيمة الانعام بان جعل الصفات البهيمية الحيوانية مبدلة بالصفات القلبية الروحانية الربانية وبقوله {أية : فكلوا منها واطعموا البائس الفقير}تفسير : يشير الى ان انتفعوا من هذه المقامات والكرامات واطعموا بمنافعها الطالب المحتاج والقاصد الى الله بالخدمة والهداية والارشاد ثم ليقضوا الطلاب تفثهم وهو ما يجب عليهم من شرائط الارادة وصدق الطلب {وليوفوا نذورهم} فما عاهدوا الله على التوجه ا ليه وصدق الطلب والارادة {وليطوفوا بالبيت العتيق} اى يطوفوا حول الله بقلبهم وسرهم ولا يطوفوا حول ما سواه واراد بالعتيق القديم هو من صفات الله تعالى.

الهواري

تفسير : قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ} قال بعضهم: التفث حلق الرأس. وقال عطاء: التفث حلق الشعر وقطع الأظفار. وقال مجاهد: التفث حلق الرأس وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط وحلق العانة، ورمي الجمار. ذكر بعضهم قال: التفث دلك الشعث ودلك القشف. وفي تفسير عمرو عن الحسن: [إزالة] قشف الإِحرام، برميهم الجمار يوم النحر فقد حلّ له كل شيء غير النساء والطيب. ذكروا عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان يقول: من رمى الجمار يوم النحر فقد حلّ له كل شي إلا النساء والطيب. قوله: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} قال بعضهم: أيام عظَّمها الله، تحلو فيها الأشعار، ويوفى فيها بالنذر، وتذبح فيها الذبائح. ذكروا أن مجاهد قال: نذر الحج والهدي، وما نذر الإِنسان على نفسه من شيء يكون في الحج. قوله: {وَلْيَطَّوَّفوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ}. قال بعضهم: أعتقه الله من الجبابرة. وقال بعضهم: كم من جبّار مترف قد صال إليه يريد أن يهدمه، فحال الله بينه وبينه. ذكر الحسن بن مسلم قال: قلت لمجاهد: لم سمّى البيت العتيق؟ قال: لم يُرِده أحد بسوء إلا هلك. قال الحسن: البيت العتيق أول بيت وضع للناس. قال بعضهم في قوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ}. قال: هو الطواف الواجب. ذكروا عن عطاء أنه كان لا يرى بأساً أن يطاف الطواف الواجب بالليل. وقال مجاهد: هو طواف يوم النحر. قال مجاهد: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه فأفاضوا نهاراً يوم النحر، وأفاض هو ليلاً لحال نساء كن معه. تفسير : فما أفاض منا أحد حتى كان النفر الآخر.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ لِيَقْضُوا} وسكن اللام غير ورش. وقيل: وابن عامر وابي عمرو * {تَفَثَهُمْ} اوساخهم وشعثهم كطول الظفر وشعر الابط والعانة والشارب. وقيل: التفث ما ذكر ورمي الجمار. وقيل: حلق الرأس. وقال عطا: الشعر والاظفار وقضاء ذلك ازالته. وقدر بعضهم: (ثم ليقضوا ازالة تفثهم) والازالة للوسخ تكون بما ذكر وبالدهن وبالتطيب ولبس الثياب. وقال أبو عمرو وابن عباس: (التفث) مناسك الحج {وَلْيُوفُواْ} وكسر ابن ذكوان اللام. وقرأ بعضهم بفتح الواو وتشديد الفاء * {نُذُورَهُمْ} ما نذروا به على انفسهم في الحج من اعمال البر. وقيل: مواجب حجهم. وقيل: الهدي. وقيل: المراد وليخرجوا من الحج والهدي بالوفاء بهما * {وَلْيَطَّوَّفُوا} وكسر ابن ذكوان اللام {بِالبَيْتِ العَتِيقِ} أي القديم لانه أول بيت وضع قاله مجاهد وغيره وهو رواية عن الحسن. وقال ابن عباس والحسن وابن الزبير وقتادة والحسن بن مسلم اعتق من الجبابرة وما قصد جبار للخراب الا هلك. وفي رواية عن مجاهد اعتق عن ان يملكه أحد. وعنه اعتق من الغرق بالطوفان لانه رفع إلى السماء. وقيل: معنى (العتيق) الكريم من قولهم عتاق الخيل والطير. وان قلت تسلط عليه الحجاج فلم يمنع؟ قلت لم يقصد خرابه واهانته بل قصد تزيينه أو تحصن به ابن الزبير فاحتال لاخراجه ثم بناه وانظر قصة ابرهة في سورة الفيل ترى ما وقع له إذ قصده بخراب والمراد طواف الافاضة وهو طواف الزيارة يوم النحر بعد الرمي والحلق وهو من اركان الحج وبه يتم ويدل على انه المراد قضاء التفث. وقيل: المراد طواف الصدر وهو طواف الوداع ولا رخصة لتاركه ان فارق مكة فمن تركه وفارقها لوطنه أو بعيدا لزمه دم ورخص للحائض تركه واما طواف القدوم يطوفه من قدم مكة ولا رمل في الطواف عندنا. وقال قومنا: وبعض اصحابنا المشارقة يرمل في طواف الوداع في ثلاثة اشواط من الحجر إلى ان ينتهي إليه ويمشي اربعة وانه سنة لا شيء على تاركها ويركع ركعتين ويخرج للصفا والمروة والرمل في الثلاثة مروي عن عمر وابن مسعود وفعله النبي صلى الله عليه وسلم لكنه عندنا منسوخ وهو قول ابن عباس ذكر له ذلك فقال: صدقوا وكذبوا فقيل له: صدقوا انه صلى الله عليه وسلم وكذبوا في قولهم انه سنة لا يجوز تركها وانما فعله صلى الله عليه وسلم واصحابه لكي يرى المشركون ان بهم قوة وقد بلغهم انهم في ضعف وشدة جوع ولا رمل على النساء باتفاق واجاز عطاء الطواف الواجب ليلا.

اطفيش

تفسير : { ثمَّ ليقْضَوا تَفَثَهم} ليقطعوا ما طال من الأظفار وشعر العانة والإبط والرأس، والقضاء فى الأصل القطع، كما يطلق على الفصل الحكم، أو هو هنا أداء ما وجب من إزالة ما ذكر، قل سمى القطع قضاء لمضى زمان ذلك، وقيل: قضاء التفث أفعال الحج كلها، وذلك كله لأن التفث الوسخ، والمحرم لا يخلو عنه، ففعل منا ذكر خروج عن التفث، فسمى بالتفث للحوار أو التسبب. {وليُوفُوا نُذُورهم} ما وعدوه من أفعال الخير فى الحج كالذبح والصدقة والصلاة فى مواضع مخصوصة، وقصدها للزيارة {وليطَّوَّفُوا} ليتطوَّفوا أبدلت التاء طاء فأدغمت وهو أبلغ من طوفوا، وهو طواف الإضافة، ولا حج لمن تركه، وقيل طواف الوداع، واختلف أهو من المناسك {بالبيت العتيق} روى البخارى والترمذى، والحاكم والطبرانى، عن عبد الله بن الزبير، عنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : سمى الله البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة ولم يظهر عليه جبار قط" تفسير : وقصده تبع بالهدم إذ قيل له كذبا فيه كنز، فأشير إليه بأنه مولد نبى آخر الأنبياء، وأن له ربا يحميه فكساه، وهو أول من كساه، وقيل أصابه الفالج فتركه، وقصده أبرهة فأصاب ضر، وأنت خبير بقصة أصحاب الفيل، وأما هدم الحجاج فليخرج منه ابن الزبير إذ التجأ إليه، وليرده كما كان، وليس أخذ القرامطة الحجر الأسود، وبقاءه عندهم سنين تملكاً له، وإلقاء الحبشة أحجاره فى البحر آخر الزمان من أشراط الساعة، لا يرد نقضا. وعن مجاهد سمى لأنه لم يملك موضعه قط، أو لأنه لم يصبه الطوفان، وابن جبير لأنه جيد كما قال فرس عتيق، وعن الحسن وبن زيد لقدمه، إذ هو أول بيت وضع للناس، وقيل لاعتاقه من طاف به، ولا يجوز الطواف بغير الكعبة ولو بالمسجد النبوى، ولو ببيت المقدس، وأهل يسجن يطوفون بمسجد عند شعبة يقال لها موم، وبمسجد فوق جبل أبى العباس، يطوفون بهما سبعاً وتعظيما وتبركا وتضرعا، وهو بدعة محرمة، وكذا أهل غار داية يطوفون سبعا بمسجد، ويطوفون سبعا بسارية فى المكتب، وأظن ذلك قد ترك، ولا حجة لذلك فهو حرام، وذلك عجيب يطاف على مسجد كأنه كعبة، ولا يخافون العقاب، ومثل ذلك ما يفعله أهل المغرب الأقصى من محاكاتهم أضرحة الشيوخ لبيت الله الحرام، من جعل الكسوة لها، وتحديد الحرام، على مسافة معلومة، بحيث يكون من دخل تلك البقعة من أهل الجرائم أمناً، وسوق الذبائح لها على هيئة الهدى، واتخاذ الموسم كل عام.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} هو في الأصل الوسخ والقذر، وعن قطرب تفث الرجل كثر وسخه في سفره، وقال أبو محمد البصري: التفث من التف وهو وسخ الأظفار وقلبت الفاء ثاء كما في مغثور، وفسره جمع هنا بالشعور والأظفار الزائدة ونحو ذلك، والقضاء في الأصل القطع والفصل وأريد به الإزالة مجازاً أي ليزيلوا ذلك بتقليم الأظفار والأخذ من الشوارب والعارضين كما في رواية عن ابن عباس ونتف الإبط وحلق الرأس والعانة، وقيل: القضاء مقابل الأداء والكلام على حذف مضاف أي ليقضوا إزالة تفثهم، والتعبير بذلك لأنه لمضي زمان إزالته عد الفعل قضاء لما فات. وأخرج ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أنه قال: التفث النسك كله من الوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار، والقضاء على هذا بمعنى الأداء كأنه قيل: ثم ليؤدوا نسكهم. وكان التعبير عن النسك بالتفث لما أنه يستدعي حصوله فإن الحجاج ما لم يحلوا شعث غبر وهو كما ترى، وقد يقال: إن المراد من إزالة التفث بالمعنى السابق قضاء المناسك كلها لأنها لا تكون إلا بعده فكأنه أراد أن قضاء التفث هو قضاء النسك كله بضرب من التجوز ويؤيده ما أخرجه جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قضاء التفث قضاء النسك كله. {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم، وعن ابن عباس تخصيص ذلك بما ينذرونه من نحر البدن. وعن عكرمة هي مواجب الحج. وعن مجاهد ما وجب من الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج فالنذر بمعنى الواجب مطلقاً مجازاً. وقرأ شعبة عن عاصم {وَلْيُوفُواْ} مشدداً {وَلْيَطَّوَّفُواْ} طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة الذي هو من أركان الحج وبه تمام التحلل فإنه قرينة قضاء التفث بالمعنى السابق، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وجماعة بل قال الطبري وإن لم يسلم له: لا خلاف بين المتأولين في أنه طواف الإفاضة ويكون ذلك يوم النحر، وقيل: طواف الصدر وهو طواف الوداع وفي عدة من المناسك خلاف {بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أخرج البخاري في «تاريخه» والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن جرير والطبراني وغيرهم عن ابن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إنما سمى الله / البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط » تفسير : وإلى هذا ذهب ابن أبـي نجيح وقتادة، وقد قصده تبع ليهدمه فأصابه الفالج فأشير عليه أن يكف عنه، وقيل: له رب يمنعه فتركه وكساه وهو أول من كساه، وقصده أبرهة فأصابه ما أصابه، وأما الحجاج فلم يقصد التسلط على البيت لكن تحصن به ابن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه، ولعل ما وقع من القرامطة وإن أخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم سنين من هذا القبيل، ويقال فيما يكون آخر الزمان من هدم الحبشة إياه وإلقاء أحجاره في البحر إن صح: إن ذلك من أشراط الساعة التي لا ترد نقضاً على الأمور التي قيل باطرادها، وقيل: في الجواب غير ذلك. وعن مجاهد أنه إنما سمي بذلك لأنه لم يملك موضعه قط، وفي رواية أخرى عنه أن ذلك لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان، وعن ابن جبير أن العتيق بمعنى الجيد من قولهم: عتاق الخيل وعتاق الطير، وقيل: فعيل بمعنى مفعل أي معتق رقاب المذنبين ونسبة الإعتاق إليه مجاز لأنه تعالى يعتق رقابهم بسبب الطواف به، وقال الحسن وابن زيد: العتيق القديم فإنه أول بيت وضع للناس وهذا هو المتبادر إلا أنك تعلم أنه إذا صح الحديث لا يعدل عنه، ثم إن حفظه من الجبابرة وبقاءه الدهر الطويل معظماً يؤتى من كل فج عميق بمحض إرادة الله تعالى المبنية على الحكم الباهرة. وبعض الملحدين زعموا أنه بني في شرف زحل والطالع الدلو أحد بيتيه وله مناظرات سعيدة فاقتضى ذلك حفظه من الجبابرة وبقاءه معظماً الدهر الطويل ويسمونه لذلك بيت زحل، وقد ضلوا بذلك ضلالاً بعيداً، وسنبين إن شاء الله تعالى خطأ من يقول بتأثير الطالع أتم بيان والله تعالى المستعان.

ابن عاشور

تفسير : هذا من جملة ما خاطب الله به إبراهيم - عليه السلام -. وقرأ ورش عن نافع، وقنبلٌ عن ابن كثير، وابن عامر، وأبو عَمرو ــــ بكسر لام ــــ {لِيَقْضوا}. وقرأه الباقون ــــ بسكون اللام ــــ. وهما لغتان في لام الأمر إذا وقعت بعد (ثم)، كما تقدم آنفاً في قوله تعالى: {أية : ثم ليقطع}تفسير : [الحج: 15]. و(ثم) هنا عطفت جملة على جملة فهي للتراخي الرتبي لا الزمني فتفيد أنّ المعطوف بها أهم في الغرض المسوق إليه الكلام من المعطوف عليه. وذلك في الوفاء بالنذر والطواف بالبيت العتيق ظاهرٌ إذ هما نسكان أهم من نحرِ الهدايا، وقضاء التّفث محول على أمر مهم كما سنبينه. والتفث: كلمة وقعت في القرآن وتردّد المفسرون في المراد منها. واضطرب علماء اللغة في معناها لعلّهم لم يعثروا عليها في كلام العرب المحتج به. قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعلمون التفث إلاّ من التفسير، أي من أقوال المفسرين. فعَن ابن عُمر وابن عبّاس: التفث: مناسك الحجّ وأفعالُه كلها. قال ابن العربي: لم صح عنهما لكان حجة الإحاطة باللغة. قلت: رواه الطبري عنهما بأسانيد مقبولة. ونسبة الجصّاص إلى سعيد. وقال نفطويه وقطرب: التفث: هو الوسخ والدرَن. ورواه ابن وهب عن مالك بن أنس، واختاره أبو بكر بن العربي وأنشد قطرب لأمية بن أبي الصلت:شعر : حفّوا رؤوسهم لم يَحلقوا تفثاً ولم يسلّموا لهم قَمْلاً وصِئْبانا تفسير : ويحتمل أن البيت مصنوع لأن أيمة اللّغة قالوا: لم يَجىء في معنى التفث شعر يحتج به. قال نفطويه: سألت أعرابياً: ما معنى قوله {ثم ليقضوا تفثهم}، فقال: ما أفسّرُ القرآن ولكن نقول للرجل ما أتفثك، أي ما أدرَنَك. وعن أبي عبيدة: التّفَث: قصّ الأظفار والأخذُ من الشارب وكل ما يحرم على المُحرم، ومثله قوله عكرمة ومجاهد وربما زاد مجاهد مع ذلك: رمي الجمار. وعن صاحب «العين» والفراء والزجاج: التفث الرمي، والذبح، والحلق، وقصّ الأظفار والشارب وشعر الإبط. وهو قول الحسن ونسب إلى مالك بن أنس أيضاً. وعندي: أن فعل {ليقضوا}ينادي على أن التفث عمل من أعمال الحج وليس وسَخاً ولا ظفراً ولا شعراً. ويؤيده ما روي عن ابن عمر وابن عباس آنفاً. وأن موقع (ثمّ) في عطف جملة الأمر على ما قبلها ينادي على معنى التراخي الرتبي فيقتضي أنّ المعطوف بــــ (ثمّ) أهم مما ذكر قبلها فإن أعمال الحج هي المهم في الإتيان إلى مكة، فلا جرم أن التفث هو من مناسك الحجّ وهذا الذي درج عليه الحريري في قوله في المقامة المكية: «فلمّا قضيت بعون الله التفث، واستبحت الطيبَ والرفث، صادف موسم الخَيف، معمعان الصيف». وقوله: {وليوفوا نذورهم} أي إن كانوا نذوراً أعمالاً زائدة على ما تقتضيه فريضة الحجّ مثل نذر طواف زائد أو اعتكاف في المسجد الحرام أو نسكاً أو إطعام فقير أو نحو ذلك. والنذر: التزام قُربة لله تعالى لم تكن واجبة على ملتزِمها بتعليقٍ على حصول مرغوب أو بدون تعليق، وبالنذر تصير القربة الملتزَمة واجبة على الناذر. وأشهر صِيَغِه: لله عليّ... وفي هذه الآية دليل على أن النذر كان مشروعاً في شريعة إبراهيم، وقد نذر عُمر في الجاهلية اعتكاف ليلة بالمسجد الحرام ووفى به بعد إسلامه كما في الحديث. وقرأ الجمهور {ولِيُوفوا} ــــ بضم التحتية وسكون الواو بعدها ــــ مضارع أوفى، وقرأ أبو بكر عن عاصم {وليوَفُّوا} ــــ بتشديد الفاء وهو بمعنى قراءة التخفيف لأن كلتا الصيغتين من فعل وفي المزيد فيه بالهمزة وبالتضعيف. وختم خطاب إبراهيم بالأمر بالطواف بالبيت إيذاناً بأنّهم كانوا يجعلون آخر أعمال الحج الطواف بالبيت وهو المسمّى في الإسلام طواف الإفاضة. والعتيق: المحرر غير المملوك للناس. شبه بالعبد العتيق في أنه لا ملك لأحد عليه. وفيه تعريض بالمشركين إذ كانوا يمنعون منه من يشاءون حتى جعلوا بابه مرتفعاً بدون درج لئلا يدخله إلاّ من شاءوا كما جاء في حديث عائشة أيام الفتح. وأخرج الترمذي بسند حسن أن رسول الله قال: «حديث : إنما سمّى الله البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبّار قطّ».تفسير : واعلم أنّ هذه الآيات حكاية عما كان في عهد إبراهيم عليه السلام فلا تؤخذ منها أحكام الحجّ والهدايا في الإسلام. وقرأ الجمهور {ثمّ لْيَقْضوا ولْيُوفُوا ولْيَطَوّفُوا} بإسكان لام الأمر في جميعها. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: {وليوفوا ولِيطوّفوا} ــــ بكسر اللام فيهما ــــ. وقرأ ابن هشام عن ابن عامر، وأبو عمرو، وورش عن نافع، وقنبلٌ عن ابن كثير، ورويس عن يعقوب: {ثمّ لِيقضوا} ــــ بكسر اللاّم ــــ. وتقدّم توجيه الوجهين آنفاً عند قوله تعالى: {أية : ثم ليقطع}تفسير : [الحج: 15]. وقرأ أبو بكر عن عاصم {ولْيُوفّوا} بفتح الواو وتشديد الفاء من وفّى المضاعف.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] صيغة الأمر في هذه الآية الكريمة: تدل على وجوب الإيفاء بالنذر، كما قدمنا مراراً أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب، على الأصح، إلا لدليل صارف عنه. ومما يدل من القرآن على لزوم الإيفاء بالنذر: أنه تعالى أشار إلى أنه هو، والخوف من أهوال يوم القيامة، من أسباب الشرب من الكأس الممزوجة بالكافور في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً}تفسير : [الإنسان: 5-6] ثم أشار إلى بعض أسباب ذلك فقال: {أية : يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}تفسير : [الإنسان: 7] فالوفاء بالنذر ممدوح على كل حال، وإن كانت آية الإنسان ليست صريحة في وجوبه، وكذلك قوله في سورة البقرة: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ}تفسير : [البقرة: 270] الآية. وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان بالقرآن، إن لم يكن وافياً بالمقصود أتممناه بالبيان بالسنة. ولذلك سنبين هنا ما تقتضيه السنة من النذر الذي يجب الإيفاء به، والذي لا يجب الإيفاء به. اعلم أولاً: أن الأمر المنذور له في الجملة حالتان: الأولى: أن يكون فيه طاعة لله. والثانية: ألا يكون فيه طاعة لله، وهذا الأخير منقسم إلى قسمين. أحدهما: ما هو معصية لله. والثاني: ما ليس فيه معصية في ذاته، ولكنه ليس من جنس الطاعة كالمباح الذي لم يؤمر به. والذي يجب اعتماده بالدليل في الأقسام الثلاثة المذكورة: أن المنذور إن كان طاعة لله، وجب الإيفاء به، سواء كان في ندب كالذي ينذر صدقة بدراهم على الفقراء، أو ينذر ذبح هدي تطوعاً أو صوم أيام تطوعاً، ونحو ذلك. فإن هذا ونحوه، يجب بالنذر، ويلزم الوفاء به. وكذلك الواجب إن تعلق النذر بوصف، كالذي ينذر أن يؤدي الصلاة في أول وقتها، فإنه يجب عليه الإيفاء بذلك. أما لو نذر الواجب كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، فلا أثر لنذره، لأن إيجاب الله لذلك أعظم من إيجابه بالنذر، وإن كان المنذور معصية لله: فلا يجوز الوفاء به، وإن كان جائزاً لا نهي فيه، ولا أمر فلا يلزم الوفاء به. أما الدليل على وجوب الإيفاء في نذر الطاعة وعلى منعه في نذر المعصية فهو: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه ذلك. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك، عن طلحة بن عبدالملك، عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" تفسير : اهـ. وهو ظاهر في وجوب الإيفاء بنذر الطاعة، ومنع الإيفاء بنذر المعصية. وقال البخاري أيضاً: حدثنا أبو عاصم، عن مالك، عن طلحة بن عبدالملك، إلى آخر الإسناد والمتن المذكورين آنفاً. وإذا علمت أن هذا الحديث الصحيح، قد دل على لزوم الإيفاء بنذر الطاعة، ومنعه في نذر المعصية. فاعلم: أن الدليل على عدم الإيفاء بنذر الأمر الجائز: هو أنه ثبت أيضاً عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس قال: "حديث : بينا النَّبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم، وليستظل وليقعد، وليتم صومه" تفسير : اهـ محل الغرض من صحيح البخاري. وفيه التصريح بأن ما كان من نذره من جنس الطاعة، وهو الصوم أمره صلى الله عليه وسلم بإتمامه، وفاء بنذره وما كان من نذره مباحاً لا طاعة، كترك الكلام، وترك القعود، وترك الاستظلال، أمره بعدم الوفاء به، وهو صريح في أنه لا يجب الوفاء به. واعلم أنا لم نذكر أقوال أهل العلم هنا للاختصار، ولوجود الدليل الصحيح من السنة على ما ذكرنا. فروع تتعلق بهذه المسألة: الفرع الأول: اعلم أنه لا نذر لشخص في التقرب بشيء لا يملكه، وقد ثبت ذلك عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني زهير بن حرب، وعلي بن حجر السعدي واللفظ لزهير قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: حديث : كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث بطوله. وفيه ما نصه: وأسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت العضباء فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإِبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء، فلم ترغ قال: وناقة منوقة فقعدت في عجزها، ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فطلبوها، فأعجزتهم قال: ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها. فلما قدمت المدينة، رآها الناس فقال: العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: "سبحان الله بئسما جزتها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد"" تفسير : الحديث. ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولا فيما لا يملك العبد" تفسير : وهذا نص صحيح صريح فيما ذكرنا، ويؤيده حديث ثابت بن الضحاك: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا وفاء لنذر في معصية الله ولا في قطيعة رحم ولا فيما لا يملك ابن آدم" تفسير : اهـ. قال الحافظ في بلوغ المرام: رواه أبو داود والطبراني، واللفظ له، وهو صحيح الإسناد، وله شاهد من حديث كردم عند أحمد. الفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن نذر نذراً لا يلزم الوفاء به هل تلزمه كفارة يمين، أو لا يلزمه شيء؟ وحجة من قال: لا يلزمه شيء: هو حديث نذر أبي إسرائيل، أنه لا يقعد ولا يتكلم، ولا يستظل، وقد أمره النَّبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المذكور آنفاً: أنه لا يفي بهذا النذر، ولم يقل له إن عليه كفارة يمين. وقد قدمنا هذا في سورة مريم موضحاً. وقد قدمنا أن القرطبي قال في قصة أبي إسرائيل: هذه أوضح الحجج للجمهور في عدم وجوب الكفارة، على من نذر معصية، أم ما لا طاعة فيه. فقد قال مالك: لما ذكره ولم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره بالكفارة، وأما الذين قالوا: إن النذر الذي لا يجب الوفاء به تجب فيه كفارة يمين فقد احتجوا بما رواه مسلم، في صحيحه: وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عيسى، قال يونس: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبدالرحمن بن شماسة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كفارة النذر كفارة اليمين" تفسير : اهـ، وظاهره شموله للنذر الذي لا يجب الوفاء به. وقال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في المراد به، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمت زيداً مثلاً، فلله علي حجة، أو غيرها، فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين، وبين ما التزمه. هذا هو الصحيح في مذهبنا، وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق كقوله: علي نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث، على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة يمين والله أعلم اهـ كلام النووي. ولا يخفى بعد القول الأخير لقوله تعالى: {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] فهو أمر جازم مانع للتخيير بين الإيفاء به، وبين شيء آخر. والأظهر عندي في معنى الحديث: أن من نذر نذراً مطلقاً كأن يقول: علي لله نذر أنه تلزمه كفارة يمين، لما رواه ابن ماجه، والترمذي وصححه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" تفسير : وروي نحوه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس، وفي الحديثين بيان المراد بحديث مسلم، بأن المراد به: النذر المطلق الذي لم يسم صاحبه ما نذهر، بل أطلقه والبيان يجوز بكل ما يزيد الإيهام، كما قدمناه مراراً، والمطلق يحمل على المقيد. ومما يؤيد القول بلزوم الكفارة في نذر اللجاج: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما حرم شرب العسل على نفسه في قصة ممالأة أزواجه عليه. وأنزل الله في ذلك: {أية : لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}تفسير : [التحريم: 1] قال الله بعد ذلك: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}تفسير : [التحريم: 2] فدل ذلك على لزوم كفارة اليمين، وكذلك قال ابن عباس وغيره: بلزوم كفارة اليمين، على القول بأنه حرم جاريته، والأقوال فيمن حرم زوجته، أو جاريته، أو شيئاً من الحلال معروفة عند أهل العلم. فغير لزوجة والأمة لا يحرم بالتحريم قولاً واحداً والخلاف في لزوم كفارة اليمين، وعدم لزومها، وظاهر الآية لزومها، وبعض العلماء يقول: لا يلزم فيه شيء وهو مذهب مالك وأصحابه، أما تحريم الرجل امرأته أو جاريته، ففيه لأهل العلم ما يزيد على ثلاثة عشر مذهباً معروفة في محلها، وأجراها على القياس في تحريم الزوجة لزوم كفارة الظهار، لأن من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فهو بمثابة ما لو قال لها: أنت حرام، والظهار نص الله في كتابه، على أن فيه كفارته المنصوصة في سورة المجادلة. أما نذر اللجاج فقد قدمنا القول، بأن فيه كفارة يمين، والمراد بنذر اللجاج النذر الذي يراد به الامتناع من أمر لا التقرب إلى الله. قال ابن قدامة في المغني: وجملته أنه إذا أخرج النذر مخرج اليمين، بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئاً، أو يحث به على شيء مثل أن يقول: إن كلمت زيداً، فلله علي الحج أو صدقة مالي أو صوم سنة، فهذا يمين، حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه، فلا يلزمه شيء، وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور وبين كفارة يمين، ويسمى نذر اللجاج، والغضب، ولا يتعين الوفاء به، ثم قال: وهذا قول عمر وابن عباس، وابن عمر وعائشة وحفصة، وزينب بنت أبي سلمة، وبه قال عطاء، وطاوس وعكرمة، والقاسم والحسن، وجابر بن زيد، والنخعي، وقتادة وعبد الله بن شريك، والشافعي، والعنبري وإسحاق وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال سعيد بن المسيب: لا شيء في الحلف بالحج، وعن الشعبي، والحارث العكلي وحماد والحكم: لا شيء في الحلف بصدقة ماله، لأن الكفارة إنما تلزم بالحلف بالله لحرمة الاسم، وهذا ما حلف باسم الله ولا يجب ما سماه، لأنه لم يخرجه مخرج القربة، وإنما التزمه على طريق العقوبة، فلم يلزمه. وقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه الوفاء بنذره، لأنه نذر فيلزم الوفاء به كنذر البر. وروي نحو ذلك عن الشعبي. ولنا ما روى عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين" تفسير : إلى أن قال: "حديث : من حلف بالمشي والهدي، أو جعل ماله في سبيل الله أو في المساكين أو في رتاج الكعبة فكفارته يمين" تفسير : إلى أن قال: وعن أحمد رواية ثانية: أنه تتعين الكفارة، ولا يجزئه الوفاء بنذره. وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنه يمين اهـ محل الغرض من المغني، وروى أبو داود، عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة رحم وفيما لا تملك" تفسير : اهـ رواه أبو داود وسعيد بن المسيب: لم يصح سماعه عن عمر. قاله بعضهم: وعليه فهو من مراسيل سعيد، وذكر جماعة أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وعن أحمد ما يدل على سماع سعيد، من عمر وأنه قال: إن لم نقبل سعيداً، عن عمر، فمن يقبل. والظاهر سماعه من عمر كما صدر بما يدل عليه صاحب تهذيب التهذيب، وعن مالك وغيره أنه لم يدرك عمر وحديث سعيد المذكور عن عمر: إما متصل، وإما مرسل من مراسيل سعيد، وقد قدمنا كلام العلماء فيها. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولكن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر بن الخطاب، فهو منقطع، وروي نحوه عن عائشة: أنها سئلت عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة إن كلم ذا قرابة. فقالت: يكفر عن اليمين. أخرجه مالك، والبيهقي بسند صحيح. وصححه ابن السكن اهـ. ولفظ مالك في الموطأ فقالت عائشة رضي الله عنها: يكفره ما يكفر اليمين، وليس في الموطأ أن فتواها هذه في نذر لجاج بل الذي فيه: أنها سئلت عن رجل قال: مالي في رتاج الكعبة. وهو بابها وهو براء مكسورة، فمثناة فوقية بعدها ألف فجيم. وهذا الذي ذكرنا هو: حاصل حجة من قال: إن نذر اللجاج فيه كفارة يمين، وهو الأقرب عندي لما ذكرنا، خلافاً لمن قال: لا شيء فيه. وأما نذر المعصية فلا خلاف في أنه حرام، وأن الوفاء به ممنوع، وإنما الخلاف في لزوم الكفارة به فذهب جمهور أهل العلم أنه لا كفارة فيه، وعن أحمد والثوري وإسحاق، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية: فيه الكفارة وذكر الترمذي: اختلاف الصحابة في ذلك، واحتج من قال: بأنه ليس فيه كفارة بالأحاديث الصحيحة، الواردة بأنه: لا نذر في معصية، ونفي نذر المعصية مطلقاً: يدل على نفي أثره، فإذا انتفى النذر من أصله انتفت كفارته لأن التابع ينتفي بانتفاء المتبوع. وإن قلنا: إن الصيغة في قوله: لا نذر في معصية، خبر أريد به الإنشاء وهو النهي عن نذر المعصية، فالنهي يقتضي الفساد، وإذا فسد المنذور بالنهي، بطل معه تأثيره في الكفارة. قالوا: والأصل براءة الذمة من الكفارة. قالوا: ومما يؤيد ذلك الأحاديث الواردة بأنه: لا نذر إلا فيما ابتغى به وجه الله. قال المجد في المنتقى: رواه أحمد، وابو داود وفي لفظ عند أحمد: إنما النذر ما ابتغى به وجه الله، وهو من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. وفي إسناده مناقشات تركناها اختصاراً، واحتج من قال: بأن في نذر المعصية كفارة ببعض الأحاديث الواردة بذلك. منها: ما روي عن عائشة رضي الله عنها: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" تفسير : قال المجد في المنتقى: رواه الخمسة، واحتج به أحمد، وإسحاق. ومعلوم أن مراده بالخمسة، الإمام أحمد وأصحاب السنن، ولفظ أبي داود في هذا الحديث: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر، ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ". تفسير : حدثنا ابن السرح قال: ثنا وهب عن يونس، عن ابن شهاب بمعناه. وإسناده قال أبو داود: سمعت أحمد بن شَبُّوَيه، يقول: قال ابن المبارك: يعني في هذا الحديث: حدث أبو سلمة، فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة، وقال أحمد بن محمد: وتصديق ذلك، ما حدثنا أيوب يعني ابن سليمان قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث، قيل له: وصح إفساده عندك، وهل رواه غير ابن أبي أويس؟ قال: أيوب كان أمثل منه، يعني: أيوب بن سليمان بن بلال، وقد رواه أيوب. حدثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن ابن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم: أن يحيى بن أبي كثير أخبره، عن أبي سملة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" تفسير : قال أحمد بن محمد المروزي: إنما الحديث حديث علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير، عن أبيه عن عمران بن حصين، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أراد أن سليمان بن أرقم وهم فيه، وحمله عنه الزهري، وأرسله عن أبي سلمة عن عائشة رحمها الله! قال أبو داود: روى بقية عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن الزبير بإسناد علي بن المبارك مثله اهـ من سنن أبي داود بلفظه. وفيه سوء ظن كثير بالزهري، وهو أنه حذف من إسناد الحديث واسطتين: وهما سليمان بن أرقم، ويحيى بن أبي كثير، وأرسله عن أبي سلمة وكذلك قال الترمذي بعد إخراجه لحديث عائشة المذكور، لا يصح، لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة، ومما يقوي سوء الظن المذكور بالزهري: أن سليمان بن أرقم الذي حذفه من الإسناد متروك لا يحتج بحديثه، فحذف المتروك. ورواية حديثه عمن فوقه من العدول من تدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس وأقبحها، ولا شك أن هذا النوع من التدليس قادح فيمن تعمده. وما ذكره بعضهم: من أن الثوري والأعمش كانا يفعلان هذا النوع من التدليس مجاب عنه بأنهما لا يدلسان إلا عمن هو ثقة عندهما. وإن كان ضعيفاً عند غيرهما. ومن المستبعد أن يكون الزهري يحسن الظن بسليمان بن أرقم مع اتفاق الحفاظ على عدم الاحتجاج به. والحاصل: أن لزوم الكفارة في نذر المعصية، جاءت فيه أحاديث متعددة، لا يخلو شيء منها من كلام. وقد يقوي بعضها بعضاً. وقال الشوكاني: قال النووي في الروضة حديث "حديث : لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" تفسير : ضعيف باتفاق المحدثين. قال الحافظ: قلت: قد صححه الطحاوي، وأبو علي بن السكن، فأين الاتفاق انتهى منه. وقد تركنا تتبع الأحاديث الواردة فيه، ومناقشتها اختصاراً. والأحوط لزوم الكفارة، لأن الأمر مقدم على الإباحة كما تقرر في الأصول للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. فمن أخرج كفارة عن نذر المعصية، فقد برئ من المطالبة بها باتفاق الجميع ومن لم يخرجها بقي مطالباً بها على قول أحمد، ومن ذكرنا معه. الفرع الثالث: اعلم أن من نذر شيئاً من الطاعة لا يقدر عليه لا يلزمه الوفاء به، لعجزه عنه. واختلف فيما يلزمه في ذلك المعجوز عنه، فلو نذر مثلاً أن يحج، أو يعتمر ماشياً على رجليه، وهو عاجز عن المشي: جاز له الركوب لعجزه عن المشي، وإن قدر على المشي: لزمه. وفي حالة ركوبه عند العجز اختلف العلماء فيما يلزمه فقال بعضهم: لا شيء عليه، لأنه عاجز والله يقول: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286] فقد عجز عما نذر ولا يلزمه شيء غير ما نذر. وقال بعضهم: تلزمه كفارة يمين. وقال بعضهم: يلزمه صوم ثلاثة أيام. وقال بعضهم: تلزمه بدنة. وقال بعضهم: يلزمه هدي. قال ابن قدامة في المغني: وجملته أن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام، لزمه الوفاء بنذره. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافاً، وذلك لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" تفسير : ولا يجزئه المشي إلا في الحج أو العمرة. وبه يقول الشافعي. ولا أعلم فيه خلافاً، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع: هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حمل على المعهود الشرعي. ويلزمه المشي فيه لنذره، فإن عجز عن المشي: ركب، وعليه كفارة يمين، وعن أحمد رواية أخرى: أنه يلزم دم، وهو قول الشافعي، وأفتى به عطاء لما روى ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فأمرها النَّبي صلى الله عليه وسلم أن تركب، وتهدي هدياً. رواه أبو داود وفيه ضعف ولأنه أخل بواجب في الإحرام فلزمه هدي كتارك الإحرام من الميقات. وعن ابن عمر وابن الزبير قالا: يحج من قابل، بل ويركب ما مشي، ويمشي ما ركب ونحوه. قال ابن عباس وزاد فقال: ويهدي، وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة وعن النخعي روايتان: إحداهما: كقول ابن عمر والثانية: كقول ابن عباس، وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: عليه هدي سواء عجز عن المشي، أو قدر عليه. وأقل الهدي: شاة، وقال الشافعي: لا يلزمه مع العجز كفارة بحال، إلا أن يكون النذر مشياً إلى بيت الله الحرام، فهل يلزمه هدي؟ فيه قولان. وأما غيره فلا يلزمه مع العجز شيء اهـ محل الغرض من المغني. وإذا علمت أقوال أهل العلم: فيما يلزم من نذر شيئاً، وعجز عنه، فهذه أدلة أقوالهم نقلناها ملخصة بواسطة نقل المجد في المنتقى، لأنه جمعها في محل واحد أما من قال: تلزمه كفارة يمين فقد احتج بنا رواه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من نذر نذراً ولم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لم يطقه فكفارته كفارة يمين" تفسير : اهـ. قال الحافظ في بلوغ المرام: في حديث ابن عباس، هذا إسناده صحيح، إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه اهـ كما تقدمت الإشارة إليه. ومن أدلة أهل هذا القول ما رواه كريب، عن ابن عباس قال: حديث : جاءت امرأة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً. لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها"" تفسير : رواه أحمد، وأبو داود وقال في نيل الأوطار: في هذا الحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، ورجاله رجال الصحيح. والظاهر المتبادر: أن المراد بالتكفير عن اليمين: هو كفارة اليمين المعروفة، ولقد صدق الشوكاني في أن رجال حديث أبي داود المذكور رجال الصحيح، لأن أبا داود قال: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، ثنا أبو النضر، ثنا شريك عن محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة، عن كريب عن ابن عباس إلى آخر الحديث المذكور بمتنه فطبقة إسناده الأولى حجاج بن أبي يعقوب وهو حجاج بن الشاعر الذي أكثر مسلم في صحيحه من الإخراج له، وهو ثقة حافظ وطبقته الثانية: أبو النضر وهو هاشم بن القاسم بن مسلم بن مقسم الليثي البغدادي خراساني الأصل ولقبه قيصر، وهو ثقة ثبت، أخرج له الجميع وطبقته الثالثة هي: شريك، وهو ابن عبدالله بن أبي شريك النخعي، أبو عبدالله الكوفي القاضي. أخرج له البخاري تعليقاً، وهو من رجال مسلم وظاهر كلام ابن حجر في تهذيب التهذيب: أن مسلماً إنما أخرج له في المتابعات، وكلام أهل العلم فيه كثير بين مثن وذاكر غير ذلك، وطبقته الرابعة: محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة، وهو من رجال مسلم وهو ثقة. وطبقته الخامسة: كريب بن أبي مسلم الهاشمي، مولى ابن عباس ومعلوم أنه ثقة، وأنه أخرج له الجميع. هذا هو حاصل حجة من قال: إن على من نذر نذراً، ولم يطقه كفارة يمين، وأما الذين قالوا: عليه صيام ثلاثة أيام، فقد احتجوا بما رواه أحمد، وأصحاب السنن حديث : عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن أخته نذرت أن تمشي حافية، غير مختمرة، فسأل النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام"" تفسير : اهـ بواسطة نقل المجد في المنتقى. قال الشوكاني في هذا الحديث: حسنه الترمذي ولكن في إسناده عبيد الله بن زحر وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة اهـ محل الغرض منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ظاهر كلام أبي داود في عبيد الله بن زحر المذكور: أنه ثقة عنده، لأنه ذكر تزكيته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ولم يتعقب ذلك بشيء. فقد حديث : قال أبو داود في هذا الحديث: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد القطان قال: أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني عبيد الله بن زحر: أن أبا سعيد أخبره أن عبدالله بن مالك أخبره: أن عقبة بن عامر أخبره: أنه سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم، عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: "مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام""تفسير : . حدثنا مخلد بن خالد، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج قال: كتبت إلى يحيى بن سعيد أخبرني عبيد الله بن زحر، مولى لبنى ضمرة، وكان أيما رجل أن أبا سعيد الرعيني، أخبره بإسناد يحيى، ومعناه اهـ من سنن أبي داود، فكتابة يحيى بن سعيد الأنصاري إلى ابن جريج في ابن زحر المذكور. وكان أيما رجل فيه أعظم تزكية، لأن قولهم فكان أيما رجل يدل على أنه من أفاضل الرجال والتفضيل في هذا المقام، إنما هو في الثقة والعدالة، كما ترى ومن هذا القبيل قول الراعي: شعر : فأومأت إيماء خفيا لحبتر فلله عيناً حبتر أيما فتى تفسير : وقال ابن حجر في التقريب في ابن زحر المذكور: صدوق يخطئ، وكلام أئمة الحديث فيه كثير منهم المثنى ومنهم القادح. وحجة من قال إن عليه بدنة: هي ما رواه عكرمة، عن ابن عباس: حديث : أن عقبة بن عامر سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله غني عن نذر أختك فلتركب ولتهد بدنة"" تفسير : رواه أحمد، وأبو داود. وقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود والمنذري، ورجاله رجال الصحيح: قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح. وحجة من قال: إن عليه هدياً هي: ما رواه أبو داود، حدثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو الوليد ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر، نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النَّبي صلى الله عليه وسلم أن تركب، وتهدي هدياً. وقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود والمنذري، ولزوم الهدي المذكور مروي عن مالك في الموطأ وفسر الهدي: ببدنة، أو بقرة، أو شاة، إن لم تجد غيرها. هذا هو حاصل أدلة أقوال أهل العلم: فيما يلزم من نذر شيئاً، وعجز عن فعله. والقول بالهدي والقول بالبدنة، يمكن الجمع بينهما، لأن البدنة هدي، والخاص يقضي على العام. وقد ذكرنا كلام الناس في أسانيد الأحاديث الواردة في ذلك وأحوطها: فيمن عجز عن المشي، الذي نذره في الحج: البدنة، لأنها أعظم ما قيل في ذلك، وليس من المستبعد، أن تلزمه البدنة، وأنه يجزئ الهدي والصوم وكفارة اليمين، لأن كل الأحاديث الواردة بذلك ليس فيها التصريح بنفي إجزاء شيء آخر. فحديث لزوم كفارة اليمين: لم يصرح بعدم إجزاء البدنة، وحديث الهدي: لم يصرح بعدم إجزاء الصوم مثلاً وهكذا. وقد عرفت أقوال أهل العلم في ذلك مع أن الأحاديث لا يخلو شيء منها من كلام. وظاهر النصوص العامة: أنه لا شيء عليه، لأن الله يقول: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286] ويقول: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}تفسير : [التغابن: 16] ويقول النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" تفسير : وقد ثبت في صحيح مسلم: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}تفسير : [البقرة: 286] الآية. قال الله: قد فعلت. وفي رواية: نعم، ويدخل في حكم ذلك قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}تفسير : [البقرة: 286] الآية. الفرع الرابع: في حكم الإقدام على النذر مع تعريفه لغة وشرعاً. اعلم أن الأحاديث الصحيحة، دلت على أن النذر، لا ينبغي وأنه منهي عنه، ولكن إذا وقع وجب الوفاء به، إن كان قربة كما تقدم. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا فليح بن سليمان، حدثنا سعيد بن الحارث، أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: أو لم ينهوا عن النذر، إن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخر وإنما يستخرج بالنذر من البخيل" تفسير : وفي البخاري، عن ابن عمر قال: حديث : نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن النذر فقال: "إنه لا يرد شيئاً ولكنه يستخرج به من البخيل"" تفسير : وفي لفظ للبخاري من حديث أبي هريرة قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدّرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قُدِّرَ له فيستخرج الله به من البخيل فَيُؤْتِي عليه ما لم يكن يُؤتِي عليه من قبل" تفسير : اهـ من صحيح البخاري، وهو صريح في النهي عن النذر، وأنه ليس ابتداء فعله من الطاعات المرغب فيها. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا. وقال زهير: حدثنا جرير، عن منصور، حديث : عن عبدالله بن مرة، عن عبدالله بن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ينهانا عن النذر ويقول: "إنه لا يرد شيئاً وإنما يستخرج به من الشحيح"" تفسير : وفي لفظ لمسلم، عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره وإنما يستخرج به من البخيل" تفسير : وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر، "حديث : عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل" ". تفسير : وقال مسلم في صحيحه أيضاً: وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبدالعزيز، يعني الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل"تفسير : وفي لفظ لمسلم، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: "حديث : إنه لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل"تفسير : وفي لفظ لمسلم، عن أبي هريرة: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج" تفسير : اهـ. من صحيح مسلم. وهذا الذي ذكرنا من حديث الشيخين، عن ابن عمر وأبي هريرة: فيه الدلالة الصريحة على النهي عن الإقدام على النذر، وأنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل. وفي الأحاديث المذكورة إشكال معروف، لأنه قد دل القرآن على الثناء على الذين يوفون بالنذر، وأنه من أسباب دخول الجنة كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}تفسير : [الإنسان: 5-7] وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ}تفسير : [البقرة: 270] وقد دل الكتاب والسنة على وجوب الوفاء، بنذر الطاعة، كقوله تعالى في هذه الآية، التي نحن بصددها {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] الآية. وكقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه"تفسير : ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح، من ذم الذين لم يوفوا بنذورهم. قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، عن يحيى عن شعبة: حدثني أبو جمرة، حدثنا زهدم بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين رضي الله عنهما، يحدث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم" قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين أو ثلاثاً بعد قرنه "ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن"" تفسير : اهـ من صحيح البخاري. وهو ظاهر جداً في إثم الذين لا يوفون بنذرهم، وأنهم كالذين يخونون، ولا يؤتمنون. وهذا الحديث أخرجه أيضاً مسلم في صحيحه، عن عمران بن حصين. وقال النووي في شرحه لحديث عمران هذا فيه وجوب الوفاء بالنذر، وهو واجب، بلا خلاف، وإذا كان ابتداء النذر منهياً عنه: كما سبق في بابه، اهـ محل الغرض منه. ولأجل هذا الإشكال المذكور اختلف العلماء في حكم الإقدام على النذر، فذهب المالكية: إلى جواز نذر المندوبات إلا الذي يتكرر دائماً كصوم يوم من كل أسبوع فهو مكروه عندهم، وذهب أكثر الشافعية: إلى أنه مكروه، ونقهل بعضهم عن نص الشافعي للأحاديث الدالة على النهي عنه. ونقل نحوه عن المالكية أيضاً، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد. وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعية بالكراهة. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها، وكراهته مروية عن بعض الصحابة. اهـ بواسطة نقل ابن حجر في الفتح. وجزم صاحب المغني: بأن النهي عنه نهي كراهة. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر لي في طريق إزالة هذا الإشكال، الذي لا ينبغي العدول عنه: أن نذر القربة على نوعين. أحدهما: معلق على حصول نفع كقوله: إن شفى الله مريضي، فعلي لله نذر كذا أو إن نجاني الله من الأمر الفلاني المخوف، فعلي لله نذر كذا، ونحو ذلك. والثاني: ليس معلقاً على نفع للناذر، كأن يتقرب إلى الله تقرباً خالصاً بنذر كذا، من أنواع الطاعة، وأن النهي إنما هو في القسم الأول، لأن النذر فيه لم يقع خالصاً للتقرب إلى الله، بل بشرط حصول نفع للناذر وذلك النفع الذي يحاوله الناذر هو الذي دلت الأحاديث على أن القدر فيه غالب على النذر وأن النذر لا يرد فيه شيئاً من القدر. أما القسم الثاني: وهو نذر القربة الخالص من اشتراط النفع في النذر، فهو الذي فيه الترغيب والثناء على الموفين به المقتضي أنه من الأفعال الطيبة، وهذا التفصيل قالت به جماعة من أهل العلم. وإنما قلنا: إنه لا ينبغي العدول عنه لأمرين: الأول: أن نفس الأحاديث الواردة في ذلك فيها قرينة واضحة، دالة عليه، وهو ما تكرر فيها من أن النذر لا يرد شيئاً من القدر ولا يقدم شيئاً، ولا يؤخر شيئاً ونحو ذلك. فكونه لا يرد شيئاً من القدر، قرينة واضحة على أن الناذر أراد بالنذر جلب نفع عاجل، أو دفع ضر عاجل فبين صلى الله عليه وسلم أن ما قضى الله به في ذلك واقع لا محالة، وأن نذر الناذر لا يرد شيئاً كتبه الله عليه، ولكنه إن قدر الله ما كان يريده الناذر بنذره، فإنه يستخرج بذلك من البخيل الشيء الذي نذر وهذا واضح جداً كما ذكرنا. الثاني: أن الجمع واجب إن أمكن وهذا جمع ممكن بين الأدلة واضح تنتظم به الأدلة، ولا يكون بينها خلاف، ويؤيده أن الناذر الجاهل، قد يظن أن النذر قد يرد عنه ما كتبه الله عليه. هذا هو الظاهر في حل هذا الإشكال. وقد قال به غير واحد. والعلم عند الله تعالى. تنبيه: فإن قيل: إن النذر المعلق كقوله: إن شفى الله مريضي أو نجاني من كذا، فلله علي نذر كذا، فقد ذكرتم أنه هو المنهي عنه، وإذا تقرر أنه منهي عنه لم يكن من جنس القربة، فكيف يجب الوفاء بمنهي عنه. والجواب: أن النص الصحيح دل على هذا فدل على النهي عنه أولاً، كما ذكرنا الأحاديث الدالة على ذلك، ودل على لزوم الوفاء به بعد الوقوع فقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإنما يستخرج به من البخيل" تفسير : نص صريح في أن البخيل يلزمه إخراج ما نذر إخراجه، وهو المصرح بالنهي عنه أولاً، ولا غرابة في هذا، لأن الواحد بالشخص قد يكون له جهتان. فالنذر المنذور له جهة هو منهي عنه من أجلها ابتداء: وهي شرط حصول النفع فيه، وله جهة أخرى هو قربة بالنظر إليها، وهو إخراج المنذور تقرباً لله وصرفه في طاعة الله، والعلم عند الله تعالى. واعلم: أن النذر في اللغة النحب وهو ما يجعله الإنسان نحباً واجباً عليه قضاؤه، ومنه قول لبيد: شعر : ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحبٌ فيقضى أم ضلالٌ وباطل تفسير : وحاصله: أنه إلزام الإنسان نفسه بشيء لم يكن لازماً لها، فيجعله واجباً عليها وهو في اصطلاح الشرع: التزام المكلف قربة لم تكن واجبة عليه. وقال ابن الأثير في النهاية: يقال: نذرت أنذر وأنذر نذراً إذا أوجبت على نفسي شيئاً تبرعاً من عبادة أو صدقة أو غير ذلك. وقد تكرر في أحاديثه ذكر النهي عنه وهو تأكيد لأمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي يصير معصية. فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعاً، ولا يصرف عنهم ضراً ولا يرد قضاء. فقال: لا تنذروا على أنكم قد تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا فأخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم اهـ الغرض من كلام ابن الأثير. وقد قاله غيره، ولا يساعد عليه ظواهر الأحاديث. فالظاهر أن الأرجح الذي لا ينبغي العدول عنه هو ما قدمنا من الجمع، والعلم عند الله تعالى. واعلم: أن تعريف المالكية للنذر شرعاً: بأنه التزام مسلم مكلف، ولو غضبان إلى آخره فيه أمران. الأول: أن اشتراط الإسلام في النذر فيه نظر، لأن ما نذره الكافر من فعل الطاعات قد ينعقد نذره له بدليل أنه يفعله إذا أسلم بعد ذلك، ولو كان لغواً غير منعقد، لما كان له أثر بعد الإسلام. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبدالله أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "حديث : أن عمر قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: "أوف بنذرك"" تفسير : انتهى منه. فقوله صلى الله عليه وسلم لعمر في هذا الحديث الصحيح: "حديث : أوف بنذرك" تفسير : مع أنه نذره في الجاهلية صريح في ذلك كما ترى، ولا التفات إلى ما أوله به بعض العلماء من المالكية وغيرهم. وقول المالكية في تعريف النذر، ولو غضبان لا يخفى أن العلماء مختلفون في نذر الغضبان، هل يلزم فيه ما نذر أو هو من نوع اللجاج، تلزم فيه كفارة يمين كما أوضحنا حكمه سابقاً. الفرع الخامس: اعلم: أنه قد دل الحديث على أن من نذر أن ينحر تقرباً لله في محل معين، فلا بأس بإيفائه بنذره، بأن ينحر في ذلك المحل المعنين إذا لم يتقدم عليه أنه كان به وثن يعبد أو عيد من أعياد الجاهلية. ومفهومه أنه إن كان قد سبق أن فيه وثناً يعبد، أو عيداً من أعياد الجاهلية: أنه لا يجوز النحر فيه. قال أبو داود في سننه: حدثنا داود بن رشيد، ثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك، قال: "حديث : نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم"" تفسير : اهـ منه. وفيه الدلالة الظاهرة على أن النحر بموضع كان فيه وثن يعبد أو عيد من أعياد الجاهلية من معصية الله تعالى، وأنه لا يجوز بحال، والعلم عند الله تعالى. وإسناد الحديث صحيح. الفرع السادس: اعلم: أن الأحاديث الصحيحة دلت على أن من مات وعليه نذر أنه يقضى عنه، وسنقتصر هنا على قليل منها اختصاراً لصحته، وثبوته. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبدالله أن عبدالله بن عباس، أخبره "أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النَّبي صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه: أن يقضيه عنها فكانت سُنَّةً بَعْدُ" اهـ من صحيح البخاري. وقد قدمنا بعض الأحاديث الدالة على ذلك فيمن مات وعليه نذر الحج أنه يقضي عنه كما تقدم إيضاحه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة معروفة. تنبيه اعلم: أن ابن عمر وابن عباس أفتيا بقضاء الصلاة المنذورة عن الميت إذا مات ولم يصل ما نذر. قال البخاري في صحيحه: باب من مات وعليه نذر، وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء فقال: صلِّي عنها. وقال ابن عباس نحوه اهـ من البخاري. وفي الموطأ عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر عن عمته: أنها حدثته، عن جدته أنها كانت جعلت على نفسها مشياً إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبدالله بن عباس ابنتها: أن تمشي عنها. قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول: لا يمشي أحد عن أحد اهـ من الموطأ. وقال الزرقاني، في شرحه: قال ابن القاسم: أنكر مالك الأحاديث في المشي إلى قباء، ولم يعرف المشي إلا إلى مكة خاصة. قال ابن عبدالبر يعني: لا يعرف إيجاب المشي للحالف، والناذر. وأما المتطوع، فقد روى مالك فيما مر أنه صلى الله عليه وسلم، كان يأتي قباء راكباً وماشياً، وأن إتيانه مرغب فيه. اهـ منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي عليه جمهور أهل العلم، وحكى ابن بطال الإجماع عليه أنه لا يصلي أحمد عن أحمد، أما الصوم والحد عن الميت فقد قدمنا مشروعيتهما. وإن خالف جل أهل العلم في الصوم عن الميت، والعلم عند الله تعالى. وفي الموطأ عن مالك بعد أن ذكر حديث "حديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" تفسير : قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" تفسير : أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى الرَّبَذَةِ، أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة، إن كلم فلاناً أو ما أشبه ذلك فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه، أو حنث بما حلف عليه، لأنه ليس لله في هذه الأشياء طاعة. وإنما يوفي لله بما له فيه طاعة اهـ. من الموطأ. الفرع السابع: الأظهر عندي: أن من نذر جميع ماله لله ليصرف في سبيل الله، أنه يكفيه الثلث ولا يلزمه صرف الجميع، وهذا قول مالك وأصحابه وأحمد وأصحابه، والزهري. وفي هذه المسألة للعلماء عشرة مذاهب أظهرها عندنا: هو ما ذكرنا، ويليه في الظهور عندنا قول من قال: يلزمه صرفه كله، وهو مروي عن الشافعي والنخعي، وعن أحمد رواية أخرى: أن عليه كفارة يمين، وعن ربيعة تلزمه الصدقة بقدر الزكاة، وعن جابر بن زيد، وقتادة: إن كان كثيراً وهو ألفان تصدق بعشره، وإن كان متوسطاً وهو ألف تصدق بسبعه، وإن كان قليلاً، وهو خمسمائة تصدق بخمسه، وعن أبي حنيفة: يتصدق بالمال الزكوي كله، وعنه في غيره روايتان. إحداهما: يتصدق به. والثانية: لا يلزم منه شيء، وعن النخعي، والبتي، والشافعي: يتصدق بماله كله، وعن الليث: إن كان ملياً لزمه، وإن كان فقيراً فعليه كفارة يمين، ووافقه ابن وهب وزاد وإن كان متوسطاً يخرج قدر زكاة ماله وهذا مروي أيضاً عن أبي حنيفة، وهو قول ربيعة كما تقدم. وعن الشعبي: لا يلزم شيء أصلاً، وقيل: يلزم الكل إلا في نذر اللجاج، فكفارة يمين، وعن سحنون: يلزمه إخراج ما لا يضر به. وعن الثوري والأوزاعي، وجماعة: يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل. وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة. فاعلم: أن أكثرها لا يعتضد بدليل، والذي يعتضد بالدليل منها ثلاثة مذاهب: الأول: هو ما قدمنا أنه أظهرها عندنا، وهو الاكتفاء بالثلث. والثاني: لزوم الصدقة بالمال كله. والثالث: قول سحنون: أنه يلزمه إخراج ما لا يضر به. أما الاكتفاء بالثلث الذي هو أقربها عندنا، فقد يستدل له ببعض الأحاديث الصحيحة التي فيها النهي عن التصدق بالمال كله، وفيها أن الثلث كثير. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب إذا أهدى ماله على وجه النذر، والتوبة: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله عن عبدالله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: حديث : سمعت كعب بن مالك يقول في حديثه: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} [التوبة: 118] فقال في آخر حديثه: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"" تفسير : اهـ. فظاهر هذا الحديث الصحيح: أن كعباً غير مستشير بل مريد التجرد من جميع ماله على وجه النذر والتوبة، كما في ترجمة الحديث. وقد أمره صلى الله عليه وسلم بأن يمسك بعض ماله، وصرح له بأن ذلك خير له. وقد جاء في بعض الروايات أنه فسر ذلك البعض الذي يمسكه بالثلثين، وأنه يتصدق بالثلث. وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث قوله: "حديث : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" تفسير : زاد أبو داود عن أحمد بن صالح بهذا السند، فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وهو عند المصنف من وجه آخر عن ابن شهاب، ووقع في رواية ابن إسحاق عن الزهري بهذا السند، عند أبي داود: "حديث : إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله لله ورسوله صدقة قال: لا. قلت: فنصفه؟ قال: لا. قلت: فثلثه؟ قال: نعم. قلت: فإني أمسك سهمي الذي في خيبر ". تفسير : واعلم أن ابن إسحاق في حديثه هذا عند أبي داود، صرح بالتحديث عن الزهري، فأمن تدليسه ثم قال ابن حجر: وأخرج من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث وفيه: وإني أنخلع من مالي كله صدقة. قال: "حديث : يجزئ عنك الثلث" تفسير : وفي حديث أبي لبابة، عند أحمد وأبي داود مثله اهـ محل الغرض من فتح الباري. وقد رأيت الروايات المصرحة بأنه يجزئه الثلث عن جميع المال. وظاهر الحديث أنه جازم غير مستشير فمن زعم من أهل العلم أنه مستشير فهو مخالف لظاهر اللفظ، لأن اللفظ مبدوء بجملة خبرية مؤكدة بحرف التوكيد، الذي هو إن المكسورة في قوله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي، واللفظ الذي هذه صفته، لا يمكن حمله على التوقف والاستشارة، كما ترى فقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك وأبي لبابة: إن الثلث يكفي عن الصدقة بجميع المال. هو الدليل الذي ذكرنا بسببه: أن أقرب الأقوال عندنا الاكتفاء بالثلث. وأما قول من قال: يلزمه التصدق بجميعه، فيستدل له بالحديث الصحيح: "حديث : من نذر أن يطيع الله فليطعه" تفسير : وهو يدل على إيفائه بنذره، ولو أتى على كل المال، إلا أن دليل ما قبله أخص منه في محل النزاع والأخص مقدم على الأعم. وأما قول سحنون: يلزمه التصدق بما لا يضر به فيستدل له بقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} تفسير : [البقرة: 219] الآية، لأن العفو في أصح التفسيرين، هو ما لا يضر إنفاقه بالمنفق، ولا يجحف به لإمساكه ما يسد خلته الضرورية. وهذا قد يرجع إلى الأول لأن الثلث من العفو الذي لا يجحف به إنفاقه. فأظهرها الأول كما ذكرنا وباقي الأقوال لا أعلم له دليلاً متجهاً من كتاب، ولا سنة، وما وجه به تلك الأقوال بعض أهل العلم لا يتجه عندي، والعلم عند الله تعالى. الفرع الثامن: اعلم أنه قد دل النص الصحيح، على أن من نذر أن يسافر إلى مسجد ليصلي فيه كمسجد البصرة، أو الكوفة أو نحو ذلك: لا يلزمه السفر إلى مسجد من تلك المساجد، وليصل الصلاة التي نذرها به في موضعه الذي هو به. والنص الصحيح المذكور هو حديث: "حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس"تفسير : . والجاري على الأصول: أنه لا يخرج من هذا الحصر الذي صرح به النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح، إلا ما أخرجه نص صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة. والأظهر أن من نذر السفر لصلاة في مسجد إيلياء، وصلاها في مسجد مكة أو المدينة أجزأته، لأنهما أفضل منه. وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبدالله: "حديث : أن رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين قال: "صل ها هنا ثم أعاد عليه، فقال: صل ها هنا ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذاً"" تفسير : قال أبو داود: وروي نحوه عن عبدالرحمن بن عوف، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ لأبي داود عن عمر بن عبدالرحمن بن عوف، عن رجال من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي بعث محمداً بالحق لو صليت هنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس" تفسير : اهـ. والعلم عند الله تعالى. ولنكتف بما ذكر هنا من مسائل النذر لكثرة ما كتبنا في آيات سورة الحج من الأحكام الشرعية وأقوال أهل العلم فيها، والنذر باب مذكور في كتب الفروع، فمن أراد الإحاطة بجميع مسائله، فلينظرها في كتب فروع المذاهب الأربعة، وقد ذكرنا هنا عيون مسائله المهمة، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}. في المراد بالعتيق هنا للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أن المراد به القديم، لأنه أقدم مواضع التعبد. الثاني: أن الله أعتقه من الجبابرة. الثالث: أن المراد بالعتق فيه الكرم، والعرب تسمي القديم عتيقاً ومنه قول حسان رضي الله عنه: شعر : كالمسك تخلطه بماء سحابة أو عاتق كدم الذبيح مدام تفسير : لأن مراده بالعاتق الخمر القديمة التي طال مكثها في دنها زمناً طويلاً، وتسمى الكرم عتقاً ومنه قول كعب بن زهير: شعر : قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين وفي الخدين تسهيل تفسير : فقوله: عتق مبين: أي كرم ظاهر، ومنه قول المتنبي: شعر : ويبين عتق الخيل في أصواتها تفسير : أي كرمها، والعتق من الجبابرة كالعتق من الرق، وهو معروف. وإذا علمت ذلك فاعلم: أنه قد دلت آية من كتاب الله، على أن العتيق في الآية بمعنى: القديم الأول وهي قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}تفسير : [آل عمران: 96] الآية مع أن المعنيين الآخرين كلاهما حق، ولكن القرآن دل على ما ذكرنا، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. تنبيهان الأول: دلت هذه الآية الكريمة، على لزوم طواف الإفاضة وأنه لا صحة للحج بدونه. الثاني: دلت هذه الآية أيضاً على لزوم الطواف من وراء الحجر الذي عليه الجدار القصير شمال البيت لأن أصله من البيت، فهو داخل في اسم البيت العتيق، كما تقدم إيضاحه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 29- ثم عليهم بعد ذلك أن يُزيلوا من أجسامهم ما علق بها أثناء الإحرام، من آثار العرق وطول السفر، ويصرفوا ما نذروه لله إن كانوا قد نذروا شيئاً، ويطوفوا بأقدم بيت بُنى لعبادة الله فى الأرض. 30- ومَنْ يلتزم أوامر الله ونواهيه فى حجه تعظيماً لها فى نفسه كان ذلك خيراً له فى دنياه وآخرته، وقد أحل الله لكم أكل لحوم الإبل والبقر والغنم إلا فى حالات تعرفونها مما يُتْلى عليكم فى القرآن كالميتة وغيرها، فاجتنبوا عبادة الأوثان لأن عبادتها قذارة عقلية ونفسية لا تليق بالإنسان، واجتنبوا قول الزور على الله وعلى الناس. 31- وكونوا مخلصين لله حريصين على اتِّباع الحق غير متخذين أى شريك لله فى العبادة، فإن من يُشْرِك بالله فقد سقط من حصن الإيمان، وتنازعته الضلالات، وعرَّضَ نفسه لأبشع صورة من صور الهلاك، وكان حاله حينئذ كحال الذى سقط من السماء فتمزق قِطَعاً تخاطفتها الطيور فلم يَبْقَ له أثر، أو عصفت به الريح العاتية فشتَّتت أجزاءه، وَهَوتْ بكل جزء منه فى مكان بعيد. 32- إن مَنْ يُعظِّم دين الله وفرائض الحج وأعماله والهدايا التى يسوقها إلى فقراء الحرم، فيختارها عظيمة سِماناً صِحاحاً لا عيب فيها فقد اتقى الله، لأن تعظيمها أثر من آثار تقوى القلوب المؤمنة، وعلامة من علامات الإخلاص. 33- لكم فى هذه الهدايا منافع دنيوية، فتركبونها وتشربون لبنها إلى وقت ذبحها، ثم لكم منافعها الدينية كذلك حينما تذبحونها عند البيت الحرام تَقَرُّباً إلى الله.

د. أسعد حومد

تفسير : (29) - ثُمَّ لِيُزِيلُوا مَا عَلِقَ بِهِمْ مَنَ الأوْسَاخِ أَثْنَاءَ السَّفَرِ والإِحْرَامِ فَيَحْلِقُوا الشَّعْرَ، وَيُقَلِّمُوا الأظَافِرَ، وَيُخَفِّفُوا شَعَرَ الوَجْهِ والرَّأسِ (لِيَقْضُوا تَفَثَهُم)، وَلْيَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ وَلْيُوفُوا مَا نَذَرُوهُ مِنَ أَعْمَالِ البرِّ، وَلْيَطُوفُوا طَوافَ الوَدَاعِ بالبَيْتِ الحَرَامِ (البَيْتِ العَتِيقِ)، الذي هُوَ أَقْدَمُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُم - ثُمَّ لْيُزِيلُوا بِالتَّحَلُّلِ مَا عَلِقَ بِهِمْ مِنْ أَوْسَاخٍ؛ أو ثُمَّ ليُؤدُّوا مَنَاسِكَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {لْيَقْضُواْ ..} [الحج: 29] كلمة قضاء تُقال، إما لقضاء الله الذي يقضيه على الإنسان مثلاً، وهو أمر لازم محكوم به، وإما قضاء من إنسان بين متخاصمين، وأول شيء في مهمة القضاء أن يقطع الخصومة، كأن المعنى {لْيَقْضُواْ ..} [الحج: 29] أي: يقطعوا. ومعنى {تَفَثَهُمْ ..} [الحج: 29] لما نزل القرآن بهذه الكلمة لم تكن مستعملة في لسان قريش، ولم تكن دائرة على ألسنتهم، فسألوا عنها أهل البادية، فقالوا: التفَثُ يعني: الأدران والأوساخ التي تعلَقُ بالجسم، فقالوا: والله لم نعرفها إلا ساعةَ نزل القرآن بها. فالمراد - إذن - ليقطعوا تفثهم أي الأدران التي لحقتهم بسبب التزامهم بأمور الإحرام، حيث يمكث الحاجُّ أيام الحج مُحْرِماً لا يتطيب، ولا يأخذ شيئاً من شعره أو أظافره، فإذا ما أنهى أعمال الحج وذبح هَدْية يجوز له أنْ يقطع هذا التفث، ويزيل هذه الأدران بالتحلُّل من الإحرام، وفِعْل ما كان محظوراً عليه. وقوله تعالى: {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ ..} [الحج: 29] إن كان قد نذر لله شيئاً فعليه الوفاء به. {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} [الحج: 29] يعني: طواف الإفاضة، والطواف: أنْ تدور حول شيء بحيث تبدأ وتنتهي، وتبدأ وتنتهي، وهكذا، وقد وصف البيت بأنه عتيق، وكلمة عتيق استعملت في اللغة استعمالات واسعة، منها: القديم، وما دام هو أول بيت وُضِع للناس فهو إذن قديم، والقِدَم هنا صفة مدح؛ لأنها تعني الشيء الثمين الذي يُحافظ عليه ويُهتَم به. كما نرى عند بعض الناس أشياء ثمينة ونادرة يحتفظون بها ويتوارثونها يسمونها "العاديات" مثل: التحف وغيرها، وكلما مَرَّ عليها الزمن زادتْ قيمتها، وغلا ثمنها. والعتيق: الشيء الجميل الحسن، والعتيق: المعتوق من السيطرة والعبودية لغيره، فما المراد بوصف البيت هنا بأنه عتيق؟ وَصْف البيت بالقِدَم يشمل كُلَّ هذه المعاني: فهو قديم؛ لأنه أول بيت وُضِع للناس، وهو غالٍ ونفيس ونادر حيث نرى فيه مَا لا نراه في غيره من آيات، ويكفي أن رؤيته والطواف به تغفر الذنوب، وهو بيت الله الذي لا مثيلَ له. وهو كذلك عتيق بمعنى معتوق من سيطرة الغير؛ لأن الله حفظه من اعتداء الجبابرة، ألاَ ترى قصة الفيل، وما فعله الله بأبرهة حين أراد هَدْمه؟ حتى الفيل الذي كان يتقدَّم هذا الجيش أدرك أن هذا اعتداءٌ على بيت الله، فتراجع عن البيت، وأخذ يتوجَّه أي وجهة أرادوا إلا ناحية الكعبة. ويُقال: إن رجلاً تقدّم إلى الفيل. وقال في أذنه: ابْرُك محمود - اسم الفيل - وارجع راشداً فإنك ببلد الله الحرام. وقد عبَّر الشاعر عن هذا الموقف، فقال: شعر : حُبِسَ الفيل بالمُغَمَّسِ حَتَّى ظَلَّ يعوي كأنه مَعْقُور تفسير : ثم ينزل الله عليهم الطير الأبابيل التي ترميهم بالحجارة حتى الموت. لذلك لما ذهب عبد المطلب جَدُّ الرسول صلى الله عليه وسلم ليُكلِّم أبرهة في الإبل المائة التي أخذها من إبله، قال أبرهة: لقد كنتُ أهابك حين رأيتُك، لكنك سقطت من نظري لما كلَّمتني في مائة بعير أصبْتها لك، وتركتَ البيت الذي فيه مجدُكم وعزكم. فماذا قال عبد المطلب؟ قال: أما الإبل فإنها لي، أما البيت فله رَبٌّ يحميه. البعض يتهم عبد المطلب لمقالته هذه بالسلبية، وليست هذه سلبية من كبير قريش، إنما ثقةً منه في حماية الله لبيته؛ لذلك رَدَّه إلى أقوى منه، وكأنه قال: إنْ كنتُ أحميه أنا، فسأحميه بقوتي وقدرتي وحيلتي، لكنني أريد أنْ أرعبه بقدرة الله وقوته، وما سلَّمتُ البيت إلاَّ وأنا واثق أن ربَّ البيت سيحميه، وهذه تُزلزل العدو وتُربكه. وما أشبه موقف عبد المطلب بموقف موسى عليه السلام، لما قال له قومه: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}تفسير : [الشعراء: 61] فقال في يقين وثقة: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. إذن: لم يكُنْ عبد المطلب سلبياً كما يتهمه البعض، بل كان إيجابياً من النوع الراقي، فلو كان إيجابياً بالمعنى الذي تريدون لأعطتْه هذه الإيجابية منعةً بقوته هو، إنما تصرُّفه وما تعتبرونه سلبية أعطاه منعةً بقدرة الله وقُوَّته سبحانه؛ لذلك تدخَّلتْ فوراً جنود السماء. لكن لماذا الطواف والدوران حول الكعبة؟ قالوا: لأن المسلم وهو غائب عن الكعبة يُصلِّي لجهتها، كلّ حسب موقعه منها، فتجد المسلمين في كل أنحاء العالم يتجهون نحوها، كل من ناحية، هذا من الشمال، وهذا من الجنوب، وهذا من الشرق، وهذا من الغرب، يعني بكل الجهات الأصلية والفرعية. فإذا ما ذهبتَ إلى الكعبة ذاتها، وتشرفتَ برؤيتها، فهل تستقبلها من نفس المكان الذي كنتَ تتجه إليه في صلاتك وغيرك وغيرك؟ إذن: فكل اتجاهات الكعبة سواء لك ولغيرك، كما قال تعالى:{أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [البقرة: 115] فليس هناك مكان أَوْلَى من مكان؛ لذلك نطوف حول البيت. ثم يقول الحق سبحانه: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} معناه الأَخذُ من الشَّاربِ، وقَصُّ الأَظفارِ، وحلَقُ الرَّأسِ، والعَانةِ، ونتفُ الأبطِ، ثم النَّحرِ بَعدَ ذَلكَ، من هَديٍ أَو نَذرٍ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} معناه طَوافُ النَّحرِ. وهو طَوافُ الزِّيارةِ. وسُمي البَيتُ عَتيقاً، لأنَّه أَعتقُ منَ الجَبابرةِ، فَلَمْ يَدَّعِهِ جَبَّارٌ أَنهُ لَهُ. والعَتيقُ: الكَريمُ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 675 : 15 : 12 - سفين عن ليث عن مجاهد {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} قال، حلق الرأس، ورمي الجمار، ونتف الابط، وقصر الشارب، والاظفار، وحلق العانة. [الآية 29]. 676 : 16 : 13 - سفين عن إبراهيم الخوزي عن عطاء أو مجاهد قال، نذور كانت عليهم، فأمروا بالذبح. [الآية 29]. 677 : 17 : 30 - سفين قال، {بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} قال، عتق من الجبارة، ليس لأحد فيه شيء. [الآية 29].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} [29] 367 - أنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ، نا اللَّيثُ، عن أبي الزُّبير، عن جابر عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: "حديث : خيرُ ما رُكبت إليهِ الرَّواحلُ مسجدي هذا والبيتُ العتيقُ ".

همام الصنعاني

تفسير : 1920- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوْري، عن ليث، عن مجاهد، في قوله تعالى: [{تَفَثَهُمْ}]: [الآية: 29]، قال: التفث حلق الرأسِ، ورمي الجِمَارِ، وقصّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتق الإبط، وحلق العانة. 1923- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {تَفَثَهُمْ}: [الآية: 29]، قال: التفث، حلق الرأس، وتقليم الأظفار. 1924- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، قال: التفث حلق الرأس. 1925- حدّثنا عبد الراق، قال: أنبأنا معمر عن الزّهْري، أن ابن الزبير قال: إنما سُمّي البيت العتيق، لأن الله أعتقه مِنَ الجبابِرَة. 1926- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا (الثوري)، عن ليث، عن مجاهد في قوله تعالى: {بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}: [الآية: 29]، قا ل: أُعْتِقَ من الجبابرة. 1927- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري عن (عبيد المكتّب)، عن مجاهد: ليس لأحد فيه شيء.