Verse. 2627 (AR)

٢٢ - ٱلْحَجّ

22 - Al-Hajj (AR)

ذٰلِكَ۝۰ۤ وَمَنْ يُّعَظِّمْ شَعَاۗىِٕرَ اللہِ فَاِنَّہَا مِنْ تَقْوَي الْقُلُوْبِ۝۳۲
Thalika waman yuAAaththim shaAAaira Allahi fainnaha min taqwa alquloobi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» يقدر قبله الأمر، مبتدأ «ومن يعظم شعائر الله فإنها» أي فإن تعظيمها وهي البدن التي تهدى للحرم بأن تُستَحسَنَ وتُستمنَ «من تقوى القلوب» منهم، وسميت شعائر لإشعارها بما تعرف به أنها هدي طعن حديد بسنامها.

32

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ذٰلِكَ} فيه ثلاثة أوجه. قيل: يكون في موضع رفع بالابتداء، أي ذلك أمر الله. ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء محذوف. ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي اتّبعوا ذلك. الثانية: قوله تعالى: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} الشعائر جمع شَعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعَر به وأعلم؛ ومنه شِعار القوم في الحرب؛ أي علامتهم التي يتعارفون بها. ومنه إشعار البَدَنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة، فهي تسمى شعِيرة بمعنى المشعورة. فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك. وقال قوم: المراد هنا تسمين البُدْن والاهتمام بأمرها والمغالاة بها؛ قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة. وفيه إشارة لطيفة، وذلك أن أصل شراء البُدْن ربما يحمل على فعل ما لا بدّ منه، فلا يدل على الإخلاص، فإذا عظمها مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشرع، وهو من تقوى القلوب. والله أعلم. الثالثة: الضمير في «إنها» عائد على الفِعلة التي يتضمنها الكلام، ولو قال فإنه لجاز. وقيل إنها راجعة إلى الشعائر؛ أي فإن تعظيم الشعائر، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه، فرجعت الكناية إلى الشعائر. الرابعة: قوله تعالى: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} قرىء «القلوبُ» بالرفع على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو «تَقْوَى» وأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى في القلب؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في صحيح الحديث: «حديث : التقوى هاهنا» تفسير : وأشار إلى صدره. الخامسة: قوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} يعني البُدْن من الركوب والدَّرّ والنَّسل والصوف وغير ذلك، إذا لم يبعثها ربُّها هَدْياً، فإذا بعثها فهو الأجل المسمَّى؛ قاله ابن عباس. فإذا صارت بُدناً هَدْياً فالمنافع فيها أيضاً ركوبها عند الحاجة، وشربُ لبنها بعد رِيّ فصيلها. وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : رأى رجلاً يسوق بَدَنة فقال: «اركبها» فقال: إنها بدنة. فقال: «اركبها» قال: إنها بدنة. قال: «اركبها وَيْلَكَ» تفسير : في الثانية أو الثالثة. «حديث : وروي عن جابر بن عبد الله وسئل عن ركوب الهَدْي فقال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألْجِئت إليها حتى تجد ظَهْراً»»تفسير : . والأجل المسمَّى على هذا القول نحرها؛ قاله عطاء بن أبي رَباح. السادسة: ذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة لقوله عليه الصلاة والسلام: «اركبها». وممن أخذ بظاهره أحمد وإسحاق وأهل الظاهر. وروى ابن نافع عن مالك: لا بأس بركوب البَدَنة ركوباً غيرَ فادح. والمشهور أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها لحديث جابر فإنه مقيّد والمقيّد يقضي على المطلق. وبنحو ذلك قال الشافعيّ وأبو حنيفة. ثم إذا ركبها عند الحاجة نزل؛ قاله إسماعيل القاضي. وهو الذي يدل عليه مذهب مالك، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم أنه لا يلزمه النزول، وحجته إباحة النبيّ صلى الله عليه وسلم له الركوب فجاز له استصحابه. وقوله: «إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً» يدل على صحة ما قاله الإمام الشافعيّ وأبو حنيفة رضي الله عنهما؛ وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك. وقد جاء صريحاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدَنة وقد جُهد، فقال: «اركبها». وقال أبو حنيفة والشافعيّ: إن نَقَصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ويتصدّق به. السابعة: قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} يريد أنها تنتهي إلى البيت، وهو الطواف. فقوله: «مَحِلّها» مأخوذ من إحلال المحرِم. والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورَمْيُ الجِمار والسّعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه؛ قاله مالك في الموطأ. وقال عطاء: ينتهي إلى مكة. وقال الشافعيّ: إلى الحرم. وهذا بناء على أن الشعائر هي البُدْن، ولا وجه لتخصيص الشعائر مع عمومها وإلغاء خصوصية ذكر البيت. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ } دين الله أو فرائض الحج ومواضع نسكه، أو الهدايا لأنها من معالم الحج وهو أوفق لظاهر ما بعده، وتعظيمها أن تختارها حساناً سماناً غالية الأثمان. روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، وأن عمر رضي الله تعالى عنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار. {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } فإن تعظيمها منه من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات والعائد إلى من وذكر القلوب لأنها منشأ التقوى والفجور أو الآمرة بهما.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: هذا {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ} أي: أوامره {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن؛ كما قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: تعظيمها: استسمانها واستحسانها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سيعد الأشج، حدثنا حفص بن غياث عن ابن أبي ليلى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ} قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام. وقال أبو أمامة بن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون، رواه البخاري، وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين» تفسير : رواه أحمد وابن ماجه، قالوا: والعفراء هي البيضاء بياضاً ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزىء أيضاً؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، وعن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أقرن كحيل، يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، رواه أهل السنن، وصححه الترمذي ــــ أي: فيه نكتة سوداء في هذه الأماكن. وفي "سنن ابن ماجه" عن أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين، وكذا روى أبو داود وابن ماجه عن جابر: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين موجوءين. قيل: هما الخصيان، وقيل: اللذان رض خصياهما، ولم يقطعهما، والله أعلم. وعن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء، رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي، ولهم عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضحي بأعضب القرن والأذن، قال سعيد بن المسيب: العضب: النصف فأكثر، وقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى، فهي قصماء، فأما العضب، فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن: قطع بعضها. وعند الشافعي: أن الأضحية بذلك مجزئة، لكن تكره. وقال الإمام أحمد: لا تجزىء الأضحية بأعضب القرن والأذن؛ لهذا الحديث. وقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزىء، وإلا أجزأ، والله أعلم. وأما المقابلة فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة من مؤخر أذنها، والشرقاء هي التي قطعت أذنها طولاً، قاله الشافعي، وأما الخرقاء فهي التي خرقت السمة أذنها خرقاً مدوراً، والله أعلم. وعن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظَلعُها، والكسيرة التي لاتنقي» تفسير : رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي، وهذه العيوب تنقص اللحم لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي؛ لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزىء التضحية بها عند الشافعي وغيره من الأئمة، كما هو ظاهر الحديث، واختلف قول الشافعي في المريضة مرضاً يسيراً على قولين، وروى أبو داود عن عتبة بن عبد السلمي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء، فالمصفرة، قيل: الهزيلة، وقيل: المستأصلة الأذن، والمستأصلة: مكسورة القرن، والبخقاء: هي العوراء، والمشيعة: هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم، ولا تتبع؛ لضعفها، والكسراء: العرجاء، فهذه العيوب كلها مانعة من الإجزاء، فأما إن طرأ العيب بعد تعيين الأضحية، فإنه لا يضر عيبه عند الشافعي؛ خلافاً لأبي حنيفة، وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشاً أضحي به، فعدا الذئب، فأخذ الألية، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ضح به» تفسير : ولهذا جاء في الحديث: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، أي: أن تكون الهدية أو الأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيباً، فأعطي بها ثلثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً، فأعطيت بها ثلثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدناً؟ قال: «حديث : لا انحرها إياها» تفسير : وقال الضحاك عن ابن عباس: البدن من شعائر الله. وقال محمد بن أبي موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن من شعائر الله. وقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت. وقوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ} أي: لكم في البدن منافع من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}. قال مقسم عن ابن عباس في قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قال: ما لم تسم بدناً. وقال مجاهد في قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة، أو هدياً، ذهب ذلك كله، وكذا قال عطاء والضحاك وقتادة ومقاتل وعطاء الخراساني وغيرهم. وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها، وإن كانت هدياً، إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في "الصحيحين" عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة، قال: «حديث : اركبها» تفسير : قال: إنها بدنة. قال: «حديث : اركبها ويحك» تفسير : في الثانية أو الثالثة. وفي رواية لمسلم عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها» تفسير : وقال شعبة عن زهير بن أبي ثابت الأعمى عن المغيرة بن أبي الحر عن علي: أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، ومعها ولدها، فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر، فاذبحها وولدها. وقوله: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أي: محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق، وهو الكعبة؛ كما قال تعالى: {أية : هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95] وقال: {أية : وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} تفسير : [الفتح: 25] وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريباً، ولله الحمد. وقال ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل، قال الله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } يقدّر قبله الأمرُ، مبتدأ {وَمَن يُعَظّمْ شَعَٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا } أي فإن تعظيمها وهي البُدْنَ التي تهدى للحرم بأن تُسْتَحْسَن وتُستسمن {مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ } منهم، وسميت شعائر لإِشعارها بما تعرف به أنها هَدْي كطعن حديدة بسنامها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: فروض الله. والثاني: معالم دينه، ومنه قول الكميت: شعر : نقتلهم جيلاً فجيلاً نراهم شعائر قربان بهم يتقرب تفسير : وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها مناسك الحج، وتعظيمها إشعارها، وهو مأثور عن جماعة. والثاني: أنها البُدن المشعرة، وتعظيمها استسمانها واستحسانها، وهو قول مجاهد. والثالث: أنها دين الله كله، وتعظيمها التزامها، وهو قول الحسن. {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} قال الكلبي والسدي: من إخلاص القلوب. ويحتمل عندي وجهاً آخر أنه قصد الثواب. ويحتمل وجهاً آخر أيضاً: أنه ما أرضى الله تعالى: قوله عز وجل: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المنافع التجارة، وهذا قول من تأول الشعائر بأنها مناسك الحج، والأجل المسمى العود. والثاني: أن المنافع الأجر، والأجل المسمى القيامة، وهذا تأويل من تأولها بأنها الدين. والثالث: أن المنافع الركوب والدر والنسل، وهذا قول من تأولها بأنها الهَدْى فعلى هذا في الأجل المسمى وجهان: أحدهما: أن المنافع قبل الإِيجاب وبعده، والأجل المسمى هو النحر، وهذا قول عطاء. {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعتِيقِ} إن قيل إن الشعائر هي مناسك الحج ففي تأويل قوله: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وجهان: أحدهما: مكة، وهو قول عطاء. والثاني: الحرم كله محل لها، وهو قول الشافعي. وإن قيل إن الشعائر هي الدين كله فيحتمل تأويل قوله: {ثم محلها إلى البيت العتيق} أن محل ما اختص منها بالأجر له، هو البيت العتيق.

ابن عطية

تفسير : التقدير في هذا الموضع الأمر ذلك، و"الشعائر" جمع شعيرة وهي كل شيء لله تعالى، فيه أمر أشعر به وأعلم، قال فرقة: قصد بـ "الشعائر" في هذه الآية الهدي والأنعام المشعرة، ومعنى تعظيمها تسميتها والاهتبال بأمرها والمغالاة بها قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة، وعود الضمير في {إنها} على التعظمة والفعلة التي يتضمنها الكلام، وقرأ "القلوبُ" بالرفع على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو {تقوى}، ثم اختلف المتألون في قوله {لكم فيها منافع} الآية، فقال مجاهد وقتادة: أراد أن للناس في أنعامهم منافع من الصوف واللبن وغير ذلك ما لم يبعثها ربها هدياً فإذا بعثها فهو "الأجل المسمى"، وقال عطاء بن أبي رباح: أراد في الهدي المبعوث منافع من الركوب والاحتلاب لمن اضطر، و"الأجل" نحرها وتكون {ثم} لترتيب الجمل، لأن المحل قبل الأجل ومعنى الكلام عند هاتين الفرقتين {ثم محلها} إلى موضع النحر فذكر {البيت} لأنه أشرف الحرم وهو المقصود بالهدي وغيره، وقال ابن زيد وابن عمر والحسن ومالك: "الشعائر" في هذه الآية مواضع الحج كلها ومعالمه بمنى وعرفة والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك، وفي الآية التي تأتي أن البدن من الشعائر، و"المنافع" التجارة وطلب الرزق، ويحتمل أن يريد كسب الأجر والمغفرة، وبكل احتمال قالت فرقة و"الأجل" الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة وقوله، {محلها} مأخوذ من إحلال المحرم ومعناه ثم أخر هذا كله إلى طواف الإفاضة بـ {البيت العتيق}، فـ {البيت} على هذا التأويل مراد بنفسه، قاله مالك في الموطأ، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل أمة من الأمم المؤمنة {منسكاً} أي موضع نسك وعبادة وهذا على أن المنسك ظرف كالمذبح ونحوه، ويحتمل أن يريد به المصدر، وكأنه قال عبادة ونحو هذا، والناسك العابد، وقال مجاهد: سنة في هراقة دماء الذبائح، وقرأ معظم القراء "منسَكاً" بفتح السين وهو من نسك ينسك بضم السين في المستقبل، وقرأ حمزة والكسائي "منسِكاً" بكسر السين قال أبو علي: الفتح أولى لأنه إما المصدر وإما المكان وكلاهما مفتوح والكسر في هذا من الشاذ في اسم المكان أن يكون مفعل من فعل يفعل مثل مسجد من سجد يسجد، ولا يسوغ فيه القياس، ويشبه أن الكسائي سمعه من العرب. وقوله {ليذكروا اسم الله} معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر الله وأن يكون الذبح له لأنه رازق ذلك، ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه فالإله واحد لجميعكم بالأمر كذلك في الذبيحة إنما ينبغي ان تخلص له، و {أسلموا} معناه لحقه ولوجهه ولإنعامه آمنوا وأسلموا، ويحتمل أن يريد الاستسلام ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر بشارة على الإطلاق وهي أبلغ من المفسرة لأنها مرسلة مع نهاية التخيل، و {المخبتين} المتواضعين الخاشعين من المؤمنين، والخبت ما انخفض من الأرض والمخبت المتواضع الذي مشيه متطامن كأنه في حدود من الأرض وقال عمرو بن أوس المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال شريف من خلق المؤمن الهين اللين، وقال مجاهد: هم المطمئنون بأمر الله، ووصفهم تعالى بالخوف والوجل عند ذكر الله، وذلك لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ووصفهم بالصبر وبإقامة الصلاة وإدامتها، وقرأ الجمهور "الصلاة" بالخفض، وقرأ ابن أبي إسحاق "الصلاة" بالنصب على توهم النون وأن حذفها للتخفيف، ورويت عن أبي عمرو، وقرأ الأعمش "والمقيمين الصلاةَ" بالنون والنصب في "الصلاة" وقرأ الضحاك "والمقيم الصلاة"، وروي أن هذه الآية، قوله {وبشر المخبتين} نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {شَعَائِرَ اللَّهِ} فروضه، أو معالم دينه يريد مناسك الحج تعظيمها: بإتمامها.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ} التقدير في هذا الموضع: الأمر ذلك، و {الشعائر} جمع شعيرة وهي كُلُّ شيء للّه عز وجل فيه أمر أشعر به وأعلم. قال الشيخ ابن أبي جمرة: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} قال تعظيمُ شعائِرِ اللّهِ، كان من البقع أو من البشر أو مِمَّنْ شاء اللّه تعالى ـــ زيادَةٌ في الإيمان وقوة في اليقين. انتهى. وقال العراقي في أرجوزته: [الرجز] شعر : أَعْلاَمُ طَاعَةٍ هِيَ الشَّعَائِر ......................... تفسير : البيت. وقالت فرقة: قصد بالشعائر في هذه الآية الهَدْيُ والأنعام المشعرة، ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بأمرها، قاله ابن عباس وغيرُه، ثم اخْتَلَفَ المتأوِّلُون في قوله سبحانه: {لَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ...} الآية: فقال مجاهد وقتادة: أراد أنَّ للناس في أنعامهم منافِعَ من الصُّوف، واللَّبَن، والذبح للأكل، وغيرِ ذلك ما لم يبعثها رَبُّها هدياً، فَإذا بعثها فهو الأجل المُسَمَّى، وقال عطاء: أراد لكم في الهدي المبعوثِ منافِعُ، من الركوب، والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها، وتكون «ثم» من قوله: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} لترتيب المحل؛ لأَنَّ المَحِلَّ قبل الأجل، ومعنى الكلام عند هذين الفريقين: ثم مَحِلَّها إلى موضع النحر، وذكر البيت؛ لأنَّه أشرفُ الحرم، وهو المقصود بالهدي وغيره. وقال ابن زيد، والحسن، وابن عمر، ومالك: الشعائر في هذه الآية: مواضِعُ الحج كُلُّها ومعالمه بمنى، وَعَرَفَةَ، والمزدلفة، والصَّفَا والمروة، والبيت وغير ذلك، وفي الآية التي تأتي أَنَّ البُدنَ من الشعائر، والمنافِعُ: التجارة وطلب الرزق أوِ الأجر والمغفرة، والأجل المُسَمَّى: الرجوعُ إلى مكة لطواف الإفاضة، ومَحِلُّها مأخوذٌ من إحلال المحرم، والمعنى: ثم أُخِّروا هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق، فالبيتُ على هذا التأويل مُرَادٌ بنفسه، قاله مالك في «الموطإ». * ت * وأظهرُ هذه التأويلات عندي تأويلُ عطاءٍ، وفي الثالث بعضُ تكلُّفٍ، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل أُمة من الأُمم المؤمنة منسكاً، أي: موضعَ نُسُكٍ وعبادة، هذا على أَنَّ المنسك ظرف، ويحتملُ أَنْ يريد به المصدر كأنه قال: عبادة، والناسِكِ العابد. وقال مجاهد: سُنَّةً في هراقة دماء الذبائح. وقوله: {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر اللّه، وأن يكون الذبح له؛ لأَنَّهُ رازق ذلك، وقوله: {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} أي: آمنوا، ويحتمل أَنْ يريد استسلموا، ثم أمر سبحانه نَبيَّه صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبَشِّرَ بشارةً على الإطلاق، وهي أبلغ من المفسرة؛ لأنها مُرْسَلَةٌ مع نهاية التخيل للمخبتين المتواضعين الخاشعين المؤمنين، والخبت ما انخفض من الأَرض، والمُخْبِتُ المتواضع الذي مَشْيُهُ متطامن كأنه في حدورٍ من الأرض، وقال عمرو بن أوس: المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. قال * ع *: وهذا مثال شريف من خُلُقِ المؤمن الهيّنِ الليِّنِ، وقال مجاهد: هم المطمئنون بأمر اللّهِ تعالى، ووصفهم سبحانه بالخوفِ والوَجَلِ عند ذكر اللّه تعالى، وذلك لِقُوَّةِ يقينهم ومراقبتهم لربهم، وكأنهم بين يديه جلَّ وعلا، ووَصَفَهُم بالصبر وبإقامة الصلاة وإدامتها، ورُوِيَ: أَنَّ هذه الآية قوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ (رضي اللّه عنهم أجمعين).

البقاعي

تفسير : {ذلك} أي الأمر العظيم الكبير ذلك، فمن راعاه فاز، ومن حاد عنه خاب؛ ثم عطف عليه ما هو أعم من هذا المقدر فقال: {ومن} ويجوز أن يكون حالاً، أي أشير إلى الأمر العظيم والحال أنه من {يعظم شعائر الله} أي معالم دين الملك الأعظم التي ندب إليها وأمر بالقيام بها في الحج، جمع شعيرة وهي المنسك والعلامة في الحج، والشعيرة أيضاً: البدنة المهداة إلى البيت الحرام، قال البغوي: وأصلها من الإشعار وهو إعلامها ليعرف أنها هدي - انتهى. ولعله مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء من شعرها أو أزيل عن محل الجرح، فيكون من الإزالة، وتعظيمها استحسانها، فتعظيمها خير له لدلالته على تقوى قلبه {فإنها} أي تعظيمها {من} أي مبتدىء من {تقوى القلوب*} التي من شأنها الشعور بما هو أهل لأن يعظم، فمعظمها متق، وقد علم بما ذكرته أنه حذف من هذه جملة الخير ومن قوله {ومن يعظم حرمات الله} سبب كونه خيراً له، وهو التقوى، ودل على إرادته هناك بذكره هنا، وحذف هنا كون التعظيم خيراً، ودل عليه بذكره هناك، فقد ذكر في كل جملة ما دل على ما حذف من الأخرى كما تقدم في {أية : قد كان لكم آية في فئتين}تفسير : [آل عمران: 13] في آل عمران، وأنه يسمى الاحتباك، وتفسيري للشعائر بما بما ذكرته من الأمر العام جائز الإرادة، ويكون إعادة الضمير على نوع منه نوعاً من الاستخدام، فقوله: {لكم فيها} معناه: البدن أو النعم المهداة أو مطلقاً {منافع} بالدر والنسل والظهر ونحوه فكلما كانت سمينة حسنة كانت منافعها أكثر ديناً ودنيا {إلى أجل مسمى} وهو الموت الذي قدرناه على كل نفس، أو النحر إن كانت مهداة، أو غير ذلك، وهذا تعليل للجملة التي قبله، فإن المنافع حاملة لذوي البصائر على التفكر فيها لا سيما مع تفاوتها، والتفكر فيها موصل إلى التقوى بمعرفة أنها من الله، وأنه قادر على ما يريد. وأنه لا شريك له. ولما كانت هذه المنافع دنيوية، وكانت منفعة نحرها إذا أهديت دينية، أشار إلى تعظيم الثاني بأداة التراخي فقال: {ثم محلها} أي وقت حلول نحرها بانتهائكم بها {إلى البيت العتيق*} أي إلى فنائه وهو الحرم كما قال تعالى {أية : هدياً بالغ الكعبة} تفسير : [المائدة: 95]. ولما كان التقدير: جعل لكم سبحانه هذه الأشياء مناسك، عطف عليه قوله: {ولكل أمة} أي من الأمم السالفة وغيرها {جعلنا} بعظمتنا التي لا يصح أن تخالف {منسكاً} أي عبادة أو موضع عبادة أو قرباناً، فإنه يكون مصدر نسك - كنصر و كرم - نسكاً ومنسكاً، ويكون بمعنى الموضع الذي يعبد فيه، والذي يذبح فيه النسك وهو الهدي، وقال ابن كثير: ولم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعاً في جميع الملل. ثم أتبع هذا الجعل عتله بياناً لأنه ليس مقصوداً في نفسه فقال: {ليذكروا} ولما كان الدين سهلاً سمحاً ذا يسر، رضي بالدخول فيه بالظاهر فقال: {اسم الله} أي الملك الأعلى وحده، على ذبائحهم وقرابينهم وعبادتهم كلها، لأنه الرزاق لهم وحده؛ ثم علل الذكر بالنعمة تنبيهاً على التفكر فيها فقال: {على ما رزقهم} فوجب شكره به عليهم {من بهيمة الأنعام}. ولما علم أن الشارع لجميع الشرائع الحقة واحد، وأن علة نصبه لها ذكره وحده، تسبب عنه قوله: {فإلهكم} أي الذي شرع هذه المناسك كلها. ولما كان الإله ما يحق له الإلهية بما تقرر من أوصافه، لا ما سمي إلهاً، قال: {إله} ووصفه بقوله: {واحد} أي وإن اختلفت فروع شرائعه ونسخ بعضها بعضاً، ولو اقتصر على "واحد" لربما قال متعنتهم: إن المراد اقتصارنا على واحد مما نعبده. والتفت إلى الخطاب لأنه أصرح وأجدر بالقبول. ولما ثبت كونه واحداً، وجب اختصاصه بالعبادة، فلذا قال: {فله} أي وحده {أسلموا} أي انقادوا بجميع ظواهركم وبواطنكم في كل ما أمر به أو نهى عنه ناسخاً كان أو لا وإن لم تفهموا معناه كغالب مناسك الحج. ولما أمر بالإسلام من يحتاج إلى ذلك إيجاداً أو تكميلاً أو إدامة، وكان الإسلام هو سهولة الانقياد من غير كبر ولا شماخة، وكان منشأ الطمأنينة والتواضع اللذين هما أنسب شيء لحال الحجاج المتجرد من المخيط المكشوف الرأس الطالب لوضع أوزاره، وتخفيف آصاره لستر عوراه، أقبل سبحانه وتعالى على الرأس من المأمورين، الحائز لما يمكن المخلوقين أن يصلوا إليه من رتب الكمال، وخلال الجمال والجلال، إشارة إلى أنه لا يلحقه أحد في ذلك فقال: {وبشر المخبتين*} أي المتواضعين، المنكسرين، من الخبت - للأرض المنخفضة الصالحة للاستطراق وغيره من المنافع؛ ثم بين علاماتهم فقال: {الذين إذا ذكر الله} أي الذي له الجلال والجمال {وجلت} أي خافت خوفاً مزعجاً {قلوبهم}. ولما كان في ذكر الحج، وكان ذلك مظنة لكثرة الخلطة الموجبة لكثرة الأنكاد ولا سيما وقد كان أكثر المخالطين مشركين، لأن السورة مكية، قال عاطفاً غير مُتبع، إيذاناً بالرسوخ في الأوصاف: {والصابرين} الذين صار الصبر عادتهم {على ما أصابهم} كائناً ما كان. ولما كان ذلك شاغلاً عن الصلاة، قال: {والمقيمي الصلاة} أي وإن حصل لهم من المشاق بأفعال الحج وغيره ما عسى أن يحصل، ولذلك عبر بالوصف دون الفعل إشارة إلى أنه لا يقيمها على الوجه المشروع مع ذلك المشاق والشواغل إلا الأراسخ في حبها، فهم - لما تمكن من حبها في قلوبهم والخوف من الغفلة عنها - كأنهم دائماً في صلاة. ولما كان ما يحصل فيه من زيادة النفقة ربما كان مقعداً عنه، رغب فيه بقوله: {ومما رزقناهم} فهم لكونه نعمة منا لا يبخلون به، ولأجل عظمتنا يحسنون ظن الخلف {ينفقون*} أي يجددون بذله على الاستمرار، بالهدايا التي يغالون في أثمانها وغير ذلك، إحساناً إلى خلق الله، امتثالاً لأمره كالخبت الباذل لما يودعه تعالى فيه من الماء والمرعى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ذلك ومن يعظم شعائر الله‏}‏ قال‏:‏ البدن‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ذلك ومن يعظم شعائر الله‏} ‏ قال‏:‏ الاستسمان والاستحسان والاستعظام‏.‏ وفي قوله ‏ {‏لكم فيها منافع إلى أجل مسمى‏} ‏ قال‏:‏ إلى أن تسمى بدنا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد ‏ {‏ذلك ومن يعظم شعائر الله‏}‏ قال‏:‏ استعظام البدن واستسمانها واستحسانها ‏ {‏لكم فيها منافع إلى أجل مسمى‏} ‏ قال‏:‏ ظهورها وأوبارها واشعارها وأصوافها، إلى أن تسمى هدياً‏.‏ فإذا سميت هدياً ذهبت المنافع ‏ {‏ثم محلها‏} ‏ يقول‏:‏ حين يسمى إلى البيت العتيق‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك وعطاء في الأية قال‏:‏ المنافع فيها، الركوب عليها إذا احتاج، وفي أوبارها وألبانها‏.‏ والأجل المسمى‏:‏ إلى أن تقلد فتصير بدناً ‏{‏ثم محلها إلى البيت العتيق‏} ‏ قالا‏:‏ إلى يوم النحر تنحر بمنى‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله ‏ {‏ثم محلها إلى البيت العتيق‏} ‏ قال‏:‏ إذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن موسى في قوله ‏ {‏ذلك ومن يعظم شعائر الله‏} ‏ قال‏:‏ الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبجمع من شعائر الله، والبدن من شعائر الله ورمي الجمار من شعائر الله، والحلق من شعائر الله‏.‏‏.‏‏.‏ فمن يعظمها ‏ {‏فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى‏}‏ قال‏:‏ لكم في كل مشعر منها منافع إلى أن تخرجوا منه إلى غيره ‏ {‏ثم محلها إلى البيت العتيق‏}‏ قال‏:‏ محل هذه الشعائر كلها، الطواف بالبيت العتيق‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء، أنه سئل عن شعائر الله قال‏:‏ حرمات الله، اجتناب سخط الله واتباع طاعته‏.‏ فذلك شعائر الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولكل أمة جعلنا منسكا‏ً} ‏ قال‏:‏ عيداً‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولكل أمة جعلنا منسكا‏ً}‏ قال‏:‏ إهراق الدماء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ‏ {‏ولكل أمة جعلنا منسكا‏ً}‏ قال‏:‏ ذبحا‏ً. وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمر‏: ‏ ‏"حديث : ‏أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بعيد الأضحى جعله الله لهذه الأمة‏.‏ قال الرجل‏:‏ فإن لم نجد إلا ذبيحة أنثى أو شاة أعليّ، اذبحها‏؟‏ قال‏: لا، ولكن قلم أظفارك وقص شاربك واحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي، عن أبي هريرة قال‏:‏ "حديث : ‏"‏نزل جبريل فقال النبي صلى الله عليه وسلم كيف رأيت عيدنا‏؟‏ فقال‏:‏ لقد تباهى به أهل السماء‏!‏‏.‏‏.‏‏.‏ اعلم يا محمد، أن الجذع من الضأن خير من السيد من المعز، وإن الجذع من الضأن خير من السيد من البقر، وإن الجذع من الضأن خير من السيد من الإبل‏.‏ ولو علم الله خيراً منه فدى بها إبراهيم‏ "‏‏تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه قال‏:‏ في هذه الآية ‏ {‏ولكل أمة جعلنا منسكا‏ً}‏ أنه مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها‏. أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله‏:‏ ‏"حديث : ‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى للناس يوم النحر، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بكبش فذبحه هو بنفسه وقال‏: بسم الله والله أكبر‏.‏‏.‏‏.‏ اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن جابر قال‏: ‏ ‏"حديث : ‏ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين في يوم عيد فقال حين وجههما‏:‏ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏.‏ اللهم منك ولك وعن محمد وأمته‏. ثم سمى الله وكبر وذبح‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الأضاحي والبيهقي في الشعب، عن علي أنه قال حين ذبح‏:‏ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين‏. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين فسمى وكبر‏. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه كان إذا ذبح قال‏:‏ بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك اللهم تقبل مني‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ‏ {‏فله أسلموا‏} ‏ يقول‏:‏ فله أخلصوا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم‏.‏ عن مجاهد في قوله ‏ {‏وبشر المخبتين‏} ‏ قال‏:‏ المطمئنين‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمرو بن أوس ‏ {‏وبشر المخبتين‏} ‏ قال‏:‏ المخبتون، الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه ‏{‏وبشر المخبتين‏} ‏ قال‏:‏ المتواضعين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ‏ {‏وبشر المخبتين‏} ‏ قال‏:‏ الوجلين‏. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه كان إذا رأى الربيع بن خثيم قال‏:‏ ‏ {‏وبشر المخبتين‏} ‏ وقال له‏:‏ ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين‏.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} أي الأمرُ ذلكَ أو امتثلُوا ذلك {وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ} أي الهَدَايا فإنَّها من معالم الحجِّ وشعائرِه تعالى كما يُنبىء عنه. { أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُمْ مّن شَعَـٰئِرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحج: 36] وهو الأوفقُ لما بعده. وتعظيمُها اعتقادُ أنَّ التَّقربَ بها من أجلِّ القُرباتِ وأنْ يختارَها حِساناً سِماناً غاليةَ الأثمانِ. رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أهدى مائةَ بَدَنةٍ، فيها جملٌ لأبـي جهلٍ في أنفه بُرَةٌ من ذهبٍ، وأنَّ عمرَ رضي الله عنه أهدى نَجيبةً طُلبتْ منه بثلاثمائةِ دينارٍ {فَإِنَّهَا} أي فإنَّ تعظيمَها {مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} أي من أفعال ذَوي تقوىٰ القلوبِ فحُذفتْ هذه المضافاتُ والعائدُ إلى مَن. أو فإنَّ تعظيمَها ناشىءٌ من تقوى القلوب. وتخصيصُها بالإضافة لأنَّها مراكزُ التَّقوى التي إذا ثبتتْ فيها وتمكَّنتْ ظهر أثرُها في سائر الأعضاءِ. {لَكُمْ فِيهَا} أي في الهَدَايا {مَنَـٰفِعُ} هي درُّها ونسلُها وصوفُها وظهرُها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو وقت نحرِها والتَّصدُّقُ بلحمها والأكلُ منه {ثُمَّ مَحِلُّهَا} أي وجوبُ نحرِها أو وقت نحرِها منتهيةً {إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} أي إلى ما يليهِ من الحرمِ. وثمَّ للتَّراخي الزَّمانيِّ أو الرُّتَبِّـي أي لكم فيها منافعُ دنيويَّةٌ إلى وقتِ نحرِها ثمَّ منافعُ دينيَّةٌ أعظمها في النَّفعِ محلُّها أي وجوبُ نحرِها أو وقت وجوبِ نحرِها إلى البـيتِ العتيقِ أي منتهيةً إليه. هذا وقد قيل المرادُ بالشَّعائرِ مناسكُ الحجِّ ومعالمُه. والمعنى لكُم فيها منافعُ بالأجر والثَّوابِ في قضاءِ المناسكِ وإقامةِ شعائرِ الحجَّ إلى أجلٍ مُسمَّى هو انقضاءُ أيَّامِ الحجِّ ثمَّ محلُّها أي محلُّ النَّاسِ من إحرامهم إلى البـيتِ العتيقِ أي منتهٍ إليه بأن يطوفُوا به طوافَ الزِّيارةِ يومَ النَّحرِ بعد قضاء المناسكِ، فإضافةُ المحلِّ إليها لأدنى ملابسةٍ. {وَلِكُلّ أُمَّةٍ} أي لكلِّ أهلِ دينٍ {جَعَلْنَا مَنسَكًا} أي مُتعبَّداً وقُرباناً يتقرَّبون به إلى الله عزَّ وجلَّ. وقُرىء بكسر السِّين أي موضعُ نُسُكٍ. وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفعل للتَّخصيص أي لكلِّ أُمَّةٍ من الأُممِ جعلنا منسكاً لا لبعضٍ دونَ بعضٍ. {لّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} خاصَّةً دون غيرِه ويجعلُوا نسيكتهم لوجهه الكريمِ عُلِّل الجعلُ به تنبـيهاً على أنَّ المقصودَ الأصليَّ من المناسكِ تذكُّرُ المعبودِ. {عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ} عند ذبحِها، وفيه تنبـيهٌ على أنَّ القُربان يجبُ أنْ يكونَ من الأنعام. والخطابُ في قوله تعالى: {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} للكلِّ تغليباً. والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلَها فإنَّ جعلَه تعالى لكلِّ أُمَّةٍ من الأُمم مَنْسكاً ممَّا يدلُّ على وحدانيَّته تعالى. وإنَّما قيل إلٰهٌ واحدٌ ولم يُقل واحدٌ لما أنَّ المرادَ بـيانُ أنَّه تعالى واحدُ في ذاتهِ كما أنَّه واحدٌ في إلٰهيَّتهِ للكلِّ. والفاءُ في قوله تعالى: {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} لترتيب ما بعدها من الأمر بالإسلام على وحدانيَّتهِ تعالى، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الأمر للقصر، أي فإذا كان إلٰهكم إلٰهاً واحداً فأخلصوا له التَّقرُّبَ أو الذِّكرَ واجعلُوه لوجههِ خاصَّةً ولا تشوبُوه بالشِّرك {وَبَشّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} تجريدٌ للخطاب إلى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أي المُتواضعينَ أو المُخلِصين فإنَّ الإخباتَ من الوظائف الخاصَّةِ بهم.

السلمي

تفسير : قال سهل رحمة الله عليه: تقوى القلوب هو ترك الذنوب، وكل شىء يقع عليه اسم الذنب. وقال جعفر: تقوى القلوب ما يرد الجوارح عن المخالفات. وقال الحريرى: تقوى النفوس ظاهر، وتقوى القلوب باطن. قال الجنيد رحمة الله عليه: من تعظيم شعائر الله إظهار التوكل والتفويض واليقين والتسليم فإنها من شعائر الحق فى أسرار أوليائه فإذا عظمه وعظم حرمته زين الله ظاهره بفنون الآداب.

القشيري

تفسير : يقف المؤمنُ على تعيين شعائر الله وتفصيلها بشهادة العلم جهراً، وبخواطر الإلهام سِرَّاً. وكما لا تجوز مخالفةُ شهادة الشرع لا تجوز مخالفة شهادة خواطر الحق فإِنّ خاطر الحقِّ لا يكذِبُ، وعزيزٌ مَنْ له عليه وقوف. وكما أَنّ النَّفْسَ لا تصدق فالقلب لا يكذب، وإذا خولف القلبُ عَمِيَ في المستقبل، وانقطعت عنه تعريفاتُ الحقيقة، والعبارة والشرح يتقاصران عن ذكر هذا التعيين والتفسير. ويقوي القلبُ بتحقيق المنازلة؛ فإذا خرست النفوسُ، وزالت هواجسها، فالقلوب تنِطق بما تُكاشَفُ به من الأمور. ومنَ الفَرْقِ بين ما يكون طريقه العلم وما طريقه من الحق أن الذي طريقه العلم يعلم صاحبُه أولاً ثم يعمل مختاراً، وما كان من الحق يجري ويحصل ثم بعده يعلم مَنْ جرى عليه ذلك معناه، ولا يكون الذي يجْرِي عليه ما يُجْرَى مضطراً إلى ما يُجْرَى. وليس يمكن أن يقال إنه ليس له اختيار، بل يكون مختاراً ولكنَّ سببَه عليه مشكلٌ، والعجب من هذا أن العبارة عنه كالبعيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى الامر والشأن ذلك الذى ذكر من ان تعظيم حرمات الله خير وان الاجتناب عن الاشراك وقول الزور امر لازم او امتثلوا ذلك {ومن يعظم شعائر الله} اى الهدايا فانها من معالم الحج وشعائره كما ينبىء عنه قوله تعالى {أية : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله}تفسير : وهو الاوفق لما بعده. والشعائر جمع شعيرة وهى العلامة من الاشعار وهو الاعلام والشعور العلم وسميت البدنة شعيرة من حيث انها تشعر بان تطعن فى سنامها من الجانب الايمن والايسر حتى يسيل الدم فيعلم انها هدى فلا يتعرض لها فهى من جملة معالم الحج بل من اظهرها واشهرها علامة وتعظيمها اعتقاد ان التقرب بها من اجل القربات وان يختارها حسانا سمانا غالية الاثمان ـ روى ـ انه عليه السلام اهدى مائة بدنة فيها جمل لابى جهل فى انفه برة من ذهب وان عمر اهدى نجيبة اى ناقة كريمة طلبت منه بثلاثمائة دينار شعر : هركسى ازهمت والاى خويش سود بردارد خور كالاى خويش تفسير : قال الجنيد من تعظيم شعائر الله التوكل والتفويض والتسليم فانها من شعائر الحق فى اسرار اوليائه فاذا عظمه وعظم حرمته زين الله ظاهره بفنون الآداب {فانها} أى فان تعظيمها ناشىء {من تقوى القلوب} وتخصيصها بالاضافة لانها مركز التقوى التى اذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر اثرها فى سائر الاعضاء.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ذلك} أي: الأمر ذلك، أو امتثلوا ذلك، {ومن يُعَظِّمْ شعائرَ الله} أي: الهدايا، فإنها معالم الدين وشعائره تعالى، كما يُنبئ عنه: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} وتعظيمها: اعتقاد التقرب بها، وأن يختارها سِمَانًا حسانًا غالية الأثمان، رُوي "أنه صلى الله عليه وسلم أَهْدَى مِائَةَ بَدَنَةِ، فِيهَا جَمَلٌ لأَبِي جَهْلٍ، في أنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ ذَهَب". وأن عمر رضي الله عنه - أهدى نجيبة طُلبت منه بثلاثمائة دينار -. وقيل: شعائر الله: مواضع الحج، كعرفة ومنى والمزدلفة. وتعظيمها: إجلالها وتوقيرها، والتقصد إليها. وقيل: الشعائر: أمور الدين على الإطلاق، وتعظيمها: القيام بها ومراعاة آدابها. {فإِنها} أي: فإن تعظيمها {من تقوى القلوب} أي: من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب؛ لأنها مراكز التقوى. {لكم فيها منافع}؛ من الركوب عند الحاجة، ولبنها عند الضرورة، {إِلى أجل مسمى}؛ إلى أن تُنحر. ومن قال: شعائر الله: مواضع الحج، فالمنافع: التجارة فيها والأجر، والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة. {ثم مَحِلُّها} منتهية {إِلى البيت العتيق}، قال ابن جزي: من قال: إن الشعائر الهدايا، فمحلها موضع نحرها، وهي مِنى ومكة. وخصّ البيت بالذكر؛ لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهدي. و "ثم"، على هذا، ليست للترتيب في الزمان؛ لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجمل. ومن قال: إن الشعائر مواضع الحج، فمحلها مأخوذ من إحلال المحرم، أي: آخر ذلك كله: الطواف بالبيت، أي: طواف الإفاضة؛ إذ به يحل المحرم. هـ. أي: محل شعائر الحج كلها تنتهي إلى الطواف بالبيت، طواف الإفاضة. ومثله في الموطأ. {ولكلِّ أمة}؛ جماعة مؤمنة قبلكم، {جعلنا منسَكًا} أي: مُتَعبدًا وقربانًا يتقربون به إلى الله - عزّ وجلّ - والمنسك - بالفتح -: مصدر، وبالكسر: اسم موضع النُسك، أي: لكلٍّ حعلنا عبادة يتعبدون بها، أو موضع قربان، يذبحون فيه مناسكهم، {ليذكروا اسمَ الله} دون غيره، {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} أي: عند نحرها وذبحها، {فإِلهكم إِلهٌ واحدٌ} أي: اذكروا على الذبائح اسم الله وحده؛ فإن إلهكم إله واحد، {فله أسلِمُوا} أي: فإذا كان إلهكم إلهًا واحدًا؛ فأخلصوا له التقرب، أو الذكر خاصة، واجعلوه له سالمًا، لا تشوبوه بإشراك. {وبشر المخبتين}؛ المطمئنين بذكر الله، أو المتواضعين، أو المخلصين، فإن الإخبات من الوظائف الخاصة بهم. والخَبْتُ: المطمئن من الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنه: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله: {الذين إِذا ذُكرَ اللهُ وجِلَتْ قلوبُهم}: خافت منه؛ هيبة؛ لإشراق أشعة جلاله عليها. {والصابرين على ما أصابهم} من مشاق التكاليف ومصائب الزمان والنوائب، {والمقيمي الصلاة} في أوقاتها، {ومما رزقناهم يُنفقون} في وجوه الخيرات. {والبُدْنَ جعلناها لكم من شعائر الله} أي: من أعلام دينه، وأضافها إلى نفسه؛ تعظيمًا لها، وهي: جمع بدنة، سميت به؛ لعظم بدنها، ويتناول الإبل والبقر والغنم. {لكم فيها خيرٌ} أي: منافع دينية ودنيوية، النفع في الدنيا، والأجر في العقبى. {فاذكروا اسم الله عليها} بأن تقولوا عند ذبحها: بسم الله، اللهم منك وإليك. حال كونها {صوافَّ} أي: قائمات، قد صففن أيديهن وأرجلهن. {فإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}: سقطت على الأرض، وسكنت حركتها، من وجب الحائط وجبة: سقط، وهي كناية عن الموت. {فكُلُوا منها} إن شئتم {وأطعِمُوا القانعَ}: السائل، مِنْ: قنع إليه قنوعًا: إذا خضع، {والمُعْتَرَّ}؛ الذي يُعَرِّضُ ولا يسأل. وقيل: القانع: الراضي بما عنده وبما يُعطي من غير سؤال، والمعترَّ: المتعرض للسؤال. {كذلك سخرناها لكم} أي: كما أمرناكم بنحرها سخرناها لكم، أي: ذللناها لكم، مع قوتها وعظم أجرامها؛ لتتمكنوا من نحرها، {لعلكم تشكرون} أي: لكي تشكروا إنعام الله عليكم. {لن ينال اللهَ لحومُها} المُتَصَدَّقُ بها، {ولا دماؤها} المهراقة بالنحر، أي: لن يصل إلى الله اللحم والدم، {ولكن ينالُه التقوى منكم}؛ فإنه هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل الثواب. والمراد: لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى، أي: الإخلاص لله، وقصد وجه الله، بما تذبحون وتنحرون من الهدايا. فعبَّر عن هذا المعنى بلفظ {ينال}؛ مبالغةً وتأكيدًا، كأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما يصل إليه التقوى منكم، وقيل: كان أهل الجاهلية يلطخون الكعبة بدماء قربانهم، فهمَّ المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك، فنزلت الآية. {كذلك سخرها لكم} أي: البدن، وهو تكرير للتذكير والتعليل، لقوله: {لتكبِّروا الله على ما هداكم} أي: لتعرفوا عظمة الله، باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحدوه بالكبرياء؛ شكرًا على هدايته لكم. وقيل: هو التكبير عند الذبح {وبشر المحسنين}: المخلصين في كل ما يأتون ويذرون في أمور دينهم. وبالله التوفيق. الإشارة: أعظم شعائر الله التي يجب تعظيمها أولياء الله، الدالين على الله، ثم الفقراء المتوجهون إلى الله، ثم العلماء المعلمون أحكام الله، ثم الصالحون المنتسبون إلى الله، ثم عامة المؤمنين الذين هم من جملة عباد الله. ويجب تعظيم مَنْ نصبه الله لقيام خطة من الخطط؛ لإصلاح العباد؛ كالسلاطين، ولو لم يعدلوا، والقضاة والقواد، والمقدمين لأمور العامة، فتعظيم هؤلاء كله من تقوى القلوب. ويدخل في ذلك: الأماكن المعظمة؛ كالمساجد والزوايا، وأما الفقير فَيُعَظِّمُ كل ما خلق الله حتى الكلاب، ويتأدب مع كل مخلوق. وقوله تعالى: {لكم فيها منافع} أي: لكم في هذه التجليات، إن عظمتموها وعرفتم الله فيها، منافع، ترعَوْن من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها، فتزدادوا معرفة وتكميلاً، إلى أجل مسمى، وهو مقام التمكين، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة، فتكون الأنوار له، لا هو للأنوار، لأنه لله لا لشئ دونه،{أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأنعام: 91]. ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة، فحينئذ يستغني بالله عن كل ما سواه. وقوله تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكًا} أي: لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة، والوصول واحد؛ ولذلك قال: {فإلهكم إله واحد}. وقال القشيري: الشرائعُ مختلفةٌ فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف. ثم قال: ذكّرهم الله بأنه هو الذي أمرهم ويُثيبهم، {فله أسلموا}: اسْتَسلموا لحكمِه، من غير استكراهٍ من داخل القلب ولا من اللفظ. هـ. وقوله تعالى: {والبدن...} الآية. قال الورتجبي: فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات، وزمها بالرياضات عن المخالفات، وفناء الوجود للمشاهدات، حتى لا يبقى للعارف في طريقه حظ من حظوظه، ويبقى لله مفردًا من جميع الخلائق. هـ. وفي قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف}، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدًا. فإذا ماتت وسقطت جنوبها، وظفرتم بها؛ فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها؛ لأن النفس، إذا ماتت، حييت الروح، وفاضت عليها العلوم اللدنية، فكلوا منها، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم. وقوله تعالى: {لن ينال الله لحومها...} الآية، قال الورتجبي: الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى، لا يلحق الحق بحق المراد منه، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته، ذُبح بسيف شوقه، مطروح على باب عشقه. قال سهل في قوله: {ولكن يناله التقوى}: هو التبري والإخلاص. هـ. قال القشيري: لا عِبْرةً بإظهار الأفعال، سواء كانت بدنيةً أو ماليةً صِرْفًا، أو مما يتعلق بالوجهين، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص، فإذا انضَافَ إلى الجوارح إخلاص القصود، وتَجَرَّدَتْ عن ملاحظة أصحابِها الأغيار، صَلُحَتْ للقبول، وينال صاحبها القرب، بشهود الحق بنعت التفرد. ثم قال: {لتكبروا الله على ما هداكم} وأرشدكم إلى القيام بحقِّ العبودية على قضية الشرع، {وبشر المحسنين}، الإحسان، كما في الخبر: "حديث : أنْ تعبد الله كَأنك تراه"تفسير : . وأمارةُ صحته: سقوطُ تعب القلب عن صاحِبهِ، فلا يستثقلُ شيئًا ولا يتبرم بشيءٍ. هـ. قلت: خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر؛ لأنه طبع بشري، وإنما يضر ما سكن في القلب. وقال في الإحياء: ليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلُها؛ إيثارًا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق. فلن ينال الله لحومُها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، والتقوى ها هنا عمل القلب، من نية القربة، وإرادة الخير، وإخلاص القصد لله، وهو المقصود، وعمل الظاهر مؤكد له، ولذلك كانت نية المؤمن أبلغ من عمله؛ فإنَّ الطاعات غذاء القلوب، والمقصود: لذة السعادة بلقاء الله تعالى، والتنعم بها، وذلك فرع محبته والأنس به، ولا يكون إلاّ بذكره، ولا يفرغ إلا بالزهد في الدنيا، وترك شواغلها والانقطاع عنها. هـ. ومن كانت هذه صفته كان من المحسنين....

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ} مضى هذه الكلمة قبيل هذا {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} نظير {وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} وتأكيد له وقد مضى فى سورة البقرة بيان للشّعائر وهى كالحرمات مطلق ما له تعلّق بالدّين وله حرمة وقد فسّرت مثل الحرمات ههنا بملاحظة المقام بمناسك الحجّ وبالهَدْى مخصوصاً والحقّ انّه على عمومه ورد لكنّ النّظر الى المناسك او الى الهّدْى بقرينة المقام {فَإِنَّهَا} اى الشّعائر {مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} من قبيل اقامة السّبب مقام الجزاء فانّ التّقدير من يعظّم صار من المتّقين لانّها من تقوى القلوب، وكون الشّعائر من تقوى القلوب مع انّ اكثرها من الكثرات الشّاغلة للقلوب عن الله باعتبار انّ للقلب وجهين وجهاً الى الكثرات ووجهاً الى الوحدة وبهذين الوجهين يصحّ منه السّلوك ويقع منه الجذب، وبسلوكه المشار اليه بقوله تعالى {أية : فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:31] يكون التّقوى منه بحفظ الكثرات واعطاء الحقوق لاهلها، واعطاء الحقوق لاهلها ليس الاّ بالتزام اوامره تعالى ونواهيه فى الكثرات وبجذبه المشار اليه بقوله تعالى: {أية : إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ}تفسير : [آل عمران:31] يكون التّقوى منه بطرح الكثرات وترك الالتفات الى ما سوى الله فيكون تعظيم الشّعائر الّتى هى اوامر الله ونواهيه القالبيّة والقلبيّة وانبياؤه واولياؤه (ع) بقوالبهم الملكيّة والملكوتيّة كلّها من تقوى القلوب لا الاشتغال بالحضور فقط وطرح ما سوى الحضور.

الأعقم

تفسير : {ذلك ومن يعظم شعائر الله} وهي الهدي لأنها من معالم الحج أن يختارها عظام الأجرام حساناً سماناً غالية الأثمان، وقيل: مناسك الحج كلها شعائر، وقيل: شعائر الله دينه كالصلاة والصوم والحج ونحوها {فإنها} يعني هذه الخصال التي ذكرت {من تقوى القلوب} قيل: أراد صدق النيَّة والله أعلم {لكم فيها منافع} يعني في الشعائر منافع قيل: الهدايا، وقيل: مشاهدة مكة، فمن قال بالأول قال ذلك ما لم يسم هدياً ونذراً فإذا سمي هدياً فلا يجوز الانتفاع بها، وقيل: له ركوب ظهرها وشرب لبنها إذا احتاج {إلى أجل مسمّى} إلى أن تنحر، وقيل: إلى أجل مسمى يوم القيامة {ثم محلّها} أي سخّرها {إلى البيت العتيق} كقوله هدياً بالغ الكعبة {ولكل أمة جعلنا منسكاً} عبارة عن الذبح، وقيل: متعبداً أي فعل ذلك {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} وهي الإِبل والبقر والغنم وسميت بهيمة لأنها لا تكلم {فإلهكم إله واحد فله أسلموا} أي انقادوا له {وبشّر المخبتين}، قيل: الخاشعين، وقيل: المتواضعين {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} أي ذكروا وعده ووعيده خافوا عقابه {والصابرين على ما أصابهم} من المحن من جهة الله تعالى: {والمقيمي الصلاة} يعني يقيمون فرائضها {وممَّا رزقناهم ينفقون} في سبيل الله...... إلى ذكر الشعائر فقال سحبانه: {والبدن جعلناها لكم} وفي الكلام حذف كأنه قال نحر البدن {من شعائر الله} قيل: معالم دينه {لكم فيها خير} قيل: أراد ثواب الآخرة، {فاذكروا اسم الله عليها} أي عند نحرها، وهي التسمية، وقال ابن عباس: هو أن يقول الله أكبر {صوافّ} قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وقرئ صوافي من صفوف الفرس وهو أن تقوم على ثلاث وتنصب الرابع على طرف، وقرئ صوافي أي خوالص لوجه الله {فإذا وجبت جنوبها} أي سقطت على الأرض منحورة وسكنت بسابسها حلّ لكم الأكل منها {وأطعموا القانع} السائل من قنعت إليه إذا خضعت وسألته {والمعترّ} المتعرّض بغير سؤال، وقيل: القانع الراضي بما عنده وبما يُعطى من غير سؤال، والمعتر المتعرض بالسؤال، وروي أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن ذلك فقال: القانع الذي يقنع بما أعطِي والمعتر الذي يعتّر الأبواب، وقيل: القانع الذي لا يسأل والمعتر الذي يسأل {كذلك} تم الكلام ها هنا أي كذلك فافعلوا كما أمرتكم فانحروا، وقيل: يتصل بما قدم، أي هكذا إذا ذللنا البدن مع شدة خلقها وقوتها وضعفكم {لعلَّكم تشكرون} أي لكي تشكروا الله على هذه النعم {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} قيل: لن يصل إلى الله لحومها أي لن يقبل ذلك ولكن يقبل التقوى، وقيل: لن يبلغ رضى الله لحومها ولا دماؤها ولكن يبلغه التقوى منكم وهو إخلاص العبادة {كذلك سخّرها لكم} أي هكذا سخر الله لكم البدن مع عظمها لتعبدوه وتطيعوه {لتكبّروا الله} أي تعظّموه {على ما هداكم} لإعلام دينه ومناسكه، وقيل: هداكم لوجه العبادة في نحرها وذبحها، وقيل: هو أن تقول: الله أكبر {وبشّر المحسنين} قيل: بشرهم بحب الله إياهم لقوله: {والله يحب المحسنين}، وقيل: بالجنة، وقيل: بأداء الفرائض.

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} الامر ذلك المنكر ذلك أو اتركوا ذلك. {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله} الهدايا فانها شعار لله ودينه ومن الحج وتعظيمها ان تختار عظام الاجرام حسنا سمانا غالية الاثمان ويترك المكاس في شرائها فقد كانوا يغالون في ثلاث ويكرهون المكاس فيهن الهدي والاضحية والرقبة واهدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال الغزالي: ابنه عبدالله ناقة طلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يبعها ويشتري بثمنها بدنا فنهاه فقال بل اهدها. واهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لابي جهل في انفه ابرة من ذهب وكان ابن عمر يسوق البدن مجللة بثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر فيتصدق بلحمها وجلالها يعتقدون ان اهداء العظام السمان الحسان امر لا بد من الاقامة واما الضحية فالافضل فيها الكبش والمعز نظرا لحلاوة اللحم. وقيل: الابل فالبقر فالغنم كافي الهدايا وهو مذهبنا نظرا للغلاء ويجزي الثني فصاعد في الهدايا، باتفاق وجذع الضأن يجزي في الضحايا والهدايا. وعن ابن عمر لا يجزي في الهدايا الا الثني من كل جنس. وقيل: شعائر الله جميع دينه. وقيل: بيته. والاول وهو كونها الهدايا لابن عباس ووجه تسمية الهدايا شعائر ما مر. وقيل: انه يجعل عليها علامة تعرف به. وقال ابن زيد والحسن وابن عمر ومالك الشعاير مواضع الحج كالبيت والمسجد ومنى ومزدلفة وعرفة والصفا والمروة وغير ذلك {فَإِنَّها مِن تَقْوَى القُلُوبِ} الضمير الشعاير على حذف مضاف اي فان تعظيمها ويقدر مضافان بعد من أي افعال ذوي تقوى القلوب و (إذا جعلنا) خبر (من) الشرطية هو جوابها فالرابط اشتماله على ظاهر عام للمبتدا ولك ان تقول (الفاء) للتعليل والجواب محذوف أي فانه تقوى القلب وان جعلنا (من) للابتداء لا للتبعيض لم يقدر شيء فان التعظيم ناشئ من تقوى القلوب واضاف التقوى للقلب لانه منبعها والامر بها كما انه منبع الفجور والامر به

اطفيش

تفسير : {ذلك} الامر ذلك أو امتثلوا ذلك لأمر باجتناب الرجس، وقول الزور {ومَن يعظِّم شعائِرَ اللَّه} البدن والهدايا للذبح، والمفرد شعيرة أو شعارة، سميت لما فيه من علامة الحج أو علام طاعة الله، أو أثر الجرح بيانا أنها لذلك، وتعظيمها قصدا أعظمها وأغلاها ثمنا كما أهدى صلى الله عليه وسلم مائة بدنه فيها جمل لأبى جهل فى أنفه حلقة من ذهب، وعمر بدنة طلبت منه بثلاثمائة دينار، فأراد بيعها فيشترى بدنا كثيرة فنهاه صلى الله عليه وسلم عن بيعها، وذلك أصح لا ما قيل الشعائر الصفا والمروة، والبن والجمار والمسجد الحرام، وعرفة والركن أو الدين كله. {فإنها} أى تعظيمها أى تعظيمه إياها فحصل الربط بالضمير المقدر العائد الى من، أو الرابط أل النائبة عن الضمير، أو يقدر تقوى القلوب منهم، أو منه، ويجوز الربط بالعموم فى ذوى تقوى القلوب، والجملة جواب، أو يقدر الجواب يثبت ثوابا لا يكتنه لأنه تعظيمها {مِن تَقْوى القُلوب} تقوى ذوى القلوب، وقدر بعض من أفعال ذوى تقوى القلوب، ومن للابتداء أو للتبعيض، وقيل فهم متقون، لأن تعظيمها من تقوى القلوب.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} أي الأمر ذلك أو امتثلوا ذلك {وَمَن يُعَظّمْ شَعَـٰئِرَ ٱللَّهِ} أي البدن الهدايا كما روي عن ابن عباس ومجاهد وجماعة وهي جمع شعيرة أو شعارة بمعنى العلامة كالشعار، وأطلقت على البدن الهدايا لأنها من معالم الحج أو علامات طاعته تعالى وهدايته. وقال الراغب: لأنها تشعر أي تعلم بأن تدمى بشعيرة أي حديدة يشعر بها، ووجه الإضافة على الأوجه الثلاثة لا يخفى، وتعظيمها أن تختار حساناً سماناً غالية الأثمان، روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبـي جهل في أنفه برة من ذهب، وعن عمر أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار وقد سأل النبـي صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدناً فنهاه عن ذلك وقال: بل أهدها، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يسوق البدن مجللة بالقباطي فيتصدق بلحومها وبجلالها، وقال زيد بن أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة والبدن والجمار والمسجد الحرام وعرفة والركن، وتعظيمها إتمام ما يفعل بها، وقال ابن عمر والحسن ومالك وابن زيد: الشعائر مواضع الحج كلها من منى وعرفة والمزدلفة والصفا والمروة والبيت وغير ذلك وهو نحو قول زيد. وقيل: هي شرائع دينه تعالى وتعظيمها التزامها، والجمهور على الأول وهو أوفق لما بعد. و{مِنْ} إما شرطية أو موصولة وعلى التقديرين لا بد في قوله تعالى: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} من ضمير يعود إليها أو ما يقوم مقامه فقيل إن التقدير فإن تعظيمها الخ، والتعظيم مصدر مضاف إلى مفعوله ولا بد له من فاعل وهو ليس إلا ضميراً يعود إلى {مِنْ} فكأنه قيل فإن تعظيمه إياها، و {مِنْ} تحتمل أن تكون للتعليل أي فإن تعظيمها لأجل تقوى القلوب وأن تكون لابتداء الغاية أي فإن تعظيمها ناشىء من تقوى القلوب، وتقدير هذا المضاف واجب على ما قيل من حيث إن الشعائر نفسها لا يصح الإخبار عنها بأنها من التقوى بأي معنى كانت {مِنْ}. وقال الزمخشري: التقدير فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد / من راجع من الجزاء إلى {مِنْ} ليرتبط به اهـ. وتعقبه أبو حيان بأن ما قدره عار من راجع إلى {مِنْ} ولذا لما سلك جمع مسلكه في تقدير المضافات قيل التقدير فإن تعظيمها منه من أفعال الخ أو فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب منهم فجاؤا بضمير مجرور عائد إلى {مِنْ} في آخر الكلام أو في أثنائه، وبعض من سلك ذلك لم يقدر منه ولا منهم لكن التزم جعل اللام في {ٱلْقُلُوبُ} بدلاً من الضمير المضاف إليه على رأي الكوفيين للربط أي تقوى قلوبهم. والدماميني جعل الرابط في تقدير الزمخشري فاعل المصدر المحذوف لفهم المعنى فلا يكون ما قدره عارياً عن الراجع إلى {مِنْ} كما زعمه أبو حيان فإن المحذوف المفهوم بمنزلة المذكور. وقال صاحب «الكشف»: في الانتصار له أيضاً: أراد أنه على ماقدره يكون عموم ذوي تقوى القلوب بمنزلة الضمير فتقدير منه كما فعل البيضاوي ليس بالوجه. واعترض صاحب «التقريب» تقدير المضافين الأخيرين أعني أفعال وذوي بأنه إنما يحتاج إليه إذا جعل {مِنْ} للتبعيض وأما إذا جعل للابتداء فلا إذ المعنى حينئذ فإن تعظيمها ناشىء من تقوى القلوب وهو قول بأحد الوجهين اللذين سمعتهما أولاً، ولم يرتض ذلك صاحب «الكشف» قال: إن إضمار الأفعال لأن المعنى إن التعظيم باب من التقوى ومن أعظم أبوابها لا أن التعظيم صادر من ذي تقوى. ومنه يظهر أن الحمل على أن التعظيم ناشىء من تقوى القلوب. والاعتراض بأن قول الزمخشري: إنما يستقيم إذا حمل على التبعيض ليس على ما ينبغي على أنه حينئذ إن قدر من تقوى قلوبهم على المذهب الكوفي أو من تقوى القلوب منهم اتسع الخرق على الراقع، ثم التقوى إن جعلت متناولة للأفعال والتروك على العرف الشرعي فالتعظيم بعض البتة وإن جعلت خاصة بالتروك فمنشأ التعظيم منها غير لائح إلا على التجوز انتهى. واعترض بأن دعواه أن المعنى على أن التعظيم باب من التقوى دون أن التعظيم صادر من ذي تقوى دعوى بلا شاهد، وبأنه لا تظهر الدلالة على أنه من أعظم أبواب التقوى كما ذكره، وبأن القول بعدم الاحتياج إلى الإضمار على تقدير أن يكون التعظيم بعضاً من التقوى صلح لا يرضى به الخصم. وبأنه إذا صح الكلام على التجوز لا يستقيم قول الزمخشري: لا يستقيم الخ. وتعقب بأنه غير وارد، أما الأول فلأن السياق للتحريض على تعظيم الشعائر وهو يقتضي عده من التقوى بل من أعظمها وكونه ناشئاً منها لا يقتضي كونه منها بل ربما يشعر بخلافه، وأما الثاني فلأن الدلالة على الأعظمية مفهومة من السياق كما إذا قلت: هذا من أفعال المتقين والعفو من شيم الكرام والظلم من شيم النفوس كما يشهد به الذوق، وأما الثالث فلأنه لم يدع عدم الاحتياج إلى الإضمار على تقدير كون التعظيم بعضاً بل يقول الرابط العموم كما قال أولاً، وأما الرابع فلأن صحة الكلام بدون تقدير على التجوز لكونه خفياً في قوة الخطا إذ لا قرينة عليه والتبعيض متبادر منه فلا غبار إلا على نظر المعترض. وأقول: لا يخفى أنه كلما كان التقدير أقل كان أولى فيكون قول من قال: التقدير فإن تعظيمها من تقوى القلوب أولى من قول من قال: التقدير فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، و(من) في ذلك للتبعيض، وما يقتضيه السياق من تعظيم أمر هذا التعظيم يفهم من جعله بعض تقوى القلوب بناء على أن تقييد التقوى بالقلوب للإشارة إلى أن التقوى قسمان، تقوى القلوب والمراد بها التقوى الحقيقية الصادقة التي يتصف بها المؤمن الصادق. وتقوى الأعضاء والمراد بها التقوى الصورية الكاذبة التي يتصف بها المنافق الذي كثيراً / ما تخشع أعضاؤه وقلبه ساه لاه. والتركيب أشبه التراكيب بقولهم: العفو من شيم الكرام فمتى فهم منه كون العفو من أعظم أبواب الشيم فليفهم من ذلك كون التعظيم من أعظم أبواب التقوى والفرق تحكم. ولعل كون الإضافة لهذه الإشارة أولى من كونها لأن القلوب منشأ التقوى والفجور والآمرة بهما فتدبر. ومن الناس من لم يوجب تقدير التعظيم وأرجع ضمير {فَإِنَّهَا } إلى الحرمة أو الخصلة كما قيل نحو ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت » تفسير : أو إلى مصدر مؤنث مفهوم من {يُعَظّمْ} أي التعظيمة. واعترض هذا بأن المصدر الذي تضمنه الفعل لا يؤنث إلا إذا اشتهر تأنيثه كرحمة وهذا ليس كذلك ونظر فيه. نعم إن اعتبار ذلك مما لا يستلذه الذوق السليم، ومنه يعلم حال اعتبار التعظيمات بصيغة الجمع، على أنه قيل عليه: إنه يوهم أن التعظيمة الواحدة ليست من التقوى، ولا يدفعه أنه لا اعتبار بالمفهوم أو أن ذلك من مقابلة الجمع بالجمع كما لا يخفى. وإذا اعتبر المذهب الكوفي في لام {ٱلْقُلُوبُ} لم يحتج في الآية إلى إضمار شيء أصلاً. وذهب بعض أهل الكمال إلى أن الجزاء محذوف تقديره فهم متقون حقاً لدلالة التعليل القائم مقامه عليه. وتعقب بأن الحذف خلاف الأصل وما ذكر صالح للجزائية باعتبار الإعلام والإخبار كما عرف في أمثاله، وأنت تعلم أن هذا التقدير ينساق إلى الذهن ومثله كثير في الكتاب الجليل. وقرىء {&# 1649;لْقُلُوبُ} بالرفع على أنه فاعل بالمصدر الذي هو {تَقْوَى} واستدل الشيعة ومن يحذو حذوهم بالآية على مشروعية تعظيم قبور الأئمة وسائر الصالحين بإيقاد السرج عليها وتعليق مصنوعات الذهب والفضة ونحو ذلك مما فاقوا به عبدة الأصنام ولا يخفى ما فيه.

ابن عاشور

تفسير : {ذلك} تكرير لنظيره السابق. الشعائر: جمع شعيرة: المَعْلم الواضح مشتقة من الشعور. وشعائر الله: لقب لمناسك الحجّ، جمع شعيرة بمعنى: مُشعِرة بصيغة اسم الفاعل أي معلمة بما عينه الله. فمضمون جملة {ومن يعظم شعائر الله} الخ... أخص من مضمون جملة {أية : ومن يعظم حرمات الله}تفسير : [الحج: 30] وذكر الأخص بعد الأعم للاهتمام. أو بمعنى مشعر بها فتكون شعيرة فعيلة بمعنى مفعولة لأنها تجعل ليشعر بها الرائي. وتقدم ذكرها في قوله تعالى: {أية : إن الصفا والمروة من شعائر الله}تفسير : في[سورة البقرة: 158]. فكل ما أمر الله به بزيارته أو بفعل يوقع فيه فهو من شعائر الله، أي مما أشعر الله الناس وقرره وشهره. وهي معالم الحجّ: الكعبة، والصفا والمروة، وعرفة، والمشعر الحرام، ونحوها من معالم الحجّ. وتطلق الشعيرة أيضاً على بدنة الهدى. قال تعالى: {أية : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله}تفسير : [الحج: 36] لأنهم يجعلون فيها شِعاراً، والشِعار العلامة بأن يطعنوا في جلد جانبها الأيمن طعناً حتى يسيل منه الدم فتكون علامة على أنها نُذرت للهدي، فهي فعيلة بمعنى مفعولة مصوغة من أشعر على غير قياس. فعلى التفسير الأول تكون جملة {ومن يعظم شعائر الله} إلى آخرها عطفاً على جملة {أية : ومن يعظم حرمات الله}تفسير : [الحج: 30] الخ. وشعائر الله أخصّ من حرمات الله فعطف هذه الجملة للعناية بالشعائر. وعلى التفسير الثاني للشعائر تكون جملة {ومن يعظم شعائر الله} عطفاً على جملة {أية : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}تفسير : [الحج: 28] تخصيصاً لها بالذكر بعد ذكر حرمات الله. وضمير {فإنها} عائد إلى شعائر الله المعظمة فيكون المعنى: فإن تعظيمها من تقوى القلوب. وقوله {فإنها من تقوى القلوب} جواب الشرط والرابط بين الشرط وجوابه هو العموم في قوله: {القلوب} فإن من جملة القلوب قلوب الذين يعظمون شعائر الله. فالتقدير: فقد حلّت التقوى قلبه بتعظيم الشعائر لأنها من تقوى القلوب، أي لأنّ تعظيمها من تقوى القلوب. وإضافة {تقوى} إلى {القلوب} لأنّ تعظيم الشعائر اعتقاد قلبي ينشأ عنه العمل.

الشنقيطي

تفسير : قد ذكرنا قريباً أنا ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، فيكون ذلك الفرد قطعي الدخول لا يمكن إخراجه بمخصص، وواعدنا بذكر بعض أمثلته في هذه الآيات. ومرادنا بذلك هذه الآية الكريمة لأن قوله تعالى: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} عام في جميع شعائر الله، وقد نص تعالى على أن البدن فرد من أفراد هذا العموم، داخل فيه قطعاً وذلك في قوله: {أية : وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحج: 36] فيدخل في الآية تعظيم البدن واستسمانها واستحسانها كما قدمنا عن البخاري: أنهم كانوا يسمنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم شعائر الله. وقد قدمنا أن الله صرح بأن الصفا والمروة داخلان في هذا العموم بقوله: {أية : إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 158] الآية وأن تعظيمها المنصوص في هذه الآية: يدل على عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة كما تقدم إيضاحه في مبحث السعي، وقوله في هذه الآية ذلك فيه ثلاث أوجه من الإعراب. الأول: أن يكون في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف: أي ذلك حكم الله وأمره. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف: أي اللازم ذلك أو الواجب ذلك. الثالث: أن يكون في محل نصب بفعل محذوف، أي اتبعوا ذلك أو امتثلوا ذلك، ومما يشبه هذه الإشارة في كلام العرب قول زهير: شعر : هذا وليس كمن يعي بخطته وسط الندى إذا ما قائل نطقا تفسير : قاله القرطبي وأبو حيان والضمير المؤنث في قوله: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} قال القرطبي: هو عائد إلى الفعلة التي يتضمنها الكلام، ثم قال: وقيل إنه راجع إلى الشعائر بحذف مضاف: أي فإن تعظيمها أي الشعائر فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه فرجع الضمير إلى الشعائر. اهـ. وقال الزمخشري في الكشاف: فإنها من تقوى القلوب أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به اهـ. منه.

د. أسعد حومد

تفسير : {شَعَائِرَ ٱ} (32) - يَقُولُ تَعَالَى إِنَّ تَعظِيمَ شَعَائِرِ اللهِ، واحْتِرَامَ أَوَامِرِهِ، والالْتِزَامَ بِذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّقْوَى. وَمِنْ تَعظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ تَعظِيمُ الهَدَايَا والبُدْنِ (الأَضَاحِي) واستِسْمَانُهَا واستِحْسَانُها. والتَّقْوى هِيَ الغايَةًُ مِنْ مَناسِكِ الحجِّ وَشَعَائِرِهِ؛ وهَذِهِ المناسِكُ والشَّعَائِرُ ليسَتْ إِلاَّ رُمُوزاً تَعْبِيريةً عَنِ التوجُّهِ إِلَى ربِّ البيتِ وطاعَتِهِ. شَعَائِرَ اللهِ - أوامِرَهُ أو البُدْنَ المُهدَاةَ إِلَى الحَرَمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ذٰلِكَ ..} [الحج: 32] كما قلنا في السابقة: إشارة إلى الكلام السابق الذي أصبح واضحاً معروفاً، ونستأنف بعدها كلاماً جديداً تَنبَّه له. {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ ..} [الحج: 32] الشعائر: جمع شعيرة، وهي المعالم التي جعلها الله لعباده لينالوا ثوابه بتعظيمها، فالإحرام شعيرة، والتكبير شعيرة، والطواف شعيرة، والسَّعْي شعيرة، ورمْي الجمار شعيرة .. إلخ. وهذه أمور عظّمها الله، وأمرنا بتعظيمها. وتعظيم الشيء أبلغ وأشمل من فِعْله، أو أدائه، أو عمله، عَظَّم الشعائر يعني: أدَّاها بحبٍّ وعِشْق وإخلاص، وجاء بها على الوجه الأكمل، وربما زاد على ما طُلِبَ منه. ومثالنا في ذلك: خليل الله إبراهيم، عندما أمره الله أنْ يرفع قواعد البيت: كان يكفيه أنْ يبني على قَدْر ما تطوله يده، وبذلك يكون قد أدّى ما أُمِر به، لكنه عشق هذا التكليف وأحبَّه فاحتال للأمر ووضع حجراً على حجر ليقف عليه، ويرفع البناء بقدر ما ارتفع إليه. فمحبة أمر الله مَرْقي من مراقي الإيمان، يجب أن نسموَ إليه، حتى في العمل الدنيوي: هَبْ أنك نُقِلْتَ إلى ديوان جديد، ووصل إلى عِلْمك أن مدير هذا الديوان رجل جادّ وصعب، ويُحاسب على كل صغيرة وكبيرة، فيمنع التأخير أو التسيّب أثناء الدوام الرسمي، فإذا بك تلتزم بهذه التعليمات حرفياً، بل وتزيد عليها ليس حباً في العمل، ولكن حتى لا تُسئَل أمام هذا المدير في يوم من الأيام. إذن: الهدف أنْ نؤدي التكاليف بحُبٍّ وعِشْق يُوصِّلنا إلى حب الله عز وجل؛ لذلك نجد من أهل المعرفة مَنْ يقول: رُبَّ معصية أورثتْ ذلاً وانكساراً خَيْر من طاعة أورثت عِزاً واستكباراً. فالمهم أن نصل إلى الله، أن نخضع لله، أنْ نذِلّ لعزته وجلاله، والمعصية التي تُوصِّلك إلى هذه الغاية خير من الطاعة التي تُسلِمك للغرور والاستكبار. هذه المحبة للتكاليف، وهذا العشق عبَّر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: "حديث : وجُعلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة"تفسير : لذلك نَعَى القرآن على أولئك الذين {أية : إِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ..} تفسير : [النساء: 142]. وابنته فاطمة - رضي الله عنها - كانت تجلو الدرهم وتلمعه، فلما سألها رسول الله عما تفعل، قالت: لأنني نويتُ أنْ أتصدَّق به، وأعلم أنه يقع في يد الله قبل أنْ يقع في يد الفقير. هذا هو التعظيم لشعائر الله والقيام بها عن رغبة وحب. وفي عصور الإسلام الأولى كان الناس يتفاضلون بأسبقهم إلى صلاة الجماعة حين يسمع النداء، وبآخرهم خروجاً من المسجد بعد أداء الصلاة، ولك أن تقيس حال هؤلاء بحالنا اليوم. هؤلاء قوم عظَّموا شعائر الله فلم يُقدِّموا عليها شيئاً. وقد بلغ حُبُّ التكاليف وتعظيم شعائر الله بأحد العارفين إلى أنْ قال: لقد أصبحتُ أخشى ألاَّ يثيبني الله على طاعته، فسألوه: ولماذا؟ قال: لأنني أصبحتُ أشتهيها يعني: أصبحتْ شهوة عندي، فكيف يُثاب - يعني - على شهوة؟! لذلك أهل العزم وأهل المعرفة عن الله إذا ورد الأمر من الله وثبت أخذوه على الرَّحْب والسَّعَة دون جدال ولا مناقشة، وكيف يناقشون أمر الله وهم يُعظِّمونه؟ ومن هنا نقول للذين يناقشون في أمور فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل تعدُّد زوجاته مثلاً ويعترضون، بل ومنهم مَنْ يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يليق. نقول لهم: ما دُمْتُم آمنتم بأنه رسول الله، فكيف تضعون له موازين الكمال من عند أنفسكم. وتقولون: كان ينبغي أنْ يفعل كذا، ولا يفعل كذا؟ وهل عندكم من الكمال ما تقيسون به فِعْل رسول الله؟ المفروض أن الكمال منه صلى الله عليه وسلم ومن ناحيته، لا من ناحيتكم. ثم يقول سبحانه: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} [الحج: 32] ليست من تقوى الجوارح، بل تقوى قلب لا تقوى قالب، فالقلب هو محلُّ نظر الله إليك، ومحلُّ قياس تعظيمك لشعائر الله. وسبق أنْ ذكرنا أن الله تعالى لا يريد أنْ يُخضِع قوالبنا، إنما يريد أنْ يُخضع قلوبنا، ولو أراد سبحانه أنْ تخضع القوالب لخصعتْ له راغمة، كما جاء في قوله تعالى: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 3-4]. وأنت تستطيع أنْ تُرغِم مَنْ هو أضعف منك على أيِّ شيء يكرهه، إنْ شئتَ سجد لك، لكن لا تملك أنْ تجعل في قلبه حباً أو احتراماً لك، لماذا؟ لأنك تجبر القالب، أمّا القلب فلا سلطةَ لك عليه بحال. ثم يقول الحق سبحانه: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ذلك الذي ذكرنا لكم من تعظيم حرماته وشعائره، والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } تفسير : ومنها الهدايا والقربان للبيت، وتقدم أن معنى تعظيمها، إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد، ومنها الهدايا، فتعظيمها، باستحسانها واستسمانها، وأن تكون مكملة من كل وجه، فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها يبرهن على تقواه وصحة إيمانه، لأن تعظيمها، تابع لتعظيم الله وإجلاله. { لَكُمْ فِيهَا } أي: [في] الهدايا { مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } هذا في الهدايا المسوقة، من البدن ونحوها، ينتفع بها أربابها، بالركوب، والحلب ونحو ذلك، مما لا يضرها { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } مقدر، موقت وهو ذبحها إذا وصلت مَحِلُّهَا وهو الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، أي: الحرم كله " منى " وغيرها، فإذا ذبحت، أكلوا منها وأهدوا، وأطعموا البائس الفقير.