Verse. 263 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

لَاۗ اِكْرَاہَ فِي الدِّيْنِ۝۰ۣۙ قَدْ تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ۝۰ۚ فَمَنْ يَّكْفُرْ بِالطَّاغُوْتِ وَيُؤْمِنْۢ بِاللہِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَۃِ الْوُثْقٰى۝۰ۤ لَاانْفِصَامَ لَہَا۝۰ۭ وَاللہُ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ۝۲۵۶
La ikraha fee alddeeni qad tabayyana alrrushdu mina alghayyi faman yakfur bialttaghooti wayumin biAllahi faqadi istamsaka bialAAurwati alwuthqa la infisama laha waAllahu sameeAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا إكراه في الدين» على الدخول فيه «قد تبين الرشد من الغي» أي ظهر بالآيات البينات أن الايمان رشد والكفر غي نزلت فيمن كان له من الأنصار اولاد أراد أن يكرههم علي الإسلام «فمن يكفر بالطاغوت» الشيطان أو الأصنام وهو يطلق على المفرد والجمع «ويؤمن بالله فقد استمسك» تمسك «بالعروة الوثقى» بالعقد المحكم «لا انفصام» انقطاع «لها والله سميع» لما يقال «عليم» بما يفعل.

256

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسألتان: المسألة الأولى: اللام في {ٱلدّينِ } فيه قولان أحدهما: أنه لام العهد والثاني: أنه بدل من الإضافة، كقوله {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ } تفسير : [النازعات: 41] أي مأواه، والمراد في دين الله. المسألة الثانية: في تأويل الآية وجوه أحدها: وهو قول أبي مسلم والقفال وهو الأليق بأصول المعتزلة: معناه أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكن والاختيار، ثم احتج القفال على أن هذا هو المراد بأنه تعالى لما بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للعذر، قال بعد ذلك: إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذا قوله تعالى: {أية : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } تفسير : [الكهف: 29] وقال في سورة أخرى {أية : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 3، 4] وقال في سورة الشعراء {لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ ٱلسَّمَاء ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ } ومما يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } يعني ظهرت الدلائل، ووضحت البينات، ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف فهذا تقرير هذا التأويل. القول الثاني: في التأويل هو أن الإكراه أن يقول المسلم للكافر: إن آمنت وإلا قتلتك فقال تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } أما في حق أهل الكتاب وفي حق المجوس، فلأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم، وأما سائر الكفار فإذا تهودوا أو تنصروا فقد اختلف الفقهاء فيهم، فقال بعضهم: إنه يقر عليه؛ وعلى هذا التقدير يسقط عنه القتل إذا قبل الجزية، وعلى مذهب هؤلاء كان قوله {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } عاماً في كل الكفار، أما من يقول من الفقهاء بأن سائر الكفار إذا تهودوا أو تنصروا فإنهم لا يقرون عليه، فعلى قوله يصح الإكراه في حقهم، وكان قوله {لا إِكْرَاهَ } مخصوصاً بأهل الكتاب. والقول الثالث: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرهاً، لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوهم إلى الإكراه، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً } تفسير : [النساء: 94]. أما قوله تعالى: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: بان الشيء واستبان وتبين إذا ظهر ووضح، ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين، وعندي أن الإيضاح والتعريف إنما سمي بياناً لأنه يوقع الفصل والبينونة بين المقصود وغيره، والرشد في اللغة معناه إصابة الخير، وفيه لغتان: رشد ورشد والرشاد مصدر أيضاً كالرشد، والغي نقيض الرشد، يقال غوى يغوي غياً وغواية، إذا سلك غير طريق الرشد. المسألة الثانية: {تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } أي تميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة، قال القاضي: ومعنى {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ } أي أنه قد اتضح وانجلى بالأدلة لا أن كل مكلف تنبه لأن المعلوم ذلك وأقول: قد ذكرنا أن معنى {تَّبَيَّنَ } انفصل وامتاز، فكان المراد أنه حصلت البينونة بين الرشد والغي بسبب قوة الدلائل وتأكيد البراهين، وعلى هذا كان اللفظ مُجْرَى على ظاهره. أما قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ } فقد قال النحويون: الطاغوت وزنه فعلوت، نحو جبروت، والتاء زائدة وهي مشتقة من طغا، وتقديره طغووت، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين كعادتهم في القلب، نحو: الصاقعة والصاعقة، ثم قلبت الواو ألفاً لوقوعها في موضع حركة وانفتاح ما قبلها، قال المبرد في الطاغوت: الأصوب عندي أنه جمع قال أبو علي الفارسي: وليس الأمر عندنا كذلك، وذلك لأن الطاغوت مصدر كالرغبوت والرهبوت والملكوت، فكما أن هذه الأسماء آحاد كذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع، ومما يدل على أنه مصدر مفرد قوله {أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ } فأفرد في موضع الجمع، كما يقال: هم رضاهم عدل، قالوا: وهذا اللفظ يقع على الواحد وعلى الجمع، أما في الواحد فكما في قوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } تفسير : [النساء: 60] وأما في الجمع فكما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ } تفسير : [البقرة: 257] وقالوا: الأصل فيه التذكير، فأما قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا } تفسير : [الزمر: 17] فإنما أنثت إرادة الآلهة. إذا عرفت هذا فنقول: ذكر المفسرون فيه خمسة أقوال الأول: قال عمر ومجاهد وقتادة هو الشيطان الثاني: قال سعيد بن جبير: الكاهن الثالث: قال أبو العالية: هو الساحر الرابع: قال بعضهم الأصنام الخامس: أنه مردة الجن والإنس وكل ما يطغى، والتحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء جعلت هذه الأشياء أسباباً للطغيان كما في قوله {أية : رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [إبراهيم: 36]. أما قوله {وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ } ففيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر من أن يتوب أولاً عن الكفر، ثم يؤمن بعد ذلك. أما قوله {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } فاعلم أنه يقال: استمسك بالشيء إذا تمسك به والعروة جمعها عرا نحو عروة الدلو والكوز وإنما سميت بذلك، لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به والوثقى تأنيث الأوثق، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته، فكذا هٰهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى. أما قوله {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الفصم كسر الشيء من غير إبانة، والانفصام مطاوع الفصم فصمته فانفصم والمقصود من هذا اللفظ المبالغة، لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فإن لا يكون لها انقطاع أولى. المسألة الثانية: قال النحويون: نظم الآية بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والعرب تضمر (ٱلَّتِى ) و (ٱلَّذِى ) و (مَنْ ) وتكتفي بصلاتها منها، قال سلامة بن جندل:شعر : والعاديات أسامي للدماء بها كأن أعناقها أنصاب ترحيب تفسير : يريد العاديات التي قال الله: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] أي من له. ثم قال: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وفيه قولان: القول الأول: أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين، وقول من يتكلم بالكفر، ويعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث. والقول الثاني: روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة، وكان يسأل الله تعالى ذلك سراً وعلانية، فمعنى قوله {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يريد لدعائك يا محمد بحرصك عليه واجتهادك.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}. فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} الدين في هذه الآية المعتقد والمِلّة بقرينة قوله: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ}. والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغيرها ليس هذا موضعه، وإنما يجيء في تفسير قوله: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} تفسير : [النحل: 106]. وقرأ أبو عبد الرحمن «قَدْ تَبَيَّنَ الرَّشَدُ مِنَ الْغَيِّ» وكذا روى عن الحسن والشعبيّ؛ يقال: رَشَد يَرْشُد رُشْداً، ورَشِد يَرْشَد رَشَداً: إذا بلغ ما يُحِبّ. وغَوَى ضِدُّه؛ عن النحاس. وحكى ٱبن عطية عن أبي عبد الرحمن السلميّ أنه قرأ «الرشاد» بالألف. وروى عن الحسن أيضاً {ٱلرُّشْدُ} بضم الراء والشين. {ٱلْغَيِّ} مصدر من غَوَى يَغْوِي إذا ضلّ في معتَقَد أو رَأْي؛ ولا يقال الغيّ في الضلال على الإطلاق. الثانية ـ اختلف العلماء في (معنى) هذه الآية على ستة أقوال: (الأوّل) قيل إنها منسوخة؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام؛ قاله سليمان بن موسى، قال: نسختها {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [التوبة: 73]. وروي هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين. (الثاني) ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصةً، وأنهم لا يُكرهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية، والذين يُكرهون أهلُ الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام فهم الذين نزل فيهم {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [التوبة: 73]. هذا قول الشعبيّ وقتادة والحسن والضحاك. والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمِي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق. قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إليّ قريب! فقال عمر: اللهم ٱشهد، وتلا {لاَ إكْرَاهَ في الدِّينِ}. (الثالث) ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت هذه في الأنصار، كانت تكون المرأة مِقلاتاً فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده؛ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ}. قال أبو داود: والمِقلاتُ التي لا يعيش لها ولدٌ. في رواية: إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذا جاء الله بالإسلام فنُكرِههم عليه فنزلت: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام. وهذا قول سعيد بن جبير والشعبيّ ومجاهد إلا أنه قال: كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع. قال النحاس: قول ابن عباس في هذه الآية أُولى الأقوال لصحة إسناده، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي. (الرابع) قال السدي: نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ٱبنان، فقدم تجارٌ من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الخروج أتاهم ٱبنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصّرا ومضيا معهم إلى الشام، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكياً أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردّهما فنزلت: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: «أبعدهما الله هما أوّل من كفر»! فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [النساء: 65]، الآية ثم إنه نسخ {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة «براءة». والصحيح في سبب قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السَّقْي، على ما يأتي في «النساء» بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل: معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مُجْبَراً مُكْرهاً؛ وهو القول الخامس. وقول سادس، وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كباراً، وإن كانوا مجوساً صغاراً أو كباراً أو وثنيين فإنهم يجبرون على الإسلام؛ لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين؛ ألا ترى أنه لا تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم، ويدينون بأكل الميتة والنجاسات وغيرهما، ويستقذرهم المالك لهم ويتعذّر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك فجاز له الإجبار. ونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك. وأما أشهب فإنه قال: هم على دين من سباهم، فإذا امتنعوا أُجبروا على الإسلام، والصغار لا دين لهم فلذلك أجبروا على الدخول في دين الإسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل. فأما سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزية لم نكرههم على الإسلام سواء كانوا عرباً أم عجماً قريشاً أو غيرهم. وسيأتي بيان هذا وما للعلماء في الجزية ومن تقبل منه في «براءة» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ} جزم بالشرط. والطاغوت مؤنثة من طغى يَطْغَى. ـ وحكى الطبريّ يطغو ـ إذا جاوز الحد بزيادة عليه. ووزنه فعلوت، ومذهب سيبويه أنه اسم مذكر مفرد كأنه اسم جنس يقع للقليل والكثير. ومذهب أبي عليٍّ أنه مصدر كرَهَبُوت وجَبرُوت، وهو يوصف به الواحد والجمع، وقلبت لأُمه إلى موضع العين وعينه موضع اللام كجَبَذ وجَذَب، فقلبت الواو ألفاً لتحركها وتحرك ما قبلها فقيل طاغوت؛ واختار هذا القول النحاس. وقيل: أصل طاغوت في اللغة مأخوذة من الطغيان يؤدّي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلٍ من اللؤلؤ. وقال المبرّد: هو جمع. وقال ابن عطية: وذلك مردود. قال الجوهري: والطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقد يكون واحداً قال الله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} تفسير : [النساء: 60]. وقد يكون جمعاً قال الله تعالى: {أية : أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} تفسير : [البقرة: 257] والجمع الطواغيت. «وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ» عطف. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} جواب الشرط، وجمع الوُثْقَى الوُثْق مثل الفُضَلى والفُضْل؛ فالوُثْقى فُعْلَى من الوَثاقة، وهذه الآية تشبيه. واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبّه به؛ فقال مجاهد: العروة الإيمان. وقال السُّدِّي: الإسلام. وقال ابن عباس وسعيد بن جُبير والضحّاك: لا إِلۤه إلا الله؛ وهذه عبارات ترجع إلى معنًى واحد. ثم قال: {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} قال مجاهد: أي لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم، أي لا يزيل عنهم ٱسم الإيمان حتى يكفروا. والانفصام: الانكسار من غير بينونة. والقصم: كسرٌ ببينونة؛ وفي صحيح الحديث: «حديث : فيُفْصِم عنه الوَحيُ وإن جبينه ليتفصّد عَرَقاً»تفسير : أي يُقلِع. قال الجوهري: فصم الشيء كسره من غير أن يبَين، تقول: فصمته فانفصم؛ قال الله تعالى {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} وتفصم مثله؛ قال ذو الرُّمَّة يذكر غزالاً يشبّهه بدُمْلُج فِضّة: شعر : كأنه دُمْلُجٌ من فضّة نَبِهٌ في مَلْعَب من جَوارِي الحيِّ مفصُومُ تفسير : وإنما جعله مفصوماً لتثنِّيه وٱنحنائه إذا نام. ولم يقل «مقصوم» بالقاف فيكون بائناً بٱثنين. وٱفْصم المطر: أقلع. وأفصمت عنه الحمى. ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات {سَمِيعٌ} من أجل النطق {عَلِيمٌ} من أجل المعتقد.

البيضاوي

تفسير : {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ} إذ الإِكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه، ولكن {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ} تميز الإِيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإِيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإِيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإِكراه والإِلجاء. وقبل إخبار في معنى النهي، أي لا تكرهوا في الدين، وهو إما عام منسوخ بقوله؛ {أية : جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ }تفسير : [التوبة: 73] أو خاص بأهل الكتاب لما روي (أن أنصارياً كان له ابنان تنصرا قبل المبعث، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الأنصاري يا رسول الله أيدخل بِعَقْبَيَّ النار وأنا أنظر إليه فنزلت فخلاهما). {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ } بالشيطان، أو الأصنام، أو كل ما عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله تعالى. فعلوت من الطغيان قلبت عينه ولامه. {وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ } بالتوحيد وتصديق الرسل. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } طلب الإِمساك عن نفسه بالعروة الوثقى من الحبل الوثيق، وهي مستعارة لمتمسك الحق من النظر الصحيح والرأي القويم. {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا } لا انقطاع لها يقال فصمته فانفصم إذا كسرته. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } بالأقوال {عَلِيمٌ } بالنيات، ولعله تهديد على النفاق.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ} أي؛ لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاماً. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تكون مقلاة، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: {لاَ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ}، وقد رواه أبو داود والنسائي جميعاً عن بندار به، ومن وجوه أخر عن شعبة، به، نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم، أنها نزلت في ذلك. وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد، عن ابن عباس، قوله: {لاَ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ} قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف، يقال له: الحصيني، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا أستكرههما؟ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك، رواه ابن جرير. وروى السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتاً، فلما عزما على الذهاب معهم، أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق، قال: كنت في دينهم مملوكاً نصرانياً لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فآبى، فيقول: {لاَ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ} ويقول: يا أسبق لو أسلمت لا ستعنا بك على بعض أمور المسلمين. وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء، أن هذه محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف، دين الإسلام، فإن أبى أحد منهم الدخول فيه، ولم ينقد له، أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذامعنى الإكراه، قال الله تعالى {أية : سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}تفسير : [الفتح: 16] وقال تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة: 73] وقال تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [التوبة: 123] وفي الصحيح: «حديث : عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل»تفسير : يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فيكونون من أهل الجنة. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن حميد عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «حديث : أسلم»تفسير : ، قال: إني أجدني كارهاً، قال: «حديث : وإن كنت كارهاً»تفسير : فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: أسلم وإن كنت كارهاً، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص. وقوله: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: من خلع الأنداد والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله، فعبده وحده، وشهد أنه لا إله إلا هو {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريق المثلى، والصراط المستقيم. قال أبو قاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي، حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عن حسان، هو ابن قائد العبسي، قال: قال عمر رضي الله عنه: إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمن لا يعرف، ويفر الجبان من أمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسياً أو نبطياً. وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر، فذكره، ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان، قوي جداً، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها، والاستنصار بها. وقوله: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، هي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد، ولهذا قال: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} الآية، قال مجاهد: العروة الوثقى يعني: الإيمان، وقال السدي: هو الإسلام، وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني: لا إله إلا الله، وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله، والبغض في الله، وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها. وقال معاذ بن جبل في قوله: {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} دون دخول الجنة، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} ثم قرأ: {أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}تفسير : . [الرعد: 11] وقال الإمام أحمد: أنبأنا إسحاق بن يوسف، حدثنا ابن عون عن محمد بن قيس بن عباد، قال: كنت في المسجد، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه فحدثته، فلما استأنس، قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد، قالوا: كذا وكذا، قال: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول مالا يعلم، وسأحدثك لم، إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه، رأيت كأني في روضة خضراء ـ قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها ـ وفي وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاءني منصف ـ قال ابن عون هو الوصيف ـ فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت، وإنها لفي يدي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه، فقال: «حديث : أما الروضة، فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت»تفسير : قال: وهو عبد الله بن سلام. أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون، فقمت إليه. وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد بن سيرين به. (طريق أخرى وسياق آخر) قال الإمام أحمد: أنبأنا حسن بن موسى وعفان، قالا: أنبأنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحر، قال: قدمت المدينة، فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شيخ يتوكأ على عصاً له، فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا، فقام خلف سارية، فصلى ركعتين، فقلت له: قال بعض القوم: كذا وكذا، فقال: الجنة لله، يدخلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا: رأيت كأن رجلاً أتاني فقال: انطلق، فذهبت معه، فسلك بي منهجاً عظيماً، فعرضت لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق، فأخذ بيدي، فدحا بي، فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارّ، ولم أتماسك، فإذا عمود حديد، في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي، فدحا بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك، فقلت: نعم، فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : رأيت خيراً، أما المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت»تفسير : قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة، قال: وإذا هو عبد الله بن سلام، وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان، وابن ماجه عن أبي شيبة عن الحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن حماد ابن سلمة به نحوه، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة ابن الحر الفزاري به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ } على الدخول فيه {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ } أي ظهر بالآيات البينات أن الإيمان رشد والكفر غيّ نزلت فيمن كان له من الأنصار أولاد أراد أن يكرههم على الإسلام {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ } الشيطان أو الأصنام وهو يُطْلَق على المفرد والجمع {وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ } تمسك {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } بالعقد المحكم {لاَ ٱنفِصَامَ } انقطاع {لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لما يقال {عَلِيمٌ } بما يفعل.

الشوكاني

تفسير : قد اختلف أهل العلم في قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } على أقوال: الأوّل أنها منسوخة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا بالإسلام، والناسخ لها قوله تعالى: {أية : &#1649 يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ }تفسير : [التوبة: 73، التحريم: 9] وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ }تفسير : [التوبة: 123] وقال: {أية : سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ }تفسير : [الفتح: 16]، وقد ذهب إلى هذا كثير من المفسرين. القول الثاني: أنها ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يُكْرَهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية، بل الذين يُكْرَهون هم أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، أو السيف، وإلى هذا ذهب الشعبي، والحسن، وقتادة، والضحاك. القول الثالث أن هذه الآية في الأنصار خاصة، وسيأتي بيان ما ورد في ذلك. القول الرابع: أن معناها: لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف إنه مكره، فلا إكراه في الدين. القول الخامس: أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا على الإسلام. وقال ابن كثير في تفسيره: أي: لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيِّن واضح جليُّ دلائله، وبراهينه لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه، وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً، وهذا يصلح أن يكون قولاً سادساً. وقال في الكشاف في تفسيره هذه الآية: أي: لم يجر الله أمر الإيمان على الإجبار، والقسر، ولكن على التمكين، والاختيار، ونحوه قوله: {أية : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى ٱلأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } تفسير : [يونس: 99] أي: لو شاء لقسرهم على الإيمان، ولكن لم يفعل، وبني الأمر على الاختيار، وهذا يصلح أن يكون قولاً سابعاً. والذي ينبغي اعتماده، ويتعين الوقوف عنده: أنها في السبب الذي نزلت لأجله محكمة غير منسوخة، وهو أن المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده، فلما أجليت يهود بني نضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فنزلت، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي في السنن، والضياء في المختارة عن ابن عباس. وقد وردت هذه القصة من وجوه، حاصلها ما ذكره ابن عباس مع زيادات تتضمن أن الأنصار: قالوا إنما جعلناهم على دينهم أي: دين اليهود، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء بالإسلام، فلنكرههم؛ فلما نزلت خيرّ الأبناءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكرههم على الإسلام، وهذا يقتضي أن أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم، وأدّوا الجزية. وأما أهل الحرب، فالآية وإن كانت تعمهم؛ لأن النكرة في سياق النفي، وتعريف الدين يفيدان ذلك، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد خص هذا العموم بما ورد من آيات في إكراه أهل الحرب من الكفار على الإسلام. قوله: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } الرشد هنا: الإيمان، والغيّ: الكفر أي: قد تميز أحدهما من الآخر. وهذا استئناف يتضمن التعليل لما قبله. والطاغوت: فعلوت من طغى يطغي، ويطغو: إذا جاوز الحدّ. قال سيبويه: هو اسم مذكر مفرد أي: اسم جنس يشمل القليل، والكثير، وقال أبو علي الفارسي: إنه مصدر كرهبوت، وجبروت يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفاً لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل: طاغوت، واختار هذا القول النحاس، وقيل: أصل الطاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلىء من اللؤلؤ. وقال المبرد: هو جمع. قال ابن عطية: وذلك مردود. قال الجوهري: والطاغوت: الكاهن، والشيطان، وكل رأس في الضلال، وقد يكون واحداً. قال الله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ }تفسير : [النساء: 60] وقد يكون جمعاً. قال الله تعالى: {أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ } والجمع الطواغيت أي: فمن يكفر بالشيطان، أو الأصنام، أو أهل الكهانة، ورءوس الضلالة، أو بالجميع {وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ } عزّ وجلّ بعد ما تميز له الرشد من الغيّ، فقد فاز، وتمسك بالحبل الوثيق أي: المحكم. والوثقى: فعلى من الوثاقة، وجمعها وُثَق مثل الفضلى، والفُضَل. وقد اختلف المفسرون في تفسير العروة الوثقى بعد اتفاقهم على أن ذلك من باب التشبيه، والتمثيل لما هو معلوم بالدليل بما هو مدرك بالحاسة، فقيل: المراد بالعروة الإيمان. وقيل: الإسلام. وقيل: لا إله إلا الله، ولا مانع من الحمل على الجميع. والانفصام: الانكسار من غير بينونة. قال الجوهري: فصم الشيء: كسره من غير أن يبين. وأما القصم بالقاف، فهو الكسر مع البينونة، وفسر صاحب الكشاف الانفصام بالانقطاع. قوله: {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الوليّ: فعيل بمعنى فاعل، وهو الناصر. وقوله: {يُخْرِجُهُم } تفسير للولاية، أو حال من الضمير في وليّ، وهذا يدل على أن المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الذين أرادوا الإيمان؛ لأن من قد وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من الشبه التي تعرض للإيمان، فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة، والمراد بالنور في قوله: {يُخْرِجُونَهُم مّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ } ما جاء به أنبياء الله من الدعوة إلى الدين، فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم عنه إلى ظلمة الكفر، أي: قررهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الله من الأنبياء. وقيل: المراد: بالذين كفروا هنا: الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين، ورؤوس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج. وقد أخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن سعيد بن جبير نحو ما تقدّم، عن ابن عباس من ذكر سبب نزول قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } وزاد: أن النبي صلى الله عليه وسلم خيَّر الأبناء. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الشعبي نحوه أيضاً، وقال: فلحق بهم أي: ببني النضير من لم يسلم، وبقي من أسلم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فثبتوا على دينهم، فلما جاء الإسلام أراد أهلوهم أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت. وأخرج ابن جرير عن الحسن نحوه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فنزلت. وأخرج عبد بن حميد، عن عبد الله بن عبيدة نحوه. وكذلك أخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، عن السديّ نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير عن قتادة قال: كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف. قال: ولا تكرهوا اليهود، ولا النصارى، والمجوس إذا أعطوا الجزية. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن نحوه. وأخرج البخاري عن أسلم: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمي تسلمي، فأبت، فقال: اللهم اشهد، ثم تلا: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } وروى عنه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم أنه قال لزنبق الرومي غلامه: لو أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين فأبى، فقال: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سليمان بن موسى في قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } قال: نسختها {أية : جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [التوبة: 73]. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال: الطاغوت: الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الطاغوت الكاهن، وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: الطاغوت: الساحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس قال: الطاغوت ما يعبد من دون الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العروة الوثقى لا إله إلا الله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك: أنها القرآن. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد: أنها الإيمان، وعن سفيان: أنها كلمة الإخلاص. وقد ثبت في الصحيحين تفسير العروة الوثقى في غير هذه الآية بالإسلام مرفوعاً في تعبيره صلى الله عليه وسلم لرؤيا عبد الله بن سلام. وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، فإنهما حبل الله الممدود، فمن تمسك بهما، فقد تمسك بعروة الله الوثقى التي لا انفصام لها»تفسير : وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس قال: إذا وحد الله وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن معاذ أنه سئل عن قوله: {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا } قال: لا انقطاع لها دون دخول الجنة. وأخرج ابن المنذر، والطبراني عن ابن عباس في قوله {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية، قال: هم قوم كانوا كفروا بعيسى فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {وٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ } الآية، قال: هم قوم آمنوا بعيسى، فلما بعث محمد كفروا به. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الظلمات الكفر. والنور: الإيمان. وأخرج أبو الشيخ عن السدي مثله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن ذلك في أهل الكتاب، لا يُكْرَهُون على الدين إذا بذلوا الجزية، قاله قتادة. والثاني: أنها نزلت في الأنصار خاصة، كانت المرأة منهم تكون مِقْلاَةً لا يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها، إن عاش لها ولد أن تهوّده، ترجو به طول العمر، وهذا قبل الإسلام، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. والثالث: أنها منسوخة بفرض القتال، قاله ابن زيد. {فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ} فيه سبعة أقوال: أحدها: أنه الشيطان وهو قول عمر بن الخطاب. والثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية. والثالث: الكاهن، وهو قول سعيد بن جبير. والرابع: الأصنام. والخامس: مَرَدَة الإنس والجن. والسادس: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود إنساناً أو صنماً، وهذا قول أبي جعفر الطبري. والسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} تفسير : [يوسف: 53]. واختلفوا في {الطَّاغُوتِ} على وجهين: أحدهما: أنه اسم أعجمي معرّب، يقع على الواحد والجماعة. والثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية، قاله ابن بحر. {وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} فيها أربعة أوجه: أحدها: هي الإيمان الله، وهو قول مجاهد. والثاني: سنة الرسول. والثالث: التوفيق. والرابع: القرآن، قاله السدي. {لاَ انفِصَامَ لَهَا} فيه قولان: أحدهما: لا انقطاع لها، قاله السدي. والثاني: لا انكسار لها، وأصل الفصم: الصدع.

ابن عطية

تفسير : {الدين} في هذه الآية المعتقد والملة، بقرينة قوله {قد تبين الرشد من الغي}، والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغير ذلك ليس هذا موضعه وإنما يجيء في تفسير قوله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فإذا تقرر أن الإكراه المنفي هنا هو في تفسير المعتقد من الملل والنحل فاختلف الناس في معنى الآية، فقال الزهري: سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحد في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قالتهم فأذن له، قال الطبري والآية منسوخة في هذا القول. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويلزم على هذا، أن الآية مكية، وأنها من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف، وقال قتادة والضحاك بن مزاحم: هذه الآية محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية ويؤدونها عن يد صغرة، قالا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل العرب أهل الأوثان لا يقبل منهم إلا لا إله إلا الله أو السيف، ثم أمر فيمن سواهم أن يقبل الجزية، ونزلت فيهم {لا إكراه في الدين}. قال القاضي أبو محمد: وعلى مذهب مالك في أن الجزية تقبل من كل كافر سوى قريش أي نوع كان، فتجيء الآية خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم لا يقف ذلك على أهل الكتاب كما قال قتادة والضحاك. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فكانت تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده، فكان في بني النضير جماعة على هذا النحو، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قالت الأنصار كيف نصنع بأبنائنا، إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذ جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه، فنزلت {لا إكراه في الدين} الآية، وقال بهذا القول عامر الشعبي ومجاهد، إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع، وقال السدي نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين، كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكياً أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما، فنزلت {لا إكراه في الدين}، ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: أبعدهما الله هما أول من كفر، فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله جل ثناؤه {أية : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} تفسير : [النساء: 65]، ثم إنه نسخ {لا إكراه في الدين}، فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة. قال القاضي أبو محمد: والصحيح في سبب قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون}، حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي، وقوله تعالى: {قد تبين الرشد من الغي} معناه بنصب الأدلة ووجود الرسول الداعي إلى الله والآيات المنيرة، و {الرشد} مصدر من قولك رَشُِد بكسر الشين وضمها يرشد رُشْداً وَرشَداً وَرَشَاداً، و {الغي} مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي، ولا يقال الذي في الضلال على الإطلاق، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي "الرشاد" بالألف، وقرأ الحسن والشعبي ومجاهد "الرَّشَد" بفتح الراء والشين. وروي عن الحسن "الرُّشُد" بضم الراء والشين، و {الطاغوت} بناء مبالغة من طغى يطغى، وحكى الطبري "يطغو" إذا جاوز الحد بزيادة عليه، وزنه فعلوت، ومذهب سيبويه أنه اسم مفرد كأنه اسم جنس يقع للكثير والقليل، ومذهب أبي على أنه مصدر كرهبوت وجبروت وهو يوصف به الواحد والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه موضع اللام فقيل: طاغوت، وقال المبرد: هو جمع، وذلك مردود. واختلف المفسرون في معنى {الطاغوت}، فقال عمر بن الخطاب ومجاهد والشعبي والضحاك وقتادة والسدي: {الطاغوت}: الشيطان. وقال ابن سيرين وأبو العالية: {الطاغوت}: الساحر: وقال سعيد بن جبير ورفيع وجابر بن عبد الله وابن جريج: {الطاغوت}: الكاهن. قال أبو محمد: وبين أن هذه أمثلة في الطاغوت لأن كل واحد منها له طغيان، والشيطان أصل ذلك كله، وقال قوم: {الطاغوت}: الأصنام، وقال بعض العلماء: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. قال القاضي أبو محمد: وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام ومن لا يعقل كالأوثان فسميت طاغوتاً في حق العبدة، وذلك مجاز. إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان، وقدم تعالى ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت. و {العروة} في الأجرام وهي موضع الإمساك وشد الأيدي، و {استمسك} معناه قبض وشد يديه، و {الوثقى} فعلى من الوثاقة، وهذه الآية تشبيه، واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه {بالعروة}، فقال مجاهد: العروة الإيمان. وقال السدي: الإسلام. وقال سعيد بن جبير والضحّاك: العروة لا إله إلا الله. قال القاضي أبو محمد: وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد، والانفصام: الانكسار من غير بينونة، وإذا نفي ذلك فلا بينونة بوجه، والفصم كسر ببينونة، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة، ومن ذلك قول ذي الرمة: [البسيط] شعر : كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من عذارى الحي مفصوم تفسير : ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات {سميع} من أجل النطق و {عليم} من أجل المعتقد.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} في الكتابي إذا بذل الجزية، أو نسخت بفرض القتال، أو كانت المقلاة ـ من الأنصار ـ تنذر إن عاش لها ولد أن تهوّده رجاءً لطول عمره، وذلك قبل الإسلام، فلما أجلى الرسول صلى الله عليه وسلم بني النضير وفيهم أولاد الأنصار، قالت الأنصار كيف نصنع بأبنائنا فنزلت قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ {بِالطَّاغُوتِ} الشيطان، أو الساحر، أو الكاهن، أو الأصنام، أو مردة الإنس والجن، أو كل ذي طغيان على الله ـ تعالى ـ عبده مَنْ دُونه بقهر منه أو بطا [عة] إنساناً كان أو صنماً. {بِالْعُرْوَةِ} الإيمان بالله تعالى. {لا انفِصَامَ} لا انقطاع، أو لا انكسار، أصل الفصم الكسر.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {لا إكراه في الدين} سبب نزول هذه الآية فيما يروى عن ابن عباس قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة وهي التي لا يعيش لها ولد فكانت تنذر لئن عاش لها ولد، لتهودنه فإذا عاش جعلته في اليهود فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم عدد من أولاد الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم وقالوا هم أبناؤنا وإخواننا فنزلت الآية {لا إكراه في الدين}. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فأجلوهم معهم" تفسير : وقيل: لرجل من الأنصار، من بني سالم بن عوف يقال له أبو الحصين ابنان متنصران قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الزيت فلزمهما أبوهما وقال لا أدعكما حتى تسلما فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فأنزل الله تعالى {لا إكراه في الدين} فخلى سبيلهما وقيل نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا بذل الجزية لم يكرهوا على الإسلام وذلك أن العرب كانت أمة أمية ولم يكن لهم كتاب يرجعون إليه فلم يقبل منهم إلاّ الإسلام أو القتل ونزل في أهل الكتاب لا إكراه في الدين يعني إذا قبلوا الجزية فمن أعطى الجزية منهم لم يكره على الإسلام فعلى هذا القول تكون الآية محكمة ليست بمنسوخة وقيل: بل الاية منسوخة وكان ذلك في ابتداء الإسلام قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسخت بآية القتال وهو قول ابن مسعود وقال الزهري سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى لا إكراه في الدين قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحداً في الدين فأبى المشركون إلاّ أن يقاتلوا فاستأذن الله في قتالهم فأذن له ومعنى لا إكراه في الدين أي دين الإسلام ليس فيه إكراه عيله {قد تبين الرشد من الغي} يعني ظهر ووضح وتميز الحق من الباطل والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الآيات والبراهين الدالة على صحته {فمن يكفر بالطاغوت} يعني الشيطان، وقيل: هو الساحر والكاهن، وقيل هو كل ما عبد من دون الله تعالى، وقيل: كل ما يطغى الإنسان فهو طاغوت فاعول من الطغيان {ويؤمن بالله} أي ويصدق بالله أنه ربه ومعبوده من دون كل شيء كان يعبده وفيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر أن يتوب أولاً عن الكفر ويتبرأ منه ثم يؤمن بعد ذلك بالله فمن فعل ذلك صح إيمانه وهو قوله تعالى: {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي فقد تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين والوثقى تأنيث الأوثق وقيل العروة الوثقى السبب الذي يوصل إلى رضا الله تعالى وهو دين الإسلام {لا انفصام لها} أي لا انقطاع لها حتى تؤديه إلى الجنة والمعنى أن المتمسك بالدين الصحيح الذي هو دين الإسلام كالمتمسك بالشيء الوثيق الذي لا يمكن كسره ولا انقطاعه {والله سميع} يعني أنه تعالى يسمع قول من كفر بالطاغوت وأتى بالشهادتين {عليم} بما في قلبه من الإيمان وقيل معناه سميع لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إسلامهم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ...}. نقل ابن عرفة عن ابن عطية الخلاف في سبب نزولها ثم قال: الظاهر عندي (أنّها) على ظاهرها ويكون خبرا في اللفظ والمعنى. والمراد أنه ليس في الاعتقاد إكراه وهو أولى من قول من جعلها خبرا في معنى النّهي. وكان أبو عمر ولد الأمير أبي الحسن على المريني في (أيام) مملكته جمع كل من كان في بلده من النّصارى وأهل الذمة وقال لهم: إما أن تسلموا أو ضربت أعناقكم، فأنكر عليه ذلك فقهاء بلده ومنعوه وكان في عقله اختبال. قيل لابن عرفة: من فسّر الدين بالإسلام لا يتمّ إلا على مذهب المعتزلة القائلين بأن الاعتقاد غير كاف. فقال: قد قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : وفسره في الحديث "حديث : بأنّ تشهد أن لاَ إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ". تفسير : قوله تعالى: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ...}. (قد) للتوقع لأن المشركين كانوا يتوقعون بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعارضوها بقوله تعالى: {أية : لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}تفسير : فجعل الخبيث مخرجا من الطيب، وعكس هنا. وأجيب: بأن هذا في أول الإسلام كان الكفر أكثر وتلك في آخر الإسلام كان الإيمان أكثر ودخل الناس في الدين أفواجا. قوله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ...}. قدم الكفر إما لأنّه من دفع المؤلم، أو لأنه مانع ولا يتم الدليل على الشيء إلاّ مع نفي المانع المعارض ولذلك قال في الإرشاد: "النظر في الشيء يضاد العلم بالمنظور ويضاد الجهل به والشك فيه". فإذا كان الكافر مصمما على كفره استحال إيمانه وإذا ظهر له بطلان الكفر وبقي قابلا للإيمان ونظر في دلائله أنتجت له الإيمان. قوله تعالى: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ...}. قال الزمخشري: هذا تمثيل للمعلوم بالنّظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس (ونظرٌ في دلالات أنتجت له) حتى يتصوره السّامع كأنّه ينظر (إليه) بعينه. ابن عطية: هذا تشبيه واختلفوا في المشبه بالعروة فقال مجاهد: العروة الإيمان وقال السدي: الإسلام. وقال سعيد بن جبير والضّحاك: (العروة) لا إله إلا الله. قال ابن عرفة: إنما يريد المشبه خاصة ولو أراد المشبه به لكان تشبيه الشيء بنفسه. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال ابن عطية: لما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات سميع من أجل النّطق وعليم من أجل المعتقد. وقال الفخر: هذا دليل على أنّ اعتقاد القلب الايمان غير كاف ولا بد من النطق. قال ابن عرفة: لايتم هذا إلاّ على مذهب المعتزلة الذين ينكرون الكلام النفسي ونحن نقول: كلام النفس مسموع ولذلك نتصوره في الكلام القديم الأزلي وهم ينكرونه.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ }: الدِّينُ، في هذه الآية: هو المُعْتَقَدُ، والمِلَّة، ومقتضى قولِ زَيْدِ بن أسْلَمَ أن هذه الآية مكِّيَّة، وأنها من آيات الموادَعَة الَّتي نسخَتْها آية السَّيْف، وقال قتادةُ والضَّحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: هذه الآية مُحْكَمَةٌ خاصَّة في أهل الكتاب الذينَ يبذُلُون الجزْيَة، وقوله تعالى: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ}: معناه: بنصب الأدلَّة، ووجودِ الرسُول صلى الله عليه وسلم الدَّاعِي إِلى اللَّه، والآياتِ المُنيرة، والرُّشْدُ: مصْدَر من قولك: رَشِدَ؛ بكسر الشين، وضَمِّها، يَرْشُدُ رُشْداً، ورَشَداً، ورَشَاداً، والغيُّ مصدر من: غَوِيَ يَغْوَىٰ، إِذا ضلَّ في معتقد، أو رأْيٍ، ولا يُقَال: الغيُّ في الضلال على الإِطلاق، والطَّاغُوتَ بنَاءُ مبالغةٍ من: طَغَىٰ يَطْغَىٰ، واختلف في مَعْنى الطَّاغوت، فقال عُمَر بْنُ الخَطَّاب وغيره: هو الشَّيْطَان، وقيل: هو السَّاحِر، وقيل: الكَاهِنُ، وقيل: الأصْنَام، وقال بعضُ العلماء: كُلُّ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فهُوَ طَاغُوتٌ. * ع *: وهذه تسميةٌ صحيحة في كلِّ معبودٍ يرضى ذلك؛ كفرعَوْنَ ونُمْرُوذ، وأما مَنْ لا يرضَىٰ ذلك، فسمي طاغوتاً في حقِّ العَبَدَةِ، قال مجاهد: العروةُ الوثقَى: الإِيمانُ، وقال السُّدِّيُّ: الإِسلام، وقال ابن جُبَيْر وغيره: لا إِله إِلا الله. قال: * ع *: وهذه عباراتٌ تَرْجِعُ إِلى معنًى واحدٍ. والاِنْفِصَامُ: الاِنكسارُ من غَيْر بَيْنُونَةٍ، وقد يجيءُ بمعنى البَيْنُونة، والقَصْم كسر بالبينونة. * ت *: وفي «الموطَّإ» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : إِنَّ الوَحْيَ يَأْتِينِي أَحْيَاناً فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ»تفسير : . قال أبو عُمَر في «التمهيد»: قوله: «فَيَفْصِمُ عَنِّي»: معناه: ينفرجُ عنِّي، ويذهب؛ كما تفصمُ الخلخال، إِذا فتحته؛ لتخرجَهُ من الرِّجْل، وكلُّ عُقدْة حلَلْتَهَا، فقد فَصَمْتَها، قال اللَّه عز وجلَّ: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا}، وانفصامُ العروةِ أنْ تنفَكَّ عن موضعها، وأصْلُ الفَصْم عند العرب: أنْ تفكَّ الخلخال، ولا يبين كَسْره، فإِذا كسرته، فقد قَصَمْتَهُ بالقافِ. انتهى. ولما كان الإِيمان ممَّا ينطقُ به اللِّسان، ويعتقده القلبُ، حَسُن في الصفاتِ ـــ {سَمِيعٌ}: من أجْل النُّطْق، و {عَلِيمٌ } من أجْل المعتقَدِ. قوله سبحانه: {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...} الآية: الوليُّ من: وَلِيَ، فَإِذا لازم أحدٌ أحداً بنَصْره، وودِّه، وٱهتبالِهِ، فهو وليُّه؛ هذا عُرْفُهُ لغةً، ولفظ الآية مترتِّب في الناس جميعاً، وذلك أن منْ آمن منهم، فاللَّه وليُّه، أخرجه من ظلمة الكُفْر إِلى نور الإِيمان، ومَنْ كفر بعد وجودِ الرسُولِ صلى الله عليه وسلم فَشَيْطَانَهُ ومُغْوِيهِ أخرجه من الإِيمان؛ إِذ هو معدٌّ وأهل للدخول فيه، ولفظ {ٱلطَّـٰغُوتُ } في هذه الآيةِ يَقْتَضِي أنَّه ٱسْمُ جنْسٍ؛ ولذلك قال: {أَوْلِيَاؤُهُمُ }؛ بالجَمْع؛ إِذ هي أَنْوَاع.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}: كقوله: {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [البقرة:2] وقد تقدَّم. وأل في "الدِّين" للعهد، وقيل: عوضٌ من الإضافة أي "في دِينِ اللهِ" لقوله تعالى: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات:41]، أي: تأوي. والجمهور على إدغام دال "قَد" في تاء "تَبَيَّن"؛ لأنها من مخرجها. والرُّشد: مصدر رشد بفتح العين يرشد بضمِّها، ومعناه في اللُّغة، إصابة الخير. وقرأ الحسنُ "الرُّشُد" بضمتين كالعنق، فيجوز أن يكون هذا أصله، ويجوز أن يكون إتباعاً، وهي مسألة خلاف أعني ضمَّ عين الفعل. وقرأ أبو عبد الرحمن الرَّشد بفتح الفاء والعين، وهو مصدر رشد بكسر العين يرشد بفتحها، وروي عن أبي عبد الرَّحمن أيضاً: "الرَّشَادُ" بالألف. ومعنى الإكراه نسبتهم إلى كراهة الإسلام. قال الزَّجَّاج: "لاَ تَنْسُبوا إلى الكَرَاهَةِ مَنْ أَسْلَمَ مُكْرِهاً"، يقال: "أَكْفَرَهُ" نسبه إلى الكفر؛ قال: [الطويل] شعر : 1186- وَطَائِفَةٌ قَدْ أَكْفَرُوني بِحُبِّهِمْ وَطَائِفَةٌ قَالُوا مُسِيٌ وَمُذنِبُ تفسير : قوله: "مِنَ ٱلْغَيِّ" متعلِّقٌ بتبيَّن، و "مِنْ" للفصل، والتمييز كقولك: ميَّزت هذا من ذاك. وقال أبو البقاء: "في موضع نَصْبٍ على أنَّه مفعولٌ" وليس بظاهرٍ؛ لأنَّ معنى كونه مفعولاً به غير لائقٍ بهذا المحلِّ. ولا محلِّ لهذه الجملة من الإعراب؛ لأنَّها استئنافٌ جارٍ مجرى التّعليل لعدم الإكراه في الدين. والتّبيين: الظهور والوضوح، بان الشَّيء، واستبان، وتبيَّين: إذا ظهر ووضح ومنه المثل: تَبَيَّنَ الصُّبح لذي عينين. قال ابن الخطيب: وعندي أنَّ الإيضاح، والتعريف، إنَّما سمِّي بياناً؛ لأنَّه يوقع الفصلة، والبينونة بين المقصود وغيره. والغيُّ: مصدر غوى بفتح العين قال: {أية : فَغَوَىٰ}تفسير : [طه:121]، ويقال: "غَوَى الفَصِيلُ" إذا بَشِمَ، وإذا جاع أيضاً، فهو من الأضداد. وأصل الغيّ: "غَوْيٌ" فاجتمعت الياء والواو، فأُدغمت نحو: ميّت وبابه. والغيُّ: نقيض الرُّشد: يقال: غَوَى يَغْوِي، غيّاً، وغَوَايَةٌ إذا سلك خلاف طريق الرُّشد. فصل في معنى "الدِّين" في الآية قال القرطبيُّ: المراد "بالدِّينِ" في هذه الآية الكريمة المعتقد، والملة بدليل قوله {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ}. قال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة، لا يعيش لها ولد، فكانت تنذر لئن عاش لها ولد لتهودنَّه فإذا عاش ولدها جعلته في اليهوديَّة. فلمَّا جاء الإسلام، وفيهم منهم، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم عددٌ من أولاد الأنصار، فأرادت الأنصار استردادهم، وقالوا: أبناؤنا وإخواننا، فنزلت: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قَدْ خَيَّرَ اللهُ أَصْحَابَكُمْ، فإن اخْتَارُوكم فهم منكم، وإن اخْتَارُوهم، فأجلوهم مَعَهمْ ". تفسير : وقال مجاهد: كان ناسٌ مسترضعين في اليهود من الأوس، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النّضير قال الذين كانوا مسترضعين فيهم: لنذهبنّ معهم ولندينن بدينهم، فمنهم أهلوهم وأكرهوهم على الإسلام فنزلت {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ..} وقال مسروقٌ: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان متنصّران قبل مبعث النَّبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النَّصارى يحملون الطَّعام فلزمهما أبوهما، وقال لا أدعكما حتى تسلما فأبيا أن يسلما فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يَا رَسُولَ الله أَيَدْخُلُ بعضي النَّار وأنا أَنْظُرُ، فأنزل الله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}، فخلى سبيلهما. وقال قتادة وعطاء: نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا الجزية، وذلك أنَّ العرب كانت أُمَّة أمّية لم يكن لهم كتاب، فلم يقبل منهم إلاَّ الإسلام، فلما أسلموا طوعاً، أو كرهاً؛ أنزل الله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}؛ فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا، أو يقرُّوا بالجزية، فمن أعطى منهم الجزية، لم يكره على الإسلام. وقال ابن مسعود كان هذا في ابتداء الإسلام، قبل أن يؤمر بالقتال، فصارت منسوخة بآية السَّيف. ومعنى {تَبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ}، أي: تميَّز الحقّ من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضّلالة بالحجج والآيات الظَّاهرة. قوله: "بِٱلطَّاغُوتِ" متعلِّقٌ بـ "يَكْفر"، والطاغوت بناء مبالغةٍ كالجبروت والملكوت. واختلف فيه، فقيل: هو مصدرٌ في الأصل، ولذلك يوحَّد ويذكَّر، كسائر المصادر الواقعة على الأعيان، وهذا مذهب الفارسيّ، وقيل: هو اسم جنس مفردٍ، فلذلك لزم الإفراد والتَّذكير، وهذا مذهب سيبويه رحمه الله. وقيل هو جمعٌ، وهذا مذهب المبرّد، وهو مؤنّث لقوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ}تفسير : [البقرة:257] قال أبو علي الفارسي: وليس الأمر كذلك، لأن "الطَّاغُوتَ" مصدر كالرّغبوت، والرَّهبوت، والملكوت، فكما أنَّ هذه الأسماء آحاد، كذلك هذا الاسم مفردٌ، وليس بجمع ومما يدلّ على أنَّه مصدر مفرد وليس بجمع قوله تبارك وتعالى: {أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ}، فأفرد في موضع الجمع، كما يقال هم رضاً، وهم عدل انتهى. وهو مؤنَّث لقوله تعالى {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا}تفسير : [الزمر:17]. وأجاب من ادَّعى التّذكير عن هذا الاستدلال بأنَّه إنما أنَّث هنا؛ لإرادة الآلهة وقال آخرون: ويكون مذكراً، ومؤنثاً، وواحداً وجمعاً قال تعالى في المذكر والواحد: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ}تفسير : [النساء:60] وقال في المؤنث: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا}تفسير : [الزمر:17] وقال في الجمع: {أية : يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ}تفسير : [البقرة:257]. واشتقاقه من طغَى يَطْغَى، أو من طَغَا يَطْغُو، على حسب ما تقدَّم أول السورة، هل هو من ذوات الواو أو من ذوات الياء؟ وعلى كلا التّقديرين، فأصله طَغَيُوت، أو طَغَوُوت لقولهم: "طُغْيان" في معناه، فقلبت الكلمة بأن قدِّمت اللاّم وأُخِّرت العين، فتحرَّك حرف العلَّة، وانفتح ما قبله فقلب ألفاً، فوزنه الآن فلعوت، وقيل: تاؤه ليست زائدةً، وإنَّما هي بدلٌ من لام الكلمة، ووزنه فاعول من الطُّغيان كقولهم "حانوت"، و "تابوت"، والتاء فيهما مبدلة من "هَا" التأنيث. قال مكي "وقد يجُوز أن يكون أصلُ لامه واواً، فيكون أصله طغووتاً؛ لأنه يقال: طَغَى يَطْغى ويَطْغو، وطَغَيْتُ وطَغَوْتُ، ومثله في القلب والاعتلال، والوزن: حانوت؛ لأَنَّه من حَنا يحنو وأصله حَنَووت، ثم قُلِب وأُعِلَّ، ولا يجوزُ أن يكونَ من: حانَ يَحِين لقولهم في الجمعِ حَوانيت" انتهى قال شهاب الدين: كأنَّه لمَّا رأى أنَّ الواوَ قد تُبْدَل تاءً كما في تُجاه، وتُخَمَة، وتُراث، وتُكَأة، ادَّعى قَلْبَ الواوِ التي هي لامٌ تاءً، وهذا ليس بشيءٍ. وقدَّم ذِكْرَ الكفر بالطَّاغوت على ذِكْرِ الإِيمان باللهِ ـ تعالى ـ اهتماماً بوجوبِ الكفرِ بالطَّاغوتِ، وناسبَهَ اتصالُهُ بلفظ "الغَيّ". فصل في المراد بالطاغوت واختلف في الطَّاغوت فقال عمر، ومجاهدٌ، وقتادة: هو الشَّيطان. وقال سعيد بن جبير: هو الكاهن. وقال أبو العالية: هو الساحر. وقال بعضهم: الأَصنام. وقيل مردة الجنّ والإنس، وكلُّ ما يطغى الإِنسان. وقيل: الطَّاغُوتُ هو كلّ ما عُبِدَ مِنْ دون الله، وكان راضياً بكونه معبُوداً، فعلى هذا يكُونُ الشَّيطان والكهنة، والسَّحرة، وفرعون والنمروذ كلُّ واحد منهم طاغوتاً؛ لأنهم راضون بكونهم معبودين وتكونُ الملائكة، وعزير، وعيسى ليسوا بطواغيت، لأنهم لم يرضوا بأن يكونوا معبودين. قوله: "وَيْؤْمِنُ بِٱللهِ" عطف على الشَّرط وقوله {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} جواب الشَّرط، وفيه دليل على أنَّهُ لا بدّ للكافر من أن يتوب أوَّلاً عن الكفر، ثم يؤمنُ بعد ذلك. وفيه دليل على أَنَّ درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح؛ لأنَّهُ قدّم الكُفر بالطَّاغوت [على الإيمان باللهِ اهتماماً به فإن قيل الإيمان باللهِ مستلزم لِلْكُفر بالطَّاغُوت. قلنا: لا نسلم، قد يكفر بالطَّاغوت] ولا يؤمن بالله واستمسك أي: استمسك واعتصم "بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ" أي العقد الوثيق المحكم في الدِّين. و "العُرْوَة": موضعُ شَدِّ الأَيدي، وأصلُ المادّةِ يَدُلُّ على التَّعلُّق، ومنه: عَرَوْتُه: أَلْمَمْتُ به متعلِّقاً، وَاعتراه الهَمُّ: تعلَّق به، و "الوُثْقى": فُعْلى للتفضيل تأنيث الأوثق، كفُضْلى تأنيث الأفضل، وجمعُها على وُثَق نحو: كُبْرى وكُبَر، فأمَّا "وُثُق" بضمّتين فجمع وَثيق. وهذا استعارة المحسُوس للمعقول؛ لأَنّ من أراد إمساك هذا الدِّين تعلّق بالدلائل وأوضحها الدّالة عليه، ولما كانت دلائِلُ الإِسلام أقوى الدَّلائل وأوضحها وصفها الله تبارك وتعالى بأَنَّها العروة الوثقى. قال مجاهِدٌ: "العُرْوَةُ الوثقى" الإيمان. وقال السُّدِّي: الإِسلام. وقال ابن عباسٍ، وسعيد بن جبير والضحاك: لا إِله إلاَّ الله. قوله: "لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا" كقوله: {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [البقرة:2] والجملةُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أن تكونَ استئنافاً، فلا مَحَلَّ لها حينئذٍ. والثاني: أنها حالٌ من العُرْوة، والعاملُ فيها "اسْتَمْسَكَ". والثالث: أنها حالٌ من الضميرِ المستترِ في "الوُثْقَى". و "لها" في موضعِ الخبرِ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: كائنٌ لها. والانفصامُ ـ بالفَاءِ ـ القَطْعُ من غير بَيْنُونة، والقصمُ بالقافِ قَطْعُ بينونةٍ، وقد يُستعمل ما بالفاءِ مكانَ ما بالقافِ. والمقصودُ من هذا اللَّفظ المُبالغةُ؛ لأَنَّهُ إذا لم يكن لها انفِصَام، فأن لا يكون لها انقطاع أولى، ومعنى الآية: بالعُرْوَة الوثقى التي لا انفصام لها، والعرب تُضْمِرُ "الَّتي" و "الذي" و "مَن" وتكتفي بصلاتها منها. قال سلامة بن جندل: [البسيط] شعر : 1187- وَالعَادِيَاتُ أَسَالِيُّ الدِّمَاءِ بِهَا كَأَنَّ أَعْنَاقَهَا أَنْصَابُ تَرْجِيبِ تفسير : يريد والعاديات التي قال تعالى: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصافات:164] أي من له. قوله: {وَٱللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فيه قولان: أحدهما: أنَّهُ تعالى يسمع قول من يتكلم بالشَّهادتين، وقول من يتكلَّم بالكُفْر، ويعلمُ ما في قلب المؤمِنِ من الاعتقاد الطاهر، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث. الثاني: روى عطاء عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب إسلام أهل الكِتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة، وكان يَسْأَلُ الله ذلك سِرّاً، وعلانية، فمعنى قوله {وَٱللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يريدُ لدعائك يا محمَّد عليم بحرصك واجتهادك.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن منده في غرائب شعبه وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في سننه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال‏:‏ كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا‏.‏ فأنزل الله ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏‏ .‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏ قال‏:‏ نزلت في الأنصار خاصة‏.‏ قلت‏:‏ خاصة، كانت المرأة منهم إذا كانت نزورة أو مقلاة تنذر‏:‏ لئن ولدت ولداً لتجعلنه في اليهود تلتمس بذلك طول بقاءه، فجاء الإِسلام وفيهم منهم، فلما أجليت النضير قالت الأنصار‏:‏ يا رسول الله أبناؤنا وإخواننا فيهم، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏،‏ ‏فنزلت {لا إكراه في الدين‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم، فأجلوهم معهم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال‏:‏ كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم، فجاء الإِسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا‏:‏ إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء بالإِسلام فلنكرهنهم، فنزلت ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏ فكان فصل ما بينهم إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، فلحق بهم من لم يسلم، وبقي من أسلم‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة فثبتوا على دينهم، فلما جاء الإِسلام أراد أهلوهم أن يكرهوهم على الإِسلام، فنزلت ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد قال ‏"‏كانت النضير أرضعت رجالاً من الأوس، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم قال أبناؤهم من الأوس‏:‏ لنذهبن معهم ولندينن دينهم، فمنعهم أهلوهم وأكرهوهم على الإِسلام، ففيهم نزلت هذه الآية ‏ {‏لا إكراه في الدين‏}‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن‏.‏ أن ناساً من الأنصار كانوا مسترضعين في بني النضير، فلما أجلوا أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن اسحاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لا إكراه في الدين‏}‏ قال‏:‏ نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن عبيدة ‏"‏أن رجلاً من الأنصار من بني سالم بن عوف كان له ابنان تنصرا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقدما المدينة في نفر من أهل دينهم يحملون الطعام، فرآهما أبوهما فانتزعهما وقال‏:‏ والله لا أدعهما حتى يسلما، فأبيا أن يسلما، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏لا إكراه في الدين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ فخلى سبيلهما‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر حديث : عن السدي في قوله ‏{‏لا إكراه في الدين‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين، كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا، فرجعا إلى الشام معهم، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن ابني تنصرا وخرجا فاطلبهما‏؟‏ فقال ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏ ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال‏: أبعدهما الله، هما أول من كفر، فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت ‏{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم‏.‏‏.‏‏.‏} ‏[‏النساء: 65‏]‏ الآية‏.‏ ثم نسخ بعد ذلك ‏ {‏لا إكراه في الدين‏}‏ وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {‏لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي‏}‏ قال‏:‏ وذلك لما دخل الناس في الإِسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في الآية قال‏:‏ كانت العرب ليس لها دين، فاكرهوا على الدين بالسيف، قال‏:‏ ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية‏. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن في قوله ‏{‏لا إكراه في الدين‏} قال‏:‏ لا يكره أهل الكتاب على الإِسلام‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وسق الرومي قال‏:‏ كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب، فكان يقول لي‏:‏ أسلم فإنك لو أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين، فإني لا أستعين على أمانتهم بمن ليس منهم، فأبيت عليه فقال لي‏:‏ ‏ {‏لا إكراه في الدين‏}‏ ‏.‏ وأخرج النحاس عن أسلم‏.‏ سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية‏:‏ أسلمي تسلمي، فأبت فقال عمر‏:‏ اللهم اشهد ثم تلا ‏{‏لا إكراه في الدين‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سليمان بن موسى في قوله ‏ {‏لا إكراه في الدين‏} ‏ قال‏:‏ نسختها‏{أية : ‏جاهد الكفار والمنافقين‏}‏ تفسير : ‏[‏التوبة: 73‏]‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن حميد الأعرج‏.‏ أنه كان يقرأ ‏ {‏قد تبين الرشد‏} ‏ وكان يقول‏:‏ قراءتي على قراءة مجاهد‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال ‏{‏الطاغوت‏}‏ الشيطان‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله‏.‏ أنه سئل عن الطواغيت قال‏:‏ هم كهان تنزل عليهم الشياطين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال ‏{‏الطاغوت‏}‏ الكاهن‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال ‏ {‏الطاغوت‏}‏ الساحر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال ‏{‏الطاغوت‏}‏ الشيطان في صورة الإِنسان، يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس قال ‏ {‏الطاغوت‏}‏ ما يعبد من دون الله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏فقد استمسك بالعروة الوثقى‏} ‏ قال‏: ‏لا إله إلا الله‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك في قوله ‏ {‏فقد استمسك بالعروة الوثقى‏} ‏ قال‏:‏ القرآن‏.‏ وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏{‏بالعروة الوثقى‏}‏ قال‏:‏ الإِيمان‏.‏ ولفظ سفيان قال‏:‏ كلمة الإِخلاص‏.‏ وأخرج البخاري ومسلم عن عبدالله بن سلام قال ‏‏"حديث : رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيت كأني في روضة خضراء، وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة فقيل لي‏:‏ اصعد عليه فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال‏:‏ استمسك بالعروة فاستيقظت وهي في يدي، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ فقال‏: أما الروضة فروضة الإِسلام، وأما العمود فعمود الإِسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإِسلام حتى تموت‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏اقتدوا باللذين من بعدي‏:‏ أبي بكر وعمر، فإنهما حبل الله الممدود، فمن تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ القدر نظام التوحيد، فمن كفر بالقدر كان كفره بالقدر نقصاً للتوحيد، فإذا وحد الله وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل‏.‏ أنه سئل عن قوله ‏{‏لا انفصام لها‏}‏ قال‏:‏ لا انقطاع لها دون دخول الجنة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ} جملةٌ مستأنفة جِيء بها إثرَ بـيانِ تفرُّدِه سبحانه وتعالى بالشؤون الجليلةِ الموجبةِ للإيمان به وحده إيذاناً بأن مِنْ حق العاقلِ ألا يحتاجَ إلى التكليف والإلزام بل يختارُ الدينَ الحقَّ من غير ترددٍ وتلعثم وقيل: هو خبرٌ في معنى النهي أي لا تُكرِهوا في الدين فقيل: منسوخٌ بقوله تعالى: {أية : جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 73، التحريم: 9] وقيل: خاصٌّ بأهل الكتاب حيث حصَّنوا أنفسَهم بأداءِ الجزية ورُوي أنه كان لأنصاريٍّ من بني سالم بن عوفٍ ابنان قد تنصّرا قبل مبعثه عليه السلام ثم قدِما المدينة فلزِمهما أبوهما وقال: والله لا أدَعُكما حتى تُسلما فأَبَـيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فخلاّهما {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ} استئنافٌ تعليلي صُدّر بكلمة التحقيقِ لزيادة تقريرِ مضمونِه كما في قوله عز وجل: {أية : قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً} تفسير : [الكهف، الآية 76] أي إذ قد تبـين بما ذُكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهُّمُ اشتراك غيرِه في شيء منها الإيمانُ الذي هو الرشدُ الموصل إلى السعادة الأبدية من الكفر الذي هو الغيُّ المؤدي إلى الشقاوة السرمدية {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ} هو بناءُ مبالغة من الطغيان كالمَلَكوت والجَبَروت قُلب مكانُ عينه ولامِه فقيل: هو في الأصل مصدر وإليه ذهب الفارسيُّ وقيل: اسمُ جنسٍ مُفرَدٍ مذكر، وإنما الجمعُ والتأنيثُ لإرادة الآلهةِ وهو رأيُ سيبويه، وقيل: هو جمعٌ وهو مذهبُ المبرِّد وقيل: يستوي فيه المُفرَد والجمعُ والتذكيرُ والتأنيثُ أي فمن يعملْ إثرَ ما تميز الحقُّ من الباطل بموجب الحُججِ الواضحةِ والآياتِ البـينة ويكفرْ بالشيطان أو بالأصنام أو بكل ما عُبد من دون الله تعالى أو صَدَّ عن عبادته سبحانه تعالى لِما تبـيّن له كونُه بمعزل من استحقاق العبادة {وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ} وحدَه لِما شاهد من نعوتِه الجليلةِ المقتضيةِ لاختصاص الألوهيةِ به عز وجل الموجبةِ للإيمان والتوحيدِ، وتقديمُ الكفرِ بالطاغوت على الإيمان به تعالى لتوقفه عليه فإن التخليةَ متقدّمةٌ على التحلية {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} أي بالغَ في التمسُّك بها كأنه وهو ملتبسٌ به يطلُبُ من نفسه الزيادةَ فيه والثباتَ عليه {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} الفصْم الكسرُ بغير صوت كما أن القَصْم هو الكسرُ بصوت، ونفيُ الأول يدل على انتفاءِ الثاني بالأولوية، والجملةُ إما استئنافٌ مقرِّر لما قبلها من وَثاقة العُروة وإما حالٌ من العروة والعاملُ استمسك أو من الضمير المستتر في الوثقى ولها في حيز الخبر، أي كائن لها والكلامُ تمثيلٌ مبنيٌّ على تشبـيه الهيئة العقليةِ المنتزَعةِ من ملازمة الاعتقادِ الحقِّ الذي لا يحتمل النقيضَ أصلاً لثبوته بالبراهين النيِّرة القطعية بالهيئة الحِسّية المنتزَعه من التمسُّك بالحبل المُحْكَم المأمونِ انقطاعُه فلا استعارةَ في المفردات ويجوز أن تكونَ العُروةُ الوثقى مستعارةً للاعتقاد الحقِّ الذي هو الإيمانُ والتوحيدُ لا للنظر الصحيح المؤدّي إليه كما قيل فإنه غيرُ مذكورٍ في حيز الشرط، والاستمساكُ بها مستعاراً لِما ذكر من الملازمة أو ترشيحاً للاستعارة الأولى {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} بالأقوال {عَلِيمٌ} بالعزائم والعقائدِ، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيلي حاملٌ على الإيمان رادِعٌ عن الكفر والنفاق بما فيه من الوعد والوعيد.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ} [الآية: 256]. قال: طاغوتُ كل امرئٍ نفسه. وقيل الطاغوتُ كلُّ ما سوى اللهِ جل وعزَّ، وفى الجملة إن كلَّ من لم يتبرأ من الكل لم يصح له الإيمان بالله عز وجل. قوله تعالى: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا}. والعروة الوثقى: التوفيق فى السبق، والسعادة فى الختم. وقيل العروة: لا إله إلا الله. وقيل العروة الوثقى: محمدٌ صلى الله عليه وسلم وقيل العروة الوثقى: السنة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}. فإن الحجج لائحة، والبراهين ظاهرة واضحة. {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ}. وامتاز الليل بظلامه عن النهار بضيائه، والحقوق الأزلية معلومة، والحدود الأولية معلولة فهذا بنعت القدم وهذا بوصف العَدَم. {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ}. وطاغوتُ كلِّ واحدٍ ما يشغله عن ربه. {وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ}. والإيمان حياة القلب بالله. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ}. الاستمساك بالعروة الوثقى الوقوف عند الأمر والنهي، وهو سلوك طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله. {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. فمن تحقق بها سراً، وتعلَّق بها جهراً فاز في الدارين وسَعِد في الكونين.

البقلي

تفسير : { قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} تبين ما استتر عن الكون فى الكون فى علم الازل من السعادة والشقاوة فظهرت سمة السعادة والشقاوة من المقبولين والمرودين لان فى جباه السعداء مصابيح انوار المعرفة يلوح وفى حياة الاشقياء كدورات ظلمات الغى يتوخ {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ} الطاغوت روية الطاعات والطمع فى المكافات فمن يكفر بها فهو من اهل المشاهدات والطاغوت يقع على كل شئ سوى الله تعالى منا لدنيا والنفس والشيطان وقيل طاغوت كل امرئ نفسه قال الشيخ ابو عبد الرحمن رحمه الله من مل تتبراره من الكلال لا يصح له الا يمان بالله {وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} اى من اقبل من نفسه وحوله وقوته الى خالقه فقد وجده بنعت الحفظ والكلاية والعروة الوثقى هى ذات الحق سبحانه وجل عن التشبيه وايضا هى المحبة والمشاهدة وايضا هى العصمة القديمة التى سبقت بنعت لاعناية الازلية لاهل المعرفة وقيل العروة الوثقى التوفيق فى السبق والسعادة فى الختم وقيل العروة الوثقى محمد صلى الله عليه وسلم وقيل لا اله الا الله وقيل هى السنة {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} ترجيه من الله لاهل المعرفة اى من تمسك بجبلى فاز فى الدارين وسعد فى المنزلين ولا يدخل فى حجال عصمته خلل الحوادث لانه فى كنف العناية محروسا بالكفاية.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا إكراه فى الدين} قال بعضهم نزلت هذه الآية فى المجوس واهل الكتاب من اليهود والنصارى انه تقبل منهم الجزية ولا يكرهون على الاسلام ليس كمشركى العرب فانه لا يقبل منهم الا السيف او الاسلام ولا تقبل منهم الجزية ان اسلموا فيها والا قتلوا قال الله تعالى {أية : تقاتلونهم أو يسلمون} تفسير : [الفتح: 16]. والمعنى لا اجبار فى الدين لان من حق العاقل ان لا يحتاج الى التكليف والالزام بل يختار الدين الحق من غير تردد وتلعثم لوضوح الحجة {قد تبين الرشد} هو لفظ جامع لكل خير والمراد ههنا الايمان الذى هو الرشد الموصل الى السعادة الابدية لتقدم ذكر الدين {من الغى} اى من الكفر الذى هو المؤدى الى الشقاوة السرمدية. قال الراغب الغى كالجهل يقال اعتبارا بالاعتقاد والغى اعتبارا بالافعال ولهذا قيل زوال الجهل بالعلم وزوال الغى بالرشد {فمن يكفر بالطاغوت} هو كل ما عبد من دون الله مما هو مذموم فى نفسه ومتمرد كالانس والجن والشياطين وغيرهم فلا يرد عيسى عليه الصلاة والسلام والكفر به عبارة عن الكفر باستحقاقه العبادة {ويؤمن بالله} بالتوحيد وتصديق الرسل لان الكفر بالانبياء والكتب يمنع حقيقة الايمان بالله لان الايمان بالله حقيقة يستلزم الايمان باوامره ونواهيه وشرائعه المعلومة بالدلائل التى اقامها الله لعباده وتقديم الكفر بالطاغوت على الايمان به تعالى لتوقفه عليه فان التخلية بالمعجمة متقدمة على التحلية بالمهملة {فقد إستمسك بالعروة الوثقى} اى بالغ فى التمسك بالحلقة الوكيدة. وعروة الجسم الكبير الثقيل الموضع الذى يتعلق به من يأخذ ذلك الجسم ويحمله. والوثقى فعلى للتفضيل تأنيث الاوثق كفضلى تأنيث الافضل {لا انفصام لها} اى لا انقطاع وهو استثناف لبيان قوة دلائل الحق بحيث لا يعتريها شىء من الشبه والشكوك فان العروة الوثقى استعارة المحسوس للمعقول لان من اراد امساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ولما كانت دلائل الاسلام اقوى الدلائل واوضحها وصفها الله بانها العروة الوثقى. قال المولى ابو السعود الكلام تمثيل مبنى على تشبيه الهيئة المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحق الذى لا يحتمل النقيض اصلا لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه فلا استعارة فى المفردات {والله سميع} بالاقوال {عليم} بالعزائم والعقائد يعلم غيها ورشدها وباطلها وحقها ويجرى كلا على وفق عمله وقوله وعقده وهو ابلغ وعد ووعيد. واعلم ان حقيقة الايمان كونه متعلقا بالله على وجه الشهود والعيان ومجازه كونه متعلقا به على وجه الرسم والبيان او بالطاغوت وحقيقة الكفر كونه متعلقا بالطاغوت ومجازه كونه متعلقا بوحدة الله او بنعمته فان الكفر ثلاثة اقسام كفر النعمة وكفر الوحدة وكفر الطاغوت وافراد الانسان ثلاثة اقسام ايضا اصحاب الميمنة وهم ارباب الجمال ومظاهره واصحاب المشأمة وهم ارباب الجلال ومظاهره والمقربون وهم اصحاب الكمال ومظاهره وقلوب الفريق الاول فى ايدى سدنة الجمال الآلهى من الملائكة المقربين وقلوب الفريق الثانى فى ايدى سدنة الجلال الآلهى من الشياطين المتمردين يستعملونها فى سبيل الشرور وقلوب الفريق الثالث فى يد الله المتعال يد الله فوق ايدى سدنة الجمال والجلال يقلبها كيف يشاء بين التجليات العاليات والعلوم والمعارف الآلهيات ولما تعلق ايمان هذه الفرق بالله على وجه الشهود والعيان وتعلق كفرهم بالطاغوت جليا او خفيا كان ايمانهم وكفرهم حقيقيين وجاوزوا من عالم المجاز الى عالم الحقيقة واما الفريق الثانى فقد تعلق ايمانهم بالطاغوت مطلقا او خفيا وكفرهم بالوحدة والنعمة فكان ايمانهم وكفرهم مجازيين لكن ايمانهم مردود ككفرهم لانه لم يتعلق بالله اصلا بل كان كله مقصورا على الطاغوت ولذا لم يتجاوزوا من عالم المجاز اصلا ولم يصلوا الى قرب عالم الحقيقة جدا فضلا عن وصولهم الى عالم الحقيقة قطعا واما الفريق الاول فلما تعلق ايمانهم بالله على وجه الرسم والبيان لا بالطاغوت الجلى جدا ولم يتعلق ايمانهم به على وجه الشهود ولم يتعلق ايمانهم به على الاخلاص حين تعلق به على وجه الرسم والبيان لتعلقه ايضا بالطاغوت الخفى وتعلق كفرهم بالطاغوت الجلى فقط لا بالطاغوت لا بالطاغوت الخفى كان ايمانهم وكفرهم مجازيين ايضا لكن ايمانهم لم يكن ككفرهم مردودا بل كان مقبولا من وجه لعدم تعلقه بالطاغوت الجلى اصلا فان غلب تعلقه بالله على تعلقه بالطاغوت الخفى عند خاتمته فيدخل فى الفلاح ثم فى الآخرة ان تداركه الفضل الآلهى فبها ونعمت فيغفر والا فيدخل الجحيم ويعذب بكفره الخفى ثم يخرج لعدم كفره بالله جليا ويدخل النعيم لايمانه بالله جليا وكفره بالطاغوت وهم ايضا لم يصلوا الى عالم الحقيقة بل انما وصلوا الى قربه ولذا جاوزوا الجحيم ودخلوا النعيم فى قرب عالم الحقيقة ولذا كانوا بالنسبة الى نفس الحقيقة موطنين فى عالم المجاز والفرقة لا فى عالم الحقيقة والوصلة واما الفريق الثانى فهم مخلدون فى النار ابدا لايمانهم بالطاغوت مطلقا وكفرهم بالله كذلك ثم سعادة الفريق الثالث على ما هو المنصوص فى القرآن قطعية الثبوت فى آخر النفس وشقاوة الفريق الثانى وسعادة الفريق الاول ليست قطعية الثبوت بل محتملة الثبوت فى آخر النفس بالنظر الى الافراد لجواز التبدل والتغير فى عاقبة الامر الدنيوى بالنظر الى افرادهم هذا ما التقطته من الكتاب المسمى باللائحات البرقيات لشيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الرُشْد}: مصدر رَشُد، بالكسر والضم، رشداً ورشاداً، و {الغي}: مصدر غَوَى، إذا ضلَّ مُعْتَقَدِه، و {الطاغوت}: فعلوت من الطغيان، وأصله: طغيوت، فقلبت لام الكلمة لعينها فصار طيغوت، ثم قلبت الياء ألفاً. وهو كل ما عُبد من دون الله راضياً بذلك، و {العروة}: ما تستمسك به اليد عند خوف الزلل كالحبل ونحوه، ووثوقها: متانتها، وانفصامها أن تنفك عن موضعها، وأصل الفصم في اللغة: أن ينفك الخلخال ونحوه ولا يَبِين، فإذا بان فهو القَصْم - بالقاف - وهو هنا استعارة للدّين الصحيح. يقول الحقّ جلّ جلاله: في شأن رجلًٍ من الأنصار، تَنَصَّر ولدَاه قبل البَعْثَة فلما جاء الإسلامُ قَدِمَا إلى المدينة فدعاهما أبوهما إلى الإسلام فامتنعا، فَلزمَهُمَا أبوهُما وقال: والله لا أدِعكما حتى تُسلما، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {لا إكراه في الدين}، فهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تُكرهوا أحداً على الدخول في الدين. وهو خاص بأهل الكتاب. قال البيضاوي: إذ الإكراه في الحقيقة هو: إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً، ولكن {قد تبين الرشد من الغي} أي تميّز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية، والكفر غيّ يوصل إلى الشقاوة السرمدية. والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسُه إلى الإيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء. هـ. {فمن يفكر بالطاغوت} أي: يبعد عنها ويجحد ربوبيتها {ويؤمن بالله} أي: يصدق بوحدانيته، ويقر برسله، {فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي: فقد تسمك بالدين المتين، لا انقطاع له أبداً، {والله سميع} بالأقوال، {عليم} بالنيات، فإنَّ الدين مشتمل على قول باللسان وعقد بالجَنَان، فحسن التعبير بصفة السمع والعلم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال في الحكم:"لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق، إنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك". وقال أحمد بن حضرويه: الطريق واضح، والحق لائح، والداعي قد أَسْمَع، ما التحير بعد هذا إلا من العمَى. هـ. فطريق السير واضحة لمن سبقت له العناية، باقية إلى يوم القيامة، وكل ما سوى الله طاغوت، فمن أعرض عن السَّوَى، وعلق قلبه بمحبة المولى، فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها على طول المدى، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في معنى قوله: {لا إكراه في الدين} أربعة أقوال: أولها - قال الحسن وقتادة والضحاك: إنها في أهل الكتاب خاصة الذين يؤخذ منهم الجزية. الثاني - قال السدي وابن زيد: إنها منسوخة بالآيات التي أمر فيها بالحرب نحو قوله: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : وقوله: {أية : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب}. تفسير : الثالث - قال ابن عباس وسعيد بن جبير: إنها نزلت في بعض أبناء الانصار وكانوا يهوداً فاريد إكراههم على الاسلام. الرابع - قيل {لا إكراه في الدين} أي لا تقولوا لمن دخل فيه بعد حرب إنه دخل مكرها، لأنه إذا رضي بعد الحرب، وصح اسلامه فليس بمكره، فان قيل كيف تقولون {لا إكراه في الدين} وهم يقتلون عليه! قلنا المراد بذلك لا إكراه فيما هو دين في الحقيقة، لأن ذلك من أفعال القلوب إذا فعل لوجه بوجوبه، فأما ما يكره عليه من إظهار الشهادتين، فليس بدين، كما أن من أكره على كلمة الكفر لم يكن كافراً. وقوله: {قد تبين الرشد من الغي} معناه قد ظهر بكثرة الحجج، والآيات الدالة لانضمام ما أتى الرسول فيه الى ما في الفعل منه والالف واللام في قوله "في الدين" يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون مثل قوله {أية : فإن الجنة هي المأوى}تفسير : بمعنى هي مأواه فكذلك {لا إكراه في الدين} أي في دينه، لأنه قد تقدم ذكر الله كأنه قال: {لا إكراه في دين} الله. والثاني - لتعريف دين الاسلام. اللغة، والمعنى: والغي ضد الرشد، تقول غوى يغوي غياً وغواية: إذا سلك خلاف طريق الرشد، وغوى: إذا خاب قال الشاعر: شعر : ومن يغو لا يعدم على الغي لائما تفسير : أي من يخب. وغوى الفصيل يغوي غياً: إذا قطع عن اللبن حتى يكاد يهلك وقوله: {أية : رب بما أغويتني}تفسير : يحتمل أمرين: أحدهما - خيبتنى. الثاني - بما حكمت بغوايتي، ومنه قوله: {أية : أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك}تفسير : والأصل الغي سلوك طريق الهلاك. وقوله: {ومن يكفر بالطاغوت} قيل فيه خمسة أقوال: أحدها - ما روي عن عمر، ومجاهد، وقتادة: أنه الشيطان الثاني - قال سعيد بن جبير: هو الكاهن. الثالث - قال أبو العالية: هو الساحر. والرابع - قال قوم: هم مردة الجن والانس. الخامس - قال بعضهم: هي الاصنام. وأصل طاغوت من الطغيان، ووزنه فعلوت نحو جبروت، وتقديره: طيغوت إلا أن لام الفعل قلبت الى موضع العين، كما قيل صاعقة وصاعقة، ثم قلبت الفاً لوقوعها في موضع حركة، وانفتاح ما قلبها. ومعنى {يؤمن بالله} يصدّق بالله. وقوله {فقد استمسك بالعروة الوثقى} فالعروة الوثقى الايمان بالله، عن مجاهد، وجرى ذلك مجرى المثل لحسن البيان باخراج ما لا يقع به الاحساس إلى ما يقع به والعروة: عروة الدّلو ونحوه لانها متعلقة، وعروت الرجل، أعروه عرواً: إذا الممت به متعلقاً بسبب منه، واعتراه يعتريه: إذا تعلق به، وعرته الحمى تعروه: إذا علقت به وعرّاه يعريه إذا اتخذ له عروة. وأصل الباب التعلق. وقال الازهري العروة: كل نبات له أصل ثابت، كالشيح والقيصوم، وغيره. شبهت عرى الاشياء في لزومها. وقوله: {لا انفصام لها} أي لا انقطاع لها - في قول السدي -. والانكسار، والانفصام والانصداع والانقطاع نظائر. قال اعشى بني ثعلبة. شعر : ومبسمها عن شتيت النبا ت غير أكس ولا منفصم تفسير : وانفصم انفصاماً: إذا انصدع، وفصمته تفصمه فصما: إذا صدعته من غير أن تكسره، وأصل الباب: الفصم، كصدع الزجاج.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : المقالة الثانية عشرة: في قوله سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} وفيه أطوار: الطور الأول في اللَّفظ "اللاَّم" في "الدين" إمّا أنه لام العهد كما ذهب إليه بعض، أو أنه بدل من الإضافة كما رآه آخرون، وهو مثل قوله تعالى:{أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات:41]. أي: مأواه، والمراد "في دين الله". و "الدين" معناه في الأصل: العادة والشأن، ودانه: أذلّه واستعبده، يقال: دنته، فدان، ثم استعمل بمعنى الجزاء: دانه ديناً، أي: جازاه، يقال: "ما تُدين تدان" أي: كما تجازي تجازى بفعلك وبحسب ما عملت، وقوله تعالى: {أية : أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} تفسير : [الصافات:53]. أي: مجزّيون، ومنه: "الدَّيان" في صفة الله، و "قوم دين" أي: داينون، والمدين: العبد. والمدينة: الأمة كأنهما أذلّهما العمل ودنته: ملكته، ومنه سميَ المصر "المدينة" ثم استعمل بمعنى الطاعة، ودان له: أطاعه، ومنه "الدين"، والجمع: "الأديان" وقد دان بكذا، ديانة وتديّن به، فهو دَيّن ومتديّن. الطور الثاني في المعنى والتحقيق فيه: أنَّ "الدِّين" في الحقيقة، هو التسليم والرضا الحاصلين بسبب العقائد العلميّة التي وقعت بإفاضة الله على القلب المطمئن بالإيمان لمناسبة ذاتيّة، أو كسبية بمزاولة الأفكار والأنظار في طلب الكشف واليقين، وكما أنَّ العلوم الضروريّة تحصل في القلب بمجرّد الإفاضة من غير إكراه وجبر، فكذلك العلوم النظريّة والمعارف الإلهيّة إنَّما تحصل عقيب المبادئ والمقدمات الإلهاميّة، أو التعليميّة بمجرد الإلقاء في الروع، والتأثير في الباطن، والقذف في القلب من غير إجبار في الظاهر وإكراه في القالب. وذلك لأن الدِّين أمر باطني، ولا تسلّط لأحد على باطن الإنسان وقلبه إلاَّ للواحد الحق، من جهة المناسبات الذاتيّة، والقربات المعنويّة، والمواجيد الذوقيّة، والمكاشفات الشوقيّة، والتجليّات الإلهيّة، وقد ورد في الخبر:"حديث : إنَّ الله تعالى إذا تجلّى لشيء خضع له باطنه وظاهره ". تفسير : وفي الحديث النبوي عليه وآله أفضل الصلوات والتسليم: "حديث : ليس الدين بالتمنّي ". تفسير : مع أن التمنّي نوع من الاختيار، فكيف يحصل بالإكراه - وهو الإجبار - وذلك لأنّ الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً، والتسليم لأحكام الحق تعالى باطناً من غير حرج في الباطن، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران:19]. وقوله: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [النساء:65]. الطور الثالث فيما سنح لنا بالبال في تحقيق المرام وفي انتظامه بما سبق من الكلام إنَّ الله سبحانه وتعالى بعدما بيَّن معارف التوحيد الذاتي، والصفاتي، والأفعالي بوجه شاف كاف متعال، أراد أن يشير إلى طريق العبودية لهذا المعبود الموصوف بغاية الجمال والجلال، المنزّه عن المماثل في الكمال والشريك في الأفعال، فأشار إلى "مقام الرضا" الذي هو من لوازم المعرفة، واليقين، والبصيرة التامة، في أمر الدين، وهو أعلى مراتب العابدين قبل حصول الفناء، وأجلَّ مراتب العارفين الصديقين في هذه الحياة الدنيا حين بقاء الوجود فيهم بعدُ، وعدم اندكاك جبل هويتهم في ملاحظ الهويَّة الأولى، فقال: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}. فإنَّ من كان بعد متكلفاً في الدين ثقيلاً عليه حمل أعبائه، متأدياً بالعبادة غير منخشع القلب ولا سهل الانقياد سلس الإجابة للطاعة، ولا طوَّاعاً للشريعة من غير كره وانقباض، فهو بعدُ أسير الهوى والرغبات، عابد أصنام الشهوات، وإنَّما يعبد الله ويدعوه تقرّباً به إلى نيل مراده، وجاعلاً إيّاه وسيلة إلى راحة ذاته، فهو بالحقيقة مستخدم ربه، ومستعبد معبوده تعالى الله عنه. ومثل هذا الإنسان لا محالة غير عارف بالمبدإ الأعلى، بل حاله شاهد على أنَّ إلهه هواه ومعبوده نفسه، فما دام على هذه الحالة فهو غير واصل إلى مرتبة العبادة والمعرفة، فتارة يعتريه الخوف، وتارة يسليه الرجاء، وفي بعض أوقاته من الجفاء يلجأ إلى باب الصبر، وفي بعضها يستزيد النعم بالشكر. فإذا ارتقى من هذه المنزلة إلى درجة الرضا والتسلم، استراح من جميع ذلك، فلم يحتج إلى جذب مطلوب له، أو دفع مهروب عنه، فلا يبقى له كراهة في الدِّين ولا أذية في سلوك طريق المسلمين، كما ورد في الحديث "حديث : أول الإسلام إماطة الأذى عن الطريق" تفسير : يعني: أول درجات الإسلام الحقيقي مقام الرضا بالقضاء من غير إكراه، بأن ينظر المرء إلى جميع المخلوقات بعين الرضا، ويجد في نفسه في جميع ما يسمى بالتكاليف الدينية حالة الارتضاء، وذلك باب الله الأعظم، وبه يدخل السالك في التديّن بدينه الذي هو معرفة التوحيد المشار إليه آنفاً والعمل بمقتضاه. وإنَّما قلنا "إنه أول الدرجات" لأنّ هذه المرتبة قاصرة عن مراتب الكاملين الواصلين إلى أدنى حدّ من حدود الكمال، فإنَّ الراضي يدّعي أنَّ له وجوداً مقابلاً لوجود المرضي عنه، وله مجال تصرف قد تركه باختياره، وذلك يستلزم دعوى الشركة في الوجود والتصرف، تعالى الله عن أن يكون له شريك، أو معه متصرف. فإن ارتقى من هذه الدرجة ووصل إلى مقام الفناء المحض، ومحو الأثر، الذي هو منزل أهل الوحدة المطلقة - لا أقول التوحيد فإنَّه طلب وحدة قسرية، ولا الاتحاد فإنَّه وإن كان بالطبع لا بالقسر لكن تفوح منه راحة الكثرة - لا يتلفت مثله إلى مقام الرضا والتسليم، بل مقامه في العبودية والإخلاص المحض، وأخلص من أن يكون له "ثبوت" حتى يمكن اتصافه بالكمال، وأن يكون له "هوية" حتى يصير منعوتاً بنعوت الجمال والجلال، بل هناك ينقطع السلوك والسالك وينعدم الوصول والواصل {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ}تفسير : [النجم:42] {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} تفسير : [العلق:8]. الطور الرابع قال أبو مسلم والقفَّال المعتزلي: "ان الله ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنَّما بناه على التمكّن والاختيار". وفيه نظر: لأنّ الإيمان أصله الاعتقاد الثابت الجازم، وهو مما لا يكون للاختيار فيه مدخل، لأنه نفس العلم، والعلم كسائر الأحوال القلبية يحصل بإفاضة الله من غير فاعل متوسط، ولا يحصل بالاختيار - كما يحكم به الوجدان الصحيح - ولا يلزم من كونه لا بالاختيار أن يكون حصوله بالإجبار ليكون منافياً لما يستفاد من قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}. وذلك لأنَّ الروح الإنساني من عالم الأمر، والتصورات الكلية والاعتقادات اليقينية (القلبية - ن) أمور موجودة في عالم الأمر، وكل ما يكون في عالم الأمر فهو أرفع وأجل من أن يكون حصوله بطريق الجبر والاخيار، بل على سبل الرضا، والفعل الحاصل بالرضا ما يكون وجوده عين المشيئة، والمحبة، والعشق، والشوق. نعم يمكن الاعتذار من طرف هذا القائل بناء على مذهبه من الاعتزال، بأن تكون الأعمال جزء الإيمان، وهي كفعل الطاعات - من الصلاة والصوم، والزكاة، والحج، والكفارات، وغيرها وترك المناهي الشرعية - والكل أفعال اختيارية لا إجبار فيه، لكن يرد عليه أنَّ الإكراه غير الإجبار، لكون أحدهما طبيعياً والآخر نفسانياً، فنفي أحدهما يستلزم نفي الآخر، بل الأعمال الشرعية كالصلاة والزكاة وغيرهما - لو أهملها المكلّف استحق للإكراه والزجر، بل القتل، فكيف لا يجري فيها الإكراه، ولهذا قيل: "الآية منسوخة". والأولى أن يقال: إنَّ الله سبحانه لما بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للعذر، قال بعد ذلك إنَّه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر، إلاَّ أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا - التي هي دار الابتلاء - إذ في القهر والإكراه على الدين يبطل معنى الابتلاء والامتحان. ونظير هذا قوله تعالى: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف:29]. وقال في سورة آخرى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس:99]. وقال في سورة الشعراء: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء:3- 4]. وممّا يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} يعني ظهرت البراهين وانكشفت الحجج والبيّنات، ولم يبق بعدها إلاَّ طريق القسر، والإكراه، والإلجاء، وذلك غير جائز لأنّه ينافي التكليف في هذه الدنيا. الطور الخامس في ذكر أقوال المفسرين فيه وهي عدة أقوال: الأول: إنه في أهل الكتاب خاصّة، الذين يؤخذ منهم الجزية، لأنّهم لما قبلوا الجزية سقط القتل، وحكم المجوس حكمهم، لأنَّ لهم شبه كتاب، وأمّا الكفّار الذين تهوّدوا أو تنصّروا فقيل: إنهم لا يقرُّون على ذلك ويكرهون على الإسلام. وقيل: يُقرُّون على ما انتقلوا إليه ولا يكرهون. الثاني: إنها نزلت في قوم خاص من الأنصار، فقيل: إنه رجل منهم كان له غلام أسود يقال له: "صبيح" وكان يُكرهه على الإسلام - عن مجاهد -. وقيل: حديث : نزلت في رجل من الأنصار يدعى "أبا الحصين" وكان له ابنان، فقدم تجّار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلمّا أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانيّة، فتنصّرا وخرجا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأنزل الله سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله):"أبعدهما الله، هما أول من كفر"تفسير : فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي (صلّى الله عليه وآله) حين لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله سبحانه: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [النساء:65] الآية. وبطريق آخر روي أنّه كان لأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان فتنصّروا قبل أن يبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: "والله لا أدعكما حتّى تسلما" فأبيا. فاختصموا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال الأنصاري: يا رسول الله يدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فنزلت، فخلاهما. القول الثالث: إنها في جميع الكفار، وكان هذا قبل أن يؤمن النبي (صلّى الله عليه وآله) بقتال أهل الكتاب، ثم نسخ وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة وهو قول السدي: وهكذا نُقل عن ابن مسعود وابن زيد أنها منسوخة بآية السيف وقال الباقون: إنها محكمة. القول الرابع: إن معنى قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ} أي: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب "إنه دخل مكرهاً" لأنه إذا رضيَ بعد الحرب، وصحّ إسلامه فليس بمكره، ومعناه: لا تنسبوه إلى الإكراه، فيكون كقوله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} تفسير : [النساء:94]. القول الخامس: إن المراد ليس في الدِّين إكراه من الله سبحانه، ولكن العبد مخيّر فيه، لأنّ ما هو دين في الحقيقة هو من أفعال القلوب، إذا فعل لوجه وجوبه، فأما ما يكره عليه من إظهار الشهادتين فليس بدين حقيقة، كما أنَّ من أُكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يكن كافراً، والمراد الدين المعروف وهو الإسلام ودين الله الذي ارتضاه، وهذا الوجوب قريب مما ذكرناه سابقاً. المقالة الثالثة عشرة: في قوله سبحانه: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} وفيه رشحات: الرشحة الأولى في اللُّغة يقال: "بان الشيء" و "استبان" و "تبيّن" إذا ظهر ووضح، ومنه المثل: "قد تبيّن الصبح لذي عينين" وقال بعض العلماء: "عندي أن الإيضاح والتعريف إنّما سمّي بياناً لأنّه يوقع الفصل والبينونة بين المقصود وغيره". والرشد في اللغة معناه إصابة الخير وفيه لغتان، رَشَدَ يَرْشِدُ رُشْداً، والرَّشاد مصدر أيضاً كالرُّشد. والغيُّ نقيض الرشد، يقال: غوى يغوي غيّاً وغواية، إذا سلك غير طريق الرشد. الرشحة الثانية في انتظامه بما سبق لما ذكر الدين وأنه لا يحصل بالإكراه شرع في شرح ماهيتّه وقال: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} أي: وضح انكشف مما ذكر سابقاً من شواهد المعرفة، أنَّ الدين الحقيقي الذي هو سلوك سبيل الله، وقطع المنازل، والمراحل التي بين العبد ومولاه المسمّى بالرشد والهدى من "الضلال الحقيقي" الذي هو سلوك سبيل الشيطان والهوى وهو المسمى بالغواية والغي. ووجه هذا التبيّن والانكشاف أن طريق الحق ليس إلاَّ واحداً، وطرق أهل الضلال وإن كانت مختلفة متكثّرة لا يمكن إحصاؤها، لكن إذا عرف هذا الواحد، وانكشف لدى العارف البصير بالبصيرة الباطنة أنه طريق الحق، يتبين ويتحقق أنَّ ما سواه طريق الضلال. فجميع طرق الضلال تعرف بمجرّد معرفة طريق الحق، إذ يصدق على كل منها أنَّه غير الحق {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} تفسير : [يونس:32] ولهذا ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة والناجية منها واحدة" تفسير : وهذا العدد المعيّن لما سوى الفرقة الناجية إنما هو بحسب الأجناس الكليّة، وإلاّ فهي بحسب الخصوصيّات غير محصورة كما مرّ، ومع هذا من عرف طريق النجاة يعمل أنَّ غيره طريق الهلاك. الرشحة الثالثة في تحقيق معنى "التبين" في هذا المقام إعلم أنَّ معنى "تبيّن الرشد من الغي" تميّز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر بحسب الواقع، وبما يلزم من الحجج والبيّنات الدالّة، والبراهين الواضحة عند من نظر وتدبّر في تلك الأدلّة والبراهين، لا أنَّ كل مكلّف متنبِّه به، لأنَّ ذلك خلاف ما هو المعلوم من حال أكثرهم، لأنهم إما جهّال محض وإما مقلّدون والمقلّد كالجاهل في عدم كونه عارفاً بصيراً، ويمتاز عنه في كونه معتقداً، ودرجة المعرفة فوق الاعتقاد، لأنَّها ممّا يحصل معها الانشراح الباطني، والمشاهدة المعنويّة دون اعتقاد المقلّد، إذ لا انشراح ولا اطمئنان معه للقلب، وإنَّما الفائدة فيه مجرد الاتّباع للقائد العارف في صورة الأعمال الشرعيّة والأوضاع الدينيّة، الموجبة لرياضة القوى البدنيّة، وتطويع النفس الأمّارة لئلا تصول على النفس المطمئنّة. وبذلك يحصل للنفس الإنساني الامتياز عن سائر النفوس الحيوانية التي لا معاد لها في الآخرة، وعن النفوس الشقيّة المتمردة عن طاعة الشريعة التي لها العقوبة الأخرويّة، وذلك لأنَّ الاقتداء بأهل الكمال - ولو في صورة الأعمال - مع خلوّ النفس عن رذائل الأوصاف وقبائح الأعمال، وسذاجة القلب عمّا يضاد، ونيل الرحمة من المبدإ الفعَّال مع صدق النيّة، وصفاء الطويّة، يوجب أن ينال المقتدي نصيباً من السعادة الأخرويّة، واللَّذات الآجليّة التي للعارفين، وأن تتنوّر ذاته بنور المتابعة لهم والانخراط في سلكهم، والاستسعاد بسعادتهم على نهج التبيعّة والعرض - لا على وجه الاستقلال - إذ السعادة الحقيقيّة منوطة بالمعرفة الحقيقيّة، بل هي عينها، فحيث لا استقلال في المعرفة لا استقلال في السعادة، ولكن بحسب "من تشبّه بقوم فهو منهم" كان للمتشبِّه بأهل الكمال - بقدر تشبّهه بهم - ضرباً من السعادة في المآل. والله الهادي إلى طريق الصواب وبه الاستعاذة من الضلالة والغواية في سبيل الآخرة والمآب. المقالة الرابعة عشرة: في قوله سبحانه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} وفيه تحقيقات: التحقيق الأول في اللُّغة قال النحويون: "الطاغوت" على وزن فعلوت، نحو جبروت ورحموت و "التاء" زائدة فيه، وهي مشتقّة من "طغى" وتقديره طغووت إلاَّ أنَّ لام الفعل قلب إلى موضع العين كعادة العرب في القلب نحو: الصاعقة والصاقعة، ثم قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. وصاحب مجمع البيان رحمه الله على أن أصلها "طغيوت" بدل من الياء يدل على ذلك قوله تعالى: {أية : فِي طُغْيَانِهِمْ} تفسير : [البقرة:15]. ثم إنَّ "اللام" قدمت إلى موضع "العين" فصارت "طيغوت" ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار "طاغوت" فوزنها الآن بعد القلب "فلعوت". وجمع طاغوت: طواغيت وطواغت وطواغ - على حذف الزيادة - والطواغي - على العوض ممّا يحذف -. قال المبرّد في الطاغوت: "الأصوب أنَّه جمع" قال أبو علي الفارسي: ليس الأمر عندي كذلك بل هو مصدر كالرغبوت، والرهبوت، والملكوت، وكما أنَّ هذه الأسماء آحاد كذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع، وممّا يدلّ على ذلك أنَّه يفرد في موضع الجمع كما يقال "هم رضا" و "هم عدل" ولهذا قال تعالى: {أية : أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} تفسير : [البقرة:257]. وقالوا: وهذا اللفظ يقع على الاحد وعلى الجمع، أمَّا في الواحد فكما في قوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} تفسير : [النساء:60]. وأمّا في الجمع فكما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} تفسير : [البقرة:257]. وقالوا: الأصل في التذكير، فأمّا قوله تعالى:{أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} تفسير : [الزمر:17]. فإنَّما أُنّثت إرادة الآلهة. ويقال: "استمسك بالشيء" إذا تمسّك به. و "العروة" واحدة العرا، نحو عروة الدلو، وعروة الكوز، وإنما سمّيت بذلك لأنّ العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلّق به. و "الوثقى" فعلى أوثق وهو من باب استعارة المسحوس للمعقول، لأنّ من أراد إمساك شيء يتعلّق بعروته، فكذا هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلّق بالأدلة الدالّة عليه على وجه اليقين، ولمَّا كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها، وأمتنها لا جرم وصفها سبحانه بأنَّها "العروة الوثقى". و "الفصم" هو كسر الشيء من غير إبانة، والانفصام: مطاوع الفصم يقال "فصّمته، فانصم" والمقصود منه المبالغة، لأنه إذا لم يكن للشيء انفصام فبأن لا يكون لها انقطاع أولى. التحقيق الثاني في معنى الطاغوت وفيه أقوال: أحدها: إنَّه الشيطان عن مجاهد وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام). وثانيها: إنه الكاهن عن سعيد بن جبير. وثالثها: إنه الساحر عن أبي العالية. ورابعها: إنه مردة الجن والإنس وكل من يطغى. وخامسها: إنه الأصنام وما عبد من دون الله. وعلى الجملة: من كفر بما خالف أمر الله ويؤمن بالله ويصدق بما جاءت به رسله - صلوات الله عليهم - والوجه فيه أنَّه لمَّا حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء فكانت أسباباً للطغيان كما في قوله تعالى: {أية : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [إبراهيم:36]. وسادسها: إنه هو النفس وهو أقرب المبادئ المغوية للإنسان، إذ ما أضلّه مضلّ، وما أغواه مغوٍ عن الصراط المستقيم إلاَّ بواسطة ميله وهواه إلى ما يرغب إليه ويعبده، بل لا يعبد الإنسان معبوداً غير الله إلاَّ بتبعية عبادة عادته وهواه، كما في قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الجاثية:23] وفيما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله): "حديث : ثلاث مهلكات، شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" تفسير : إشارة إلى ما ذكر، حيث وصف الأوليان بالمطاع والمتبع، وأصرح من ذلك ما روي عنه (صلّى الله عليه وآله): "حديث : ما عبد معبود في الأرض مثل الهوى ". تفسير : وسابعها: إنه عالم الهيولى ونشأة الدنية التي هي دار الشهوات المهلكة ودار الغرور بالخيالات المغوية، والأماني التي لا حاصل لها إلاَّ خسران الآخرة: {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً} تفسير : [النور:39] الآية. وثامنها: إنَّه جهة الإمكان والنقصان في الممكنات التي هي حال الماهيات بحسب ذواتها - بخلاف جهة الوجوب والوجود التي هي حالتها الفائضة عليها من المبدإ الأعلى تعالى - فالأوصاف الذميمة، والأفعال القبيحة كلها، إنَّما نشأت من الممكن بواسطة الجهة التي له بالقياس إلى نفسه، والأخلاق الحسنة والطاعات كلها إنَّما نشأت منه بواسطة الجهة التي له بالقياس إلى ربه، فبحسب غلبة إحدى الجهتين كان الغالب الصفات والأفعال التي بواسطتها، والمغلوب ما يقابلها. فمن يكفر بالطاغوت - أي بالالتفات إلى محبة نفسه، والاهتمام بجلب ما يلذّها ودفع ما يكرهها - فقد استمسك بالعروة الوثقى التي هي الإقبال إلى جنبة الحق والإعراض عن جنبة الباطل، لأنَّ ذلك يوجب وجدان روح الوصال ونعيم الاتصال والخلاص عن ألم الافتراق وجهنم القطيعة والانفصال. وهذا الوجه قريب المأخذ من السابع، كيف والهيولى أيضاً منبعها الإمكان لأنها إنَّما صدرت من الوسائط العقلية بواسطة جهة الإمكان فيها - على ما ذكروا في ترتيب الوجود -. والفرق بين الإمكان والهيولى بعد اشتراكهما في كونهما منبع النقائص والآفات أنَّ نفس الإمكان الذاتي مبدأ النقائص الفطرية التي بحسب أصل الماهية النوعية مع قطع النظر عن خصوصيات الأشخاص، وأنَّ النقصان الذي منشؤه مجرّد الإمكان - أو بحسب تضاعفه - الذي هو من لوازم الماهية التي لا يمكن زوالها وانجبارها، ولهذا لا يعدونه شرّاً لكونه ملائماً لتلك الماهية غير غريب عنها، وليس كالآفة والمرض اللاحق، وأمّا الهيولى والجسميّة - التي تجري مجراه عند قوم - فهي مبدأ النقائص الشخصية كالتشويهات في الخلقة أو ذمائم الصفات في النفس كالجهل والبخل والقساوة وغيرها، أو قبائح الأفعال كالزنا واللواطة والسرقة وأمثالها، فإنَّ منشأ الكل هو التعلق بهذا البدن المادي، ولكن يمكن إزالتها بتهذيب النفس وفعل الخيرات وتبديل السيئات بالحسنات، بقبول المواعظ والحكم، واستماع الآيات والأحاديث على وجه التدبّر فيها عن الإصغاء، وإجابة دعوة الأنبياء فيما جاؤوا به، والاقتداء بالأئمة الهادين المهديين المعصومين عن الخطإ - سلام الله عليهم من الملِك الأعلى -. وملاك الأمر في جميع ذلك هو قطع التعلّق عن الدنيا، ورفض عالم الهيولي؛ لتزِين الروح بالمعارف الحقة الإلهية، والمعالم اليقينية الدينية التي هي السعادة العظمى. فقوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ} إشارة إلى ذلك القطع والرفض، {وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ} إشارة إلى تزيُّن النفس بمعرفة الحق الأول بما له من نعوت جلاله وجماله، وكيفية صدور أفعاله وآثاره في البدو والإعادة، فالأول تخلية والثاني تحلية. فبهذين الوسيلتين أي التخلية والتحلية استمسك الإنسان بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهو مجاورة الحق الأول والانخراط في سلك مقرّبيه من أهل الجبروت والملكوت. وتاسعها: القوة الوهمية التي هي أعظم جنود الشيطان، إذ بوسيلتها يتصرف الشياطين بالإغواء والإضلال في نفوس الإنسان، وسيأتيك لهذا المعنى وجه إن شاء الله تعالى. التحقيق الثالث في معنى الإيمان بالله إعلم أنَّ المراد به الإيمان بحقيقة الله تعالى، وحقيقة ملائكته وكتبه، ورسله واليوم الآخر لقوله تعالى: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} تفسير : [البقرة:285]. وأما الاعتقاد بحقيقة الله فهو الإيمان بوجوده، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه. أما الإيمان بوجوده: فهو أن يعلم أنَّ رواء المتحيّزات بل الممكنات موجوداً قديماً قادراً - أي واجباً بالذّات صانعاً للعالم - وذلك بالنظر إلى حقيقة الوجود المعلوم بوجه مّا، وأن له فرداً موجوداً بذاته، وإلاَّ لزم تقدم الشيء على نفسه، أو وجود الممكن من غير سبب، إذ جميع الممكنات في حكم ممكن واحد في خلوّ ذاته عمّا يوجب الاتصاف بالوجود، فبملاحظة خلوّ ذات الممكن وعريّه عن طبيعة الوجود ذاتاً واقتضاءً واستلزاماً، وملاحظة استحالة كون المحال قابلاً للوجود، يحكم العقل الصّافي عن المحذورات والأمراض النفسانيّة بوجود القيّوم المستغني عمّا سواه كما قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران:18] وكقوله: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}تفسير : [فصلت:53]. وبالنظر إلى العالم وطبائع الحركات والمتحركات، ودقائق الصنع العجيب والنظم الغريب في الممكنات، كما أرشده الله في القرآن - وليس فوق بيان الله ورسوله بيان - فقال: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} تفسير : [النبأ:6- 7] - إلى قوله: - {أية : وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} تفسير : [النبأ:16]. وقال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ.... يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة:164]. وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} تفسير : [نوح:15- 16] - إلى قوله: - {أية : إِخْرَاجاً} تفسير : [نوح:18]. وليس يخفى على من له أدنى مِسكة إذا تأمل بأدنى فكرة، مضمون هذه الآيات وأدار نظره على خلق السماوات والأرض وعجائب فطرة الحيوان والنبات - فضلاً عن خلقة الآدمي الكامل بالكمال العلمي والعملي - أنّ هذا الأمر العجيب، والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع يدبره، وفاعل يحكمه، بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره ومصروفة بمقتضى تدبيره، ولذلك قال تعالى: {أية : أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم:10] فمن غفل عن هذا كان راكباً على متن الجهل، وراكناً عن نهج العقل. وأما الاعتقاد بصفاته: والصفات إمَّا سلبية وإمَّا ثبوتية: فأمّا السلبيّة فهي أن تعلم أنّه مجرّد، مقدّس عن جميع ضروب التركيب في أي ظرف كان، لأنّ التركيب يستلزم الإمكان وينافي الوجوب، والواجب تعالى كما أنّه واجب الوجود بالذات - بحسب الواقع - فكذلك هو واجب الوجود في جميع الشؤون والجهات والأوعية والنشآت الذهنيّة والخارجية، فيتقدس عن الكثرة والتركيب - ولو من الأجزاء المحمولة - ويلازم الوحدة ولو في العقل، على أنه يتعاظم عن أن يدخل في وهم أو عقل، ليتصرف فيه الذهن بالتحليل والتقسيم. ولاستلزام الأجزاء العقلية، الجنسيّة، والفصلية، كون الشيء ذا ماهيّة كلية يعرضها الوجود - والواجب بحت الوجود كما مرّ - فليس مندرجاً تحت نوع أو جنس لكونه محض التعيّن الممتنع اشتراكه بين أمرين، فهو ليس كليّاً ولا جزئياً إضافياً. ومن هاهنا ينكشف أيضاً أنَّه ليس بجوهر - سواء كان متحيّزاً أو مجرّداً - ولا بعرض - سواء كان كمّاً أو كيفاً أو إضافة - فلا يكون حالاًّ في شيء وإلاَّ لكان عرضاً أو وصورة جوهريّة. ولا يكون محلاً وإلاَّ لكان إمَّا مادة متقوِّمة في تحصلها النوعي بما يحل فيها، أو موضوعاً متقوماً في شخصيته، أو في كمال شخصيته بما يحلُّ فيه. ولا متغيراً وإلاَّ لكان جسماً متحركاً زمانياً أو حالاً فيه كالقوى، أو مباشراً له في التدبير والتحريك مستكملاً به كالنفوس والتوالي بأسرها باطلة فكذا المقدم. والانفعالات والتغيرات التي يسندونها إلى ذاته تعالى كلها إطلاقات مجازية تسند إليه تعالى باعتبار الغاية - كالرحمة والغضب، والعفو والانتقام، والابتلاء والامتحان، وغير ذلك - فلو كان جائز الاتصاف بالغضب - مثلاً - لكان أزلاً وأبداً غضبان، بل يكون عين الغضب، وعلى هذا يمتنع عليه الرحمة المقابلة له مطلقاً. فإن قلت: هذا الاعتقاد يبتني على الإيمان بعالم الملكوت، فمن لا يفهم ذلك - كالعوام - أو يجحده - كأهل الكلام - فما طريقه؟ قيل: أمّا الجاحد فلا علاج له إلاَّ أن يقال: "إنكارك لعالم الملكوت كإنكارك لعالم الجبروت، كالذين حصروا العلوم فيما يدرك بالحواس الخمس فأنكروا القدرة والإرادة والعلم، لأنها لا تدرك بالحواس الخمس ولازموا حضيض عالم الشهادة". فإن قال: وأنا منهم فإني لا أهتدي إلاَّ إلى عالم الشهادة، ولا أعلم شيئاً سواه. فيقال له: إنكارك لما شاهدنا مما وراء المحسوسات، كإنكار السوفسطائية للحواس الخمس ومحسوساتها، فإنهم قالوا: "ما نراه لا نثق به، فلعلنا نراه في المنام". فإن قال: وأنا من جملتهم فإني شاكّ أيضاً في المحسوسات. فيقال: هذا شخص فسد مزاجه وامتنع علاجه فيترك، فما كل مرض يقوى على علاجه الأطباء، ولا كل داء له دواء، بل ربّ داء أعيت الأطباء في تحصيل الدواء. وأما الذي لا يجحد، فإن كانت عينه التي يشاهد بها عالم الملكوت صحيحة في الأصل نزل فيها ماء أسود لاعتياده بملاحظة عالم الظلمات، فيمكن الاشتغال بتنقيته - اشتغال الكحَّال بالعيون الظاهرة - وإن كان غير قابل للعلاج - لكونه مختوماً على قلبه - فلا يمكن أن يسلك فيه سبيل التوحيد العقلي، بل يكلّم معه بكلام التوحيد ويكلّف بالتنطق بشهادة التوحيد ردّاً لذروة التوحيد إلى حضيض فهمه، وهذا هو التوحيد اللائق بحال القاطنين في عالم الشهادة، فإنَّ للتوحيد مراتب، بحسب كل عالَم مرتبة. وتوحيد عالم الشهادة أن يعلم الرجل الحاسِّي أنَّ المنزل يفسد بصاحبين والبلد يهلك بأمرين، فيقال له على حدّ عقله الذي هو بمنزلة حسّ أهل العلم: "إنَّ إله العالم واحد إذ لو كان فيهما آلهة إلاَّ الله لفسدتا" فيكون ذلك هو اللائق بقدر عقله، وقد كُلف الأنبياء أن يكلموا الناس على قدر عقولهم. وأما الصفات الثبوتية: فإنّ من يعلم أنَّ الموجود الواجب نسبته إلى جميع الممكنات نسبة واحدة لا يعجز عن بعض دون بعض - بل كلما كان أعظم وجوداً وأعلى رتبة، صدر منه أقدم مما يكون أضعف وأنقص على ترتيب أنيق ونظام بديع - يعلم بأنّه قادر على جميع الممكنات وعلى أيّ نظام وترتيب كان. ثم من رأى أنَّ هذا النظام أبدع النظامات وأحكمها يعلم بأنّه مريد، وأن إرادته على وجه الحكمة والجزم لا على نهج الجزاف والتردد، ويعلم أنَّ إرادته أجلُّ من الاختيار والجبر جميعاً، ففاعليته على سبيل العناية الأزلية المسماة بالعلم التام المقدم على الإيجاد، الذي هو أيضاً من مراتب علمه المسمى بالرضا، والكلام يحتاج بسطه إلى موضع أوسع من هذا المقام. وأما الاعتقاد بأفعاله: وهو أن يؤمن بأنّ الله على كل شيء قدير وما سواه ممكن محدث، والممكن - بما هو ممكن - محض القوة والفاقة، فلا يجوز أن يكون سبباً لإخراج الشيء من القوة إلى الفعل، وإلاَّ لكان للعدم شركة في إفادة الوجود وهو فطري الفساد عند ذوي البصيرة والسَّداد، فتكون قدرة الله تعالى عامّة شاملة لجميع الذرات، لأنَّ مشنأ الافتقار عام فلا تأثير للوسائط، لأنها كلها مسخّرات، ومعدات، لا موجبات. فهذا هو التوحيد في الأفعال إلاَّ أنّه وقع في البَين حجاب يمنع أن يرى هذا التوحيد بعين البصيرة، وهو أنَّ الحوادث الّتي هي الأفعال الاختيارية للحيوانات - وخصوصاً الإنسان - الحكم مطرد فيها، لأنها ممكنة، فكل ممكن لا بدَّ من استناده إلى واجب الوجود، كيف وكل حادث - سواء كان فعلنا الاختياري أم لا - إذا نظرنا إلى حدوثه وإمكانه أدانا النظر اضطراراً إلى وجود الواجب بالذات، مع أنا نجد من أنفسنا أنَّا نتحرك إن نشأ، ونسكن إن نشأ فكيف نكون مسخّرين، والحال أن حركاتنا وسكناتنا بأنفسنا لا بغيرنا؟ فنقول في الكشف عنه: إنَّ حركاته وسكناتك بمشيئتك، إلاَّ أنَّ مشيئتك ليست مشيئتك، بل بقضاء الله وقدره - إذ لو كانت كذلك لافتقرت تلك المشيئة إلى مشيئة أخرى وهكذا إلى غير النهاية - فإذا لم تكن مشيئتك بمشيئتك فهي لازمة لك من أسباب قدرية مؤدية إليها، فإذ لم تكن المشيئة إليك فمتى وجدت المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت، ولا سبيل لها إلى المخالفة وإذا انصرفت لزمت الحركة ضرورة بالقدرة، والقدرة محركة ضرورة عند إنجزام المشيئة، والمشيئة تحدث في القلب بالأسباب الخارجية المشاهدة، وهي تحدث بالأسباب الغائبة عنّا فهذه ضروريات مترتّبة بعضها على بعض، وليس للعبد أن يدفع وجود المشيئة، ولا انصراف القدرة إلى المقدور، ولا وجود بعث المشيئة للقدرة، فهو مضطّر في الجميع. ولا يتوهمن أحد أنَّ هذا خلق الأعمال الذي ذهبت إليه الأشاعرة القائلين بالجبر المحض من غير اختيار. فإن قلت: ما ذكرت أيضاً جبر، والجبر ينافي الاختيار، فكيف يكون إنساناً واحد مضطراً ومختاراً؟ قلت: لو انكشف لك الغطاء عن عين البصيرة بنور الاهتداء لعرفت أنك مجبور في عين الاختيار، وتحقيقه يفتقر إلى تحقيق معنى الاختيار، فاطلبه من كتب أُولي الأبصار ليظهر لك ما يظهر لهم: إنه لايتقدّم متقدّم ولا يتأخّر متأخر إلاَّ بالحق واللزوم، فكل ما بين السماء والأرض حادث على ترتيب واجب وحق لازم، ولا يجري في الملك والملكوت طرفة عين، ولا فلتة خاطر، ولا لفتة ناظر، إلاَّ بقضاء الله وقدره، وإرادته ومشيئته، لا رادّ لقضائه ولا معقّب لحكمه {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [النحل:93]. كيف ولو لم يكن هكذا لكانت المعاصي والجرائم الصادرة من الأشقياء - إن كان الله يكرهها ولا يريدها - فإنَّما هي جارية على وفق مراد إبليس - أذلَّة الله - مع أنه عدوّ الله، ثم القبائح أكثر من الحسنات، والمعاصي أكثر من الطاعات فيكون الجاري على وفق إرادة العدوّ أكثر من الجاري على وفق إرادة الله تعالى، وهذا مما لا يليق برئيس قرية فكيف يليق بالملك الجبّار ذي الجلال والإكرام. فقد علم أنَّ الإرادة الأزلية تعلقت بنظام العالم على هذا الوجه العام، وأما الأوامر والنواهي الشرعية فيه أمور مقرّبة للطاعات، مبعدة عن المعاصي، وأسباب مهيجة للخيرات، دافعة للشرور والآفات، حسب ما يمكن ويليق لكل أحد. فإن قلت: إذا كان الواقع من المعاصي والشرور بقضاء الله وقدره، فلماذا يعاقب من ساقه القدر إلى اقتراف خطيئة؟ يقال: العقوبة من اللوازم والتبعات المتصلة من غير حاجة إلى معاقب منفصل ومنتقم من خارج، ويدلّ عليه كثير من الآيات القرآنية كقوله تعالى: {أية : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} تفسير : [الأنعام:139] {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [العنكبوت:54] {أية : وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران:117]. وأما مرتبة الإيمان بأحكامه: فبأن يعتقد أنَّها غير معلَّلة بالدواعي وأغراض زائدة على ذاته راجعة إليه، لأنَّ كلّ من كانت أحكامه معلَّلة بعلّة غير ذاته كانت ذاته ناقصة بنفسها مستكلمة بغيرها، وذلك مستحيل على الواجب بالذات. لكن يجب أن يعلم أنَّ الغاية تطلق على معنيين: أحدهما: ما يرجح فاعلية الفاعل على تركها، وهو في الله علمه بالوجه الأصلح، وذلك العلم غير زائد عليه تعالى لنفي الزائد مطلقاً عند أهل الحق. وثانيهما: ما يترتب على الفعل سواء كان الفعل متوجّهاً إليه وكان لأجله، أو لا، بل يكون من ضروريات الفعل من غير أن تكون الطبيعة متوجهة إليه، فالأول: كوجود المنافع والمصالح التي روعيت في وجود العالم على الوجه الأتم الأبلغ في النظام، والثاني: كوجود الاتفاقيات اللاَّزمة، ويكون لا محالة أقلية والخيرات التي تقابلها أكثرية أو دائمة. فقد ثبت أنَّ أحكام الله وإن لم تعلل بعلة غائية غير ذاته تعالى إلاَّ أنَّ لها غايات وفوائد وثمرات عائدة إلى الممكنات، والشرور المانعة عن وصول بعض أفراد الممكن إلى كماله اللاَّئق به أمر شاذّ. وهذا في غير الإنسان من الحيوانات أمر واضح لاختصاص وجودها بهذه النشأة الفانية، فإذا قبض بعضها أو قتل أو جعل فداء وغذاء للإنسان الذي هو غاية عالم الأضداد، وثمرة الفؤاد لم يكن كثير شرّ في حقها، لعدم احتمال شخصياتها الوجود الدائم، فإيثار كونها غذاء وفداء للنوع الأشرف، وانتفاعه بها على موتها بحتف أنوفها ليس ظلماً وجوراً في حقها، بل عدلاً وقسطاً وتكريماً لما هو المحقوق به. وأما الشرور الإنسانية بحسب قواها العلمية، والعملية، والشهوية، والغضبية - كالجهل والفسق والجور - فليعلم أنْ ليس كل جهل موجباً للحرمان الدائم عن البقاء الأخروي، ولا كل رذيلة سبباً للعذاب الأبدي، بل الجهل المضاد لليقين مع العناد والإصرار، والرذيلة الراسخة الباتكة لعصمة النجاة، وأما باقي الضروب من الجهالات فيه لا توجب الحرمان عن رحمة الله بالغفران، فاعتقادنا في صاحب الكبيرة: أنَّه لا يجب على الله تعذيبه وأنَّه مما يمكن لضرب منه أن ينال رحمة ربه - على ما مرّت الإشارة إليه - وأنَّه سبحانه يغفر لمن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله. وأما الإيمان بالملائكة فمن أربعة أوجه: أولها: الإيمان بوجودها، وهذا مما لا خلاف لأحد من المسلمين بل المليِّين كلهم، وأما البحث عن نحو وجودها وحقيقتها - أنها روحانية محضة أو جسمانية، أو مركبة من القبيلتين؟ (القسمين - ن) وبتقدير كونها روحانية إمّا عقول صريحة، أو نفوس مدبِّرة للأجرام، أو مركبة من القسمين؟ وبتقدير كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة؟ فإن كانت لطيفة فهي أجسام نورانية أو هوائية؟ وإن كان كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى؟ فذلك مقام العلماء الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية. الوجه الثاني: أن يعتقد أنَّهم معصومون مطهَّرون {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [النحل:50] ولا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، فإنَّ لذَّتهم بذكر الله، وأُنسهم بعبادته، وغذاؤهم التسبيح والتقديس، وكما أنَّ حياتنا الدنيوية بالنَّفس والاستنشاق فحياتهم بذكر الله والمعرفة والطاعة له. ومنهم الملائكة السماويون، وأعلى منهم الكروبيون، وهم العاكفون في حظيرة القدس، ولهم حالة الهيمان، بل حالهم الفناء عن أنفسهم، وعدم الالتفات إلى ذواتهم وإلى هذا العالم والآدميين، لقصر نظرهم عن غير الله واستغقراقهم بجمال الحضرة الإلهية وجلال ذاته الأحدية. ولا يستبعد أن يكون في عباد الله من يشغله جلال الله عن الالتفات إلى آدم وذرّيته فقد روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : إنَّ لله أرضاً بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوماً - هي مثل أيام الدنيا ثلاثون مرة - مشحونة خلقاً لا يعلمون أنَّ الله يعصى في الأرض ولا يعلمون أنَّ الله خلق آدم وإبليس" تفسير : رواه ابن عباس (رضي الله عنهما). فاستوسع مملكة الله ولا تغترّ بكلام المتشبهين بأهل العلم، الجاهلين بأكبر خلق الله وأشرفه، المقصرين بهمتهم الدنية على عالم الحسّ والخيال - وإنهما النتيجة الأخيرة من مقدمات عالم الملكوت، وهما القشر الأقصى عن اللب الأصفى - ومن لم يجاوز عن هذه الدرجة فكأنه لم يشاهد من الزمان إلاَّ قشريته ومن عجائب الإنسان إلاَّ بشريته. وأدنى منهم الملائكة العنصريون من أرباب الطبايع العنصرية من خزّان المطر، وزواجر السحاب، وصواعق البروق، ومشيعي الثلج والبرد، والهابطين مع قطر المطر إذا نزل، والقوّام على خزائن الرياح، والموكلين بالجبال والمثقلين مثاقيل المياه والأرض. ودونهم رسل الله المتوسطون من الملائكة السماوية إلى أهل الأرض بمكروه ما ينزل من البلاء، ومحبوب الرخاء، ومنهم السفرة الكرام البررة وحفظة الكرام الكاتبين، ومنهم ملك الموت وأعوانه من النازعين للصور من المواد الغير المستعدة، ومنهم منكر ونكير للأشقياء، ومبشر وبشير للسعداء ومنهم الطائفون بالبيت العمور، ومنهم مالك وسدنة النيران ورضوان وخزنة الجنان، ومنهم الزبانية، الذين إذ قيل لهم: {أية : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ} تفسير : [الحاقة:30 - 31] ابتدروه سراعاً ولم ينظروه. وأدون من الجميع سكان الهواء والأرض والماء، وبالجملة ما من موجود إلاَّ ومعه ملكان: أحدهما على يمينه والآخر على شماله {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق:21] والسائق ملك يباشر التحريك إلى الدار الآخرة والشهيد ملَك يدرك به النفع والضرّ، والخير والشر. وأكثر ما ذكرنا مقتبس من الصحيفة الملكوتية لمولانا وسيدنا زين الساجدين والموحّدين، وسيد العابدين والعارفين - سلام الله عليه وعلى جده وجدّ أبيه وعمه وأبيه والأطهار من بيته قدّس الله أرواحهم أجمعين -. والوجه الثالث: أن يعلم بأنهم كلّهم وسائط بين الله وبين الخلق، كل قسم منهم موكل على قسم من أقسام هذا العالم، بل ما من نوع من الأنواع الطبيعية إلاَّ وله ملك موكل، هو واسطة رحمة الحق وجوده عليه، ذو عناية بأشخاص ذلك النوع وهياكله وأصنامه، وهم المسمَّون عند قدماء الحكماء - المقتبسون أنوار الحكمة من مشكاة نبوّة الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين - بـ "أرباب الأصنام" وعند أفلاطون (افلاطن - ن) بـ "المثل النورية" وإليهم الإشارة في قوله تعالى: {أية : وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً} تفسير : [الصافات:1 - 2]. وقال: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً} تفسير : [الذاريات:1 - 2]. وقال: {أية : وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً * فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} تفسير : [المرسلات:1 - 2]. وقال: {أية : وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} تفسير : [النازعات:1 - 2]. وفي تفسير هذه الآيات التي أقسم الله فيها بطوائف من الملائكة أسرار شريفة عزيزة تدق عن أفهام أكثر العلماء - فضلاً عن غيرهم - لا يكشف المقال عن وجوهها قناع الإجمال لشرفها وعزّتها. والوجه الرابع: أن يعلم ويؤمن بأن كتب الله المنزلة إنَّما وصلت إلى الأنبياء (عليهم السلام) بواسطة ضرب من الملائكة، كما قال الله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} تفسير : [التكوير:19 - 21]. فهذه الوجوه لا بدّ منها في حصول الإيمان بالملائكة، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشدّ كان إيمانه بالملائكة أتم، وأكثر الخلق معرضون عنه مع دعواهم الإيمان. وأما الإيمان بالكتب فلا بدّ فيه من أمور أربعة: أولها: أن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله، وأنَّها ليست من باب الكهانة، وإلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة، ولا من باب السحر، والفرق بين هذه الأمور خاف عن (على - ن) الجمهور. وثانيها: أن يعلم أنَّ الوحي وإن كان بواسطة الملائكة المقدسين فإنَّ الله لم يمكّن أحداً من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الظاهر، وعند ذلك يعلم أن من قال: إنَّ الشيطان ألقى قوله: "تلك الغرانيق العلى" في أثناء الوحي فقد قال قولاً عظيماً، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن. وثالثها: أن يعلم أنَّ هذا القرآن لم يتغير ولم يحرَّف، ودخل فيه فساد قول من قال: "إنَّ ترتيب هذا القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان" فإنَّ من قال به أخرج القرآن عن كونه حجَّة. ورابعها: إنَّ القرآن مشتمل على محكم ومتشابه، وإنَّ محكمه يكشف عن متشابهه. وأما الإيمان بالرسل: فلا بدَّ فيه من أن يعلم أنَّهم معصومون من الذنوب كلها - كبيرها وصغيرها، عمدها وسهوها - وأن يعلم أن النبي (صلّى الله عليه وآله) أفضل من الملائكة السماوية والأرضية، وأما الكروبيون ففي تفضيل النبي (صلّى الله عليه وآله) عليهم خلاف بين العلماء، ولأرباب المكاشفات في ذلك مباحث غامضة شريفة أوردناها في بعض كتبنا العرفانية. وأن يعلم أنَّ بعض الأنبياء أفضل من بعض لقوله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [البقرة:253]. ومن الناس من أنكر ذلك متمسكاً بقوله تعالى: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} تفسير : [البقرة:285]. وقد ذكر المفسرون وجوهاً من الجواب لا يطمئن بها القلب، وقد حضر عندنا وجه وجيه لا أسمح بها حذراً من سوء فهم الناظرين. وأن يعلم أنَّه تعالى بعث الأُميَّ العربي محمداً (صلّى الله عليه وآله) برسالته إلى كافّة العرب والعجم، والجن والإنس، فنسخ بشريعته الشرائع، وجعله سيد البشر وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر عنه في الدنيا والآخرة، وألزمهم اتّباعه والاقتداء به فقال:{أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر:7] فلم يغادر صلّى الله عليه وآله شيئاً يقرِّبهم من الله تعالى إلاَّ أمرهم به وهداهم سبيله، ولا شيئاً يبعدهم عن الله إلاَّ نهاهم عنه وعرّفهم طريقه، ويعلم أنَّ تلك الأمور لا يرشد إليها مجردّ العقل والذكاء، بل أسرار تكاشف بها من حظيرة القدس قلوب الأنبياء. ويعلم أنَّه يجب عليهم أن ينصبوا بعدهم خليفة، وينصوا عليه نصّاً لا يبقى لأحد مجال الشك فيه والطعن به، وذلك لعدم بقاء وجوده العنصري دائماً، والمادة التي تقبل صورة النبي (صلّى الله عليه وآله) يقع في قليل من الأمزجة على الشذوذ، فلا بدَّ من الاستخلاف بالنص الجلي لوجود إمام تقتدي به الأُمّة بعده. ويشترط أن يكون الإمام معصوماً من الذنوب، مؤيداً من عند الله بأوصاف كمالية يندر اجتماعها - بل آحادها - في شخص واحد، فيكون بها يستحق خلافة الله في العالم الأرضي، ثم السماوي، لكونه إنساناً إلهياً متصلاً بالملإ الأعلى، تكاد تكون عبادته عبادة الله، وذلك لجموم المناقب الربانية في قلبه، ولكثرة ظهور الأفعال الإلهية من فمه وأسنانه، ويده ولسانه، وسيفه وسنانه، كالعلم الأتمَّ والقدرة الكاملة، والشجاعة والكرم، والزهد والمروة، والفصاحة البالغة حدّ الإعجاز، ولخلوّه وتقدسه من النقائص والعيوب النفسانية المضادة للخلافة، والرذائل الخُلقية المنافية للإمامة، كالكفر والجهل، والسفاهة والفظاظة، والغلظة والكبر والنفاق، وعن العاهات والأمراض الخَلقية المنفرة لطبايع الأمة، كالعمى والعرج، والحكة والأبنية، وغيرها من المعاصي كالظلم والفسق، وجمع المال للادخار. ويجب أن يعتقد أنَّ اجتماع تلك الفضائل والكمالات جملة، والتنزّه عن تلك النقائص والرذائل جميعاً، لم يتفق لأحد بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاَّ لأخيه وابن عمّه علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، فيكون هو الإمام والخليفة بعد الرسول - دون غيره - لقوله تعالى: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة:124]. ولِما قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} تفسير : [المائدة:55]. وقد نزلت الآية باتفاق المفسّرين في حقه (عليه السلام) ولِما نصّ عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) بولاية الأمة في حجة الوداع، وهو آخر عهده بالحديث المشهور، أو لأحاديث نبوية كثيرة متواترة الجهة آحادية الأفراد، دالّة على إمامته اللازمة لذاته، المستغنية عن البيعة والإجماع. وهكذا يكون وقوع المناصب الآتية من قبل الله، فكما أنَّ النبي نبيّ ولو لم تتفق عليه أمة، فكذا الإمام إمام وإن لم يبايعه أحد، والحكيم حكيم وإن لم يعرف قدره الجهال، والعالم عالم سواء سئل أم لا، والعجب خفاء هذا الأمر الجلي على العقلاء الذين جعلوا الخلافة والولاية - وهو أمر باطني - على ميل الطبايع، واتفاق الجماعة على شخص، مع أن طبائعهم مجبولة على طاعة الشهوات، راغبة عمّا به يحصل القربات، ويستحق للمثوبات. ويجب أيضاً أن يعلم ويعتقد أنَّ الاستحقاق لهذا الأمر بعد علي (عليه السلام) إنَّما وقع لأولاده المعصومين الموصوفين بالإمامة للأمّة، والطهارة والعصمة صلوات الله عليهم أجمعين، وذلك لتحقق الشرائط المذكورة التي معظمها العلم بالأمور الباطنية، والأسرار الخفية، والاجتناب عن زخارف هذه الدار الدنية، ولنصّ كل سابق على لاحق، وهلمَّ جرّا إلى صاحب هذا العصر والزمان وهو المهدي القائم بالقسط والعدل على بواطن أهل العلم والإيمان، ثم على ظواهر الخلائق من الإنس والجان في آخر الزمان، إذ به يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، فيكون وجوده ثمرة هذا العالم وكماله، وإذا عدم عنه زال كل شيء بزواله، لِما ثبت أنَّ وجود الإنسان الكامل علة غائية لوجود هذا العالم، لكونه الغرض الأصلي من خلق الطبائع والأركان، ومن فضالته خلقت بواقي الأكوان، فإذا زالت العلة زال المعلول. وهذه المقاصد الشريفة إنَّما انكشفت لنا بطريق الاعتبار والاستبصار، وتتبع الآثار والأخبار، لا بطريق الأبحاث الكلامية، والاستدلال بالمقال عند مخاصمة الرجال، ومعارضة القيل والقال والله الهادي إلى سبيل السداد، وبه الاستعاذة من الغواية في الاعتقاد. وأما الإيمان باليوم الآخر: فهو أن يعلم أنَّه يفرق بالموت بين الأرواح والأجساد، ثم يعيدها إليها عند الحشر والنشور، فيبعث من في القبور ويحصّل ما في الصدور، فيرى كل مكلّف ما عمله من خير أو شرّ محضراً، ويصادف دقيق ذلك وجليله مستطراً في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ أحصاها، ويعرف كل واحد مقدار عمله بمعيار صادق يعبّر عنه بالميزان، وإنْ لم يساو ميزان الأعمال ميزان الأجسام الثقال، كما لا يساوي ميزان العلوم سائر الموازين كالعَروض والأسطرلاب والشاقول والشاخص وغيرها، ثم يحاسبون على أقوالهم، وأفعالهم، وضمائرهم، ونياتهم، وعقائدهم مما أبدوه أو أخفوه فإنَّهم متفاوتون إلى مناقَش منعه في الحساب وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب. ثم يساقون إلى الصراط وهو جسر ممدود بين منازل الأشقياء والسعداء أحدّ من السيف وأدقّ من الشعر، يخفّ عليه من استوى في الدنيا على الصراط المستقيم، الذي يوازيه في الخفاء والدقة ويعثر به من عدل عن سواء السبيل إلاَّ من عُفي عنه بحكم الكرم، وإنَّهم عند ذلك يسألون عن أديانهم وأفعالهم فيسأل الله الصادقين عن صدقهم والمنافقين عن نفاقهم. ثمّ يساق السعداء إلى الرحمن وفداً، والمجرمون إلى جهنم ورداً، ثم يحكم بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام، حتى لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان، ويخرج بعضهم قبل تمام العقوبة والانتقام لشفاعة الأنبياء، والعلماء، والشهداء ومن له رتبة الشفاعة. ثم يستقرّ أهل السعادة في الجنة منعمين أبد الآبدين، ممتعين بالنظر إلى وجه الله الكريم، ويستقرّ أهل الشقاوة الأبدية في النار مرودين تحت أنواع العذاب، مطرودين مبعدين عن جمال الله ذي الجلال والإكرام. وهذه العقائد ممّا ليست منكشفة إلاَّ على العلماء الراسخين، وليس لغيرهم منها شيء إلاَّ الأسامي أو التقليد المجرّد كالعوام من أهل الإسلام، والعناد والاستنكار كما للمتحجبين بالإنكار عن متابعة ذوي البصائر والأنوار ولا شكّ في أنَّ الانقياد والتسليم لما أتى به الأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم، والتعويل على الفؤاد أدنى إلى النجاة من الفطانة البتراء للعقول المحتجبة بالبصيرة الحولاء. ولا يبعد أن يكون قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ} إشارة إلى ترك التعويل بسبب الاعتماد على فطانة العقل المشوبة بالهوى، المنبعثة عن غلبة القوة الوهمية فيكون هذا - أي الوهم - أحد معاني الطاغوت، ويكون الاستمساك بالعروة الوثقى إشارة إلى هذا الانقياد والتسليم والمتابعة للأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، والتعويل عليهم في أمر الدين وخصوصاً فيما أفادوا من قبل الله في أمر المعاد، حيث لا سبيل للعقل بقوته الفكرية إلى شيء منه. تتمة وقال بعض أرباب القلوب (القول - ن): "إنَّ عروة الوثقى لكل طائفة من المؤمنين شيء آخر: للعوام التوفيق للطاعة، وللخواص مزيد العناية بالمحبة كما في قوله: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة:54]. ولخاص الخاص جذبات الألوهية التي تنفيه عن الظلمات الوجودية بنور الربوبية، كما شرح الله تعالى حقيقة الآية بتاليها، والمراد به أنَّ السالك يبلغ عقيب الرياضات والأربعينات إلى مقام من مقامات الفناء والبقاء لا يمكنه الرجوع منه، فلا يجري عليه أحكام تلوّنات الرد والقبول، ولا أقسام تغيرات الفراق والوصال، بل يكون مستهلكاً عن الناسوتية متمكّناً في اللاَّهوتية، فالعروة الوثقى التي لا انفصام لها على الحقيقة والتمام في هذه الجذبة الإلهيّة، التي أشير إليها في الحديث النبوي (صلّى الله عليه وآله): "حديث : جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" تفسير : إذ الثقلان وأعمالهما جسمانيّة فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق روحانية باقية في (من - ن) عالم القدم، فلا يجوز عليها الانفصام والانقطاع والنفاد، فالمجذوب لا يتخلص منها أبد الآباد". المقالة الخامسة عشرة: في قوله سبحانه: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وفيه قولان: الأول: إنَّه يسمع قول من يتكلم بالشهادتين وقول من يتكلم بالكفر، ويعلم ما في قلب المؤمن من المعارف الإيمانية والعلوم الربانيّة، وما في قلب الكافر من العقائد الخبيثة والظنون الباطلة. القول الثاني: روى العطاء عن ابن عباس قال: "كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود، الذي (التي - ن) كانوا حول المدينة، وكان يسأل الله تعالى ذلك سرّاً وعلانية، لساناً وقلباً، فمعنى قوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} انه سميع بدعائك - يا محمد - عليهم بحرصك واجتهادك. ويؤيد هذا ما روي أنه (صلّى الله عليه وآله) لما رأى عدم اهتدائهم بنوره، وقبولهم لدعوته استشعر أنّه من جهته لا من جهتهم، فزاد في الرياضة والمجاهدة والفناء في المشاهدة، فأوحى الله تعالى إليه بأنّ هذه الصفات (أي الطهارة من لوث البقية المانع من التأثير في النفوس وسلامة الاستعداد، عن النقص في الأصل والكمال الشامل لجميع المراتب بالعلم هي الصفات الكائنة في ذاتك، الثابتة في جوهر قلبك المقدّس، المتّصف بجميع الصفات الملكوتيّة والأسماء اللاهوتية، المقتضية للعبودية التامة والدعوات والمناجاة. وكلها معلومة مسموعة له تعالى مشكورة عنده، سواء كانت موجبة لإسلامهم وذلك عند الصلاحية والقبول بحسب الفطرة الأصلية والسعادة الأزلية أو لم تكن، وذلك لعدم استعدادهم بحسب الفطرة رأساً أو لاحتجاب قلوبهم بالريون المستفاد من اكتساب الرذائل الراسخة، والهيئات الغاسقة، والملكات المظلمة المتراكمة على افئدتهم، فلا تهلك نفسك على عدم إيمانهم لشدّة الرياضة، فإنَّه من جهتهم إمَّا لعدم استعدادهم لقبول الرشاد، وإمّا لوجود المانع فيهم لشدة الاحتجاب وكثافة الحجاب، فيكفيك أنَّ الله سميع بدعائك، عليم بطهارة ذاتك وصفاتك.

الجنابذي

تفسير : {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} استئناف منقطعٌ عن سابقه والدّين الجزاء والاسلام والعادة والعبادة والطّاعة والغلبة والسّلطان والملك والحكم والسّيرة والتّوحيد واسم لجميع ما يتعبّد الله به والملّة والعزّة والذّلّة والمراد به هاهنا الاسلام الحقيقىّ الّذى هو الطّريق الى الايمان الّذى هو طريق الآخرة، او المراد الايمان الحقيقىّ الّذى هو البيعة الخاصّة الولاية الّتى يعبّر عنها بالولاية، او المراد السّلوك الى الآخرة بالايمان، ولذلك نفى الاكراه عنه والاّ فالدّين بمعنى مطلق الاسلام او العبادة او الطّاعة او السّيرة او الملّة كثيراً ما كان يحصل بالسّيف كما قال (ص): حديث : انا نبىّ السّيفتفسير : ، وامّا الاسلام الحقيقىّ والايمان الحقيقىّ والسّلوك الى الآخرة فلا يمكن الاكراه فيها لأنّها امر معنوىّ لا يتصوّر الاكراه الجسمانىّ فيها، او نقول: ليس الدّين الاّ الولاية الّتى هى البيعة الخاصّة الولاية وقبول الدّعوة الباطنة، وما سواها يسمّى بالدّين لكونه مقدّمة لها، او مسبّباً عنها، او مشاكلاً لها، ولا اكراه فى الولاية، او المعنى لا اكراه فى الدّين بعد تماميّة الحجّة بقبول الرّسالة وتنصيص الرّسول (ص) على صاحب الدّين {قَد تَّبَيَّنَ} اى تميّز {ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} استئناف فى مقام التّعليل او حال والمعنى لا يكره أحد فى الدّين بالنّفى او لا يكره بالنّهى على ان يكون الاخبار فى معنى النّهى لتميّز الرّشد او حالة تميّز الرّشد من الغىّ وفى الاخبار اشارات الى انّ المراد لا اكراه فى ولاية علىٍّ (ع) {فَمَنْ يَكْفُرْ} عطف على سابقه والفاء للتّرتيب فى الاخبار اى فنقول: من يكفر او جزاء لشرطٍ مقدّر والتّقدير اذا تبيّن الرّشد فمن يكفر {بِٱلطَّاغُوتِ} فقد توسّل بالرّشد المعلوم له فلا يزول ولا ينفصم توسّله لعلمه التّحقيقىّ الّذى لا زوال له، والطّاغوت فى الاصل طغيوت من الطّغيان فقلب فصار فلعوت والتّاء زائدة لغير التّأنيث فيه وفى نظائره ولذا تكتب بالتّاء وتثبت فى الجمع فيقال طواغيت وطواغت وقد تكتب بالهاء مثل جبروة وطاغوة وتسقط من الجمع مثل طواغٍ وحينئذٍ تكون للتّأنيث ويجرى على الفاظها احكام التّأنيث وهذه الهيئة للمبالغة فى معنى المصدر سواء جعلت مصدراً مثل رحموت ورهبوت ورغبوت وجبروت او اسم مصدر، وسواء استعملت فى معنى الحدث او فى معنى الوصف مثل الطّاغوت، وفسّر الطّاغوت بالشّيطان والكاهن والسّاحر والمارد من الجنّ والانس والصّنم وكلّ ما عبد من دون الله تعالى والحقّ انّ الطّاغوت يشمل النّفس الامّارة الانسانيّة وكلّما يتبعه تلك النّفس من الشّيطان والاصنام والجنّة والكهنة والسّحرة ورؤساء الضّلالة جميعاً والآية فى شأن ولاية علىٍّ (ع) والمقصود من قوله تعالى {وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ} الايمان الخاصّ الّذى لا يحصل الاّ بالبيعة على يد علىٍّ (ع) فانّ الايمان العامّ الّذى يحصل بالبيعة العامّة النّبويّة لا يدخل به شيءٌ فى القلب فلا يتوسّل بشيءٍ حتّى يصحّ ان يترتّب عليه قوله تعالى {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} جملة حاليّة او جواب لسؤالٍ مقدّرٍ. تحقيق الاستمساك بالعروة الوثقى وبيان العروة الوثقى اعلم انّ امر الولاية الّتى هى عبارة عن البيعة الخاصّة الولاية والاتّصال بولىّ الامر بعقد اليمين اجلّ وارفع من ان يوصف لانّ صورتها وان كانت من الاعمال الجسمانيّة المحسوسة لكنّ الاتّصال الرّوحانىّ الحاصل بها امر غيبىّ لا يدرك بالابصار ولا يتوهّم بالامثال ولا يتعقّل بالعقول لأنّه لا حدّ له ولا رسم ولا كيف له ولا كمّ بل هو كما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : اتّصالى بى تكيّف بى قياس هست رب النّاس رابا جان ناس تفسير : وللاشارة الى انّ هذا الاتّصال ليس الاّ لمن قبل الولاية بالبيعة الخاصّة الولويّة قال المولوى: شعر : ليك كَفتم ناس من نسناس نى ناس غير جان جان اشناس نى تفسير : فلا بدّ من التّمثيل والتّشبيه اذا اريد التّنبيه عليه فنقول: انّ الانسان يزداد فى جوهر ذاته من اوّل تولّده وليس استكماله بمحض الازدياد فى كيفيّاته كما قيل وكلّما ازداد فى ذاته وحصل له فعليّة من فعليّات طريقه المؤدّى الى فعليّات انسانيّته صار اسم الانسانيّة واسم شخصه اسماً لتلك الفعليّة وصارت الفعليّات السّابقة فانية ومغلوبة لتلك الفعليّة فاذا بلغ الى مقام عقله الّذى هو مناط التّكليف والتّدبير صار قابلاً لتصرّف الشّيطان وتصرّف الملك والرّحمن ولا ينعقد قلبه على شيءٍ منهما بمعنى انّه لا يتمكّن الشّيطان من التّصرف فيه ولا الملك ما لم يرد الولاية فتنعقد فعليّاته بتصرّف الشّيطان او لم يقبلها فتنعقد فعليّاته بولىّ امره فهو حينئذٍ كالنّخلة الّتى لا تثمر الاّ بالتّأبير وكشجرة الفستق الّذى لا يصير فستقه ذا لبّ الاّ بالتلقيح، او كاللّبن الّذى لا ينعقد الاّ بالانفحة فاذا انعقد قلبه على الولاية صار كلّ فعل وفعليّة له منعقداً بالولاية وجميع فعليّاته مغلوباً ومحكوماً بحكم فعليّة الولاية وصار اسم الانسانيّة واسم شخصه اسماً لفعليّة الولاية وفعليّة الولاية كما سبق تحقيقها عند قوله: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [الإسراء: 23]؛ نازلة ولىّ الامر، وبتلك النّازلة يتحقّق نسبة الابوّة والبنوّة بين التّابع والمتبوع، ونسبة الاخوّة بين الاتباع، وبهذه النّسبة قال عيسى (ع): انا ابن الله، وقال: كلّ من حصل له تعميد التّوبة على يدى او ايدى خلفائى فهو ابن الله، ولذلك قالت النّصارى: نحن ابناء الله ولولا تنزّل ولىّ الامر فى وجود المولّى عليه لم يتحقّق شيءٌ لتصحيح تلك النّسبة وقد اشار المولوىّ الى حصول تلك وتصحيحها بقوله: شعر : هست اشارات محمّد المراد كل كَشاد اندر كضشاد اندر كَشاد صد هزاران آفرين برجان او بر قدوم و دور فرزندان او آن خليفه زاد كَان مقبلش زاده اند از عنصر جان ودلش كَرز بغداد وهرى يا از ريند بى مزاج آب وكَل نسل ويند عيب جويان را ازاين دم كوردار هم بستّارى خود اى كرد كَار تفسير : ولكون الفعليّات والافعال بدون الولاية قشوراً خالية من الالباب ورد لو انّ عبداً عبد الله تحت الميزاب سبعين خريفاً قائماً ليله صائماً نهاره ولم يكن له ولاية ولىّ امره او ولاية علىّ بن ابى طالب (ع) لأكبّه الله على منخريه فى النّار وغير ذلك من الاخبار المفيدة لهذا المضمون، ولكون تلك الولاية عبارة عن الاعمال البدنيّة جعلت قرين الصّلاة والزّكاة والحجّ والصّوم فى الاخبار الدّالّة على انّ الاسلام بنى على خمس، ولكونها اصل الكلّ واصل جميع الخيرات كما عرفت ورد فى بعض الاخبار انّها افضل وانّها مفتاحهنّ والوالى هو الدّليل عليهنّ، وفى بعضها: لم يناد بشيءٍ ما نودى بالولاية؛ فاخذ النّاس بأربعٍ وتركوا هذه يعنى الولاية، وفى بعضها: "حديث : من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة الجاهليّة"تفسير : ، وأحوج ما يكون الى معرفته اذا بلغت نفسه هاهنا؛ وأهوى بيده الى صدره، وفى بعضها: انّ الله فرض على خلقه خمساً فرخّص فى اربعٍ ولم يرخّص فى واحدة، وفى بعضها: حبّ علىٍّ حسنةٌ لا يضرّ معها سيّئةٌ، وفى بعضها: اذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره، وغير ذلك من الاخبار الدّالّة على فضائل الولاية، ونقل عن ابن أبى يعفور فى بيان آخر الآية انّه قال: قلت لأبى - عبد الله (ع) انّى اخالط النّاس فيكثر عجبى من اقوامٍ لا يتولّونكم ويتولّون فلاناً وفلاناً لهم امانة وصدق ووفاء، واقوام يتولّونكم ليست لهم تلك الامانة ولا الوفاء ولا الصّدق قال: فاستوى ابو عبد الله جالساً فأقبل علىّ كالغضبان ثمّ قال: لا دين لمن دان الله بولاية امام جائرٍ ليس من الله، ولا عتب على من دان الله بولاية امام عادل من الله، قلت: لا دين لاولئك ولا عتب على هؤلاء؟ - قال: نعم، ثمّ قال (ع): الا تسمع لقول الله: عزّ وجلّ {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْيُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} يعنى من ظلمات الذّنوب الى نور التّوبة والمغفرة لولايتهم كلّ امام عادل من الله عزّ وجلّ وقال {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} تفسير : [البقرة: 257] انّما عنى بهذا انّهم كانوا على نور الاسلام فلمّا ان تولّوا كلّ امام جائرٍ ليس من الله خرجوا بولايتهم من نور الاسلام الى ظلمات الكفر فأوجب لهم النّار مع الكفّار وفى خبر: فأعداء علىٍّ (ع) امير المؤمنين هم الخالدون فى النّار وان كانوا فى اديانهم على غاية الورع والزّهد والعبادة، والحاصل انّ ولىّ علىٍّ لا يأكل الاّ الحلال وعدوّ علىٍّ (ع) لا يأكل الاّ الحرام، ومن لم يكن ذا ولاية وعداوة لا يحكم عليه بحلّيّة ولا حرمة؛ وكان مرجىٍ لأمر الله، وقوله تعالى: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} تفسير : [المائدة:1] بتعليق احلال البهيمة على الوفاء بالعقود اشارة الى البيعة مع علىّ بالخلافة فى غدير خمّ وجمع العقود لانّهم عقدوا البيعة فى ذلك اليوم فى ثلاثة مواطن وورد فى عشرة مواطن للتّأكيد المطلوب فى هذا الامر وقوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} تفسير : [المائدة:3]، {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} تفسير : [المائدة:3]، {أية : ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [المائدة:5] بتعليق يأس الكفّار واكمال الدّين واتمام النّعمة والرّضا بالاسلام ديناً واحلال الطّيّبات والمحصنات من النّساء على يوم البيعة مع علىّ (ع) فى غدير خمّ يدلّ على ان لا حليّة لشيءٍ بدون الولاية، وقد مرّ مراراً انّه كلّما ذكر عهد وعقد وميثاق ويمين فالنّظر اوّلاً الى عقد البيعة وخصوصاً البيعة الخاصّة الولاية، وكلّما ذكر نقض عقد وعهد وميثاق فالمقصود عقد البيعة ولا سيّما الولاية؛ والحاصل انّ الانسان بمنزلة المادّة للولاية، والولاية صورته وفعليّته فما لم ينعقد بالولاية لم يكن له فعليّة الانسانيّة، واذا انعقد بالولاية حصل له الانسانيّة وتمّ له الفعليّة فكأنّه قبل الولاية لم ينفخ فيه روح الحياة وكان ميتاً (افمن كان ميتاً فأحييناه) يعنى بالولاية اشارة الى ما ذكر، وقوله (ع): النّاس موتى واهل العلم أحياء؛ اشارة اليه فانّ اهليّة العلم منحصرة بهم وبشيعتهم كما قالوا: شيعتنا العلماء بطريق الحصر فكلّ نعمةٍ وخيرٍ وصلاحٍ نعمة وخير وصلاح بالولاية، والاّ كان نقمة وشرّاً وفساداً كائناً ما كان، وبالولاية احياء النّسل والحرث واصلاح الارض وعمارتها، وبردّها اهلاك النّسل والحرث وافساد الارض وخرابها، وهى ذروة الامر وسنامه ومفتاح الاشياء وباب الابواب ورضى الرّحمن وجنّة الرضوان واصل الخيرات واساس الحسنات، وهى الحكمة الّتى من اوتيها فقد اوتى خيراً كثيراً، وهى رحمة الله وبها يكون فضل الله وقوام النّبوّة والرّسالة، ومن عرف من امّة محمّد (ص) واجب حقّ ولايته وجد طعم حلاوة ايمانه وعلم فضل طلاوة اسلامه، بها دين العباد وبنورها استهلال البلاد، وببركتها نموّ التلاد، وهى حياة الانام، ومصباح الظلام، ومفتاح الكلام، ودعامة الاسلام، وبالجملة الانسان غاية خلق العالم والولاية غاية خلق الانسان {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} جملة حاليّة للتّرغيب فى الايمان بالله كأنّه قال: فقد استمسك بالعروة الوثقى مع انّ الله الّذى آمن به سميعٌ لاقواله {عَلِيمٌ} بافعاله فيجزيه بها.

الهواري

تفسير : قوله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. ذكروا عن سعيد بن جبير قال: كان قوم من أصحاب النبي عليه السلام استرضعوا لأولادهم من اليهود في الجاهلية، فكبروا على اليهودية؛ فلما جاء الإِسلام أسلم الآباء؛ فأرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإِسلام، فأنزل الله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. ذكروا عن بعضهم أنه قال: أكرِه على الدين ولم يُكره فيه. أكره عليه العرب، إن هذه الأمة كانت أمة أمية ليس لها كتاب تقرأه أتى من عند الله، فأكرهوا على الإِسلام. أما من كان على ملة من يهودي أو نصراني فأقر بالجزية قُبِلت منه ولم يُفتن عن دينه. قال: وما كان سوى أهل الكتاب من المشركين ـ ما خلا العرب ـ فأقر بالجزية قبلت منه ولم يقتل. وقال مجاهد: كانت النضير أرضعت رجالاً من الأوس؛ فلما أمر الرسول بإجلائهم قالت أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم ولندينن بدينهم، فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإِسلام ففيهم نزلت: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ}. الرشد الهدى، والغي الضلالة. قوله: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} الطاغوت هو الشيطان {وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قال مجاهد: العروة الوثقى الإِيمان. وقال بعضهم: العروة الوثقى لا إله إلا الله. {لاَ انفِصَامَ لَهَا} أي لا انقطاع لها. وقال الحسن: لا انفصام لها دون أن تهجم بأهلها على الجنة. قوله: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا} [قال الحسن: ولي هداهم وتوفيقهم] {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي يخرجهم من وحي الشيطان إلى وحي الله، ولم يكونوا في وحي الشيطان قط. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} أي من وحي الله إلى وحيهم، ولم يكونوا في وحي الله قط، وهو كقوله: {أية : إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} تفسير : [يونس: 98]، كشف عنهم عذاباً لم ينزل بهم أي صرف عنهم. وقال بعضهم: {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، أي من الضلالة إلى الهدى، لأنهم كانوا في ضلالة. قال: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يموتون ولا يخرجون منها أبداً. قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللهُ المُلْكَ} أي آتى المُلك الذي حاجّ إبراهيم في ربه، وهو نمروذ. ذكر بعض المفسّرين قال: ذكر لنا أنه نمروذ، وهو أول ملك تجبّر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل. قوله: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}. قال بعضهم: ذكر لنا أن نمروذ دعا برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر فـ {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} أي أنا استحيي من شئت وأقتل من شئت. {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}. قال: لا يهدي القوم المشركين الذين يلقون الله وهم مشركون [أي لا يهديهم إلى الحجة ولا يهديهم من الضلالة إلى دينه]، وقال بعضهم: لا يكونون مهتدين وهم ظالمون؛ وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم. قال الحسن: هكذا حجة الله على ألسنة الأنبياء والمؤمنين.

اطفيش

تفسير : {لا إكْراهَ فى الدِّينِ}: أى لا يؤخذ أحد فيحبس ليسلم أو يضيق عليه بمنعه من ماله ويترك هو حتى يسلم، وذلك إذا كان ابتدأ عليه، وأما إن دخل الكتابى الذمى أمرا يؤذن بالإيمان فلا يترك حتى يسلم مثل أن يؤذن أو تقيم حتى يقول محمد رسول الله، أو يدخل المسجد على ما بسطهُ فى شرح النيل ولا تشمله الآية لأنه لما دخل فى ذلك الأمر أشعر بالإيمان، وإنما أمر بإتمامه إزالة للأشتباه، إذ لا سبيل لقتله، وأما غيره من أهل الكتاب والمجوس فسبيله أن يسلم أن يعطى الجزية وإلا قتل، وأما غير أهل الكتاب والمجوس، فإن لم يسلموا قتلوا فلا يحبس كتابى فى ذلك إكراه على الدين، وكذا لا يكره مخالف أن يدين بديانتنا. قال ابن عباس: كانت المرأة من الأنصار إذا كان الولد لا يعيش لها نذرت إن عاش جعلتهُ فى اليهود فى دينهم، وزوجها أيضاً من الأنصار، وقيل: إن الأنصار تزوجوا يهوديات، فكن ينذرن أن يجعلن أولادهن فى دينهن، فجاء الإسلام، وفى اليهود جماعة فمن نذر به وجعل فيهم، فلما، أجليت النظير أردات الأنصار استردادهم، وقالوا هم، وقالو هم أبناوءنا وإخواننا، فنزل: {لا إكراه فى الدين} الآية فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : قد خيركم أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم"تفسير : ، وعن سعيد بن جبير: كان قوم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم استرضعوا أولادهم فى اليهود زمان الجاهلية، فلما أسلم الآباء وقد كبر أبناؤهم على اليهودية، أرادوا أن يكرهوا أبناءهم على الإسلام، فنزلت الآية. قال مجاهد: أرضعت نظير رجالا من الأوس، فلما مر النبى صلى الله عليهُ وسلم بإجلائهم قالوا لنذهبن معهم ولنديننن بدينهم فمنعوهم أهلهم وأكرهوهم للإسلم، فنزلت، وقيل: كان لابن الحصين من الأنصار من بنى سالم بن عوف أبنان تنصرا، قدم المدينة نفر من الأنصار يحملون الزيت من الشام بعد قدوم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة، فقال أبو همالا أدعكما حتى تسلما فاختصموا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أيدخل بعضى النار وأنا أنظر؟ فنزلت. فجلاهما، وقال ابن مسعود والزهرى وزيد بن أسلم: إن معنى الإكراه فى الدين نهى عن القتال، فعليه فهى منسوخة بآية السيف، وقال قتادة والضحاك: المعنى لا يكره أهل الكتاب والمجوس على الإسلام بالسيف، بل تقبل عنهم الجزية إلا إن أبوا منها قتلوا كتب النبى صلى الله عليهِ وسلم إلى عامله المنذر بن فلان أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية وهى على أصلها، أى لا إكراه فى الأحكام الشرعية من التوحيد وما دونه، أى ليس فيها شئ يكره عليه، أو المراد بالدين التوحيد، ويجوز كونها بمعنى على، أى لا إكراه ثابت على الدين، أى على الدخول فيه واللفظ خبر، ومعناه نهى، أى لا تكرهوا فى الدين أو معناه أيضا خبر أى ليس من الحكمة أو من دين الله أن يكره كافر على الدين. {قَدْ تَبيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَىّ}: ظهر بالآيات أن الإيمان هو الرشد، وأن الكفر ضلال فى الدين، والرشد يوصل إلى سعادة الدارين، والضلال إلى شقاوتهما، فمن أدرك عقله بادر إلى الإسلام واجتنب الكفر بلا إكراه. والغىّ: مصدر غوى يغوى إذا ضل فى اعتقاد أو رأى، وأما فى غير ذلك كضلال فى الأرض أو غيرها كالحساب فلا يقال فيه غى. {فَمَن يَكفُر بالطَّاغُوتِ}: أى جحد استحقاقه العبادة وهو الشيطان، وهو جنس الشياطين، وهو قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومجاهد وقتادة، وقيل الصنم، والمراد جنس الأصنام، وقيل الساحر وهو جنس السحرة، وقيل الكاهن، والمراد جنس الكهنة، ويطلق على الواحد والجمع، فلا حاجة إلى تأويل الجنس، وقيل كل ما عبد من دون الله ونسب لأهل اللغة كلهم، والمراد غير العاقل، والعاقل الداعى إلى عبادة نفسه كالشيطان ونمرود وفرعون، وأما من عبد من دون الله بلا رضاً منه كالملائكة وعيسى فلا يشمله هذا الاسم، ثم رأيت من تعرض لذلك، فزعم أنه يشمله فيسمى طاغوتا فى حق العبد، كما أن الصنم وما ليس عاقلا وعبد من دون الله ليس فيه طغيان، وإنما الطاغى عابده كالشمس والقمر، وقيل كلما يطغى الإنسان فهو طاغوت، وقيل كلما عبد من دون الله أوصد عن عبادة الله كالهوى فهو طاغوت، ولفظ طاغوت مصدر سمى به وزنه فعلوت بتقديم اللام على العين، وأصل هذا يغوت وطوغوت قلبت الياء أو الواو قيل الغين ألفا لتحركها بعد فتحة، وأصل هذا طغوت أو طغيوت تقدمت الواو أو الياء على الغين فقلبت ألفا كما ترى. {ويُؤْمنُ بِاللهِ}: بأن وحده وصدق رسله فيعبد الله وحده مخلصاً، وأيما كافر آمن بالله وبغيره من الطواغيت فليس بؤمن. {فَقَدِ اسْتمسَكَ}: أى تمسك تمسكا قويا، فالاستفعال للمبالغة ويجوز إبقاءه على أصله وهو الطلب، إما باعتبار ما تقدم تمسكه من القصد والإرادة، وإما باعتبار أنه ليس على وثوق من السعادة، لإمكان انقلابه إلى الكفر أو المعاصى وهو ما دام حيا يطلب أن يكون قد مسك بها. {بالعُرْوَةِ الوُثْقَى}: دين الله، شبهه بالعروة الوثيقة من حبل صحيح أو حديد قوى لا يسقط من تمسك بها، وقال مجاهد: العروة الوثقى الإيمان وهو التصديق بالله ورسله وكتبه، وقال السدى: الإسلام أى العمل الصالح مع الإيمان، وقال ابن جبير وغيره: لا إله إلا الله، وذلك يرجع بعضه لبعض، لأن الإيمان الكامل وقوله لا إله إلا الله يستلزمان العمل الصالح وقيل العروة الوثقى الإيمان النظر الصحيح، وقيل الدلائل الدالة على هذا الدين القويم، والوثقى مؤنث اسم التفضيل وهو الأوثق ففيه تفضيل. {لا انْفِصَامَ لهَا}: أى لا انقطاع لها، يقال فصمته فانفصهم مطاوع الفصم، كما نفصم مطاوع فصم، ومعناه الانكسار من غير تفرق، وأما الانقصام بالقاف فانكسار بتفرق، فإذا لم يكن لها انفصام بالفاء فأحرى ألا يكون لها انقصام بالقاف، وقد يطلق بالقاف على الانكسار بالتفرق وقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث الوحى: "فينقصم عنى" محتمل له ومحتمل للاتصال باعتبار بقاء الموحى معه بعد ذهاب جبريل عليه السلام، قال الحسن: لا انفصام لها دون أن تهجم بأهلها على الجنة. {وَاللّهُ سَميعٌ}: بالأقوال، ومنها دعاءك يا محمد إياهم للإسلام. {عَليمٌ}: للأفعال والنّيات، فهو معاقب للمنافق ومثيب لناوى الخير.

الالوسي

تفسير : {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ} قيل: إن هذه إلى قوله سبحانه: {أية : خَـٰلِدُونَ }تفسير : [البقرة: 257] من بقية آية الكرسي، والحق أنها ليست منها بل هي جملة مستأنفة جيء بها إثر بيان دلائل التوحيد للإيذان بأنه لا يتصور الإكراه في الدين لأنه في الحقيقة إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه والدين خير كله، والجملة على هذا خبر باعتبار/ الحقيقة ونفس الأمر وأما ما يظهر بخلافه فليس إكراهاً حقيقياً، وجوز أن تكون إخباراً في معنى النهي أي لا تكرهوا في الدين وتجبروا عليه وهو حينئذٍ إما عام منسوخ بقوله تعالى: {أية : جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ }تفسير : [التوبة: 73] وهو المحكي عن ابن مسعود وابن زيد وسليمان بن موسى، أو مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية ـ وهو المحكي عن الحسن وقتادة والضحاك ـ وفي سبب النزول ما يؤيده فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رجلاً من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلاً مسلماً فقال للنبـي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله تعالى فيه ذلك». وأل في (الدين) للعهد، وقيل: بدل من الإضافة أي دين الله وهو ملة الإسلام، وفاعل الإكراه على كل تقدير غيره تعالى، ومن الناس من قال: إن المراد ليس في الدين إكراه من الله تعالى وقسر بل مبنى الأمر على التمكين والاختيار ولولا ذلك لما حصل الابتلاء ولبطل الامتحان فالآية نظير قوله تعالى: {أية : فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 29] وإلى ذلك ذهب القفال. {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ} تعليل صدر بكلمة التحقيق لزيادة تقرير مضمونه أي قد تميز بما ذكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهم اشتراك الغير في شيء منها الإيمان من الكفر والصواب من الخطأ و ـ الرشد ـ بضم الراء وسكون الشين على المشهور مصدر ـ رشد ـ بفتح الشين يرشد بضمها، ويقرأ بفتح الراء والشين، وفعله رشد يرشد مثل علم يعلم وهو نقيض ـ الغي ـ وأصله سلوك طريق الهلاك، وقال الراغب، هو كالجهل إلا أن الجهل يقال اعتباراً بالاعتقاد، والغي اعتباراً بالأفعال، ولهذا قيل: زوال الجهل بالعلم، وزوال الغي بالرشد، ويقال لمن أصاب: رشد، ولمن أخطأ غوى، ويقال لمن خاب: غوى أيضاً، ومنه قوله:شعر : ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لم يعدم على الغي (لائماً) تفسير : {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ} أي الشيطان وهو المروي عن عمر بن الخطاب والحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم وبه قال مجاهد وقتادة وعن سعيد بن جبير وعكرمة أنه الكاهن، وعن أبـي العالية أنه الساحر، وعن مالك بن أنس كل ما عبد من دون الله تعالى، وعن بعضهم الأصنام، والأولى أن يقال بعمومه سائر ما يطغى، ويجعل الاقتصار على بعض في تلك الأقوال من باب التمثيل وهو بناء مبالغة كالجبروت والملكوت، واختلف فيه فقيل: هو مصدر في الأصل ولذلك يوحد ويذكر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان ـ وإلى ذلك ذهب الفارسي ـ وقيل: هو اسم جنس مفرد فلذلك لزم الإفراد والتذكير ـ وإليه ذهب سيبويه ـ وقيل: هو جمع ـ وهو مذهب المبرد ـ وقد يؤنث ضميره كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا } تفسير : [الزمر: 17] وهو تأنيث اعتباري واشتقاقه من طغى يطغى أو طغى يطغو ومصدر الأول: الطغيان. والثاني: الطغوان، وأصله على الأول: طغيوت، وعلى الثاني: طغووت فقدمت اللام وأخرت العين فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفاً فوزنه من قبل فعلوت والآن فلعوت، وقدم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر الإيمان بالله تعالى اهتماماً بوجوب التخلية أو مراعاة للترتيب الواقعي أو للاتصال بلفظ الغي. {وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ} أي يصدق به طبق ما جاءت به رسله عليهم الصلاة والسلام {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ} أي بالغ في التمسك حتى كأنه وهو متلبس به يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات عليه {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} وهي الإيمان ـ قاله مجاهد ـ أو القرآن ـ قاله أنس بن مالك ـ أو كلمة/ الإخلاص ـ قاله ابن عباس ـ أو الاعتقاد الحق أو السبب الموصل إلى رضا الله تعالى أو العهد، وعلى كل تقدير يجوز أن يكون في (العروة) استعارة تصريحية و(استمسك) ترشيح لها أو استعارة أخرى تبعية، ويجوز أن يجعل الكلام تمثيلاً مبنياً على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الحق الذي لا يحتمل النقيض بوجه أصلاً لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه من غير تعرض للمفردات، واختار ذلك بعض المحققين ولا يخلو عن حسن، وجعل العروة مستعارة للنظر الصحيح المؤدي للاعتقاد الحق ـ كما قيل ـ ليس بالحسن لأن ذلك غير مذكور في حيز الشرط أصلاً {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} أي لا انقطاع لها؛ والانفصام والانقصام لغتان وبالفاء أفصح ـ كما قال الفراء ـ وفرق بعضهم بينهما بأن الأول: انكسار بغير بينونة، والثاني: انكسار بها وحينئذٍ يكون انتفاء الثاني معلوماً من نفي الأول بالأولوية، والجملة إما مستأنفة لتقرير ما قبلها من وثاقة العروة وإما حال من (العروة)، والعامل (استمسك) أو من الضمير المستكن في (الوثقى) لأنها للتفضيل تأنيث الأوثق، و {لَهَا} في موضع الخبر. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} بالأقوال {عَلِيمٌ} بالعزائم والعقائد، والجملة تذييل حامل على الإيمان رادع عن الكفر والنفاق لما فيها من الوعد والوعيد، قيل: وفيها أيضاً إشارة إلى أنه لا بد في الإيمان من الاعتقاد والإقرار.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني ناشىء عن الأمر بالقتال في سبيل الله في قوله: { أية : وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } تفسير : [البقرة: 244] إذ يبدو للسامع أن القتال لأجل دخول العدو في الإسلام فبيّن في هذه الآية أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام وسيأتي الكلام على أنّها محكمة أو منسوخة. وتعقيب آية الكرسي بهاته الآية بمناسبة أنّ ما اشتملت عليه الآية السابقة من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن شوائب ما كفرت به الأممُ، من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضححِ العقيدة، المستقيم الشريعةِ، باختيارهم دون جبر ولا إكراه، ومن شأنه أن يجعل دوامهم على الشرك بمحل السؤال: أيُتْرَكون عليه أم يُكْرَهُون على الإسلام، فكانت الجملة استئنافاً بيانياً. والإكراه الحمل على فعل مكروه، فالهمزة فيه للجعل، أي جعله ذا كراهية، ولا يكون ذلك إلاّ بتخويف وقوع ما هو أشدّ كراهية من الفعل المدعو إليه. والدين تقدم بيانه عند قوله: { أية : مالك يوم الدين } تفسير : [الفاتحة: 3]، وهو هنا مراد به الشرع. والتعريف في الدين للعهد، أي دين الإسلام. ونفي الإكراه خير في معنى النهي، والمراد نفي أسباب الإكراه في حُكم الإسلام، أي لا تكرهوا أحداً على أتباع الإسلام قسراً، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصاً. وهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدِّين بسائر أنواعه، لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال، والتمكين من النظر، وبالاختيار. وقد تقرر في صدر الإسلام قتال المشركين على الإسلام، وفِي الحديث: « حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها ». تفسير : ولا جائز أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل ابتداء القتال كله، فالظاهر أنّ هذه الآية نزلت بعد فتح مكة واستخلاص بلاد العرب، إذ يمكن أن يدوم نزول السورة سنين كما قدمناه في صدر تفسير سورة الفاتحة لا سيما وقد قيل بأنّ آخر آية نزلت هي في سورة النساء (176) { أية : يبين الله لكم أن تضلوا } تفسير : الآية، فنسخت حكم القتال على قبول الكافرين الإسلام ودلت على الاقتناع منهم بالدخول تحت سلطان الإسلام وهو المعبّر عنه بالذمة، ووضحُه عمل النبي وذلك حين خلصت بلاد العرب من الشرك بعد فتح مكة وبعد دخول الناس في الدين أفواجاً حين جاءت وفود العرب بعد الفتح، فلما تم مراد الله من إنقاذ العرب من الشرك والرجوع بهم إلى ملَّة إبراهيم، ومن تخليص الكعبة من أرجاس المشركين، ومن تهيئة طائفة عظيمة لحمل هذا الدين وحماية بيضته، وتبيّنَ هدى الإسلام وزال ما كان يحول دون اتِّباعه من المكابرة، وحقّق الله سلامه بلاد العرب من الشرك كما وقع في خطبة حجة الوداع إنّ الشيطان قد يئس من أن يُعبد في بلدكم هذا لَمَّا تم ذلك كله أبطل الله القتال على الدين وأبقى القتال على توسيع سلطانه، ولذلك قال (سورة التوبة 29) { أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون }، تفسير : وعلى هذا تكون الآية ناسخة لما تقدّم من آيات القتال مثل قوله قبلها { أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلط عليهم } تفسير : [التوبة: 73] على أن الآيات النازلة قبلها أو بعدها أنواع ثلاثة: أحدها: آيات أمرت بقتال الدفاع كقوله تعالى: { أية : وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } تفسير : [التوبة: 36]، وقوله: { أية : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله } تفسير : [البقرة: 194]، وهذا قتال ليس للإكراه على الإسلام بل هو لدفع غائلة المشركين. النوع الثاني: آيات أمرت بقتال المشركين والكفّار ولم تغيّ بغاية، فيجوز أن يكون إطلاقها مقيّداً بغاية آيةِ { أية : حتى يعطوا الجزية } تفسير : [التوبة: 29] وحينئذ فلا تعارضه آيتنا هذه {لا إكراه في الدين}. النوع الثالث: مَا غُيِّيَ بغاية كقوله تعالى: { أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله } تفسير : [البقرة: 193]، فيتعين أن يكون منسوخاً بهاته الآية وآيةِ { أية : حتى يعطوا الجزية } تفسير : [التوبة: 29] كما نُسخ حديثُ « حديث : أمرتُ أن أقاتل الناس »، تفسير : هذا ما يظهر لنا في معنى الآية، والله أعلم. ولأهل العلم قبلنا فيها قولان: الأول قال ابن مسعود وسليمان بن موسى: هي منسوخة بقوله { أية : يأيها النبي جاهد الكفّار والمنافقين } تفسير : [التوبة: 73]، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم أكره العرب على الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلاّ به. ولعلهما يريدان من النسخ معنى التخصيص. والاستدلال على نسخها بقتال النبي صلى الله عليه وسلم العربَ على الإسلام، يعارضه أنّه عليه السلام أخذ الجزية من جميع الكفّار، فوجه الجمع هو التنصيص. القول الثاني أنها محكّمة ولكنّها خاصة، فقال الشعبي وقتادة والحسن والضحاك هي خاصة بأهل الكتاب فإنّهم لا يُكْرَهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية وإنّما يجبر على الإسلام أهل الأوثان، وإلى هذا مال الشافعي فقال: إنّ الجزية لا تؤخذ إلاّ من أهل الكتاب والمجوسِ. قال ابن العربي في الأحكام «وعلى هذا فكل من رأى قبول الجزية من جنسٍ يَحمل الآية عليه»، يعني مع بقاء طائفة يتحقق فيها الإكراه. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا في الجاهلية إذا كانت المرأة منهم مِقلاتاً ــــــ أي لا يعيش لها ولد ــــــ تنذر إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما جاء الإسلام وأسلموا كان كثير من أبناء الأنصار يهودا فقالوا: لا ندع أبناءنا بل نكرههم على الإسلام، فأنزل الله تعالى: {لا إكراه في الدين}. وقال السدي: نزلت في قصة رجل من الأنصار يقال له أبو حُصَين من بني سلِمة بن عَوف وله ابنان جاء تجّار من نصارى الشام إلى المدينة فدعَوْهما إلى النصرانية، فتنصّرا وخرجا معهم، فجاء أبوهما فشكا للنبي صلى الله عليه وسلم وطلب أن يبعث من يردّهما مكرهين فنزلت {لا إكراه في الدين}، ولم يؤمر يومئذ بالقتال ثم نسخ ذلك بآيات القتال. وقيل: إن المراد بنفي الإكراه نفي تأثيره في إسلام من أسلم كرهاً فراراً من السيف، على معنى قوله تعالى: { أية : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا } تفسير : [النساء: 94]. وهذا القول تأويل في معنى الإكراه وحمل للنفي على الإخبار دون الأمر. وقيل: إنّ المراد بالدين التوحيد ودين له كتاب سماوي وإنّ نفي الإكراه نهي، والمعنى لا تكرهوا السبايا من أهل الكتاب لأنّهنّ أهل دين وأكرهُوا المجوس منهم والمشركات. وقوله: {قد تبين الرشد من الغيّ} واقع موقع العلة لقوله: {لا إكراه في الدين} ولذلك فصلت الجملة. والرشد ــــــ بضم فسكون، وبفتح ففتح ــــــ الهُدى وسداد الرأي، ويقابله الغيّ والسفه، والغيّ الضلال، وأصله مصدرُ غَوَى المتعدي فأصله غَوْي قلبت الواو ياء ثم أدغمتا. وضُمّن تبيّن معنى تميز فلذلك عدي بمَن، وإنّما تبيّن ذلك بدعوة الإسلام وظهوره في بلد مستقل بعد الهجرة. وقوله: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} تفريع على قوله: {قد تبيّن الرشد من الغي} إذ لم يبق بعد التبيين إلاّ الكفرُ بالطاغوت، وفيه بيان لنفي الإكراه في الدين؛ إذ قد تفرّع عن تميّز الرشد من الغي ظهور أنّ متّبع الإسلام مستمسك بالعروة الوثقى فهو ينساق إليه اختياراً. والطاغوت الأوثان والأصنام، والمسلمون يسمّون الصَّنم الطاغية، وفي الحديث: « حديث : كانوا يهلون لمناة الطاغية »، تفسير : ويجمعون الطاغوت على طواغيت، ولا أحسبه ألاّ من مصطلحات القرآن وهو مشتق من الطغيان وهو الارتفاع والغلو في الكبر وهو مذموم ومكروه. ووزن طاغوت على التحقيق طَغَيُوت ــــــ فَعَلُوت ــــــ من أوزان المصادر مثل مَلَكوت ورَهَبوت وَرَحَمُوت فوقع فيه قلب مكاني ــــــ بين عينه ولامه ــــــ فصيرُ إلى فَلَعوت طيَغوت ليتأتى قلب اللام ألفاً فصار طَاغوت، ثم أزيل عنه معنى المصدر وصار اسماً لطائفة مما فيه هذا المصدر فصار مثل مَلَكوت في أنه اسم طائفة مما فيه معنى المصدر ــــــ لا مثل رَحَموت ورهبوت في أنّهما مصدران ــــــ فتاؤه زائدة، وجعل علماً على الكفر وعلى الأصنام، وأصله صفة بالمصدر ويطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كشأن المصادر. وعطف {ويؤمن بالله} على الشرط لأنّ نبذ عبادة الأصنام لا مزيّة فيه إن لم يكن عَوّضها بعبادة الله تعالى. ومعنى استمسك تمسك، فالسينُ والتاء للتأكيد كقوله: { أية : فاستمسكْ بالذي أُوحيَ إليك } تفسير : [الزخرف: 43] وقوله: { أية : فاستجاب لهم ربهم } تفسير : [آل عمران: 195] وقول النابغة: «فاستنكحوا أمّ جابر» إذ لا معنى لطلب التمسك بالعروة الوثقى بعد الإيمان، بل الإيمان التمسك نفسه. والعروة ــــــ بضم العين ــــــ ما يُجعل كالحلْقة في طرف شيء ليقبض على الشيء منه، فللدّلوْ عروة وللكُوز عُروة، وقد تكون العروة في حبل بأن يشدّ طرفه إلى بعضه ويعقد فيصير مثل الحلقة فيه، فلذلك قال في «الكشاف»: العروة الوثقى من الحبل الوثيق. و{الوثقى} المحكمة الشدّ. {ولا انفصام لها} أي لا انقطاع، والفصم القطع بتفريق الاتصال دون تجزئة بخلاف القصم بالقاف فهو قطع مع إبانة وتجزئة. والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيلي، شبهت هيأة المؤمن في ثباته على الإيمان بهيأة من أمسك بعروة وثقى من حَبل وهو راكب على صَعب أو في سفينة في هَول البحر، وهي هيأة معقولة شبهت بهيأة محسوسة، ولذلك قال في «الكشاف» «وهذا تمثيل للمعلوم بالنظَر، بالمشاهَد» وقد أفصح عنه في تفسير سورة لقمان إذ قال «مثلت حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه»، فالمعنى أنّ المؤمن ثابت اليقين سالم من اضطراب القلب في الدنيا وهو ناج من مَهاوي السقوط في الآخرة كحال من تمسك بعروة حبل متين لا ينفصم. وقد أشارت الآية إلى أنّ هذه فائدة المؤمن تنفعه في دنياه بأن يكون على الحق والبصيرة وذلك ممّا تطلبه النفوس، وأشارت إلى فائدة ذلك في الآخرة بقوله: {والله سميع عليم} الذي هو تعريض بالوعد والثواب.

الواحدي

تفسير : {لا إكراه في الدِّين} بعد إسلام العرب؛ لأنهم أُكرهوا على الإِسلام فلم يُقبل منهم الجزية؛ لأنَّهم كانوا مشركين، فلمَّا أسلموا أنزل الله تعالى هذه الآية. {قد تبين الرشد من الغي} ظهر الإِيمان من الكفر، والهدى من الضَّلالة بكثرة الحجج {فمن يكفر بالطاغوت} بالشَّيطان والأصنام {ويؤمن بالله} واليوم الآخر {فقد استمسك} أَيْ: تمسَّك {بالعروة الوثقى} عقد لنفسه عقداً وثيقاً، وهو الإِيمان وكلمة الشَّهادتين {لا انفصام لها} أي: لا انقطاع لها {والله سميع} لدعائك يا محمَّدُ أيَّايَ بإسلام أهل الكتاب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ إسلام أهل الكتاب الذين حول المدينة، ويسأل الله ذلك {عليم} بحرصك واجتهادك. {والله وليُّ الذين آمنوا} أَيْ: ناصرهم ومتولِّي أمورهم {يخرجهم من الظلمات} من الكفر والضَّلالة إلى الإِيمان والهداية {والذين كفروا} أي: اليهود {أولياؤهم الطاغوت} يعني: رؤساءهم كعب بن الأشرف وحُيي بن أخطب {يخرجونهم من النور} يعني: ممَّا كانوا عليه من الإِيمان بمحمدٍ عليه السَّلام قبل بعثه {إلى الظلمات} إلى الكفر به بعد بعثه. {ألم تر إلى الذي حاجَّ} جادل وخاصم {إبراهيم في ربه} حين قال له: مَنْ ربُّك؟ {أن آتاه الله الملك} أي: الملك الذي آتاه الله. يريد: بطرُ الملك حمله على ذلك، وهو نمروذ بن كنعان {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت} فقال عدو الله: {أنا أحيي وأميت} فعارضه بالاشتراك في العبارة من غير فعل حياةٍ ولا موتٍ، فلما لبَّس في الحجَّة بأنْ قال: أنا أفعل ذلك احتجَّ إبراهيم عليه بحجَّةٍ لا يمكنه فيها أن يقول: أنا أفعل ذلك، وهو قوله: {قال إبراهيم فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} أي: انقطع وسكت.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا إكراه في الدين: لا يكره المرء على الدخول في الدين، وإنما يعتنقه بإرادته واختياره. الرشد: الهدى الموصل إلى الإِسعاد والإِكمال. الغي: الضلال المفضي بالعبد إلى الشقاء والخسران. الطاغوت: كل ما صرف عن عبادة الله تعالى من إنسان أو شيطان أو غيرهما. العروة الوثقى: لا إله إلا الله محمد رسول الله. لا انفصام لها: لا تنفك ولا تنحل بحال من الأحوال. الله وليّ الذين آمنوا: مُتوليهم بحفظه ونصره وتوفيقه. الظلمات: ظلمات الجهل والكفر. النور: نور الإِيمان والعلم. أولياؤهم الطاغوت: المتولون لهم الشياطين الذين زينوا لهم عبادة الأوثان فأخرجوهم من الإِيمان إلى الكفر ومن العلم إلى الجهل. معنى الآيتين: يخبر الله تعالى بعد ذكر صفات جلاله وكماله في آية الكرسي أنه لا إكراه في دينه، وذلك حين أراد بعض الأنصار إكراه من تهوّد أو تنصّر من أولادهم على الدخول في دين الإِسلام، ولذا فإن أهل الكتابين ومن شابههم تؤخذ منهم الجزية ويقرون على دينهم فلا يخرجون منه إلا باختيارهم وإرادتهم الحرة، أما الوثنيّون والذين لا دين لهم سوى الشرك والكفر فيقاتلون حتى يدخلوا في الإِسلام إنقاذاً لهم من الجهل والكفر وما لا زمهم من الضلال والشقاء. ثم أخبر تعالى أنه بإنزال كتابه وبعثه رسوله ونصر أوليائه قد تبين الهدى من الضلال والحق من الباطل، وعليه فمن يكفر بالطاغوت وهو الشيطان الذي زين عبادة الأصنام ويؤمن بالله فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقد استمسك من الدين بأمتن عروة وأوثقها، ومن يصرّ على الكفر بالله والإِيمان بالطاغوت فقد تمسك بأوهى من خيط العنكبوت، والله سميع لأقوال عباده عليم بنياتهم وخفيات أعمالهم وسيجزي كلاً بكسبه. ثم أخبر تعالى أنه ولي عباده المؤمنين فهو يخرجهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور العلم والإِيمان فَيكْمَلُون وَيَسْعَدُون، وأن الكافرين أولياؤهم الطاغوت من شياطين الجن والإِنس الذين حسنوا لهم الباطل والشرور، وزيّنوا لهم الكفر والفسوق والعصيان، فأخرجوهم بذلك من النور إلى الظلمات فأهَّلوهم لدخول النار فكانوا أصحابها الخالدين فيها. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- لا يُكره أهل الكتابين ومن في حُكمهم كالمجوس والصابئة على الدخول في الإِسلام إلا باختيارهم وتقبل منهم الجزية فَيُقُّروْن على دينهم. 2- الإِسلام كلّه رشد، وما عداه ضلال وباطل. 3- التخلي عن الرّذائل مقدَّم على التحلي بالفضائل. 4- معنى لا إله إلا الله، وهي الإِيمان بالله والكفر بالطاغوت. 5- ولاية الله تعالى تُنَال بالإِيمان والتقوى. 6- نُصْرة الله تعالى ورعايته لأوليائه دون أعدائه.

القطان

تفسير : تبين: ظهر ووضح. الرشد: بالضم والرشد، والرشاد: الهدى وكل خير. الغي: الجهل. الطاغوت: الشيطان، وكل ما يُعبد من دون الله. العروة، من الدلو أو الكوز، مقبضه. الوثقى: الوثيقة المتينة.. والمراد بها هنا الايمان بالله. الانفصام: الانقطاع، والانكسار. لا يُكره احد على الدخول في الاسلام، فقد وضح طريق الحق والهدى من طريق الغي والضلال. فمن هداه الله لأن يدخل في الدين ويكفر بالأوثان وكل ما سِوى الله، فقد استمسك بأمتن وسائل الحق، التي لا تنقطع، كما اعتصم بطاعة الله فلا يخشى خذلانه إياه عند حاجته اليه في الآخرة. وهذه الآية من أكبر الحجج التي تبيّن عظمة الإسلام، فهي نص صريح على ان مبدأه هو حرية الاعتقاد. وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان واحترام ارادته ومشاعره. لقد ترك أمره لنفسه فيما يختص في الاعتقاد. وحرية الاعتقاد هي أو حقوق الانسان. ومع حرية الاعتقاد هذه تتمشى الدعوة للعقيدة. ان الإسلام هو الدين الوحيد الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين، والذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه غيرهم على اعتناقه. روى الطبري عن ابن عباس ان رجلاً من الأنصار يقال له الحصيني كان له ابنان نصرانيان، وكان هو مسلما، فقال للنبي: ألا أُكرههما على الاسلام؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. اما الذين يقولون ان الاسلام قد انتشر بالسيف، فإنهم من المغرضين المفترين على الله. ذلك أن الجهاد في الإسلام انما فُرض لرد الاعتداء ولحماية العقيدة، لا ليكرِه أحداً على الإسلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلطَّاغُوتِ} (256) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِألاَّ يُكْرِهُوا أَحَداً عَلَى الدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ، لأنَّ الإِسْلاَمَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لاَ يَحْتَاجُ إلى أنْ يُكْرَهَ أحَدٌ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ. وَالإِيمانُ إذْعَانٌ وخُضُوعٌ، وَلا يَكُونَ ذَلِكَ بِالإِلْزامِ وَالإِكراهِ. وَإنما يَكونُ بِالحُجَّةِ وَالدَّليلِ وَالبُرْهَانِ، وَقَدْ ظَهَرَ أنَّ فِي هذا الدِّينِ الرُّشْدَ والصَّلاَحَ، وَأنَّ مَا خَالَفَهُ مِنَ المِلَلِ الأخْرى غَيٌّ وَضَلالٌ. فَمَنْ كَفَرَ بِالأنْدَادِ وَالأوْثَانِ وَمَا يَدْعُو إليهِ الشَّيْطَانُ مِنْ عِبِادَةِ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ (أَيْ وَمَنْ كَفَرَ بِمَا تَكُونُ عِبَادَتُهُ وَالإِيمَانُ بِهِ سَبَباً فِي الطُّغْيَانِ وَالخُرُوجِ عَنِ الحَقِّ مِنْ عِبَادَةِ مَخْلُوقٍ) فَقَدْ ثَبَتَ أمْرُهُ، وَاسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ المُثْلَى، وَأمْسَكَ بِأوْثَقِ عُرَى النَّجَاةِ التي تَمْنَعُهُ مِنَ التَّرَدِّي فِي مَهَاوِي الضَّلاَلاَتِ. وَاللهُ سَمِيعٌ لأَِقْوَالِ مَنْ يَدَّعِي الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ. عَلِيمٌ بِمَا يُكِنُّهُ قَلْبُهُ مِمّا يُصَدِّقُ هَذا أوْ يُكَذِّبُهُ. الطَّاغُوتِ - هُوَ كُلُّ مَا كَانَ عَليهِ أهْلُ الجَاهلِيَّةِ مِنْ عِبَادَةِ الأوْثَانِ وَالتَّحَاكُمِ إِلَيها، وَالاسْتِنْصَارِ بِهَا، وَقِيلَ أيْضاً إنَّ الطَّاغُوتَ هُوَ الشَّيْطَانُ. تَبَيَّنَ الرُّشْدُ - تَمَيَّزَ الهُدَى وَالإِيمَانُ. مِنَ الغَيِّ - مِنَ الضَّلالِ وَالكُفْرِ. بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى - بِالعَقِيدَةِ الوَثيقَةِ المُحْكَمَةِ. لا انْفِصَامَ لَهَا - لا انْقِطَاعَ وَلاَ زَوَالَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا نحن العباد المؤمنين ولسائر البشرية أنه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [البقرة: 256]. والإكراه هو أن تحمل الغير على فعل لا يرى هو خيراً في أن يفعله. أي لا يرى الشخص المكرَه فيه خيراً حتى يفعله. ولكن هناك أشياء قد نفعلها مع من حولنا لصالحهم، كأن نرغم الأبناء على المذاكرة، وهذا أمر لصالح الأبناء، وكأن نجبر الأطفال المرضى على تناول الدواء. ومثل هذه الأمور ليست إكراهاً، إنما هي أمور نقوم بها لصالح من حولنا؛ لأن أحداً لا يسره أن يظل مريضاً. إن الإكراه هو أن تحمل الغير على فعل من الأفعال لا يرى فيه هو الخير بمنطق العقل السليم. ولذلك يقول الحق سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [البقرة: 256]. ومعنى هذه الآية أن الله لم يُكره خلقه - وهو خالقهم - على دين، وكان من الممكن أن الله يقهر الإنسان المختار، كما قهر السماوات والأرض والحيوان والنبات والجماد، ولا أحد يستطيع أن يعصي أمره. فيقول سبحانه:{أية : لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ..}تفسير : [الرعد: 31]. لكن الحق يريد أن يعلم من يأتيه محباً مختاراً وليس مقهوراً، أن المجيء قهراً يثبت له القدرة، ولا يثبت له المحبوبية، لكن من يذهب له طواعية وهو قادر ألا يذهب فهذا دليل على الحب، فيقول تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [البقرة: 256] أي أنا لم أضع مبدأ الإكراه، وأنا لو شئت لآمن من في الأرض كلهم جميعاً. فهل الرسل الذين أرسلهم سبحانه يتطوعون بإكراه الناس؟. لا، إنّ الرسول جاء لينقل عن الله لا ليُكره الناس، وهو سبحانه قد جعل خلقه مختارين، وإلا لو أكرههم لما أرسل الرسل، ولذلك يقول المولى عز وجل:{أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [يونس: 99]. إن الرسول له مهمة البلاغ عن الله؛ لأن الله لم يرد خلقه مكرهين على التدين، إذن فالمبلغ عنه لا يُكره خلقه على التدين، إلا أن هنا لبساً. فهناك فرق بين القهر على الدين، والقهر على مطلوب الدين، هذا هو ما يحدث فيه الخلاف. تقول لمسلم: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [البقرة: 256]، ويدعي أنه مثقف، ويأتيك بهذه الآية ليلجمك بها، فتقول له: لا. {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [البقرة: 256] عقيدة وإيماناً، إنما إن آمنت وأعلنت أنك آمنت بالله وصرت معنا مسلماً فلا بد أن تعرف أنك إن كسرت حكماً من أحكام الإسلام نطلب منك أن تؤديه، أنت حر أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن حين التزمت بالإيمان، فعليك مسئولية تنفيذ مطلوب الإيمان، وإلا حُسب تصرفك أنه من تصرفات الإسلام، فإذا كنت تشرب خمراً فإنك حر؛ لأنك كافر مثلاً، لكن أتؤمن ثم تشرب خمراً!؟ لا. أنت بذلك تكسر حداً من حدود الله، وعليك العقاب. ولأنك ما دمت قد علمت كعاقل رشيد مطلوبَ الإسلام، فعليك أن تنفذ مطلوب الإسلام، ولذلك لم يكلف الله الإنسان قبل أن ينضج عقله بالبلوغ؛ حتى لا يقال: إن الله قد أخذ أحداً بالإيمان وألزمه به قبل أن يكتمل عقله. بل ترك التكليف حتى ينضج الإنسان ويكتمل، حتى إذا دخل إلى دائرة التكليف عرف مطلوباته، وهو حر أن يدخل إلى الإيمان أو لا يدخل، لكن إن دخل سيُحاسب. إذن فلا يقل أحد عندما يسمع حكماً من أحكام الدين: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [البقرة: 256]؛ لأن هذه الآية نزلت بشأن العقيدة الأساسية، فإن اتبعت هذه العقيدة صار لزاماً عليك أن توفي بمطلوباتها. وقد أراد خصوم الإسلام أن يصعدوا هذه العملية فقالوا كذباً وافتراء: إن الإسلام انتشر بحد السيف. ونقول لهم: لقد شاء الله أن ينشأ الإسلام ضعيفاً ويُضطهد السابقون إليه بكل أنواع الاضطهاد، ويُعذبون، ويُخرجون من ديارهم ومن أموالهم ومن أهلهم، ولا يستطيعون عمل شيء. إذن ففترة الضعف التي مرت بالإسلام أولاً فترة مقصودة. ونقول لهم أيضاً: من الذي قهر وأجبر أول حامل للسيف أن يحمل السيف؟! والمسلمون ضعاف ومغلوبون على أمرهم، لا يقدرون على أن يحموا أنفسهم، إنكم تقعون في المتناقضات عندما تقولون: إن الإسلام نُشِرَ بالسيف. ويتحدثون عن الجزية رفضاً لها، فنقول: وما هي الجزية التي يأخذها الإسلام من غير المسلمين كضريبة للدفاع عنهم؟ لقد كان المسلمون يأخذون الجزية من البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي، أي أن هناك أناساً بقوا على دينهم. وما دام هناك أناس باقون على دينهم فهذا دليل على أن الإسلام لم يُكره أحداً. وقول الله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [البقرة: 256] علته أن الرشد واضح والغيّ واضح، وما دام الأمر واضحاً فلا يأتي الإكراه. لأن الإكراه يأتي في وقت اللبس، وليس هناك لبس، لذلك يقول الحق: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} [البقرة: 256]. وما دام الرشد بائنا من الغيّ فلا إكراه. لكن الله يعطيك الأدلة، وأنت أيها الإنسان بعقلك يمكنك أن تختار، كي تعرف أنك لو دخلت الدين لالتزمت، وحوسبت على دخولك في الدين، فلا تدخل إلا وأنت مؤمن واثق بأن ذلك هو الحق؛ لأنه سيترتب عليه أن تقبل أحكام الدين عليك. {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} [البقرة: 256] والرشد: هو طريق النجاة، و"الغي": هو طريق الهلاك. ويقول الحق إيضاحاً للرشد والغي في آية أخرى من آيات القرآن الكريم: {أية : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}تفسير : [الأعراف: 146]. إن الحق يعلمنا أن المتكبرين في الأرض بغير حق لن يستطيعوا الفوز برؤية آيات الله ودلائل قدرته، وحتى إن رأوا السبيل الصحيح فلن يسيروا فيه، وإن شاهدوا طريق الضلال سلكوا فيه لأنهم يكذبون بآيات الرحمن ويغفلون عنها. والغي - أيضاً - هو ضلال الطريق، فعندما يسير إنسان في الصحراء ويضل الطريق يقال عنه: "فلان قد غوى" أي فقد الاتجاه الصحيح في السير، وقد يتعرض لمخاطر جمة كلقاء الوحوش وغير ذلك. ويوضح لنا الحق طريق الرشد بمنطوق آخر في قوله الحق:{أية : وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}تفسير : [الجن: 10]. إن الجن قد ظنوا كما ظن بعض من معشر الإنس أن الله لن يبعث أحداً بعد الموت أو لن يرسل رسولاً من البشر لهداية الكون. وقد طلب الجن بلوغ السماء فوجدوها قد مُلئت حرساً من الملائكة وشُهباً محرقة. وإن الجن لا يعلمون السر في حراسة السماء وهل في ذلك شَرٌّ بالبشر أو أراد الله بهم خيراً وهدى. إذن فالرُّشْد - بضم الراء وتسكين الشين - والرَشَد بفتح الراء وفتح الشين - كلاهما يوضح الطريق الموصل للنجاة. ويقابل الرشد الغيّ. ويتابع الحق: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} [البقرة: 256] أولاً: نلحظ أن الحق هنا قد قدم الكفران بالطاغوت، ثم جاء بالإيمان بالله؛ لأن الأمر يتطلب التخلية أولاً والتحلية ثانياً، لابد أن يتخلى الإنسان من الطاغوت فلا يدخل على أنه يؤمن بالله وفي قلبه الطاغوت، فنحن قبل أن نكوي الثوب نغسله وننظفه، التخلية قبل التحلية. وما هو "الطاغوت"؟ إنه من مادة "طغى"، وكلمة "طاغوت" مبالغة في الطغيان. لم يقل: طاغ، بل طاغوت، مثل جبروت، والطاغوت إما أن يُطلق على الشيطان، وإما أن يُطلق على من يعطون أنفسهم حق التشريع فيكَفِّرون وينسبون من يشاءون إلى الإيمان حسب أهوائهم، ويعطون أشياء بسلطة زمنية من عندهم، ويُطلق أيضاً على السحرة والدجالين، ويُطلق على كل من طغى وتجاوز الحد في أي شيء، فكلمة "طاغوت" مبالغة، وقد تكون هذه المبالغة متعددة الألوان، فمرة يكون الطاغي شيطاناً، ومرة يكون الطاغي كاهناً، ومرة يكون ساحراً أو دجالاً، ومرة يكون حاكماً. ومادة "الطاغوت" تدل على أن الموصوف بها هو من تزيده الطاعة له طغياناً، فعندما يجربك في حاجة صغيرة، فتطيعه فيها فيزداد بتلك الطاعة طغياناً عليك. والحق سبحانه يقول: {أية : فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ}تفسير : [الزخرف: 54]. ويزيد في الأمر حتى يصير طاغية، ولا يوجد أحد استهل عمله بالطغيان العالي، إنما يبدأ الأمر خطوة خطوة، كأي نظام ديكتاتوري قهري، إنه يبدأ بـ (جس نبض) فإن صبر الناس، ازداد هذا النظام في القسوة حتى يصير طاغوتاً، إذن فالطاغوت هو الذي تستزيده الطاعة طغياناً، وتُطلق على الشيطان؛ لأنه هو الأساس، وعلى الذين يتكلمون باسم الدين للسلطة الزمنية (سواء كانوا كهاناً أو غيرهم)، وتُطلق على الذين يسحرون ويدجلون، لأنهم طغوا بما علموه؛ إنهم يستعملون أشياء يتعبون بها الناس، وقد جاءت الكلمة هنا بصيغة المبالغة لاشتمالها على كل هذه المعاني، وإذا استعرضنا الكلمة في القرآن نجد أن "الطاغوت" ترد مذكرة في بعض الأحيان، وقد وردت مؤنثة في آية واحدة في القرآن: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ}تفسير : [الزمر: 17]. لقد أوضحت هذه الآية أنهم تركوا كل أنواع الطغيان وأصنافه، أي إن الذين اجتنبوا الألوان المتعددة من الطغيان هم الذين يتجهون بالعبادة الخالصة لله، ولهم البشرى. {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} [البقرة: 256] وكلمة "استمسك" غير كلمة "مَسَكَ". لأن "استمسك" تدل على أن فيه مجاهدة في المسك، والذي يتدين يحتاج إلى مجاهدة في التدين؛ لأن الشيطان لن يتركه، فلا يكفي أن تمسك، بل عليك أن تستمسك، كلما وسوس الشيطان لك بأمر فعليك أن تستمسك بالتدين، هذا يدل على أن هناك مجاهدة وأخذاً وردّاً. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ} [البقرة: 256] والعروة هي العلاَّقة، مثلما نقول: "عروة الدلو"، التي تمسكها منه، وهذه عادة ما تكون مصنوعة من الحبل الملفوف المتين، و"الوثقى" هي تأنيث (الأوثق) أي أمر موثوق به، وقوله: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} [البقرة: 256]، قد يكون تشبيهاً بعروة الدلو لأن الإنسان يستخدم الدلو ليأتي بالماء، وبالماء حياة البدن، وبالدين حياة القيم. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} [البقرة: 256] كأنه ساعة جاء بكلمة "عروة" يأتي بالدلو في بال الإنسان، والدلو تأتي بالماء، والماء به حياة البدن، إذن فهذه تعطينا إيحاءات التصور واضحة، {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} [البقرة: 256]، وما دامت "عروة وثقى" التي هي الدين والإيمان بالله، وما دامت هي الدين وحبل الله فهذه وثقى، وما دامت "وثقى" فلا انفصام لها، وعلينا أن نعرف أن فيه انفصاماً. وفيه انفصام الأول بالفاء والثاني بالقاف. الانفصام: يمنع الاتصال الداخلي؛ مثلما تنكسر اليد لكنها تظل معلقة، والانقصام: أن يذهب كل جزء بعيداً عن الآخر أي فيه بينونة، والحق يقول: {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] توحي بأن عملية الطاغوت ستكون دائماً وسوسة، وهذه الوسوسة هي: الصوت الذي يُغرى بالكلام المعسول، ولذلك أخذت كلمة "وسوسة الشيطان" من وسوسة الحُليّ، ووسوسة الذهب هي رنين الذهب، أي وسوسة مغرية مثل وسوسة الشيطان، والله عليم بكل أمر. ويقول الحق بعد ذلك: {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} يريدُ بِهِ القُرآنَ. وقالَ: هو قولُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله. تفسير : وقولهُ تعالى: {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} معناهُ لاَ انكِسَارَ لَهَا.

الأندلسي

تفسير : كان بعض أولاد الأنصار قد تنصّر وبعضهم قد تهود وأراد آباؤهم أن يكرهوهم على الاسلام فنزل: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} أي هو من وضوح الدلائل والحجج بحيث لا يكون فيه إكراه بل يجب الدخول فيه بانشراح صدر واختيار. {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} أي الايمان من الكفر. والدين هنا معتقد الاسلام. وقرىء بسكون الشين وبضمها وبفتح الراء والشين وقرىء كذلك وبألف بعد الشين. وقرىء بإِدغام دال قد في تاء تبين. وقرىء إظهارها شاذا. وهذه الجملة كالعلة لانتفاء الاكراه في الدين لأن استنارة الدلائل تحمل على الدخول في الدين طوعاً من غير إكراه. {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ} فسر بالشيطان وهو مقلوب أصله طغووت من طغا فقلب، جعلت اللام مكان العين فصار طوغوت، فقلبت الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها وتحركها هي فصار طاغوت ومذهب سيبويه أنه اسم مفرد كأنه اسم جنس يقع للواحد كقوله: {أية : وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} تفسير : [النساء: 60]، وللجمع كقوله: يخرجونهم من النور إلى الظلمات. وزعم أبو العباس أنه جمع، وأبو علي أنه مصدر كرهبوت. وقدم ذكر الكفر بالطاغوت على الإِيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت ولتقدم الكفر بالطاغوت على الإِيمان بالله تعالى والكفر بها رفضها ورفض عبادتها ولاتصاله بلفظ الغي. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ} أبرز الجواب في صورة الماضي المقرون بعد الدآلّ في الماضي على تحقيقه وان كان مستقبلاً في المعنى إشعاراً بأنه مما وقع استمساكه وثبت وذلك للمبالغة في ترتب الجواب على الشرط وانه كائن لا محالة وجعل ما تمسك به عروة وهي في الاجرام موضع الامساك وشد الأيدي والتعلق ومثل الايمان بالعروة ورشح ذلك بقوله: {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} أي لا انكسار ولا انقطاع. وجملة النفي حال أو مستأنفة. {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الولي المحب المتولي أمر من يحب والاخراج هنا ان كان حقيقة فاختص بمن كان كافراً ثم أسلم وإن كان مجازاً فهو منع الله إياهم من دخولهم في الظلمات، والظلمات والنور كناية عن الكفر والإِيمان. {مِّنَ ٱلنُّورِ} أي من الإِيمان وذلك فيمن آمن ثم كفر. وقرىء الطواغيت بالجمع وجوزوا أن يكون يخرجهم ويخرجونهم حالاً أو خبراً ثانياً ويظهر أن يكون تفسيراً للولاية. ولما ذكر أنه تعالى ولي الذين آمنوا وإن الطاغوت وليُ الكفار أعقب بهذه القصة مثلاً للمؤمن والكافر والذي حاج في إبراهيم هو نمرود بن كنعان بن كوسى بن سام ابن نوح عليه السلام ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة. قال مجاهد: ملك الدنيا مؤمنان سليمان وذو القرنين، وكافران نمرود وبخت نصّر. وفي نسب النمرود اختلاف، ومعنى حاج: عارض حجته بمثلها.

الجيلاني

تفسير : {لاَ إِكْرَاهَ} أي: لا جبر ولا تهديد ولا إلجاء {فِي ٱلدِّينِ} أي: في الانقياد بدين الإسلام والإطاعة له بعد ما ظهر الحق؛ إذ {قَد تَّبَيَّنَ} وتميَّز {ٱلرُّشْدُ} والهداية {مِنَ ٱلْغَيِّ} والضلالة {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ} التي هي النفس الأمارة المضلة عن طريق الحق {وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ} الهادي إلى سواء السبيل {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ} بل تمسك وتشبث {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} التي هي حبل الله الممدود من أزل الذات إلى أبد الأسماء والصفات {لاَ ٱنفِصَامَ} ولا انقطاع {لَهَا} أصلاً {وَٱللَّهُ} الهادي للكل {سَمِيعٌ} بذاته لأقواله {عَلِيمٌ} [البقرة: 256] بحمه ومصالحه المودعة فيها، فانظروا ما أنتم أيها الهلكى. {ٱللَّهُ} أي: الذات المستجمع لجميع الأسماء والصفات {وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله يريبهم حسب شموله وإحاطته {يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ} ظلمة الطبيعة وظلمة الإمكان وظلمة الإضافة {إِلَى ٱلنُّورِ} صفاء الوحدة الخالصة عن رين الإضافة الخالية عن شين الكثرة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالله {أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} التي هي عَلَم الجنس للنفوس البهيمية التي هي الطواغيت المضلة عن الهدي الحقيقي {يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ} أي: المرآة الصقلية المجلوة القابلة لأن يتراءى فيها جميع ما في العالم {إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} ظلمة الكثرة وظلمة التعيين وظلمة الغفلة {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المطرودين عن ساحة الوحدة {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} أي: نار الخذلان وسعير الإمكان {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257] دائمون إلى ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي: بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، وكان المتمسك به على ثقة من أمره، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي { لا انفصام لها } وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم { والله سميع عليم } فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها. ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك فقال: { الله ولي الذين آمنوا } وهذا يشمل ولايتهم لربهم، بأن تولوه فلا يبغون عنه بدلا ولا يشركون به أحدا، قد اتخذوه حبيبا ووليا، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه، فتولاهم بلطفه ومنَّ عليهم بإحسانه، فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر والحشر والقيامة إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } فتولوا الشيطان وحزبه، واتخذوه من دون الله وليا ووالوه وتركوا ولاية ربهم وسيدهم، فسلطهم عليهم عقوبة لهم فكانوا يؤزونهم إلى المعاصي أزا، ويزعجونهم إلى الشر إزعاجا، فيخرجونهم من نور الإيمان والعلم والطاعة إلى ظلمة الكفر والجهل والمعاصي، فكان جزاؤهم على ذلك أن حرموا الخيرات، وفاتهم النعيم والبهجة والمسرات، وكانوا من حزب الشيطان وأولياءه في دار الحسرة، فلهذا قال تعالى: { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 126 : 1 - .... الإِسلام، يعني ظورتهم، فنزلت {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [الآية 256].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [256] 68- أنا إبراهيم بن يونس بن محمد، أنا عثمان بن عُمر، أنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكون لها ولد/ تجعل على نفسها لَئِنْ كان لها ولد لتهودنَّه، فلما أسلمت الأنصار، قالوا: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد} قوله تعالى {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} [256] 69- أنا محمد بن بشار - في حديثه، عن ابن أبي عدي، عن شُعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده، فلما أُجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، قالوا: لا ندعُ أبنائنا، فأنزل الله عزَّ وجل {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ}.

همام الصنعاني

تفسير : 324- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ}: [الآية: 256]، قال: كانت العرب لَيْسَ لَهَا دين فأُكْرِهُوا عَلَى الدين السَّيْفِ، قال: ولا يُكرَهُ الْيهُوديّ ولا النصرانيّ، ولا المجوسيّ، إذا أعْطوا الجزية. 325- عبد الرزاق، قال: حدّثنا ابن عُيَيْنة، عن ابن أبي نجيح قال: سَمِعْتُ مجاهداً يقُولُ لغلامٍ له نصْراني، يا جرير أسْلِمْ، ثم قال: هكذا كان يقال لهم.