Verse. 2625 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

ذٰلِكَ۝۰ۤ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمٰتِ اللہِ فَہُوَخَيْرٌ لَّہٗ عِنْدَ رَبِّہٖ۝۰ۭ وَاُحِلَّتْ لَكُمُ الْاَنْعَامُ اِلَّا مَا يُتْلٰى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْاَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوْا قَوْلَ الزُّوْرِ۝۳۰ۙ
Thalika waman yuAAaththim hurumati Allahi fahuwa khayrun lahu AAinda rabbihi waohillat lakumu alanAAamu illa ma yutla AAalaykum faijtaniboo alrrijsa mina alawthani waijtaniboo qawla alzzoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» خبر مبتدأ مقدر: أي الأمر أو الشأن ذلك المذكور «ومن يعظم حرمات الله» هي ما لا يحل انتهاكه «فهو» أي تعظيمها «خير له عند ربه» في الآخرة «وأحلت لكم الأنعام» أكلا بعد الذبح «إلا ما يتلى عليكم» تحريم في (حرمت عليكم الميتة) الآية فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا، والتحريم لما عرض من الموت ونحوه «فاجتنبوا الرجس من الأوثان» من للبيان أي الذي هو الأوثان «واجتنبوا قول الزور» أي الشرك بالله في تلبيتكم أو شهادة الزور.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : قال صاحب «الكشاف» {ذٰلِكَ } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا وقد كان كذا، والحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما يتعلق بالحج، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام، وقال المتكلمون ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } أي فالتعظيم خير له للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظها، وقوله: {عِندَ رَبّهِ } يدل على الثواب المدخر لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من الخيرات، قال الأصم فهو خير له من التهاون بذلك، ثم إنه تعالى عاد إلى بيان حكم الحج فقال: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمُ } فقد كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضاً تحرم فبين الله تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها فهي محللة، واستثنى منه ما يتلى في كتاب الله من المحرمات من النعم وهو المذكور في سورة المائدة وهو قوله تعالى: { أية : غَيْرَ مُحِلّي ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } تفسير : [المائدة:1] وقوله: { أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } تفسير : [المائدة:3] وقوله: { أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 121]، ثم إنه سبحانه لما حث على تعظيم حرماته وحمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور. لأن توحيد الله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور، واجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا منه شيئاً لتماديه في القبح والسماجة، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجساً لا للنجاسة، لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات. ثم قال الأصم إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في المتقربات أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها وهذا بعيد وقيل إنه إنما وصفها بذلك استحقاراً واستخفافاً وهذا أقرب، وقوله: {مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } بيان للرجس وتمييز له كقوله عندي عشرون من الدراهم لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شيء، فكأنه قال فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وليس المراد أن بعضها ليس كذلك، والزور من الزور والإزورار وهو الانحراف، كما أن الإفك من أفكه إذا صرفه، والمفسرون ذكروا في قول الزور وجوهاً: أحدها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام وما أشبه ذلك من افترائهم وثانيها: شهادة الزور عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائماً واستقبل الناس بوجهه وقال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله » تفسير : وتلا هذه الآية وثالثها: الكذب والبهتان ورابعها: قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. أما قوله تعالى: {حُنَفَاءَ للَّهِ } فقد تقدم ذكر تفسير ذلك وأنه الاستقامة على قول بعضهم والميل إلى الحق على قول البعض، والمراد في هذا الموضع ما قيل من أنه الإخلاص فكأنه قال تمسكوا بهذه الأمور التي أمرت ونهيت على وجه العبادة لله وحده لا على وجه إشراك غير الله به. ولذلك قال {غير مشركين به} وهذا يدل على أن الواجب على المكلف أن ينوي بما يأتيه من العبادة الإخلاص فبين تعالى مثلين للكفر لا مزيد عليهما في بيان أن الكافر ضار بنفسه غير منتفع بها. وهو قوله: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } قال صاحب «الكشاف» إن كان هذا تشبيهاً مركباً فكأنه قيل من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس وراءه هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرقت أجزاؤه في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة. وإن كان تشبيهاً مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله كالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. وقرىء بكسر الخاء والطاء وبكسر الفاء مع كسرهما وهي قراءة الحسن وأصلها تختطفه وقرىء الرياح، ثم إنه سبحانه أكد ما تقدم فقال {ذلك ومن يعظم شعائر الله} واختلفوا فقال بعضهم يدخل فيه كل عبادة وقال بعضهم بل المناسك في الحج وقال بعضهم بل المراد الهدي خاصة والأصل في الشعائر الأعلام التي بها يعرف الشيء فإذا فسرنا الشعائر بالهدايا فتعظيمها على وجهين: أحدهما: أن يختارها عظام الأجسام حساناً جساماً سماناً غالية الأثمان ويترك المكاس في شرائها، فقد كانوا يتغالون في ثلاثة ويكرهون المكاس فيهن الهدي والأضحية والرقبة. روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبيه « أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدناً فنهاه عن ذلك، حديث : وقال بل أهدها» «وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب » تفسير : والوجه الثاني: في تعظيم شعائر الله تعالى أن يعتقد أن طاعة الله تعالى في التقرب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بد وأن يحتفل به ويتسارع فيه {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } أي إن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ارتبط به وإنما ذكرت القلوب لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه. ولكن لما كان قلبه خالياً عنها لا جرم لا يكون مجداً في أداء الطاعات، أما المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص، فإن قال قائل: ما الحكمة في أن الله تعالى بالغ في تعظيم ذبح الحيوانات هذه المبالغة؟

القرطبي

تفسير : فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ذٰلِكَ} يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير: فرضُكم ذلك، أو الواجب ذلك. ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير: امتثلوا ذلك؛ ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير:شعر : هذا وليس كمن يَعْيَا بخُطّته وسْطَ النَّدِيّ إذا ما قائل نطقا تفسير : والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ}، ويدخل في ذلك تعظيم المواضع؛ قاله ابن زيد وغيره. ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات امتثال الأمر في فرائضه وسننه. وقوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها. وقيل: ذلك التعظيم خير من خيراته يُنتفع به، وليست للتفضيل وإنما هي عِدَة بخير. الثانية: قوله تعالى: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ} أن تأكلوها؛ وهي الإبل والبقر والغنم. {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي في الكتاب من المحرمات؛ وهي المَيْتة والمَوْقُوذة وأخواتها. ولهذا اتصال بأمر الحج؛ فإن في الحج الذبح، فبيّن ما يحلّ ذبحه وأكل لحمه. وقيل: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} غيرَ مُحِلِّي الصيد وأنتم حرم. الثالثة: قوله تعالى: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} الرجس: الشيء القذِر. والوَثَن: التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها، وكانت العرب تنصِبها وتعبدها. والنصارى تنصِب الصليب وتعبده وتعظمه فهو كالتمثال أيضاً. وقال عَدِيّ بن حاتم: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: «حديث : ألْقِ هذا الوثن عنك» تفسير : أي الصليب؛ وأصله من وَثَن الشيء أي أقام في مقامه. وسمي الصنم وَثَناً لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. يريد اجتنبوا عبادة الأوثان؛ روي عن ابن عباس وابن جُريج. وسماها رجساً لأنها سبب الرجز وهو العذاب. وقيل: وصفها بالرجس، والرجس النجس فهي نجسة حكماً. وليست النجاسة وصفاً ذاتياً للأعيان وإنما هي وصف شرعيّ من أحكام الإيمان، فلا تُزال إلا بالإيمان كما لا تجوز الطهارة إلا بالماء. الرابعة: {مِن} في قوله: {مِنَ ٱلأَوْثَانِ} قيل: إنها لبيان الجنس، فيقع نهيه عن رجس الأوثان فقط، ويبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا الموضع. ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية؛ فكأنهم نهاهم عن الرجس عاماً ثم عيّن لهم مبدأه الذي منه يلحقهم؛ إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس. ومن قال إن «مِن» للتبعيض، قلب معنى الآية وأفسده. الخامسة: قوله تعالى: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} والزور: الباطل والكذب. وسمي زوراً لأنه أميل عن الحق؛ ومنه {تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ}، ومدينةٌ زوراء؛ أي مائلة. وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزُور. وفي الخبر أنه عليه السلام قام خطيباً فقال: «حديث : عَدَلت شهادةُ الزور الشّركَ بالله» تفسير : قالها مرتين أو ثلاثاً. يعني أنها قد جُمعت مع عبادة الوثن في النهي عنها. السادسة: هذه الآية تضمّنت الوعيد على الشهادة بالزور، وينبغي للحاكم إذا عَثَر على الشاهد بالزور أن يعزّره وينادي عليه ليُعرف لئلا يغتَرّ بشهادته أحد. ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب؛ فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرّز فيها لم تقبل؛ لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة؛ إذ لا يستطيع أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه. وإن كان دون ذلك فشمّر في العبادة وزادت حاله في التُّقَى قبلت شهادته. وفي الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن أكبر الكبائر الإشراكَ بالله وعقوقَ الوالدين وشهادةَ الزور وقول الزور»تفسير : . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس فما زال يكررها حتى قلنا لَيْتَه سكت. السابعة: {حُنَفَآءَ للَّهِ} معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق. ولفظة «حنفاء» من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل. و«حنفاء» نصب على الحال. وقيل: «حنفاء» حجاجاً؛ وهذا تخصيص لا حجة معه. الثامنة: قوله تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي هو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عن نفسه ضراً ولا عذاباً؛ فهو بمنزلة من خَرّ من السماء، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه. ومعنى {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} أي تقطعه بمخالبها. وقيل: هذا عند خروج روحه وصعود الملائكة بها إلى سماء الدنيا، فلا يُفتح لها فيرمى بها إلى الأرض؛ كما في حديث البَرَاء، وقد ذكرناه في التذكرة. والسحيق: البعيد؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 11]، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : فسُحْقاً فسحقاً»

البيضاوي

تفسير : {ذٰلِكَ } خبر محذوف أي الأمر ذلك وهو وأمثاله تطلق للفصل بين كلامين. {وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ } أحكامه وسائر ما لا يحل هتكه، أو الحرم وما يتعلق بالحج من التكاليف. وقيل الكعبة والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } فالتعظيم {خَيْرٌ لَّهُ }. {عِندَ رَبّهِ } ثواباً. {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } إلا المتلو عليكم تحريمه، وهو ما حرم منها لعارض: كالميتة وما أهل به لغير الله فلا تخرجوا منها غير ما حرمه الله كالبحيرة والسائبة. {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ} اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان كما تجتنب الأنجاس، وهو غاية المبالغة في النهي عن تعظيمها والتنفير عن عبادتها. {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ } تعميم بعد تخصيص فإن عبادة الأوثان رأس الزور، كأنه لما حث على تعظيم الحرمات أتبعه ذلك رداً لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب وتعظيم الأوثان والإِفتراء على الله تعالى بأنه حكم بذلك. وقيل شهادة الزور لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال «حديث : عدلت شهادة الزور الإِشراك بالله تعالى ثلاثاً وتلا هذه الآية»تفسير : و {ٱلزُّورِ} من الزور وهو الإِنحراف كما أن الإِفك من الأفك وهو الصرف، فإن الكذب منحرف مصروف عن الواقع.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك، وما لفاعلها من الثواب الجزيل، {وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ} أي: ومن يجتنب معاصيه، ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه، {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} أي: فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على تلك المحرمات واجتناب المحظورات. قال ابن جريج: قال مجاهد في قوله: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ} قال: الحرمة، مكة، والحج، والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها، وكذا قال ابن زيد. وقوله: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي: أحللنا لكم جميع الأنعام، وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. وقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي: من تحريم {أية : ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} تفسير : [المائدة:3]، الآية، قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة. وقوله: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} (من) ههنا لبيان الجنس، أي: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول الزور، كقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 33] ومنه شهادة الزور. وفي "الصحيحين" عن أبي بكرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» تفسير : قلنا: بلى يا رسول لله قال: «حديث : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ــــ وكان متكئاً فجلس فقال: ــــ ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور»تفسير : . فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وقال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد عن فاتك بن فضالة عن أيمن بن خريم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً، فقال: «حديث : يا أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكاً بالله» تفسير : ثلاثاً، ثم قرأ: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن مروان بن معاوية به، ثم قال: غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العصفري عن أبيه عن حبيب بن النعمان الأسدي عن خريم بن فاتك الأسدي قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فلما انصرف، قام قائماً فقال: «حديث : عدلت شهادة الزور الإشراك بالله عز وجل» تفسير : ثم تلا هذه الآية {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} وقال سفيان الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن وائل بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور الإشراك بالله، ثم قرأ هذه الآية. وقوله: {حُنَفَآءَ للَّهِ} أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصداً إلى الحق، ولهذا قال: {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} ثم ضرب للمشرك مثلاً في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: سقط منها {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} أي: تقطعه الطيور في الهواء {أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء: إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحاً من هناك، ثم قرأ هذه الآية، وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه. وقد ضرب تعالى للمشركين مثلاً آخر في سورة الأنعام. وهو قوله: {أية : قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [الأنعام: 71] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } خبر مبتدأ مقدّر: أي الأمر أو الشأن ذلك المذكور {وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ } هي ما لا يحلّ انتهاكه {فَهُوَ } أي تعظيمها {خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ } في الآخرة {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَٰمُ } أكلاً بعد الذبح {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } تحريمه في{ أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ }تفسير : [3:5]الآية فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلاً والتحريم لما عرض من الموت ونحوه {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلاْوْثَٰنِ } من للبيان أي الذي هو الأوثان {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ } أي الشرك بالله في تلبيتكم أو شهادة الزور.

الشوكاني

تفسير : محل {ذٰلِكَ } الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك، أو مبتدأ خبره محذوف، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي افعلوا ذلك. والمشار إليه هو ما سبق من أعمال الحجّ، وهذا وأمثاله يطلق للفصل بين الكلامين أو بين طرفي كلام واحد، والحرمات جمع حرمة. قال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وهي في هذه الآية ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها. والظاهر من الآية عموم كل حرمة في الحج وغيره كما يفيده اللفظ وإن كان السبب خاصاً، وتعظيمها ترك ملابستها {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } أي فالتعظيم خير له {عِندَ رَبّهِ } يعني: في الآخرة من التهاون بشيء منها. وقيل: إن صيغة التفضيل هنا لا يراد بها معناها الحقيقي، بل المراد: أن ذلك التعظيم خير ينتفع به، فهي عدة بخير {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمُ } وهي الإبل والبقر والغنم {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أي في الكتاب العزيز من المحرّمات، وهي الميتة وما ذكر معها في سورة المائدة. وقيل في قوله: {أية : إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } تفسير : [المائدة: 1]. {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } الرجس: القذر، والوثن: التمثال، وأصله من وثن الشيء، أي أقام في مقامه، وسمي الصليب وثناً، لأنه ينصب ويركز في مقامه، فلا يبرح عنه. والمراد: اجتناب عبادة الأوثان، وسماها رجساً؛ لأنها سبب الرجس وهو العذاب. وقيل: جعلها سبحانه رجساً حكماً، والرجس: النجس، وليست النجاسة وصفاً ذاتياً لها ولكنها وصف شرعي، فلا تزول إلا بالإيمان كما أنها لا تزول النجاسة الحسية إلا بالماء. قال الزجاج: "من" هنا لتخليص جنس من أجناس، أي فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ } الذي هو الباطل، وسمي زوراً؛ لأنه مائل عن الحق، ومنه قوله تعالى: {أية : تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ } تفسير : [الكهف: 17]. وقولهم: مدينة زوراء، أي مائلة، والمراد هنا قول الزور على العموم، وأعظمه الشرك بالله بأيّ لفظ كان. وقال الزجاج المراد بقول الزور ها هنا: تحليلهم بعض الأنعام وتحريمهم بعضها، وقولهم: {أية : هَـٰذَا حَلَـٰلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ } تفسير : [النحل: 116]. وقيل: المراد به: شهادة الزور. وانتصاب {حُنَفَاء } على الحال، أي مستقيمين على الحق، أو مائلين إلى الحق. ولفظ حنفاء من الأضداد يقع على الاستقامة، ويقع على الميل. وقيل: معناه: حجاجاً، ولا وجه لهذا. {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } هو حال كالأوّل، أي غير مشركين به شيئاً من الأشياء كما يفيده الحذف من العموم، وجملة: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاء } مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الأمر بالاجتناب. ومعنى خرّ من السماء: سقط إلى الأرض، أي انحط من رفيع الإيمان إلى حضيض الكفر {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ }، يقال: خطفه: إذا سلبه، ومنه قوله: {أية : يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ } تفسير : [البقرة 20]. أي تخطف لحمه وتقطعه بمخالبها. قرأ أبو جعفر ونافع بتشديد الطاء وفتح الخاء، وقرىء بكسر الخاء والطاء وبكسر التاء مع كسرهما {أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرّيحُ } أي تقذفه وترمي به {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } أي بعيد، يقال: سحق يسحق سحقاً فهو سحيق: إذا بعد قال الزجاج: أعلم الله أن بعد من أشرك به من الحقّ، كبعد ما خرّ من السماء، فتذهب به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد. {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } الكلام في هذه الإشارة قد تقدّم قريباً، والشعائر: جمع الشعيرة، وهي كل شيء فيه لله تعالى شعار، ومنه شعار القوم في الحرب، وهو علامتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البدن، وهو الطعن في جانبها الأيمن، فشعائر الله: أعلام دينه، وتدخل الهدايا في الحجّ دخولاً أوّلياً، والضمير في قوله: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } راجع إلى الشعائر بتقدير مضاف محذوف، أي فإن تعظيمها من تقوى القلوب أي: من أفعال القلوب التي هي من التقوى، فإن هذا التعظيم ناشىء من التقوى. {لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ } أي في الشعائر على العموم، أو على الخصوص، وهي البدن كما يدلّ عليه السياق. ومن منافعها: الركوب والدرّ والنسل والصوف وغير ذلك {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهو وقت نحرها {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } أي حيث يحلّ نحرها، والمعنى: أنها تنتهي إلى البيت وما يليه من الحرم، فمنافعهم الدنيوية المستفادة منها مستمرّة إلى وقت نحرها، ثم تكون منافعها بعد ذلك دينية. وقيل: إن محلها ها هنا مأخوذ من إحلال الحرام، والمعنى: أن شعائر الحجّ كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي تنتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت، فالبيت على هذا مراد بنفسه. {وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا } المنسك ها هنا المصدر من نسك ينسك: إذا ذبح القربان، والذبيحة: نسيكة، وجمعها نسك. وقال الأزهري: إن المراد بالمنسك في الآية: موضع النحر، ويقال: منسك بكسر السين وفتحها لغتان، قرأ بالكسر الكوفيون إلا عاصماً وقرأ الباقون بالفتح. وقال الفرّاء: المنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد في خير أو شرّ، وقال ابن عرفة: {وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا } أي مذهباً من طاعة الله. وروي عن الفراء أن المنسك: العيد. وقيل: الحجّ، والأوّل أولى لقوله: {لّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ } إلى آخره، والأمة: الجماعة المجتمعة على مذهب واحد، والمعنى: وجعلنا لكل أهل دين من الأديان ذبحاً يذبحونه، ودما يريقونه، أو متعبداً أو طاعة أو عيداً أو حجاً يحجونه، ليذكروا اسم الله وحده، ويجعلوا نسكهم خاصاً به {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ } أي على ذبح ما رزقهم منها. وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها، وفي الآية دليل على أن المقصود من الذبح المذكور هو ذكر اسم الله عليه. ثم أخبرهم سبحانه بتفرّده بالإلٰهية وأنه لا شريك له، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ثم أمرهم بالإسلام له، والانقياد لطاعته وعبادته، وتقديم الجار والمجرور على الفعل للقصر، والفاء هنا كالفاء التي قبلها، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبشر {ٱلْمُخْبِتِينَ } من عباده، أي المتواضعين الخاشعين المخلصين، وهو مأخوذ من الخبت، وهو المنخفض من الأرض، والمعنى: بشرهم يا محمد بما أعدّ الله لهم من جزيل ثوابه وجليل عطائه. وقيل: إن المخبتين هم الذين لا يظلمون غيرهم، وإذا ظلمهم غيرهم لم ينتصروا. ثم وصف سبحانه هؤلاء المخبتين بقوله: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } أي خافت وحذرت مخالفته، وحصول الوجل منهم عند الذكر له سبحانه دليل على كمال يقينهم وقوّة إيمانهم، ووصفهم بالصبر {عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ } من البلايا والمحن في طاعة الله ثم وصفهم بإقامة {ٱلصَّلَوٰةِ } أي الإتيان بها في أوقاتها على وجه الكمال. قرأ الجمهور: {والمقيمي الصلاة} بالجرّ على ما هو الظاهر، وقرأ أبو عَمْرو بالنصب على توهم بقاء النون، وأنشد سيبويه على ذلك قول الشاعر:شعر : الحافظو عورة العشيرة تفسير : البيت بنصب عورة، وقيل: لم يقرأ بهذه القراءة أبو عمرو، وقرأ ابن محيصن: "والمقيمين" بإثبات النون على الأصل، ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود، ثم وصفهم سبحانه بقوله: {وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } أي يتصدّقون به وينفقونه في وجوه البرّ، ويضعونه في مواضع الخير، ومثل هذه الآية قوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } تفسير : [الأنفال: 2]. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ } قال: الحرمة مكة والحجّ والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } يقول: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ } يعني: الافتراء على الله والتكذيب به. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أيمن بن خريم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: "حديث : يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور شركاً بالله" »تفسير : ثلاثاً، ثم قرأ: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ، قال أحمد: غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد. وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعاً من النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد أخرجه أحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من حديث خريم. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"تفسير : ثلاثاً، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "حديث : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"تفسير : ، وكان متكئاً، فجلس فقال: "حديث : ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور"تفسير : ، فما زال يكرّرها حتى قلنا: ليته سكت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {حُنَفَاء للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } قال: حجاجاً لله غير مشركين به، وذلك أن الجاهلية كانوا يحجون مشركين، فلما أظهر الله الإسلام، قال الله للمسلمين: حجوا الآن غير مشركين بالله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصدّيق نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } قال: البدن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام، وفي قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } قال: إلى أن تسمى بدناً. وأخرج هؤلاء عن مجاهد نحوه، وفيه قال: ولكم فيها منافع إلى أجل مسمى، في ظهورها وألبانها وأوبارها وأشعارها وأصوافها إلى أن تسمى هدياً، فإذا سميت هدياً ذهبت المنافع {ثُمَّ مَحِلُّهَا } يقول: حين تسمى {إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ }. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: إذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا } قال: عيداً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: إهراق الدماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ذبحاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: مكة لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها. وقد وردت أحاديث في الأضحية ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَبَشّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ } قال: المطمئنين. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن أوس قال: المخبتون في الآية الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ذلِكَ وَمَن يَعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} فيه قولان: أحدهما: أنه فعل ما أمر به من مناسكه، قاله الكلبي. والثاني: أنه اجتناب ما نهى عنه في إحرامه. ويحتمل عندي قولاً ثالثاً: أن يكون تعظيم حرماته أن يفعل الطاعة ويأمر بها، وينتهي عن المعصية وينهى عنها. {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} فيه قولان: أحدهما: إلا ما يتلى عليكم من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذُبحَ على النصب. والثاني: إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم. {فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} فيه وجهان: أحدهما: أي اجتنبواْ من الأوثان الرجس، ورجس الأوثان عبادتها، فصار معناه: فاجتنبوا عبادة الأوثان. الثاني: معناه: فاجتنبواْ الأوثان فإنها من الرجس. {وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: الشرك، وهوقول يحيى بن سلام. والثاني: الكذب، وهو قول مجاهد. والثالث: شهادة الزور. روى أيمن بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيباً فقال: "حديث : أَيُّهَا النَّاسُ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَرَّتِينَ" تفسير : ثم قرأ: {فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ}. والرابع: أنها عبادة المشركين، حكاه النقاش. ويحتمل عندي قولاً خامساً: أنه النفاق لأنه إسلام في الظاهر زور في الباطن. قوله عز وجل: {حُنَفَآءَ لِلَّهِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني مسلمين لله، وهو قول الضحاك، قال ذو الرمة: شعر : إذا حول الظل العشي رأيته حنيفاً وفي قرن الضحى يتنصر تفسير : والثاني: مخلصين لله، وهو قول يحيى بن سلام. والثالث: مستقيمين لله، وهو قول عليّ بن عيسى. والرابع: حجاجاً إلى الله، وهو قول قطرب. {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} فيه وجهان: أحدهما: غير مرائين بعبادته أحداً من خلقه. والثاني: غير مشركين في تلبية الحج به أحداً لأنهم كانواْ يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، قاله الكلبي.

ابن عبد السلام

تفسير : {حُرُمَاتِ اللَّهِ} فعل المناسك، أو منهيات الإحرام {مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} من {أية : وَٱلْمُنْخَنِقَةُ}تفسير : [المائدة: 3] إلى قوله {أية : عَلَى ٱلنُّصُبِ}تفسير : [المائدة: 3] أو {أية : غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}تفسير : [المائدة: 1] {الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} من للجنس، أو اجتنبوا منها رجسها وهو عبادتها {قَوْلَ الزُّورِ} الشرك، أو الكذب، أو شهادة الزور، أو أعياد المشركين.

النسفي

تفسير : {ذٰلِكَ } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك أو تقديره ليفعلوا ذلك {وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ } الحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله عز وجل بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصاً بما يتعلق بالحج. وقيل: حرمات الله البيت الحرام والمشعر الحرام والشهر الحرام والبلد الحرام {فَهُوَ } أي التعظيم {خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ } ومعنى التعظيم العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمُ } أي كلها {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } آية تحريمه وذلك قوله {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ }تفسير : [المائدة: 3] الآية. والمعنى أن الله تعالى أحل لكم الأنعام كلها إلا ما بيّن في كتابه، فحافظوا على حدوده ولا تحرموا شيئاً مما أحل كتحريم البعض البحيرة ونحوها، ولا تحلوا مما حرم كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغيرهما. ولما حث على تعظيم حرماته أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور بقوله {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ } لأن ذلك من أعظم الحرمات وأسبقها حظراً. و{من الأوثان} بيان للرجس لأن الرجس مبهم يتناول غير شيء كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. وسمى الأوثان رجساً على طريقة التشبيه يعني أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس فعليكم أن تنفروا عنها. وجمع بين الشرك وقول الزور أي الكذب والبهتان أو شهادة الزور وهو من الزور وهو الانحراف، لأن الشرك من باب الزور إذ المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {ذَٰلِكَ} يحتمل أَنْ يكونَ في موضع رفع بتقدير: فرضكم ذلك، أو الواجب ذلك، ويحتمل أن يكون في محلِّ نصب بتقدير: امتثلوا ذلك ونحو هذا الإضمار، وأَحْسَنُ الأشياءِ مُضْمَراً أحسنُهَا مظهراً؛ ونحو هذه الإشارةِ البليغةِ قَوْلُ زُهَيْرِ: [البسيط] شعر : هَـٰذَا، وَلَيْسَ كَمَنْ يَعْيَا بِخُطْبَتِهِ وَسْطَ النَّدِيِّ إذَا مَا نَاطِقٌ نَطَقَا تفسير : والحُرُمَاتُ المقصودة هنا هي أفعال الحج. وقال ابن العربي في «أحكامه»: الحرمات امتثال ما أَمَرَ اللّه تعالى به، واجتنابُ ما نهى عنه؛ فإنَّ للقسم الأَوَّلِ حرمةَ المبادرة إلى الامتثال، وللثاني حرمةَ الانكفاف والانزجار. انتهى. وقوله: {فَهُوَ خَيْرٌ} ظاهر أنها ليست للتفضيل، وإنما هي عِدةٌ بخير، ويحتمل أن يجعل {خَيْرٌ} للتفضيل على تجوز في هذا الموضع. * ص *: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} أي: فالتعظيم خير له، انتهى. وقوله تعالى: {فَـٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ} يحتمل معنيين. أحدهما: أَنْ تكون «من» لبيان الجنس أي: الرجس الذي هو الأوثان؛ فيقع النهي عن رِجْسِ الأوثان فقط، وتبقى سائر الأرجاس نَهْيُهَا في غير هذا الموضع. والمعنى الثاني: أَنْ تكون «من» لابتداء الغاية فكأنه نهاهم سبحانه عن الرجس عموماً، ثم عَيَّنَ لهم مبدأه الذي منه يلحقهم؛ إذ عبادة الوثن جامعةٌ لكل فساد ورجس، ويظهر أن الإشارة إلى الذبائح التي كانت للأوثان فيكون هذا مِمَّا يُتْلَى عليهم، والمَرْوِيُّ عن ابن عباس وابنُ جُريج: أَنَّ الآية نَهْيٌ عن عبادة الأوثان، و {ٱلزُّورِ} عامٌّ في الكَذِبِ والكفر؛ وذلك أَنَّ كُلَّ ما عدا الحق فهو كذب وباطل. وقال ابن مسعود وغيرُه: إنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ، وَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ» تفسير : والزُّورُ: مْشْتَقٌّ من الزَّوْرِ، وهو الميل، ومنه في جانب فلان زور، ويظهر أَنَّ الإشارة إلى زور أقوالهم في تحريمِ وتحليلِ ما كانوا قد شرعوا في الأنعام، و {حُنَفَاءَ} معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق، بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد، تَقَعُ على الاستقامة، وتقع على المَيْلِ، والسحيق: البعيد.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} الآية. "ذَلِكَ" خبر مبتدأ مضمر، أي: الأمر والشأن ذلك، قال الزمخشري: كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني، فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا، وقد كان كذا. وقدره ابن عطية: فرضكم ذلك أو الواجب ذلك. وقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، أي ذلك الأمر الذي ذكرته. وقيل: في محل نصب أي: امتثلوا ذلك. ونظير هذه الإشارة قول زهير بعد تقدم جمل في وصف هرم بن سنان: شعر : 3762- هذَا وَلَيْسَ كَمنْ يَعْيَا بَخُطَّتِهِ وَسْطَ النَّدِيّ إِذَا نَاطِقٌ نَطَقَا تفسير : والحرمة ما لا يحلّ هَتْكُه، وجمييع ما كلفه الله بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما يتعلق بالحج. وعن زيد بن أسلم: الحرمات خمس: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمشعر الحرام. وقال ابن زيد: الحرمات ههنا: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، (والإحرام). وقال الليث: حرمات الله ما لا يحل انتهاكها. وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه. قوله: "فهو" "هُو" ضمير المصدر المفهوم من قوله: "وَمَنْ يُعَظّم"، أي؛ فتعظيم حرمات الله خير له، كقوله تعالى: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8] و"خير" هنا ظاهرها التفضيل بالتأويل المعروف ومعنى التعظيم: العلم بوجوب القيام بها وحفظها. وقوله: "عِنْدَ رَبِّهِ" أي: عند الله في الآخرة. وقال الأصم: فهو خير له من التهاون. قوله: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} ووجه النظم أنه كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضاً تَحْرُم، فبيَّن تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها، ثم استثنى منه ما يتلى في كتاب الله من المحرمات من النعم في سورة المائدة في قوله: {أية : غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} تفسير : [المائدة: 1]، وقوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 121]. قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} يجوز أن يكون استثناء متصلاً، ويصرف إلى ما يحرم من بهيمة الأنعام لسبب عارض كالموت ونحوه. وأن يكون استثناءً منقطعاً؛ إذ ليس فيها محرم وقد تقدم تقرير هذا أول المائدة. قوله: "مِنَ الأَوْثَانِ". في "مِنْ" ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لبيان الجنس، وهو مشهور قول المعربين، ويقدر بقولك الرجس الذي هو الأوثان. وقد تقدم أن شرط كونها بيانية ذلك ويجيء مواضع كثيرة لا يتأتى فيها ذلك ولا بعضه. والثاني: أنها لابتداء الغاية. قال شهاب الدين: وقد خلط أبو البقاء القولين فجعلهما قولاً واحداً. فقال: و"مِنْ" لبيان الجنس، أي: اجتنبوا الرجس من هذا القبيل وهو معنى ابتداء الغاية ههنا يعني أنه في المعنى يؤول إلى ذلك ولا يؤول إليه البتة. الثالث: أنها للتبعيض. وقد غلّط ابن عطية القائل بكونها للتبعيض فقال: ومن قال إن "من" للتبعيض قلب معنى الآية فأفسده. وقد يمكن التبعيض فيها بأن معنى الرجس عبادة الأوثان، وبه قال ابن عباس وابن جريج فكأنه قال: فاجتنبوا من الأوثان الرجس وهو العبادة لأن المحرم من الأوثان إنما هو العبادة، ألا ترى أنه قد يتصور استعمال الوثن في بناء وغيره مما لم يحرم الشرع استعماله، فللوثن جهات منها عبادتها وهي بعض جهاتها. قاله أبو حيان. والأوثان جمع وثن، والوثن يطلق على ما صُوِّر من نحاس وحديد وخشب ويطلق أيضاً على الصليب، حديث : قال عليه السلام لعدي بن حاتم وقد رأى في عنقه صليباً: "أَلْقِ هذَا الوَثَنَ عَنْكَ"تفسير : . وقال الأعشى: شعر : 3763- يَطُوفُ العُفَاةُ بِأَبْوَابِهِ كَطَوْفِ النَّصَارَى ببَيْتِ الوَثَنْ تفسير : واشتقاقه من وَثن الشيء، أي أقام بمكانه وثبت فهو واثن، وأنشد لرؤبة: شعر : 3764- عَلَى أَخِلاَّءِ الصَّفَاءِ الوُثَّنِ تفسير : أي: المقيمين على العهد، وقد تقدم الفرق بين الوثن والصَّنم. فصل قال المفسرون: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} أي؛ عبادتها، أي كونوا على جانب منها فإنها رجس، أي سبب رجس وهو العذاب، والرجس بمعنى الرجز. وقال الزجاج: "مِن" ههنا للتجنيس، أي اجتنبوا الأوثان التي هي الرجس {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ}. واعلم أنه تعالى لما حَثّ على تعظيم حرماته أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور، لأن توحيد الله وصدق القول أعظم الحرمات، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد، لأن الشرك من باب الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا شيئاً منه، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان. وسمى الأوثان رجساً لا للنجاسة لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس، ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات. قال الأصَمّ: إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في القربان أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها. وهذا بعيد، وإنما وصفها بذلك استحقاراً واستخفافاً. والزور من الازورار وهو الانحراف كما أن الإفك (من أَفِكه إذا صرفه) وذكر المفسرون في قول الزور وجوهاً: الأول: قولهم: هذا حلال وهذا حرام، وما أشبه ذلك. والثاني: شهادة الزور؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح فلما سلم قام قائماً، واستقبل الناس بوجهه، وقال: "حديث : عدلت شهادة الزور الإشراك بالله" تفسير : وتلا هذه الآية. الثالث: الكذب والبهتان. الرابع: قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. قوله: "حُنَفَاءَ لِلَّهِ" حال من فاعل "اجْتَنِبوا"، وكذلك "غَيْرَ مُشْرِكِين" وهي حال مؤكدة إذ يلزم من كونهم "حنفاء" عدم الإشراك أي مخلصين له، أي تمسكوا بالأوامر والنواهي على وجه العبادة لله وحده لا على وجه إشراك غير الله به، فلذلك قال {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}. ثم قال: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: سقط من السماء إلى الأرض. قوله: "فَتَخْطَفُهُ". قرأ نافع بفتح الخاء والطاء مشددة، وأصلها تختطفه فأدغم. وباقي السبعة "فتَخْطَفُه" بسكون الخاء وتخفيف الطاء. وقرأ الحسن والأعمش وأبو رجاء بكسر التاء والخاء والطاء مع التشديد. وروي عن الحسن أيضاً بفتح الطاء مشددة مع كسر التاء والخاء. وروي عن الأعمش كقراءة العامة إلا أنه بغير فاء "تخطفه" وتوجيه هذه القراءات قد تقدم في أوائل البقرة عند قوله: {أية : يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ} تفسير : [البقرة: 20]. وقرأ أبو جعفر "الرياح" جمعاً. وقوله: "خَرّ" في معنى (تخر)، ولذلك عطف عليه المستقبل وهو "فتَخْطَفُه". ويجوز أن يكون على بابه ولا يكون "فَتَخْطَفُهُ" عطفاً عليه بل هو خبر مبتدأ مضمر أي: فهو تخطفه. قال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق فإن كان تشبيهاً مركباً، فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس وراءه إهلاك بأن صور حاله بصورة حال مَنْ خَرّ من السماء فاختطفته الطير فتفرق مُزَعاً في حواصلها، أو عصفت به الرياح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة. وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوّه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. والسحيق البعيد، ومنه: سَحَقَهُ الله، أي: أبعده، ومنه قول عليه السلام: "حديث : سُحْقاً سُحْقاً" تفسير : أي بُعْداً بُعْداً. والنخلة السحوق الممتدة في السماء من ذلك. قوله تعالى: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} الآية. إعراب "ذَلِك" كإعراب "ذَلِكَ" المتقدم وتقدم تفسير الشعيرة واشتقاقها في المائدة. والمعنى: ذلك الذي ذكرت من اجتناب الرجس، وقول الزور، وتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب. قال ابن عباس: شعائر الله البُدْن والهدايا. وأصلها من الإشعار وهو إعلامها لتعرف أنها هَدْي، وتعظيمها استحسانها واستسمانها. وقيل: شعائر الله أعلام دينه. وقيل: مناسك الحج. قوله: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ}. أي: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى (من) ليرتبط به، وإنما ذكرت القلوب، لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه وقلبه خال عنها، فلهذا لا يكون مجدّاً في الطاعات، وأما المخلص الذي تمكنت التقوى من قلبه فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص. واعلم أن الضمير في قوله: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه ضمير الشعائر على حذف مضافه، أي: فإن تعظيمها من تقوى القلوب. والثاني: أنه ضمير المصدر المفهوم من الفعل قبله، أي: فإن التعظيم من تقوى القلوب والعائد على اسم الشرط من هذه الجملة الجزائية مقدر تقديره: فإنها من تقوى القلوب منهم. ومن جوَّز إقامة (أل) مقام الضمير - وهم الكوفيون -، أجاز ذلك هنا، والتقدير: من تقوى قلوبهم كقوله: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 41]. والعامة على خفض "القلوب"، وقرئ برفعها، فاعلة للمصدر قبلها وهو "تقوى".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله ‏ {‏ذلك ومن يعظم حرمات الله‏} ‏ قال‏:‏ الحرمة الحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها‏. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء وعكرمة ‏ {‏ذلك ومن يعظم حرمات الله‏} ‏ قالا‏:‏ المعاصي‏. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله ‏{‏ومن يعظم حرمات الله‏}‏ قال‏:‏ الحرمات المشعر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن أبي حاتم، عن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لن تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها - يعني مكة - فإذا ضيعوا ذلك هلكوا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان‏} ‏ يقول‏:‏ اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان ‏ {‏واجتنبوا قول الزور‏}‏ يعني الافتراء على الله والتكذيب به‏. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن أيمن بن خريم قال‏:‏ ‏ حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال‏: يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور إشراكاً بالله ثلاثاً، ثم قرأ ‏ {‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور‏} ‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن خريم بن فاتك الأسدي قال‏:‏ ‏ ‏"‏حديث : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما انصرف قائماً قال‏: عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاثاً، ثم تلا هذه الآية ‏ {‏واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به‏} ‏‏ "‏. تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي، عن أبي بكرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ألا أنبئكم بأكبر الكبائر‏؟ قلنا‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وكان متكئاً فجلس - فقال‏:‏ ألا وقول الزور‏!‏‏.‏‏.‏‏.‏ ألا وشهادة الزور‏.‏‏.‏‏.‏ "تفسير : فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت‏‏‏. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي، عن ابن مسعود قال‏:‏ شهادة الزور تعدل بالشرك بالله‏.‏ ثم قرأ ‏ {‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد ‏ {‏واجتنبوا قول الزور‏} ‏ قال‏:‏ الكذب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ‏ {‏واجتنبوا قول الزور‏} ‏ يعني الشرك بالكلام‏.‏ وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت فيقولون في تلبيتهم‏:‏ لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله ‏ {‏حنفاء لله غير مشركين به‏}‏ قال‏:‏ حجاجاً لله غير مشركين به‏.‏ وذلك أن الجاهلية كانوا يحجون مشركين، فلما أظهر الله الإسلام قال الله للمسلمين‏:‏ حجوا الآن غير مشركين بالله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ كان الناس يحجون وهم مشركون، فكانوا يسمونهم حنفاء الحجاج، فنزلت ‏ {‏حنفاء لله غير مشركين به‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر الصديق قال‏:‏ كان ناس من مضر وغيرهم يحجون البيت وهم مشركون، وكان من لا يحج البيت من المشركين يقولون‏:‏ قولوا حنفاء‏.‏ فقال الله ‏ {‏حنفاء لله غير مشركين به‏} ‏ يقول‏:‏ حجاجاً غير مشركين به‏. وأخرج ابن المنذر عن السدي قال‏:‏ ما كان في القرآن من حنفاء، قال‏:‏ مسلمين‏.‏ وما كان حنفاء مسلمين، فهم حجاج‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏حنفاء‏}‏ قال‏:‏ حجاجا‏ً.‏ وأخرج عن الضحاك مثله‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ‏ {‏حنفاء‏} ‏ قال‏:‏ متبعين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله ‏{‏ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏‏.‏ قال‏:‏ هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى وهلاكه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله ‏ {‏في مكان سحيق‏} ‏ قال‏:‏ بعيد‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ}. تعظيم الحرمات بتعظيم أمره؛ وتعظيمُ أمرِهِ بِتَرْكِ مخالفته. ويقال من طلب الرضا بغير رضى الله لم يبارك له فيما آثره ومن هواه على رضى مولاه، ولا محالةَ سيلقى سريعاً غِبَّه. ويقال تعظيم حرماته بالغيرة على إيمانه وما فَجَرَ صاحبُ حُرْمَةٍ قط. ويقال ترك الخدمة يوجب العقوبة، وترك الحرمة يوجِبُ الفُرْقة. ويقال كلُّ شيءٍ من المخالفات فللعفو فيه مساغ وللأمل إِليه طريق، وتَرْكُ الحرمة على خَطَر ألا يُغْفَر...وذلك بأن يؤدي ثبوتُه بصاحبه إِلى أَنْ يختَلَّ دِينُه وتوحيدُه. قوله جلّ ذكره: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}. فالخنزير من جملة المحرمات, كذلك النطيحة والموقوذة، وما يجيء تفصيله في نَصِّ الشرع. قوله جلّ ذكره: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ}. "من" هاهنا للجِنس لا للتبغيض، وهوى كلِّ من اتبعه معبودُه، وصنمُ كلِّ أحدٍ نَفْسُه. {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ}: ومن جملة ذلك قول اللسان بما لا يساعده قولُ القلب ونطقه، ومَنْ عاهد اللَّهَ بقلبه ثم لا يفي بذلك فهو من جملة قول الزور.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} حرمانه مقام الاتصاف والاتحاد فمن اتصف بصفاته وتوحد بتوحيد ذاته يقع فى بحر الربوبية ويستغرق فى الحج الديمومية وينكشف له اسرار السرمدية والازلية ويسكر بشربات شراب المشاهدة ويقتضى هذه احوال له دعوى الانائية من حلاوة مباشرة انوار الازلية بنعت التجلى والوصلة فمن كان هناك محفوظا بقى على نعت العبودية ولا يخفوا على حرمات الحقيقة فهو خير له بان يزيد حاله من الله سبحانه ويكون اماما فى الحصو والتمكين مثل الخلفاء والنجباء يقتدى به سلاك الطريق وماوك الحقيقة ومن خرج برسوم اهل ---- الانائية يكون محترقا بنيران الغيرة مصلوبا على باب الهيبة والكبرياء والسلطانية وايضا من شاهد مشاهدة الحق بنعت الانفراد عن الحدثان خالصا عن الجنان مبرئا من حظوظه التي يطمع فيها عن مشاهدة الرحمن فهو من اهل الحرمة فى القربة ومن كان حيه لحظه فهو غير محترم فى مقام الحرمة يا غافل الحرمة فى العبودية تقتضى قرب الربوبية والحرمة فى الربوبية يسقط على ملك الحدوثية قال الواسطى من تعظيم حرمة الله ان لا تلاحظ شيئا من كونه ولا من طوارق محنته ولا تلاحظ غليلا ولا كليما ولا حبيبه ما دام تجد الى ملاحظة الحق سبيلا وقال فارس حرمات الله صفاته ومن تهاون بحرمات الامر والنهى فقد تهاون بالذات وهو نفس النفاق قال ابن عطا الحرمة ثلثة لوجه ادلة القطع من الموافقة فى القطع من لذة المشاهدة قال بعضهم رؤية الافعال ----- سبحانه بعد ذلك مقام حرماته وبين ان من عظم امره فقد عظم جلاله وعظمته بقوله {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} يبين ان تعظيم الله تعظيم شمائره بصدر من قلوب المتقين الذين هم فى مشاهدة عظمة الله وجلاله وكبريائه فى احتشامه وهيبته وتقوى القلوب وهو الاجتناب عن سوء الادب فى العبودية والخجل والحياء فى مشاهدة الربوبية قال سهل تقوى القلوب وترك الذنوب وكل شيء يقع عليه اسم الذم قال الجنيد من تعظيم شعائر الله التوكل والتفويض والتسليم فانها من شعائر الحق فى اسرار اوليائه فاذا عظمته وعظم حرمته زين الله ظاهره بفنون الاداب ثم وصفهم بالاخبات والتواضع والخنوع والخشوع فى عظمته وجلال كبريائه وبشرهم بدوام وصاله بقوله {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} ومن اوصاف المخبتين الفناء فى العظمة والحياء فى رؤية الكبرياء والخجل فى مشاهدة الربوبية والتواضع فى العبودية وكتمان الاسرار والبكاء فى الخفية والسكون فى الخلوة ومراقبة الله بنعت الهيبة قال ابن عطا الخبت هو الذى امتى قلبه من المحبة وقصر طرفه دونه كما ان الفريق شغله نفسه عن كل شئ سوى نفسه كذلك المخبت لشغله مولاه عن كل شئ سواه وقال جعفر وبشر المخبيت من اطاعنى ثم خافنى فى طاعته وتواضع لاجلى وبشر من اضطرب قلبه شوقا الى لقائى وبشر من ذكرنى بالنزول فى جوارى وبشر من دمعت عيناه خوفا المجرى بشرهم ان رحمتى سبقت غضبى ثم زاد سبحانه فى وصفهم بوجل القلوب من معاينة انوار الغيوب والصبر فى المجاهدات وتطهير انفسهم من الذنوب بقوله {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} اذا سمعوا خطاب الله من الله ولله من غير الله وجلت قلوبهم من رؤية عظمة الله والشوق الى لقاء الله وغليان محبة مشاهدة الله وقع السماع لهم على أذان ارواحهم المطربة من روح انس الله العاشقة جمال قدس الله فتضطرب بين الانس والقدس بنعت المحبة والشوق وتطير بجناح المعرفة الى سرادق كبرياء المعرفة فيسكن هناك وجها واضطرابهما فتسمع من الله خطابه وتطمئن بجماله قال تعالى {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : فاذا سمع الذكر من غيره اقتضى الوجل واذا سمع من الله اقتضى السكون والطمانينة {وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ} الذين وصفهم الوجل والاخيان صبروا تحت موارد انورا مشاهدته اذا انت عليهم طوارقها باثقال على الربوبية لا يجزعون ولا يتحركون حتى يفنوا فى كبريائه ويبقوا فى بقائه قال ابن عطا اهل ذلك رأيت الوجل عند سماع الذكر او عند سماع كتابه او عطائه او هل اخرسك الذكر حتى لا تنطق الا به واصمك حتى لم تسمع الا هيهات هيهات قال الواسطى الوجل على مقدار المطالعة ربما يريه مواضع السطوة وربما يريه مواضع المودة والمحبة وقال ابو على الجوزجانى فى قوله الصابرين على ما اصابهم التاركين الجزع عند حلول النوائب والمصائب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى الامر والشان ذلك الذي ذكر من قوله {أية : واذ بوأنا}تفسير : الى قوله {أية : بالبيت العتيق}تفسير : فان هذه الآية مشتملة على الاحكام المأور بها والمنهى عنها وهذا وامثاله يطلق للفصل بين الكلامين اوبين وجهى كلام واحد {ومن} [وهركه] {يعظم حرمات الله} جمع حرمة وهى ما لا يحل هتكه وهو خرق ا لستر عما وراءه اى احكامه وفرائضه وسننه وسائر مالا يحل هتكه كالكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام بالعلم بوجوب مراعاتها والعمل بموجبه {فهو خير له} اى فالتعظيم خير له ثوابا {عند ربه} اى فى الآخرة، قال ابن الشيخ عند ربه يدل على الثواب المدخر لانه بطاعة ربه فيما حصل من الخيرات، وفى الآية اشارة الى ان تعظيم حرمات الله هو تعظيم الله فى ترك ما حرمه الله عليه وتعظيم ترك ما أمره الله به يقال بالطاعة يصل العبد الى الجنة وبالحرمة يصل الى الله ولهذا قال {فهو خير له عند ربه} يعنى تعظيم الحرمة خير للعبد فى التقرب الى الله من تقربه بالطاعة ويقال ترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة ويقال كل شىء من المخالفات فللعفو فيه مساغ وللامل فيه طريق وترك الحرمة على خطر ان لا يغفر ذلك وذلك بان يؤدى شؤمه لصاحبه الى ان يختل دينه وتوحيده {واحلت} جعلت حلالا وهو من حل العقدة {لكم} لمنافعكم {الانعام} وهى الازواج الثمانية على الاطلاق من الضأن اثنين اى الذكر والانثى ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين فالخيل والبغال الحمير خارجة من الانعام {الا ما يتلى عليكم} آية تحريمه كما قال في سورة المائدة {أية : حرمت عليكم الميتة والدم}تفسير : الآية وهو استثناء متصل بناء على ان ما عبارة عما حرم منها لعارض كالميتة وما اهل به لغير الله والجملة اعتراض جيء به تقريرا لما قبله من الامر بالاكل والاطعام ودفعا لما عسى يتوهم ان الاحرام يحرمها كما يحرم الصيد والمعنى ان الله تعالى قد احل لكم ان تأكلوا الانعام كلها الا ما استثناه كتابه فحافظوا على حدوده واياكم ان تحرموا مما احل الله شيأ كتحريم عبدة الاوثان البحيرة والسائبة ونحوهما وان تحلوا مما حرم حلالهم شيأ كاكل الموقوذة والميتة ونحوهما {فاجتنبوا الرجس من الاوثان} اى الرجس الذى هو الاوثان يعنى عبادتها كما يجتنب الانجاس والرجس الشىء القذر يقال رجل رجس ورجال ارجاس والرجس يكون على اربعة اوجه اما من حيث الطبع واما من جهة العقل واما من جهة الشريعة واما من كل ذلك كالميتة فانها تعاف طبعا وعقلا وشرعا والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر والاوثان وهى جمع وثن وهو حجارة كانت تعبد كما فى المفردات، وقال بعضهم الفرق بينه وبين الصنم ان الصنم هو الذي يؤلف من شجر او ذهب او فضة فى صورة الانسان والوثن هو الذى ليس كذلك، قال فى الارشاد وقوله {فاجتنبوا} الخ مرتب على ما يفيده قوله تعالى {ومن يعظم حرمات الله} من وجوب مراعاتها والاجتناب عن هتكها ولما كان بيان حل انعام من دواعى التعاطى لامن مبادى الاجتناب عقبه بما يجب الاجتناب عنه من الحرمات ثم امر بالاجتناب عما هو اقصى الحرمات كأنه قيل ومن يعظم حرمات الله فهو خير له والانعام ليست من الحرمات فانها محللة لكم الا ما يتلى عليكم آية تحريمه فانه مما يجب الاجتناب عنه فاجتنبوا ما هو معظم الامور التى يجب الاجتناب عنها {واجتنبوا قول الزور} تعميم بعد تخصيص فان عبادة الاوثان رأس الزور والمشرك يزعم ان الوثن يحق له العبادة كأنه قيل فاجتنبوا عبادة الاوثان التى هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله ولا تقربوا شيأ منه وكأنه لما حث على تعظيم الحرمات اتبع ذلك رد لما كانت الكفرة عليه من تحريم السوائب والبحائر ونحوهما والافتراء على الله تعالى بانه حكم بذلك: وبالفارسية [واجتناب كنيد ازسخن دروغ مطلقا] وقيل المراد به شهادة الزور لما روى انه عليه السلام قال "حديث : عدلت شهادة الزور الاشراك بالله تعالى ثلاثا"تفسير : وتلا هذه الآية وكان عمر رضى الله عنه يجلد شاهد الزور اربعين جلدة ويسود وجهه بالفحم ويطوف به فى الاسواق والزور من الزور وهو الانحراف كالافك المأخوذ من الافك الذى هو القلب والصرف فان الكذب منخرف مصروف عن الواقع. وفى التأويلات النجمية قول الزور كل قول باللسان مما لايساعده قول القلب ومن عاهد الله بقلبه فى صدق الطلب ثم لا يفى بذلك فهو من جملة قول الزور شعر : طريق صدق بياموز از آب صافى دل براستى طلب ازادكى جو سروجمن وفا كنيم وملامت كشيم وخوش باشيم كه در طريقت ما كافريست رنجيدم

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ} خبر مبتدءٍ محذوفٍ او مبتدء خبرٍ محذوفٍ اى الامر ذلك او ذلك كذلك او مفعول فعلٍ محذوفٍ اى خذ ذلك {وَمَن يُعَظِّمْ} عطف او حال {حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} جمع الحرمة او الحرم بالضّمّ والسّكون او الحرم بالضّمّتين الّذى هو جمع الحرام، او الحرم بكسر الحاء او الحرمات جمع الحرمة بضمّتين، او الحرمة كالهمزة، وحرمات الله ما يحرم انتهاكه من امرٍ ونهىٍ ومكانٍ وزمانٍ وغيرها كالحرمين والاشهر الحرم والايّام المتبركة والشّرائع الالهيّة والكتب السّماويّة والاخبار النّبويّة والولويّة والبيعة النّبويّة والولويّة والمشاهد المشرّفة والمؤمن ونفس الايمان وخلفاء الله من الانبياء واوصيائهم (ع)، وما ورد وقيل من اختصاصها ههنا بمناسك الحجّ او البيت الحرام والبلد الحرام والشّهر الحرام بقرينة ذكرها فى ذيل آية الحجّ انّما هو بيان للمنظور وتخصيص له والاّ فمفهومها عامّ وبعمومه ورد، لكنّ المقصود المنظور فى ذلك المقام هو هذه المذكورات {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} اى فالتّعظيم خيرٌ له من ترك التّعظيم لا من هتك الحرمة فانّه شرّ له او الخير منسلخ عن معنى التّفضيل {عِندَ رَبِّهِ} لانّ تعظيم الحرمات قلّما ينفكّ فى الدّنيا عن تلف الاموال او تعب الانفس {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ} اى الازواج الثّمانية {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} اى تحريمه من الميتة وما اهلّ لغير الله به والمنخنقة (الى آخر الآية) ومن البحيرة والسّائبة (الى آخر الآية) {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ} الرّجس بكسر الرّاء وسكون الجيم وبالتّحريك وبفتح الرّاء وكسر الجيم القذر والمأثم وكلّ ما استقذر من العمل، والعمل المؤدّى الى العذاب والشّكّ والعقاب والغضب ويصحّ التّفسير بكلّ، ويكون معنى من فى قوله تعالى {مِنَ ٱلأَوْثَانِ} فى كلّ مناسباً له، وفسّر الرّجس من الاوثان فى الخبر بالشّطرنج {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} تكرار الامر بالاجتناب للاشعار بانّ كلاًّ مأمور باجتنابه على حياله، والزّور بالضّمّ الكذب والشّرك بالله ومجلس الغناء ونفس الغناء وما يعبد من دون الله وقد فسّر الآية بشهادة الزّور وبمطلق القول الكذب وبما كان المشركون يقولونه فى تلبيتهم من قولهم لبّيك لا شريك لك الاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك وبالغناء وسائر الاقوال الملهية، وفى الاخبار تصريح ببعضها والحقّ انّه لا اختصاص للوثن بالصّنم المصنوع بل كلّما ينظر اليه ويتعلّق القلب به فهو وثن للنّفس بل كلّ هوىً واقتضاءٍ من النّفس وكلّ رأىٍ وانانيّةٍ منها صنمها، ولا اختصاص للقول المسبّب او السّبب للزّور والانحراف عن الحقّ بالغناء وشهادة الزّور بل افعال القوى النّباتيّة والحيوانيّة والانسانيّة وآثار الاعضاء البدنيّة وادراك المدارك الظّاهرة والباطنة والاحوال والاخلاق النّفسانيّة والخطرات القلبيّة وتصرّفات الواهمة كلّها اقوال القوى، فاذا كان هذه على سبيل الاستقامة الانسانيّة يعنى كانت متّصلة بطريق الولاية او منتهية اليها كانت اقوال الصّدق، واذا لم تكن على ذلك كانت اقوال الزّور كائنة ما كانت؛ وعلى هذا كان المعنى فاجتنبوا الرّجس الّذى هو انانيّة النّفس الّتى هى صنمها الحقيقىّ وكلّما يتبعها من الاهوية الكاسدة والمعبودات الباطلة والمنظورات الفانية، واجتنبوا كلّ قولٍ او فعلٍ او خاطرٍ او خيالٍ او تخيّلٍ يكون سبب الانحراف عن الحقّ او مسبّباً عن الانحراف، ولمّا كان الاجتناب قيداً وريناً للنّفس وحاصلاً لها من انانيّةٍ ما، ومورثاً لانانيّةٍ اخرى اذا كان بالتفاتٍ من النّفس وهوىً منها والمطلوب التّجرّد من الانانيّة مطلقةً والتّطهّر من الهوى ولو كان هوى التّقرّب الى الله.

الهواري

تفسير : قوله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِندَ رَبِّهِ} قال مجاهد: الحرمات: مكة والحج والعمرة، وما يخفى الله عنه من معاصيه كلها. قوله: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} في سورة المائدة، أي: من (أية : المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَةُ وَالمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) تفسير : [المائدة: 3] وقد فسّرنا ذلك في سورة المائدة. قوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} يقول: اجتنبوا الأوثان فإنها رجس. {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} الكذب على الله، يعني الشرك. قال: {حُنَفَآءَ لِلَّهِ} أي: مخلصين لله، وقال بعضهم: حجّاجاً لله مخلصين. {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}. قوله: {وَمَن يُشْركْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ} أي: سقط من السماء، أي: من البعد من الله {فَتَخْطفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} أي: في مكان بعيد. قال الحسن: شبه الله أعمال المشركين بالشيء يخر من السماء فتخطفه الطير فلا يصل إلى الأرض، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، أي: بعيد، فيذهب فلا يوجد له أصل، ولا يرى له أثر. يعني أنه ليس لأعمال المشركين عند الله قرار لهم به عنده خير في الآخرة. قوله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ} تفسير مجاهد: استعظام البدن واستسمانها واستحسانها. ذكروا أن رجلاً سأل ابن عمر عن أعظم الشعائر فقال: أوفي شك أنت منها، هذا أعظم الشعائر، يعني البيت. وتفسير الحسن {شَعَائِرَ اللهِ} يعني دين الله كله. قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} ذكر عطاء عن ابن عباس قال: الأجل المسمى إلى أن تُقَلَّد وتُشْعَر، وهي البُدْن ينتفع بظهرها ويستعان بها. {ثُمَّ مَحِلُّهَآ} أي: إذا قلدت وأشعرت {إِلَى الْبَيْتِ العَتِيقِ}. وقال مجاهد أيضاً: هي البدن ينتفع بها حتى تقلد. ذكروا حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويحك . تفسير : ذكر عطاء قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل على بدنته العقب . تفسير : ذكروا حديث : أن جابر بن عبد الله سئل عن ركوب البدنة فقال: سمعت رسول الله يقول: اركبها بالمعروف حتى تجد ظهراً . تفسير : ذكروا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: البدنة إن احتاج سائقها فإنه يركبها غير فادح، ويشرب من فضل فصيلها. ذكروا عن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر بدنته من جانب السنام الأيمن، ثم سلت عنها الدم، ثم قلّدها نعلين . تفسير : ذكروا عن ابن عمر أنه أشعر الهدي من جانب السنام الأيسر، إلا القلوصين الصعبين فإنه كان يطعنهما بالحربة، هذا من الأيمن وهذا من الأيسر. قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ}. ذكروا عن عطاء قال: كل هدي دخل الحرم ثم عطب فقد بلغ محِلّه إلا هدي المتعة فإنه لا بد أن يهرق دماً يوم النحر. وروى بعضهم عن عطاء قال: إلا هدي المتعة وهدي المحصر بالحج. ذكروا عن عائشة أنها قالت: إذا عطب الهدي فكلوه، ولا تدعوه للكلاب والسباع؛ فإن كان واجباً فاهدوا مكانه هدياً آخر، وإن لم يكن واجباً فإن شئتم فاهدوا، وإن شئتم فلا تهدوا. ذكروا عن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بالبدن مع رجل، وأمره فيها بأمره. فلما قفّى رجع فقال: ما أصنع بما أزحف منها؟ قال: انحرها واصبغ أخفافها في دمها، ثم اضرب به صفحتها؛ وربما قال اليمنى، وربما لم يقل، ثم لا تأكل منها أنت ولا رفقتك، وخلِّ بينها وبين الناس يأكلونهاتفسير : . وهذا في التطوع. وذكر ذلك غير واحد عن ابن عباس إلا أن بعض رواة ابن عباس قال في البدنة التطوع إذا أصيبت: ينحرها ويجعل أخفافها في دمها ولا يأكل منها. وذكر مجاهد عن ابن عباس قال: إذا أكلت من التطوع فأبدل.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} خبر لمحذوف أي الامر ذلك وهو وامثاله يطلق للفصل بين كلامين كما يقدم الكاتب جملة من كتابه ثم اذا اراد الخوض في معنى آخر قال هذا وقد كان كذا فان كان الانتقال إلى المقصود مع رعاية المناسبة لما سبق سمي تخلصا أي خروجا أو مع عدم المناسبة سمي اقتضابا ومنه ما يقرب من التخلص كقولك بعد الحمد والصلاة والسلام ما بعد وقوله عز وجل (هذا وان للطاغين لشر مآب) * وقوله هذا ذكر. (وإن للمتقين لحسن مآب). ومن ذلك قول زهير: شعر : هذا وليس كمن يعيى بخطبته وسط النداء إذا ما ناطق نطقا تفسير : وقدر بعضهم (فرضكم ذلك) أو (الواجب ذلك) أو (امتثلوا ذلك) {وَمَنْ يُعَظِّم حُرُمَاتِ اللَّهِ} ما لا يحل انتهاكه من واجب أو محرم والتعظيم بعد الواجب وترك المحرم. وقيل: الحرم وما يتعلق بالحج من التكاليف. وقال زيد بن اسلم الحرمات خمس: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمحرم {فَهُوَ} اي التعظيم ولو لم يتقدم لدلالة الفعل عليه أو الضمير لمن على حذف مضاف أي فتعظيمه {خَيْرٌ لَّهُ عِنْدَ رَبِّهِ} اي نفع له في الآخرة أو المراد؛ الخير الذي هو اسم تفضيل أي أفضل ثوابا {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ} احل لكم أكلها بعد الذبح أو النحر {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} من قوله: (حرمت عليكم الميتة) الخ وليس بحرام ما تحرمونه انتم كالبحيرة والسائبة. والمضارع للاستمرار باعتبار تكرارية المائدة في الالسن أو باعتبار انزال ما يدل عليها من غير اخرك وان نزلت آية المائدة بعد هذه الآية فهو الاستقبال والاستثناء منقطع ويجوز كونه متصلا والتحريم لما عرض من الموت ونحوه {فَاجْتَنِبُواْ الرَّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} (من) للبيان أي الرجس الذي هو الاصنام امر باجتنابها كما تجتنب الانجاس وينفر عنها وذلك على التشبيه أي الاوثان التي هي كالرجس أي النجس وبولغ في التنفير عنها وعن تعظيمها بحذف اداة التشبيه فجعلت نفس الرجس وبينت كلمة الرجس بالاوثان وذلك قول ابن عباس وابن جريج والجمهور. ويجوز ان تكون (من) لابتداء الغاية إذ مبدأ الرجس من الاوثان فان عبادتها جامعة لكل فساد. وقال ابن هشام: انكر قوم مجي (من) لبيان الجنس وجعلوها في الآية للابتداء اي فاجتنبوا من الاوثان الرجس وهو عبادتها وهذا تكلف. والظاهر انه لا تكلف فيه {وَاجتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ} وهو الشرك وغيره مما هو زور وكانوا يشركون بالله في تلبيتهم وغيرها يقولون لبيك لا شريك لك الا شريكا تملكه وما ملك وذلك تعميم بعد تخصيص فان عبادة الاوثان رأس الزور لان المشرك يزعم ان الوثن تحق له العبادة كأنه قيل: فاجتنبوا عبادة الاوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله وما قبح شيئا عبادة الاوثان من قبيلة واتبع تعظيم الحرمات باجتناب الاوثان وقول الزور لان توحيد الله ونفي الشركاء وصدق القول اعظم الحرمات. وقيل: قول الزور شهادة الزور وعنه صلى الله عليه وسلم"حديث : عدلت شهادة الزور الاشراك بالله قاله ثلاثا وتلا الآية"تفسير : قال ذلك بعد ما سلم من الصبح وقام واستقبل الناس وهو قول ابن مسعود وهو راوي الحديث المذكور ورواه حزيم بن فاتك وايمن حزيم. واصل الزور بالضم الزور بالفتح وهو الانحراف ويجوز ان يقال قول الزور قولهم في التحليل والتحريم ما لم يقل الله.

اطفيش

تفسير : {ذلك} أى الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك، وهو مقرب للاقتضاب من التخلص {ومَنْ يعظِّم حُرُمات الله} ما يحترم شرعا من فعل، الواجب، وترك المحرم فى الحج وغيره، وقيل: المشعر الحرام، والمسجد الحرام، والبيت الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل من إحرامه {فهو} أى تعظيمه {خير له} منفعة له، وإثابة {عند ربه} يوم القيامة وإضافة الرب إليه تشريف له {وأحلت لَكُم الأنعام} الثمانية ذبحا وأكلا وانتفاعا بأجزائها غير الدم. {إلاَّ ما يُتْلَى عليكم} فى تحريمه من نحو الميتة، وما أهل لغير الله به، والمضارع لاستحضار ما مضى ليشاهد أو للاستمرار لأنه يتلى مرة بعد أخرى، وإن أريد بما قوله حرمت عليكم الميتة كأن الاستثناء منقطعا، لأن فيه ما ليس من الأنعام {فاجْتَنبُوا الرِّجْسَ مِن الأوثان} ترتيب على تحريم ما هو دونها كالميتة المستثناة بإلا، أو تسبب على أحلت، فإن إحلالها نعمة توجب الشكر، ومجانية الأوثان والرجس هو الاوثان، ومن للببيان وأوجب اجتنابها من كل وجه لا عبادتها فقط، فلا تصنع ولا تشترى ولا تباع ولا تمسك، ولا تبقى ولا تعظم بوجه ما {واجْتَنبُوا قول الزُّور} الكلام المائل عن الحق، كسمية الأوثان آلهة، وتحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقولهم فى الطواف: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك، وكل كذب وشهادة الزور، قال ابن مسعود: انصرف صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح فقال قائما: " حديث : عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى ثلاث مرات فتلا الآية ".

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} أي الأمر، وهذا وأمثاله من أسماء الإشارة يطلق للفصل بين الكلامين أو بين وجهي كلام واحد، والمشهور من ذلك هذا كقوله تعالى: { أية : هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـئَابٍ } تفسير : [ص: 55] وكقول زهير وقد تقدم له وصف هرم بالكرم والشجاعة: شعر : هذا وليس كمن يعيا بخطبته وسط النديِّ إذا ما ناطق نطقا تفسير : واختيار {ذٰلِكَ} هنا لدلالته على تعظيم الأمر وبعد منزلته وهو من الاقتضاب القريب من التخلص لملاءمة ما بعده لما قبله، وقيل: هو في موضع نصب بفعل محذوف أي امتثلوا ذلك {وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَـٰتِ ٱللَّهِ} جمع حرمة وهو ما يحترم شرعاً، والمراد بها جميع التكليفات من مناسك الحج وغيرها، وتعظيمها بالعلم بوجوب مراعاتها والعمل بموجبه، وقال جمع: هي ما أمر به من المناسك، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي جميع المناهي في الحج فسوق وجدال وجماع وصيد، وتعظيمها أن لا يحوم حولها، وعن ابن زيد هي خمس المشعر الحرام والمسجد الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل {فَهُوَ} أي فالتعظيم {خَيْرٌ لَّهُ} من غيره على أن {خَيْرٌ} اسم تفضيل. وقال أبو حيان: الظاهر أنه ليس المراد به التفضيل فلا يحتاج لتقدير متعلق، ومعنى كونه خيراً له {عِندَ رَبّهِ} أنه يثاب عليه يوم القيامة، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير {مِنْ} لتشريفه والإشعار بعلة الحكم. {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمُ} أي ذبحها وأكلها لأن ذاتها لا توصف بحل وحرمة، والمراد بها الأزواج الثمانية على الإطلاق، وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه استثناء متصل كما اختاره الأكثرون منها على أن {مَا} عبارة عما حرم منها لعارض كالميتة وما أهل به لغير الله تعالى. وجوز أن يكون / الاستثناء منقطعاً بناء على أن {مَا} عبارة عما حرم في قوله سبحانه: { أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ } تفسير : [المائدة: 3] الآية، وفيه ما ليس من جنس الأنعام، والفعل على الوجهين لم يرد منه الاستقبال لسبق تلاوة آية التحريم، وكأن التعبير بالمضارع استحضاراً للصورة الماضية لمزيد الاعتناء، وقيل: التعبير بالمضارع للدلالة على الاستمرار التجددي المناسب للمقام، والجملة معترضة مقررة لما قبلها من الأمر بالأكل والإطعام ودافعة لما عسى يتوهم أن الإحرام يحرم ذلك كما يحرم الصيد. {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ} أي القذر {مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ} أي الذي هو الأوثان على أن (من) بيانية. وفي تعريف {ٱلرّجْسَ} بلام الجنس مع الإبهام والتعيين وإيقاع الاجتناب على الذات دون العبادة ما لا يخفى من البالغة في التنفير عن عبادتها، وقيل: (من) لابتداء الغاية فكأنه تعالى أمرهم باجتناب الرجس عاماً ثم عين سبحانه لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس، وفي «البحر» يمكن أن تكون للتبعيض بأن يعني بالرجس عبادة الأوثان وقد روي ذلك عن ابن عباس وابن جريج فكأنه قيل فاجتنبوا من الأوثان الرجس وهو العبادة لأن المحرم منها إنما هو العبادة ألا ترى أنه قد يتصور استعمال الوثن في بناء وغير ذلك مما لم يحرمه الشرع فكأن للوثن جهات، منها عبادته وهو المأمور باجتنابه وعبادته بعض جهاته فقول ابن عطية: إن من جعل (من) للتبعيض قلب المعنى وأفسده ليس في محله انتهى. ولا يخفى ما في كلا الوجهين الابتداء والتبعيض من التكلف المستغنى عنه، وهٰهنا احتمال آخر ستعلمه مع ما فيه إن شاء الله تعالى قريباً. والفاء لترتيب ما بعدها على ما يفيده قوله تعالى: {وَمَن يُعَظّمْ} الخ من وجوب مراعاة الحرمات والاجتناب عن هتكها. وذكر أن بالاستثناء حسن التخلص إلى ذلك وهو السر في عدم حمل الأنعام على ما ذكر من الضحايا والهدايا المعهودة خاصة ليستغنى عنه إذ ليس فيها ما حرم لعارض فكأنه قيل: ومن يعظم حرمات الله فهو خير له والأنعام ليست من الحرمات فإنها محللة لكم إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه فإنه مما يجب الاجتناب عنه فاجتنبوا ما هو معظم الأمور التي يجب الاجتناب عنها وهو عبادة الأوثان، وقيل: الظاهر أن ما بعد الفاء متسبب عن قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ ٱلأَنْعَـٰمِ} فإن ذلك نعمة عظيمة تستدعي الشكر لله تعالى لا الكفر والإشراك بل لا يبعد أن يكون المعنى فاجتنبوا الرجس من أجل الأوثان على أن {مِنْ} سببية وهو تخصيص لما أهل به لغير الله تعالى بالذكر فيتسبب عن قوله تعالى: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ} ويؤيده قوله تعالى فيما بعد { أية : غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } تفسير : [الحج: 31] فإنه إذا حمل على ما حملوه كان تكراراً انتهى. وأورد على ما ادعى ظهوره أن إحلال الأنعام وإن كان من النعم العظام إلا أنه من الأمور الشرعية دون الأدلة الخارجية التي يعرف بها التوحيد وبطلان الشرك فلا يحسن اعتبار تسبب اجتناب الأوثان عنه. وأما ما ادعى عدم بعده فبعيد جداً وإنكار ذلك مكابرة فتأمل. وقوله تعالى: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} تعميم بعد تخصيص فإن عبادة الأوثان رأس الزور لما فيها من ادعاء الاستحقاق كأنه تعالى لما حث على تعظيم الحرمات أتبع ذلك بما فيه رد لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب ونحوهما والافتراء على الله تعالى بأنه حكم بذلك، ولم يعطف {قَوْلَ ٱلزُّورِ} على {ٱلرّجْسَ} بل أعاد العامل لمزيد الاعتناء، والمراد من الزور مطلق الكذب وهو من الزور بمعنى الانحراف فإن الكذب منحرف عن الواقع والإضافة بيانية، وقيل: هو أمر باجتناب شهادة الزور لما أخرج أحمد وأبو داود / وابن ماجه والطبراني وغيرهم عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح فلما انصرف قائماً قال: عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى ثلاث مرات ثم تلا هذه الآية. وتعقب بأنه لا نص فيما ذكر من الخبر مع ما في سنده في بعض الطرق من المقال على التخصيص لجواز بقاء الآية على العموم وتلاوتها لشمولها لذلك، وأخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل أنه قال يعني بقول الزور الشرك بالكلام وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت فيقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك وهو قول بالتخصيص. ولا يخفى أن التعميم أولى منه وإن لاءم المقام كتخصيص بعضهم ذلك بقول المشركين هذا حلال وهذا حرام.

ابن عاشور

تفسير : اسم الإشارة مستعمل هنا للفصل بين كلامين أو بين وجهين من كلام واحد، والقصد منه التنبيه على الاهتمام بما سيذكر بعده. فالإشارة مرادٌ بها التنبيه، وذلك حيث يكون ما بعده غيرَ صالح لوقوعه خبراً عن اسم الإشارة فيتعين تقدير خبر عنه في معنى: ذلك بيانٌ، أو ذكرٌ، وهو من أساليب الاقتضاب في الانتقال. والمشهور في هذا الاستعمال لفظ (هذا) كما في قوله تعالى: {أية : هذا وإن للطاغين لشر مئاب}تفسير : [ص: 55] وقولِ زهير:شعر : هَذا وليس كمن يَعْيَا بخطبته وسْط النّدي إذا ما قائل نَطقا تفسير : وأوثر في الآية اسم إشارة البعيد للدلالة على بعد المنزلة كناية عن تعظيم مضمون ما قبله. فاسم الإشارة مبتدأ حذف خبره لظهور تقديره، أي ذلك بيان ونحوه. وهو كما يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض الأغراض فإذا أراد الخوض في غرض آخر، قال: هذا وقد كان كذا وكذا. وجملة {ومن يعظم} الخ... معترضة عطفاً على جملة {أية : وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت}تفسير : [الحج: 26] عطف الغرض على الغرض. وهو انتقال إلى بيان ما يجب الحفاظ عليه من الحنيفية والتنبيه إلى أن الإسلام بُنِي على أساسها. وضمير {فهو}عائد إلى التعظيم المأخوذ من فعل {ومن يعظم حرمات الله}. والكلام موجّه إلى المسلمين تنبيهاً لهم على أنّ تلك الحرمات لم يعطل الإسلام حرمتَها، فيكون الانتقال من غرض إلى غرض ومن مخاطب إلى مخاطب آخر. فإن المسلمين كانوا يعتمرون ويحجون قبل إيجاب الحجّ عليهم، أي قبل فتح مكة. والحُرمات: جمع حُرُمة ــــ بضمتين ــــ: وهي ما يجب احترامه. والاحترام:اعتبار الشيء ذَا حَرَم، كناية عن عدم الدخول فيه. أي عدم انتهاكه بمخالفة أمر الله في شأنه، والحُرمات يشمل كل ما أوصَى الله بتعظيم أمره فتشمل مناسك الحج كلها. وعن زيد بن أسلم: الحرمات خمس: المسجد الحرام، والبيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمُحرم ما دام محرماً، فقصَرَه على الذوات دون الأعمال. والذي يظهر أن الحرمات يشمل الهدايا والقلائد والمشعر الحرام وغير ذلك من أعمال الحجّ، كالغسل في مواقعه، والحلق ومواقيته ومناسكه. {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَـٰمُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} لما ذكر آنفاً بهيمة الأنعام وتعظيم حرمات الله أعقب ذلك بإبطال ما حرمه المشركون على أنفسهم من الأنعام مثل: البَحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحَامي وبعضِ ما في بطونها. وقد ذكر في سورة الأنعام. واستثني منه ما يتلى تحريمه في القرآن وهو ما جاء ذكره في [سورة الأنعام: 145] في قوله: {أية : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} تفسير : الآيات وما ذكر في سورة النحل وكلتاهما مكيتان سابقتان. وجيء بالمضارع في قوله: إلا ما يتلى عليكم} ليشمل ما نزل من القرآن في ذلك مما سبق نزولَ سورة الحجّ بأنه تلي فيما مضى ولم يزل يتلى، ويشمل ما عسى أن يَنزل من بعد مثل قوله: {أية : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} تفسير : الآية في [سورة العقود: 103]. والأمر باجتناب الأوثان مستعمل في طلب الدوام كما في قوله:{أية : يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله}تفسير : [النساء: 136]. وفرع على ذلك جملة معترضة للتصريح بالأمر باجتناب ما ليس من حرمات الله، وهو الأوثان. واجتناب الكذب على الله بقولهم لبعض المحرمات {هذا حلال} مثل الدم وما أهلّ لغير الله به، وقولهم لبعض: هذا حرام مثل البَحيرة، والسائبة. قال تعالى: {أية : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب}تفسير : [النحل: 116]. والرّجس: حقيقته الخبث والقذارة، وتقدم في قوله تعالى: {أية : فإنه رجس} تفسير : في [سورة الأنعام: 145]. ووصف الأوثان بالرجس أنها رجس معنوي لِكون اعتقاد إلهيتها في النفوس بمنزلة تعلّق الخبث بالأجساد فإطلاق الرجس عليها تشبيه بليغ. و (مِن) في قوله من الأوثان بيان لمجمل الرجس، فهي تدخل على بعض أسماء التمييز بياناً للمراد من الرجس هنا لا أن معنى ذلك أن الرجس هو عين الأوثان بل الرجس أعمّ أريد به هنا بعض أنواعه فهذا تحقيق معنى (من) البيانية. و{حنفاء لله} حال من ضمير {اجتنبوا}أي تكونوا إن اجتنبتم ذلك حنفاء لله، جمع حنيف وهو المخلص لله في العبادة، أي تكونوا على ملّة إبراهيم حقاً، ولذلك زاد معنى {حنفاء}بياناً بقوله {غير مشركين به}. وهذا كقوله: {أية : إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين}تفسير : [النحل: 120]. والباء في قوله {مشركين به} للمصاحبة والمعية، أي غير مشركين معه غيره. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} أعقب نهيهم عن الأوثان بتمثيل فظاعة حال من يشرك بالله في مصيره بالشرك إلى حال انحطاط وتلقف الضلالات إياه ويأسه من النجاة ما دام مشركاً تمثيلاً بديعاً إذ كان من قبيل التمثيل القابل لتفريق أجزائه إلى تشبيهات. قال في «الكشاف»: «يجوز أن يكون هذا التشبيه من المركب والمفرّق بأن صُور حال المشرك بصورة حال مَن خرّ من السماء فاختطفَتْه الطيرُ فتفرّق مِزعاً في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة، وإن كان مفرقاً فقد شبّه الإيمان في علوّه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة» أ.هــــ. يعني أنّ المشرك لما عدل عن الإيمان الفطري وكان في مكنته فكأنه كان في السماء فسقط منها، فتوزعته أنواع المهالك، ولا يخفى عليك أنّ في مطاوي هذا التمثيل تشبيهات كثيرة لا يعوزك استخراجها. والسحيق: البعيد فلا نجاة لمن حل فيه. وقوله: {أو تهوي به الريح} تخيير في نتيجة التشبيه، كقوله: {أية : أو كصيب من السماء}تفسير : [البقرة: 19]. أشارت الآية إلى أن الكافرين قسمان: قسم شِركه ذبذبة وشكّ، فهذا مشبّه بمن اختطفته الطير فلا يستولي طائر على مزعة منه إلاّ انتهبها منه آخر، فكذلك المذبذب متى لاح له خيال اتبعه وترك ما كان عليه. وقسم مصمّم على الكفر مستقر فيه، فهو مشبّه بمن ألقته الريح في واد سحيق، وهو إيماء إلى أن من المشركين من شركه لا يرجى منه خلاص كالذي تخطفته الطير، ومنهم من شركه قد يخلص منه بالتوبة إلا أن توبته أمر بعيد عسير الحصول. والخُرور: السقوط. وتقدم في قوله: {أية : فخر عليهم السقف من فوقهم}تفسير : في [سورة النحل: 26]. و{تخطّفُه} مضاعف خطف للمبالغة، الخطف والخطف: أخذ شيء بسرعة سواء كان في الأرض أم كان في الجو ومنه تخطف الكرة. والهُوِيّ: نزول شيء من علو إلى الأرض. والباء في {تهوي به} للتعدية مثلها في: ذهب به. وقرأ نافع، وأبو جعفر {فتَخَطّفه} ــــ بفتح الخاء وتشديد الطاء مفتوحة ــــ مضارع خطّف المضاعف. وقرأه الجمهور ــــ بسكون الخاء وفتح الطاء مخففة ــــ مضارع خطف المجرّد.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}. لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية الأنعام، ولكنه بينه بقوله في سورة الأنعام: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ}تفسير : [الأنعام: 145] وهذا الذي ذكرنا هو الصواب، أما ما قاله جماعات من أهل التفسير من أن الآية التي بينت الإجمال في قوله تعالى هنا: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أنها قوله تعالى في المائدة: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ}تفسير : [المائدة: 3] الآية فهو غلط، لأن المائدة من آخر ما نزل من القرآن وآية الحج هذه نازلة قبل نزول المائدة بكثير، فلا يصح أن يحال البيان عليها في قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} بل المبين لذلك الإجمال آية الأنعام التي ذكرنا لأنها نازلة بمكة، فيصح أن تكون مبينة لآية الحج المذكورة كما نبه عليه غير واحد. أما قوله تعالى في المائدة: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}تفسير : [المائدة: 1] فيصح بيانه بقوله في المائدة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ} الآية. كما أوضحنا في أول المائدة والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ}. "من" في هذه الآية بيانية. والمعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان: أي عبادتها والرجس القذر الذي تعافه النفوس، وفي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب عبادة الأوثان، ويدخل في حكمها، ومعناها عبادة كل معبود من دون الله كائناً من كان. وهذا الأمر باجتناب عبادة غير الله المذكور هنا، جاء مبيناً في آيات كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ}تفسير : [النحل: 36] وبيَّن تعالى أن ذلك شرط في صحة إيمانه بالله في قوله: {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ}تفسير : [البقرة: 256] وأثنى الله على مجتنبي عبادة الطاغوت المنيبين لله، وبين أن لهم البشرى، وهي ما يسرهم عند ربهم في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ}تفسير : [الزمر: 17] الآية. وقد سأل إبراهيم ربه أن يرزقه اجتناب عبادة الطاغوت، في قوله تعالى: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}تفسير : [إبراهيم: 35] والأصنام، تدخل في الطاغوت دخولاً أولياً. قوله تعالى: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}. أمر في هذه الآية الكريمة باجتناب قول الزور، وهو الكذب والباطل كقولهم: إن الله حرم البحيرة والسائبة، ونحو ذلك، وكادعائهم له الأولاد والشركاء، وكل قول مائل عن الحق فهو زور، لأن أصل المادة التي هي الزور من الازورار بمعنى الميل، والاعوجاج، كما أوضحناه في الكلام على قوله: {أية : تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ}تفسير : [الكهف: 17] الآية. واعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها، أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، وتقدمت لذلك أمثلة. وسيأتي بعض أمثلته في الآيات القريبة من سورة الحج هذه. وإذا علمت ذلك فاعلم أنه هنا قال: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} بصيغة عامة، ثم بين في بعض المواضع بعض أفراد قول الزور المنهي عنه كقوله تعالى في الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً}تفسير : [الفرقان: 4] فصرح بأن قولهم هذا من الظلم والزور. وقال في الذين يظاهرون من نسائهم، ويقول الواحد منهم لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي {أية : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُوراً}تفسير : [المجادلة: 2] فصرح بأن قولهم ذلك، منكر وزور، وقد ثبت في الصحيح من حديث : حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت"" تفسير : اهـ وقد جمع تعالى هنا بين قول الزور والإشراك به تعالى في قوله: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} وكما أنه جمع بينهما هنا، فقد جمع بينهما أيضاً في غير هذا الموضع كقوله: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 33] لأن قوله: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} هو قول الزور. وقد أتى مقروناً بقوله: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} وذلك يدل على عظمة قول الزور، لأن الإشراك بالله قد يدخل في قول الزور، كادعائهم الشركاء، والأولاد لله. وكتكذيبه صلى الله عليه وسلم فكل ذلك الزور فيه أعظم الكفر والإشراك بالله. نعوذ بالله من كل سوء. ومعنى حنفاء: قد قدمناه مراراً مع بعض الشواهد العربية، فأغنى عن إعادته هنا. قوله تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من أشرك بالله غيره أي ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه ولا نجاة معه بحال، لأنه شبهه بالذي خر: أي سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير تتخطفها وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق: أي محل بعيد لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة، لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلى متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من هلاك من أشرك بالله وأنه لا يرجى له خلاص، جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله: {أية : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ}تفسير : [المائدة: 72] الآية. وكقوله: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 50] وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}تفسير : [النساء: 48] الآية في الموضعين من سورة النساء، والخطف الأخذ بسرعة والسحيق البعيد. ومنه قوله تعالى: {أية : فَسُحْقاً لأَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الملك: 11] أي بعداً لهم. وقد دلت آيات أخر على أن محل هذا الهلاك الذي لا خلاص منه بحال الواقع بمن يشرك بالله، إنما هو في حق من مات على ذلك الإشراك، ولم يتب منه قبل حضور الموت. أما من تاب من شركه قبل حضور الموت، فإن الله يغفر له، لأن الإسلام يجبّ ما قبله. والآيات الدالة على ذلك متعددة كقوله: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [الأنفال: 38] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الفرقان: 68] إلى قوله: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70] الآية وقوله في الذين: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [المائدة: 73-74] وقوله: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً}تفسير : [طه: 82] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وأما إن كانت توبته من شركه عند حضور الموت، فإنها لا تنفعه. وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ}تفسير : [النساء: 18] فقد دلت الآية على التسوية بين الموت على الكفر والتوبة منه، عند حضور الموت وكقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر: 84-85] وكقوله في فرعون: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [يونس: 90-91] وقرأ هذا الحرف نافع فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء أصله فتتخطفه الطير بتاءين فحذفت إحداهما وقرأه غيره من السبعة فتخطفه الطير بإسكان الخاء وتخفيف الطاء مضارع خطفه بالكسر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ذلك: أي الأمر هذا مثل قول المتكلم هذا أي ما ذكرت.. وكذا وكذا.. حرمات الله: جمع حرمة ما حرَّم الله إنتهاكه من قول أو فعل. فهو خير له عند ربه: أي خير في الآخرة لمن يعظم حرمات الله فلا ينتهكها. إلا ما يتلى عليكم: أي تحريمه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلِ لغير الله به. فاجتنبوا الرجس: أي اجتنبوا عبادة الأوثان. واجتنبوا قول الزور: وهو الكذب وأعظم الكذب ما كان على الله تعالى والشرك وشهادة الزور. حنفاء لله: موحدين له مائلين عن كل دين إلى الإِسلام. خرَّ من السماء: أي سقط. فتخطفه الطير: أي تأخذه بسرعة. شعائر الله: أعلام دينه وهي هنا البُدْن بأن تختار الحسنة السمينة منها. فإنها من تقوى القلوب: أي تعظيمها ناشىء من تقوى قلوبهم. لكم فيها منافع: منها ركوبها والحمل عليها بما لا يضرها وشرب لبنها. إلى أجل مسمى: أي وقت معين وهو نحرها بالحرم أيام التشريق. ثم محلها إلى البيت العتيق: أي عند البيت العتيق وهو مكة والحرم. معنى الآيات: ما زال السياق في مناسك الحج قوله تعالى {ذٰلِكَ} أي الأمر ذاك الذي علمتم من قضاء التفث أي إزالة شعر الرأس وقص الشارب وقلم الأظافر ولباس الثياب ونحر وذبح الهدايا والضحايا، {وَمَن يُعَظِّمْ} منكم {حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} فلا ينتهكها {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} أي ذلك التعظيم لها باحترامها وعدم انتهاكها خير له عند ربّه يوم يلقاه وقوله تعالى: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ} أي الإِبل والبقر والغنم أحل الله تعالى لكم أكلها والانتفاع بها وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} تحريمه كما جاء في سورة البقرة والمائدة والأنعام، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} تفسير : [المائدة: 3] وقوله: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} أي اجتنبوا عبادة الأوثان فإنها رجس فلا تقربوها بالعبادة ولا بغيرها غضبا لله وعدم رضاً بها وبعبادتها، وقوله: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} وهو الكذب مطلقاً وشهادة الزور وأعظم الكذب ما كان على الله بوصفه بما هو منزه عنه أو بنسبه شيء إليه كالولد والشريك وهو عنه منزه، أو وصفه بالعجز أو بأي نقص وقوله، {حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ} أي موحدين لله تعالى في ذاته وصفاته وعباداته مائلين عن كل الأديان إلى دينه الإِسلام، غير مشركين به أي شيء من الشرك أو الشركاء وقوله تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} إلهاً آخر فعبده أو صرف له بعض العبادات التي هي لله تعالى فحاله في خسرانه وهلاكه هلاك من خرَّ من السماء أي سقط منها بعدما رفع إليها فتخطفه الطير أي تأخذه بسرعة وتمزقه أشلاء كما تفعل البازات والعقبان بصغار الطيور، أو تهوي به الريح في مكان سحيق بعيد فلا يعثر عليه أبداً فهو بين أمرين إما اختطاف الطير له أو هوى الريح به فهو خاسر هالك هذا شأن من يشرك بالله تعالى فيعبد معه غيره بعد أن كان في سماء الطهر والصفاء الروحي بسلامة فطرته وطيب نفسه فانتكس في حمأة الشرك والعياذ بالله وقوله تعالى: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} أي الأمر ذلك من تعظيم حرمات الله واجتناب قول الزور والشرك وبيان خسران المشرك ومن يعظم شعائر الله وهي أعلام دينه من سائر المناسك وبخاصة البدن التي تهدى للحرم وتعظيمها باستحسانها واستسمانها ناشىء عن تقوى القلوب فمن عظمها طاعة لله تعالى وتقرباً إليه دل ذلك على تقوى قلبه لربه تعالى والرسول يشير إلى صدره ويقول التقوى ها هنا التقوى ها هنا ثلاث مرات وقوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي أذن الله تعالى للمؤمنين أن ينتفعوا بالهدايا وهم سائقوها إلى الحرم بأن يركبوها ويحملوا عليها ما لا يضرها ويشربوا من ألبانها وقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أي محلها عند البيت العتيق وهو الحرم حيث تنحر إن كان مما ينحر أو تذبح إن كان مما يذبح. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب تعظيم حرمات الله لما فيها من الخير العظيم. 2- تقرير حلِّيَّة بهيمة الأنعام بشرط ذكر اسم الله عند ذبحها أو نحرها. 3- حرمة قول الزور وشهادة الزور وفي الأثر عدلت شهادة الزور الشرك بالله. 4- وجوب ترك عبادة الأوثان ووجوب البعد عنها وترك كل ما يمت إليها بصلة. 5- بيان عقوبة الشرك وخسران المشرك. 6- تعظيم شعائر الله وخاصة البدن من تقوى قلوب أصحابها. 7- جواز الانتفاع بالبدن الهدايا بركوبها وشرب لبنها والحمل عليها إلى غاية نحرها بالحرم.

القطان

تفسير : حرمات الله: التكاليف الدينية وكل ما نهى الله عنه. فاجتنبوا الرجسَ من الأوثان: ابتعِدوا عن عبادتها. الزور: الكذب. حنفاء: واحدهم حنيف، وهو من استقام على دين الحق، ومال عن كل زيغ وضلال. كأنما خرّ من السماء: كأنما سقط من السماء. فتخطَفه الطير: يعني بعد ان يسقط ويموت تأكله الطير. مكان سحيق: مكان بعيد. شعائر الله: جمع شعيرة وهي كل اعمال الحج والهدايا التي يسوقها الحاج. منسكا: مكانا للعبادة. مُخبتين: خاشعين. وَجِلتْ قلوبهم: خافت. {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ}. ذلك الذي أمرْنا به من قضاء المناسك هو الواجبُ عليكم في حَجِّكم، ومن يلتزم أوامر الله ونواهيه في حجه تعظيماً لحدود الله يكن ذلك خيراً له عند ربه في دنياه وآخرته. لقد أحلّ الله لكم لُحوم الإبل والبقرة والغنم، إلا في حالاتٍ مما بينه القرآن، كالميتة وغيرها، فاجتنبواعبادةَ الأوثان وطاعةَ الشيطان.. إن ذلك رجس. وابتعِدوا عن قول الزور على الله وعلى الناس. {حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}. تمسّكوا بهذه الأمور مخلصين العبادةَ لله وحده، دون إشراك أحدٍ به.... إن من يشركْ بالله يعرّض نفسه للهلاك المريع، وكأنه سقط من السماء فتمزَّقَ قِطعاً تتخطّفه الطور فلا تبقي له أثرا، أو كأن الريح العاتية عصفتْ به فشتّتَت أجزاءه، وهوت بكل جزء منها في مكانٍ بعيد. {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ}. امتثِلوا ذلك واحفظوه، لأن من يعظّم دينَ الله وفرائضَ الحج وأعماله، ويسوق البُدْنَ والهدايا الى الحَرَم ويختارها عظيمةَ الأجسام صحيحة سمينة - فقد اتقى الله، لأن تعظيمها أثرٌ من آثار تقوى القلوب. {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} لكم في هذه الهدايا منافع دنيوية، فتركبونها حين الحاجة وتحمل أثقالكم، وتشربون من ألبانها، ثم لكم منافعُها الدينية كذلك حين تذبحونها عند البيتِ الحرام تقرباً الى الله. {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ}. ليست هذه المناسك خاصةً بكم، فقد جعلنا لأهل كل دينٍ من الأديان من قبلكم قرابينَ يتقربون بها الى الله، ويذكرون اسم الله عليها ويعظّمونه عند ذبْحِها شكراً له على ما أنعم عليهم، ويسَّره لهم منها. إن معبودَكم إله واحدٌ فاسلِموا له وحده، ولا تشركوا معه أحداً. ويا أيها الرسول بشّر بالجنة والثوابِ الجزيل المخلصين، الخاضعين لله من عباده. وقد بيّن الله علاماتِ أولئك المختبين فقال: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. وهؤلاء المخبتين لهم صفات: أولاها: أنهم إذا ذُكر الله عرتهم رهبةٌ من خشيته، وخوفٌ من عقابه. ثانيتها: الذين يصبرون عند الشدائد على ما يصيبُهم من المكارِه والمتاعب. ثالثتها: ويقيمون الصلاةَ على أحسنِ وجهٍ في أوقاتها بخضوع ونشاط. رابعتها: وينفقون بعض ما آتاهم الله من طيب الرزق في وجوه البِرِّ وفي سبيل الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {حُرُمَاتِ} {ٱلأَنْعَامُ} {ٱلأَوْثَانِ} (30) - وهَذَا الذي أَمَرَ اللهُ بِهِ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ، والوَفَاءِ بِالنُّذُورِ، والطَّوَافِ بالبَيْتِ العَتِيقِ.. هُوَ الفَرْضُ الوَاجِبُ عَلَيْكُم، يَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي حَجِّكُم، وَمَنْ يَجْتَنِبْ مَا أَمَرَ اللهُ بِاجْتِنَابِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ تَعْظِيماً مِنْهُ لِحُدُودِ اللهِ، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ فِي الآخِرَةِ. وَأَحَلَّ اللهُ لَكُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ تَأكُلُوا لُحُومَ الأَنْعَامِ إِذَا ذَكَّيْتُمُوهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكُم إِلاَ مَا تَلاَهُ عَلَيْكُمُ فِي القُرْآنِ {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ..} تفسير : فابْتَعِدُوا عَن عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ رِجْسٌ، وَاتَّقُوا قَوْلَ الكَذِبِ والفِرْيةِ عَلَى اللهِ بِأَنَّ تَنْسُبُوا لَهُ وَلَداً.. أَوْ تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكاً فَإِنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وَزُورٌ، وَاجْتَنِبُوا شَهَادَةَ الزُّورِ التي يَشْهَدُ فِيهَا المَرْءُ بِغَيْرِ الحَقِّ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ كَاذِبٌ. الرِّجْسُ - القَذَرُ والنَّجَسُ وهو الأَوْثَانُ. قَوْلَ الزُّورِ - قَوْلَ البَاطِلِ والكَذِبِ القَبِيحِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ذٰلِكَ ..} إشارة إلى الكلام السابق بأنه أمْر واضح، لكن استمع إلى أمر جديد سيأتي، فهنا استئناف كلام على كلام سابق، فبعد الكلام عن البيت وما يتعلَّق به من مناسك الحج يستأنف السياق: {أية : وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ..} تفسير : [الحج: 30] فالحق - سبحانه - يريد لعبده أنْ يلتزمَ أوامره بفعل الأمر واجتناب النهي، فكُلُّ أمر لله يَحرُم عليك أن تتركه، وكلّ نَهْي يحرم عليك أنْ تأتيه، فهذه هي حرمات الله التي ينبغي عليك تعظيمها بطاعة الأمر واجتناب النهي. وحين تُعظِّم هذه الحرمات لا تُعظمها لذاتها، فليس هناك شيء له حُرْمة في ذاته، إنما تُعظِّمها لأنها حرمات الله وأوامره؛ لذلك قد يجعل الالتزام بها مُتغيّراً، وقد يطرأ عليك ما يبدو متناقضاً في الظاهر. فالوضوء مثلاً، البعض يرى فيه نظافة للبدن، فإذا انقطع الماء وعُدِم وجوده حَلَّ محلّه التيمُم بالتراب الطاهر الذي نُغبِّر به أعضاء التيمم، إذن: ليس في الأمر نظافة، إنما هو الالتزام والانقياد واستحضار أنك مُقْبل على أمر غير عادي يجب عليك أنْ تتطَّهر له بالوضوء، فإنْ أمرتُكَ بالتيمم فعليك الالتزام دون البحث في أسباب الأمر وعِلّته. وهكذا يكون الأدب مع الأوامر وتعظيمها؛ لأنها من الله، ولِمَ لا ونحن نرى مثل هذا الالتزام أو رياضة التأديب في الالتزام في تعاملاتنا الطبيعية الحياتية، فمثلاً الجندي حين يُجنَّد يتعلم أول ما يتعلم الانضباط قبل أنْ يُمسِك سلاحاً أوْ يتدرب عليه، يتعلم أن كلمة "ثابت" معناها عدم الحركة مهما كانت الظروف فلو لَدغه عقرب لا يتحرك. ويدخل المدرب على الجنود في صالة الطعام فيقول: ثابت فينفذ الجميع .. الملعقة التي في الطبق تظل في الطبق، والملعقة التي في فم الجندي تظل في فمه، فلا ترى في الصالة الواسعة حركة واحدة. وهذا الانضباط الحركي السلوكي مقدمة للانضباط في الأمور العسكرية الهامة والخطيرة بعد ذلك. إذن: فربُّك - عز وجل - أَوْلَى بهذا الانضباط؛ لأن العبادة ما هي إلا انضباط عابد لأوامر معبود وطاعة مطلقة لا تقبل المناقشة؛ لأنك لا تؤديها لذاتها وإنما انقياداً لأمر الله، ففي الطواف تُقبِّل الحجر الأسود، وفي رمي الجمار ترمي حجراً، وهذا حجر وذاك حجر، هذا ندوسه وهذا نُقبِّله فَحَجر يُقَبَّل وحَجر يُقَنْبل؛ لأن المسألة مسألة طاعة والتزام، هذا كله من تعظيم حرمات الله. لذلك الإمام علي - رضي الله عنه - يلفتنا إلى هذه المسألة فيقول في التيمم: لو أن الأمر كما نرى لكان مسح باطن القدم أَوْلَى من ظاهرها؛ لأن الأوساخ تعلق بباطن القدم أولاً. وقد ذكرنا في الآيات السابقة أن الحرمات خمس: البيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والمشعر الحرام، والشهر الحرام، وحرمات الله هي الأشياء المحرمة التي يجب ألاَّ تفعلها. ثم يُبيِّن الحق سبحانه جزاء هذا الالتزام: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ..} [الحج: 30] الخيرية هنا ليست في ظاهر الأمر وعند الناس أو في ذاته، إنما الخيرية للعبد عند الله. ثم يقول سبحانه: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ..} [الحج: 30] قد تقول: كيف وهي حلال من البداية وفي الأصل، قالوا: لأنه لما حرَّم الصيد قد يظن البعض أنه حرام دائماً فلا ينتفعون بها، فبيَّن سبحانه أنها حلال إلا ما ذُكر تحريمه، ونصَّ القرآن عليه في قوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ..} تفسير : [المائدة: 3]. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ..} تفسير : [الأنعام: 121]. ومعنى: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ ..} [الحج: 30] الرجْس: النجاسة الغليظة المتغلغلة في ذات الشيء. يعني: ليست سطحية فيه يمكن إزالتها، وإنما هي في نفس الشيء لا يمكن أنْ تفصلها عنه. {وَٱجْتَنِبُواْ ..} [الحج: 30] لا تدل على الامتناع فقط، إنما على مجرد الاقتراب من دواعي هذه المعصية؛ لأنك حين تقترب من دواعي المعصية وأسبابها لا بُدَّ أن تداعبك وتشغل خاطرك، ومَنْ حام حول الشيء يوشك أنْ يقع فيه، لذلك لم يقُل الحق - سبحانه وتعالى - امتنعوا إنما قال: اجتنبوا، ونعجب من بعض الذين أسرفوا على أنفسهم ويقولون: إن الأمر في اجتنبوا لا يعني تحريم الخمر، فلم يَقُلْ: حُرِّمَتْ عليكم الخمر. نقول: اجتنبوا أبلغ في النهي والتحريم وأوسع من حُرِّمَتْ عليكم، لو قال الحق - تبارك وتعالى - حُرّمت عليكم الخمر، فهذا يعني أنك لا تشربها، ولكن لك أن تشهد مجلسها وتعصرها وتحملها وتبيعها، أما اجتنبوا فتعني: احذروا مجرد الاقتراب منها على أيِّ وجه من هذه الوجوه. لذلك، تجد الأداء القرآني للمطلوبات المنهجية في الأوامر والنواهي من الله يُفرِّق بين حدود ما أحلَّ الله وحدود ما حرَّم، ففي الأوامر يقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 229]. وفي النواهي يقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 187]. ففي الأوامر وما أحلَّ الله لك قِفْ عند ما أحلَّ، ولا تتعداه إلى غيره، أمَّا المحرمات فلا تقترب منها مجردَ اقتراب، فلما أراد الله نَهْي آدم وحواء عن الأكل من الشجرة قال لهما: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ..} تفسير : [البقرة: 35]. وبعد أن أمر الحق سبحانه باجتناب الرجْس في عبادة الأصنام قال: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} [الحج: 30] فقرن عبادة الأوثان بقول الزُّور، كأنهما في الإثم سواء؛ لذلك النبي صلى الله عليه وسلم سلَّم يوماً من صلاة الصبح، ثم وقف وقال: "حديث : ألا وإن شهادة زور جعلها الله بعد الأوثان ". تفسير : لماذا؟ لأن في شهادة الزور جماع لكل حيثيات الظلم، فساعةَ يقول: ليس للكون إله، فهذه شهادة زور، وقائلها شاهد زور، ساعة يقول: الإله له شريك فهذه شهادة زور، وقائلها شاهد زور، كذلك حين يظلم أو يُغير في الحقيقة، أو يذمُّ الآخرين، كلها داخلة تحت شهادة الزور. ولما عدَّد النبي صلى الله عليه وسلم الكبائر، قال: "حديث : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين - وكان متكئاً فجلس - فقال: ألا وقول الزور ألا وقول الزور، قال الراوي: فما زال يكررها حتى قلنا (ليته سكت) أو حتى ظننا أنه لا يسكت ". تفسير : ويقولون في شاهد الزور: يا شاهد الزور أنت شر منظور، ضلَّلتَ القُضاة، وحلفت كاذباً بالله. ومن العجيب في شاهد الزور أنه أول ما يسقط من نظر الناس يسقط من نظر مَنْ شهد لصالحه، فرغم أنه شَهِد لصالحك، ورفع رأسك على خَصْمك لكن داستْ قدمك على كرامته وحقَّرته، ولو تعرَّض للشهادة في قضية أخرى فأنت أول مَنْ تفضحه بأنه شهد زوراً لصالحك. ثم يقول الحق سبحانه: {حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا أدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} [الآية: 30]. قال الحرمة مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ناء ورقاءُ عن أبن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} [الآية: 30]. يعني: الكذب. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} [الآية: 32]. يعني: استعظام البدن و استسمانها واستحسانها. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، /47 و/ قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} في البدن، في لحومها وأَلبانها وأَشعارها وأَصوافها وأَوبارها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، إلى أَن تسمى بدنا [الآية: 33].

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن تعظيم حرمات الله في ذات الله بقوله تعالى: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج: 30] يشير إلى أن تعظيم حرمات الله تعالى هو تعظيم الله في ترك ما حرَّمه الله عليه، وتعظيم ما أمره الله تعالى بالطاعة يصل العبد إلى الجنة، وبالحرمة يصل إلى الله تعالى، ولهذا قال: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج: 30] يعني: تعظيم الحرمة خير للعبد في التقرب إلى الله تعالى من تقربه بالطاعة، ويقال: ترك الطاعة يوجب العقوبة، وترك الحرمة يوجب الفرقة، ويقال: كل شيء من المخالفات؛ فللعفو فيه مساغ، وللعمل فيه طريق، وترك الحرمة على خطر ألاَ يغفر ذلك، وذلك بأن يؤدي شؤمه بصاحبه أن يختل دينه وتوحيده. وبقوله: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ} [الحج: 30] يشير إلى أن استعمال البهيمة فيما مسَّت إليه الحاجة الإنسانية حلال ولا يقطع الطريق على السالك {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} [الحج: 30] في القرآن وهو قوله تعالى: {أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} تفسير : [الأعراف: 31] وفي حديث فيه في وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فاجتنبوا الرجس من الأوثان"تفسير : ؛ أي: واجتنبوا رجس كل ما اتخذه هواكم معبوده من شهوات الدنيا والآخرة والوثن الحقيقي لكل أحد نفسه {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} [الحج: 30] وهو قوله باللسان مما لا يساعده قول القلب، ومن عاهد الله بقلبه في صدق الطلب ثم لا يفي ذلك فهو من جملة الزور {حُنَفَآءَ} [الحج: 31] لله ما يلين إلى الحق من الباطل في القلب، وفي النفس، وفي الجهر، وفي السر، وفي الأفعال، وفي الأحوال، وفي الأقوال مستقيمين عليه؟ {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 31] في طلب بما سوى الله {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} [الحج: 31] أي: يطلب غير الله {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [الحج: 31] أي: سقط من سماء القلب {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} [الحج: 31] الشيطان والهوى ويهويان به في أسفل سافلين أبعد {أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ} [الحج: 31] ريح القهر والخذلان {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] بعيد من الحق سبحانه ذلك؛ أي: الذي ذكرت من اجتناب الرجس وقول الزور {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} [الحج: 32] وهي أعلام وشواهد مما يرد في إرشاده إلى الصراط المستقيم {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} [الحج: 32] أي: فكلها دلالات على ارتقاء القلوب بالله عمَّا سواه. {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [الحج: 33] لكل من تلك الجملة بقدرة وحدة الأقوام بركات في العبور على المقامات، ولآخرين في حلاوة طاعتهم، ولآخرين في الذات يبسطهم، ولآخرين في اُنسهم بالله {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الحج: 33] وهو بلوغ حد كمالهم، ثم محلها إلى البيت العتيق ذلك محل كل سالك إلى حضرة القديم ومنزلة {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} [الحج: 34] أي: ولكل سالك جعلنا طريقة ومقاماً وقربة على اختلاف طبقاتهم: * فمنهم: من يطلب الله من طريق المعاملات. * ومنهم: من يطلب من باب المجاهدات. * ومنهم: من يطلبه بطريق المعارف. * ومنهم: من يطلبه به؛ {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} [الحج: 34] أي: لتتمسك كل طائفة منهم في الطلب بذكر الله تعالى {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} [الحج: 34] أي: على رزقهم من قهر النفس من العبور على المقامات، والوصول إلى الكمال {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [الحج: 34] الذي وفقكم لهذه الكرامات ونيل الدرجات، فله أسلموا لما قدر لكم في الأزل، وحكم به استسلاماً من داخل القلب لا من الفرط والإسلام يكون بمعنى الإخلاص والإخلاص من تصفية الأعمال من الآفات، ثم تصفية الأخلاق من الكدورات، ثم تصفية الأحوال من الالتفات، ثم تصفية الانفكاك من الأغيار {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34] أي: المستقيمين على هذه الطريقة بقدر الاستطاعة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { ذَلِكَ } الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام، وما فيها من تعظيم حرمات الله وإجلالها وتكريمها، لأن تعظيم حرمات الله، من الأمور المحبوبة لله، المقربة إليه، التي من عظمها وأجلها، أثابه الله ثوابا جزيلا وكانت خيرا له في دينه، ودنياه وأخراه عند ربه. وحرمات الله: كل ماله حرمة، وأمر باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها، فتعظيمها إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون، ولا متكاسل، ولا متثاقل، ثم ذكر منته وإحسانه بما أحله لعباده، من بهيمة الأنعام، من إبل وبقر وغنم، وشرعها من جملة المناسك، التي يتقرب بها إليه، فعظمت منته فيها من الوجهين، { إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } في القرآن تحريمه من قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ } تفسير : الآية، ولكن الذي من رحمته بعباده، أن حرمه عليهم، ومنعهم منه، تزكية لهم، وتطهيرا من الشرك به وقول الزور، ولهذا قال: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ } أي: الخبث القذر { مِنَ الأوْثَانِ } أي: الأنداد، التي جعلتموها آلهة مع الله، فإنها أكبر أنواع الرجس، والظاهر أن { من } هنا ليست لبيان الجنس، كما قاله كثير من المفسرين، وإنما هي للتبعيض، وأن الرجس عام في جميع المنهيات المحرمات، فيكون منهيا عنها عموما، وعن الأوثان التي هي بعضها خصوصا، { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } أي: جميع الأقوال المحرمات، فإنها من قول الزور الذي هو الكذب، ومن ذلك شهادة الزور فلما نهاهم عن الشرك والرجس وقول الزور. أمرهم أن يكونوا { حُنَفَاءَ لِلَّهِ } أي: مقبلين عليه وعلى عبادته، معرضين عما سواه. { غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ } فمثله { فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ } أي: سقط منها { فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ } بسرعة { أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } أي: بعيد، كذلك المشرك، فالإيمان بمنزلة السماء، محفوظة مرفوعة. ومن ترك الإيمان، بمنزلة الساقط من السماء، عرضة للآفات والبليات، فإما أن تخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطفته الشياطين من كل جانب، ومزقوه، وأذهبوا عليه دينه ودنياه.

همام الصنعاني

تفسير : 1928- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}: [الآية: 30]، قال: إلا الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه.