٢٢ - ٱلْحَجّ
22 - Al-Hajj (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {حُنَفَاء للَّهِ} مخلصين له. {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } وهما حالان من الواو. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاء } لأنه سقط من أوج الإِيمان إلى حضيض الكفر. {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ } فإن الأهواء الرديئة توزع أفكاره، وقرأ نافع وحده {فَتَخْطَفُهُ } بفتح الخاء وتشديد الطاء. {أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} بعيد فإن الشيطان قد طوح به في الضلالة أو للتخيير كما قوله تعالى: {أية : أَوْ كَصَيّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [البقرة: 19] أو للتنويع فإن المشركين من لا خلاص له أصلاً، ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة لكن على بعد، ويجوز أن يكون من التشبيهات المركبة فيكون المعنى: ومن يشرك بالله فقد هلكت نفسه هلاكاً يشبه أحد الهلاكين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {حُنَفَاء للَّهِ } مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } تأكيد لما قبله وهما حالان من الواو {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ } سقط {مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ } أي تأخذه بسرعة {أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرّيحُ } أي تسقطه {فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ } بعيد أي فهو لا يرجى خلاصه.
ابن عبد السلام
تفسير : {حُنَفَآءَ} مسلمين، أو مخلصين أو مستقيمين، أو حُجَّاجاً، {غَيْرَ مُشْرِكينَ} مرائين بعبادته، أو شهادة الزور، أو قولهم في التلبية: "إلا شريكاً هو لك".
النسفي
تفسير : {حُنَفَاء للَّهِ } مسلمين {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } حال كحنفاء {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ } سقط {مّنَ ٱلسَّمَاء } إلى الأرض {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ } أي تسلبه بسرعة {فتخطّفه} أي تتخطفه مدني {أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرّيحُ } أي تسقطه والهوي السقوط {فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ } بعيد. يجوز أن يكون هذا تشبيهاً مركباً، ويجوز أن يكون مفرقاً. فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق قطعاً في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة. وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي أشرك بالله بالساقط من السماء. والأهواء المردية بالطير المتخطفة والشيطان الذي هو يوقعه في الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. {ذٰلِكَ } أي الأمر ذلك {وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } تعظيم الشعائر وهي الهدايا لأنها من معالم الحج أن يختارها عظام الأجرام حساناً ثماناً غالية الأثمان {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات. وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى {لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ } من الركوب عند الحاجة وشرب ألبانها عند الضرورة {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى أن تنحر {ثُمَّ مَحِلُّهَا } أي وقت وجوب نحرها منتهية {إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت إذ الحرم حريم البيت ومثله في الاتساع قولك «بلغت البلد» وإنما اتصل مسيرك بحدوده. وقيل: الشعائر المناسك كلها وتعظيمها إتمامها ومحلها إلى البيت العتيق يأباه {وَلِكُلّ أُمَّةٍ } جماعة مؤمنة قبلكم {جَعَلْنَا مَنسَكًا } حيث كان بكسر السين بمعنى الموضع: علي وحمزة أي موضع قربان. وغيرهما: بالفتح على المصدر أي إراقة الدماء وذبح القرابين {لّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ } دون غيره {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ } أي عند نحرها وذبحها {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } أي اذكروا على الذبح اسم الله وحده فإن إلهكم إله واحد، وفيه دليل على أن ذكر اسم الله شرط الذبح يعني أن الله تعالى شرع لكل أمة أن ينسكوا له أي يذبحوا له على وجه التقرب، وجعل العلة في ذلك أن يذكر اسمه تقدست أسماؤه على النسائك. وقوله {فَلَهُ أَسْلِمُواْ } أي أخلصوا له الذكر خاصة واجعلوه له سالماً أي خالصاً لا تشوبوه بإشراك {وَبَشّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ } المطمئنين بذكر الله أو المتواضعين الخاشعين من الخبت وهو المطمئن من الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل: تفسيره ما بعده أي
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {حنفاء لله} يعني مخلصين له {غير مشركين به} فدل ذلك على أن المكلف ينوي بما يؤتيه من العبادة الإخلاص لله بها لا غيره وقيل كانوا في الشرك يحجون ويحرمون البنات والأمهات والأخوات وكانوا حنفاء فنزلت {حنفاء لله غير مشركين به} أي حجوا لله مسلمين موحدين ومن أشرك لا يكون حنيفاً {ومن يشرك بالله فكأنّما خر} أي سقط {من السماء} إلى الأرض {فتخطفه الطير} يعني تسلبه وتذهب به {أو تهوي به الريح} يعني تميل وتذهب به {في مكان سحيق} يعني بعيد. ومعنى الآية أنّ من أشرك بالله بعيد من الحق والإيمان كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير أو هوت به الريح فلا يصل إليه بحال وقيل شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء لأنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقط الريح فهو هالك لا محالة. إما باستلاب الطير لحمه أو بسقوطه في المكان السحيق. وقيل معنى الآية من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس وراءه إهلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير ففرقت أجزاءه في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة. وقيل شبه الإيمان بالسماء في علوه والذي ترك الإيمان بالساقط من السماء والأهواء التي توزع أفكاره بالطير المختطفة والشياطين التي تطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة. قوله عزّ وجلّ {ذلك} يعني الذي ذكر من اجتناب الرجس وقول الزور {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} يعني تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب قال ابن عباس: شعائر الله البدن والهدي وأصلها من الإشعار، وهو العلامة التي يعرف بها أنها هدى وتعظيمها استسمانها واستحسانها وقيل شعائر الله أعلام دينه وتعظيمها من تقوى القلوب {لكم فيها} أي في البدن {منافع} قيل هي درها ونسلها وصوفها ووبرها وركوب ظهرها {إلى أجل مسمى} أي إلى أن يسميها ويوجبها هدياً فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها. وهو قول مجاهد وقتادة والضحّاك ورواية عن ابن عباس وقيل معناه لكم في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هدايا بأن تركبوها وتشربوا من ألبانها عند الحاجة إلى أجل مسمى يعني إلى أن تنحروها وهو قول عطاء. واختلف العلماء في ركوب الهدي فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يجوز ركوبها والحمل عليها من غير ضرر بها لما روي عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنه فقال: "اركبها فقال يا رسول الله إنّها بدنة فقال: اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة""تفسير : . أخرجاه في الصحيحين. وكذلك يجوز له أن يشرب من لبنها بعد ما يفضل عن ري ولدها. وقال أصحاب الرأي: لا يركبها إلاّ أن يضطر إليه وقيل أراد بالشعائر المناسك ومشاهدة مكة لكم فيها منافع يعني بالتجارة والأسواق {إلى أجل مسمى} يعني إلى الخروج من مكة وقيل {لكم فيها منافع} يعني بالأجر والثواب في قضاء المناسك إلى انقضاء أيام الحج {ثم محلها إلى البيت العتيق} يعني منحرها عند البيت العتيق يريد به جميع أرض الحرم. وروي عن جابر في حديث حجة الوداع أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : نحرت ها هنا ومنىً كلها منحر فانحروا في رحالكم"تفسير : ومن قال الشعائر المناسك قال معنى ثم محلها يعني محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق يطوفون به طواف الزيارة. قوله تعالى {ولكل أمة} يعني جماعة مؤمنة سلفت قبلكم {جعلنا منسكاً} قرىء بكسر السين يعني مذبحاً وهو موضع القربان منسكاً بفتح السين وهو إراقة الدم وذبح القرابين {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} يعني عند ذبحها ونحرها سماها بهيمة لأنها لا تتكلم وقيد بالأنعام لأن ما سواها لا يجوز ذبحه في القرابين وإن جاز أكله. قوله عزّ وجلّ {فإلهكم إله واحد} يعني سموا على الذبح اسم الله وحده فإنّ إلهكم إله واحد {فله أسلموا} يعني أخلصوا وانقادوا وأطيعوا {وبشر المخبتين} قال ابن عباس: المتواضعين وقيل المطمئنين إلى الله وقيل الخاشعين الرقيقة قلوبهم وقيل هم الذي لا يظلمون وإذا ظلموا لا ينتصرون ثم وصفهم.
ابو السعود
تفسير : {حُنَفَاء للَّهِ} مائلين عن كلِّ دين زائغٍ إلى الدِّين الحقِّ مُخلصين لله تعالى. {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} أي شيئاً من الأشياءِ فيدخل في ذلك الأوثانُ دخولاً أوليًّا، وهما حالانِ من واو فاجتنبُوا {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} جملةٌ مبتدأةٌ مؤكِّدةٌ لما قبلها من الاجتناب عن الإشراك. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لإظهار كمالِ قُبح الإشراكِ {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاء} لأنَّه مُسْقَط من أوجِ الإيمان إلى حضيض الكفرِ {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} فإنَّ الأهواء المُرديةَ توزِّعُ أفكارَه. وقُرىء فتخَطَّفه بفتح الخاء وتشديد الطَّاءِ. وبكسرِ الخاء والطَّاء، وبكسر التَّاءِ مع كسرهما، وأصلُهما تَخْتطفُه {أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرّيحُ} أي تُسقطه وتقذفُه {فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} بعيدٍ، فإنَّ الشَّيطانَ قد طوَّحَ به في الضَّلالةِ. وأو للتَّخيـيرِ كما في {أية : أَوْ كَصَيّبٍ} تفسير : [البقرة: 19] أو للتَّنويعِ. ويجوزُ أنْ يكونَ من باب التَّشبـيهِ المُركَّبِ فيكون المعنى: ومَن يُشرك بالله فقد هلكتْ نفسُه هلاكاً شَبـيهاً بهلاكِ أحدِ الهالكينَ هنا.
القشيري
تفسير : الحنيف المائلُ إلى الحق عن الباطل في القلبِ والنَّفْسِ، في الجهر وفي السِّرِّ، في الأفعال وفي الأحوال وفي الأقوال. {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}: الشِّركُ جَلِيٌّ وخَفِيٌ. قوله {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا...} كيف لا.. وهو يهوي في جهنم وتتجاذبه ملائكة العذاب؟ أو تهوى به الريح من مكان سحيق.. وكذلك غداً في صفة قوم يقول الله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67].
اسماعيل حقي
تفسير : {حنفاء لله} حال من واو فاجتبنوا اى حال كونكم مائلين عن كل دين زائغ الى الدين الحق مخلصين له والحنف هو الميل عن الضلال الى الاستقامة والحنيف هو المائل الى ذلك وتحنف فلان اى تحرى طريق الاستقامة {غير مشركين به} اى شيئا من الاشياء فيدخل فى ذلك الاوثان دخولا اوليا وهو حال اخرى من الواو {ومن}[وهركه] {يشرك بالله فكأنما خر من السماء}، قال الراغب معنى خر سقط سقوطا يسمع منه خرير وهو صوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو {فتخطفه الطير} الخطف الاختلاس بالسرعة وصيغة المضارع لتصوير هذه الحالة الهائلة التى اجترأ عليها المشرك للسامعين، قال الكاشفى [وهركه شرك آرد بخداى تعالى بس همجنا نست كه كوييا درا فتاد ازآسمان برروى زمين وهلاك شد بس مىربايند اورا مرغان مردارخوار ازروى زمين واجزا واعضاى اورا متفرق ومتمزق ميسازند] {أو تهوى به الريح} اى تسقطه وتقذفه يقال هوى يهوى من باب ضرب هويا سقط من علو الى سفل واما هوى يهوى من باب علم هوى فمعناه احب {في مكان سحيق} اى بعيد فان السحق البعد وليس اسحاق العلم منه فانه عبرانى معناه الضحاك واو للتخيير كما فى قوله {أية : أو كصيب من السماء}،تفسير : قال الكاشفى [يابزير افكند اورا باد ازموضعى مرتفع درجانبى دوراز فرياد رس ودستكير اين كلمات ازتشبيهات مركبه است يعنى هركه ازواج ايمان بحضيض كفر افتد هواى نفس اورا بريشان سازد يابا وسوسة شيطان اورا در وادىء ضلالت افكند ونابود شود ملخص سخن آنكه هلاك مشر كانست] فالهلاك فى الشرك كما ان النجاة فى الايمان، وفى الصحيحين حديث : عن معاذ بن جبل رضى الله عنه انه عليه السلام قال له "هل تدرى ما حق الله" قال قلت الله ورسوله اعلم قال "فان حق الله على العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا يا معاذ هل تدرى ما حق العباد على الله اذا فعلوا ذلك" قلت الله ورسوله اعلم قال "ان لا يعذبهم"تفسير : فلا بد من تخصيص العبادة بالله والتخليص من شوب الشرك ليكون العبد على الملة الحنيفية وهى واحدة من لدن آدم الى يومنا هذا وهى ملازمة التوحيد واليقين، حديث : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم اى الاعمال افضل قال "الايمان بالله ورسوله" قيل ثم ماذا قال "الجهاد فى سبيل الله" قيل ثم ماذا قال "حج مبرور"تفسير : وفى الحديث "حديث : ان اخوف ما اخاف عليكم الشرك الاصغر" قالوا يا رسول الله وما الشرك الاصغر قال "الرياء" شعر : مُرائي هر كسى معبود سازد مُرائي را ازان كفتند مشرك تفسير : قال الحافظ شعر : كوييا باورو ونمى دارند روز داورى كين همه قلب ودغل دركار داورميكنند تفسير : فالشرك اقبح الرذائل كا ان التوحيد احسن الحسنات وفى الحديث "حديث : اذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة فانها بعشرة امثالها" فقال المخاطب يارسول الله قول لا اله الله من الحسنات قال "احسن الحسنات "
الطوسي
تفسير : قوله {حنفاء} نصب على الحال من الضمير فى قوله {واجتنبوا قول الزور} ومعنى {حنفاء} مستقيمي الطريقة، على أمر الله. وأصل الحنف الاستقامة. وقيل للمائل القدم: أحنف تفاؤلا بالاستقامة. وقيل: أصله الميل. والحنيف المائل الى العمل بما أمر الله، والأول أقوى، لأنه أشرف فى معنى الصفة. وقوله {غير مشركين به} أي غير مشركين بعبادة الله غيره. والاشراك تضييع حق عبادة الله بعبادة غيره. أو ما يعظم عظم عبادة غيره، وكل مشرك كافر، وكل كافر مشرك. ثم قال تعالى {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} أي من أشرك بعبادة الله غير الله، كان بمنزلة من وقع من السماء، {فتخطفه الطير} أي تتناوله بسرعة وتستلبه. والاختطاف والاستلاب واحد. يقال: خطفه يخطفه خطفاً، وتخطفه تخطفاً إذا أخذه من كل جهة بسرعة. وقرا ابن عامر {فتخطفه} بتشديد الطاء، بمعنى فتختطفه، فنقل فتحة الطاء الى الخاء، وأدغم التاء في الطاء. الباقون بالتخفيف، وهو الاقوى لقوله {أية : إلا من خطف الخطفة}. تفسير : وقوله {أو تهوي به الريح في مكان سحيق} والسحيق البعيد. والمعنى أن من أشرك بالله غيره كان هالكاً بمنزلة من زل من السماء، واستلبه الطير ورمى به الريح فى مكان بعيد، فانه لا يكون إلا هالكاً. وقيل: شبه المشرك بحال الهاوي فى أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً يوم القيامة. وقيل: شبه أعمال الكفار أنها تذهب فلا يقدر على شيء منها - فى قول الحسن - وقوله {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} قال سيبويه: تقديره ذلك الأمر من يعظم، قالشعائر علامات مناسك الحج كلها، منها رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة وغير ذلك - فى قول ابن زيد - وقال مجاهد: هي البدن، وتعظيمها استسمانها واستحسانها. والشعيرة العلامة التي تشعر بها، لما جعلت له، وأشعرت البدن إذا علمتها بما يشعر أنها هدي. وقوله {فإنها من تقوى القلوب} فالكناية في قوله {فإنها} تعود الى التعظيم. ويجوز أن تعود الى الخصلة من التعظيم. وقيل: شعائر الله دين الله. وقوله {فإنها من تقوى القلوب} معناه إن تعظيم الشعائر من تقوى القلوب أي من خشيتها. ثم قال {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} قال ابن عباس، ومجاهد: ذلك ما لم يسم هدياً او بدناً. وقال عطاء: ما لم يقلد، وقيل: منافعها ركوب ظهرها وشرب ألبانها إذا احتاج اليها. وهو المروي عن ابي جعفر (ع). وقوله {إلى أجل مسمى} قال عطاء بن ابي رياح: الى أن تنحر. وقيل: المنافع التجارة. وقيل: الأجر، وقيل: جميع ذلك. وهو أعم فائدة. وقوله {ثم محلها إلى البيت العتيق} معناه إن محل الهدي والبدن الى الكعبة. وعند اصحابنا: إن كان الهدي فى الحج، فمحله منى، وإن كان في العمرة المفردة، فمحله مكة قبالة الكعبة بالخرورة. وقيل: الحرم كله محل لها، والظاهر يقتضي أن المحل البيت العتيق، وهو الكعبة. وقال قوم {إلى أجل مسمى} يعني يوم القيامة. ثم اخبر تعالى انه جعل لكل أمة من الامم السالفة منسكاً. وقرأ حمزة والكسائي {منسكاً} بكسر السين. الباقون بالفتح، وهما لغتان، وهو المكان للعبادة المألوفة الذي يقصده الناس. وقال الحسن: المنسك المنهاج وهو الشريعة جعل الله لكل أمة من الامم السالفة منسكا أي شريعة. كقوله {أية : لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه} تفسير : وقال مجاهد "منسكا" يعني عبادة فى الذبح، والنسكة الذبيحة. يقال: نسكت الشاة أي ذبحتها فكأنه المذبح، وهو الموضع الذي يذبح فيه. وقال محمد بن ابي موسى: محل المناسك الطواف بالبيت. وقوله {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} أي جعلنا ذلك للامم وتعبدناهم به {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} يعني من الابل والبقر والغنم إذا ارادوا تذكيتها. وفي ذلك دلالة على وجوب التسمية عند الذبيحة. ثم اخبر تعالى فقال {فإلهكم إله واحد} أي معبودكم الذي ينبغي أن توجهوا العبادة اليه واحد لا شريك له {فله اسلموا} أي استسلموا {وبشر المخبتين} قال قتادة: يعنى المتواضعين. وقال مجاهد: يعني المطمئنين الى ذكر ربهم. واشتقاق المخبت من الخبت، وهو المكان المطمئن. وقيل: المنخفض، ومعناهما واحد، ثم وصف تعالى المخبتين، فقال {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} والمعنى إذا ذكر ثواب الله، على طاعاته، وعقابه على معاصيه، خافوا عقابه وخشيوا من ترك طاعاته {والصابرين على ما أصابهم} يعني يصبرون على ما يبتليهم الله، من بلائه فى دار الدنيا من أنواع المصائب والأمراض والاوجاع {والمقيمي الصلاة} يعني الذين يقيمون الصلاة، فيؤدونها بحقوقها، ويداومون عليها. {ومما رزقناهم ينفقون} أي مما ملكهم الله وجعل لهم التصرف فيه ينفقون فى مرضاته. وفى ذلك دلالة على أن الحرام ليس برزق الله. لان الله مدح من ينفق في سبيل الله مما رزقه، والحرام ممنوع من التصرف فيه، والانفاق منه فكيف يكون رزقاً.
الجنابذي
تفسير : قال تعالى {حُنَفَآءَ} اى خالصين من الانانيّة والهوى ولو كان هوى الخلاص من الهوى {للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} تأكيد لحنفاء {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} باىّ نحو من الاشراك حتّى الاشراك بهوى الاجتناب من الهوى {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} تشبيه للمعقول بالمحسوس لانّ الانسان من سماء الاطلاق وبالاشراك والتّقيّد ينزّل عن سماء الاطلاق الى ارض التّقيّد {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} اى طير الاهوية والآمال {أَوْ تَهْوِي} عطف على خرّ او على تخطفه وهو الاوفق {بِهِ ٱلرِّيحُ} اى ريح الشّهوات والغضبات والجهالات الشّيطانيّة {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} اى بعيد شبّه المشرك فى حالاته بمن سقط من السّماء فانّ اللّطيفة السّيّارة الانسانيّة بالاشراك والانانيّة تسقط من سماء الاطلاق الى ارض التّحدّد وبعد سقوطه الى مقام التّعيّن والانانيّة امّا يتصرّف فيها الآمال والبخل والحسد وامثالها الّتى هى تتولّد فى الانسان من تركّب الشّهوة والغضب والشّيطنة، او تتصرّف فيها الشّهوة، او الغضب، او الشّيطنة الّتى هى كالبسائط فشبّه المتصرّف فيه الآمال والسحد وامثالها الّتى هى كالمواليد بمن تخطفه الطّير والمتصرّف فيه الشّهوة وامثالها الّتى هى كالعناصر فى البساطة بمن تهوى به الرّيح فلفظة او للتّنويع لا للتّخيير فى التّشبيه.
اطفيش
تفسير : {حُنَفآءَ لِلَّهِ} مخلصين له. وقيل: (حجاجا لله) وقيل: (مسلمين عادلين) عن كل دين سوى دينه. والحنيف يستعمل في الاستقامة وفي الميل وقد فسر بعضهم حنفاء بمستقيمين {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} (غير وحنفاء) حالان من الواو والثانية مؤكدة {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ} سقط منها شبه الايمان في علو شأنه بالسماء في علو مكانها فمن ترك الايمان كمن سقط من السماء {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} تأخذه بسرعة شبه الاهواء المؤذية الموزعة لافكاره بالطير المخططفة لما تقدر عليه ويخف عليها فتسرع به ووزن (تخطف) تفتعل اصله تخططف نقلت فتحت التاء للخاء وابدلت طاء وادغمت في الطاء وفتحت الطاء تبعا وتخفيفا واصلها الكسر أو تتفعل فحذفت احدى التائين وهو اولى قال ابن عمر والداني وقرأ غير نافع باسكان الخاء وتخفيف الطاء. وقرئ بكسر الطاء والخاء وبكسرهما مع كسر التاء وهي قراءة الحسن ووزنه على القرائتين تفتعل أصله تختطف نقلت فتحة التاء للخاء وابدلت طاء وادغمت في الطاء وبقيت الطاء مكسورة وكسرت الخاء لتوافق الطاء وكسرت التاء ايضا في قراءة الحسن اما موافقة واما لغة من يكسرون حرف المضارع * {أَوْ تَهْوِي بِهِ} تسفل به *{الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} بعيد لا يرجى خلاصه ولا يرى له اثر شبه الشيطان الذي يهوي به في اودية الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة و(أو) للتخيير أي شبه المشرك بما شئت من الخار من السماء فتخطفه الطير أو من الخار منها فتهوي به الريح في مكان سحيق أو للاباحة أو التنويع فان من المشركين من لا خلاص له أصلا ومنهم من يمكن بالتوبة لكن على البعد. وان قلت التخيير شرطه الطلب وعدم الجمع؟ قلت: اللفظ خبر ومعناه الطلب كما رايت وما تخطفته الطير لا تهوي به الريح فقد امتنع الجمع وان قلت: الاباحة شرطها الطلب وامكان الجمع؟ قلت: الطلب موجود كما رايت ويعتبر الجمع بامكان ان تخطفه الطير ثم تلقيه فتهوي به الريح كما تجالس الحسن ثم تجالس ابن سيرين مع ان التحقيق أن لا يشترط ما ذكر في التخيير والاباحة ويجوز ان تجعل الآية من التشبيه المركب فالمعنى من اشرك بالله فقد اهلك نفسه اهلاكا يشبه اهلاك احد الهالكين.
اطفيش
تفسير : {حُنَفاء لله} مائلين لوجه الله أو الى دين الله عن كل دين وكل معية {غير مشركين به} شيئا بعبادة أو رياء، ونحوهما مما خرج عن الإخلاص كالأكل بالدين، وغير حال من واو فاجتنبوا أو واو واجتنبوا {ومنْ يُشْركَ باللَّه} أظهر بيانا لقبْح الشَّرك {فكأنَّما خرَّ من السَّماء} أحدى السموات السبع أو عال سقط منها، وهذا تشبيه للإيمان بالسماء لعظم شأنه، والإشراك بالحضيض والأوهد لخسته، عقلا وشرعا وذلك بالارتداد أو الخروج عن إقرار يوم ألست بربكم، وعن الفطْرة إذ كل مولود يولد على الفطرة، أو الإيمان المقدور عليه جدا، حتى كأنه وقع وخرج عنه. والاستعارة إما تمثيلية فهى مركبة، كأنه قيل: من أشر ك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء، فاختطفه الطير، فتفرق قطعا فى حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به فى بعض المهالك البعيدة، وإما إفرادية بأن شبه الإيمان فى علوه بالسماء، والذى أشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء المردية بالطير المختلطة، والشيطان الذى هو يوقعه فى الضلال بالريح التى تهوى بما عصفت به فى بعض المهاوى المتلفة. {فتَخْطَفُهُ الطَّيْر} تأخذه بسرعة للأكل، والأصل فتخطفه قلبت التاء طاء فأدعمت فى الطاء، والمضارع لاستحضار الحال العجيب كما فى قوله سبحانه: {أو تَهْوى به الرِّيح} والأصل فاختطفه الطير أو هوت به الريح بصيغة الماضى كما قال خر {فى مكانٍ سَحيقٍ} بعيد يموت فيه جوعا وعطشا، أو بأكل السباع إن لم يمت بالسقوط، والشيطان المضل كالريح المهوية، والباء للتعدية أى تهوية الريح، وأو للتخير شبهه بالخار من السماء، أو بمن تهوى به الريح، أو للتنويع نوع لا يرجى خلاصه، كمن أكلته الطير، ونوع يرجى وهو الساقط، ونوع شاك ينتقل من كفر الى كفر، كمن توزعته الطير، وكلما أخذ طائر قطعة نازعه آخر فيها، ونوع مصمم معجب بما هو فيه،كمن سقط فى مكان بعيد، واستقر فيه، والهلاك جامع لذلك، والكلام على فرض قدرة الطير على ذلك، لأن الكلام تشبيه لا تحقيق، أو على فرض طير كبار، أو هى كذلك بين السماء والأرض لا نراها لبعدها، ولا تنزل للأرض.
الالوسي
تفسير : {حُنَفَآءَ للَّهِ} مائلين عن كل دين زائع إلى الدين الحق مخلصين له تعالى {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} أي شيئاً من الأشياء فيدخل في ذلك الأوثان دخولاً أولياً وهما حالان مؤكدتان من واو { أية : فَٱجْتَنِبُواْ } تفسير : [الحج: 30] وجوز أن يكون حالاً من واو {أية : وَٱجْتَنِبُواْ}تفسير : [الحج: 30] وأخَّر التبري عن التولي ليتصل بقوله تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَاء} وهي جملة مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الاجتناب من الإشراك، وإظهار الاسم الجليل لإظهار كمال قبح الإشراك، وقد شبه الإيمان بالسماء لعلوه والإشراك بالسقوط منها فالمشرك ساقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر وهذا السقوط إن كان في حق المرتد فظاهر وهو في حق غيره باعتبار الفطرة وجعل التمكن والقوة بمنزلة الفعل كما قيل في قوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ } تفسير : [البقرة: 257] {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ} فإن الأهواء المردية توزع أفكاره وفي ذلك تشبيه الأفكار الموزعة بخطف جوارح الطير وهو مأخوذ من قوله تعالى: { أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَـٰكِسُونَ } تفسير : [الزمر: 29] وأصل الخطف الاختلاس بسرعة. وقرأ نافع {فتخطفه} بفتح الخاء والطاء مشددة. وقرأ الحسن وأبو رجاء والأعمش {فتخطفه} بكسر التاء والخاء والطاء مشددة، وعن الحسن كذلك إلا أنه فتح الطاء مشددة. وقرأ الأعمش أيضاً {تخطه} بغير فاء وإسكان الخاء وفتح الطاء مخففة، والجملة على هذه القراءة في موضع الحال، وأما على القراءات الأول فالفاء للعطف وما بعدها عطف على {خَرَّ} وفي إيثار المضارع إشعار باستحضار تلك الحالة العجيبة في مشاهد المخاطب تعجيباً له، وجوز أبو البقاء أن يكون الكلام بتقدير فهو يخطفه والعطف من عطف الجملة على الجملة. {أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرّيحُ} أي تسقطه وتقذفه. وقرأ أبو جعفر وأبو رجاء {ٱلرّيَاحِ} {فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} بعيد فإن الشيطان قد طوح به في الضلالة، وفي ذلك تشبيه الشيطان المضل بالريح المهوية وهو مأخوذ من قوله تعالى: { أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } تفسير : [مريم: 83] فالتشبيه في الآية مفرق. والظاهر أن {تَهْوَي} عطف على {تخطف} و(أو) للتقسيم على معنى أن مهلكه إما هوى يتفرق به في شعب الخسار أو شيطان يطوح به في مهمه البوار، وفرق بين خاطر النفس والشيطان فلا يرد ما قاله ابن المنير من أن الأفكار من نتائج وساوس الشيطان، والآية سيقت لجعلهما شيئين، وفي تفسير القاضي أنها للتخيير على معنى أنت مخير بين أن تشبه المشرك بمن خر من السماء فتخطفه الطير وبين من خر من السماء فتهوي به الريح في مكان سحيق أو للتنويع على معنى أن المشبه به نوعان والمشبه بالنوع الأول الذي توزع لحمه في / بطون جوارح الطير المشرك الذي لا خلاص له من الشرك ولا نجاة أصلاً، والمشبه بالنوع الثاني الذي رمته الريح في المهاوي المشرك الذي يرجى خلاصه على بعد، وقال ابن المنير: إن الكافر قسمان لا غير، مذبذب متمادي على الشك وعدم التصميم على ضلالة واحدة وهذا مشبه بمن اختطفته الطير وتوزعته فلا يستولي طائر على قطعة منه إلا انتهبها منه آخر وتلك حال المذبذب لا يلوح له خيال إلا اتبعه وترك ما كان عليه، ومشرك مصمم على معتقد باطل لو نشر بالمناشير لم يكع ولم يرجع لا سبيل إلى تشكيكه ولا مطمع في نقله عما هو عليه فهو فرح مبتهج بضلالته وهذا مشبه في قراره على الكفر باستقرار من هوت به الريح إلى واد سافل هو أبعد الأحياز عن السماء فاستقر فيه انتهى، ولا يخفى أن ما ذكرناه أوفق بالظاهر. وجوز غير واحد أن يكون من التشبيهات المركبة فكأنه سبحانه قال: من أشرك بالله تعالى فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق قطعاً في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة، وجعل في «الكشف» (أو) على هذا للتخيير وليس بمتعين فيما يظهر، وعلى الوجهين تفريق التشبيه وتركيبه في الآية تشبيهان. وذكر الطيبـي أن فيها على التركيب تشبيهين، و {تَهْوَي} عطف على {خَرَّ} وعلى التفريق تشبيهاً واحداً و {تَهْوَي} عطف على {تخطف} وزعم أن في عبارة «الكشاف» ما يؤذن بذلك وهو غير مسلم.
د. أسعد حومد
تفسير : (31) - وَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلَى وَجْهِ الإِخْلاَصِ والعِبَادَةِ للهِ، وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ دُونَ شُرَكَاء، لأنَّ مَنْ أَشْرَكَ مَعَ اللهِ سِوَاهُ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ، وَكَانَ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ سَقَطَ مِنَ السَّمَاءِ، فَتَخَطَّفَتْهُ الطَّيْرُ، فَفَرَّقَتْ أجْزَاءَهُ فِي حَوَاصِلِهَا، أو كَمَنْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ فَهَوَتْ بِهِ فِي المَهَاوِي العَمِيقَةِ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ البَرَاءِ: أنَّ الكَافِرَ إِذَا تَوَفَّتْهُ مَلاَئِكَةُ المَوْتِ وَصَعِدُوا بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَلا تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ بَلْ تُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحاً مِنْ هُنَاكَ ثُمَّ قَرَأَ هَذَهِ الآيَةَ. حُنَفَاءَ - مَائِلِينَ عَنِ البَاطِلِ إِلَى الدِّينِ الحقِّ. تَهْوِي بهِ الرِّيحُ - تُسْقِطُهُ وتَقْذِفُهُ. مَكانٍ سَحيقٍ - مَوضِعٍ بعيدٍ مُهلِكٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : اكتفتْ الآية بذكر صفتين فقط من صفات كثيرة على وجه الإجمال، وهما حنفاء لله، غير مشركين به، وحنفاء: جمع حنيف، مأخوذة من حنف الرِّجل يعني: تقوُّسها وعدم استقامتها، فيقال: فيه حَنَف أي: ميْل عن الاستقامة، وليس الوصف هنا بأنهم مُعْوجون، إنما المراد أن الاعوجاج عن الاعوجاج استقامة. لذلك وُصِف إبراهيم - عليه السلام - بأنه {أية : كَانَ حَنِيفاً ..} تفسير : [آل عمران: 67] يعني: مائلاً عن عبادة الأصنام. وقلنا: إن السماء لا تتدخَّل برسالة جديدة إلا حين يَعمُّ الفسادُ القومَ، ويستشري بينهم الضلال، وتنعدم أسباب الهداية، حيث لا واعظَ للإنسان لا من نفسه وضميره، ولا من دينه، ولا من مجتمعه وبيئته؛ ذلك لأن في النفس البشرية مناعةً للحق طبيعية، لكن تطمسها الشهوات، فإذا عُدِم هذا الواعظ وهذه المناعة في المجتمع تدخَّلَتْ السماء بنبي جديد، ورسالة جديدة، وإنذار جديد؛ لأن الفساد عَمَّ الجميع، ولم يَعُدْ أحد يعِظُ الآخر ويهديه. وهذا المعنى الذي قال الله فيه: {أية : كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المائدة: 79]. ومن هنا شهد الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنها خير أمة أُخرِجَتْ للناس؛ لأن المناعة للحق فيها قائمة، ولها واعظ من نفسها يأمر بالخير، ويأخذ على يد المنحرف حتى يستقيم؛ لذلك قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ". تفسير : والمعنى: الخير فِيَّ حصراً وفي أمتي نَثْراً، فرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع خصال الخير كله، وخَصّه الله بالكمال، لكن مَنْ يُطيق الكمال المحمدي من أمته؟ لذلك نثر الله خصال الخير في جميع أمة محمد، فأخذ كلّ واحد منهم صفةً من صفاته، فكماله صلى الله عليه وسلم منثور في أمته: هذا كريم، وهذا شجاع، وهذا حليم .. إلخ. ولما كان لأمة محمد هذا الدور كان هو خاتم الأنبياء؛ لأن أمته ستؤدي رسالته من بعده، فلا حاجة - إذن - لتدخل السماء برسالة جديدة إلى أن تقوم الساعة. إذن نقول: الرسل لا تأتي إلا عند الاعوجاج، يأتون هم لِيُقوِّموا هذا الاعوجاج، ويميلون عنه إلى الاستقامة، هذا معنى الحنيف أو {حُنَفَآءَ للَّهِ ..} [الحج: 31]. وهذه الصفة هي مقياس الاستقامة على أوامر الله لا على أوامر البشر، فنحن لا نضع لأنفسنا أسبابَ الكمال ثم نقول: ينبغي أن يكون كذا وكذا، لا إنما الذي يضع أسباب الكمال للمخلوق هو الخالق. والحق - سبحانه وتعالى - ليس مراده من الفعل أنْ يُفعل لذاته ولمجرد الفعل، إنما مراده من الفعل أنْ يُفعل لأنه أمر به، وقد أوضحنا هذه المسألة بالكافر الذي يفعل الخير وينفع الناس والمجتمع، لكن ليس من منطلق الدين وأمر الله، إنما من منطلق الإنسانية والمكانة الاجتماعية والمهابة والمنزلة بين الناس، ومثل هذا لا يجحفه الله حَقه، ولا يبخسه ثواب عمله، يعطيه لكن في الدنيا عملاً بقول الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 30]. لكن لا حَظَّ لهؤلاء في ثواب الآخرة؛ لأنهم عملوا للمجتمع وللناس وللمنزلة، وقد أخذوا المقابل في الدنيا شُهْرة وصيتاً ذائعاً، ومكانة وتخليداً. وفي الحديث القدسي يقول الحق سبحانه لهم: "حديث : لقد فعلْتَ ليُقال وقد قيل" تفسير : وانتهت المسألة. والحق - تبارك وتعالى - ضرب لنا عدة أمثلة لهؤلاء، فقال: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. فعمل الكافر كالسراب يتراءى له من بعيد، يظن من ورائه الخير، وهو ليس كذلك، حتى إذا ما عاين الأمر لم يجد شيئاً، وفُوجِئ بوجود إله عادل لم يكُنْ في باله يوم عمل ما عمل. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ..} تفسير : [إبراهيم: 18]. وقال: {أية : كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ..}تفسير : [البقرة: 264]. وهل ينبت المطر شيئاً إذا نزل على الحجر الصَّلد الأملس؟ هكذا عمل الكافر، فمن أراد ثواب الآخرة فليحقق معنى {حُنَفَآءَ للَّهِ ..} [الحج: 31] ويعمل من منطلق أن الله أمر. إذن: العمل لا يُفعَل؛ لأنه حسن في ذاته، إنما لأن الله أمرك به، بدليل أن الشارع سيأمرك بأمور لا تجد فيها حُسْناً، ومع ذلك عليك أنْ تلتزم بها لتحقق الانضباط الذي أراده منك الشارع الحكيم، وبعد ذلك سينكشف لك وجه الحُسْن في هذا العمل، وتعلم الحكمة منه. خذ مثلاً موقف الإسلام من اليتيم، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على رعايته وإكرامه وكفالته حتى أنه قال: "حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى"تفسير : فكافل اليتيم قرين لرسول الله في الجنة. ففي هذا الموقف حِكَم كثيرة، قد لا يعلمها كثير من الناس؛ لأن اليتيم فقد أباه وهو صغير، ونظر فلم يَجِدْ له أباً، في حين يتمتع رفاقه بأحضان آبائهم، فإذا لم يجد هذا الصغير حناناً من كل الناس كأنهم آباؤه لتربّي عنده شعور بالسُّخْط على الله والاعتراض على القدر الذي حرمه دون غيره من حنان الأب ورعايته. لذلك يريد الإسلام أن ينشأ اليتيم نشأة سويّة في المجتمع، لا يسخط على الله، ولا يسخط على الناس؛ لأنهم جميعاً عاملوه كأنه ولد لهم. وهناك ملحظ آخر: حين ترى مكانة اليتيم، وكيف يرعاه المجتمع وينهض به يطمئن قلبك إنْ فاجأك الموت وأولادك صغار، هذه مناعات يجعلها الإسلام في المجتمع: مناعة في نفس اليتيم، ومناعة فيمَنْ يرعاه ويكفله. وكفالة اليتيم وإكرامه لا بُدَّ أنْ تتم في إطار {حُنَفَآءَ للَّهِ ..} [الحج: 31] فيكون عملك لله خالصاً، دون نظر إلى شيء آخر من متاع الدنيا، كالذي يسعى للوصاية على اليتيم لينتفع بماله، أو أن له مطمعاً في أمه.. إلخ فهذا عمله كالذي قُلْنا: (كسراب بقيعة) أو كرماد اشتدت به الريح أو كحجر أملس صَلْد لا ينبت شيئاً. فإنْ حاول الإنسان إخلاص النية لله في مثل هذا العمل فإنه لا يأمن أنْ يخالطه شيء، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". تفسير : الصفة الثانية التي وصف الله بها عباده المؤمنين: {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ..} [الحج: 31] فالشرك أمر عظيم؛ لأن الحق - تبارك وتعالى - كما قال في الحديث القدسي - أغنى الشركاء عن الشرك، فكيف تلجأ إلى غير الله والله موجود؟ لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معى غيري، تركته وشِرْكه ". تفسير : ويعطينا الحق سبحانه بعدها صورة توضيحية لعاقبة الشرك: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31]. خرَّ: يعني سقط من السماء لا يُمسكه شيء، ومنه قوله تعالى: {أية : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ..}تفسير : [النحل: 26]. وفي الإنسان جمادية؛ لأن قانون الجاذبية يتحكم فيه، فإنْ صَعِد إلى أعلى لا بُدَّ أنْ يعود إلى الأرض بفعل هذه الجاذبية، لا يملك أنْ يُمسِك نفسه مُعلَّقاً في الهواء، فهذا أمر لا يملكه وخارج استطاعته، وفي الإنسان نباتية تتمثل في النمو، وفيه حيوانية تتمثل في الغرائز، وفيه إنسانية تتمثل في العقل والتفكير والاختيار بين البدائل، وبهذه كُرِّم عن سائر الأجناس. وتلحظ أن (خرَّ) ترتبط بارتفاع بعيد {خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ ..} [الحج: 31] بحيث لا تستطيع قوة أنْ تحميه، أو تمنعه لا بذاته ولا بغيره، وقبل أنْ يصل إلى الأرض تتخطفه الطير، فإنْ لم تتخطفه تهوي به الريح في مكان بعيد وتتلاعب به، فهو هالك هالك لا محالةَ، ولو كانت واحدة من هذه الثلاث لكانت كافية. وعلى العاقل أنْ يتأمل مغزى هذا التصوير القرآني فيحذر هذا المصير، فهذه حال مَنْ أشرك بالله، فإنْ أخذتَ الصورة على أنها تشبيه حالة بحالة، فها هي الصورة أمامك واضحة، وإنْ أردتَ تفسيراً آخر يُوضِّح أجزاءها: فالسماء هي الإسلام، والطير هي الشهوات، والريح هي ريح الشيطان، يتلاعب به هنا وهناك. فأيُّ ضياع بعد هذا؟ ومَنْ ذا الذي ينقذه من هذا المصير؟ ثم يقول سبحانه: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} معناه بعيدٌ.
الجيلاني
تفسير : يعني: اجتبوا عن الشرك والمعاصي المنافية للتوحيد، وكونوا {حُنَفَآءَ للَّهِ} مخلصين له غير مائلين عن دينه {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} شيئاً من مظاهره ومصنوعاته {وَ} اعلموا أيها العقلاء الموحدون أن {مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} الواحد الأحد المنزه عن الشريك مطلقاً سواء كان شركه خفياً أو جلياً {فَكَأَنَّمَا خَرَّ} وسقط {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: أوج الإيمان وأعلى درجة التوحيد والعرفان {فَتَخْطَفُهُ} أي: إذا سقط أخذه {ٱلطَّيْرُ} فجأة في الهواء، فيرميه في حضيض غائر بعيد عن العمران {أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ} حين سقوطه منها فتطرحه {فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] بعيد، ووادٍ عميق. وبالجملة من يشرك بالله - والعاي به منه - فقد وقع في هاوية الضلال بحيث لا يرجى نجاته منها أصلاً، الحكم والأمر. {ذٰلِكَ} المذكور لمن أشرك بالله، ونسي الأدب معه، ولم يعرف حق قدره {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} المأمورة في أداء الحج، ويوقرها حق توقيرها وتعظيمها {فَإِنَّهَا} أي: تعظيمها وتحسينها ناشئة {مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} [الحج: 32] الناظرة إلى الله بنور الحق في جميع حالاتها. {لَكُمْ} أيها المؤمنون الناسكون بمناسك الحج {فِيهَا} أي: في الهدايا والضحايا {مَنَافِعُ} درها وصوفها وشعرها وظهرها ونسلها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: إلى حلول وقتٍ عيّنه سبحانه لذبحها {ثُمَّ} بعدما قرب وقتها، وحان حينها {مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} [الحج: 33] أي: محل ذبحها عند البيت العتيق؛ أي: جميع الحرم حواليه. {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم الماضية {جَعَلْنَا مَنسَكاً} أي: مذبحاً معيناً يتقربون فيه إلينا، ويهدون نحونا بهدايا وقرابين وإنما أعطيناهم ذلك {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} عند التذكية والذبح {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ} مما ملكت أيمانهم {مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} قيدنا لهم؛ لأن الخيل والحمير لا يليق بالقربان والهدي، وبعدما علمتم أن لكل أمة مذبحاً معيناً ومنسكاً مخصوصاً يتقربون فيها إلينا {فَإِلَـٰهُكُمْ} أي: فاعلموا أن إلهكم {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أحد صمد فردٌ وترٌ لا تعدد فيه ولاشركة {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} وتوجهوا إن كنتم مسلِّمين أموركم إليه {وَبَشِّرِ} يا أكمل الرسل من بين المؤمنين المسلمين بالمثوبة العظمى، والدرجة العليا، والفوز بشرف اللقيا {ٱلْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34] المطيعين الخاضعين المتواضعين الذين خَبَت، وخمدت نار شهواتهم من بأس الله وخشيته. وهم {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ} القادر المقتدر بالإنعام والانتقام {وَجِلَتْ} وخشيت {قُلُوبُهُمْ} خوفاً من قهره وغضبه، وصولة صفات جلاله وسطوة سلطنته وكبريائه {وَ} أيضاً {ٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ} من المصيبات والبليات التي جرى حكم الله عليه في سابق قضائه {وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ} المفروضة بأوقاتها مع شرائطها، وأركانها، وآدابها تقرباً إليه، وتوجهاً نحوه بكمال الخضوع، والخشوع، والتذلل، والانكسار {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} و استخلفناهم عليه، ونسبناه إليهم {يُنفِقُونَ} [الحج: 35] على الوجه الذي أمرناهم به، أي: على المصارف المذكورة في قوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ}تفسير : [التوبة: 60]. متقربين بها إلى الله. {وَ} جعلنا خير الهدايا والضحايا {ٱلْبُدْنَ} جمع: بادن كبذل جميع باذل، وهي: الإبل خاصةً سميت بها؛ لعظم بدنها وجسامتها، وغلاء ثمنها، وعظم وقعها في نفوس الناس لذلك {جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} وأعلام دينه ومعالم بيته {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} كثير، وأجر جزيل، وثواب عظيم عند الله إن ذبحتموها، وإذا أردتم ذبحها {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا} عند تذكيتها قائلين: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم منك، وما لنا إلا امتثال ما أمرتنا به، والسرّ عندك ولديك، والحكمة دونك، واذبحوها {صَوَآفَّ} أي: صافة قوائمها مشدودة محكمة، ثم تطعنون في لباتها {فَإِذَا وَجَبَتْ} وسقطت {جُنُوبُهَا} على الأرض وخرجت روحها من الجسد {فَكُلُواْ مِنْهَا} إن شئتم {وَأَطْعِمُواْ} أيضاً {ٱلْقَانِعَ} وهو الفقير يقنع بما يُعطى، ولا يبادر إلى السؤال والإلحاح {وَ} أطعموا أيضاً {ٱلْمُعْتَرَّ} وهو الذي يبادر إلى السؤال قبل الإعطاء، ويبالغ فيه {كَذٰلِكَ} أي: على الوجه المذكور {سَخَّرْنَاهَا} وذللناها؛ أي: البُدن {لَكُمْ} مع أنها في كمال القوة والجسامة، وأنتم في غاية الضعف، كي تتفطنوا من تسخيرها وتذليلها عليكم إلى تذليل أمّارتكم المسلطة عليكم، فذبحتموها في طريق الحق مشدودة قوائم قواها عن مقتضاها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36] نعمة الإقدار والتوفيق عليها، وتعطون بدلها من لدنه سبحانه: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. واعلموا أيها المتقربون إلى الله بالهدايا والضحايا: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ} أي: لن يصيب ويصل إليه سبحانه {لُحُومُهَا} المتصدق بها، إذ هو منزه عنها وعن الانتفاع بها {وَ} أيضاً {لاَ} يصل إليه سبحانه {دِمَآؤُهَا} المهراقة {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ} ويصل منها إليه سبحانه {ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} أي: التحرز والاجتناب عن محارمه ومنهياته والامتثال بأوامره والإتيان بمأموراته، وبالجملة بقربكم إليه سبحاه امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لا اللحوم والدماء. ثم كرره سبحانه تأكيداً أو مبالغة بقوله: {كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} أي: الهدايا والضحايا {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ} المتعزز بالعظمة والكبرياء، المستقل بالمجد والبهاء حق تكبيره، وتعظموه حق تعظيمه وتوقيره {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} وأرشدكم إلى الإيمان والتوحيد {وَبَشِّرِ} يا أكمل الرسل {ٱلْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37] منهم، وهم الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، ويحسنون الأدب معه، كأنهم ينظرون إليه سبحانه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 678 : 18 : 14 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال {حُنَفَآءَ} قال، متبعين. [الآية 31]. 679 : 19 : 15 - سفين عن السدي قال، الحجاج.
همام الصنعاني
تفسير : 1929- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ}: [الآية: 31]، ق ال: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى، وهلاكه، {فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}: [الآية: 31].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):