٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
255
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه الأنواع الثلاثة بعضها ببعض، أعني علم التوحيد، وعلم الأحكام، وعلم القصص، والمقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وهذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان في النوع الواحد لأنه يوجب الملال، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر ويفرح به القلب، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر وانتقل من بستان إلى بستان آخر، وانتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول نوع آخر، ولا شك أنه يكون ألذ وأشهى، ولما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام ومن علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد، فقال: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في فضائل هذه الآية روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة» تفسير : وعن علي أنه قال: سمعت نبيّكم على أعواد المنبر وهو يقول: «حديث : من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات التي حوله»تفسير : وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي: أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا علي سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي»تفسير : وعن علي أنه قال: لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا يصنع، قال فجئت وهو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، لا يزيد على ذلك، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو يقول ذلك، فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه، وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له. واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف كان الذكر والعلم أشرف، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله سبحانه بل هو متعال عن أن يقال: إنه أشرف من غيره، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف، ولما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات وأبلغ النهايات. المسألة الثانية: اعلم أن تفسير لفظة {ٱللَّهِ } قد تقدم في أول الكتاب وتفسير قوله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } قد تقدم في قوله {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [البقرة: 163] بقي هٰهنا أن نتكلم في تفسير قوله: {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول: أعظم أسماء الله {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } وما روينا أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الاسم والبراهين العقلية دالة على صحته وتقريره، ومن الله التوفيق: أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون بأسراها ممكنة، وإما أن تكون بأسراها واجبة وإما أن تكون بعضها ممكنة وبعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسراها ممكنة، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان، فهذا المجموع ممكن بذاته وكل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه مجموعاً وبحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له وكل ما كان مغايراً لكل الممكنات لم يكن ممكناً فقد وجد موجود ليس بممكن، فبطل القول بأن كل موجود ممكن وأما القسم الثاني وهو أن يقال الموجودات بأسرها واجبة فهذا أيضاً باطل. لأنه لو حصل وجودان كل واحد منهما واجب لذاته لكانا مشتركين في الوجوب بالذات ومتغايرين بالنفي، وما به المشاركة مغاير لما به الممايزة، فيكون كل واحد منهما مركباً في الوجوب الذي به المشاركة، ومن الغير الذي به الممايزة، وكل مركب فهو مفتقر إلى كل واحد من جزئه وجزء غيره، وكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فلو كان واجب الوجود أكثر من واحد لما كان شيء منها واجب الوجود وذلك محال، ولما بطلل هذان القسمان ثبت أنه حصل في مجموع الموجودات موجود واحد واجب الوجود لذاته وأن كل ما عداه فهو ممكن لذاته موجود بإيجاد ذلك الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته، ولما بطل هذان فالواجب لذاته موجود لذاته وبذاته، ومستغن في وجوده عن كل ما سواه، وأما كل ما سواه فمفتقر في وجوده وماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته، فالواجب لذاته قائم بذاته وسبب لتقوم كل ما سواه في ماهيته وفي وجوده، فهو القيوم الحي بالنسبة إلى كل الموجودات، فالقيوم هو المتقوم بذاته، المقوم لكل ما عداه في ماهيته ووجوده، ولما كان واجب الوجود لذاته كان هو القيوم الحق بالنسبة إلى الكل، ثم إنه لما كان المؤثر في الغير إما أن يكون مؤثراً على سبيل العلية والإيجاب وإما أن يكون مؤثراً على سبيل الفعل والاختيار: لا جرم أزال وهم كونه مؤثراً بالعلية والإيجاب بقوله {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } فإن {ٱلْحَىّ } هو الدراك الفعال، فبقوله {ٱلْحَىّ } دل على كونه عالماً قادراً، وبقوله {ٱلْقَيُّومُ } دل على كونه قائماً بذاته ومقوماً لكل ما عداه، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد. فأولها: أن واجب الوجود واحد بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء، وبرهانه أن كل مركب فإنه مفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وجزؤه غيره، وكل مركب فهو متقوّم بغيره، والمتقوم بغيره لا يكون متقوماً بذاته، فلا يكون قيوماً، وقد بينا بالبرهان أنه قيوم وإذا ثبت أنه تعالى في ذاته واحد، فهذا الأصل له لازمان أحدها: أن واجب الوجود واحد، بمعنى أنه ليس في الوجود شيئان كل واحد منهما واجب لذاته، إذ لو فرض ذلك لاشتركا في الوجوب، وتباينا في التعين، وما به المشاركة غير ما به المباينة، فيلزم كون كل واحد منهما في ذاته مركباً من جزأين، وقد بينا أنه محال. اللازم الثاني: أنه لما امتنع في حقيقته أن تكون مركبة من جزأين امتنع كونه متحيزاً، لأن كل متحيز فهو منقسم، وقد ثبت أن التركيب عليه ممتنع، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيزاً امتنع كونه في الجهة، لأنه لا معنى للمتحيز إلا ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسيّة، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز وليس في الجهة، امتنع أن يكون له أعضاء وحركة وسكون. وثانيها: أنه لما كان قيوماً كان قائماً بذاته، وكونه قائماً بذاته يستلزم أمور: اللازم الأول: أن لا يكون عَرَضاً في موضوع، ولا صورة في مادة، ولا حالاّ في محل أصلاً لأن الحال مفتقر إلى المحل والمفتقر إلى الغير لا يكون قيوماً بذاته. واللازم الثاني: قال بعض العلماء: لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم، فإذا كان قيوماً بمعنى كونه قائماً بنفسه لا بغيره كانت حقيقته حاضرة عند ذاته، وإذا كان لا معنى للعلم إلا هذا الحضور، وجب أن تكون حقيقته معلومة لذاته فإذن ذاته معلومة لذاته، وكل ما عداه فإنه إنما يحصل بتأثيره، ولأنا بينا أنه قيوم بمعنى كونه مقوماً لغيره، وذلك التأثير إن كان بالاختيار فالفاعل المختار لا بدّ وأن يكون له شعور بفعله وإن كان بالإيجاب لزم أيضاً كونه عالماً بكل ما سواه لأن ذاته موجبة لكل ما سواه، وقد دللنا على أنه يلزم من كونه قائماً بالنفس لذاته كونه عالماً بذاته، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، فعلى التقديرات كلها يلزم من كونه قيوماً كونه عالماً بجميع المعلومات. وثالثها: لما كان قيوماً لكل ما سواه كان كل ما سواه مُحْدَثاً، لأن تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقاء ذلك الغير لأن تحصيل الحاصل محال فهو إما حال عدمه وإما حال حدوثه وعلى التقديرين وجب أن يكون الكل محدثاً. ورابعها: أنه لما كان قيوماً لكل الممكنات استندت كل الممكنات إليه إما بواسطة أو بغير واسطة، وعلى التقديرين كان القول بالقضاء والقدر حقاً، وهذا مما قد فصلناه وأوضحناه في هذا الكتاب في آيات كثيرة فأنت إن ساعدك التوفيق وتأملت في هذه المعاقد التي ذكرناها علمت أنه لا سبيل إلى الإحاطة بشيء من المسائل المتعلقة بالعلم الإلٰهي إلا بواسطة كونه تعالى حياً قيوماً فلا جرم لا يبعد أن يكون الاسم الأعظم هو هذا، وأما سائر الآيات الإلٰهية، كقوله {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [البقرة: 163] وقوله {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [آل عمران: 18] ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند، وأما قوله {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الصمد: 1] ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند، وبمعنى أن حقيقته غير مركبة من الأجزاء، وأما قوله {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَْرْضَ } تفسير : [ الأعراف: 54] ففيه بيان صفة الربوبية وليس فيه بيان وحدة الحقيقة، أما قوله {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } فإنه يدل على الكل لأن كونه قيوماً يقتضي أن يكون قائماً بذاته، وأن يكون مقوماً لغيره وكونه قائماً بذاته يقتضي الوحدة بمعنى نفي الكثرة في حقيقته، وذلك يقتضي الوحدة بمعنى نفي الضد والند ويقتضي نفي التحيز وبواسطته يقتضي نفي الجهة، وأيضاً كونه قيوماً بمعنى كونه مقوماً لغيره يقتضي حدوث كل ما سواه جسماً كان أو روحاً عقلاً كان أو نفساً، ويقتضي استناد الكل إليه وانتهاء جملة الأسباب والمسببات إليه، وذلك يوجب القول بالقضاء والقدر فظهر أن هذين اللفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلٰهي، فلا جرم بلغت هذه الآية في الشرف إلى المقصد الأقصى واستوجب أن يكون هو الاسم الأعظم من أسماء الله تعالى. ثم إنه تعالى لما بين أنه حي قيوم أكد ذلك بقوله {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } والمعنى: أنه لا يغفل عن تدبير الخلق، لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة لاختل أمر الطفل، فهو سبحانه قيم جميع المحدثات، وقيوم الممكنات، فلا يمكن أن يغفل عن تدبيرهم، فقوله {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } كالتأكيد لبيان كونه تعالى قائماً، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل: إنك لو سنان نائم، ثم إنه تعالى لما بيّن كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته، مقوماً لغيره، رتب عليه حكماً وهو قوله {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } لأنه لما كان كل ما سواه إنما تقومت ماهيته، وإنما يحصل وجوده بتقويمه وتكوينه وتخليقه لزم أن يكون كل ما سواه ملكاً له وملكاً له، وهو المراد من قوله {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ثم لما ثبت أنه هو الملك والمالك لكل ما سواه، ثبت أن حكمه في الكل جار ليس لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره، وهو المراد بقوله {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ثم لما بيّن أنه يلزم من كونه مالكاً للكل، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه، بيّن أيضاً أنه يلزم من كونه عالماً بالكل وكون غيره غير عالم بالكل، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه إلا بإذنه، وهو قوله {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } وهو إشارة إلى كونه سبحانه عالماً بالكل، ثم قال: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ } وهو إشارة إلى كون غيره غير عالم بجميع المعلومات، ثم إنه لما بيّن كمال ملكه وحكمه في السمٰوات وفي الأرض، بيّن أن ملكه فيما وراء السماوات والأرض أعظم وأجل، وأن ذلك مما لا تصل إليه أوهام المتوهمين وينقطع دون الارتقاء إلى أدنى درجة من درجاتها المتخيلين، فقال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ثم بيّن أن نفاذ حكمه وملكه في الكل على نعت واحد، وصورة واحدة، فقال: {وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا } ثم لما بين كونه قيوماً بمعنى كونه مقوماً للمحدثات والممكنات والمخلوقات، بيّن كونه قيوماً بمعنى قائماً بنفسه وذاته، منزّهاً عن الاحتياج إلى غيره في أمر من الأمور، فتعالى عن أن يكون متحيزاً حتى يحتاج إلى مكان، أو متغيراً حتى يحتاج إلى زمان، فقال: {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ } فالمراد منه العلو والعظمة، بمعنى أنه لا يحتاج إلى غيره في أمر من الأمور، ولا ينسب غيره في صفة من الصفات ولا في نعت من النعوت، فقال: {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ } إشارة إلى ما بدأ به في الآية من كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته مقوماً لغيره، ومن أحاط عقله بما ذكرنا علم أنه ليس عند العقول البشرية من الأمور الإلٰهية كلام أكمل، ولا برهان أوضح مما اشتملت عليه هذه الآيات. وإذا عرفت هذه الأسرار، فلنرجع إلى ظاهر التفسير. أما قوله {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: {ٱللَّهُ } رفع بالابتداء، وما بعده خبره. المسألة الثانية: قال بعضهم: الإلٰه هو المعبود، وهو خطأ لوجهين الأول: أنه تعالى كان إلٰهاً في الأزل، وما كان معبوداً والثاني: أنه تعالى أثبت معبوداً سواه في القرآن بقوله {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنبياء: 98] بل الإلٰه هو القادر على ما إذا فعله كان مسحتقاً للعبادة. أما قوله {ٱلْحَىّ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الحي أصله حيي كقوله: حذر وطمع فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما، وقال ابن الأنباري: أصله الحيو، فلما اجتمعت الياء والواو ثم كان السابق ساكناً فجعلنا ياء مشددة. المسألة الثانية: قال المتكلمون الحي كل ذات يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في أن هذا المفهوم صفة موجودة أم لا، فقال بعضهم: إنه عبارة عن كون الشيء بحيث لا يمتنع أنه يعلم ويقدر، وعدم الامتناع لا يكون صفة موجودة، وقال المحققون: ولما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع، وقد ثبت أن الامتناع أمر عدمي، إذ لو كان وصفاً موجوداً لكان الموصوف به موجوداً، فيكون ممتنع الوجود موجوداً وهو محال، وثبت أن الامتناع عدم، وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع. وثبت أن عدم العدم وجود، لزم أي يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة وهو المطلوب. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لما كان معنى الحي هو أنه الذي يصح أن يعلم ويقدر، وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات، فكيف يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات. والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن هذه الصحة، بل كل شيء كان كاملاً في جنسه، فإنه يسمى حياً، ألا ترى أن عمارة الأرض الخربة تسمى: إحياء الموات، وقال تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : [الروم: 50] وقال: {أية : إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ } تفسير : [فاطر: 9] والصفة المسماة في عرف المتكلمين، إنما سميت بالحياة لأن كمال حال الجسم أن يكون موصوفاً بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة وكمال حال الأشجار أن لا تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة وكمال الأرض أن تكون معمورة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة فثبت أن المفهوم الأصلي من لفظ الحي كونه واقعاً على أكمل أحواله وصفاته، وإذا كان كذلك فقد زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل، ولما لم يكن ذلك مقيداً بأنه كامل في هذا دون ذاك دل على أنه كامل على الإطلاق، فقوله الحي يفيد كونه كاملاً على الإطلاق، والكامل هو أن لا يكون قابلاً للعدم، لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقة ولا في صفاته النسبية والإضافية، ثم عند هذا إن خصصنا القيوم بكونه سبباً لتقويم غيره فقد زال الإشكال، لأن كونه سبباً لتقويم غيره يدل على كونه متقوماً بذاته، وكونه قيوماً يدل على كونه مقوماً لغيره، وإن جعلنا القيوم اسماً يدل على كونه يتناول المتقوم بذاته والمقوم لغيره كان لفظ القيوم مفيداً فائدة لفظ الحي مع زيادة، فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم. أما قوله تعالى: {ٱلْقَيُّومُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: القيوم في اللغة مبالغة في القائم، فلما اجتمعت الياء والواو ثم كان السابق ساكناً جعلتا ياء مشددة، ولا يجوز أن يكون على فعول، لأنه لو كان كذا لكان قووما، وفيه ثلاث لغات: قيوم، وقيام وقيم، ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ: الحي القيام ومن الناس من قال هذه اللفظة عبرية لا عربية، لأنهم يقولون: حياً قيوماً، وليس الأمر كذلك، لأنا بينا أن له وجهاً صحيحاً في اللغة، ومثله ما في الدار ديار وديور، ودير، وهو من الدوران، أي ما بها خلق يدور، يعني: يجيء ويذهب، وقال أُمية بن أبي الصلت:شعر : قـدرهـا المهيمـن القيــوم تفسير : المسألة الثانية: اختلفت عبارات المفسرين في هذا الباب، فقال مجاهد: القيوم القائم على كل شيء، وتأويله أنه قائم بتدبير أمر الخلق في إيجادهم، وفي أرزاقهم، ونظيره من الآيات قوله تعالى: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } تفسير : [الرعد: 33] وقال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [آل عمران: 18] إلى قوله {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ } تفسير : [فاطر: 41] وهذا القول يرجع حاصله إلى كونه مقوماً لغيره، وقال الضحاك: القيوم الدائم الوجود الذي يمتنع عليه التغير، وأقول: هذا القول يرجع معناه إلى كونه قائماً بنفسه في ذاته وفي وجوده، وقال بعضهم: القيوم الذي لا ينام بالسريانية، وهذا القول بعيد، لأنه يصير قوله {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }. أما قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {السنة} ما يتقدم من الفتور الذي يسمى النعاس. فإن قيل: إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قال: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، وكان ذكر النوم تكريراً. قلنا: تقدير الآية: لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه النوم. المسألة الثانية: الدليل العقلي دل على أن النوم والسهو والغفلة محالات على الله تعالى، لأن هذه الأشياء، إما أن تكون عبارات عن عدم العلم، أو عن أضداد العلم، وعلى التقديرين فجواز طريانها يقتضي جواز زوال علم الله تعالى، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالماً، ويصح أن لا يكون عالماً، فحينئذ يفتقر حصول صفة العلم له إلى الفاعل، والكلام فيه كما في الأول والتسلسل محال فلا بد وأن ينتهي إلى من يكون علمه صفة واجبة الثبوت ممتنعة الزوال، وإذا كان كذلك كان النوم والغفلة والسهو عليه محالا. المسألة الثالثة: يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حكي عن موسى عليه السلام أنه وقع في نفسه: هل ينام الله تعالى أم لا، فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة، وأمره بالاحتفاظ بهما، وكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان، فضرب الله تعالى ذلك مثلاً له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السمٰوات والأرض. واعلم أن مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى عليه السلام، فإن من جوز النوم على الله أو كان شاكاً في جوازه كان كافراً، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى، بل إن صحت الرواية،. فالواجب نسبة هذا السؤال إلى جهال قومه. أما قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } فالمراد من هذه الإضافة إضافة الخلق والملك، وتقديره ما ذكرنا من أنه لما كان واجب الوجود واحداً كان ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ممكن فله مؤثر، وكل ما له مؤثر فهو محدث فإذن كل ما سواه فهو محدث بإحداثه مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة إضافة الملك والإيجاد. فإن قيل: لم قال: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } ولم يقل: له من في السمٰوات؟. قلنا: لما كان المراد إضافة ما سواه إليه بالمخلوقية، وكان الغالب عليه ما لا يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ {مَا } وأيضاً فهذه الأشياء إنما أسندت إليه من حيث إنها مخلوقة، وهي من حيث إنها مخلوقة غير عاقلة، فعبّر عنها بلفظ {مَا } للتنبيه على أن المراد من هذه الإضافة إليه الإضافة من هذه الجهة. واعلم أن الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، قالوا: لأن قوله {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } يتناول كل ما في السمٰوات والأرض، وأفعال العباد من جملة ما في السمٰوات والأرض، فوجب أن تكون منتسبة إلى الله تعالى انتساب الملك والخلق، وكما أن اللفظ يدل على هذا المعنى فالعقل يؤكده، وذلك لأن كل ما سواه فهو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يترجح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته، وإلا لزم ترجح الممكن من غير مرجح وهو محال. أما قوله تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله {مَن ذَا ٱلَّذِى } استفهام معناه الإنكار والنفي، أي لا يشفع عنده أحد إلا بأمره وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3] وقولهم {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18] ثم بيّن تعالى أنهم لا يجدون هذا المطلوب. فقال: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } تفسير : [يونس: 18] فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه الله تعالى بقوله {إِلاَّ بِإِذْنِهِ } ونظيره قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } تفسير : [النبأ: 38]. المسألة الثانية: قال القفال: إنه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير المطيعين، إذ كان لا يجوز في حكمته التسوية بين أهل الطاعة وأهل المعصية، وطول في تقريره. وأقول: إن هذا القفال عظيم الرغبة في الاعتزال حسن الاعتقاد في كلماتهم، ومع ذلك فقد كان قليل الإحاطة بأصولهم، وذلك لأن من مذهب البصريين منهم أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في العقول، إلا أن السمع دل على أن ذلك لا يقع، وإذا كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق العصاة خطأ على قولهم، بل على مذهب الكعبي أن العفو عن المعاصي قبيح عقلاً، فإن كان القفال على مذهب الكعبي، فحينئذ يستقيم هذا الاستدلال، إلا أن الجواب عنه يرد ذلك من وجوه الأول: أن العقاب حق الله تعالى وللمستحق أن يسقط حق نفسه، بخلاف الثواب فإنه حق العبد فلا يكون لله تعالى أن يسقطه، وهذا الفرق ذكره البصريون في الجواب عن شبهة الكعبي والثاني: أن قوله: لا يجوز التسوية بين المطيع والعاصي إن أراد به أنه لا يجوز التسوية بينهما في أمر من الأمور فهو جهل، لأنه تعالى قد سوى بينهما في الخلق والحياة والرزق وإطعام الطيبات، والتمكين من المرادات وإن كان المراد أنه لا يجوز التسوية بينهما في كل الأمور فنحن نقول بموجبه، فكيف لا يقول ذلك والمطيع لا يكون له جزع، ولا يكون خائفاً من العقاب، والمذنب يكون في غاية الخوف وربما يدخل النار ويتألم مدة، ثم يخلصه الله تعالى عن ذلك العذاب بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. واعلم أن القَفّال رحمه الله كان حسن الكلام في التفسير دقيق النظر في تأويلات الألفاظ إلا أنه كان عظيم المبالغة في تقرير مذهب المعتزلة مع أنه كان قليل الحظ من علم الكلام قليل النصيب من معرفة كلام المعتزلة. أما قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: الضمير لما في السمٰوات والأرض، لأن فيهم العقلاء، أو لما دل عليه {مَن ذَا } من الملائكة والأنبياء. المسألة الثانية: في الآية وجوه أحدها: قال مجاهد، وعطاء، والسدي {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ما كان قبلهم من أمور الدنيا {وَمَا خَلْفَهُمْ } ما يكون بعدهم من أمر الآخرة والثاني: قال الضحاك والكلبي {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها {وَمَا خَلْفَهُمْ } الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم والثالث: قال عطاء عن ابن عباس {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من السماء إلى الأرض {وَمَا خَلْفَهُمْ} يريد ما في السمـوات الرابع {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } بعد انقضاء آجالهم {وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ما كان من قبل أن يخلقهم والخامس: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك. واعلم أن المقصود من هذا الكلام: أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق العقاب والثواب، لأنه عالم بجميع المعلومات لا تخفى عليه خافية، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله تعالى، ولا يعلمون أن الله تعالى هل أذن لهم في تلك الشفاعة وأنهم يستحقون المقت والزجر على ذلك، وهذا يدل على أنه ليس لأحد من الخلائق أن يقدم على الشفاعة إلا بإذن الله تعالى. المسألة الثالثة: هؤلاء المذكورون في هذه الآية يحتمل أن يكون هم الملائكة، وسائر من يشفع يوم القيامة من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين. أما قوله {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالعلم هٰهنا كما يقال: اللّهم اغفر لنا علمك فينا، أي معلومك وإذا ظهرت آية عظيمة، قيل: هذه قدرة الله، أي مقدوره والمعنى: أن أحداً لا يحيط بمعلومات الله تعالى. المسألة الثانية: احتج بعض الأصحاب بهذه الآية في إثبات صفة العلم لله تعالى وهو ضعيف لوجوه أحدها: أن كلمة {مِّنْ } للتبعيض، وهي داخلة هٰهنا على العلم. فلو كان المراد من العلم نفس الصفة لزم دخول التبعيض في صفة الله تعالى وهو محال والثاني: أن قوله {بِمَا شَاء } لا يأتي في العلم إنما يأتي في المعلوم والثالث: أن الكلام إنما وقع هٰهنا في المعلومات، والمراد أنه تعالى عالم بكل المعلومات، والخلق لا يعلمون كل المعلومات، بل لا يعلمون منها إلا القليل. المسألة الثالثة: قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئاً، أو بلغ علمه أقصاه قد أحاط به، وذلك لأنه علم بأول الشيء وآخره بتمامه صار العلم كالمحيط به. أما قوله {إِلاَّ بِمَا شَاء } ففيه قولان أحدها: أنهم لا يعلمون شيئاً من معلوماته إلا ما شاء هو أن يعلمهم كما حكي عنهم أنهم قالوا {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } والثاني: أنهم لا يعلمون الغيب إلا عند إطلاع الله بعض أنبيائه على بعض الغيب، كما قال: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ }. أما قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فاعلم أنه يقال: وسع فلانا الشيء يسعه سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به، ولا يسعك هذا، أي لا تطبقه ولا تحتمله ومنه قوله عليه السلام: «حديث : لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أتباعي» تفسير : أي لا يحتمل غير ذلك وأما الكرسي فأصله في اللغة من تركب الشيء بعضه على بعض، والكِرسُ أبوال الدواب وأبعارها يتلبد بعضها فوق بعض، وأكرست الدار إذا كثرت فيها الأبعار والأبوال وتلبد بعضها على بعض، وتكارس الشيء إذا تركب، ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض والكرسي هو هذا الشيء المعروف لتركب خشباته بعضها فوق بعض. واختلف المفسرون على أربعة أقوال الأول: أنه جسم عظيم يسع السمٰوات والأرض، ثم اختلفوا فيه فقال الحسن الكرسي هو نفس العرش، لأن السرير قد يوصف بأنه عرش، وبأنه كرسي، لكون كل واحد منهما بحيث يصح التمكن عليه، وقال بعضهم: بل الكرسي غير العرش، ثم اختلفوا فمنهم من قال: إنه دون العرش وفوق السماء السابعة، وقال آخرون إنه تحت الأرض وهو منقول عن السدي. واعلم أن لفظ الكرسي ورد في الآية وجاء في الأخبار الصحيحة أنه جسم عظيم تحت العرش وفوق السماء السابعة ولا امتناع في القول به فوجب القول باتباعه، وأما ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: موضع القدمين، ومن البعيد أن يقول ابن عباس: هو موضع قدمي الله تعالى وتقدس عن الجوارح والأعضاء، وقد ذكرنا الدلائل الكثيرة على نفي الجسمية في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فوجب رد هذه الرواية أو حملها على أن المراد أن الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله تعالى. القول الثاني: أن المراد من الكرسي السلطان والقدرة والملك، ثم تارة يقال: الإلٰهية لا تحصل إلا بالقدرة والخلق والإيجاد، والعرب يسمون أصل كل شيء الكرسي وتارة يسمى الملك بالكرسي، لأن الملك يجلس على الكرسي، فيسمى الملك باسم مكان الملك. القول الثالث: أن الكرسي هو العلم، لأن العلم موضع العالم، وهو الكرسي فسميت صفة الشيء باسم مكان ذلك الشيء على سبيل المجاز لأن العلم هو الأمر المعتمد عليه، والكرسي هو الشيء الذي يعتمد عليه، ومنه يقال للعلماء: كراسي، لأنهم الذين يعتمد عليهم كما يقال لهم: أوتاد الأرض. والقول الرابع: ما اختاره القفال، وهو أن المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه، وتقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم من ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه ثم جعله موضعاً للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم، وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيّين والشهداء ووضع الموازين، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً، فقال {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } تفسير : [طه: 5] ثم وصف عرشه فقال {أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء } تفسير : [هود: 7] ثم قال: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِهِ رَّبِّهِمْ } تفسير : [الزمر: 75] وقال: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 17] وقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ } تفسير : [غافر: 7] ثم أثبت لنفسه كرسياً فقال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }. إذا عرفت هذا فنقول: كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش والكرسي، فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر، ولما توافقنا هٰهنا على أن المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بأنه منزّه عن الكعبة، فكذا الكلام في العرش والكرسي، وهذا جواب مبين إلا أن المعتمد هو الأول، لأن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا } فاعلم أنه يقال: آده يؤده: إذا أثقله وأجهده، وأدت العود أوداً، وذلك إذا اعتمدت عليه بالثقل حتى أملته، والمعنى: لا يثقله ولا يشق عليه حفظهما أي حفظ السمٰوات والأرض. ثم قال: {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ } واعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد منه العلو بالجهة، وقد دللنا على ذلك بوجوه كثيرة، ونزيد هٰهنا وجهين آخرين الأول: أنه لو كان علوه بسبب المكان، لكان لا يخلو إما أن يكون متناهياً في جهة فوق، أو غير متناه في تلك الجهة، والأول باطل لأنه إذا كان متناهياً في جهة فوق، كان الجزء المفروض فوقه أعلى منه، فلا يكون هو أعلى من كل ما عداه، بل يكون غيره أعلى منه، وإن كان غير متناه فهذا محال، لأن القول بإثبات بعد لا نهاية له باطل بالبراهين اليقينية، وأيضاً فإنا إذا قدرنا بعداً لا نهاية له، لافترض في ذلك البعد نقط غير متناهية، فلا يخلو إما أن يحصل في تلك النقط نقطة واحدة لا يفترض فوقها نقطة أخرى، وإما أن لا يحصل، فإن كان الأول كانت النقطة طرفاً لذلك البعد، فيكون ذلك البعد متناهياً، وقد فرضناه غير متناه. هذا خلف، وإن لم يوجد فيها نقطة إلا وفوقها نقطة أخرى كان كل واحدة من تلك النقط المفترضة في ذلك البعد سفلاً، ولا يكون فيها ما يكون فوقاً على الاطلاق، فحينئذ لا يكون لشيء من النفقات المفترضة في ذلك البعد علو مطلق ألبتة وذلك ينفي صفة العلوية. الحجة الثانية: أن العالم كرة، ومتى كان الأمر كذلك فكل جانب يفرض علواً بالنسبة إلى أحد وجهي الأرض يكون سفلاً بالنسبة إلى الوجه الثاني، فينقلب غاية العلو غاية السفل. الحجة الثالثة: أن كل وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته، وللآخر بتبعية الأول كان ذلك الحكم في الذاتي أتم وأكمل، وفي العرضي أقل وأضعف، فلو كان علو الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلو لله تعالى صفة ذاتية، ولكان حصول هذا العلو لله تعالى حصولاً بتبعية حصوله في المكان، فكان علو المكان أتم وأكمل من علو ذات الله تعالى، فيكون علو الله ناقصاً وعلو غيره كاملاً وذلك محال، فهذه الوجوه قاطعة في أن علو الله تعالى يمتنع أن يكون بالجهة، وما أحسن ما قال أبو مسلم بن بحر الأصفهاني في تفسير قوله {أية : قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ قُل لِلَّهِ } تفسير : [الأنعام: 12] قال: وهذا يدل على أن المكان والمكانيات بأسرها ملك الله تعالى وملكوته، ثم قال: {أية : وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [الأنعام: 13] وهذا يدل على أن الزمان والزمانيات بأسرها ملك الله تعالى وملكوته، فتعالى وتقدس عن أن يكون علوه بسبب المكان وأما عظمته فهي أيضاً بالمهابة والقهر والكبرياء، ويمتنع أن تكون بسبب المقدار والحجم، لأنه إن كان غير متناه في كل الجهات أو في بعض الجهات فهو محال لما ثبت بالبراهين القاطعة عدم إثبات أبعاد غير متناهية، وإن كان متناهياً من كل الجهات كانت الأحياز المحيطة بذلك المتناهي أعظم منه، فلا يكون مثل هذا الشيء عظيماً على الاطلاق، فالحق أنه سبحانه وتعالى أعلى وأعظم من أن يكون من جنس الجواهر والأجسام - تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
القرطبي
تفسير : . قوله تعالى: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} هذه آية الكرسيّ سيدة آي القرآن وأعظم آية، كما تقدّم بيانه في الفاتحة، ونزلت ليلاً ودعا النبيّ صلى الله عليه وسلم زيداً فكتبها. روى عن محمد بن الحنفية أنه قال: لما نزلت آية الكرسي خرّ كل صنم في الدنيا، وكذلك خرّ كل ملِك في الدنيا وسقطت التيجان عن رؤوسهم، وهربت الشياطين يضرب بعضهم على بعض إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك، فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت. وروى الأئمة حديث : عن أُبيّ بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم»؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المنذر أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم»؟ قال قلت: «اللَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» فضرب في صدري وقال: «لِيهنِك العلم يا أبا المنذر»تفسير : . زاد الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله: «حديث : فوالذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدّس المَلِك عند ساق العرش»تفسير : . قال أبو عبد الله: فهذه آية أنزلها الله جل ذكره، وجعل ثوابها لقارئها عاجلاً وآجلاً، فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات، ورُوي لنا عن نَوْف البِكاليّ أنه قال: آية الكرسي تدعى في التوراة وَليّة الله. يريد يدعى قارئها في ملكوت السموات والأرض عزيزاً، قال: فكان عبد الرحمن بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع، معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارساً من جوانبه الأربع، وأن تنفي عنه الشيطان من زوايا بيته. ورُوي عن عمر أنه صارع جنِّياً فصرعه عمر رضي الله عنه، فقال له الجني: خلِّ عني حتى أُعلمك ما تمتنعون به منا، فخلى عنه وسأله فقال: إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي. قلت: هذا صحيح، وفي الخبر: من قرأ آية الكرسي دُبُر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد. وعن عليّ رضي الله عنه قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على أعواد المنبر: «حديث : من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله»تفسير : . وفي البخاريّ حديث : عن أبي هريرة قال: وكلّني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة وفيها: فقلت يا رسول الله، زعم أنه يعلِّمني كلمات ينفعني الله بها فخلّيْت سبيله، قال: «ما هي»؟ قلت قال لي: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أوّلها حتى تختم {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أمَا إنه قد صَدَقك وهو كَذُوب تعلم مَن تخاطب منذُ ثلاثِ ليالٍ يا أبا هُرَيرة»؟ قال: لا؛ قال: «ذاك شيطان»تفسير : . وفي مسند الدّارِمِيّ أبي محمد قال الشعبيّ قال عبد الله بن مسعود: لقِي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلاً من الجنّ فصارعه فصرعه الإنسيّ، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلاً شَخِيتاً كأن ذُرَيْعتيْك ذُرَيْعتا كلب فكذلك أنتم معشر الجن، أم أنت من بينهم كذلك؟ قال: لا واللهٰ إني منهم لضَليع ولكن عاوِدْني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئاً ينفعك، قال نعم، فصرعه، قال: تقرأ آية الكرسيّ: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}؟ قال: نعم؛ قال: فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خَبَج كَخَبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح. أخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفيّ عن الشعبيّ. وذكره أبو عبيدة في غريب حديث عمر حدّثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفيّ عن الشعبيّ عن عبد الله قال: فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ فقال: ما عسى أن يكون إلا عمر! قال أبو محمد الدِراميّ: الضّئيل: الدقيق، والشّخِيت: المهزول، والضّلِيع: جيد الأضلاع، والخَبَج: الريح. وقال أبو عبيدة: الخَبج: الضراط، وهو الحبَج أيضاً بالحاء. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ حم ـ المؤمن ـ إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح»تفسير : قال: حديث غريب. وقال أبو عبد الله الترمذيّ الحكيم: وروى أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة. عن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أوحى الله إلى موسى عليه السلام مَن داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته فوق ما أعطي الشاكرين وأجر النبيّين وأعمال الصدّيقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت»تفسير : قال موسى عليه السلام: يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه؟ قال: «إني لا أُعطيه من عبادي إلا لنبيّ أو صدّيق أو رجل أحبه أو رجل أُريد قتله في سبيلي». وعن أُبيّ بن كعب قال قال الله تعالى: «يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء» قال أبو عبد الله: معناه عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء، فأما ثواب النبوّة فليس لأحد إلا للأنبياء. وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العُلا، وهي خمسون كلمة، وفي كل كلمة خمسون بركة، وهي تعدل ثلث القرآن، ورَدَ بذلك الحديث، ذكره ابن عطِية. و «اللَّهُ» مبتدأ، و «لاَ إلۤهَ» مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود. و «إلاَّ هُوَ» بدل من موضع لا إلۤه. وقيل: «اللَّهُ لاَ إلۤهَ إلاَّ هُوَ» ابتداء وخبر، وهو مرفوع محمول على المعنى، أي ما إلۤه إلا هو، ويجوز في غير القرآن لا إلۤه إلا إياه، نصب على الاستثناء.حديث : قال أبو ذرّ في حديثه الطويل: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم؟ فقال: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}تفسير : . وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي. قال بعض العلماء: لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثمان عشرة مرّة. {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} نعت لله عز وجل، وإن شئت كان بدلاً من «هو»، وإن شئت كان خبراً بعد خبر، وإن شئت على إضمار مبتدأ. ويجوز في غير القرآن النصب على المدح. و «الحيّ» اسم من أسمائه الحسنى يسمى به، ويقال: إنه اسم الله تعالى الأعظم. ويقال: إن عيسى ٱبن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيي الموتي يدعو بهذا الدعاء: يا حيّ يا قيوم. ويقال: إن آصف بن بَرْخِيَا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله يا حيّ يا قيوم. ويقال: إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم: أياهيا شراهيا، يعني يا حيّ يا قيوم. ويقال: هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به. قال الطبريّ عن قوم: إنه يقال حيّ قيوم كما وصف نفسه، ويُسلّم ذلك دون أن يُنْظْر فيه. وقيل: سمى نفسه حياً لصرفه الأُمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها. وقال قتادة: الحيّ الذي لا يموت. وقال السدي: المراد بالحيّ الباقي. قال لبيد:شعر : فإمّا تَرِيني اليومَ أصبحتُ سالماً فلستُ بأحْيَا من كِلابٍ وجَعْفَرِ تفسير : وقد قيل: إن هذا الإسم هو اسم الله الأعظم. {ٱلْقَيُّومُ} مِن قام؛ أي القائم بتدبير ما خلق؛ عن قتادة. وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها. وقال ٱبن عباس: معناه الذي لا يحول ولا يزول؛ قال أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت:شعر : لم تُخلَقِ السماءُ والنجومُ والشمس مَعْها قَمرٌ يقومُ قدّره مُهَيْمِن قَيّومُ والحشْرُ والجنَّة والنّعيمُ إلاّ لأمْـرٍ شأنُـه عظيـمُ تفسير : قال البيهقي: ورأيت في «عيون التفسير» لإسماعيل الضرير في تفسير القَيُّوم قال: ويقال هو الذي لا ينام؛ وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية الكرسي: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}. وقال الكلبيّ: القيوم الذي لا بدىء له؛ ذكره أبو بكر الأنباريّ. وأصل قيوم قَيْوُوم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأُولى في الثانية بعد قلب الواو ياء؛ ولا يكون قيوم فعولاً؛ لأنه من الواو فكان يكون قووماً. وقرأ ابن مسعود وعلقمة والأعمش والنخعي «الحي القيام» بالألف، وروي ذلك عن عمر. ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة. والقيام منقول عن القوّام إلى القيام، صرف عن الفعال إلى الفيعال، كما قيل للصوّاغ الصياغ؛ قال الشاعر:شعر : إن ذا العرش لَلَّذي يرزقُ النا س وحَيٌّ عَلَيْهِمُ قَيُّومُ تفسير : ثم نفى عز وجل أن تأخذه سِنة ولا نوم. والسنة: النعاس في قول الجميع. والنعاس ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوماً؛ قال عديّ بن الرقاع يصف ٱمرأة بفتور النظر:شعر : وسْنَانُ أقْصَدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ في عيْنه سِنَةٌ وليس بنائم تفسير : وفرّق المفضل بينهما فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. وقال ابن زيد: الوَسْنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى ربما جرّد السيف على أهله. قال ابن عطية: وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر، وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب. وقال السدي: السِّنَة: ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان. قلت: وبالجملة فهو فُتُور يعْتَري الإنسان ولا يفقِد معه عقله. والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال. والأصل في سِنَة وَسْنَة حذفت الواو كما حذفت من يَسِن. والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذّهْن في حق البشر. والواو للعطف و «لا» توكيد. قلت: والناس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال: «حديث : وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه فأرسل الله إليه مَلَكاً فأرَّقه ثلاثاً ثم أعطاه قارورتين في كل يَدٍ قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فينحِّي أحديهما عن الأُخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان ـ قال ـ ضرب الله له مثلاً أن لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض»تفسير : ولا يصح هذا الحديث، ضعّفه غير واحد منهم البيهقي. قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي بالمِلك فهو مالك الجميع وربه. وجاءت العبارة بـ «ما» وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود. قال الطبريّ: نزلت هذه الآية لما قال الكفار: ما نعبد أوثاناً إلا ليقرّ بونا إلى الله زُلْفَى. قوله تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} «مَنْ» رفع بالابتداء و «ذا» خبره؛ و «الذي» نعت لـ «ذا»، وإن شئت بدل، ولا يجوز أن تكون «ذا» زائدة كما زيدت مع «ما» لأن «ما» مُبْهَمَة فزيدت «ذا» معها لشبهها بها. وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ٱرتضى؛ كما قال: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28] قال ابن عطية: والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعمال صالحة. وفي البخاريّ في «بابٌ بقيّةٌ من أبواب الرؤية»: إن المؤمنين يقولون: ربنا إن إخواننا كانوا يُصلّون معنا ويصومون معنا. وهذه شفاعة فيمن يقرب أمره، وكما يشفع الطفل المُحْبَنْطِىء على باب الجنة. وهذا إنما هو في قراباتهم ومعارفهم. وإن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أُممهم بذنوبٍ دون قُربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان، ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين (في الخطايا و) الذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء. وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل الحساب فخاصّة له. قلت: قد بيّن مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بياناً شافياً، وكأنه رحمه الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويُخرجون منها أناساً استوجبوا العذاب؛ فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان: شفاعة فيمن لم يصل إلى النار، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها؛ أجارنا الله منها. فذكر من حديث : حديث أبي سعيد الخدريّ: «ثم يُضرب الجسرُ على جهنم وتحِلّ الشفاعة ويقولون اللهم سلِّم سلِّم ـ قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دَحْضٌ مَزِلّةٌ فيها خَطاطيف وكلاليب وحَسَكَةٌ تكون بنَجْد فيها شُوَيْكة يقال لها السّعْدان فيمرّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والرِّكاب فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ومَخْدُوشٌ مُرْسَل ومَكْدُوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشدّ مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويُحجّون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم، فتُحرَّم صورُهم على النار فيُخرجون خلقاً كثيراً قد أخذتِ النار إلى نصف ساقيْه وإلى ركبتيْه ثم يقولون ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول عز وجل ٱرجِعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقال دينار من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمر تنابه، ثم يقول ٱرجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقال نصفِ دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا به، ثم يقول ٱرجِعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيراً» تفسير : ـ وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] ـ «حديث : فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيُخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قَطّ قد عادوا حُمما» تفسير : وذكر الحديث. وذكر من حديث : حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فأقول يا رب ٱئذن لي فيمن قال لا إلۤه إلا الله قال ليس ذلك لك ـ أو قال ليس ذلك إليك ـ وعِزتي وكبريائي وعظمتي (وجبريائي) لأخرجنّ من قال لا إلۤه إلا الله»تفسير : . وذكر من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إلۤه إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود»تفسير : الحديث بطوله. قلت: فدلّت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخل النار وحصل فيها، أجارنا الله منها! وقول ابن عطية: «ممن لم يصل أو وصل» يحتمل أن يكون أخذه من أحاديث أُخَر، والله أعلم. وقد خرّج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُصفّ الناسُ يوم القيامة صُفُوفاً ـ وقال ابن نمير أهل الجنة ـ فيمرّ الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيتَ فسقيتُك شَربة؟ قال فيشفع له ويمرّ الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهوراً؟ فيشفع له ـ قال ابن نمير ـ ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له».تفسير : وأما شفاعات نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها؛ فقيل ثلاث، وقيل اثنتان، وقيل: خمس، يأتي بيانها في «سبحان» إن شاء الله تعالى. وقد أتينا عليها في كتاب «التذكرة» والحمد لله. قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الضميران عائدان على كل من يعقل ممن تضمّنه قوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}. وقال مجاهد: «مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» الدنيا «وَمَا خَلْفَهُمْ» الآخرة. قال ابن عطية: وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به؛ لأن ما بين اليد هو كل ما تقدّم الإنسان، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده؛ وبنحو قول مجاهد قال السدي وغيره. قوله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} العلم هنا بمعنى المعلوم، أي ولا يحيطون بشيء من معلوماته؛ وهذا كقول الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر. فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات؛ لأن علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبّعض. ومعنى الآية لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه. قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} ذكر ابن عساكر في تاريخه عن عليّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسيّ حيث لا يعلمه إلا الله»تفسير : . وروى حمّاد بن سلمة عن عاصم بن بَهْدَلَة ـ وهو عاصم بن أبي النجود ـ عن زِرّ بن حُبَيش عن ابن مسعود قال: بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه. يقال: كُرسيّ وكرسِيّ والجمع الكراسيّ. وقال ابن عباس: كرسيه علمه. ورجحه الطبري، قال: ومنه الكُرّاسة التي تضم العلم؛ ومنه قيل للعلماء: الكراسيّ؛ لأنهم المعتمد عليهم؛ كما يقال: أَوْتَادُ الأرض. قال الشاعر:شعر : يَحُفّ بهم بِيضُ الوُجوه وعُصْبَةٌ كَراسيّ بالأحْداث حين تَنُوبُ تفسير : أي علماء بحوادث الأُمور. وقيل: كُرسيّه قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما تقول: اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي ما يعمده. وهذا قريب من قول ابن عباس في قوله «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ» قال البيهقيّ: وروينا عن ٱبن مسعود وسعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله «وسع كرسيه» قال: علمه. وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور مع العرش. وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك في قوله «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ» قال: إن الصّخْرة التي عليها الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها، عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر؛ فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسموات، ورؤوسهم تحت الكرسيّ والكرسيّ تحت العرش والله واضع كرسيه فوق العرش. قال البيهقيّ: في هذا إشارة إلى كرسيين: أحدهما تحت العرش، والآخر موضوع على العرش. وفي رواية أسباط عن السديّ عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ٱبن عباس، وعن مرّة الهمدانيّ عن ٱبن عباس، وعن مُرّة الهَمَدَانيّ عن ٱبن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ» فإن السَّمَوَاتِ والأَرْضَ في جوف الكرسيّ والكرسيّ بين يدي العرش. وأرباب الإلحاد يحملونها على عِظم المُلْك وجلالة السلطان، وينكرون وجود العرش والكرسيّ وليس بشيء. وأهل الحق يجيزونهما؛ إذ في قدرة الله متّسع فيجب الإيمان بذلك. قال أبو موسى الأشعري: الكرسيّ موضع القدمين وله أطِيطٌ كأطِيط الرَّحْل. قال البيهقيّ: قد روينا أيضاً في هذا عن ابن عباس وذكرنا أن معناه فيما يُرى أنه موضوع من العرش موضع القدمين من السرير، وليس فيه إثبات المكان لله تعالى. وعن ٱبن بُريدة عن أبيه قال: حديث : لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أعجب شيء رأيتَه»؟ قال: رأيت ٱمرأة على رأسها مِكْتَلُ طعامٍ فمرّ فارس فأذْرَاه فقعدت تجمع طعامها، ثم التفتت إليه فقالت له: ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقولها: «لا قُدِّست أُمّةٌ ـ أو كيف تقدس أُمة ـ لا يأخذ ضعيفُها حقَّه من شديدها»تفسير : . قال ابن عطية: في قول أبي موسى «الكرسي موضع القدمين» يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسِرة الملوك، فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه كنسبة الكرسيّ إلى سرير الملك. وقال الحسن ٱبن أبي الحسن: الكرسيّ هو العرش نفسه؛ وهذا ليس بمرضيّ، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسيّ مخلوق بين يديّ العرش والعرش أعظم منه. وروى أبو إدريس الخولانيّ حديث : عن أبي ذرّ قال: قلت يا رسول الله، أيّ ما أنزل عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسيُّ ـ ثم قال ـ يا أبا ذرّ ما السموات السبع مع الكرسيّ إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على الحلقة»تفسير : . أخرجه الآجُرِّي وأبو حاتم البستيّ في صحيح مسنده والبيهقيّ وذكر أنه صحيح. وقال مجاهد: ما السموات والأرض في الكرسيّ إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة. وهذه الآية منبِئة عن عِظم مخلوقات الله تعالى، ويستفاد من ذلك عِظم قدرة الله عز وجل إذْ لا يَؤُدُه حفظ هذا الأمر العظيم. و {يَؤُودُهُ} معناه يُثْقِله؛ يقال: آدَني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم. قال الزجاج: فجائز أن تكون الْهَاءُ لله عز وجل، وجائز أن تكون للكرسيّ؛ وإذا كانت للكرسيّ؛ فهو من أمر الله تعالى. و {ٱلْعَلِيُّ} يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان؛ لأن الله منزَّه عن التحيُّز. وحكى الطبريّ عن قوم أنهم قالوا: هو العلِيّ عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. قال ٱبن عطية: وهذا قول جهلةٍ مجسِّمين، وكان الوجه ألا يُحكى. وعن عبد الرحمن بن قُرْط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به سمع تسبيحاً في السموات العلى: سبحانه الله العلِيّ الأعلى سبحانه وتعالى. والعلِي والعالي: القاهر الغالب للأشياء؛ تقول العرب: علا فلان فلاناً أي غلبه وقهره؛ قال الشاعر:شعر : فَلَمّا عَلَوْنا واسْتَوَيْنا عليهم تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرٍ وكاسرٍ تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص: 4]. و {ٱلْعَظِيمُ} صفة بمعنى عظيم القدر والخطر والشّرف، لا على معنى عِظَم الأجرام. وحكى الطبريّ عن قوم أن العظيم معناه المعظَّم، كما يقال: العتيق بمعنى المعتق، وأنشد بيت الأعشى:شعر : فكأنّ الخمرَ العَتِيقَ من الإِسـ ـفِنِّط مَمْزُوجَةً بماءٍ زُلالِ تفسير : وحكى عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا: لو كان بمعنى مُعَظَّم لوجب ألاّ يكون عظيماً قبل أن يخلق الخلق وبعد فَنائهم؛ إذْ لا معظِّم له حينئذ.
البيضاوي
تفسير : {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غيره. وللنحاة خلاف في أنه هل يضمر للأخير مثل في الوجود أو يصح أن يوجد. {ٱلْحَيّ} الذي يصح أن يعلم ويقدر وكل ما يصح له فهو واجب لا يزول لامتناعه عن القوة والإِمكان. {ٱلْقَيُّومُ } الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيعول من قام بالأمر إذا حفظه، وقرىء «القيام» و «القيم». {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } السنة فتور يتقدم النوم قال ابن الرقاع:شعر : وَسَنانٌ أَقْصَدَهُ النَّعَاسُ فَرَنَّقَت في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيسَ بِنَائِمٍ تفسير : والنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً، وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود، والجملة نفي للتشبيه وتأكيد لكونه حياً قيوماً، فإن من أخذه نعاس أو نوم كان موؤف الحياة قاصراً في الحفظ والتدبير، ولذلك ترك العاطف فيه وفي الجمل التي بعده. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تقرير لقيوميتَّه واحتجاج به على تفرده في الألوهية، والمراد بما فيهما داخلاً في حقيقتهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما فهو أبلغ من قوله: {لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا فِيهِنَّ }، {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} بيان لكبرياء شأنه سبحانه وتعالى، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلاً عن أن يعاوقه عناداً أو مناصبة أي مخاصمة. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ما قبلهم وما بعدهم، أو بالعكس لأنك مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي، أو أمور الدنيا وأمور الآخرة، أو عكسه، أو ما يحسونه وما يعقلونه، أو ما يدركونه وما لا يدركونه، والضمير لما في السموات والأرض، لأن فيهما العقلاء، أو لما دل عليه من ذا من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } من معلوماته. {إِلاَّ بِمَا شَاء } أن يعلموه، وعطفه على ما قبله لأن مجموعهما يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته سبحانه وتعالى. {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تصوير لعظمته وتمثيل مجرد كقوله تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }تفسير : [الأنعام: 91] {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ }تفسير : [الزمر: 67] ولا كرسي في الحقيقة، ولا قاعد. وقيل كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه، مأخوذ من كرسي العالم والملك. وقيل جسم بين يدي العرش ولذلك سمي كرسياً محيط بالسموات السبع، لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : ما السموات السبع والأرضون السبع من الكرسي، إلا كحلقة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» تفسير : ولعله الفلك المشهور بفلك البروج، وهو في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، وكأنه منسوب إلى الكرسي وهو الملبد. {وَلاَ يَؤُودُهُ} أي ولا يثقله، مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج. {حِفْظُهُمَا} أي حفظه السموات والأرض، فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول. {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ } المتعالي عن الأنداد والأشباه. {ٱلْعَظِيمُ} المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه. وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإِلهية، فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية، متصف بالحياة، واجب الوجود لذاته موجد لغيره، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره، منزه عن التحيز والحلول، مبرأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، ومبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له عالم الأشياء كلها، جليها وخفيها، كليِهَا وجزئيها، واسع الملك والقدرة، كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يؤده شاق، ولا يشغله شأن، متعال عما يدركه، وهو عظيم لا يحيط به فهم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «حديث : إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي، من قرأها بعث الله ملكاً يكتب من حسناته، ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة»تفسير : وقال «حديث : من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله»
ابن كثير
تفسير : هذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل آية في كتاب الله. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح، عن أبي، هو ابن كعب، أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: «حديث : أي آية في كتاب الله أعظم؟»تفسير : قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مراراً، ثم قال: آية الكرسي، قال: «حديث : ليهنك العلم أبا المنذر والذي نفسي بيده إن لها لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش» تفسير : وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن الجريري به، وليس عنده زيادة: والذي نفسي بيده إلخ. (حديث آخر) عن أبي أيضاً في فضل آية الكرسي، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا مبشر عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن أبي بن كعب، أن أباه أخبره أنه كان له جرن فيه تمر، قال: فكان أبي يتعاهده، فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، قال: فقلت: ما أنت؟ جني أم أنسي؟ قال: جني. قال: قلت ناولني يدك، قال: فناولني يده، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن. قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني. قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي، ثم غدا إلى النبي فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : صدق الخبيث»تفسير : وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي، عن حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن محمد بن عمرو بن أبي بن كعب، عن جده به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. (طريق آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عثمان بن غياث، قال: سمعت أبا السليل، قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الناس حتى يكثروا عليه، فيصعد على سطح بيت، فيحدث الناس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أي آية في القرآن أعظم؟»تفسير : فقال رجل: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، أو قال: فوضع يده بين ثديي، فوجدت بردها بين كتفي، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر. (حديث آخر) عن الأسقع البكري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو زيد القراطيسي، حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء أن مولى ابن الأسقع رجل صدق، أخبره عن الأسقع البكري، أنه سمعه يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} حتى انقضت الآية. (حديث آخر) عن أنس قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث، حدثني سلمة بن وردان، أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلاً من صحابته، فقال: «حديث : أي فلان هل تزوجت؟»تفسير : قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: «حديث : أوليس معك قل هو الله أحد؟»تفسير : قال: بلى، قال: «حديث : ربع القرآن»تفسير : . قال: «حديث : أليس معك قل يا أيها الكافرون؟»تفسير : قال: بلى. قال: «حديث : ربع القرآن»تفسير : .قال: «حديث : أليس معك إذا زلزلت؟»تفسير : قال: بلى. قال: «حديث : ربع القرآن»تفسير : قال: «حديث : أليس معك إذا جاء نصر الله»تفسير : ؟ قال: بلى. قال: «حديث : ربع القرآن»تفسير : . قال: «حديث : أليس معك آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم»تفسير : ؟ قال: بلى. قال: «حديث : ربع القرآن».تفسير : (حديث آخر) عن أبي ذر جندب بن جنادة. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فجلست، فقال: «حديث : يا أبا ذر هل صليت؟»تفسير : قلت: لا. قال: «حديث : قم فصل»تفسير : . قال: فقمت فصليت، ثم جلست، فقال: «حديث : يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن»تفسير : . قال: قلت: يا رسول الله أوَ للإنس شياطين؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : ، قال: قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: «حديث : خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر»تفسير : قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: «حديث : فرض مجزي وعند الله مزيد» تفسير : قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: «حديث : أضعاف مضاعفة»تفسير : . قلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: «حديث : جهد من مقل، أوسر إلى فقير»تفسير : قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: «حديث : آدم»تفسير : قلت: يا رسول الله ونبي كان؟ قال: «حديث : نعم نبي مكلم»تفسير : قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: «حديث : ثلاثمائة وبضعة عشر جماً غفيراً»تفسير : ، وقال مرة: «حديث : وخمسة عشر»تفسير : قلت: يا رسول الله أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: «حديث : آية الكرسي {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ}»تفسير : ورواه النسائي. (حديث آخر) عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أنه كان في سهوة له، وكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : فإذا رأيتها فقل: باسم الله، أجيبي رسول الله»تفسير : . قال: فجاءت، فقال لها، فأخذها، فقالت: إني لا أعود، إني لا أعود، فأرسلها؛ فجاء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما فعل أسيرك»تفسير : ؟ قال: أخذتها، فقالت لي: إني لا أعود، إني لا أعود، فأرسلتها، فقال: حديث : إنها عائدةتفسير : ، فأخذتها مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك تقول: لا أعود، وأجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول"حديث : ما فعل أسيرك؟" تفسير : فأقول أخذتها فتقول لا أعود فيقول: «حديث : إنها عائدة»تفسير : ، فأخذتها، فقالت: أرسلني، وأعلمك شيئاً تقوله فلا يقربك شيء، آية الكرسي، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «حديث : صدقت وهي كذوب»تفسير : . ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار عن أبي أحمد الزبيري به، وقال: حسن غريب. والغول في لغة العرب: الجان إذا تبدى في الليل. وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة، فقال في كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الوكالة، وفي صفة إبليس من صحيحه: قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعني؛ فإني محتاج، وعليّ عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته وخليت سبيله، قال: «حديث : أما إنه قد كذبك وسيعود»تفسير : فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه سيعود»تفسير : فرصدته، فجاء يحثو الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فأنا محتاج وعليَّ عيال، لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟»تفسير : قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالاً، فرحمته فخليتُ سبيله. قال: «حديث : أما إنه قد كذبك وسيعود»تفسير : ، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود، فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} حتى تختم الآية، فإنك لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما فعل أسيرك البارحة؟»تفسير : قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعي الله بها، فخليت سبيله، قال «حديث : وما هي؟»تفسير : قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟»تفسير : قلت: لا. قال: «حديث : ذاك شيطان»تفسير : . كذا رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم، وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان بن الهيثم، فذكره. وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي، أنبأنا أبو المتوكل الناجي: أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة، وكان فيه تمر، فذهب يوماً ففتح الباب، فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف، ودخل يوماً آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف، ثم دخل يوماً آخر ثالثاً، فإذا قد أخذ منه مثل ذلك، فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تحب أن تأخذ صاحبك هذا؟»تفسير : قال: نعم. قال: «حديث : فإذا فتحت الباب فقل: سبحان من سخرك لمحمد»تفسير : . فذهب ففتح الباب، فقال: سبحان من سخرك لمحمد، فإذا هو قائم بين يديه، قال: يا عدو الله، أنت صاحب هذا. قال: نعم، دعني فإني لا أعود، ما كنت آخذاً إلا لأهل بيت من الجن فقراء، فخلى عنه، ثم عاد الثانية، ثم الثالثة، فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تفعل، فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها، لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير، ذكر ولا أنثى، قال له: لتفعلن؟ قال: نعم. قال: ما هن؟ قال: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} قرأ آية الكرسي حتى ختمها، فتركه، فذهب فلم يعد، فذكر ذلك أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أماعلمت أن ذلك كذلك»تفسير : ؟ وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله، عن شعيب بن حرب، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة به، وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضاً، فهذه ثلاث وقائع. (قصة أخرى) قال أبو عبيد في كتاب الغريب: حدثنا أبو معاوية، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإنس، فلقيه رجل من الجن، فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه، فقال: إني أراك ضئيلاً شخيتاً، كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفهكذا أنتم أيهاالجن كلكم، أم أنت من بينهم؟ فقال: إني بينهم لضليع، فعاودني، فصارعه فصرعه الإنسي فقال: تقرأ آية الكرسي؛ فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان، وله خيخ كخيخ الحمار، فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال: من عسى أن يكون إلا عمر؟ قال أبو عبيد: الشخيت الضئيل، النحيف الجسم، والخيخ بالخاء المعجمة، ويقال بالحاء المهملة: الضراط. (حديث آخر) عن أبي هريرة. قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشاذ، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان حدثني حكيم بن جبير الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي»تفسير : ، وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة، عن حكيم بن جبير، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، كذا قال، وقد رواه الترمذي من حديث زائدة، ولفظه: «حديث : لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي»تفسير : ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه. (قلت): وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين، وغير واحد من الأئمة، وتركه ابن مهدي، وكذبه السعدي. (حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع، أخبرنا عيسى بن محمد المروزي، أخبرنا عمر بن محمد البخاري، أخبرنا عيسى بن غنجار، عن عبد الله بن كيسان، حدثنا يحيى، أخبرنا ابن عقيل، عن يحيى ابن يعمر عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات يوم إلى الناس، وهم سماطات، فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن؟ فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أعظم آية في القرآن {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ}».تفسير : (حديث آخر) في اشتمالها على اسم الله الأعظم. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، أنبأنا عبد الله بن زياد، حدثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} و {أية : الۤمۤ ٱللَّهُ لاَۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ }تفسير : [آل عمران: 1 ـ 2]: «حديث : إن فيهما اسم الله الأعظم»تفسير : وكذا رواه أبو داود عن مسدد. والترمذي عن علي بن خشرم، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح. (حديث آخر) في معنى هذا عن أبي أمامة رضي الله عنه. قال ابن مردويه: أخبرنا عبد الله بن نمير، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، أخبرنا هشام بن عمار، أنبأنا الوليد بن مسلم، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زبْر: أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه، قال: «حديث : اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران وطه»تفسير : وقال هشام، وهو ابن عمار خطيب دمشق: أما البقرة فــــ {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} وفي آل عمران {أية : الۤمۤ ٱللَّهُ لاَۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ }تفسير : [آل عمران: 1 ـ 2] وفي طه: {أية : وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ}تفسير : [طه: 111]. (حديث آخر) عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن، أخبرنا الحسين ابن بشر بطرسوس، أخبرنا محمد بن حمير، أخبرنا محمد بن زياد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت»تفسير : وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة، عن الحسين بن بشر به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، من حديث محمد بن حمير، وهو الحمصي، من رجال البخاري أيضاً، فهو إسناد على شرط البخاري، وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي أنه حديث موضوع، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله، نحو هذا الحديث، ولكن في إسناد كل منهما ضعف. وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري، أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي، أخبرنا زياد بن إبراهيم، أخبرنا أبو حمزة السكري، عن المثنى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة، أجعل له قلب الشاكرين، ولسان الذاكرين، وثواب النبيين، وأعمال الصديقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنت قلبه للإيمان، أو أريد قتله في سبيل الله»تفسير : وهذا حديث منكر جداً. (حديث آخر) في أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل. قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني، أخبرنا ابن أبي فديك عن عبد الرحمن المليكي، عن زرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ: {حـمۤ} المؤمن إلى {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} [غافر: 1 ـ 3] وآية الكرسي، حين يصبح، حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي، حفظ بهما حتى يصبح»تفسير : ثم قال: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة المليكي؛ من قبل حفظه. وقد ورد في فضلها أحاديث أخر، تركناها اختصاراً؛ لعدم صحتها، وضعف أسانيدها؛ كحديث علي في قراءتها عند الحجامة، إنها تقوم مقام حجامتين. وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات، وتلحس للحفظ وعدم النسيان، أوردهما ابن مردويه، وغير ذلك. وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة فقوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبداً، القيم لغيره. وكان عمر يقرأ: القيام، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله:{أية : وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ}تفسير : [الروم: 25] وقوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: {لاَ تَأْخُذُهُ} أي: لا تغلبه سنة، وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: ولا نوم؛ لأنه أقوى من السنة. وفي الصحيح عن أبي موسىٰ، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات، فقال: «حديث : إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»تفسير : وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} أن موسى عليه السلام سأل الملائكة: هل ينام الله عز وجل؟ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة، وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثاً، فلا يتركوه ينام، ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين، فأمسكهما، ثم تركوه، وحذوره أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس، وهما في يده، في كل يد واحدة، قال: فجعل ينعس وينبه، وينعس وينبه، حتى نعس نعسة، فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما، قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله عز وجل، يقول: فكذلك السموات والأرض في يده، وهكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، فذكره، وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل، وأنه منزه عنه، وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل. حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر، قال: «حديث : وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل إليه ملكاً، فأرقه ثلاثاً، ثم أعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما قال: فجعل ينام، وكادت يداه تلتقيان، فيستيقظ، فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان، ـ قال ـ: ضرب الله عز وجل مثلاً، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض»تفسير : وهذا حديث غريب جداً، والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد ابن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله، فناداه ربه عز وجل: يا موسى سألوك هل ينام ربك؟ فخذ زجاجتين في يديك، فقم الليلة، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث، نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل، نعس، فسقطت الزجاجتان، فانكسرتا، فقال: يا موسى لو كنت أنام، لسقطت السموات والأرض فهلكت؛ كما هلكت الزجاجتان في يديك. فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم آية الكرسي. وقوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه، كقوله: {أية : إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً}تفسير : [مريم: 93 ـ 95]. وقوله: {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} كقوله: {أية : وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ لاَ تُغْنِى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} تفسير : [النجم: 26 ـ 27] وكقوله:{أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 28] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة: «حديث : آتي تحت العرش، فأخر ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع ـ قال ـ: فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة».تفسير : وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخباراً عن الملائكة: {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}تفسير : [مريم: 64]. وقوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} تفسير : [طه: 110]. وقوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ}، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} قال: علمه، وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم، كلاهما عن مطرف بن طريف به، قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله، ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين، ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين. وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عمار الذهبي، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ}؟ قال: «حديث : كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل»تفسير : كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس، فذكره، وهو غلط، وقد رواه وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان عن عمار الذهبي، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان، وهو الثوري، بإسناده عن ابن عباس موقوفاً مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الفزاري الكوفي، وهو متروك، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعاً، ولا يصح أيضاً. وقال السدي، عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش، وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش. وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع، بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس»تفسير : قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض».تفسير : وقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا سليمان بن أحمد، أخبرنا عبد الله بن وهيب المقري، أخبرنا محمد ابن أبي السري العسقلاني، أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة»تفسير : ، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير، حدثنا ابن أبي بكر، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر رضي الله عنه، قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب تبارك وتعالى، وقال: «حديث : إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد من ثقله»تفسير : وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور، وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما، والطبراني وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما، والحافظ الضياء في كتابه المختار، من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفاً، ومنهم من يرويه عنه مرسلاً، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها. وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء، والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية، وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين، أن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير، ويقال له: الأطلس، وقد رد ذلك عليهم آخرون. وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش، والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم. وقوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض، ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره، ولا رب سواه، فقوله: {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ} كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ}تفسير : [الرعد: 9] وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح، أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱللَّهُ لآ إِلَٰهَ } أي لا معبود بحق في الوجود {إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ } الدائم البقاء {ٱلْقَيُّومُ } المبالغ في القيام بتدبير خلقه {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } نعاس {وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكاً وخلقاً وعبيداً {مَّن ذَا ٱلَّذِى } أي لا أحد {يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } له فيها {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أي الخلق {وَمَا خَلْفَهُمْ } أي من أمر الدنيا والآخرة {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ } أي لا يعلمون شيئاً من معلوماته {إِلاَّ بِمَا شَآءَ } أن يُعَلِمَهُم به منها بإخبار الرسل {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } قيل أحاط علمه بهما وقيل ملكه وقيل الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته لحديث « حديث : ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس » تفسير : {وَلاَ يَؤدُهُ } يثقله {حِفْظُهُمَا } أي السموات والأرض {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ } فوق خلقه بالقهر {ٱلْعَظِيمُ } الكبير.
الشوكاني
تفسير : قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي: لا معبود بحق إلا هو، وهذه الجملة خبر المبتدأ. و{الحيّ}: الباقي. وقيل: الذي لا يزول، ولا يحول. وقيل: المصرّف للأمور، والمقدّر للأشياء. قال الطبري عن قوم إنه يقال: حيّ كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، وهو خبر ثان، أو مبتدأ خبره محذوف. و{القيوم}: القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل: القائم بذاته المقيم لغيره، وقيل: القائم بتدبير الخلق، وحفظه، وقيل: هو الذي لا ينام، وقيل: الذي لا بديل له. وأصل قيوم: قيووم اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء. وقرأ ابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، والأعمش: «الحيّ القيام» بالألف، وروي ذلك عن عمر، ولا خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب، وأصح بناء، وأثبت علة. والسنة: النعاس في قول الجمهور، والنعاس: ما يتقدّم النوم من الفتور، وانطباق العينين، فإذا صار في القلب صار نوماً. وفرق المفصّل بين السِّنَة، والنعاس، والنوم فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. انتهى. والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم، أن السِّنة لا يفقد معها العقل، بخلاف النوم، فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل، بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر، والمراد: أنه لا يعتريه سبحانه شيء منهما، وقدّم السنة على النوم، لكونها تتقدّمه في الوجود. قال الرازي في تفسيره: إن السنة ما تتقدّم النوم، فإذا كانت عبارة عن مقدّمة النوم، فإذا قيل: لا تأخذه سنة دلّ على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكراراً، قلنا: تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه نوم، والله أعلم بمراده. انتهى. وأقول: إن هذه الأولوية التي ذكرها غير مسلمة، فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس. وإذا ورد على القلب، والعين دفعة واحدة، فإنه يقال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا يستلزم نفي السنة نفي النوم. وقد ورد عن العرب نفيهما جميعاً، ومنه قول زهير:شعر : وَلاَ سِنَةٌ طوالُ الدّهْرِ تَأخَذه وَلا يَنَامُ وَمَا في أمْرِه فَنَدُ تفسير : فلم يكتف بنفي السنة، وأيضاً، فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السنة، ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم، فقد يأخذه النوم، ولا تأخذه السنة، فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي النوم، وهكذا لو وقع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة، فكم من ذي سِنة غير نائم. وكرّر حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما. قوله: {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحداً من عباده يقدر على أن ينفع أحداً منهم بشفاعة، أو غيرها، والتقريع، والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، وفيه من الدفع في صدور عباد القبور، والصدّ في وجوههم، والفت في أعضادهم ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ }تفسير : [الأنبياء: 28] وقوله تعالى: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ }تفسير : [النبأ: 28] بدرجات كثيرة. وقد بينت الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام صفة الشفاعة، ولمن هي، ومن يقوم بها. قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } الضميران لما في السموات، والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم، وما خلفهم عبارة، عن المتقدّم عليهم، والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا، والآخرة، وما فيهما. قوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } قد تقدّم معنى الإحاطة، والعلم هنا بمعنى: المعلوم أي: لا يحيطون بشيء من معلوماته. قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ } الكرسي الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك. وقد نفي وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطئوا في ذلك خطأ بيناً، وغلطوا غلطاً فاحشاً. وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم. قالوا: ومنه قيل للعلماء: الكراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ومنه قول الشاعر:شعر : تَحُفُّ بِهْم بِيضُ الوُجُوه وعُصْبَةٌ كَراسيَّ بالأخْبَارِ حِينَ تَنُوبُ تفسير : ورجح هذا القول ابن جرير الطبري. وقيل: كرسيه: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي ما يعمده، وقيل: إن الكرسي هو العرش. وقيل: هو تصوير لعظمته، ولا حقيقة له. وقيل: هو عبارة عن الملك. والحق القول الأوّل، ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت، عن جهالات وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات والأرض: أنها صارت فيه، وأنه وسعها، ولم يضق عنها لكونه بسيطاً واسعاً. وقوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } معناه: لا يثقله ثقال أدنى الشيء، بمعنى أثقلني، وتحملت منه مشقة. وقال الزجاج: يجوز أن يكون الضمير في قوله: {يَؤُودُهُ } لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي؛ لأنه من أمر الله و{العليّ} يراد به علوّ القدرة، والمنزلة. وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العليّ عن خلقه بارتفاع مكانه، عن أماكن خلقه. قال ابن عطية: وهذه أقوال جهلة مجسِّمين، وكان الواجب أن لا تحكى. انتهى. والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف، والخلف، والنزاع فيه كائن بينهم، والأدلة من الكتاب، والسنة معروفة، ولكن الناشيء على مذهب يرى غيره خارجاً عن الشرع، ولا ينظر في أدلته، ولا يلتفت إليها، والكتاب، والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، ويتبين به الصحيح من الفاسد {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأرْضُ }تفسير : [المؤمنون: 71]ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على الظاهر الغالب كما في قوله: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأرْضِ }تفسير : [القصص: 4] وقال الشاعر: شعر : فَلَمَّا عَلَوْنَا واسْتَوْيَنا عليهم تَركْنَاهُمُ صَرْعى لِنْسرٍ وَكَاسرٍ تفسير : والعظيم بمعنى: عظم شأنه، وخطره. قال في الكشاف: إن الجملة الأولى: بيان لقيامه بتدبير الخلق، وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه، والثانية: بيان لكونه مالكاً لما يدبره. والجملة الثالثة: بيان لكبرياء شأنه. والجملة الرابعة: بيان لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير المرتضى. والجملة الخامسة: بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله، وعظم قدره. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم في قوله: {ٱلْحَىّ } أي: حيّ لا يموت و{القيوم} القائم الذي لا بديل له. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي عن مجاهد في قوله: {ٱلْقَيُّومُ } قال: القائم على كل شيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القيوم الذي لا زوال له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } قال: السنة: النعاس، والنوم هو: النوم. وأخرجوا إلا البيهقي عن السدّي قال: السنة ريح النوم الذي تأخذه في الوجه، فينعس الإنسان. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } قال: ما مضى من الدنيا: {وَمَا خَلْفَهُمْ } من الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ما قدّموا من أعمالهم {وَمَا خَلْفَهُمْ } ما أضاعوا من أعمالهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ } قال: علمه، ألا ترى إلى قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا }. وأخرج الدارقطني في الصفات، والخطيب في تاريخه عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ } قال: حديث : كرسيه موضع قدمه، تفسير : والعرش لا يقدّر قدره إلا الله عزّ وجلّ». وأخرجه الحاكم وصححه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري مثله موقوفاً. وأخرج ابن جرير،وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس؛ قال: لو أن السموات السبع، والأرضين السبع بسطن، ثم وصلن بعضهنّ إلى بعض ما كنّ في سعته - يعني الكرسي -إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي ذرّ الغفاري؛ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الكرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده ما السموات السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة»تفسير : وأخرج عبد بن حميد، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وأبو الشيخ، والطبراني، والضياء المقدسي في المختارة عن عمر؛ قال: «أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الربّ سبحانه وقال: "حديث : إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط المرحل الحديد من ثقله" تفسير : وفي إسناده عبد الله بن خليفة، وليس بالمشهور. وفي سماعه من عمر نظر، ومنهم من يرويه، عن عمر موقوفاً. وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة مرفوعاً: أنه موضع القدمين. وفي إسناده الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك. وقد ورد عن جماعة من السلف من الصحابة، وغيرهم، في وصف الكرسي آثار لا حاجة في بسطها. وقد روى أبو داود في كتاب السنة من سننه من حديث جبير بن مطعم حديثاً في صفته، وكذلك أورد ابن مردويه عن بريدة، وجابر، وغيرهما. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } قال: لا يثقل عليه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {وَلاَ يَؤُودُهُ } قال: ولا يكثره. وأخرج ابن جرير عنه قال: العظيم الذي قد كمل في عظمته. واعلم أنه قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث. فأخرج أحمد، ومسلم، واللفظ له عن أبيّ بن كعب: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأله حديث : أيّ آية من كتاب الله أعظم؟ تفسير : قال: آية الكرسي، قال: حديث : ليهنك العلم أبا المنذر»تفسير : . وأخرج النسائي، وأبو يعلى، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، والطبراني، والحاكم وصححه، عن أبيّ بن كعب: أنه كان له جُرْن فيه تمر، فكان يتعاهده، فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، قال: فسلمت فردّ السلام، فقلت: ما أنت، جنيّ أم إنسي؟ قال: جنيّ، قلت: ناولني يدك، فناولني، فإذا يده يد كلب، وشعره شعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجنّ؟ قال: لقد علمت الجنّ أن ما فيهم من هو أشدّ مني، قلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحبّ الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك، فقال له أبيّ: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي التي في سورة البقرة «من قالها حين يمسي أجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: حديث : صدق الخبيث»تفسير : . وأخرج البخاري في تاريخه، والطبراني، وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صُفَّة المهاجرين، فسأله إنسان أيّ آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } تفسير : حتى انقضت الآية». وأخرج أحمد من حديث أبي ذرّ مرفوعاً نحوه. وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه، عن أنس مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج الدارمي، عن أيفع بن عبد الله الكلاعي نحوه. وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: «وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو، وذكر قصة، وفي آخرها أنه قال له: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأخبر أبو هريرة بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: حديث : أما إنه صدقك، وهو كذوب، تعلم من تخاطب يا أبا هريرة؟ تفسير : قال: لا، قال: حديث : ذلك شيطان كذا»تفسير : . وأخرج نحو ذلك أحمد عن أبي أيوب. وأخرج الطبراني، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعظم آية في كتاب الله {الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم»تفسير : . وأخرج نحوه أحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي ذرّ مرفوعاً. وأخرج نحوه أيضاً أحمد، والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً. وأخرج سعيد ابن منصور، والحاكم، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه، آية الكرسي»تفسير : قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأخرج الحاكم من حديث زائدة مرفوعاً «حديث : لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن، آية الكرسي»تفسير : ، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير. وقد تكلم فيه شعبة، وضعفه، وكذا ضعفه أحمد، ويحيـى بن معين، وغير واحد، وتركه ابن مهدي، وكذبه السعدي. وأخرج أبو داود، والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} و{أية : المۤ الله لا إلٰه إلاهو}تفسير : [آل عمران: 1، 2] إن فيهما اسم الله الأعظم. وقد وردت أحاديث في فضلها غير هذه، وورد أيضاً في فضل قراءتها دبر الصلوات، وفي غير ذلك، وورد أيضاً في فضلها مع مشاركة غيرها أحاديث، وورد عن السلف في ذلك شيء كثير.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {اللهُ لآَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ} الآية. مُخْرَجة مخرج النفي أن يصح إله سوى الله، وحقيقته إثبات إله واحد وهو الله، وتقديره: الله الإله دون غيره. {الْحَيُّ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه سمى نفسه حياً لصَرْفِه الأمور مصارِفها، وتقدير الأشياء مقاديرها، فهو حي بالتقدير لا بحياة. والثاني: أنه حي بحياة هي له صفة. والثالث: أنه اسم من أسماء الله تَسَمَّى به، فقلناه تسليماً لأمره. والرابع: أن المراد بالحي الباقي، قاله السدي، ومنه قول لبيد: شعر : إذا ما تَرَيَنِّي اليومَ أصْبَحْتُ سَالِماً فَلَسْتُ بِأحْيَا مِن كِلابٍ وَجَعْفَرِ تفسير : {الْقَيُّومُ} قرأ عمر بن الخطاب القيام. وفيه ستة تأويلات: أحدها: القائم بتدبير خلقه، قاله قتادة. والثاني: يعني القائم على كل نفس بما كسبت، حتى يجازيها بعملها من حيث هو عالم به، لا يخفى عليه شيء منه، قاله الحسن. والثالث: معنى القائم الوجود، وهو قول سعيد بن جبير. والرابع: أنه الذي لا يزول ولا يحول، قاله ابن عباس. والخامس: أنه العالم بالأمور، من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب، أي هو عالم به. والسادس: أنه اسم من أسماء الله، مأخوذ من الاستقامة، قال أمية بن أبي الصلت: شعر : لم تُخلَق السماءُ والنجوم والشمسُ معها قمر يقوم قدّرهَا المهيمن القيوم والحشر والجنة والحميم إلاّ لأمرٍ شأنه عظيم تفسير : {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} السِّنةُ: النعاس في قول الجميع، والنعاس ما كان في الرأس، فإذا صار في القلب صار نوماً، وفرَّق المفضل بينهما، فقال: السِّنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. وما عليه الجمهور من التسوية بين السِّنة والنعاس أشبه، قال عدي بن الرقاع: شعر : وسْنَانُ أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم تفسير : {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: ما بين أيديهم: هو ما قبل خلقهم، وما خلفهم: هو ما بعد موتهم. والثاني: ما بين أيديهم: ما أظهروه، وما خلفهم: ما كتموه. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} أي من معلومه إلا أن يطلعهم عليه ويعلمهم إياه. {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} في الكرسي قولان: أحدهما: أنه من صفات الله تعالى. والثاني: أنه من أوصاف ملكوته. فإذا قيل إنه من صفات ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه علم الله، قاله ابن عباس. والثاني: أنه قدرة الله. والثالث: ملك الله. والرابع: تدبير الله. وإذا قيل إنه من أوصاف ملكوته ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه العرش، قاله الحسن. والثاني: أنه سرير دون العرش. والثالث: هو كرسي تحت العرش، والعرش فوق الماء. وأصل الكرسي العلم، ومنه قيل للصحيفة فيها علم مكتوب: كراسة، قال أبو ذؤيب: شعر : مالي بأمرك كرسيّ أكاتمه ولا بكرسيّ عليم الغيب مخلوق تفسير : وقيل للعلماء: الكراسي، لأنهم المعتمد عليهم كما يقال لهم: أوتاد الأرض، لأنهم الذين بهم تصلح الأرض، قال الشاعر: شعر : يحف بهم بيضُ الوجوه وعُلية كراسيُّ بالأحداث حين تنوبُ تفسير : أي علماء بحوادث الأمور، فدلت هذه الشواهد، على أن أصح تأويلاته، ما قاله ابن عباس، أنه علم الله تعالى. وقرأ يعقوب الحضرمي: وُسْعُ كرسيِّه السمواتُ والأرضُ بتسكين السين من وسع وضم العين ورفع السموات والأرض على الابتداء والخبر، وفي تأويله وجهان: أحدهما: لا يثقله حفظهما في قول الجمهور. والثاني: لا يتعاظمه حفظهما، حكاه أبان بن تغلب. وأنشد: شعر : ألا بكِّ سلمى اليوم بت جديدها وضَنّت وما كان النوال يؤودها تفسير : واختلفوا في الكناية بالهاء إلى ماذا تعود؟ على قولين: أحدهما: إلى اسم الله، وتقديره ولا يُثقل الله حفظ السموات والأرض. والثاني: تعود إلى الكرسي، وتقديره ولا يثقل الكرسيَّ حفظهما. {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} في العلي تأويلان: أحدهما: العلي بالاقتدار ونفوذ السلطان. والثاني: العلي عن الأشباه والأمثال. وفي الفرق بين العلي والعالي، وجهان محتملان: أحدهما: أن العالي هو الموجود في محل العلو، والعلي هو مستحق العلو. والثاني: أن العالي هو الذي يجوز أن يُشَارَكَ في علوه، والعلي هو الذي لا يجوز أن يُشَارَكَ في علوه، فعلى هذا الوجه، يجوز أن نصف الله بالعليّ، ولا يجوز أن نصفه بالعالي، وعلى الوجه الأول يجوز أن نصفه بهما جميعاً.
ابن عطية
تفسير : {اللَّهُ لآ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} هذه سيدة آي القرآن، ورد ذلك في الحديث وورد أنها تعدل ثلث القرآن، وورد أن من قرأها أول ليله لم يقربه شيطان، وكذلك من قرأها أول نهاره. وهذه متضمنة التوحيد والصفات العلى، و {الله} مبتدأ، و {لا إله} مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود، و {إلا} هو بدل من موضع {لا إله}، و {الحي} صفة من صفات الله تعالى ذاتية، وذكر الطبري، عن قوم أنهم قالوا: الله تعالى حي لا بحياة. وهذا قول المعتزلة وهو قول مرغوب عنه، وحكي عن قوم أنه حي بحياة هي صفة له، وحكي عن قوم أنه يقال حي كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، و {القيوم} فيعول من القيام أصله قيووم اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء، وقيوم بناء مبالغة أي: هو القائم على كل أمر بما يجب له، وبهذا المعنى فسره مجاهد والربيع والضحاك، وقرأ ابن مسعود وعلقمة وإبراهيم النخعي والأعمش: "الحي القيام" بالألف ثم نفى عز وجل أن تأخذه {سنة} أو {نوم}، وفي لفظ الأخذ غلبة ما، فلذلك حسنت في هذا الموضع بالنفي، والسنة بدء النعاس، وهو فتور يعتري الإنسان وترنيق في عينيه، وليس يفقد معه كل ذهنه، والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن، والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا تدركه آفة ولا يلحقه خلل بحال من الأحوال، فجعلت هذه مثالاً لذلك وأقيم هذا المذكور من الآفات مقام الجميع، وهذا هو مفهوم الخطاب كما قال تعالى: {أية : فلا تقل لهما أف} تفسير : [الإسراء: 23]، ومما يفرق بين الوسن والنوم قول عدي بن الرقاع: [الكامل] شعر : وَسْنان أَقْصَدُه النُّعاسُ فَرنّقَتْ في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بنائِمِ تفسير : وبهذا المعنى في السنة فسر الضحاك والسدي، وقال ابن عباس وغيره: السنة النعاس، وقال ابن زيد: الوسنان، الذي يقوم من النوم وهولا يعقل حتى ربما جرد السيف على أهله. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا الذي قال ابن زيد فيه نظر وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب، وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال: "حديث : وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه؟ فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً لم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت فانكسرت القارورتان" تفسير : قال: ضرب الله مثلاً أن لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض، وقوله تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض} أي بالملك. فهو مالك الجميع وربه، وجاءت العبارة بــ {ما} وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود، ثم قرر ووقف تعالى على من يتعاطى أن {يشفع عنده} أو يتعاطى ذلك فيه إلا أن يأذن هو في ذلك لا إله إلا هو وقال الطبري: هذه الآية نزلت لما قال الكفار: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله: {له ما في السموات وما في الأرض} الآية تقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة وهنا هم الأنبياء والعلماء وغيرهم، والإذن هنا راجع إلى الأمر فيما نص عليه، كمحمد صلى الله عليه وسلم إذا قيل له: واشفع تشفع وإلى العلم والتمكين إن شفع أحد من الأنبياء والعلماء قبل أن يؤمر، والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار، وهو بين المنزلتين أو وصل ولكن له أعمال صالحة. وفي البخاري، في باب بقية من باب الرؤية، أن المؤمنين يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا، فهذه شفاعة فيمن يقرب أمره، وكما يشفع الطفل المحبنطىء على باب الجنة الحديث، وهذا إنما هو في قرابتهم ومعارفهم وأن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين بالذنوب الذين لم تنلهم شفاعة الأنبياء. وأما شفاعة محمد في تعجيل الحساب فخاصة له، وهي الخامسة التي في قوله: "وأعطيت الشفاعة" وهي عامة للناس، والقصد منها إراحة المؤمنين، ويتعجل للكفار منها المصير إلى العذاب، وكذلك إنما يطلبها إلى الأنبياء المؤمنون، والضميران في قوله: {أيديهم وما خلفهم} عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله: {له ما في السموات وما في الأرض}، وقال مجاهد {ما بين أيديهم} الدنيا {وما خلفهم} الآخرة، وهذا صحيح في نفسه عند موت الإنسان، لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده، وبنحو قول مجاهد قاله السدي وغيره. قوله عز وجل: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} قوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه} معناه: من معلوماته، وهذا كقول الخضر لموسى عليهما السلام حين نقر العصفور من حرف السفينة: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر، فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات، لأن علم الله تعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض، ومعنى الآية، لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه، واختلف الناس في الكرسي الذي وصفه الله تعالى بأنه وسع السموات والأرض، فقال ابن عباس: {كرسيه} علمه، ورجحه الطبري: وقال: منه الكراسة للصحائف التي تضم العلم، ومنه قيل للعلماء الكراسيّ، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، وهذه الألفاظ تعطي نقض ما ذهب إليه من أن الكرسي العلم، قال الطبري: ومنه قول الشاعر: شعر : تحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسيّ بالأحداث حين تنوب تفسير : يريد بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها، وقال أبو موسى الأشعري: الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل، وقال السدي: هو موضع قدميه. قال القاضي أبو محمد: وعبارة أبي موسى مخلصة لأنه يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين في أسرة الملوك، وهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه نسبة الكرسي إلى سرير الملك، والكرسي هو موضع القدمين، وأما عبارة السدي فقلقة، وقد مال إليها منذر البلوطي وتأولها بمعنى: ما قدم من المخلوقات على نحو ما تأول في قول النبي عليه السلام فيضع الجبار فيما قدمه. قال أبو محمد وهذا عندي عناء، لأن التأويل لا يضطر إليه إلا في ألفاظ النبي عليه السلام وفي كتاب الله، وأما في عبارة مفسر فلا، وقال الحسن بن أبي الحسن: الكرسي هو العرش نفسه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس تفسير : ، وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض تفسير : ، وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى، والمستفاد من ذلك عظم قدرته إذ {لا يؤوده} حفظ هذا الأمر العظيم، و {يؤوده}: معناه يثقله، يقال آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم، وروي عن الزهري وأبي جعفر والأعرج بخلاف عنهم، تخفيف الهمزة التي على الواو الأولى، جعلوها بين بين لا تخلص واواً مضمومة ولا همزة محققة، كما قيل في لؤم لوم، و {العلي}: يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأن الله منزه عن التحيز، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا قول جهلة مجسمين، وكان الوجه أن لا يحكى وكذا {العظيم} هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر، لا على معنى عظم الأجرام، وحكى الطبري عن قول: أن {العظيم} معناه المعظم، كما يقال العتيق بمعنى المعتق وأنشد قول الأعشى: شعر : وكأن الخمر العتيق من الأســ ــفنط ممزوجة بماء زلال تفسير : وذكر عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا: لو كان بمعنى معظم لوجب أن لا يكون عظيماً قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم، إذ لا معظم له حينئذ.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْحَىُّ} ذو الحياة، أو تسمى به لتصريفه الأمور وتقديره الأشياء، أو اسم تسمى به فيقبل تسليماً لأمره. {الْقَيُّومُ} القائم بتدبير الخلق، أو القائم على كل نفس بما كسبت فيجزيها بما علمه منها، أو القائم الموجود، أو العالم بالأمور، قام فلان بالكتاب إذا كان عالماً به، أو أخذ من الاستقامة. {سِنَةٌ} نعاس، والنعاس ما كان في العين، فإذا صار في القلب صار نوماً. {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} الدنيا {وَمَا خَلْفَهُمْ} الآخرة. {كُرْسِيُّهُ} علمه، أو العرش، أو سرير دون العرش، أو موضع القدمين، أو الملك وأصل الكرسي: العلم ومنه الكراسة، والعلماء كراس، لأنه يُعْتَمد عليهم كما قيل: أوتاد الأرض. {وَلا يَؤُدُهُ} لا يثقله إجماعاً، والضمير عائد إلى الله تعالى أو إلى الكرسي. {الْعَلِىُّ} بالاقتدار، ونفوذ السلطان، أو العلي: عن الأشباه والأمثال.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ...}. قال الإمام ابن العربي في شرح الأسماء الحسنى: يقال: حي وحيى ويحيي وقيل: حاي على وزن فاعل والخبر آكد، أي جنس الحي، وقيل: هو الحياة والحي نوع من القبيلة سمى به مجازا لأن به يستعزون على حماية أنفسهم وحياة مواشيهم بالخصب ورعي الحَيَا، وشربه وهو المطر، والحياة وصف للجسم (عرض) إذا وجدت في جسم أو جوهر كان دراكا فعالا والعرب إذا أرادت الإدراك والحس قالت: هذا حي، والحي في الشاهد من قوله: حياة. وأما الغائب فبعضهم قال: لا أقول: إنّ الله حي بحياة، إذ لم يرد فيه ولا في السمع والبصر ونقول: (عالم بعلم) لِوروده". وقال الإمام الغزالي: والكثير من علمائنا: الحي: الفعال الدرّاك. وهو باطل بوجوه: منها أن البارىء في الأزل حي مدرك بنفسه وصفاته ولم يفعل، وأيضا الإدراك معنى غير الحياة والفعل فكيف يفسر معنى بمعنى مغاير له، واعلم أنّ وجود الحياة مصحح للإدراك والفعل فيلزم الإدراك إذ لايصح حي غير مدرك ويصح الفعل ولا يلزم. ووجوب الحياة للبارىء يختص بخمسة أوصاف: أنه لم يسبقه موت، ولا (يعتريه)، وليس له (بلل) ورطوبة، ولا يحتاج إلى غذاء، فإنه يطعم وهي للعبد بعكس ذلك كله. قال الزمخشري: والحي الباقي الّذي لا سبيل للفناء عليه وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر. قال ابن عرفة: وكل شيء يصح اتصافه بالعلم والقدرة لكن الحي بغير واسطة والجماد بواسطة الحياة. قال ابن عرفة: قال ابن عطية: قال المعتزلة وقوم: الله حي لا بحياة، وهو باطل. وقال آخرون: حي بحياة، وقال قوم: هو حي كما وصف نفسه، وسلم ذلك أن ينظر فيه. وقد تقدم الخلاف في الصفات فنحن نثبتها ونقول: الله عالم بعلم، قادر بقدرة. حي بحياة. المعتزلة ينفونها، وتقدم الخلاف بيننا في الأحوال كالعالمية والقادرية والحيية. فمنا من يثبتها، ومنا من ينفيها، والمثبتون لها قسموها على قسمين: معللة وغير معللة، والمعللة عندهم مشروطة بالحياة والسوادية والبياضية غير معللة، والعالمية معللة كالقادرية. وكان بعضهم يرد على من يقول: إنها معللة بصفات الحياة لأن الحياة حال ليست معللة لئلا يلزم عليه تعليل الشيء بنفسه. قوله تعالى: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ...}. قال الإمام ابن العربي: على وزن فيعول: اجتمعت ياء وواو، سبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت. والقيام أصله القيوام وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفعلان فيقولون في الصّداع صداع. والقيم عند سيبويه فيعل للتأكيد، فقلب وأدغم. وأنكر الفراء أن في الأمثلة فيعل، وقال: أصلها فعيل ككريم وكان (أصلهم) أن يجعلوا الواو وألفا لافتتاح ما قبلها ثم يسقطونها لسكونها وسكون الياء بعدها فلمّا فعلوا ذلك صار فعيل على لفظ فعل فزادوا ياء ليكمل بها بناء الحرف. قال ابن العربي: واختلفوا في معناه فقيل: الدائم الذي لا يزول، فالقيوم معناه: الباقي الدائم. وقيل: القيوم هو القيم على كل شيء بالرعاية والمدبر لجميع أمور العالم بمعنى: الحفيظ والمدبّر. وقيل: الذي لا تفنيه الدهورو و لا يتغير بانقلاب الأمور فهو بمعنى: الثابت القدوس. قال: والصحيح أنه مبالغة قائم من قام إذا أطاق. قال: "حديث : وروى ابن راشد الأزدي أنه ورد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "ما اسمك؟ فقال عبدالعزى بن (غاويه") فقال له: عليه الصلاة والسلام: بل اسمك عبد الرحمان بن راشد، قال: من الذي معك؟ قال: مولاي قال: ما اسمه؟ قال: قيوم. قال: ولكنه عبد القيوم ". تفسير : ورواه الدار قطني وعبد الغني الحافظ كذلك ورواه ابن (رشد) قال: "حديث : ما اسم مولاك. قال: القيوم. قال: لا بل عبد القيوم"تفسير : . والدار قطني أحفظ وأوثق. قال: فأما القائم فله في اللغة ثلاثة معان: قام إذا انتصب وعلا، وقام بالامر أي استقل به، وقام إذا لازم. قال الله تعالى: {أية : إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً}.تفسير : فقيل كلها حقيقة، وقيل: الأول فقط، واختلفوا في معنى كون الله قائما بنفسه، فقيل: لا يحتاج إلى مكان، وقيل: موصوف بصفاته العلية، وقيل: مستغن عن كل شيء. والصحيح أنه لا يصح وصفه إلا مُضافا لما يبينه فإذا قلت: قائم على كل نفس بما كسبت فصحيح معنى وارد شرعا، وإن قلت: قائم بنفسه فصحيح لم يرد. واختلفوا في معنى قائم على كل نفس بما كسبت، فقيل بما كسبت من رزق تفضلا فهو امتنان، وقيل: بما كسبت من عمل يحفظه عليها فهو وعيد. وقيل: يطلع عليها لا يخفى عليه من أمرها شيء، وقيل: المراد الملائكة الموكلون بحفظ بني آدم لا يستوون مع الأصنام فكيف بخالق الملائكة ومن هو قائم عليها ومدبرها وهذا مجاز. ابن العربي: والصّحيح أنه قائم بالخلق والحفظ والرزق وغير ذلك فهو غني عنه. قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}. قال ابن عرفة: هذا كالدليل / على كونه حيا قيوما و {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} كالدّليل على أنه لا تأخذه سنة ولا نوم. فإن قلت: نفي السِّنة يستلزم نفي النوم فهلا قدم النوم على السنة؟ قال: فالجواب من وجهين: الأول منهما: (قصد) نفى السنة بالمطابقة واللزوم. الثاني: إنّا نجد من يدافع النوم لا تأخذه سنة لأنه مهما تأخذه السّنة يدافعها ويغلبها حتى يأتيه النوم غلبة فينام فما يلزم من عدم السّنة عدم النوم. قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} دليل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى لأنها ما في السَّمَاوَاتِ وما في الأرض. قوله تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ...}. قال ابن عرفة: ورد النّفي بصغية الاستفهام وهو أبلغ لاقتضائه موافقة المخاطب عليه. قال ابن عطية: الإذن قسمان فهو في الشفاعة في الخروج من النّار بمعنى الأمر لحديث "حديث : يامحمد ارفع رأسك تعطه واشفع تشفع"تفسير : ، وهو ((في شفاعة غيره من الأنبياء والعلماء وشفاعة (الجار) والصاحب الذين يشفعون)) قبل أن (يؤمروا) بمعنى العلم والتمكين. قال ابن عرفة: (يريد) بمعنى خلق الدّاعي والقدرة على ذلك. قال: واقتضت الآية ألاّ شفاعة إلا بإذن والإذن فيها يقتضي قبولها فيعارض قوله تعالى: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ}.تفسير : فدلّ على أنّ هناك من يشفع ولا تقبل منه، إلا أن يجاب بأن تلك سالبة، مثل: الحائط لا يبصر (لا معدومة) مثل: زيد غير بصير، فليس المراد شفاعة الشافعين لا تنفعهم بل هو من باب نفي الشيء بنفي لازمة مثل: شعر : على لا حب لا يهتدى بمناره تفسير : أي ليس له منار يهدى به، أي لا شافع هناك فتنفع شفاعته. قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ...}. هنا دليل على عموم تعلق علمه بالجزيئات والكليات فيرد بها على من نفى تعلقه بالجزيئات. قيل لابن عرفة: قد يقال إنه دليل ظاهر لا نص وندعى تخصيص عمومه؟ فقال: استدلوا بظواهر (الآي) في (كثير) من المطالب وتعقبوا على ابن الخطيب في قوله في المحصول: إن الدلائل السمعية لا تفيد الظن فضلا عن اليقين. قال ابن عرفة: وتقدم لنا سؤال وهو أنه تسلط النفي هنا على الأخص دون الأعم فلو قيل: ولا يعلمون شيئا من علمنا بل علمه إلا ما شاء لكان أبلغ لأن الإحاطة بعلم الشيء أخص من مطلق علمه. قال: والجواب أنّا إن قلنا: إن العلوم كلها متساوية فلا فرق بين الإحاطة وعدمها. وإن قلنا: إنها غير متساوية فالسؤال وارد. وعادتهم يجيبون بأن (الآية) خرجت مخرج التمدح. والعلوم قسمان: ضرورية ونظرية، فالضرورية لا يقع عليها مدح ولا ذم لأنها جبرية يستوي فيها كل الناس وإنما يقع المدح على العلوم النظرية وهي لا تحصل إلاّ بالإحاطة لأنها ناشئة عن مقدمتين والعلم بالمقدمتين مستلزم الإحاطة بعلم النتيجة، فالإحاطة بها وعلمها (متساويان). قيل لابن عرفة: الآية دالة أن المعدوم (يصدق) عليه شيء لأنّا إن لم نجعله داخلا تحت مسمى شيء لزم إبطال العمل بمفهوم الصّفة لأنّه يكون مفهوم الآية (أنهم) يحيطون بالمعدوم من (تعلق) علمه وهذا كفر؟ فأجاب: بأنه مفهوم أحرى لأنهم إذا لم يحيطوا بالموجود فأحرى المعدوم. قلت: وقال بعضهم: إن هذا السؤال غير وارد لأن المعنى إلا بما شاء أن يحيطوا به فإنهم محيطون به ولا يلزم منه نفي تعلق المشيئة بالمعدوم بل يبقى الأمر مسكوتا عنه فلا يلزم تعلق الحكم بنفيه ولا بإثباته. قال ابن عطية: "وقد قال الخضر لموسى عليهما السلام: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ ما نقص هذا العصفور من البحر". قال ابن عرفة: شبّه ما ليس بمُتناه بما هو متناهٍ لأن البحر متناهٍ، فالنقص فيه معقول وليس المراد حقيقة النقص، بل معناه نسبة علمي وعلمك من معلوم الله تعالى الذي لم ندركه نحن كنسبة ما يتعلق بالعصفور من ماء البحر إلى ماء البحر. انتهى. قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ...}. قال ابن عرفة:كلام الزمخشري هنا حسن وكلام ابن عطية في بعضه إيهام والألفاظ الموهمة إذا وردت من الشارع تأولت وردت الى الصواب، وإن وردت من غيره لم تتأول لأن الشارع يذكر الألفاظ الموهمة للابتلاء بها {أية : فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}.تفسير : (فالمحق) يصرفها عن ظاهرها إلى الصواب والمبطل يقف مع الظاهر، وأما إذا وردت من غير (الشارع) فلا تتأول. قلت: وكذا قال الزمخشري: لفظ الكرسي تخييلُ. والتخييل أن يعبر عن الشيء بلازمه كقوله تعالى: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ }. تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا...}. إن قلت: هلا قيل: حفظُها، بضمير جماعة ما لا يعقل أو: حفظُه، بضمير الكرسي لا شتماله على العرش والسّماوات والأرض، (والشي) (في نفسه) ليس كهو مع غيره، فلا يلزم من نفي الثقل (عن) السماوات والأرض (بخصوصيتها) نفي الثقل (عنها) مع غيرها؟ فالجواب: أنّه (خصهما) بالذكر لأنهما المشاهدان للإنسان الذي يراهما ويوافق على إمساكهما وعدم إزالتهما ليكون ذلك أقطع في طريق / الاستدلال وأقوى في قيام الحجة عليه. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ}. قال ابن عطية: أي عظيم القدر والخطر وليس من عظيم الأجرام وحكى (الطبّري) عن قوم أن العظيم بمعنى المعظم كقولهم: العتيق بمعنى المعتق، وأنكره آخرون وقالوا: لو كان بمعنى معظم لوجب أن لا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم إذ لا معظم له حينئذ. قال ابن عرفة: وهذا الإنكار غير صحيح، بل يفهم كما قال الضرير في أرجوزته لأنه قسم الحمد على قسمين: قديم وحادث، فالقديم حمده تعالى نفسه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: تعرف ممَّا مرَّ. الوقوف: {إلا هو} ج، لأن قوله: {الحي القيوم} يصلح بدلاً عن الضمير وخبر ضمير آخر محذوف {القيوم} ج لاختلاف الجملتين، {ولا نوم} ط، {وما في الأرض} ط لابتداء الاستفهام. {بإذنه} ط لانتهاء الاستفهام. {وما خلفهم} ج للفرق بين الأخبار عن علمه الكامل مطلقاً وإثبات علم الخلق المقدر لمشيئته مبتدأ بالنفي. {بما شاء} ج لاختلاف الجملتين. {حفظهما} ج {العظيم} هـ. {الغي} ج، لأن من للشرط مع فاء التعقيب. {الوثقى} ط قد قيل للاستئناف بالنفي والوجه الوصل على جعل الجملة حالاً للعروة أي: استمسك بها غير منفصمة {لها} ط. {عليم} هـ. {آمنوا} لا، لأن {يخرجهم} حال والعامل معنى الفعل في {ولي} تقديره: الله يليهم مخرجاً لهم أو مخرجين {إلى النور} ط للفصل بين الفريقين: {الطاغوت} لا، لأن {يخرجونهم} حال. إلى الظلمات ط. {النار} ج. {خالدون} هـ. التفسير: قد جرت عادته سبحانه في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط الأنواع الثلاثة، أعني: علم التوحيد وعلم الأحكام، وعلم القصص بعضها ببعض. والغرض من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وفي هذا النسق أيضاً رحمة شاملة ولطف كامل؛ فإن طبع الإنسان جبل على الملال، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره وتجدد نشاطه وتكامل ذوقه ولذته ويصير أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه. وإذ قد تقدَّم من علم الأحكام والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد. فقال {الله لا إله إلا هو الحى القيوم} عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " حديث : ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة " تفسير : . وعن عليّ رضي الله عنه: "حديث : سمعت نبيكم وهو على أعواد المنبر يقول من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره، وجار جاره والأبيات حوله"تفسير : وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي رضي الله عنه: أين أنتم من آية الكرسي؟. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا علي سيد البشر آدم عليه السلام، وسيد العرب أنت، وسيد العالمين محمد صلى الله عليه وسلم ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي" تفسير : . وعن عليّ رضي الله عنه أنه قال: "حديث : لما كان يوم بدر قاتلتُ ثم جئتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا يصنع، فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوملا يزيد على ذلك. ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. فلا أزال أذهب وارجع وأنظر إليه وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له " تفسير : . واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله تعالى بل هو متعالٍ عن أن يقال هو أشرف من غيره لأن ذلك يقتضي نوع مشاكلة أو مجانسة وهو مقدس عن مجانسة ما سواه؛ ولما كانت الآية مشتملة من نعوت جلاله وأوصاف كبريائه على الأصول والمهمات، فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات ونهاية التصورات. ولنشتغل بالتفسير. أما لفظ "الله" فقد مرَّ تفسيره في أول الكتاب. وأما قوله {لا إله إلاَّ هو} فقد سبق تفسيره في قوله {أية : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو} تفسير : [البقرة: 163] وأما {الحي القيوم} فقد سلف أيضا معناهما في شرح الأسماء، إلا أنا نزيد ههنا فنقول: عن ابن عباس: إن أعظم أسماء الله "الحي القيوم". ويؤكده ما روينا من قصة بدر ولو كان ذكر أشرف منه لذكره وقتئذٍ في السجود. وأما الدليل العقلي فإن "الحي" قيل هو الذي يصلح أن يعلم ويقدر، أو هو الدراك الفعال، فأورد عليه أن هذا لا يقتضي المدح لمشاركة أخس الحيوانات إياه في ذلك. ونحن نقول إن "الحي" في اللغة ليس عبارة عمن يوجد فيه هذه الصفة من هذه الحيثية فقط، بل كل شيء، يكون كاملاً في جنسه فإنه يسمَّى حيًّا. ومن ههنا يصحُّ أن يقال: أحيا الموات، وأحيا الله الأرض. فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة نضيرة. ولما كان كمال حال الجسم أن يكون بحيث يصح أن يعلم ويقدر، فلا جرم سميت تلك الصفة حياة. فالمفهوم من "الحي" هو الكامل في جنسه، والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته، فلا حيّ بالحقيقة إلاّ واجب الوجود لذاته. وأما "القيوم" فيطلق لمجموع اعتبارين: أحدهما، أنه لا يفتقر في قوامه إلى غيره. والثاني أنَّ غيره يفتقر في قوامه إليه، وبهذا الثاني يزيد على مفهوم "الحي". ومن هذين الأصلين يتشعَّب جميع مسائل التوحيد والمعرفة فمنها أن واجب الوجود واحد في ذاته وبجميع جهات الوحدة، إذ لو فرض فيه تركّب بوجه من الوجوه افتقر في تحققه إلى وجود ذينك الجزأين فيقدح في كونه قيوماً؛ ومنها أنه لا شريك له وإلا اشتركا في الوجوب وتباينا بالتعيُّن فيكون كلّ منهما مركّباً من جزأين فلا يكون قيوماً ولا حيَّا، فإن كلّ مركّب مفتقِرٌ وكل مفتقِرٍ ممكنٌ؛ ومنها أن لا يكون متّحيزاً لأن كلَّ متّحيزٍ منقسمٌ، قد ثبت أنه واحد، ومنها أنه ليس في جهة يُشار إليها، وإلا كان متحيزاً؛ ومنها أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا يصح عليه الحركة والسكون والانتقال والحالية والمحلية وغير ذلك؛ ومنها أنه عالم بجميع المعلومات فإنه لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم، وإذا كان حيًّا قيوماً كانت حقيقته حاضرة عند ذاته وذاته مقوم لغيره، والعلم بالعلة يوجبُ العلم بالمعلول فيكون عالماً بما سواه. ومنها أنه قادر على كل المقدورات، وإلا لم يكن قيوماً بمعنى كونه مقوماً لغيره ويعلم منه استناد كل الممكنات إليه بواسطة أو غير واسطة، ويلزم منه القول بالقضاء والقدر. "والحي" أصله حيي كحذر وطمع، فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما، وكلا الياءين أصل، وقال ابن الأنباري: أصله "حيو" بدليل الحيوان، فلما اجتمعت الواو والياء ثم كان السابق ساكناً، جعلنا ياء مشددة، وزيف بكونه عديم النظير فإنه لم يوجد ما عينه ياء ولامه واو. "والقيوم" مبالغة قائم، وأصله "قيووم" على "فيعول"، فجعلت الياء الساكنة والواو الأولى ياء مشددة. ولو كان "قوّوما" على "فعول" لقيل "قووم"، وعن عمر أنه قرأ "الحي القيام". وقرىء "القيم" ثم لما بين أنه "حي قيوم" أكد ذلك بقوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} ولهذا فقد العاطف بينهما وكذا فيما يعقبهما والسنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمَّى النعاس، أي: لا/ يأخده نعاس، فضلاً أن يأخذه نوم أو نقول: نفى الأخص أولاً، ثم نفى الأعم ليفيد المبالغة من حيث لزوم نفي النوم أولاً ضمناً ثم ثانياً صريحاً. ولو اقتصر على نفي الأخص لم يلزم منه نفي الأعم، والمعنى أنه لا يفتر عن تدبير الخلق لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة اختل أمر الطفل، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل: إنك لوسنان نائم. ومما يدل على أن السهو والغفلة والنوم على الله محال هو أن هذه الأشياء إما أن تكون عبارات عن عدم العلم، أو عن أضداد العلم. وعلى التقديرين فجواز طريانها يوجب جواز زوال علم الله تعالى، فلا يكون العلم مقتضى ذاته فيفتقر إلى فاعل: فواجب الوجود لذاته لا يكون واجباً بجميع صفاته، فلا يكون حيًّا ولا قيوماً وهذا خلف. "حديث : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام سأل الملائكة: هل ينام ربنا؟ فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام، ثم أعطاه قاروتين مملؤتين ماء في كل يدٍ واحدة، وأمره بالاحتفاظ. فكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا"تفسير : . وكان ذلك مثلا في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات والأرضين. وهذه الرواية، إن صحت، وجب أن ينسب هذا السؤال إلى جهال قوم موسى كطلب الرؤية، وإلا فكيف يجوز على نبيّ الله تجويز النوم على "الحي القيوم" والتجويز شك، والشك في مثله كفر. ثم لما بيَّن كونه "قيوماً" وأكده بما أكد، رتّب عليه حكماً وهو قوله {له ما في السموات وما في الأرض} لأن كل ما سواه فإنما تقوّمت ماهيته وتحصّل وجوده به، فيكون ملكاً له، ويلزم منه أن يكون حكمه جارياً في الكل، ولا يكون لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره، وهو المراد بقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ومعنى الاستفهام ههنا الإنكار، أي: لا يشفع، وفيه ردّ على المشركين القائلين للأصنام: {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله} تفسير : [يونس: 18] ويلزم من كون غيره غير متصرف في ملكه بوجهٍ من الوجوه إلا بأمره كونه عالماً بالكل وكون غيره غير عالم بالكل إلا بإعلامه. فأشار إلى الأول بقوله {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}، وإلى الثاني بقوله {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يَكون بعدهم والضمير لما في السموات والأرض، لأن فيهم العقلاء فغلبوا، أو لما دل عليه قول {مَنْ ذا} من الملائكة والأنبياء والصالحين والشهداء. عن مجاهد وعطاء والسدي أي: يعلم ما كان قبلهم من أمور الدنيا وما كان بعدهم من أمور الآخرة؛ وعن الضحاك والكلبي: {ما بين أيديهم}: الآخرة لأنهم يقدمون عليها، "وما خلفهم" الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم. وعن ابن عباس: {يعلم ما بين أيديهم} من السماء إلى الأرض، "وما خلفهم" يريد ما في السموات وقيل: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد/ ذلك، والغرض أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب، لأنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه خافية، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله ولا يعلمون أن الله تعالى أذن لهم في تلك الشفاعة أم لا، فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه، أي من معلوماته، إلا بما علم كقوله: {أية : لا علم لنا إلا ما علمتنا} تفسير : [البقرة: 32] ويحتمل أن يراد: ولا يعلمون الغيب إلا بإعلامه كقوله: {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} تفسير : [الجن: 26] وإذا كان الشفعاء وهم الملائكة والأنبياء لا يعلمون شيئاً إلا بتعليم الله فغيرهم بعدم العلم أولى. ثم إنه لما بين كمال ملكه وحكمه في السموات وفي الأرضين ذكر أن ملكه فيما عدا السموات والأرضين أعظم وأجلّ، وأنّ ذلك مما ينقطع دون الإيماء إلى أدنى درجة من درجاتها أوهام المتوهمين، فقال {وسع كرسيه السموات والأرض} يقال وسع فلان الشيء إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي "تفسير : أي: لم يحتمل غير ذلك. وأما "الكرسي" فأصله من التركيب والتلبد، ومنه الكرس بالكسر للأبوال والأبعار يتلبد بعضها على بعض، والكراسة لتراكب بعض أوراقها على بعض، والكرسي لما يجلس عليه لتركب خشباته، وللمفسرين في معناه ههنا أقوال: فعن الحسن أنه جسم عظيم يسع السموات والأرض وهو نفس العرش لأن السرير قد يوصف بأنه عرش وبأنه كرسي لأن كل واحد منهما يصح التمكن عليه. وقيل إنه دون العرش وفوق السماء السابعة وقد وردت الأخبار الصحيحة بهذا. وعن السدي أنه تحت الأرض. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسي موضع القدمين وينبغي أن تحمل هذه الرواية إن صحت على ما لا يفضي إلى التشيبيه ككونه موضع قدم الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله تعالى. وههنا أسرارا لا أحبُّ إظهارها لو شاء الله أن يطلع عليها عبداً من عبيده فهو أعلم بمحارم أسراره. وقيل: المراد من الكرسي أن السلطان والقدرة والملك له لأن الإلهية لا تحصل إلا بهذه الصفات، والعرب تسمِّي أصل كل شيء الكرسي، أو لأنه تسمية للشيء باسم مكانه؛ فإن الملك مكانه الكرسي. وقيل: المراد به العلم لأن موضع العالم هو الكرسي وأيضا العلم هو الأمر المعتمد عليه. ومنه يقال للعلماء: كراسي الأرض كما يقال لهم أوتاد الأرض. وقيل: المقصود من الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه ولا كرسي ثم ولا قعود ولا قاعد. واختاره جمع من المحققين كالقفال والزمخشري وتقريره: أنه يخاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوا في ملوكهم؛ فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً له/ يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم. وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه، ثم جعله مقبل الناس كما تقبَّل أيدي الملوك. وكذلك ما ذكر في القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين. وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً فقال: {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : [طه: 5] ووصف عرشه فقال: {أية : وكان عرشه على الماء} تفسير : [هود: 71] ثم قال {أية : وترى الملائكة حافين من حول العرش}تفسير : [الزمر: 75] ثم قال {أية : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية} تفسير : [الحاقة: 17] ثم أثبت لنفسه كرسياً. ولما توافقنا أن المراد من الألفاظ الموهمة للتشبيه في الكعبة والطواف والحجر هو تعريف عظمة الله وكبريائه فكذا الألفاظ الواردة في العرش والكرسي {ولا يؤده} لا يثقله ولا يشق عليه؛ {حفظهما} حفظ السموات والأرض وفيه أن نفاذ حكمه وأمره في الكل على نعت واحد وصورة واحدة، علوية كانت الأجسام أو سفلية كبيرة أو صغيرة. ثم بيَّن أنه مع كونه مقوِّماً للممكنات مقيماً للأرضين والسموات متعال عن المتحيزات ومقدس عن الزمنيات فقال: {وهو العلي العظيم} والمراد منهما علو الرتبة وعظمة الشرف لا الحيز والجهة. وكيف لا وهو مقيم للمكان ومديم للزمان. وقوله سبحانه:{لا إكراه في الدين} الآية: لما بيَّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للأعذار ذكر بعد ذلك. أنه لم يبق للكافر علة في إقامته على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه؛ وذلك لا يجوز في دار الدنيا التي هي مقام الابتلاء والاختبار، وينافيه الإكراه والإجبار. ومما يؤكد ذلك قوله: {قد تبين الرشد من الغي} يقال بَانَ الشيء واستبان وتبيَّن وبيّن أيضا إذا وضح وظهر ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين. والرشد إصابة الخير، والغي نقيضه. أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان الكفر، والهدى من الضلال، بكثرة الحجج والبينات ووفور الدلائل والآيات. {فمن يكفر بالطاغوت} قال النحويون: وزنه "فعلوت" نحو جبروت وأصله من "طغى"، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين ثم صيرت ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. وذكر الفارسي أنه مصدر كالرغبوت والرهبوت، والدليل على ذلك أنه يفرد في موضع الجمع كما يقال: هم رضا وعدل. ولهذا قال تعالى: {أية : أولياؤهم الطاغوت} تفسير : [البقرة: 257] والأصل فيه التذكير. قال تعالى: {أية : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} تفسير : [النساء: 60] فأما قوله تعالى: {أية : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} تفسير : [الزمر: 17] فالتأنيث لإرادة الآلهة. وأما معنى "الطاغوت" فعن عمر ومجاهد وقتادة: هو الشيطان. وعن سعيد بن جبير: الكاهن. وقال أبو العالية: الساحر. وعن بعضهم: الأصنام. وقيل: مردة الجن والإنس وكل ما يطغى، وإنما جعلت/ هذه الأشياء أسباباً للطغيان لحصول الطغيان عند الاتصال بها كقوله {أية : رب إنهن أضللن كثيراً من الناس} تفسير : [إبراهيم: 36] ويعلم من قوله {فمن يكفر بالطاغوت} ثم من قوله: {ومن يؤمن بالله}، أن الكافر لا بد أن يتوب أوّلاً، ثم يؤمن بعد ذلك، {فقد استمسك بالعروة الوثقى} استمسك وتمسك بمعنى، والعروة واحدة عرى: الدلو والكوز ونحوهما مما يتعلق به. والوثقى تأنيث الأوثق، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن الإسلام أقوى ما يتشبث به للنجاة فمثل المعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس وهو الحبل الوثيق المحكم حتى يتصور السامع كأنه ينظر إليه بعينه فتزول شبهته بالكلية. والفصم كسر الشيء من غير أن يبيّن فصَمْتُه فانفصم. والمقصود من قوله {لا انفصام لها} هو المبالغة لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فأن لا يكون لها انقطاع أولى قيل إن الموصول ههنا محذوف أي التي لا انفصام لها كقوله {أية : وما منا إلا له مقام معلوم} تفسير : [الصافات: 164] أي مَن له. وقيل: معنى قوله {لا إكراه في الدين} لا تكرهوا في الدين على أنه إخبار في معنى النهي والإكراه إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه. ثم قال بعضهم: إنه منسوخ بقوله {أية : جاهد الكفار والمنافقين} تفسير : [التحريم: 9] وقال بعضهم: هو في أهل الكتاب خاصة، لأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم وحُكْم المجوس حُكْمهم. وأما الكفار الذين تهوّدوا أو تنصروا فقيل إنهم لا يقرُّون على ذلك ويكرهون على الإسلام. وقيل يقرُّون على ما انتقلوا إليه ولا يكرهون. "حديث : روي أنه كان لأنصاريٍّ من بني سالم بن عوق ابنان فتنصَّرا قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما. فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عيله وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فنزلت فخلاهما"تفسير : . وقيل معنى قوله {لا إكراه} أي: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب أنه دخل مكرهاً لأنه إذا رضي بعد الحرب وصحَّ إسْلامه فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوه إلى الإكراه فيكون كقوله {أية : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً} تفسير : [النساء: 94]. {والله سميع عليم} يسمع قول من يتكلم بالشهادة وقول من يتكلم بالكفر، يعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطيب وما في قلب الكافر من العقد الخبيث. "حديث : وعن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة وكان يسأل الله ذلك سراً وعلانية فقيل له: والله سميع لدعائك يا محمد عليم بحرصك واجتهادك ".تفسير : قوله سبحانه: {الله ولي الذين آمنوا} أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم "فعيل"/ بمعنى "فاعل" والتركيب يدل على القرب، فالمحب ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة، ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير، وفيه دليل على أن ألطاف الله تعالى في حق المؤمنين وفيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، وذلك أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ومن الشك إلى اليقين. والإخراج يشمل الكافر إذا آمن والمؤمن الأصلي، ولا يبعد أن يقال يخرجهم إلى النور من الظلمات، وإن لم يكونوا في الظلمة ألبتة؛ فإن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لحظة لوقع في ظلمات الجهالات والضلالات فصار توفيقه تعالى سبباً لدفع تلك الظلمات عنه، وبين الدفع والرفع تشابه، ومثله قوله: {أية : وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} تفسير : [آل عمران: 103] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار. "حديث : ويروى أنه صلى الله عليه وسلم سمع إنساناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: "على الفطرة" فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: "خرج من النار"" تفسير : ومن المعلوم أنه ما كان فيها. قال الواحدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه تعالى أراد بهما الكفر والإيمان إلا قوله في أول الأنعام {أية : وجعل الظلمات والنور} تفسير : [الأنعام: 1] فإنه عنى به الليل والنهار. قال: وإنما جعل الكفر ظلمة لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك. قلت: قد مر أن الإيمان والعلم وجميع الكمالات النفسانية والمعارف اليقينية أنوار تزداد النَفس بها نورية وإشراقاً فلا حاجة إلى هذا التكلف. {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} مصدر، ولهذا وحد في موضع الجمع {يخرجونهم من النور إلى الظلمات} وإنما وحد النور وجمع الظلمة لأن الحق وما يرجع إليه طريقه واحد وهو أيضا في نفسه واحد، وأما الباطل فلا حصر له ولا لطرقه. كما أن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين واحد، والمنحنية غير محدود. وإسناد الإضلال إلى الطاغوت، وهو كل من ينسب إلى الطغيان، كالمجاز فإن الحوادث بأسرها تستند إلى المبدأ الأول بالحقيقة وتنتهي إلى قضائه وقدره كما سبق تحقيقه مراراً. {أولئك} الكفار أو هم مع من يطيعهم من الوسائط والوسائل {أصحاب النار} فيكون زجراً للكل ووعيداً لهم أعاذنا الله من ذلك. التأويل: {الحي القيوم}: أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه "الحي" مشتمل على جميع أسمائه وصفاته. فإن من لوازم الحي أن يكون قادراً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً إلى غير ذلك من نعوت الكمال، واسمه "القيوم" دالّ على افتقار كل المخلوقات إليه؛ فإذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين، انكشف للعبد عند تجلي صفته "الحي" معاني جميع أسمائه وصفاته؛ وعند تجلي صفته "القيوم" فناء جميع المخلوقات، إذ كان قيامها/ بقيومية الحق لا بأنفسهم، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا "الحي القيوم" إذ سلب "الحي" جميع أسماء الله وسلب "القيوم" قيام الممكنات، ففني التعدد وبقيت الوحدة. فيذكره عند شهود عظمة الواحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؛ لأنه حينئذٍ ينطق بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه. فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم. كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت. {لا تأخذه سنة ولا نوم}، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة. {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قيل: من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها {أية : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} تفسير : [الإسراء: 79]. {ويعلم} محمد صلى الله عليه وسلم {ما بين أيديهم} من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق، كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أول ما خلق نوري، أول ما خلق الله العقل أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" تفسير : {وما خلفهم} من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، {ولا يحيطون بشيء من علمه} وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم {أية : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل} تفسير : [هود: 120] ويعلم أمور آخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا يعلمون شيئاً من ذلك {إلا بما شاء} أن يخبرهم عنه {وسع كرسيه السموات والأرض}: مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ ومثال الكرسي: سره. وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء الله تعالى في قوله {أية : الرحمن علىالعرش استوى} تفسير : [طه: 9] وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن. {أية : ولا يؤده حفظهما} تفسير : لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السموات والأرض، {أية : وعلم آدم الأسماء كلها} تفسير : [البقرة:31] ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردَّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال: {وهو العلي العظيم} فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم فبتعظيمه. ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله {لا إكراه في الدين} كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الدين بالتمني " تفسير : مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو/ الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً والتسليم لأحكام الحقِّ باطناً من غير حرج وضيق عطن. ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله {فمن يكفر بالطاغوت} يتبرأ منه؛ فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى الله. وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى. وشهود القلب مع المولى. وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر. ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي {أية : تبت إليك} تفسير : [الأحقاف: 15] أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصاً عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكاً مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل: شعر : لي سكرتان وللندمان واحدة شيء خصصت به من بينهم وحدي تفسير : ثم العروة الوثقى التي استمسك بها المؤمن لا يمكن أن تكون من المحدثات المخلوقات لقوله {أية : كل شيء هالك إلا وجهه} تفسير : [القصص: 88] ولا تكون أيضا من بطشك وإلا كانت منفصمة، بل تكون من بطشه {أية : إن بطش ربك لشديد} تفسير : [البروج: 12] ولكل مؤمن عروة مناسبة لمقامه في الإيمان؛ فهي للعوام توفيق الطاعة، وللخواص مزيد العناية بالمحبة {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : [المائدة: 54] ولخواص الخواص الجذبة الإلهية التي تفنيه عن ظلمات الغيرية وتبقيه بنور الربوبية ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " تفسير : وأعمالهما فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق باقية من عالم القدم لا يجوز عليها الانفصام، فالمجذوب لا يخلص منها أبد الآبدين. ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء. {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت}: ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله {أية : أنداداً يحبونهم كحب الله} تفسير : [البقرة: 165]؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية/ والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض {أولئك} أي أرواح الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم. والله المستعان.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ...} الآية: هذه الآيةُ سيِّدة آي القرآن، وورد في الحديثِ؛ «حديث : أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآن»تفسير : ، وورد «حديث : أنَّ مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ لَيْلِهِ، لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ»تفسير : ؛ وكذلك مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ نَهارِهِ، وهي متضمِّنة التوحيدَ والصِّفاتِ العُلاَ، وعن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لفاطمةَ: «حديث : مَا مَنَعَكِ أَنْ تَسْمَعِي، مَا أَوْصَيْتُكِ بِهِ، تَقُولِينَ، إِذَا أَصْبَحْتِ، وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إِلَىٰ نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ»تفسير : ، رواه النَّسائيُّ، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» عَلَى الصَّحيحَيْن، وقال: صحيحٌ علَىٰ شرط الشيخَيْن، يعني البخاريَّ ومسلماً. انتهى من «السِّلاح». وعن ابن مسعود؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ، قَالَ: «حديث : يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»تفسير : رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإِسناد، ورواه الترمذيُّ من حديث أنسٍ، والنَّسائيّ من حديثِ رَبِيعَةَ بْنِ عامرٍ، انتهى من «السِّلاح». واللَّه: مبتدأ، ولا إِلَهَ: مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوفٌ، تقديره معبودٌ أو موجودٌ، وقَيُّوم: بناءُ مبالغةٍ، أي: هو القائم على كلِّ نفس بما كَسَبَتْ؛ بهذا المعنىٰ فسَّره مجاهدٌ، والرَّبيع، والضَّحَّاك، ثم نفى عزَّ وجلَّ؛ أنْ تأخذه سِنَةٌ أو نَوْم، وفي لفظٍ: الأَخْذُ غَلَبَةٌ مَّا، فلذلك حَسُنَتْ في هذا الموضِعِ بالنفْيِ، والسِّنَةُ: بدْء النُّعَاس، وليس يفقد معه كلّ الذِّهْن، والنَّوْمُ هو المستثْقَلُ الذي يزولُ معه الذهْن، والمراد بالآية: التنزيهُ أنه سبحانه لا تدركُه آفة، ولا يلحقه خَلل بحالٍ من الأحوال، فجعلت هذه مثالاً لذلك، وأقيمَ هذا المذكورُ من الآفاتِ مقام الجميعِ، وهذا هو مفهومُ الخطَابِ؛ كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} تفسير : [الإسراء:23]. *ت *: وبيانه أنه إِذا حرم التأفيف، فَأحْرَىٰ ما فوقه من الشَّتْمِ، والضَّرْب في حقِّ الأبوَيْن، وروَىٰ أبو هريرة، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي عَنْ مُوسَىٰ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ: «حديث : وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَىٰ: هَلْ يَنَامُ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فَأرَّقَهُ ثَلاَثاً، ثُمَّ أعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةً، وأَمَرَهُ بِأَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا، قَالَ: فَجَعَلَ يَنَامُ، وتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ، فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَىٰ؛ حَتَّىٰ نَامَ نَوْمَةً، فَٱصْطَفَقَتْ يَدَاهُ، فَٱنْكَسَرَتِ القَارُورَتَانِ، قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلاً أَنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ، لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالأرْضِ». تفسير : قوله تعالَىٰ: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}، أي: بالملك؛ فهو مالكُ الجميع، وربُّه، ثم قرَّر، ووَقَفَ تعالَىٰ من يتعاطَىٰ أنْ يشفع إِلاَّ بإذنه، أي: بأمره. * ص *: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ}: «مَنْ»: مبتدأ، وهو ٱستفهامٌ معناه النفْيُ؛ ولذا دخلَت «إِلاَّ» في قوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ }، والخبر «ذَا»، و «الَّذِي» نعْتٌ لـــ «ذَا» أو بدل منه، وهذا على أنَّ «ذا» اسمُ إِشارةٍ، وفيه بُعْد؛ لأن الجملة لم تستقلَّ بـــ «مَنْ» مع «ذَا»، ولو كان خبراً، لاستقلَّ، ولم يحتجْ إِلى الموصولِ، فالأولَىٰ أنَّ «مَنْ» ركِّبت مع «ذَا» لِلاستفهامِ. انتهى. قال مجاهدٌ وغيره: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }: الدُّنيا، {وَمَا خَلْفَهُمْ}: الآخرة، وهذا صحيحٌ في نفْسه عند موت الإِنسان؛ لأن ما بين اليَدِ هو كلُّ ما تقدَّم الإِنسان، وما خَلْفه: هو كلُّ ما يأتي بعده، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ}، أي: مِن معلوماته؛ لأن علْم اللَّه تعالَىٰ لا يتبعَّض، ومعنى الآية: لاَ مَعْلُومَ لأحدٍ إلا ما شاء اللَّه أنْ يعلمه، قال ابن عبَّاس: كُرْسيُّه: علْمه [قالَ] الطبريُّ: ومنه الكُرَّاسَة. قال: * ع *: والذي تقتضيه الأحاديثُ أنَّ الكرسيَّ مخلوقٌ عظيمٌ بَيْن يَدَيِ العَرْشِ، والعَرْشُ أعظمُ منْه؛ وقد قال رُسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلاَّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ»تفسير : وقال أبو ذَرٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : مَا الكُرْسيُّ فِي العَرْش إِلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ»تفسير : وهذه الآية مُنْبِئَةٌ عن عِظَمِ مخلوقاتِ اللَّه سبحانَهُ، والمستفادُ من ذلك عِظَمُ قدرتِهِ ـــ جل وعلا ـــ؛ إِذ لا يَؤُوده حفْظُ هذه المخلوقاتِ العظيمةِ، {وَلاَ يَؤُودُهُ}: معناه: لا يُثْقِلُهُ، ولا يشقُّ عليه، وهو تفسيرُ ابن عبَّاس وغيره، و {ٱلْعَلِىُّ }: يراد به عُلُوُّ القَدْر، والمنزلةِ، لا عُلُوُّ المكانِ؛ لأن اللَّه سبحانه منزَّه عن التَّحَيُّز؛ وكذا {ٱلْعَظِيمُ}: هو صفةٌ؛ بمعنى عِظَم القَدْر، والخَطَر، لا علَىٰ معنى عِظَمِ الأجْرَامِ، ومن «سلاح المؤمن» قال: وعن أبي أُمَامَةً، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ»تفسير : . رواه النَّسَائِيُّ عن الحُسَيْن بن بِشْرٍ عن محمَّد بن حِمْيَرَ، عن محمَّد بن زيَادٍ الألهانيِّ، عن أبي أُمَامَةَ، فأما الحُسَيْن، فقال فيه النَّسائيُّ: لا بأس به، وقال في موضِعٍ آخر: ثِقَة، وقال أبو حاتِمٍ: شيخ، وأما المُحمَّدان، فٱحتجَّ بهما البخاريُّ في «صحيحه»، وقد أخرج شيخُنا الحافظُ أبو محمَّد الدِّمْيَاطِيُّ - رحمه اللَّه - الْحَدِيثَ في بَعْضِ تصانِيفِهِ مِنْ حديثِ أبِي أمَامَةَ، وعليٍّ، وعبد اللَّه بنِ عُمَر، والمُغِيرَة، وجابرٍ، وأنَس، قال: وإِذَا ضمت هذه الأحاديث بعضُها إِلَىٰ بعض، أخذت قوة. انتهى من «السلاح». وقد أخْرج البخاريُّ والنَّسَائِيُّ من حديث أبي هُرَيْرة في قصَّته مع الشَّيْطَان وأخْذِهِ الطَّعام، ما هو مَعْلُومٌ من فَضْل هذه الآية. وفيه: أنه إِذا قرأْتَهَا حِينَ تَأوي إِلَىٰ فِرَاشِكَ، لَمْ يَزَلْ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبْكَ شَيْطَانٌ؛ حَتَّىٰ تُصْبِحَ، وخرَّجه الترْمِذِيُّ من حدِيثِ أبي أَيُّوبَ في قصَّته مع الغُول نحْو حديث أبِي هريرة؛ قال الغزَّاليُّ ما معناه: إِنما وصفت بكونها سيِّدة آي القرآن؛ لاشتمالها على ٱسْم اللَّه الأعظم، وهو الحيُّ القيومُ؛ قاله في «الجَوَاهِر»، وأسند صاحبُ «غاية المَغْنَمِ في ٱسم اللَّهِ الأعْظَمِ»، عن غَالِبٍ القَطَّان، قال: مكثْتُ عشْرَ سنينَ، أدعو اللَّه أنْ يعلِّمني ٱسْمَه الأعْظَم الَّذي إِذا دُعِيَ به أجَابَ، وإِذا سُئِلَ به أعطَىٰ، فأتانِي آتٍ في مَنَامِي ثَلاَثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ يَقُولُ: يَا غَالِبُ قُلْ: يَا فَارِجَ الهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الغَمِّ، يَا صَادِقَ الوَعْدِ، يَا مُوفِياً بِالْعَهْدِ، يَا مُنْجِزاً لِلْوَعْدِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لاَ إلۤـــهَ إِلاَّ أَنْتَ. انتهى من «غاية المَغْنَمِ».
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّ عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أن يذكر علم التَّوحيد، وعلم الأحكام، وعلم القصص، فإنَّ الإنسان إذا بقي في النَّوع الواحد، كان يوجب بعض الملال فإذا انتقل من نوع إلى نوع آخر، كان كأنَّه انشرح صدره، وفرح قلبه، فكأنه سافر من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، وانتقل من بستان إلى بستان آخر، أو من تناول طعام لذيذ إلى تناول طعام آخر، ولا شكّ أنه يكون ألذَّ، وأشهى، فلمَّا تقدَّم من علم الأحكام وعلم القصص ما رآه مصلحة، ذكر الآن ما يتعلَّق بالتَّوحيد. قوله تعالى: {ٱللهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ}: مبتدأٌ وخبرٌ وهو مرفوعٌ محمولٌ على المعنى، أي: ما إله إلاَّ هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلاَّ إيَّاه، نصب على الاستثناء. وقيل: "ٱللهُ" مبتدأٌ، و "لاَ إِلَـٰهَ" مبتدأ ثان، وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود. و "ٱلْحَيُّ" فيه سبعة أوجه: أحدها: أن يكون خبراً ثانياً للجلالة. الثاني: أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي: هو الحيُّ. الثالث: بدل من موضع: "لا إِلـه إِلاَّ الله هو" فيكون في المعنى خبراً للجلالة، وهذا في المعنى كالأول، إلا أنَّه هنا لم يخبر عن الجلالة إلاَّ بخبرٍ واحدٍ بخلاف الأول. الرابع: أن يكون بدلاً من "هُوَ" وحده، وهذا يبقى من باب إقامة الظاهر مقام المضمر، لأنَّ جملة النَّفي خبرٌ عن الجلالة، وإذا جعلته بدلاً حلَّ محلَّ الأول، فيصير التقدير: الله لا إله إلا الله. الخامس: أن يكون مبتدأٌ وخبره {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}. السادس: أنه بدلٌ من "اللهِ". السابع: أنه صفة لله، وهو أجودها، لأنه قرئ بنصب "الحيَّ القَيُّومَ" على القطع، والقطع إنَّما هو في باب النَّعت، ولا يقال في هذا الوجه الفصل بين الصِّفة والموصوف بالخبر، لأنَّ ذلك جائزٌ حسن [تقول: زيدٌ قائمٌ العاقلُ]. و "ٱلْحَيُّ" فيه قولان: أحدهما: أن أصله حييٌ بياءين من حيي يحيا فهو حيٌّ، وإليه ذهب أبو البقاء. والثاني: أنَّ أصله حيوٌ فلامه واو فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها متطرِّفة، وهذا لا حاجة إليه، وكأنَّ الذي أحوج هذا القائل إلى ادِّعاء ذلك أنَّ كون العين، واللام من واد واحدٍ هو قليل في كلامهم بالنسبة إلى عدم ذلك فيه، ولذلك كتبوا "الحَيَاةَ" بواوٍ في رسم المصحف العزيز تنبيهاً على هذا الأصل، ويؤيده "الحَيَوَانُ" لظهور الواو فيه. ولناصر القول الأول أن يقول: قلبت الياء الثانية واواً تخفيفاً؛ لأنَّه لمَّا زيد في آخره ألفٌ ونونٌ استثقل المثلان. وفي وزنه أيضاً قولان: أحدهما: أنه فعل. والثاني: أنَّه فيعل فخُفِّف، كما قالوا ميْت، وهيْن، والأصل: هيّن وميّت. قال السُّدِّيُّ المراد بـ "الحَيّ" الباقي؛ قال لبيدٌ: [الطويل] شعر : 1175- فَإِمَّا تَرَيْنِي اليَوْمَ أَصْبَحْتُ سَالِماً فَلَسْتُ بِأَحْيَا مِنْ كِلاَبٍ وَجَعْفَرِ تفسير : وقال قتادة: والحيُّ الذي لا يموتُ والحيُّ اسمٌ من أسمائه الحسنى، ويقال إنه اسم الله الأعظم. وقيل إنَّ عيسى ابن مريم - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ". ويقال: إنَّ آصف بن برخيا، لمَّا أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان - عليه الصَّلاة والسَّلام - دعا بقوله: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ". ويقال إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم "أيا هيا شراهيا" يعني "يا حي يا قيوم"، ويقال هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يا حي يا قيوم وعن علي - رضي الله عنه - لما كان يوم بدر جئت أنظر ما يصنع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ساجدٌ يقول "يَا حَيُّ يَا قيُّومُ"، فترددت مرات، وهو على حاله لا يزيدعلى ذلك إلى أن فتح الله له. وهذا يدلُّ على عظمة هذا الاسم. والقيُّوم: فيعولٌ من: قام بالأمر يقوم به، إذا دبَّره؛ قال أميَّة: [الرجز] شعر : 1176- لَمْ تُخْلَقِ السَّمَاءُ والنُّجُومُ وَالشَّمْسُ مَعْهَا قَمَرٌ يَعُومُ قَدَّرَهُ مُهَيْمِنٌ قَيُّومُ وَالحَشْرُ وَالجَنَّةُ والنَّعِيمُ إلاَّ لأَمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ تفسير : وأصله "قَيْوُومٌ"، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصار قيُّوماً. وقرأ ابن مسعود والأعمش ويروى عن عمر: "الحَيُّ القَيَّام"، وقرأ علقمة: "القَيِّم" وهذا كما يقولون: ديُّور، وديار، وديِّر. ولا يجوز أن يكون وزنه فعُّولاً كـ "سَفُّود" إذ لو كان كذلك؛ لكان لفظه قوُّوماً؛ لأنَّ العين المضاعفة أبداً من جنس الأصليَّة كسُبُّوح، وقُدُّوس، وضرَّاب، وقتَّال، فالزَّائد من جنس العين، فلمَّا جاء بالياء دون الواو؛ علمنا أنَّ أصله فيعول، لا فعُّول، وعدَّ بعضهم فيعولاً من صيغ المبالغة كضروبٍ، وضرَّاب. قال بعضهم: هذه اللَّفظة عبريَّة؛ لأنَّهم يقولون "حياً قياماً"، وليس الأمر كذلك؛ لأنا قد بيَّنا أن له وجهاً صحيحاً في اللُّغة. فصل اعلم أنَّ تفسير الجلالة قد تقدَّم في أوَّل الكتاب، والإله؛ قال بعضهم: هو المعبود، وهو خطأ من وجهين: الأول: أنه تبارك وتعالى كان إلهاً في الأزل، وما كان معبوداً. الثاني: أنَّه تعالى أثبت معبوداً سواه في قوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللهِ}تفسير : [الأنبياء:98]. قال ابن الخطيب ـ رحمه الله: وإنما "الإله" هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً للعبادة، وأما "الحيُّ" قال المتكلِّمون: هو كلُّ ذاتٍ يصحُّ أن يعلم، ويقدر، واختلفوا في أنَّ هذا المفهوم صفةٌ وجوديَّةٌ أم لا، فقال بعضهم: إنَّه عبارةٌ عن كون الشَّيء بحيث لا يمتنع أنَّه يعلمُ ويقدرُ، وعدم الامتناع صفةٌ موجودة، أم لا؟ قال المحقِّقون: لما كانت الحياة عبارةٌ عن عدم الامتناع، وقد ثبت أنَّ الامتناع أمر عدمي، إذ لو كان وصفاً موجوداً؛ لكان الموصوف به موجوداً، فيكون ممتنع الوجود موجوداً، وهو محالٌ، وإذا ثبت أنَّ الامتناع عدمٌ وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع، وثبت أنَّ عدم العدم: وجودٌ، لزم أن يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة، وهو المطلوب. قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى -: ولقائل أن يقول لمّا كان الحيّ أنَّه الذي يصحّ أن يعلم، ويقدر، وهذا القدر حاصلٌ لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات. والذي عندي في هذا الباب: أنَّ الحيَّ عبارةٌ عن الكامل في نفسه، ولما لم يكن كذلك مقيداً بأنه كاملٌ في هذا دون ذاك دلّ على أنه كاملٌ على الإطلاق. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّه كان يقول: أعظم أسماء الله ـ تعالى ـ "الحيّ القيوم". روي أنَّه -عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان يزيد على ذكره في السجود يَومَ بَدْرٍ. والقيوم؛ قال مجاهدٌ: القائم على كلِّ شيءٍ وتأويله قائمٌ بتدبير الخلائق في إيجادهم وأرزاقهم. وقال الكلبيُّ: القائم على كلّ نفس بما كسبت. وقال الضحاك: القيُّوم الدَّائم الوجود الذي يمتنع عليه التغيير. وقيل: القيُّوم الذي لا ينام، وهذا القول بعيد؛ لأنه يصير قوله ـ تعالى ـ {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} تكراراً. وقال أبو عبيدة: القيُّوم الذي لا يزول. قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} في هذه الجملة خمسة أوجه: أحدها: أنها في محلِّ رفع خبراً للحيّ كما تقدَّم في أحد أوجه رفع الحيّ. الثاني: أنَّها خبرٌ عن الله تعالى عند من يجيز تعدُّد الخبر. الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضَّمير المستكنِّ في "القَيُّومِ" كأنَّه قيل: يقوم بأمر الخلق غير غافل، قاله أبو البقاء رحمه الله تعالى. الرابع: أنها استئناف إخبارٍ، أخبر - تبارك وتعالى - عن ذاته القديمة بذلك. الخامس: أنها تأكيد للقيُّوم؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيُّوماً، قاله الزَّمخشريُّ، فعلى قوله إنَّها تأكيدٌ يجوز أن يكون محلُّها النصب على الحال المؤكَّدة، ويجوز أن تكون استئنافاً، وفيها معنى التأكيد، فتصير الأوجه أربعةً. والسِّنة: النُّعاس، وهو ما يتقدَّم النَّوم من الفتور؛ قال عديّ بن الرقاع: [الكامل] شعر : 1177- وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ تفسير : وهي مصدر وسن يَسِنُ؛ مثل: وَعَد، يَعِد، وقد تقدَّم علة الحذف عند قوله {أية : سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ}تفسير : [البقرة:247]. فإن قيل: إذا كانت السِّنة عبارةً عن مقدِّمة النَّوم، فقوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} يدلُّ على أنَّه لا يأخذه نومٌ بطريق الأولى، فيكون ذكر النَّوم تكراراً. فالجواب: تقدير الآية: لا تأخذه سنة، فضلاً عن أن يأخذه نومٌ. وقيل هذا من باب التكميل. وقال ابن زيد: "الوَسْنَانُ: الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَّومِ وهو لا يَعْقِلُ؛ حَتَّى إنَّه رُبَّمَا جَرَّدَ السَّيْفَ على أهْلِهِ"، وهذا القول ليس بشيء، لأنَّه لاَ يفهم من لغة العرب ذلك، وقال المفضَّل: "السِّنَةُ: ثِقَلٌ في الرَّأْسِ، والنُّعَاسُ في العَيْنَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ". وكُرّرت "لاَ" في قوله تعالى: "وَلاَ نَوْمٌ" تأكيداً، وفائدتها انتفاء كلِّ واحدٍ منهما، ولو لم تذكر لاحتمل نفيهما بقيد الاجتماع، ولا يلزم منه نفيُ كلِّ واحدٍ منهما على حدته، ولذلك تقول: "مَا قَامَ زيدٌ، وعمرو، بل أحدهما"، [ولو قلت: "مَا قَامَ زيدٌ وَلاَ عمْرو، بل أحدهما"] لم يصحَّ. فصل في تفسير "الوَسْنَانِ" والوسنان: بين النَّائم، واليقظان، والنَّوم: هو الثَّقيل المزيل للقوَّة والعقل. وقيل السِّنة: أوَّل النَّوم، وهو النُّعاس، والنَّوم: غشيةُ ثقيلةٌ تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء. قيل: إنَّ النَّوم عبارةٌ عن ريح تخرج من أعصاب الدِّماغ فإذا وصلت العينين، حصل النُّعاس، وإذا وصلت إلى القلب، حصل النوم. فصل والمعنى: لا يغفل عن شيءٍ دقيقٍ، ولا جليلٍ، فعبَّر بذلك عن الغفلة، لأنه سببها، فأطلق اسم السَّبب على مسببه. نفى الله - تعالى - عن نفسه النَّوم، لأنَّه آفةٌ وهو منزَّهٌ عن الآفات؛ ولأنَّهُ تغيُّرٌ، ولا يجوز عليه التَّغيُّر. "حديث : عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال:إنَّ اللهَ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، وَلَكِنَّهُ يَخْفِضُ بَالْقِسْطِ، ويَرْفَعُهُ وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وجهه مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ". تفسير : يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكى عن موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - أنَّه وقع في نفسه هل ينام الله تعالى! فأرسل إليه ملكاً فأرَّقه ثلاثاً، ثمَّ أعطاه قارورتين في كلِّ يدٍ واحدة، وأمره بالاحتفاظ بهما وكان يتحرَّز بجهده ألا ينام، فنام في آخر الأمر، فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان فضرب الله - تعالى - ذلك مثلاً له في بيان أنَّه لو كان ينام؛ لم يقدر على حفظ السَّموات والأرض. واعلم أنَّ مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - فإن كلَّ من جوَّز النَّوم على الله - تعالى - أو كان شاكاً في جوازه كفر، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى - عليه السَّلام - فإن صحَّت هذه الرواية فالواجب نسبة هذا السُّؤال إلى جهال قومه. قوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} هي كالتي قبلها إلاَّ في كونها تأكيداً، و "ما" للشُّمول، واللاّم في "لَهُ" للملك، وكرَّر "مَا" تأكيداً، وذكرها هنا المظروف دون الظرف؛ لأنَّ المقصود نفي الإلهيَّة عن غير الله تعالى، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلاّ هو، لأنَّ ما عبد من دونه في السَّماء كالشَّمس، والقمر، والنجوم أو في الأرض كالأصنام وبعض بني آدم، فكلُّهم ملكه تعالى تحت قهره، واستغنى عن ذكر أنَّ السَّموات، والأرض ملكٌ له بذكره قبل ذلك أنه خالق السَّموات والأرض. فصل لما كان المراد من هذه الإضافة الخلق، والملك، احتجوا بهذه الآية الكريمة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. قالوا: لأنَّ قوله تعالى {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يتناول كل ما في السموات والأرض، وأفعال العباد من جملة ما في السَّموات والأرض، فوجب أن تكون منتسبة إلى الله تعالى انتساب الملك والخلق. فإن قيل: لم قال {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ولم يقل من في السموات. فالجواب: لما كان المراد إضافة كلِّ ما سواه إليه بالمخلوقيّة، وكان الغالب عليه ما لا يعقل، أجرى الغالب مجرى الكلِّ، فعبر عنه بلفظة "مَا"، وأيضاً فهذه الأشياء إنَّما أسندت إليه من حيث إنَّها مخلوقة، وهي غير عاقلةٍ، فعبر عنه بلفظ "مَا" للتنبيه على أنَّ المراد من هذه الإضافة إليه الإضافة من هذه الجهة. قوله: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ} كقوله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللهَ}تفسير : [البقرة:245]. قال القرطبيُّ: "مَنْ" رفع بالابتداء، و "ذَا" خبره، و "الَّذِي" نعتٌ لـ "ذَا"، أو بدل ولا يجوز أن تكون "ذا" زائدة كما زيدت مع "مَا"؛ لأنَّ "ما" مبهمة، فزيدت "ذا" معها لشبهها بها. و "مَنْ"، وإن كان لفظها استفهاماً فمعناه النَّفي، ولذلك دخلت "إلاَّ" في قوله: "إِلاَّ بِإِذْنِهِ". و "عِنْدَهُ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّه متعلِّق بيشفع. والثاني: أنه متعلِّق بمحذوف لكونه [حالاً] من الضَّمير في "يَشْفَعُ"، أي: يشفع مستقراً عنده، وقوي هذا الوجه بأنه إذا لم يشفع عنده من هو عنده وقريبٌ منه فشفاعة غيره أبعد وضعَّف بعضهم الحاليَّة بأنَّ المعنى: يشفع إليه. و "إِلاَّ بِإِذْنِهِ" متعلِّقٌ بمحذوف، لأنَّه حال من فاعل، "يَشْفَع" فهو استثناءٌ مفرَّغ، والباء للمصاحبة، والمعنى: لا أحد يشفع عنده إلاَّ مأذوناً له منه، ويجوز أن يكون مفعولاً به، أي: بإذنه يشفعون كما تقول: "ضَرَب بِسَيْفِهِ"، أي: هو آلةٌ للضَّرب، والباء للتعدية. و "يَعْلَمُ" هذه الجملة يجوز أن تكون خبراً لأحد المبتدأين المتقدمين، أو استئنافاً، أو حالاً. والضَّمير فِي "أيْدِيهم" و "خَلْفَهُم" يعود على "مَا" في قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} إلا أنَّه غلَّب من يعقل على غيره. وقيل: يعود على العقلاء ممَّن تضمَّنه لفظ "ما" دون غيرهم. وقيل: يعود على ما دلَّ عليه "مَنْ ذَا" من الملائكة والأنبياء. وقيل: من الملائكة خاصّةً. فصل قال مجاهدٌ وعطاءٌ والسديُّ: "مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" ما كان قبلهم من أمور الدُّنيا "وَمَا خَلْفَهُم" ما يكون خلفهم من أمور الآخرة بعدهم. وقال الضَّحَّاك والكلبي: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يعني الآخرة؛ لأنَّهم يقدمون عليها. "وَمَا خَلفَهُمْ" يعني الدُّنيا؛ لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم. وقال عطاءٌ عن ابن عبَّاس: "مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم" من السماء إلى الأرض "وَمَا خَلْفَهُم" يريد ما في السَّموات. وقال ابن جريج: "مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ": مضيّ آجالهم "وما خَلْفَهُم": ما يكون بعدهم. وقال مقاتل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} ما كان قبل الملائكة. "وَمَا خَلْفَهُم" أي: ما كان بعد خلقهم. وقيل: "مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" ما قدموا من خير وشر "وَمَا خَلْفَهُمْ" ما هم فاعلوه. والمقصود من هذا الكلام: أنَّه عالم بأحوال الشَّافع، والمشفوع له، فيما يتعلَّق باستحقاق الثَّواب والعقاب؛ لأنَّه عالمٌ بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيءٌ والشُّفعاء لا يعلمون من أنفسهم أنَّ لهم من الطَّاعة ما يستحقُّون به هذه المنزلة العظيمة عند الله، ولا يعلمون أنَّ الله هل أذن لهم في تلك الشَّفاعة، أم لا. قوله: "بِشَيْءٍ" متعلِّقٌ بـ "يحيطون". والعلم هنا بمعنى المعلوم؛ لأنَّ علمه تعالى الذي هو صفةٌ قائمةٌ بذاته المقدَّسة لا يتبعَّض، ومن وقوع العلم موقع المعلوم قولهم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا عِلْمَكَ فِينَا" وحديث موسى، والخَضِر - عليهما الصَّلاة والسَّلام - "مَا نَقَص علمي وعلمُك من علمه إلاَّ كَمَا نقص العُصْفُورُ من هذا البَحْر" ولكون العلم بمعنى المعلوم، صحَّ دخول التَّبعيض، والاستثناء عليه. و "مِنْ عِلْمِهِ" يجوز أن يتعلَّق بـ "يحيطون"، وأن يتعلَّق بمحذوف لأنه صفة لشيء، فيكون في محلِّ جر. و "بمَا شَاءَ" متعلِّقٌ بـ "يحيطون" أيضاً، ولا يضرُّ تعلُّق هذين الحرفين المتَّحدين لفظاً ومعنًى بعاملٍ واحدٍ؛ لأنَّ الثاني ومجروره بدلان من الأول، بإعادة العامل بطرق الاستثناء، كقولك: "مَا مَرَرْتُ بأحدٍ إلاَّ بِزَيْدٍ"، ومفعول "شَاءَ" محذوفٌ تقديره: إلا بما شَاءَ أن يحيطوا به، وإنما قدَّرته كذلك لدلالة قوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ}. فصل هؤلاء المذكورون في هذه الآية يحتمل أن يكونوا هم الملائكة، ويحتمل أن يكونوا الملائكة وسائر من يشفع يوم القيامة من النَّبيين، والصِّديقين والشهداء والصالحين. وفي معنى الاستثناء قولان: أحدهما: أنَّهم لا يعلمون شيئاً من معلوماته إلا ما أراد هو أن يعلمهم كما قالوا: {أية : لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ}تفسير : [البقرة:32]. الثاني: أنَّهم لا يعلمون الغيب إلاَّ بما شاء أن يطلع بعض أنبيائه على بعض الغيب كقوله تعالى {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}تفسير : [الجن:26-27]. قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ}: الجمهور على "وَسِعَ" بفتح الواو وكسر السِّين وفتح العين فعلاً ماضياً. و "كُرْسِيُّه" بالرَّفع على أنَّه فاعله، وقرئ "وَسْعَ" سكَّن عين الفعل تخفيفاً نحو: عَلْمَ في عَلِمَ. وقرئ أيضاً: "وَسْعُ كُرْسِيِّه" بفتح الواو وسكون السين ورفع العين على الابتداء، و "كُرْسِيِّه" خفضٌ بالإضافة "السَّمَوَاتُ" رفعاً على أنه خبر للمبتدأ. واعلم أنه يقال: وَسِعَ فلاناً الشَّيء يَسعهُ سَعَةً إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به، ولا يسعك هذا أي: لا تطيقه ولا تحتمله، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً مَا وَسِعَهُ إِلاَّ اتِّبَاعِي" تفسير : أي: لا يحتمل غير ذلك. والكُرْسِيُّ: الياء فيه لغير النَّسب، واشتقاقه من الكِرْسِ، وهو الجمع؛ ومنه الكُرَّاسة للصَّحائف الجامعة للعلم؛ ومنه قول العجَّاج: [الرجز] شعر : 1178- يَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا تفسير : وقيل: أصله من تراكب الشَّيء بعضه على بعض، ومنه الكرس أبوال الدَّوابِّ وأبعارها يتلبد بعضها فوق بعض. [وأكرست الدَّار: إذا كثرت الأبعار والأبوال فيها، وتلبَّد بعضها فوق بعض]، وتكارس الشَّيء: إذا تركب ومنه الكرَّاسة، لتركب بعض الأوراق على بعضٍ. و "الكُرْسِيُّ" هو هذا الشَّيء المعروف لتركب خشباته بعضها فوق بعضٍ. وجمعه كراسيّ كبُخْتِيّ وبَخَاتِيّ، وفيه لغتان: أشهرهما ضمُّ كافه، والثانية كسرها، وقد يعبَّر به عن الملك؛ لجلوسه عليه، تسميةً للحالِّ باسم المحلِّ؛ ومنه: [الرجز] شعر : 1179- قَدْ عَلِمَ القُدُّوسُ مَوْلَى القُدْسِ أَنَّ أَبَا العَبَّاسِ أَوْلَى نَفْسِ في مَعْدِنِ المَلْكِ القَدِيمِ الكُرْسِي تفسير : وعن العلم؛ تسميةً للصفة باسم مكان صاحبها؛ ومنه قيل للعلماء: "الكَرَاسِيّ"؛ قال القاتل: [الطويل] شعر : 1180- يَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الوُجُوهِ وَعُصْبَةٌ كَرَاسِيُّ بِالأَحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ تفسير : وصفهم بأنهم عالمون بحوادث الأمور، ونوازلها؛ ويعبَّر به عن السِّرِّ، قال: [البسيط] شعر : 1181- مَا لِي بِأَمْرِكَ كُرْسِيٌّ أُكَاتِمُهُ وَلاَ بِكُرْسِيِّ - عَلْمَ اللهُ - مَخْلُوقِ تفسير : وقيل: الكرسيُّ لكلِّ شيء: أصله. فصل في حقيقة "الكُرْسِيّ" واختلفوا فيه على أربعة أقوال: أحدها: أنَّه جسم عظيم يسع السَّموات، والأرض قال الحسن: هو العرش نفسه. وقال أبو هريرة: الكرسيُّ: موضوعٌ أمام العرش ومعنى قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي: سعته مثل سعة السَّموات والأرض. وقال السُّدِّيُّ: إنَّه دون العرش، وفوق السَّماء السَّابعة، وفي الأخبار أن السموات والأرض في جنب الكرسيّ كحلقة في فلاةٍ، والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاةٍ. وأمّا ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسيُّ: موضع القدمين فمن البعيد أن يقول ابن عباس هو موضع القدمين لأن الله سبحانه وتعالى منزه عن الجوارح. وثانيها: أنَّ "الكرسي" هو السُّلطان، والقدرة، والملك. ثالثها: هو العلم، لأنَّ العلم هو الأمر المعتمد عليه "والكُرْسِيُّ" هو الشَّيء الذي يعتمد عليه، وقد تقدَّم هذا. ورابعها: ما اختاره القفَّال وهو: أنَّ المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه؛ لأنَّه خاطب الخلق في تعريف ذاته، وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم، وعظمائهم كما جعل الكعبة بيتاً له يطوف النَّاس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر النَّاس بزيارته، كما يزورون بيوت ملوكهم. وذكر في الحجر الأسود: "أنَّهُ يمين اللهِ في أَرْضِهِ" وجعله موضوعاً للتقبيل كما يقبل الناس أيضاً أيدي ملوكهم، وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشُّهداء، ووضع الميزان، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه العرش في قوله: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه:5] ووصف العرش بقوله: {أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ}تفسير : [هود:7] ثم قال: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ}تفسير : [الزمر:75] ثم قال: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}تفسير : [الحاقة:17] وقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ}تفسير : [غافر:7]، وكذلك إثبات الكرسيّ. وقال ابن الخطيب - رحمه الله -: وهذا جوابٌ مبيّن إلاَّ أنَّ المعتمد هو الأوَّل، وأنَّ ترك الظَّاهر بغير دليل لا يجوز. قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} يقال: آده كذا، أي: أثقله، ولحقه منه مشقَّةٌ؛ قال القائل: [الطويل] شعر : 1182- أَلاَ مَا لِسَلْمَى اليَوْمَ بَتَّ جَدِيدُهَا وَضَنَّتْ وَمَا كَانَ النَّوَالُ يُؤُودُها تفسير : أي: يثقلها، ومنه الموءودة للبنت تدفن حيّة، لأنَّهم يثقلونها بالتُّراب. وقرئ: "يَوْدُهُ" بحذف الهمزة، كما تحذف همزة "أُنَاسٍ"، وقرئ "يُوُودُهُ" بإبدال الهمزة واواً. و "حِفْظ": مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، أي: لا يَئُودُهُ أن يحفظهما. و "العَلِيُّ" أصله: "عَلْيِوٌ"، فأُدْغِمَ؛ نحو: مَيِّتٍ؛ لأنَّه من علا يعلو؛ قال القائل في ذلك البيت: [الطويل] شعر : 1183- فَلَمَّا عَلَوْنَا وَاسْتَوَيْنَا عَلَيْهِمُ تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرٍ وَكَاسِرِ تفسير : فصل في المراد بالعلو والمراد بالعلو علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأن الله سبحانه وتعالى منزه عن التحيز والعلي والعالي القاهر الغالب للأشياء تقول العرب: علا فلان فلاناً أي غلبه وقهره؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1184- فَلَمَّا عَلَوْنَا...................... ............................ تفسير : البيت المتقدِّم، وقال تعالى: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص:4]. قال ابن الخطيب: لو كان علوُّه بالمكان لكان متناهياً؛ فإنَّ الجزء المفروض فوقه، أعلى منه، فلا يكون عليّاً مطلقاً، وإن كان غير متناه، وقد دلَّت البراهين اليقينيَّة على استحالة بعدٍ غير متناهٍ. وأيضاً فلو فرضنا في ذلك نقطاً غير متناهية، فإن لم يحصل فوق تلك النّقط نقطة، أخرى، وكانت تلك النُّقطة طرفاً، لذلك البعد، فيكون متناهياً، وإن لم يوجد في ذلك البعد سفلاً فلا يكون فيها ما هو فوق على الإطلاق، وذلك ينفي حصول العلوّ المطلق، ولأنَّ العالم كرة، فكل علوّ بالنسبة إلى أحد وجهي الأرض هو سفل بالنسبة للوجه الثاني، فينقلب العلوُّ سفلاً، ولأن لو كان علُّوه بالمكان، لكان حصول العلوّ للمكان بالذَّات، والله تعالى بالعرض، وما بالذات أشرف منها بالعرض، فيكون علوُّ المكان أشرف من علوِّه سبحانه، وذلك باطلٌ. و"ٱلْعَظِيمُ" تقدَّم معناه، وقيل: هو هنا بمعنى المعظَّم؛ كما قالوا: "عَتِيقٌ" بمعنى: مُعَتَّق؛ قال القائل: [الخفيف] شعر : 1185- فَكَأَنَّ الخَمْرَ العَتِيقَ مِنَ الإِسْـ ـفَنْطِ مَمْزُوجَةً بِمَاءٍ زُلاَلِ تفسير : قيل: وَأُنكر ذلك لانتفاء هذا الوصف. وقيل في الجواب عنه: إنَّه صفة فعلٍ، كالخلق، والرِّزق، والأوَّل أصحُّ. قال الزَّمخشريُّ: "فإنْ قلت: كَيْفَ تَرَتَّبَتِ الجُملُ في آية الكرسيّ من غير حَرْفِ عطفٍ؟ قلت: ما منها جملةٌ إلاَّ وهي واردةٌ على البيان لما ترتَّبت عليه، والبيان متَّحدٌ بالمبيَّن، فلو توسَّط بينهما عاطفٌ لكان كما تقول العرب: "بَيْنَ العَصَا وَلِحَائِهَا" فالأولى بيانٌ لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه، والثانية لكونه مالكاً لما يدبِّره، والثالثة لكبرياء شأنه، والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم، المستوجب للشَّفاعة وغير المرتضى، والخامسة لسعة علمه، وتعلُّقه بالمعلومات كلِّها، أو لجلاله وعظم قدرته" انتهى. يعني غالب الجمل وإلاَّ فبعض الجمل فيها معطوفة وهي قوله: "وَلاَ يُحِيطُونَ"، وقوله: "وَلاَ يَؤُودُهُ" وقوله {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ}. فصل في فضل هذه الآية في فضل هذه الآية الكريمة روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ما قُرِئَت هذه الآية في دَارٍ إلاَّ اهْتَجَرَهَا الشَّيْطَانُ ثَلاَثِينَ يَوْماً، ولاَ يَدْخُلُهَا سَاحِرٌ وَلاَ سَاحِرَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ". تفسير : وعن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: سمعت نبيَّكم على أعواد المنبر وهو يقول: "حديث : مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لم يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّة إِلاَّ المَوْتُ، ولا يواظب عليها إلاَّ صدّيق، أو عابدٌ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه؛ أمَّنه الله على نفسه وجاره، وجار جاره، والأبيات التي حوله ". تفسير : وتذاكر الصَّحابة أفضل ما في القرآن، فقال لهم عليٌّ: أين أنتم من آية الكرسيّ قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَا عَلِيُّ سَيِّدُ البَشَرِ آدَمُ، وسَيِّدُ العَرَبِ مُحَمَّدٌ، وَلاَ فَخْرَ، وَسَيِّدُ الكَلاَمِ القُرْآنُ، وسَيِّد القُرْآنِ البَقَرَةُ وسَيِّدُ البَقَرَةِ آيةُ الكُرْسِيّ"تفسير : وعن أبيّ بن كعبٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "يَا أبا المنذر؛ أيُّ آيةٍ في كِتَابِ اللهِ أعْظَم"؟ قلت: اللهُ لا إله إلاَّ هو الحيُّ القَيُّومُ، قال: فضرب صدري ثم قال: "ليَهْنِكَ العِلْمُ يَا أَبَا المُنْذِرِ" ثم قال: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ لهذه الآية لِسَاناً وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ المَلِكَ عِنْدَ سَاقِ العَرْشِ ". تفسير : وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: حديث : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زَكَاةِ رمضان فأتاني آت، فجعل يحثو من الطَّعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إنّي محتاج، ولي عيالٌ، ولي حاجة شديدةٌ قال: فخلّيت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم] "يا أبا هريرة مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ"؛ قلت يا رسول الله؛ شَكَا حَاجَةً شديدة، وعيالاً؛ فرحمته، فخلَّيت سبيله. قال: "أَمَا إِنَّهُ قَدُ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ" فعرفت أنه سيعود، بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصدته، فجاء يحثو من الطَّعام، فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإنِّي محتاج ولي عيال ولا أعود فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة" قلت: يا رسول الله شكا حاجةً، وعيالاً فرحمته وخلَّيت سبيله قال: "أمَا إنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وسيعود" فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود فرصدته الثالثة: فجاء يحثو من الطَّعام؛ فأخذته، فقلت لأرفعنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات أنَّك تزعم ألاَّ تعود، ثم تعود قال: دعني أُعلّمك كلمات، ينفعك الله بها، قلت: ما هي قال: إذا أَوَيْتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسيّ {ٱللهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} حتى تختم الآية، فإنَّك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطانٌ، حتّى تصبح، فخلَّيت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا فَعَلْتَ بِأَسِيركَ البَارِحَةَ؟ قلت: يا رسول الله - عليك الصَّلاة والسَّلام - زَعَمَ أنَّه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخلّيت سبيله ـ قال: ما هي قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسيّ من أولها، حتى تتمّ الآية، وقال لي لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح، وكانوا أحرص شيءٍ على الخير، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ، وهو كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِب منذ ثَلاَث لَيَالٍ يا أبا هُرَيْرَةَ؟" قلت: لا، قال: "ذَلِكَ شَيْطَانٌ ".
البقاعي
تفسير : ولما أبتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى بذكر الذات، ثم تعرف بالأفعال لأنها مشاهدات، ثم رقي الخطاب إلى التعريف بالصفات، ثم أعلاه رجوعاً إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب، ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها. فلما لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللاً ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم، إذ كان المألوف من ملوك الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء والراغبين من الأصدقاء، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل منهم صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفتّ في عضده فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم، بين سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتم انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره، ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه قيل: هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحاً لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف بالكلام والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائداً إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم مقاماته: {الله} أي هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال منزهاً عن شوائب النقص مفتتحاً لها بالتفرد فقال: {لا إله إلا هو} مقرراً لكمال التوحيد، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه، فخلل سبحانه وتعالى أي التوحيد بالأحكام والقصص، والأحكام تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم. وقال الحرالي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات الاعتبار وبيان أحكام الجهاد والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة إحسان أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به الذين آمنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله سبحانه وتعالى {أية : وإلهكم إله واحد} تفسير : [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض نسبة ما بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية {أية : وإلهكم إله واحد} تفسير : [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين العيان باسمه {الله} وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى. ولما وحّد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال: {الحي} أي الذي له الحياة وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر {القيوم} أي القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من القيام والإقامة. قال الحرالي: فيعول زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي - انتهى. ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله: {لا تأخذه سنة} قال الحرالي: هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر القلب {ولا نوم} وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه - انتهى، ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة، كما لو قيل: فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان، ثم بين هذه الجملة بقوله: {له} أي بيده وفي تصرفه واختصاصه {ما في السماوات} الذي من جملته الأرض {وما في الأرض} أي من السنة والنوم وغيرهما إبداعاً ودواماً وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه. قال الحرالي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته، فكان هذا الخطاب بما أبدى للفهم إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية التي هي حجاب قيوميته سلباً لقيام ما سواه - انتهى. ثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكراً على من ربما توهم أن شيئاً يخرج عن أمره فلا يكون مختصاً به {من ذا الذي يشفع} أي مما ادعى الكفار شفاعته وغيره {عنده إلا بإذنه} أي بتمكينه لأن من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّن أن كل شيء في قبضته، وكل ذلك دليل على تفرده بالإلهية. قال الحرالي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظاً من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله سبحانه وتعالى عند الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى بالحقيقة الذي شفع عند نفسه بنفسه، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير حجاب، فلذلك هو سبحانه وتعالى خاتم الشفعاء حيث يقول كما ورد في الخبر "حديث : شفع الأنبياء والمرسلون ولم يبق إلى الحي القيوم"تفسير : انتهى. ثم بين جميع ما مضى بقوله: {يعلم ما بين أيديهم} أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم. قال الحرالي: أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضاً فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه {وما خلفهم} وهو ما لم ينله علمهم، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا - انتهى. ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال: {ولا يحيطون بشيء} أي قليل ولا كثير {من علمه إلا بما شاء} فبان بذلك ما سبقه، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة، فكان كل شيء في قبضته، فكان منزهاً عن الكفوء متعالياً عن كل عجز وجهل، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلاّ بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده. ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصوراً لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم: {وسع كرسيه} ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة والكرس الذي هو البول والبعر الملبد مأخوذ من ذلك. وقال الأصفهاني: الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. وقال الحرالي: معنى الكرس هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعاً فهو أحق بمعناه، ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء: كرسي، ثم قال: والكرسي فيه صور الأشياء كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها، فما في الأرض صورة إلاّ ولها في الكرسي مثل، فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته، فكان الوجود مثنياً كما كان القرآن مثاني إجمالاً وتفصيلاً في القرآن ومداداً وصوراً في الكون، فجمعت هذه الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء وما منه، وجعل وسع الكرسي وسعاً واحداً حيث قال: {السماوات والأرض} ولم يكن وسعان لأن الأرض في السماوات والسماوات في الكرسي والكرسي في العرش والعرش في الهواء - انتهى. فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال: {ولا يؤوده} أي يثقله. قال الحرالي: من الأود أي بلوغ المجهود ذوداً، ويقابله ياء من لفظ لايد أي وهو القوة، وأصل معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله {حفظهما} في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيراً ولقدر غيره ولو يوماً ما على غير ما يريده. والحفظ قال الحرالي: الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى. ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصراً فيما تقدم عطف عليه قوله: {وهو} أي مع ذلك كله المتفرد بأنه {العلي} أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته {العظيم *} كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علواً وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك العقول، وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي كان باسم {الله} إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحاً لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب والإعادة بغير حجاب، كذلك تنزل القرآن، مبدأ الخطاب إلاحة وخاتمته إفصاح ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام {أية : ألا له الخلق والأمر} تفسير : [الأعراف: 54] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار {أية : وله المثل الأعلى}تفسير : [الروم: 27] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه، قال سبحانه وتعالى فيما أنبأ عنه نبيه صلى الله عليه وسلم "حديث : الكبرياء ردائي"تفسير : لأن الرداء هو ما على الظاهر "حديث : والعظمة إزاري" تفسير : والإزار ما ستر الباطن والأسفل، فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض عظمته، وفي العرش علوه وفي الكرسي عظمته، فعظمته أخفى ما يكون حيث التفصيل، وكبرياؤه وعلوه أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام، فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما سواه في أن ينسب إليهم شيء لأنه سبحانه وتعالى إذا بدا باد ما سواه كان في إلاحة هذه الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء كما كان فيما تقدم من إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي ما أمروا إلا ليعبدوا به مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولذلك كان ذكر دين الإسلام في سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر قوله {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو} تفسير : [آل عمران: 18] - انتهى. وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه، فمن ادعى شركة فليحفظ هذا الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله: وأنى له ذلك وأنى! واتضح بما تقرر له سبحانه وتعالى من العلو والعظمة أن الكافر به هو الظالم، وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة، وأما البيع فهم عنه في أشغل الشغل، وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه لا سبيل إليه ولا تعريج عليه، وبهذه الأسرار اتضح قول السيد المختار صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن هذه الآية سيدة آي القرآن" تفسير : وذلك لما اشتملت عليه من أسماء الذات والصفات والأفعال، ونفي النقص وإثبات الكمال، ووفت به من أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك، فإن فضل الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم، وقد احتوت على الصفات السبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحاً، فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام والإرادة، وعلى السمع والبصر من لازم {له ما في السماوات وما في الأرض} ومن لازم {الحي} لأن المراد الحياة الكاملة؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى وعشرين، ولم يتضمن هذا المجموع آية غيرها في كتاب الله، وهي خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور بها أولاً في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى، وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخراً، فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند النوم شيطان، لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان - والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف لنفسه إلى إكراه فيه فقال: {لا إكراه في الدين} وقال الحرالي: لما نقل سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له، وهو اطلاعه سبحانه وتعالى عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل بادٍ وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها وآية عذابها، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها. فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات بما استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد حلوه ومره بذلك التوحيد حلواً، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى. ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله: {قد تبين الرشد} قال الحرالي: وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم {من الغي} وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى. أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره، لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلاّ حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية {فمن} أي فكان ذلك سبباً لأنه من {يكفر بالطاغوت} وهو نفسه وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء إليه. وقال الحرالي: وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه الطغيان - انتهى. {ويؤمن بالله} أي الملك الأعلى ميلاً مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن {فقد استمسك} على بصيرة منه {بالعروة الوثقى} أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه {أية : ومن يسلم وجهه إلى الله} تفسير : [الحج: 31]، والعروة ما تشد به العياب ونحوها بتداخلها بعضها في بعض دخولاً لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة ما شأنه أن يخاف وهنه، ثم بين وثاقتها بقوله: {لا انفصام لها} أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ذهاب. قال ابن القطاع: فصمت الشيء صدعته، والعقدة حللتها، والشيء عنه ذهب. وقال الحرالي: من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلاً، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاحتجاج بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه ويجل اغتباطه به، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين إلا القضاء والقدر، فمن سبقت له السعادة قيض الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ما يخرجه به من الظلمات إلى النور، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والحيرة. ولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولاً وفعلاً واعتقاداً قال مرغباً فيهما ومرهباً من تركهما: {والله} الذي له صفات الكمال {سميع} أي لما يقال مما يدل على الإيمان {عليم} أي بما يفعل أو يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه، ولعل في الآية التفاتاً إلى ما ذكر أول السورة في الكفار من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين، ولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى شيء اقتضت البلاغة طيه إرشاداً إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء مغبته وهو ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر بالله فلا يتمسك له والله يهويه إلى الجحيم، كأنه قيل: فمن يخلص النفس من ظلمات الهوى والشهوة ووساوس الشيطان؟ فقال مستأنفاً: {الله} أي بما له من العظمة والأسماء الحسنى {ولي الذين آمنوا} أي يتولى مصالحهم، ولذلك بين ولايته بقوله: {يخرجهم من الظلمات} أي المعنوية جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حساً أو معنى، وجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع {إلى النور} أي المعنوي وهو ما يظهر الباديات حساً أو معنىً - قاله الحرالي، ووحده لأن الصراط المستقيم واحد {أية : ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} تفسير : [الأنعام: 153] ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ من الجهل عن المشاعر التي أخبر بالختم عليها، فصار البصر عرياً عن الاعتبار، والسمع خالياً عن الفهم والاستبصار، والقلب معرضاً عن التدبر والافتكار، وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل ضار، والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو جهة واحدة وهي القوم، والظلمة الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف. ولما ذكر عبّاده الخلص ذكر عُبّاد الشهوات فقال: {والذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه أدلة العقول أولاً والنقول ثانياً بشهوات النفوس {أولياؤهم الطاغوت} من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على الأصنام وغير ذلك، ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله: {يخرجونهم} وإسناده إلى ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر {من النور} أي الفطرى {إلى الظلمات} قال الحرالي: وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى الروح المجندة إلى الفطرة المستوية "حديث : كل مولود يولد على الفطرة" تفسير : انتهى. ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشىء عن عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال: {أولئك} أي الحالون في محل البعد والبغض {أصحاب النار} قال الحرالي: الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه - انتهى. ولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيداً بقوله مبيناً اختصاصهم بها: {هم} أي خاصة {فيها خالدون *} إلى ما لا آخر له. قال الحرالي: وجعل الخلود وصفاً لهم إشعاراً بأنهم فيها وهم في دنياهم - انتهى. ولما ذكر ما له سبحانه وتعالى من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان وتوليه حزبه وأمر الكفران وخذلانه أهله أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل والمار على القرية مذكراً بقصة الذين قال لهم موتوا ثم أحياهم في سياق التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي: ولما كان ما أظهره الحق في آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده اختص هذا الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه، انتهى - فقال تعالى: {ألم تر} أي تعلم بما نخبرك به علماً هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما أودعناه فيك من المعاني المنيرة. ولما كان هذا المحاج بعيداً من الصواب كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال: {إلى الذي حآج إبراهيم} أي الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس بالاقتداء به {في ربه} الضمير يصح أن يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه المربي له المحسن إليه بعد وضوح هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة إلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي أمره وبين عظمته وقدره مع أنه ركز ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله بأدنى نظر فكأن نمرود المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى الظلمات، ولما كان ذلك أمراً باهراً معجباً بين أن علته الكبر الذي أشقى إبليس فقال: {أن} أي لأجل أن {آتاه الله} أي الملك الأعلى بفيض فضله {الملك} الفاني في الدنيا الدنيئة، فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ذلك محاجته فيه وكبره رغم عليه، وعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى الآدميين بالحكم على جميع الأرض. قال الحرالي: وفي إشعاره أن الملك فتنة وبلاء على من أوتيه - انتهى. فتكبر بما خوله الله فيه على عباد الله وهم يطيعونه لما مكّن الله له من الأسباب إلى أن رسخت قدمه في الكبر المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد الملوك فظن جهلاً أنه أهل له. ولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريراً لآية {أية : فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} تفسير : [البقرة: 243] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فقال: {إذ} أي حاجه حين {قال إبراهيم ربي} أي الذي أحسن إليّ بخلقي وإدامة الهداية لي {الذي يحيي ويميت} أي وحده، وهذه العبارة تدل على تقدم كلام في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة. ولما كان كأنه قيل: هذا أمر ظاهر مجمع عليه فما ذا الذي يحاج المحاج فيه؟ أجيب بقوله: {قال} أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له وطواعيتهم لجبروته {أنا} أي أيضاً {أحيي وأميت} بأن أمُنَّ على من استحق القتل وأقتل من لا يستحق القتل. فلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قد اجترأ على عظيم وأن محاجته في نفس الإحياء ربما خفيت أو طالت رأى أن يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما هو أجلى من ذلك، وفيه أنه دون ما ادعاه بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على صورة بعد إيجادها من العدم بأن {قال إبراهيم} وقال الحرالي: ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة الحجة الملبسة كما قال تعالى {أية : فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً} تفسير : [الكهف: 53] نقل المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} تفسير : [فصلت: 53] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي طيه تقرير الأول لأن الروح شمس البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس الروح من حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال تعالى: {فإن} بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعاراً لتتمة الحجة الأولى بالحجة الثانية - انتهى. أي تسبب عن دعواك هذه أو أقول لك: إن {الله} بما له من العظمة والجلال باستجماع صفات الكمال {يأتي بالشمس} أي وهو الذي أوجدها {من المشرق} أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور {فأت بها} أنت {من المغرب} ولو يوماً واحداً. قال الحرالي: إظهاراً لمرجع العالم بكليته إلى واحد، وأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم الآفاق في طلوع الشمس وغروبها، وفي لحنه إشعار بأن الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى. {فبهت} قال الحرالي: من البهت وهو بقاء الشيء على حاله وصورته لا يتغير عنها لأمر يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه بهت {الذي كفر} أي حصل له الكفر بتلك الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على ذلك وادعاؤه لنفسه الشركة، فبين له الخليل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله سبحانه وتعالى ووضعها في جهة إلى غير تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة! وسيأتي لهذا الشأن في سورة الشعراء مزيد بيان، فيالله ما أعلى مقامات الأنبياء! وما أصفى بصائرهم! وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام وأعلى التحية والإكرام. وقال الحرالي: فعرفه أي في قوله: {كفر} بوصفه من حيث دخل عليه البهت منه - انتهى. أي لأنه ستر ما يعلمه من عجز نفسه وقدرة خالقه، فكشف سبحانه وتعالى بلسان خليله صلى الله عليه وسلم الستر الذي أرخاه كشفاً واضحاً وهتكه بعظيم البيان هتكاً فاضحاً. ولما كان التقدير: لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه من قتل البريء وترك المجترىء، قال سبحانه وتعالى: {والله} أي الذي لا أمر لأحد معه {لا يهدي القوم} أي الذين أعطاهم قوة المقاومة للأمور {الظالمين *} عامة لوضعهم الأشياء بإرادته وتقديره في غير مواضعها، لأنه أظلم قلوبهم فجعلها أحلك من الليل الحالك فلم يبق لهم ذلك وجهاً ثابتاً يستمسكون به، فأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية! وقصر فعل الهداية لإفادة العموم، قال الإمام: فاختصر اللفظ إفادة لزيادة المعنى وهو من اللطائف القرآنية.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد واللفظ له ومسلم وأبو داود وابن الضريس والحاكم والهروي في فضائله عن أبي كعب حديث : "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" . تفسير : وأخرج النسائي وأبو يعلى وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أبي بن كعب: "حديث : أنه كان له جرن فيه تمر فكان يتعاهده فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد السلام فقلت: ما أنت؟! جني أم أنسي؟ قال: جني. قلت ناولني يدك. فناولني فإذا يداه يدا كلب وشعره شعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني. قلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك. فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي التي في سورة البقرة، من قالها حتى يمسي أُجِيرَ مِنَّا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي. فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبره، فقال: "صدق الخبيث" ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري حديث : "أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} حتى انقضت الآية" . تفسير : وأخرج أحمد وابن الضريس والهروي في فضائله عن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. سأل رجلاً من أصحابه هل تزوّجت؟ قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به. قال: أو ليس معك {قل هو الله أحد} [الإِخلاص: 1]؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، أليس معك {قل يا أيها الكافرون}[الكافرون: 1]؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، أليس معك {إذا زلزلت} [الزلزلة: 1]؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، أليس معك {إذا جاء نصر الله}[النصر: 1]؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، أليس معك آية الكرسي؟ قال: بلى. قال: فتزوج ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ في دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي حفظ إلى الصلاة الأخرى، ولا يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد ". تفسير : وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أتدرون أي القرآن أعظم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} إلى آخر الآية". تفسير : وأخرج الطبراني بسند حسن عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى ". تفسير : وأخرج أبو الحسن محمد بن أحمد بن شمعون الواعظ في أماليه وابن النجار عن عائشة "حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه أن ما في بيته ممحوق من البركة، فقال: أين أنت من آية الكرسي، ما تليت على طعام ولا إدام إلا أنمى الله بركة ذلك الطعام والإِدام ". تفسير : وأخرج الدارمي عن أيفع بن عبد الله الكلاعي قال:"حديث : قال رجل: يا رسول الله أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: "آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال: فأي آية في كتاب الله تحب أن تصيبك وأمتك؟ قال: آخر سورة البقرة، فإنها من كنز الرحمة من تحت عرش الله، ولم تترك خيراً في الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه ". تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة أعطاه الله قلوب الشاكرين، وأعمال الصديقين، وثواب النبيين، وبسط عليه يمينه بالرحمة، ولم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت فيدخلها ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق محمد بن الضوء بن الصلصال بن الدلهمس عن أبيه عن جده "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يكن بينه وبين أن يدخل الجنة إلا أن يموت، فإن مات دخل الجنة ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن الضريس والطبراني والهروي في فضائله والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود أن أعظم آية في كتاب الله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} . وأخرج أبو عبيد وابن الضريس ومحمد بن نصر عن ابن مسعود قال: ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا جنة ولا نار أعظم من آية في سورة البقرة {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} . وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال: ما من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من آية الكرسي. وأخرج أبو عبيد في فضائله والدارمي والطبراني وأبو نعيم في دلائل النبوة والبيهقي عن ابن مسعود قال: خرج رجل من الإِنس، فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه الإِنسي. فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقرأها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان له خبج كخبج الحمار. فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ قال: من عسى أن يكون إلا عمر. الخبج الضراط. وأخرج المحاملي في فوائده عن ابن مسعود قال: "حديث : قال رجل: يا رسول الله علمني شيئاً ينفعني الله به. قال "اقرأ آية الكرسي فإنه يحفظك وذريتك ويحفظ دارك، حتى الدويرات حول دارك" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والشيرازي في الألقاب والهروي في فضائله عن ابن عمر. أن عمر بن الخطاب خرج ذات يوم إلى الناس فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن، وأعدلها، وأخوفها، وأرجاها؟ فسكت القوم. فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أعظم آية في القرآن {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وأعدل آية في القرآن {إن الله يأمر بالعدل والإِحسان} [النحل: 90] إلى آخرها، وأخوف آية في القرآن {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} [الزلزلة : 7-8] وأرجى آية في القرآن {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة، أو آية الكرسي ضحك، وقال: إنهما من كنز الرحمن تحت العرش،وإذا قرأ {من يعمل سوءاً يجز به} [النساء: 123] استرجع واستكان ". تفسير : وأخرج ابن الضريس ومحمد بن نصر والهروي في فضائله عن ابن عباس قال: ما خلق الله؛ من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من سورة البقرة، وأعظم آية فيها آية الكرسي. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف. أنه كان إذا دخل منزله قرأ في زواياه آية الكرسي. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب قال: سيد آي القرآن {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} . وأخرج البيهقي عن علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: "حديث : من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه أمنه الله على داره ودار جاره، وأهل دويرات حوله ". تفسير : وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة والدارمي ومحمد بن نصر وابن الضريس عن علي قال: ما أرى رجلاً ولد في الإِسلام أو أدرك عقله الإِسلام يبيت أبداً حتى يقرأ هذه الآية {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ولو تعلمون ما هي، إنما أعطيها نبيكم من كنز تحت العرش، ولم يعطها أحد قبل نبيكم، وما بت ليلة قط حتى اقرأها ثلاث مرات، اقرأوها في الركعتين بعد العشاء الآخرة، وفي وتري، وحين آخذ مضجعي من فراشي. وأخرج أبو عبيد عن عبد الله بن رباح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: "حديث : أبا المنذر أي آية في القرآن أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم! قال: أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم قال: الله ورسوله أعلم! قال: أبا المنذر أي آية في كتاب الله عز وجل أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال: فضرب صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر ". تفسير : وأخرج ابن راهويه في مسنده عن عوف بن مالك قال: جلس أبو ذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: "حديث : يا رسول الله أيما أنزل الله عليك أعظم؟ قال {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى تختم ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ومحمد بن نصر الطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن معاذ بن جبل قال "حديث : ضم إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر الصدقة، جعلته في غرفة لي، فكنت أجد فيه كل يوم نقصاناً، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: هو عمل الشيطان فأرصده، فرصدته ليلاً، فلما ذهب هوى من الليل أقبل على صورة الفيل، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب على غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت على ثيابي فتوسطته، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، يا عدو الله وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته وكانوا أحق به منك، لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفضحك - فعاهدني أن لا يعود، فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟ فقلت: عاهدني أن لا يعود. فقال: إنه عائد فأرصده، فرصدته الليلة الثانية، فصنع مثل ذلك، وصنعت مثل ذلك، فعاهدني أن لا يعود، فخليت سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال: إنه عائد فأرصده، فَرَصَدْتُهُ الليلة الثالثة فصنع مثل ذلك، وصنعت مثل ذلك، فقلت: يا عدو الله عاهدتني مرتين وهذه الثالثة. فقال: إني ذو عيال وما أتيتك إلا من نصيبين، ولو أصبت شيئاً دونه ما أتيتك، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم، فلما نزلت عليه آيتان انفرتنا منها فوقعنا بنصيبين، ولا تقرآن في بيت إلا لم يلج فيه الشيطان ثلاثاً، فإن خليت سبيلي علمتكهما. قلت: نعم. قال: آية الكرسي، وآخر سورة البقرة {آمن الرسول} [البقرة: 285] إلى آخرها. فخليت سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قال. فقال: صدق الخبيث وهو كذوب. قال: فكنت أقرأهما بعد ذلك فلا أجد فيه نقصاناً ". تفسير : وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عباس {الله لا إله إلا هو} يريد الذي ليس معه شريك، فكل معبود من دونه فهو خلق من خلق لا يضرون ولا ينفعون، ولا يملكون رزقاً ولا حياة ولا نشوراً {الحي} يريد الذي لا يموت {القيوم} الذي لا يبلى {لا تأخذه سنة} يريد النعاس {ولا نوم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} يريد الملائكة مثل قوله {أية : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} تفسير : [الأنبياء: 28] {يعلم ما بين أيديهم} يريد من السماء إلى الأرض {وما خلفهم} يريد ما في السموات {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} يريد مما أطلعهم على علمه {وسع كرسيه السماوات والأرض} يريد هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع {ولا يؤوده حفظهما} يريد ولا يفوته شيء مما في السموات والأرض {وهو العلي العظيم} يريد لا أعلى منه، ولا أعظم، ولا أعز، ولا أجل، ولا أكرم. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي رحزة يزيد بن عبيد الساعي قال: "حديث : لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد من بني فزارة، فقالوا: يا رسول الله ادع ربك أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع ربك إليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك هذا أنا شفعت إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الحديد! ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ومحمد بن نصر والطبراني وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أسيد الساعدي."حديث : أنه قطع تمر حائطه فجعله في غرفة، فكانت الغول تخالفه إلى مشربته فتسرق تمره وتفسده عليه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "تلك الغول يا أبا أسيد، فاستمع عليها فإذا سمعت اقتحامها قل: بسم الله أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت الغول: يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطيك موثقاً من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق تمرك، وأدلك على آية تقرأها على بيتك فلا تخالف إلى أهلك، وتقرأها على إنائك فلا يكشف غطاؤه، فأعطته الموثق الذي رضي به منها. فقالت: الآية التي أدلك عليها هي آية الكرسي. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم. فقص عليه القصة، فقال: صدقت وهي كذوب ". تفسير : وأخرج النسائي والروياني في مسنده وابن حبان والدارقطني والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبراني وابن مردويه والهروي في فضائله والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي أمامة يرفعه "قال: حديث : اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور: سورة البقرة، وآل عمران، وطه، قال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت في البقرة في آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وفي آل عمران {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}[آل عمران: 2] وفي طه {وعنت الوجوه للحي القيوم} [طه: 111]" . تفسير : وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلاً على أبي أيوب في غرفة، وكان طعامه في سلة في المخدع، فكانت تجيء من الكوّة كهيئة السنور تأخذ الطعام من السلة، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: تلك الغول فإذا جاءت فقل: عزم عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحي. فجاءت فقال لها أبو أيوب: عزم عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحي. فقالت: يا أبا أيوب دعني هذه المرة فوالله لا أعود، فتركها ثم قالت: هل لك أن أعلمك كلمات إذا قلتهن لا يقرب بيتك شيطان تلك الليلة وذلك اليوم ومن الغد؟ قال: نعم. قالت: اقرأ آية الكرسي. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال: صدقت وهي كذوب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والحاكم وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أيوب "حديث : أنه كان في سهوة له، فكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا رأيتها فقل: بسم الله أجيبي رسول الله. فجاءت فقال لها. فأخذها فقالت: إني لا أعود. فأرسلها فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما فعل أسيرك؟ قال: أخذتها فقالت: إني لا أعود. فأرسلتها. فقال: إنها عائدة. فأخذها مرتين أو ثلاثاً كل ذلك تقول: لا أعود، ويجيء النبي صلى الله عليه وسلم. فيقول: ما فعل أسيرك؟ فيقول: أخذتها فتقول: لا أعود. فقال: إنها عائدة. فأخذها فقالت: أرسلني وأعلمك شيئاً تقوله فلا يقربك شيء آية الكرسي. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: صدقت وهي كذوب ". تفسير : وأخرج أحمد وابن الضريس والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي ذر قال "حديث : قلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ". تفسير : وأخرج ابن السني عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "حديث : من قرأ آية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "حديث : أوحى الله إلى موسى بن عمران: أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، فإنه من يقرأها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين، ولسان الذاكرين، وثواب النبيين، وأعمال الصديقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي، أو صديق، أو عبد امتحنت قلبه بالإِيمان، أو أريد قتله في سبيل الله. قال ابن كثير: منكر جداً ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: "حديث : قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} آية الكرسي ". تفسير : وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق علي بن الحسين عن أبيه عن أمه فاطمة حديث : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا ولادها أمر أم سلمة وزينب بنت جحش أن يأتيا فاطمة، فيقرأ عندها آية الكرسي و {إن ربكم الله} [الأعراف: 54] إلى آخر الآية، ويعوّذاها بالمعوّذتين" . تفسير : وأخرج الديلمي عن علي بن أبي طالب قال: ما رأى رجلاً أدرك عقله في الإِسلام يبيت حتى يقرأ هذه الآية {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ولو تعلمون ما فيها لما تركتموها على حال، إن رسول الله قال "حديث : أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش، ولم يؤتها نبي قبلي. قال علي: فما بت ليلة قط منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقرأها ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: كان لي تمر في سهوة لي، فجعلت أراه ينقص منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : إنك ستجد فيه غداً هرة فقل: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان الغد وجدت فيه هرة فقلت: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحوّلت عجوزاً وقالت: أذكرك الله لما تركتني، فأني غير عائدة. فتركتها فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل الرجل؟ فأخبرته بخبرها. فقال: كذبت وهي عائدة. فقل لها: أجيبي رسول الله، فتحوّلت عجوزاً. وقالت: أذكرك الله يا أبا أيوب لما تركتني هذه المرة فإني غير عائدة. فتركتها، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال كما قال لي، فعلت ذلك ثلاث مرات، فقالت لي في الثالثة: أذكرك الله يا أبا أيوب حتى أعلمك شيئاً لا يسمعه شيطان فيدخل ذلك البيت فقلت: ما هو؟ فقالت: آية الكرسي لا يسمعها شيطان إلا ذهب، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت وإن كانت كذوباً ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أيوب قال: "حديث : أصبت جنية فقالت لي: دعني ولك علي أن أعلمك شيئاً إذا قلته لم يضرك منا أحد. قلت: ما هو؟ قال: آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقت وهي كذوب" ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أيوب قال "حديث : كنت مؤذى في البيت، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت روزنة في البيت لنا، فقال: أرصده فإذا أنت عاينت شيئاً فقل: أجيبي يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرصدت فإذا شيء قد تدلى من روزنة، فوثبت إليه، وقلت: اخسأ يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذته فتضرع إلي، وقال لي: لا أعود. فأرسلته فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟ فأخبرته بالذي كان فقال: أما إنه سيعود. ففعلت ذلك ثلاث مرات كل ذلك آخذه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي كان، فلما كانت الثالثة أخذته فقلت: ما أنت بمفارقي حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناشدني وتضرع إليّ وقال: أعلمك شيئاً إذا قلته من ليلتك لم يقربك جان ولا لص، تقرأ آية الكرسي، فأرسلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله ناشدني وتضرع إلي حتى رحمته، وعلمني شيئاً أقوله إذا قلته لم يقربني جن ولا لص. قال: صدق وإن كان كذوباً ". تفسير : وأخرج البخاري وابن الضريس والنسائي وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي هريرة قال "حديث : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، ولي حاجة شديدة. فخليت عنه، فأصبحت فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته وخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك وسيعود،فعرفت أنه سيعود فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالاً فرحمته وخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك وسيعود. فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود. فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه صدقك وهو كذوب ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل عن بريدة قال: "حديث : كان لي طعام فتبينت فيه النقصان، فكمنت في الليل فإذا غول قد سقطت عليه، فقبضت عليها فقلت: لا أفارقك حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت: إني امرأة كثيرة العيال لا أعود. فجاءت الثانية والثالثة، فأخذتها فقالت: ذرني حتى أعلمك شيئاً إذا قلته لم يقرب متاعك أحد منا، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ على نفسك، ومالك آية الكرسي. فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال "صدقت وهي كذوب" ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه، آية الكرسي ". تفسير : وأخرج الدارمي والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من قرأ (حم، المؤمن) إلى {إليه المصير}، وآية الكرسي حين يصبح حُفِظَ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حُفِظَ بهما حتى يصبح ". تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه وابن الضريس عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أعطيت آية الكرسي من تحت العرش ".تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان، والدينوري في المجالسة عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن جبريل أتاني فقال: إن عفريتاً من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان وأبو الشيخ في العظمة عن ابن إسحاق قال: خرج زيد بن ثابت ليلاً إلى حائط له، فسمع فيه جلبة فقال: ما هذا؟ قال: رجل من الجان أصابتنا السنة، فأردت أن أصيب من ثمارهم فطيبوه لنا. قال: نعم، ثم قال زيد بن ثابت: ألا تخبرنا بالذي يعيذنا منكم؟ قال: آية الكرسي. و أخرج أبو عبيد عن سلمة بن قيس وكان أول أمير كان على إيلياء قال: ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإِنجيل، ولا في الزبور، أعظم من {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. وأخرج ابن الضريس عن الحسن "أن رجلاً مات أخوه فرآه في المنام فقال: أخي أي الأعمال تجدون أفضل؟ قال: القرآن. قال: فأي القرآن؟ قال: آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ثم قال: ترجون لنا شيئاً؟ قال: نعم. قال: إنكم تعملون ولا تعلمون، وإنا نعلم ولا نعمل. وأخرج ابن الضريس عن قتادة قال: من قرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه وكل به ملكين يحفظانه حتى يصبح. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس. أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى فلمّا ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك، وأنزل الله على نبيه آية الكرسي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {الحي} قال: حي لا يموت {القيوم} قيم على كل شيء يكلؤه ويرزقه ويحفظه. وأخرج آدم ابن أبي إياس وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله {القيوم} قال: القائم على كل شيء. وأخرج ابن أبي حاتم والحسن قال {القيوم} الذي لا زوال له. و أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال {الحي} الذي لا يموت و {القيوم} القائم الذي لا بديل له. وأخرج آدم بن أبي إياس وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله {القيوم} قال: القائم على كل شيء. وأخرج ابن أبي حاتم والحسن قال {القيوم} الذي لا زوال له. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال {الحي} الذي لا يموت و {القيوم} القائم الذي لا بديل له. وأخرج آدم بن أبي أياس وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} قال: السنة النعاس، والنوم هو النوم. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {لا تأخذه سنة} قال: السنة الوسنان الذي هو نائم وليس بنائم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول: شعر : ولا سنة طوال الدهر تأخذه ولا ينام وما في أمره فند تفسير : و أخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: السنة النعاس، والنوم الاستثقال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن السدي قال: السنة ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإِنسان. و أخرج ابن أبي حاتم عن عطية {لا تأخذه سنة} قال: لا يفتر. وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله {من ذا الذي يشفع عنده} قال: من يتكلم عنده إلا بإذنه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {يعلم ما بين أيديهم} قال: ما مضى من الدنيا {وما خلفهم} من الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {يعلم ما بين أيديهم} ما قدموا من أعمالهم {وما خلفهم} ما أضاعوا من أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن السدي {ولا يحيطون بشيء من علمه} يقول: لا يعلمون بشيء من علمه {إلا بما شاء} هو أن يعلمهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس {وسع كرسيه السماوات والأرض} قال: كرسيه علمه، ألا ترى إلى قوله {ولا يؤوده حفظهما} . وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال: "حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله {وسع كرسيه السماوت والأرض} قال "كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدّرُ قدره" ". تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه والخطيب والبيهقي عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل. قلت: هذا على سبيل الاستعارة - تعالى الله عن التشبيه - و يوضحه ما أخرجه ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: كرسيه الذي يوضع تحت العرش الذي تجعل الملوك عليه أقدامهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعته - يعني الكرسي - إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر "حديث : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال: يا أبا ذر ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي عاصم في السنة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والضياء المقدسي في المختارة عن عمر "حديث : أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب تبارك وتعالى، وقال: إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله، ما يفضل منه أربع أصابع ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية بسند واه عن علي مرفوعاً "حديث : الكرسي لؤلؤ، والقلم لؤلؤ، وطول القلم سبعمائة سنة، وطول الكرسي حيث لا يعلمه العالمون ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك قال: الكرسي تحت العرش. وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: الكرسي بالعرش ملتصق، والماء كله في جوف الكرسي. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد قال: ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة، وما موضع كرسيه من العرش إلا مثل حلقة في أرض فلاة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: إن السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: "حديث : قال رجل: يا رسول الله ما المقام المحمود؟ قال: ذلك يوم ينزل الله على كرسيه يئط منه كما يئط الرحل الجديد من تضايقه، وهو كسعة ما بين السماء والأرض ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: الكرسي هو العرش. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم....} الآية. قال: أما قوله {القيوم} فهو القائم، وأما {السنة} فهي ريح النوم التي تأخذ في الوجه فينعس الإِنسان، وأما {ما بين أيديهم} فالدنيا {وما خلفهم} الآخرة، وأما {لا يحيطون بشيء من علمه} يقول: لا يعلمون شيئاً من علمه إلا بما شاء هو يعلمهم، وأما {وسع كرسيه السماوات والأرض} فإن السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه، وأما {لا يؤوده} فلا يثقل عليه. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن أبي مالك في قوله {وسع كرسيه السماوات والأرض} قال: إن الصخرة التي تحت الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها عليها أربعة من الملائكة، لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر، فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسموات، ورؤوسهم تحت الكرسي، والكرسي تحت العرش، والله واضع كرسيه على العرش. قال البيهقي: هذا إشارة إلى كرسيين. أحدهما تحت العرش، والآخر موضوع على العرش. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا يؤوده حفظهما} يقول: لا يثقل عليه. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {ولا يؤوده حفظهما} قال: لا يثقله. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : يعطى المئين ولا يؤوده حملها محض الضرائب ماجد الأخلاق تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا يؤوده} قال: لا يكرثه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال {العظيم} الذي قد كمل في عظمته. وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عباس {الله لا إله إلا هو} يريد الذي ليس معه شريك، فكل معبود من دونه فهو خلق من خلقه لا يضرون ولا ينفعون، ولا يملكون رزقاً ولا حياة ولا نشوراً {الحي} يريد الذي لا يموت {القيوم} الذي لا يبلى {لا تأخذه سنة} يريد النعاس {ولا نوم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} يريد الملائكة، مثل قوله {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}. {يعلم ما بين أيديهم} يريد من السماء إلى الأرض {وما خلفهم} يريد ما في السموات {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} يريد مما أطلعهم على علمه {وسع كرسيه السماوات والأرض} يريد هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع {ولا يؤوده حفظهما} يريد لا يفوته شيء مما في السموات والأرض {وهو العلي العظيم} يريد لا أعلى منه ولا أعز، ولا أجل ولا أكرم. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السلمي قال "حديث : لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد من بني فزارة فقالوا: يا رسول الله ادع ربك أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع ربك إليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك هذا أنا شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟! لا إله إلا الله العظيم وسع كرسيه السموات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد ".
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}[255] فقال: هذه أعظم آية في كتاب الله تعالى، وفيها اسم الله الأعظم، وهو مكتوب بالنور الأخضر في السماء سطراً واحداً من المشرق إلى المغرب، كنت رأيته كذلك في ليلة القدر مكتوباً، وأنا بعبادان لا إله إلاَّ هو الحي القيوم، فمعنى: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} القائم على خلقه كل شيء بآجالهم وأعمالهم وأرزاقهم المجازي بالإحسان إحساناً وبالسيئات غفراناً وبالنفاق والكفر والبدعة عذاباً، فمن قال: لا إله إلاَّ الله، فقد بايع الله، فحرام عليه إذا بايعه أن يعصيه في شيء من أمره ونهيه، في سره وعلانيته، أو يوالي عدوه، أو يعادي وليه. قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}[255] فالسنة: النعاس، وقال: السنة ما خالط القلب من النوم.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [الآية: 255]. سئل أبو منصور عن هذا فقال: لا إله إلا الله يقتضى شيئين: إزالة العلة عن الربوبية وتنزيه الحق عن الدرك. وقال بعضهم: يحتاج قائل لا إله إلا الله إلى أربع خصال: تصديقٌ وتعظيمٌ وجلاوةٌ وحرمةٌ، فمن لم يكن له تصديقٌ فهو منافقٌ، ومن لم يكن له تعظيمٌ فهو مبتدعٌ، ومن لم يكن له جلاوةٌ فهو مراءٍ، ومن لم تكن له حرمة فهو فاسقٌ. وقال بعضهم: يحتاج قائلها أن يترك الشكوى فى وقت المحن، ويترك المعصية فى وقت النعمة، ويترك الغفلة عند الفكرة. وقيل لأبى الحسين النورى: لم لا تقول: لا إله إلا الله فقال: بل أقول: الله ولا أبغى به ضدًا. وقال بعضهم: من قالها وفى قلبه رغبةٌ أو رهبةٌ أو طمعٌ أو سؤالٌ فهو مُشركٌ فى قوله. وقيل فى قوله: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} اجعله مراقبًا فى قيوميته عليك وعلى جميع العالم. وقيل: إنه قيومٌ بحفظ أذكاره على أسرار أهل صفوته، الحى القيوم الذى أحيا كلَّ حى عن عدمٍ، وهو الحى الذى لم يزل. والقيومُ: القائم على كل نفسٍ بما كسبت، وقيل: القيوم القائم بكفاية عباده ليغنيهم به عن غيره. قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}. قال بعضُ البغداديين: وأنى تأخذُ السنةُ من كان ولا سنة وأوجد السنة قهرًا لعباده ونقصًا ارتبط الأشياء بأضدادها وانفرد هو عن الأحوال لأنه مُحوّلُهَا. قوله تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. جذب به قلوب عباده إليه فى العاجل والآجل. وقال الواسطى: لو جعل إلى نفسه وسيلة غير نفسه كان معلولاً، ومن تزين بإخلاصه ومحبته ورضاه توسل بصفاته إلى من لا وسيلة إليه إلا به، قال الله تعالى {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. قوله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ}. صار علمه عزًا لا إحاطة بشىءٍ منه إلا ما خص به رسول الله أو صديقًا من علم لدُنى. قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}. العرش والكرسى إظهارًا للقدرة لا محلاً للذات. وقال أبو منصور فى قوله {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} قال: وأى الشفيع إلى من لا يسعهُ غيره ولا يحجبه سواه. قوله تعالى: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ}. وصف نفسهُ بالامتناع عن اعتراض القواطع والعلل.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}. "الله" اسم تفرّد به الحق - سبحانه فلا سمِيّ له فيه. قال الله تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم: 65] اي هل تعرف أحداً غيره تسمَّى "الله"؟. من اعتبر في هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض، فهذا اسم يدل على استحقاق صفات الجلال لا على اشتقاق الألفاظ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال. قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}: إخبار عن نفي النظير والشبيه، بما استوجب من التقديس والتنزيه. ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذَرّةً من الإثبات بغيره أو من غيره؛ فلا يرفع إلى غيره حاجته، ولا يشهد من غيره ذرة، فَيَصْدُقُ إليه انقطاعه، ويديم لوجوده انفرادَه، فلا يسمع إلا من الله وبالله، ولا يشهد إلا بالله، ولا يُقْبِلْ إلا على الله، ولا يشتغل إلا بالله، فهو محوٌ عما سِوى الله، فَمَالَهُ شكوى ولا دعوى، ولا يتحرك منه لغيره عِرْقٌ، فإذا استوفى الحق عبداً لم يَبْقَ للحظوظ - ألبتة - مساغ. ثم إن هذه القالة تقتضي التحقق بها، والفناء عن الموسومات بجملتها، والتحقق بأنه لا سبيل لمخلوق إلى وجود الحق - سبحانه، فلا وصل ولا فصل ولا قُرْبَ ولا بُعدَ، فإن ذلكَ أجمعَ آفاتٌ لا تليق بالقِدَم. وقوله: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}: المتولي لأمور عباده، القائم بكل حركة، و (المحوي)، لكل عين وأثر. {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} لأنه أحدي لا ترهقه غفلة، وصمد لا تمسه علة، وعزيز لا تقاربه قلة، وجبار لا تميزه عزلة، وفَرْدٌ لا تضمه جثة، ووتر لا تحده جهة، وقديم لا تلْحَقُه آفة، وعظيم لا تدركه مسافة. تَقَدَّس مِنْ جمالِه جلالُه، وجلالُه جمالُه، وسناؤه بهاؤه، وبهاؤه سناؤه، وأزله أبده، وأبده سرمده، وسرمدهِ قدَمُه، وقدمه وجوده. قوله جلّ ذكره: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} مِلْكاً وإبداعاً، وخَلْقاً واختراعاً. {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. من ذا الذي يتنفس بنَفَس (...) إلا بإجرائه، أو يتوسل إليه من دون إذنه وإبدائه. ومن ظنَّ أنه يتوسل إليه باستحقاقٍ أو عمل، أو تذلل أو أمل، أو قربة أو نسب، أو علة أو سبب - فالظنُّ وطنه والجهل مألفه والغلظ غايته والبعد قُصاراه. قوله جلّ ذكره: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} لأنه لا يخرج عن علمه معلوم، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ}. يعني من معلوماته، أي تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا بإذنه. فأي طمع لها في الإحاطة بذاته وحقه؟ وأَنَّى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه في عِزِّه أَمَد، ولا يدركه حَدٌّ؟!. قوله جلّ ذكره: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}. خطاب لهم على قدر فهمهم. وإلا فأي خَطَرٍ للأكوان عند صفاته؟ جلَّ قَدْرُه عن التعزز بعرش أو كرسي، والتجمل بجنٍ أو إنْسِي. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ}. كَيف تُتْعِبُ المخلوقاتُ مَنْ خَلْقُ الذرة والكونِ بجملته - لو سواء؛ فلا من القليل له تَيَسُّر، ولا من الكثير عليه تَعَسُّر.
اسماعيل حقي
تفسير : {الله} هذا الاسم اعظم الاسماء التسعة والتسعين لانه دال على الذات الجامعة لصفات الآلهية كلها حتى لا يشذ منها شىء وسائر الاسماء لا تدل آحادها الا على آحاد المعانى من علم او قدرة او فعل وغيره ولانه اخص الاسماء اذ لا يطلقه احد على غيره لا حقيقة ولا مجازا وسائر الاسماء قد يسمى بها غيره كالقادر والعليم والرحيم وغيرها وينبغى ان يكون حظ العبد من هذا الاسم التأله واعنى به ان يكون مستغرق القلب والهمة فى الله تعالى لا يرى غيره ولا يلتفت الى سواه ولا يرجو ولا يخاف الا اياه وكيف لا يكون كذلك وقد فهم من هذا الاسم انه الموجود الحقيقى الحق وكل ما سواه فان وهالك وباطل الا به فيرى نفسه اول هالك وباطل كما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قال "حديث : أصدق بيت قالته العرب قول لبيد ألا كل شىء ما خلا الله باطلbr>". تفسير : ولهذه الكلمة فوائد ليست فى غيرها فان كل كلمة اذا اسقطت منها حرفا يختل المعنى بخلاف هذه فانك ان حذت الالف يصير لله قال تعالى {أية : لله ما فى السموات والأرض} تفسير : [الحديد: 1]. وان حذفت اللام الاولى ايضا يبقى له قال تعالى {أية : له ملك السموات والأرض} تفسير : [البقرة: 107]. وان حذفت اللام الثانية ايضا يبقى الهاء وهو ضمير راجع الى الله تعالى قال تعالى {أية : هو الله الذى لا إله إلا هو} تفسير : [الحشر: 23]. وللاسماء تأثير بليغ خصوصا للفظة الجلالة. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره لما جاء المولى علاء الدين الخلوتى ببروسة صعد المنبر فى الجامع الكبير للوعظ وقد اجتمع جمع كثير منتظرين لكلامه فقال مرة واحدة "يا الله" فحصل للجماعة حالة رقصوا وكادوا لا يرجعون عن البكاء والفزع ـ وحكى ـ انه لما مات سلطان العصر عزم جماعة الرجال على قتل الوزير فجاء بيت الشيخ وفاء فى القسطنطنية واستغاث به فادخله الشيخ الى بيته فهجموا جميعا الى بيت الشيخ فخرج الشيخ وقال مرة واحدة "يا الله" فهربوا جميعا فانظر انهم اذا ذكروا الله تظهر آثار عجيبة ونحن اذا ذكرنا ذلك الاسم بعينه لا يظهر له اثر وذلك لانهم زكوا انفسهم وبدلوا اخلاقهم واما نحن فليس فينا هذا ولا القابلية لذلك وانما الفيض من الله تعالى: قال الحافظ شعر : فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد ديكران هم بكنند انجه مسيحا ميكند تفسير : {لا إله إلا هو} الجملة خبر للمبتدأ وهو الجلالة والمعنى انه المستحق للعبادة لا غير ـ وحكى ـ ان تسبيح قطب الاقطاب "يا هو ويا من هو ويا من لا اله الا هو" فاذا قال ذلك بطريق الحال يقدر على التصرفات. وللتوحيد ثلاث مراتب. توحيد المبتدئين لا اله الا الله. وتوحيد المتوسطين لا اله الا انت لانهم فى مقام الشهود فمقتضاه الخطاب. واما الكمل فيسمعون التوحيد من الموحد وهو لا اله الا انا لانهم فى مقام الفناء الكلى فلا يصدر منهم شىء اصلا. قال ابن الشيخ فى حواشى سورة الاخلاص لفظ هو اشارة الى مقام المقربين وهم الذين نظروا الى ماهيات الاشياء وحقائقها من حيث هى هى فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لان الحق هو الذى لذاته يجب وجوده واما ما عداه فممكن والممكن اذا نظر اليه من حيث هو هو كان معدوما فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه وكلمة هو وان كانت للاشارة المطلق ومفتقرة فى تعين المراد بها الى سبق الذكر باحد الوجوه او الى ان يعقبها ما يفسرها الا انهم يشيرون الى الحق سبحانه ولا يفتقرون فى تلك الاشارة الى ما يميز الذات المرادة عن غيرها لان الافتقار الى المميز انما يحصل حيث وقع الابهام بان يتعدد ما يصلح لان يشار اليه وقد بينا انهم لا يشاهدون بعيون عقولهم الا الواحد فقط فلهذا السبب كانه لفظة هو كافية فى حصول العرفان التام لهؤلاء انتهى كلامه وانما ذكرته ههنا ليكون حجة على من انكر على جماعة الصوفية فى كلمة هو ذاهبا الى انها ضمير ولا فائدة فى الذكر به وقد سبق منى عند قوله تعالى {أية : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو} تفسير : [البقرة: 163]. ما ينفك فى هذا المقام قال شيخى وسندى الذى بمنزلة روحى فى جسدى الذكر بـ "لا اله الا الله" افضل من الذكر بكلمة "الله الله" و "هو هو" عند العلماء بالله لانها جامعة بين النفى والاثبات وحاوية لزيادة العلم والمعرفة فمن نفى بلا اله عين الخلق حكما لا علما فقد اثبت كون الحق حكما وعلما وافادنى ايضا اذ قلت لا اله الا الله فشاهد بالشهود الحقانى فناء افعال الخلق وصفاتهم وذواتهم فى افعال الحق وصفاته وذاته وهذا مقتضى الجمع والاحدية. وتلك الكلمة فى الحقيقة اشارة الى هذه المرتبة واذا قلت محمد رسول الله فشاهد بالشهود الحقانى ايضا بقاء افعالهم وصفاتهم وذواتهم بافعاله تعالى وصفاته وذاته وهذا مقتضى الفرق والواحدية. وتلك الكلمة ايضا اشارة الى هذه المرتبة فاذا كان توحيد العبد على هذه المشاهدة فلا جرم ان توحيده يكون توحيدا حقيقا حقانيا لا رسما نفسانيا: قال المولى الجامى قدس سره شعر : كرجه "لا" داشت تيركئ عدم دارد "الا" فروع نور قدم كرجه "لا" بود كان كفر وجحود هست "الا" كليد كنج شهود جون كند "لا" بساط كثرت طى دهد "الا" زجام وحدت مى آن رهاند زنقش بيش وكمت وين رساند بوحدت قدمت تانسازى حجاب كثرت دور ندهد افتاب وحدت نور دائم آن آفتاب تابانست ازحجاب تو ازتو بنهانست كربرون آيى ازحجاب تويى مرتفع كردد ازميانه دويى در زمين زمان وكون مكان همه او بينى آشكار ونهان تفسير : اللهم اوصلنا الى الجمع والعين واليقين {الحى} خبر ثان. وهو فى اللغة من له الحياة وهى صفة تخالف الموت والجمادية وتقتضى الحس والحركة الارادية واشرف ما يوصف به الانسان الحياة الابدية فى دار الكرامة واذا وصف البارى عز شأنه بها وقيل انه حى كان معناه الدائم الباقى الذى لا سبيل عليه للموت والفناء فهو الموصوف بالحياة الازلية الابدية. قال الامام الغزالى فى شرح الاسماء الحسنى "الحى" هو الفعال الدراك حتى ان من لا فعل له اصلا ولا ادراك فهو ميت واقل درجات الادراك ان يشعر المدرك بنفسه فما لا يشعر بنفسه فهو الجماد والميت فالحى الكامل المطلق هو الذى تندرج جميع المدركات تحت ادراكه وجميع الموجودات تحت فعله حتى لا يشذ عن علمه مدرك ولا عن فعله مفعول وذلك هو الله تعالى فهو الحى المطلق وكل حى سواه فحياته بقدر ادراكه وفعله وكل ذلك محصور فى قوله {القيوم} قام بالامر اذا دبره مبالغة القائم فانه تعالى دائم القيام على كل شىء بتدبير امره فى انشائه وتزريقه وتبليغه الى كماله اللائق به وحفظه. قال الامام الغزالى اعلم ان الاشياء تنقسم الى ما يفتقر الى محل كالاعراض والاوصاف فيقال فيها انها ليست قائمة بنفسها والى ما يحتاج الى محل فيقال انه قائم بنفسه كالجواهر الا ان الجوهر وان قام بنفسه مستغنيا عن محل يقوم به فليس مستغنيا عن امور لا بد منها لوجوده وتكون شرطا فى وجوده فلا يكون قائما بنفسه لانه محتاج فى قوامه الى وجود غيره وان لم يحتج الى محل فان كان فى الوجود موجود يكفى ذاته بذاته ولا قوام له بغيره ولا شرط فى دوام وجوده وجود غيره فهو القائم بنفسه مطلقا فان كان مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور للاشياء وجود ولا دوام وجود الا به فهو القيوم لان قوامه بذاته وقوام كل شىء به وليس ذلك الا الله تعالى ومدخل العبد فى هذا الوصف بقدر استغنائه عما سوى الله تعالى انتهى كلام الغزالى. قيل الحى القيوم اسم الله الاعظم. وكان عيسى عليه الصلاة والسلام اذا اراد ان يحيى الموتى يدعو بهذا الدعاء يا حى يا قيوم ويقال دعاء اهل البحر اذا خافوا الغرق يا حى يا قيوم وعن على بن ابى طالب رضى الله عنه لما كان يوم بدر جئت انظر ما يصنع النبى صلى الله عليه وسلم فاذا هو ساجد يقول يا حى يا قيوم فترددت مرات وهو على حاله لا يزيد على ذلك الى ان فتح الله له وهذا يدل على عظمة هذا الاسم. وفى التأويلات النجمية انما اشير فى معنى الاسم الاعظم الى هذين الاسمين وهما الحى والقيوم لان اسمه الحى مشتمل على جميع اسمائه وصفاته فان من لوازم الحى ان يكون قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا. واسمه القيوم مشتمل على افتقار جميع المخلوقات اليه فاذا تجلى الله لعبد بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند تجلى صفة الحى معانى جميع اسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلى صفة القيوم فناء جميع المخلوقات اذا كان قيامها بقيومية الحق لا بانفسهم فلما جاء الحق زهق الباطل فلا يرى فى الوجود الا الحى القيوم اذا سلب الحى جميع اسماء الله وسلب القيوم قيام المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما واذا فنى التعدد وبقيت الوحدة فيصيران اسما اعظم للمتجلى له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الانسانية فقد ذكره باسمه الاعظم الذى اذا دعى به اجاب واذا سئل به اعطى فاما الذاكر عند غيبه فكل اسم دعاه لا يكون الاسم الاعظم بالنسبة الى حال غيبه وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الاعظم كما سئل ابو يزيد البسطامى قدس سره عن الاسم الاعظم فقال الاسم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فاذا كنت كذلك فاذكره بأى اسم شئت انتهى ما فى التأويلات. واعلم ان الاسم الاعظم عبارة عن الحقيقة المحمدية فمن عرفها عرفه وهى صورة الاسم الجامع الالهى وهو ربها ومنه الفيض فاعرف تفز بالحظ الاوفى {لا تأخذه سنة ولا نوم} السنة ثقلة من النعاس وفتور يعترى المزاج قبل النوم وليست بداخلة فى حد النوم والنعاس اول النوم والنوم حالة تعرض للحيوان من استرخاء اعصاب الدماغ من رطوبات الابخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الاحساس رأسا وتقديم السنة عليه مع ان قياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود الخارجى فان الموجود منهما اولا هو السنة ثم يعترى بعدها النوم وتوسيط كلمة لا للتنصيص على شمول النفى لكل منهما والمراد بيان انتفاء اعتراء شىء منهما له سبحانه لعدم كونهما من شأنه وانما عبر عن عدم الاعتراء والعروض بعدم الاخذ لمراعاة الواقع اذ عروض السنة والنوم لمعروضهما انما يكون بطريق الاخذ والاستيلاء والجملة نفى للتشبيه وتأكيد لكونه حيا قيوما فان من اخذه نعاس او نوم كان مؤوف الحياة قاصرا فى الحفظ والتدبير والمعنى لا يعتريه ما يعترى المخلوقين من السهو والغفلة والملال والفترة فى حفظ ما هو قائم بحفظه ولا يعرض له عوارض التعب المحوجة الى الاستراحة فيستريح بالنوم والسنة لان النوم اخو الموت والموت ضد الحياة وهو الحى الحقيقى فلا يلحقه ضد الحياة فكما انه موصوف بصفات الكمال فهو منزه عن جميع صفات النقصان ـ روى ـ ان موسى عليه السلام سأل الملائكة وكان ذلك فى نومه أينام ربنا فاوحى الله تعالى اليهم ان يوقظوه ثلاثا ولا يتركوه ينام ثم قال خذ بيدك قارورتين مملوءتين فاخذهما فاخذه النوم فزالتا وانكسرتا ثم اوحى الله اليه انى امسك السموات والارض بقدرتى فلو اخذنى نوم او نعاس لزالتا كذا فى الكشاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله لا ينام ولا ينبغى له ان ينامbr>". تفسير : قال ابن الملك هذا بيان لاستحالة وقوع النوم منه لانه عجز والله تعالى يتعالى عنه انتهى وحظ العبد من هذا الوصف ان يترك النوم فان الله تعالى وان رخص للعباد فى المنام بل هو فضل منه تعالى لكن كثرة المنام بطالة وان الله تعالى لا يحب البطال. قال ابو يزيد البسطامى قدس سره لم يفتح لى شىء الا بعد ان جعلت الليالى اياما: قال السعدى قدس سره شعر : سر آنكه ببالين نهد هو شمند كه خوابش بقهر آورد در كمند تفسير : قيل كان رجل له تلميذان اختلفا فيما بينهما فقال احدهما النوم خير لان الانسان لا يعصى فى تلك الحالة وقال الآخر اليقظة خير لانه يعرف الله فى تلك الحالة فتحاكما الى ذلك الشيخ فقال الشيخ اما انت الذى قلت بتفضيل اليقظة فالحياة خير لك وقيل اشترى رجل مملوكة فلما دخل الليل قال افرشى الفراش فقالت المملوكة يا مولاى ألك مولى قال نعم قالت ينام مولاك قال لا فقالت ألا تستحيى ان تنام ومولاك لم ينم: ومن الابيات التى كان يذكرها بلال الحبشى رضى الله عنه وقت السحر شعر : يا ذا الذى استغرق فى نومه ما نوم عبد ربه لا ينام أهل تقول اننى مذنب مشتغل الليل بطيب المنام تفسير : {له ما فى السموات وما فى الأرض} تقرير لقيوميته تعالى واحتجاج به على تفرده فى الالوهية لانه تعالى خلقهما بما فيهما والمشاركة انما تقع فيما فيهما ومن يكن له ما فيهما فمحال مشاركته فكل من فيهما وما فيهما ملكه ليس لاحد معه فيه شركة ولا لاحد عليه سلطان فلا يجوز ان يعبد غيره كما ليس لعبد احدكم ان يخدم غيره الا باذنه والمراد بما فيهما ما هو اعم من اجزائهما الداخلة فيهما ومن الامور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فهو ابلغ من ان يقال له السموات والارض وما فيهن لان قوله وما فيهن بعد ذكر السموات والارض انما يتناول الامور الخارجة المتمكنة فيهن اذ لو اريد به ما يعم الامور الداخلة فيهما والخارجة عنهما لاغنى ذكره عن ذكرهما {من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه} من مبتدأ وذا خبره. والذى صفة ذا او بدل منه ولفظ من وان كان استفهاما فمعناه النفى ولذلك دخلت الا فى قوله {إلا بإذنه} و{عنده} فيه وجهان. احدهما انه متعلق بيشفع. والثانى انه متعلق بمحذوف فى موضع الحال من الضمير فى يشفع اى لا احد يشفع مستقرا عنده الا باذنه وقوى هذا الوجه بانه اذا لم يشفع عنده من هو عنده وقريب منه فشفاعة غيره ابعد والا باذنه متعلق بمحذوف لانه حال من فاعل يشفع فهو استثناء مفرغ والباء للمصاحبة والمعنى لا احد يشفع عنده فى حال من الاحوال الا فى حال كونه مأذونا له او لا احد يشفع عنده بامر من الامور الا باذنه والباء للاستعانة كما فى ضرب بسيفه فيكون الجار والمجرور فى موضع المفعول به وكان المشركون يقولون اصنامنا شركاء الله تعالى وهم شفعاؤنا عنده فوحد الله نفسه بالنفى والاثبات ليكون المعنى فى ثبوت التوحيد ونفى الشرك اى ليس لاحد ان يشفع لاحد عند الا باذنه وقد اخبر انه لا يأذن فى الشفاعة للكفار وهو رد على المعتزلة فى انهم لا يرون الشفاعة اصلا والله تعالى اثبتها للبعض بقوله {إلا بإذنه}. وفى التأويلات النجمية هذا الاستثناء راجع الى النبى عليه الصلاة والسلام لان الله قد وعد له المقام المحمود وهو الشفاعة فالمعنى من ذا الذى يشفع عنده يوم القيامة الا عبده محمد فانه مأذون موعود ويعينه الانبياء بالشفاعة انتهى شعر : غم نخورد آنكه شفيعش تويى بايه ده قدر رفعيش وتويى حاصلى ارنيست ز طاعت مرا هست اميدى بشفاعت مرا تفسير : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : اتانى آت من عند ربى فخيرنى بين ان يدخل نصف امتى الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة" تفسير : ـ روى ـ ان الانبياء عليهم السلام يعينون نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة فيأتى الناس اليه فيقول انا لها وهو المقام المحمود الذى وعده الله به يوم القيامة فيأتى ويسجد ويحمد الله بمحامد يلهمه الله تعالى اياها فى ذلك الوقت لم يكن يعلمها قبل ذلك ثم يشفع الى ربه ان يفتح باب الشفاعة للخلق فيفتح ذلك الباب فيأذن فى الشفاعة للملائكة والرسل والانبياء والمؤمنين فهذا يكون سيد الناس يوم القيامة فانه شفع عند الله ان يشفع الملائكة والرسل ومع هذا تأدب صلى الله عليه وسلم وقال "حديث : انا سيد الناس" تفسير : ولم يقل سيد الخلائق فيدخل الملائكة فى ذلك مع ظهور سلطانه فى ذلك اليوم على الجميع وذلك انه صلى الله تعالى عليه وسلم جمع له بين مقامات الانبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم ولم يكن ظهر له على الملائكة ما ظهر لآدم عليهم من اختصاصه بعلم الاسماء كلها فاذا كان فى ذلك اليوم افتقر اليه الجميع من الملائكة والناس من آدم فمن دونه فى فتح باب الشفاعة واظهار ماله من الجاه عند الله اذ كان القهر الآلهى والجبروت الاعظم قد اخرس الجميع فدل على عظيم قدره عليه السلام حيث اقدم مع هذه الصفة الغضبية الآلهية على مناجاة الحق فيما سأله فيه فاجابه الحق سبحانه كذا فى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى عليه رحمة البارى. واعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو اول من يفتح باب الشفاعة فيشفع فى الخلق ثم الانبياء ثم الاولياء ثم المؤمنون وآخر من يشفع هو ارحم الراحمين فان الرحمن ما شفع عند المنتقم فى اهل البلاء الا بعد شفاعة الشافعين الذين لم تظهر شفاعتهم الا بعد شفاعة خاتم الرسل اياهم ليشفعوا ومعنى شفاعة الله سبحانه هو انه اذا لم يبق فى النار مؤمن شرعى اصلا يخرج الله منها قوما علموا التوحيد بالادلة العقلية ولم يشركوا بالله شيأ ولا آمنوا ايمانا شرعيا ولم يعملوا خيرا قط من حيث ما اتبعوا فيه نبيا من الانبياء فلم يكن عندهم ذرة من ايمان فيخرجهم ارحم الراحمين فاعرف هذا فانه من الغرائب افاده لى شيخى العلامة افادة كشفية وصادفته ايضا فى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى اللهم اغفر وارحم وانت ارحم الراحمين {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} [البقرة: 255]. استئناف آخر لبيان احاطة علمه باحوال خلقه المستلزم لعلمه بمن يستحق الشفاعة ومن لا يستحقها اى يعلم ما كان قبلهم من امور الدنيا وما يكون بعدهم من امر الآخرة او ما بين ايديهم يعنى الآخرة لانهم يقدمون عليها وما خلفهم الدنيا لانهم يخلفونها وراء ظهورهم او ما بين ايديهم من السماء الى الرض وما خلفهم يريد ما فى السموات او ما بين ايديهم بعد انقضاء آجالهم وما خلفهم اى ما كان قبل ان يخلقهم او ما فعلوه من خير وشر وقدموه وما يفعلونه بعد ذلك والمقصود بهذا الكلام بيان انه عالم باحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب. والضمير لما فى السموات وما فى الارض لان فيهم العقلاء فغلب من يعقل على غيره او لما دل عليه من ذا من الملائكة والانبياء فيكون للعقلاء خاصة {ولا يحيطون} اى لا يدركون يعنى من الملائكة والانبياء وغيرهم {بشىء من علمه} اى من معلوماته {إلا بما شاء} ان يعلموه وان يطلعهم عليه كاخبار الرسل فلا يظهر على غيبه احد الا من ارتضى من رسول وانما فسرنا العلم بالمعلوم لان علمه تعالى الذى هو صفة قائمة بذاته المقدسة لا يتبعض فجعلناه بمعنى المعلوم ليصح دخول التبعيض والاستثناء عليه. وفى التأويلات النجمية {يعلم} محمد عليه السلام {ما بين أيديهم} من الامور الاوليات قبل خلق الله الخلائق كقوله "حديث : اول ما خلق الله نورىbr>". تفسير : {وما خلفهم} من اهوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الانبياء وقولهم نفسى نفسى وحوالة الخلق بعضهم الى بعض حتى بالاضطرار يرجعون الى النبى عليه السلام لاختصاصه بالشفاعة {ولا يحيطون بشىء من علمه} يحتمل ان تكون الهاء كناية عنه عليه السلام يعنى هو شاهد على احوالهم يعلم ما بين ايديهم من سيرهم ومعاملاتهم وقصصهم وما خلفهم من امور الآخرة واحوال اهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيأ من معلوماته {إلا بما شاء} ان يخبرهم عن ذلك انتهى. قال شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة فى الرسالة الرحمانية فى بيان الكلمة العرفانية علم الاولياء من علم الانبياء بمنزلة قطرة من سبعة ابحر وعلم الانبياء من علم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بهذه المنزلة وعلم نبينا من علم الحق سبحانه بهذه المنزلة انتهى وفى القصيدة البردية شعر : وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر او رشفا من الديم وواقفون لديه عند حدهم من نقطة العلم او من شكلة الحكم تفسير : حاصله ان علوم الكائنات وان كثرت بالنسبة الى علم الله عز وجل بمنزلة نقطة او شكلة ومشربها بحر روحانية محمد صلى الله عليه وسلم فكل رسول ونبى وولى أخذون بقدر القابلية والاستعداد مما لديه وليس لاحد ان يعدوه او يتقدم عليه. قوله النقطة فعلة من نقطت الكتاب نقطا ومعناها الحاصل. والشكلة بالفتح فعلة من شكلت الكتاب قيدته بالاعراب {وسع كرسيه السموات والأرض} الكرسى ما يجلس عليه من الشىء المركب من خشبات موضوعة بعضها فوق بعض ولا يفضل على مقعد القاعد وكأنه منسوب الى الكرس الذى هو الملبد وهو ما يجعل فيه اللبدة اى لم يضق كرسيه عن السموات والارض لبسطته وسعته وما هو الا تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسى فى الحقيقة ولا قاعد. وتقريره انه تعالى خاطب الخلق فى تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه فى ملوكهم وعظمائهم كما جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وامر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر فى الحجر الاسود انه يمين الله تعالى فى ارضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس ايدى ملوكهم وكذلك ما ذكر فى محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء فوضع الميزان وعلى هذا القياس اثبت لنفسه عرشا فقال {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : [طه: 5]. ثم اثبت لنفسه كرسيا فقال {وسع كرسيه السموات والأرض} والحاصل ان كل ما جاء من الالفاظ الموهمة للتشبيه فى العرش والكرسى فقد ورد مثلها بل اقوى منها فى الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ولما توافقت الامة ههنا على ان المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بانه تعالى منزه عن ان يكون فى الكعبة ما يوهمه تلك الالفاظ فكذا الكلام فى العرش والكرسى. والمعتمد كما قال الامام ان الكرسى جسم بين يديى العرش محيط بالسموات السبع لان الارض كرة والسماء الدنيا محيطة بها احاطة قشر البيضة بالبيضة من جميع الجوانب والثانية محيطة بالدنيا وهكذا الى ان يكون العرش محيطا بالكل قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما السموات السبع والارضون السبع من الكرسى الا كحلقة فى فلاة وفضل العرش على الكرسى كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقةbr>". تفسير : ولعله الفلك الثامن وهو المشهور بفلك البروج. قال مقاتل كل قائمة من الكرسى طولها مثل السموات السبع والارضين السبع وهو بين يدى العرش ويحمل الكرسى اربعة املاك لكل ملك اربعة وجوه واقدامهم فى الصخرة التى تحت الارض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام. ملك على صورة سيد البشر آدم عليه الصلاة والسلام وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة الى السنة. وملك على صورة سيد الانعام وهو الثور وهو يسأل للانعام الرزق من السنة الى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل. وملك على صورة سيد السباع وهو الاسد يسأل للسباع الرزق من السنة الى السنة. وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسأل للطير الرزق من السنة الى السنة. وفى التأويلات النجمية اما القول فى معنى الكرسى فاعلم ان مقتضى الدين والديانة ان لا يؤول المسلم شيأ من الاعيان مما نطق به القرآن والاحاديث بالمعانى الا بصورها كما جاء وفسرها النبى عليه الصلاة والسلام والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم الا ان يكون محققا خصصه الله بكشف الحقائق والمعانى والاسرار واشارات التنزيل وتحقيق التأويل فاذا كوشف بمعنى خاص او اشارة وتحقيق يقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الاعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط وفى الجنة من الحور والقصور والانهار والاشجار والثمار وغيرها من العرش والكرسى والشمس والقمر والليل والنهار ولا يؤول شيأ منها على مجرد المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الاعيان كما جاء ويفهم منها حقائق معانيها فان الله تعالى ما خلق شيأ فى عالم الصورة الا وله نظير فى عالم المعنى وما خلق شيأ فى عالم المعنى وهو الآخرة الا وله حقيقة فى عالم الحق وهو غيب الغيب فافهم جدا وما خلق فى العالمين شيأ الا وله مثال وانموذج فى عالم الانسان فاذا عرفت هذا فاعلم ان مثال العرش فى عالم الانسان قلبه اذ هو محل استواء الروح عليه ومثال الكرسى سر الانسان والعجب كل العجب ان العرش مع نسبته الى استواء الرحمانية قيل هو كحلقة ملقاة بين السماء والارض بالنسبة الى وسعة قلب المؤمن انتهى ما فى التأويلات: وفى المثنوى شعر : كفت بيغمبر كه حق فرموده است من نكنجم هيج در بالا وبست در زمين و آسمان و عرش نيز من نكنجم اين يقين دان اى عزيز دردل مؤمن بكنجم اى عجب كرمرا جويى دران دلها طلب خود بزركى عرش باشد بس مديد ليلك صورت كيست جون معنى رسيد تفسير : {ولا يؤده} يقال آده الشىء يأوده اذا اثقله ولحقه منه مشقة مأخوذ من الاود بفتح الواو وهو العود ويعرض ذلك بالثقل اى لا يثقله ولا يشق عليه تعالى {حفظهما} اى حفظ السموات والارض اذ القريب والبعيد عنده سواء والقليل والكثير سواء وكيف يتعب فى خلق الذرة وكل الكون عنده سواء فلا من القليل له تيسر ولا من الكثير عليه تعسر انما امره اذا اراد شيأ ان يقول له كن فيكون وانما لم يتعرض لذكر ما فيهما لان حفظهما مستتبع لحفظه {وهو العلى} اى المتعالى بذاته عن الاشباه والانداد {العظيم} الذى يستحقر بالنسبة اليه كل ما سواه. فالمراد بالعلو علو القدر والمنزلة لا علو المكان لانه تعالى منزه عن التحيز وكذا عظمته انما هى بالمهابة والقهر والكبرياء ويمنع ان يكون بحسب المقدار والحجم لتعالى شأنه من ان يكون من جنس الجواهر والاجسام. والعظيم من العباد الانبياء والاولياء والعلماء الذين اذا عرف العاقل شيأ من صفاتهم امتلأ بالهيبة صدره وصار متشوقا بالهيبة قلبه حتى لا يبقى فيه متسع فالنبى عليه السلام عظيم فى حق امته والشيخ عظيم فى حق مريده والاستاذ فى حق تلميذه اذ يقصر عقله عن الاحاطة بكنه صفاته فان ساواه أو جاوزه لم يكن عظيما بالاضافة اليه. وهذه الآية الكريمة منطوية كما ترى على امهات المسائل الآلهية المتعلقة بالذات العلية والصفات الحلية فانها ناطقة بانه تعالى موجود متفرد بالآلهية متصف بالحياة واجب الوجود لذاته موجد لغيره لما ان القيوم هو القائم بذاته المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ من التغير والفتور لا مناسبة بينه وبين الاشباح ولا يعتريه ما يعترى النفوس والارواح مالك الملك والملكوت ومبدع الاصول والفروع ذو البطش الشديد لا يشفع عنده الا من اذن له فهو العالم وحده بجميع الاشياء جليها وخفيها كليها وجزئيها واسع الملك والقدرة لكل ما من شأنه ان يملك ويقدر عليه ولا يشق عليه شاق ولا يشغله شأن عن شأن متعال عما تناله الاوهام عظيم لا تحدق به الافهام ولذلك قال عليه السلام "حديث : ان اعظم آية فى القرآن آية الكرسى من قرأها بعث الله ملكا يكتب من حسناته ويمحو من سيئاته الى الغد من تلك الساعة" تفسير : يعنى انما صارت آية الكرسى اعظم الآيات لعظم مقتضاها فان الشىء انما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته وآية الكرسى اقتضت التوحيد فى خمسين حرفا وسورة الاخلاص فى خمسة عشر حرفا. قال الامام فى الاتقان اشتملت آية الكرسى على ما لم تشتمل عليه آية فى اسماء الله تعالى وذلك انها مشتملة على سبعة عشر موضعا فيها اسم الله تعالى ظاهرا فى بعضها ومستكنا فى بعض وهى الله هو الحى القيوم وضمير لا تأخذه وله وعنده وباذنه ويعلم وعلمه وشاء وكرسيه ويأوده وضمير حفظهما المستتر الذى هو فاعل المصدر وهو العلى العظيم ويكفى فى استحقاقها السيادة ان فيها الحى القيوم وهو الاسم الاعظم كما ورد به الخبر عن سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وتذاكر الصحابة حديث : افضل ما فى القرآن فقال لهم على اين انتم عن آية الكرسى ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا على سيد البشر آدم وسيد العرب محمد ولا فخر وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب وسيد الحبشة بلال وسيد الجبال الطور وسيد الايام يوم الجمعة وسيد الكلام القرآن وسيد القرآن البقرة وسيد البقرة آية الكرسىbr>". تفسير : وعن على كرم الله وجهه عن النبى عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما قرئت هذه الآية فى دار الا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة اربعين ليلة يا على علمها ولدك واهلك وجيرانك فما نزلت آية اعظم منهاbr>". حديث : وعن على ايضا سمعت نبيكم على اعواد المنبر وهو يقول "من قرأ آية الكرسى فى دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة الا الموت ولا يواظب عليها الا صديق او عابد ومن قرأها اذا اخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والابيات حوله" تفسير : عن محمد بن ابى بن كعب عن ابيه ان اباه اخبره انه كان له جرن فيه خضر فكان يتعاهده فوجده ينقص فحرسه ذات ليلة فاذا هو بدابة تشبه الغلام المحتلم قال فسلمت فرددت عليها السلام وقلت من انت جن ام انس قالت جن قلت ناولينى يدك فناولتنى يدها فاذا يد كلب وشعر كلب فقلت هكذا خلقة الجن قالت لقد علمت الجن ما فيهم اشد منى قلت ما حملك على ما صنعت قالت بلغنى انك رجل تحب الصدقة فاحببنا ان نصيب من طعامك فقال لها ابىّ فما الذى يجيرنا منكم قالت هذه الآية التى فى سورة البقرة الله لا اله الا هو الحى القيوم من قالها حين يصبح اجير منا حتى يمسى ومن قالها حين يمسى اجير منا حتى يصبح فلما اصبح أتى النبى عليه السلام فاخبره فقال النبى عليه السلام "حديث : صدق الخبيث" تفسير : وروى ان رجلا أتى شجرة او نخلة فسمع فيها حركة فتكلم فلم يجب فقرأ آية الكرسى فنزل اليه شيطان فقال ان لنا مريضا فبم نداويه قال بالذى انزلتنى به من الشجرة. وخرج زيد بن ثابت الى حائط له فسمع فيه جلبة فقال ما هذا قال رجل من الجان اصابتنا السنة فاردنا ان نصيب من ثماركم أفتطيبونها قال نعم فقال له زيد بن ثابت ألا تخبرنى ما الذى يعيذنا منكم قال آية الكرسى. وبالجملة ان آية الكرسى من اعظم ما ينتصر به على الجن فقد جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة ان لها تأثيرا عظيما فى طرد الشياطين عن نفس الانسان وعن المصروع وعمن تعينه الشياطين مثل اهل الشهوة والطرب وارباب سماع المكاء والتصدية واهل الظلم والغضب اذا قرئت عليهم بصدق كما فى آكام المرجان فى احكام الجان شعر : دل بر دردرا دوا قرآن جان مجروح را شفا قرآن هرجه جويى زنص قرآن جو كه بود كنج علمها قرآن تفسير : وانما قال اذا قرئت عليهم بصدق لانه هو العمدة والصادق يبيض وجهه والكاذب يسود ألا ترى الى الصبح الصادق والكاذب كيف اعقب الاول شمس منير دون الثانى: قال فى المثنوى شعر : هست تسبيحت بخار آب وكل مرغ جنت شد زنفخ صدق دل تفسير : وكل ما وقع بطريق الحال وجد عنده التأثير بخلاف ما وقع بطريق القال فقط ولذا ترى اكثر الناس محرومين وان دعوا بالاسم الاعظم اللهم آت نفسى تقواها وزكها انت خير من زكاها آمين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الله}: مبتدأ، وجملة {لا إله إلا هو}: خبره، والضمير المنفصل بدل من المستتر في الخبر، و {الحي}: إما خبر ثانيٍ، أو لمبتدأ مضمر، أو بدل من {الله}، و {قيوم} فَيْعُول، مبالغة من القيام، ومعناه: القائم بنفسه المستغني عن غيره. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الله} الواجب الوجود لا يستحق العبادة غيره، فمن عبد غيره فقد أتى بظلم عظيم {الحي} أي: الدائم بلا أول، الباقي بلا زوال؛ الذي لا سبيل عليه للموت والفناء، {القيوم} أي: دائم القيام بتدبير خلقه في إيصال المنافع ودفع المضار، وجلب الأرزاق وأنواع الارتقاء، {لا تأخذه سنة ولا نوم} السنة: ما يتقدم النوم من الفتور، والنوم: حالة تعرض للإنسان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، فتقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً. وتقديم السنَة عليه، على ترتيب الوجود، كقوله تعالى:{أية : وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً}تفسير : [التّوبَة: 121]، وجمع بينهما؛ لأنه لو اقتصر على نفس السَّنَة عند لتوهم أن النوم يغلبه لأنه أشد، ولو اقتصر على نفي النوم لتوهم أن السنة تلحقه لخفتها. والمراد تنزيهه تعالى عن آفات البشرية، وتأكيد كونه حيّاً قيوماً، فإن من أخذه نعاس أو نوم يكون مؤوف الحياة، قاصراً في الحفظ والتدبير. ولذلك ترك العطف فيه وفي الجمل التي بعدَه؛ لأنها كلها مقررة له، أي: للحيّ للقيّوم. وقد ورد أنه اسم الله الأعظم، وقال عليه الصلاة والسلام لفاظمة - رضي الله عنها:"حديث : ما مَنَعك أن تَسْمَعي ما أُوصِيك به تَقُولين إذا أصْبَحْتِ وإذا أمْسَيتِ يا حيّ يا قيُّوم، برحمتِكَ أستغيث أصْلحْ لي شأني كُلَّه، ولا تَكلْني إلى نفْسِي طَرْفَةَ عَيْنِ"تفسير : . رواه النسائي وأخرج مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: "قَامَ فِينَا رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بخَمْسِ كلماتٍ قال:حديث : إنَّ الله عزَّ وجلَّ لا ينامُ، ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنَام، يَخْفِضُ القِسطُ ويَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيل قَبْلَ عَمَلَ النَّهَارِ وعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَملِ اللَّيلِ، حِجَابُهُ النُّورُتفسير : - وفي رواية. النَّارُ -حديث : لَوْ كَشَفَهُ لأحْرَقَتْ سُبَحَاتُ وَجْهِهِ ما أدركه بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ". تفسير : له ما في السماوات وما في الأرض} هذا تقرير لقيوميته تعالى، واحتاج على تفرده في الألوهية. والمراد بما بما فيهما: ما هو أعمُّ من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما، المتمكنة فيهما، من العقلاء وغيرهم، فهو أبلغ من (له السماوات والأرض وما فيهن)، يعني: أن الله يملك جميع ذلك من غير شريك ولا منازع، وعبر بـ {ما} تغليباً للغالب. {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} هذا بيان لكبرياء شأنه، وأنه لا يدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده بشفاعة واستكانة، فضلاً عن أن يعاوقه عناداً أو مناصبة. والاستفهام إنكاري، أي: لا أحد يشفع عنده لمن أراد تعالى عقوبته، إلا بإذنه، وذلك أن المشركين زعموا أن الأصنام تشفع لهم، فأخبر تعالى أنه لا شفاعة عنده إلا بإذنه، يريد بذلك شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم وبعض الأنبياء والأولياء والملائكة. {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي: ما قبلهم وما بعدهم، أو بالعكس، لأنك تستقبل المستقبل وتستدبر الماضي؛ وقيل: {يعلم ما بين أيديهم} من الدنيا {وما خلفهم} من الآخرة، وقيل: عكسه، لأنهم يقدمون ويُخَلِّفُون الدنيا وراءهم، وقيل: يعلم ما قدموه بين أيديهم من خير أو شر، وما خلفهم وما هم فاعلوه، أو عكسه. والمراد أنه سبحانه أحاط بالأشياء كلها، فلا يخفى عليه شيء {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} أي: لا يحيطون بشيء من معلوماته تعالى إلا بما شاء أن يُطْلعهم عليه، وعطفه على ما قبله؛ لأن مجموعه يدل على تفرده تعالى بالعلم الذاتي التام، الدال على وحدانيته تعالى في ذاته وصفاته. {وسع كرسِيُّه السماوات والأرض} يقال: فلان يسَعُ الشيء سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيامُ به. ويقال: وسع الشيءُ الشيء إذا أحاط به وغمره حتى اضمحلّ في جانبه، وهذا المعنى هو اللائق هنا. وأصل الكرسي في اللغة: من تَركّب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكراسة، لتركب أوراقها بعضها على بعض، وفي العرف: اسم لما يُقعد عليه، سُمِّي به لتركب خشباته. واختلف فيه فقيل: العرش، وقيل: غيره. والصحيح أنه مخلوق عظيم أمام العرش، فوق السماوات السبع دون العرش. يقال: إن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة. والكرسي في جانب العرش كحلقة في فلاة. وعن ابن عباس: (أن السماوات في الكرسي كدراهم سبعة في تُرْسٍ) وقيل: كرسيه: علمه. قال البيضاوي: هو تصوير لعظمته تعالى وتمثيل مجرد، كقوله:{أية : وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتُ بِيَمِينِهِ}تفسير : [الزمر: 67] ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد. وقيل: كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه، مأخوذ من كرسي العلم والملك، وقيل: جسم بين يدي العرش محيط بالسموات السبع لقوله - عليه الصلاة والسلام-:"حديث : ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة"تفسير : ولعله الفلك المشهور بفلك البروج. هـ. قلت: وقد اعترض السيوطي في حاشيته عليه. فالله تعالى أعلم. {ولا يؤوده} أي: لا يُثْقله ولاَ يُشقُّ عليه {حفظهما} أي: حفظ السماوات والأرض. وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لأن حفظهما مُسْتَتْبع لحفظه، {وهو العلي} أي: المتعالي عن الأشباه والأنداد، {العظيم} أي: عظيم الشأن، جليل القدر، الذي يُستحفرُ كلُّ شيء دون عظمته. وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالّة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية، متصف بالحياة الذاتية، واجب الوجود لذاته، موجد لغيره؛ إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره، منزه عن التحيّز والحلو، مُبرَّأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له. عالم بالأشياء كلها: جَليِّها وخَفِيِّها، وكُليها وجِزْئيَّها. واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يشقُّ عليه شاقٌّ، ولا يشْغَله شأن عن شأن، مُتَعَالٍ عن تناول الأوهام، عظيمٌ لا تحيط به الأفهام، ولذلك تفردت عن أخواتها بفضائل رائعة وخواص فائقة، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أعظمُ آيةٍ في القرآنِ آيةُ الكُرْسيّ"تفسير : . وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسيّ دبُر كُلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يَمْنَعْهُ من دُخُولِ الْجنَّة إلا الموتُتفسير : - وفي رواية -حديث : كانَ الذي يَتوَلَّى قَبْضَ رُوحِه ذُو الجَلاَل والإكْرَام - ولا يُوَاظِبُ عليها إلا صِدِّيقٌ أو عَابدْ، ومن قَرَأها إذا أخَذ مَضْجَعَه أمن على نفْسِه وَجارِه وَجارِ جَارِه، والأبيات حَوْلَه ". تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام:"حديث : ما قُرئت هذه الآيةُ في بيْت إلا هَجَرَتْهُ الشياطينُ ثلاثين يَوْماً، ولا يدْخُله ساحرُ ولا ساحرةٌ أربعين يوماً، يا عليّ؛ علِّمْها ولدَك وأهلكَ وجيرانَك، فما نزلَتْ آيةٌ أعظمُ منها"تفسير : قاله البيضاوي وأبو السعود، وتكلم السوطي في بعض هذه الأحاديث. والفضائل يعمل فيها بالضعيف. والله تعالى أعلم. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا أيمان أهل الخصوصية -{أية : أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْناكُمْ}تفسير : [البقرة: 254] من سعة العلوم ومخازن الفهوم، من قبل أن يأتي يوم اللقاء، يوم تسقط فيه المعاملات وتغيب تلك الإشارت، لا ينفع فيه إلا الدخول من باب الكرم، فيلقى الله بالله دون شيء سواه، والجاحدون لهذا هم الظالمون لأنفسهم، حيث اعتمدوا على أعمالهم فلقُوا الله بالصنم الأعظم، والحيُّ اليّوم الكبير المتعال غني عن الانتفاع بالأعمال، وبالله التوفيق. ومَنْ عرف أنه الحيّ الذي لا يموت توكل عليه. قال تعالى:{أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحِىْ الَّذِى لاَ يَمُوتُ}تفسير : [الفُرقان: 58]. والتعلق به: استمداد حياة الروح بالعلم والمحبة الكاملة. ومن عرف أنه الحيّ القيّوم وثق به، ونسي ذكر كل شيء بذكره، ولم يشاهد غيره بمشاهدة قيوميته. والتعلق به استمداد معرفة قيوميته حتى يستريح من نكد التدبير، والتخلق به بأن تكون قائماً على ما كُلِّفْتَ به من أهْلٍ وَوَلَدٍ ونَفْسٍ ومَالٍ، وكُلِّ من تعلق بك من النساء والرجال. ولمَّا وصف الحيُّ تعالى نفسه بأوصاف الكمال من الكبرياء، والعظمة والجلال وكانت شواهد ذلك ظاهرة في خلقه حتى تبيَّن الحق من الباطل.
الطوسي
تفسير : الاعراب: {الله} رفع بالابتداء {ولا إله إلا هو الحي القيوم} خبره. والكلام مخرجه مخرج النفي أن يصح إله سوى الله. وحقيقة الاثبات الا له واحد هو الله. كأنه قيل الله الا له دون غيره. وارتفع هو في لا إله إلا هو على أحد وجهين: أحدهما - بالابتداء كأنه قال ما إله إلا الله. والثاني - أن يكون بدلا كأنه قال ما إله ثابتاً إلا الله. ويجوز في العرببة لا إله إلا الله بالنصب على الاستثناء. وفيه دلالة على الامر باخلاص العبادة لله تعالى. اللغة، والمعنى والحي هو من كان على صفة لا يستحيل معها كونه عالماً قادراً، وان شئت قلت: هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المدركات، إذا وجدت. والقيوم أصله قيووم على وزن فيعول. إلا أن الياء الساكنة إذا كانت بعدها واو متحركة قلبت ياء وأدغمت فيها قياساً مطرداً. والقيام أصله قيوام على وزن فيعال. وقيل في معنى القيوم، أربعة أقوال: أحدها - قال الحسن إنه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها من حيث هو عالم لا يخفى عليه شىء منه. الثاني - قال سعيد بن جبير: إن معناه الدائم الوجود. الثالث - قال قتادة: معناه: القائم بتدبير خلقه. الرابع - قال قوم: إن معناه العالم بالامور من قولهم: فلان قيوم هذا الكتاب أي هو عالم به. وكل هذه الوجوه تحتمل. وقال أمية بن أبي الصلت: شعر : لم تخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقوم قدره المهيمن القيوم والحشر والجنة والجحيم إلا لأمر شأنه عظيم تفسير : وقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} فالسنة النوم بلا خلاف قال عدي ابن الرقاع: شعر : وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم تفسير : فالسنة الثقلة من النعاس، تقول: وسن فلان وسناً إذا أخذته سنة النعاس، وقد علته وسنة، ورجل وسنان ووسن، وامرأة وسنانة، ووسنى، وأصل الباب: النعاس. والنوم الاستثقال في النوم، تقول نام ينام نوماً وأنامه إنامة، ونومه تنويماً وتناوم تناوماً، واستنام إليه: إذا استانس إليه، واطمأن الى ناحيته، لأن حاله معه كحالة النائم في المكان أنساً به وأصل الباب النوم خلاف اليقظة. وقوله: {ما في السماوات وما في الأرض} معناه أن أحداً ممن له شفاعة لا يشفع إلا بعد أن يأذن الله له في ذلك ويأمره به، فأما أن يبتدىء أحد بالشفاعة من غير إذن، كما يكون فيما بيننا، فليس ذلك لأحد. وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} قال: ابن جريج ومجاهد والسدي: معناه ما مضى من الدنيا وما خلفهم من الآخرة. وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه} معناه من علومه، كقول القائل: أللهم اغفر لنا علمك فينا، فاذا ظهرت آية يقولون قدرة الله أي مقدور الله وقوله: {وسع كرسيه} قال ابن عباس كرسيه: علمه وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). وقال الحسن: الكرسي هو العرش. وقيل: هو سرير دون العرش وقد روي ذلك عن أبي عبد الله (ع). وقيل: أصل ملكه. وكل ذلك محتمل. أما العلم، فلأنه يقال للعلماء الكراسي، لأنهم المعتمد كما يقال: هم أوتاد الأرض، وهم الأصل الذي يعتمد عليه. ويقال لكل أصل يعتمد عليه. كرسي قال الشاعر: شعر : تحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالاحداث حين تنوب تفسير : أي علماء بحوادث الامور. وقال آخر: شعر : نحن الكراسي ما تعدّ هوازن أفعالنا في النائبات ولا أسد تفسير : وقال آخر: شعر : مالي بأمرك كرسي كاتمه وهل بكرسي علم الغيب مخلوق تفسير : وكل شيء تراكب فقد تكارس تكارساً، ومنه الكراسة لتراكب بعض ورقها على بعض قال العجّاج: شعر : يا صاح هل تعرف رسما مكرّساً قال نعم أعرفه وأبلسا تفسير : أي تكارس عليه التراب، فغطاه، والكرس البعر والبول: إذا تلبد بعضه على بعض، والأكارس الجموع الكثيرة، لا واحد له، لأنه بكثرته بمنزلة ما تراكب بعضه على بعض. ورجل كروس شديد الرأس، لأنه تضاعف القوى كتراكب الشيء بعضه على بعض، والكرياس: كنيف في أعلى السطح بقناة الى الارض، لتراكب بعض ابنيته على بعض، وسمي الكرسي بذلك، لتركيب بعضه على بعض. ويقال: كرسي الملك من مكان كذا الى مكان كذا أي ملكه تشبيهاً بالكرسي المعروف. وكرس يكرس كرساً، وأكرس إكراساً، وتكارس تكارساً، وتكرّس تكرساً، وكرّسه تكريساً، وأصل الباب الكرس: تراكب الشيء بعضه على بعض. والوجه في خلق الكرسي إذا قلنا: أنه جسم هو أن الله تعبد تحمله الملائكة والتعبد عنده كما تعبد البشر بزيادة؛ ولم يخلقه ليجلس عليه، كما تقول المجسمة. واختاره الطبري، لأنه عزّ وجل يتعالى عن ذلك، لأن ذلك من صفات الاجسام ولو احتاج الى الجلوس عليه، لكان جسما ومحدثاً وقد ثبت قدمه. وقوله: {ولا يؤوده حفظهما} أي لا يثقله، والهاء في يؤوده راجعة الى الله وقيل إنها عائدة الى الكرسي. والأود مصدر، آده يؤوده أوداً وأياداً إذا أثقله وجهده، وأودت العود فأنا آوده أوداً، فانآد ومعناه عجته فانعاج، لأنه اعتمد عليه بالثقل حتى مال، والأود، والأوداء على وزن اعوج وعوجاء والمعنى واحد والجمع الأود بوزن العوج وأصل الباب الثقل. وقوله: {وهو العلي العظيم} فالعلى يعنى بالاقتدار ونفوذ السلطان. ويقال علا بالاقتدار، ولا يقال رفيع، لأن الرفعة من المكان، والعلوّ منقول الى معنى الاقتدار يوضح ذلك قولهم: علا قرنه بمعنى اقتدر ولا يقال ارتفع عليه بمعنى اقتدر وكذلك استعلى عليه بالحجة، ولا يقال ارتفع عليه بالحجة. وتقول: علا يعلو علوّاً وأعلى إعلاء وعلى تعلية واستعلى استعلاء. وتعلى تعلياً. وتعالى تعالياً واعتلاه اعتلاء، وعالى معالاة. والعلوّ - بضم العين وكسرها - نقيض السفل، والعلوّ التجبر، ومنه قوله تعالى: {أية : إن فرعون علا في الأرض}تفسير : أي تجبر، لأنه طلب الاستعلاء على الناس بالسلطان والقهر. والله العالي والمتعالي أي القادر القاهر، لأنه عال بالاقتدار، لأنه لا يعجزه شيء والعالية: القناة المستقيمة، لاستمرارها في جهة العلوّ. وفلان من علية الناس أي من أشرافهم، لأنه علا بشرفه. والعلية: الغرفة وأصل الباب العلوّ. والعظيم معناه عظيم الشأن بأنه قادر، ولا يعجزه شيء، وعالم لا يخفى عليه شيء، فلا نهاية لمقدوره ومعلومه، وقال قوم: العظيم بمعنى المعظم كما قالوا في الخمر العتيقة معتقة، والأول أقوى لأن على هذا كان يجب ألا يوصف بانه عظيم فيما لم يزل وقد علمنا خلافه.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : ولما كانت الشواهد القطعية والدلائل العقلية والنقلية مطابقة متوافقة على أنَّ آية الكرسي سيدة آيات القرآن لما فيها من معنى السيادة، المأخوذ في مفهومها المتبوعية، الثابتة لواحد من نوعه، والتابعية لغيره من أفراد ذلك النوع أو الفضيلة والشرف له في المعنى المشترك بينه وبين أمور واقعة تحت معنى نوعي أو جنسي، فسيد الإنسان ما يكون في باب الإنسانية المعتبرة فيها معرفة الله وعبوديته كاملاً غاية الكمال كنبينا (صلّى الله عليه وآله) وسيد الأنيباء من يكون له الأكملية في معنى النبوة كهو (عليه السلام) وسيد الكواكب ما يكون نوره أقوى وأشد من أنوار الكواكب، إذ روح الكواكب وملاكها هو النورية الحسية والإشراق، والشمس أشد الكواكب نورية وإشراقاً فتكون هي حَريَّة بهذا الاسم فيما بينها. وهكذا الحال في كل معنى مشترك يكون له فرد كامل شديد الكمال، سواء كان إطلاق السيادة في الجميع على سبيل الحقيقة - وذلك إذا لم يعتبر فيها العقل والشعور - أو على سبيل التشبيه في غير ذوي العقول، والتحقيق فيهم لاعتبار ذلك فيها. وإنما تحققت السيادة في آية الكرسي على سائر الآيات لما فيها من تحقق الأفضلية في المعنى، الذي هو روح القرآن ولبابه الأصفى، وسره ومقصده الأقصى، وهو دعوة العباد الى الجبار، وسياقتهم إلى العزيز الغفار، وهذا المطلب كأنه أمر مشترك جنسي، أو نوعي، منحصر في ستة أنواع، أو أصناف بعضها كالدعائم والأصول المهمة، وبعضها كالروادف والتوابع المعينة المتمة، أما الدعائم الأصولية فبعضها معرفة الحق الأول، المسلوك إليه، المصمود به لما فيه من الصفات العظمى، والأسماء الحسنى، والأفعال القصوى، وبعضها معرفة الصراط المستقيم، الذي يجب ملازمته في السلوك إليه، وبعضها معرفة الحال عند الوصول إليه فهذه ثلاثة أقسام. وأما الروادف المعينة: فأحدها: معرفة أحوال المحبين للدعوة ولطائف صنع الله فيهم. وثانيها: حكايات الجاحدين وكشف فضائحهم، وجهلهم بالمجادلة والمحاجة على الحق. وثالثها: معرفة منازل الطريق وكيفية أخذ الزاد والاستعداد. والمقصود في الأول، إما التشويق والترغيب، أو الاعتبار والترهيب، وفي الثاني إما الإيضاح، والتثبيت، والتقرير - وذلك في جنبة الحق - أو الإفضاح، والتحذير، والتنفير - وذلك في جنبة الباطل - وفي الثالث: سرعة الوصول إلى أصل الأصول، ورفع العوائق عن التوجه والسير إلى خلاق الخلائق ومحقق الحقائق. ثم القسم الأول من الأقسام الثلاثة الأصولية يتوزع على معارف ثلاث: معرفة الذات، ومعرفة الصفات، ومعرفة الأفعال. أما الأولى: فهي الكبريت الأحمر الذي لم يظفر بقدر يسير منها إلاّ ملوك الآخرة وسلاطينها، الذين هم الأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم أجمعين، لكونها أضيق المعارف مجالاً، وأعسرها مقالاً، وأعصاها على الفكر، وأبعدها عن قبول الذكر، ولا يطلع عليها إلاّ واحد بعد واحد من أكابر الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، وذلك بعد فنائهم عن ذواتهم، واندكاك جبل إنياتهم ولذلك لا يشتمل القرآن منها إلاّ على تقديسات وتنزيهات، وسلوب نقائص وكثرات. وأما الثانية: فالمجال في الصفات أفسح، ونطاق النطق فيها أوسع، وبلوغ الأفهام إليها أسهل وأيسر، لكونها معاني كلية ومعقولات عامية يقع الاشتراك فيها بوجه بين الحق والخلق، ويوجد ظل ضعيف من حقائقها فيما سوى الواحد الأول، ولذلك أكثر آيات القرآن مشتملة على أمهاتها وهي العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والحكمة. وأما الثالثة: فبحرها أيضاً متّسع الأكناف، ولا تُنال بالاستقصاء فيها الأطرافُ، بل ليس في الوجود إلاّ الله وأفعاله، إذ ما سواه فعله من حيث هو أثره، وكون وجوده تابعاً له ظلاً لنوره. لكن القرآن يشتمل على معرفة الجلي منها الواقع في عالم الحسّ والشهادة ككليات الأجرام الشديدة البنيان، ومعظمات الطبائع والأركان، حيث يذكر فيه خلق السماوات، والكواكب، والأرض، والجبال، والبحار، والحيوان، والنبات، وإنزال الأمطار والثلوج، وتصريف الرياح، وإثارة السحاب المسخّر بين السماء والأرض إلى غير ذلك من الآيات وسائر أسباب النشوء والحياة، إذ كل ذلك من الأمور الجليّة الظاهرة للحواس. وأمّا الأمور الخفية منها فهي التي لا تصل إليها أفهام أكثر الناس، وهي أعجبها ترتيباً، وأشرفها رتبة، وأعظمها جلالة، وأدلّها على عظم مبدعها وخالقها برهاناً لكونها من عالم الملكوت والروحانيات. ولما كان الروح الإنساني المسمى باللطيفة الربانية من جملة أجزاء الآدمي ومن سنخ الملكوت وعالم الغيب، فيمكن له عند استكماله بالعلم، والتجرّد عن الدنيا أن يدرك بالبصيرة الباطنية خلائق عالم الملكوت الأعلى وحقائقها الغيبية، وهم على مراتب متفاوتة، ودرجات مختلفة. منها: الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنس وهي التي سجدت لآدم. ومنها: الشياطين المتمردون عن الطاعة المسلطون على أفراد الإنسان إلاّ من أخلص لله سبحانه، وهي التي امتنعت عن السجود. ومنها: الملائكة السماوية، وأعلى منهم الكروبيون وهم العاكفون على حظيرة القدس، الذين لا التفات لهم إلى هذا العالم، لاستغراقهم في مشاهدة جمال الحضرة الربوبية وجلال الساحة الإلهية. واعلم أن إدراك أكثر الخلق مقصور على عالم الحسّ والتخيّل، وهو النتيجة الأخيرة من نتائج عالم الملكوت، والقشر الأقصى عن اللب الأصفى، ومن لم يجاوز هذه الدرجة فكأنه لم يشاهد من الزمان إلاّ قشرية، ومن عجائب الإنسان إلاّ بشرية. فإذا تمهد ما ذكرناه من بيان أبواب القرآن وأقسامه - وأن الغرض من الجميع والمقصود الذي هو روح القرآن وسرّه ولبابه هو سياقه الإنسان إلى جوار ربّ الملائكة والإنس والجان - تحقق وتقرر أن لبعض آيات الكتاب العزيز فضيلة وشرافة على غيره منه، وعُلِمَ حقيّة ما دلّت عليه الأخبار والآثار النبوية والأحاديث المروية عن خير البرية عليه وآله الصلوات الزكية والتسليمات المرضية، الدالّة على شرف بعض السور على بعض من قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : فاتحة الكتاب أفضل القرآن ". تفسير : وقوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : قل هو الله أحد يعدل ثلث القرآن ". تفسير : وقوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : يس قلب القرآن ". تفسير : وكذلك الأخبار الدالّة على فضيلة بعض الآيات من قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : آية الكرسي سيدة آي القرآن ". تفسير : وما وردت من الأخبار والآثار الدالة على تفضيل بعض السور، وتخصيص بعض الآيات، وكثرة الثواب في تلاوتها والمنافع المذكورة في القوارع القرآنية المذكورة على ألسنة الرواة، والمثبتة في كتب الأحاديث المروية بالأسانيد العامية والخاصية المنتمية الى سادات الأمة ورؤساء العصمة والإمامة، وأهل بيت النبوة والولاية (عليهم السلام) أكثر من أن تحصى. ومن توقف بعد هذه الدلائل النقلية والقواعد العقلية العرفانية في تفضيل بعض السور والآيات، وضعف نور بصيرته عن إدراك التفرقة بين آية الكرسي وآية الزانيات، وسورة الإخلاص النازلة في معرفة الرب، وسورة تبّت يدا أبي لهب فحرام عليه أن ينسرح في ميدان معرفة الصانع بل يجب عليه أن يغض بصره عن آثار رحمة الله، ولا ينظر إليها ويشتغل من لباب القرآن بالقشور ويتوجّه إلى القرطاس المنقوش من الرقّ المنشور، ويكتفي من العلوم الشرعية التي تستنبط أصولها وفروعها من آيات الكتاب بنوادر الطلاق ودقائق علم السلم، والرهانة، وغرائب النحو واللغة، وصنعة الكلام وطريقة المجادلة مع الخصام التي هي متاع الأنعام "قد علم كل أناس مشربهم" "قوة كل طائر على قدر حوصلته" نظم: شعر : كَر بيرد يشه جندانكه هست كى كمال صرصرش آيد بدست إذا لم تستطع أمراً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع تفسير : فمن رجع إلى ملاحظة المقصود الأصلي من إنزال القرآن وروح المعنى المراد منه والقدر المشترك بين أقسامه - الذي هو سياقة الخلق إلى جوار رحمة الله سبحانه - وأنه مما يتفاوت في تلك الأقسام كمالاً، ونقصاً، وشدة، وضعفاً، إما لأجل التدرج في التعليم من مرتبة أخرى فوقها، أو التلطّف في الهداية من جهة الانتقال من فن إلى فن لكيلا يلزم الإسهاب والإملال بسبب التكرار والمواظبة على نهج واحد في المقال، وإما لأجل اختلاف القرائح والطبائع في اللطافة والكثافة، والذكاء والغباوة. فلكل إنسان بحسب عقله طور من الأطوار، كما أن لكل حيوان بحسب جسميته شكل من الأشكال كالفرس، والحمار، والبعير، والإنسان، المتخالفة في الحركات والآثار، فتفظن وتيقن أن المقصد الأقصى واللباب الأصفى من أقسام القرآن وعلومه هي معرفة ذات الله تعالى، وصفاته، وأفعاله، ويعلم أن سائر الأقسام مرادة لهذا القسم، وهو مراد لنفسه لا لغيره، فإن العلم الأعلى والحكمة الإلهية هو رئيس سائر العلوم الحقيقية ومخدومها، لأنّ غاية العلوم الآلية التي هي مقصودة لغيرها هي المعارف الربانية وهي ليست غاية لشيء آخر غيرها بل غاية الغايات وآخر سير الأفكار ونهاية الحركات، وما عداها من العلوم الكلية والجزئية هي خدمها، وتوابعها، وعبيدها، وهو السيد المطاع، والرئيس المقدَّم، الذي تتوجه إليه وجوه الأتباع وتتولى شطره قلوب الخدم، فيحذون حذوه، وينحون نحوه، ويخدمون غرضه. وإذا تأمل الناظر المتفكر وتدّبر بعين البصيرة في جملة المعاني التي تشتمل عليها آية الكرسي من المعارف الإلهية والمطالب الربوبية - من التوحيد والتقديس وشرح الصفات العليا والأفعال العظمى - لم يجدها مجموعة في آية واحدة من آيات القرآن إلاّ هذه الآية، فلذلك لا تستحق السيادة والرياسة على سائر آي القرآن إلاّ هي وحدها، فإنَّ {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:18] ليس فيه إلاّ التوحيد و {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص:1] ليس فيه إلاّ التوحيد والتقديس و {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} تفسير : [آل عمران:26] ليس فيه إلاّ الأفعال وكمال القدرة "والفاتحة" فيها مرامز إلى هذه الصفات من غير شرح، وهي مشروحة في آية الكرسي. والذي يقرب منها في جميع هذه المعاني آخر الحشر وأول الحديد، إذ يشتمل على أسماء وصفات كثيرة، ولكنها آيات لا آية واحدة، وهذه آية واحدة، فإذا قابلتها بآحاد تلك الآيات وجدتها أجمع للمقاصد الإلهية، التي هي روح القرآن فلذلك تستحق السيادة على الآي كلها، وتكون مصداقاً لما ورد في فضلها وشرفها من الأخبار والآثار. منها: ما ورد منه (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: "حديث : آية الكرسي سيدة آي القرآن ". تفسير : ومنها: أنه قال (صلّى الله عليه وآله): "حديث : ما قُرئت هذه الآية في دار إلاَّ اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوماً، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة ". تفسير : ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) "سمعت نبيّكم وهو على أعواد المنبر يقول: حديث : من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه عن دخول الجنة إلاَّ الموت، ولا يواظب عليها إلاَّ صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه، وجاره، وجار جاره، والأبيات حوله" . تفسير : وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام):"أين أنتم عن آية الكرسي؟" - ثم قال: - قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): حديث : يا علي سيد البشر آدم وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي. يا علي إنَّ فيها لخمسين كلمة، في كل كلمة خمسون بركة ". تفسير : وعن أُبي بن كعب قال: "حديث : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا أبا المنذر أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟ قلت: "الله لا إله إلاَّ هو الحي القيوم" قال: فضرب في صدري ثم قال: ليهْنئكَ العلم والذي نفس محمد بيده ان لهذه الآية للساناً وشفتين، تقدّس الملك عند ساق العرش"تفسير : . نقلها أبو علي الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان. ومنها: ما وري عن أبي جعفر الباقر عليه الصلاة والسلام قال: "من قرأ آية الكرسي مرة صرف الله عنه ألف مكروه من مكاره الدنيا وألف مكروه من مكاره الآخرة أيسر مكروه الدنيا الفقر وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر". وعن أبي عبد الله (عليه السلام) "ان لكل شيء ذروة، وذروة القرآن آية الكرسي". كيف وفيها "الحي القيوم" وهما من اسم الله الأعظم كما سيظهر لك لمعة من أنواره ونكتة من أسراره، ويشهد له ما ورد في الخبر بأن: "حديث : الإسم الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران ". تفسير : وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: "حديث : لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنظر ما يصنع قال فجئت فإذا هو ساجد يقول: "يا حيّ يا قيّوم" لا يزيد على ذلك، ثم رجعت إلى القتال، ثم جئت وهو يقول ذلك فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه ولا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له ". تفسير : وناهيك إيقاناً بهذا أنَّ الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله تعالى بل هو متعال عن أن يقال: "إنه هو أشرف من غيره" لأنّ ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه ولمَّا كانت الآية مشتملة من نعوت جماله وأوصاف كبريائه على الأصول والمهمات فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات. فقد ثبت مجملاً وتحقق بما أشرنا إليه قبل الخوض في بيانه أن لآية الكرسي بخصوصها سيادة وشرافة على كل واحدة واحدة من آيات القرآن، لأنها أجمع من كل منها وأشمل لمعان هي روح القرآن ولبابه الأصفى - من معرفة الذات، والصفات، والأفعال - إذ ليست هذه المعاني مجموعة في غيرها من الآيات وهي بأسرها مذكورة فيها، فإن قوله تعالى: {ٱللَّهُ} إشارة إلى الذات الموصوفة بالوجوب والغنى الذاتيين "والإلهية" إفادة الوجود وإعطاء الكمال والخير والجود لغيره وقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إشارة إلى توحيد الذات، ونفي المماثل في الوجود، والشريك في الإيجاد، والشبيه في الصفة. وقوله: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} إشارة إلى نعت الذات وجلالتها وعظمتها لما فيه من معنى الحياة المأخوذ فيه العلم والقدرة وسائر ما يتعلق بهما ويتعلق به (ومتعلقاته - ومتعلقاً به - ن) إذ "الحي" هو الذي يدرك ويفعل، ومعنى "القيومية" المستفاد منه جميع الصفات الكمالية والبراءة عن جميع النقائص الإمكانية، فإن معنى "القيوم" هو الذي يقوم بنفسه ويجب بذاته ويقوم به غيره، فلا يتعلق قوامه بشيء، وهو يسلتزم سلب النقائص كلها، إذ ما من نقيصة إلاّ ومنبعه الافتقار الذاتي والإمكان، ويتعلق به قوام كل شيء وهو يستلزم استجماع الخيرات والفضائل كلها ومنبعيّة كمالات الأشياء ومقاصدها بأسرها التي تتم بها قصوراتها وتجبربها نقصاناتها، وهذا غاية العظمة والجلالة. وقوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} من الصفات التقديسية السلبية، لأنه تنزيه وتقديس له عمّا ينافي القِدم والإلهية من صفات الحوادث، وسمات المركبات. ولا شك أنَّ التقديس عن وصمة التنقيص نوع من العرفان بل أوضح أقسامه في حق من لا سبيل إلى اكتناه ذاته بالبرهان. وقوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} إشارة إلى الأفعال كلها خلقها وأمرها، وعقولها ونفوسها، وأعاليها وسوافلها، وأنّ جميعها يبتدي ويصدر منه، وينتهي ويرجع إليه. وقوله: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} إشارة إلى انفراد بالملك والأمر وتوحّده بالوجود والتقوم، وفناء ذوات الكل عند ذاته، واضمحلال أشعّة نفوسهم عند سطوع النور الأول، وأنَّ من يملك الشفاعة والوساطة فإنما يملكها بتشريفه إياه والإذن فيه بالأمر التكويني المتعلق أولاً بذوات الوسائط المستمعة بآذان قابلياتها الواعية الصافية، وقلوبها السامعة الفاهمة خطاب الحق يقول: "كن" وأمره في دخولها دار الكون قبل غيرها، وإجابة دعوته تعالى وامتثال أمره في دخولها باستماع الخطاب وإدخال غيرها باسماع كلامه تعالى إياه لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} تفسير : [النبأ:38]. وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}، الآية إشارة إلى صفة العلم على الوجه التفصيلي الذي هو آخر مراتب العلم ونفي صفة العلم المساوق للحياة بل الوجود عن غيره، إلاّ من عطائه وموهبته حسب إرادته ومشيئته. وقوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} إشارة إلى عظمة ملكه وبسطة قدرته. وفيه سرٌّ شريف ومعرفة غامضة سينكشف لك ما يحتمل سماعه طاقة أمثالك عند إيضاحنا نبذاً من شرح صفة الكرسي واتّساعه السماوات والأرض. وقوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} إشارة إلى كمال قدرته وعدم تناهي قوته وتنزهها عن الدثور، والكلال، والنقصان، والزوال. وقوله: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} إشارة إلى أصلين عظيمين في الأسماء والصفات سنشير إلى شرحهما حسبما تحتمله الأسماع. فمن تأمل جملة هذه المعاني من التوحيد، والتقديس، والجمال، والجلال، والعظمة، والبسطة، والقهر، والملك، والملكوت، تأملاً تامّاً، كاملاً وتفكّر فيها تفكّراً شافياً كافياً، وجدها غاية مقصد السالكين، ونهاية مطلوب المحتاجين، بحيث بها يمكن أن يصل كل ذي حاجة ومسكنة إلى مبتغاه ومتمناه، وبها ينتهي كل طالب مشتاق إلى شيء مطلوب، وكل مشتهي متمني إلى نفسه ومرغوب مناه ومهواه، إذ فيها أصل السعادات ومنشؤها، وغاية الخيرات ومنتهاها. فلنشرع في تفسير هذه المعاني وشرحها حسب ما ألهمنا الله بها، ومنحها على قدر وسعنا وطاقتنا، ومبلغ استطاعتنا وقوتنا، لا على قدر جلالة تلك المعاني وعظمتها، ومبلغ شرافتها وحقيقتها، ولنورد جملة هذه المعاني في عدة فصول تكون هي للحقائق العلمية دعامات وأصول، مدرجاً كل جملة من المقاصد المتعلقة بكلام مفرد إسنادي خبري في مقالة واحدة ليسهل أخذها على المتأمل الطالب، ويتيسّر ضبطها على السالك الراغب، مورداً في كل باب قبل الإشارة إلى ما هو صريح الحق والصواب، وقرة عيون أُولي البصائر والألباب، طائفةً من كلمات القوم وتأليفاتهم، وفوائدهم وتدقيقاتهم في الكتاب، ملخصاً لثمرات كلامهم، ومقرباً لأبعاد مرامي سهامهم، ومقصراً لمسالك أقدامهم، ومجاوزاً عن ما يعدُّونه غاية مرامهم، وملتقطاً من عقود نظامهم فرائده من غير إخلال، ومجتنباً من عنقود ثمارهم فوائده من غير إهمال، ليكون معواناً على ما نحن بصدده، ومعداً للناظر فيما يحتاج إلى مدده. وها أنا أشرع فيما وعدناه، وأخوض فيما قصدناه، بإذن مبدإ الجود ومنتهاه، وغاية الوجود ومبتغاه. المقالة الأولى فيما يتعلق باسمه تعالى "الله" وفيه أبحاث وتحقيقات لفظية ومعنوية أوردناها في مسائل: المسألة الأولى في كيفية كتابة هذا اللفظ يجب إبقاء "لام التعريف" في الخط على ما هو أصله في لفظ "الله" كما في سائر الأسماء المعرَّفة وأما حذف "الألف" قبل "الهاء" فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة، ولأنه يشبه "اللاَّة" في الكتابة. قال أهل الإشارة: الأصل في قولنا "الله" "الإله" وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ - ألف ولامان وهاء - فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذا حال العبد يبتدئ من النكرة والجهالة ويترقّى قليلاً في مقامات العبودية حتى يصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ويدخل في عالم المكاشفات والأنوار، ثم يأخذ بالرجوع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل: "النهاية هي الرجوع إلى البداية". ومن اللَّطائف المتعلقة بمواد هذا الاسم وحروفه أنَّك إذا أسقطت "الهمزة" بقي "لله" {أية : وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الفتح:4]. فإن تركت من هذه البقية "اللاَّم" الأولى بقيت البقية على صورة "له" {أية : لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة:116]، وإن تركت "اللاَّم" الباقية أيضاً بقيت الهاء المضمومة من "هو" {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص:1]، و "الواو" زائدة حصلت من إشباع الضمة بدليل سقوطها في التثنية والجمع "هما، هم". فانظر إلى تقدس هذا الاسم وتنزهّه عمّا يشبه القوة والبطلان ويوهم النقصان والإمكان، ولو بحسب مرتبة من مراتبه، وتفطّن منه إلى صمدّية مسمّاه وترفّعه عن التعطّل والقصود في إفاضة الوجود والرحمة على ما سواه. رُوي أنَّ فرعون قبل أن يدعي الإلهية قصد أو أمر أن يُكتب "بسم الله" على بابه الخارج، فلمَّا ادّعى الإلهية وأرسل الله إليه موسى ودعاه فلم ير به أثر الرشد وقال: "إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيراً؟" قال تعالى يا موسى: "لعلّك تريد إهلاكه، أنت تنظر إلى كفره، وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه" فالنكتة فيه أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمناً من العذاب - وإن كان كافراً - فالذي كتبه على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره كيف يكون. المسألة الثانية في كيفية التلفُّظ باسم الجلالة إعلم أنَّ القرَّاء والمجوِّدين استحسنوا تفخيم اللاَّم وتغليظها من لفظ "الله" بعد الفتحة والضمة دون الكسرة. أمَّا الأول: فللفرق بينه وبين لفظ "اللاَّت" في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأنَّ اللاَّم الرقيقة تُذكَر بطرف اللِّسان والغليظة تذكر بكل اللسان، فكان العمل فيه أكثر؛ فيكون أدخل في الثواب، وهذا كما جاء في التوراة: "أجب ربك بكلِّك" وربما قال بعضهم بالوجوب مستدلاً بأنه أمر شائع فلا يجوز خلافه. وأمّا الثاني: فلأن النقل من الكسرة إلى اللاَّم الغليظة ثقيل على اللِّسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. وربما قيل بالتفخيم في الأحوال الثلاثة، ونقل ذلك عن بعض القرَّاء. وإنَّما لم تعدَّ اللام الغليظة حرفاً والرقيقة حرفاً آخر كما عدَّ الدال حرفاً والطاء حرفاً آخر - مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإنّ الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان - لاطراد استعمال الغليظة مكان كل رقيقة ما لم يعق عائق الكسرة، وعدم اطّراد الطاء مكان كل دال. أقول: وهاهنا وجه آخر وهو أنَّ الوجدان يجد تفرقة بينهما سوى التفاوت بالجزئية والكلية في المخرج، وهو التفاوت بالرخاوة والشدَّة، مع أن كليهما من الحروف الشديدة عند القرَّاء، وهي حروف "أجد قط بكت" إذ لا شبهة لأحد أنَّ جميع هذه الحروف ليست في درجة واحدة من الشدَّة، كما أنَّ الرخويات ليست متساوية في حدٍّ من الرخاوة. وحذف الألف لحن تبطل به الصلاة، وإنما ورد في الشعر للضرورة، ولا ينعقد به اليمين عند أصحابنا، إذ ليس حينئذٍ من الأسماء المختصة ولا الغالبة. وأمَّا الشافعية فاليمين لما كان عندهم على ضربين: الصريح - وهو الذي ينعقد عندهم بمجرد التلفظ بالاسم من غير نيّة وهو الحلف بالأسماء المختصة - والكنائي - وهو ما يحتاج فيه إلى النيّة بأن ينوي الحالف الذات المقدّسة وهو الحلف بالأسماء المشتركة كالحيّ والسميع، والبصير - فاليمين بالاسم المذكور ينعقد عندهم مع النية. وأمّا على ما ذهب إليه أصحابنا فاليمين لا ينعقد إلاَّ بشرطين أحدهما: النية، والثاني: كونه من الأسماء المختصة له تعالى وهو مفقود عند حذف الألف. المسألة الثالثة في أنه من أي لغة كان - عربي، أو عبري، أو سرياني - وفي أنه اسم، أو صفة، جامد أو مشتق قد اختلفت ألسنة الفحول، وتشعبت آراء أرباب العقول، وتفننت أنظار علماء النقول وأصحاب الأبنية والأصول، واضطربت أقوالهم في لفظة الجلالة، كما تاهت أفكار العقلاء في مدلولها وتحيَّرت أذهانهم في مفهومها، وكما اضمحلّت ذوات العارفين في حقية مسماها، واندكّت جبال إنيَّاتهم في هوية الأول المحتجب بشدة ضوئه الأبهر، ونوره الأقهر عن عيون خفافيش العقول، فكأنه قد وقعت رشحة من بحر تعززه وتمنّعه، وعكست شعلة من نار كبريائه وجلاله على منصَّات ظهور جماله، حتى اللَّفظ الذي بإزاء هويته، فتلجلج لسان الفصحاء عند بيانه، وتمجمج البلغاء في الإخبار عن شأنه. فقيل: هو لفظ عبري. وقيل: هو سرياني، وأصله "لاها" فعرِّب بحذف الألف من آخره، وأدخل اللاَّم والألف عليه. وقيل: بل هو عربي وأصله "إله" حذفت الهمزة وعوّض عنها بالألف واللاَّم، ومن ثم لم يجز إسقاطهما حال النداء ولا وصل الهمزة تحاشياً عن حذف العوض أو جزئه. فقيل: في النداء: "يا أَلله" بالقطع كما يقال: "يا إله" وإنَّما خصّ القطع به تمحيضاً لهما في العوضية للاحتراز عن اجتماع أداتي التعريف - وفيه ما فيه -. و"الإله" من أسماء الأجناس كالرجل والفرس فيقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق كما غلب "النجم" على الثريا، و"السنّة" على عام القحط، و"البيت" على الكعبة. وأما "الله" - بحذف الهمزة - فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره فاختلفوا فيه هل هو اسم أو صفة؟ فالمختار عند جماعة من النحاة كالخليل وأتباعه وعند أكثر الأصوليين والفقهاء أن لفظ الجلالة ليس مشتق وأنه اسم علَم له سبحانه لوجوه: أحدها: إنه لو كان مشتقاً لكان معناه كلياً لا يمتنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه، وحينئذٍ لا يكون قولنا: "لا إله إلاّ الله" موجباً للتوحيد المحض، ولا الكافر يدخل به في الإسلام، كما لو قال: "أشهد أن لا إله إلاّ الرحيم" أو "إلاّ الملك" بالاتفاق. ويرد عليه: أنه يجوز أن يكون أصله الوصفية، إلاَّ أنّه نقل إلى العلمية. والثاني: إنّ الترتيب العقلي يقتضي ذكر الذات، ثم تعقيبه بالصفات، نحو "زيد الفقيه الأصولي النحوي" ثم إنَّا نقول "الله الرحمن الرحيم" ولا نقول بالعكس، فنصِفه، ولا نصِف به، فدلَّ ذلك على أن "الله" اسم علم. ويرد عليه: أنّ هذا لا يستلزم العلَمية لجواز كونه اسم جنس أو صفة غالبة يقوم مقام العَلم في كثير من الأحكام، ويخدشه أيضاً قوله تعالى: {أية : صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ * ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} تفسير : [إبراهيم:1 - 2] في قراءة حفص. وأُجيب بأن قراءة حفص عند من قرأ بها ليست لأجل أنَّه جعلَه وصفاً، وإنما هو للبيان، كما في قولك: "مررت بالعالم الفاضل زيد". والثالث: قوله تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} تفسير : [مريم:65]. وليس المراد الصفة وإلاّ لزم خلاف الواقع، فوجب أن يكون المراد اسم العلم وليس ذلك إلاّ "الله". ولقائل أن يمنع تالي شق الأول مسنداً بأن المراد من الصفة كمالها المعرى عن شوب النقص. والرابع: إنه سبحانه يوصف بصفات مخصوصة فلا بدَّ له من اسم خاص تجري عليه تلك الصفات، إذ الموصوف إمَّا أخص أو مساوٍ للصفة. وفيه أولاً: أن هذه مغالطة من باب الاشتباه بين أحكام اللفظ وأحكام المعنى، فإنّ الاختصاص بالنعوت والأوصاف يوجب مساواة ذات الموصوف أو أخصيّتها بالقياس إلى الصفة لا وقوع لفظ مخصوص بأزاء الذات، والأول لا يسلتزم الثاني. وثانياً: إنه على تقدير التسليم لا نسلّم لزوم العلَمية، لأنّ الصفات مفهومات كليّة وأنَّ تخصص بعضها ببعض لا ينتهي إلى التعيّن الشخصي، غاية ما في الباب أن يصير كلياً منحصراً في فرد، فيكفي لموصوفها عنوان هو أمر كلي منحصر في فرد. وثالثاً: إنَّه يرد عليه ما ورد أولاً على الثاني. وأما القائلون بالاشتقاق فحجتهم أمور: منها: قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام:3]. إذ لو كان علَماً لم يكن ظاهر هذه الآية مفيداً معنى صحيحاً - لا كما وجّهه بعضهم من أنَّه يشعر بالمكانية لأنّ ذلك حديث آخر يتعلق بعلم أرفع من مباحث الألفاظ ولعلّ الألفاظ المشعرة بالتجسّم في القرآن غير محصورة والسر في الجميع شي واحد ليس هذا الموضع محل بيانه - بل لأنّ المعنى الجامد لا يصلح للتقييد بالظروف وغيرها بخلاف المعنى الوصفي، فإنه لا يجوز أن يقال "هو زيد في البلد" وإنما يقال: "هو العالم في البلد" أو "الواعظ في المجلس". والجواب: إنَّ الاسم قد يلاحظ معه معنى وصفي اشتهر مسمّاه به فيتعلق بالظرف كما في "أسد علي" لتضمنه معنى الصائل أو المقدم، فكذلك يلاحظ هاهنا معنى المعبود بالحق لكونه لازماً لمسماه مشتهراً في ضمن فحواه. ومنها: إنَّه لمَّا كانت الإشارة ممتنعة في حقه تعالى كان العلَم له ممتنعاً. ومنها: إنَّ العلَم للتمييز، ولا مشاركة فلا حاجة إليه. والجواب عن الوجهين: إنَّ وضع العلَم لتعيّن الذات المعيّنة ولا حاجة إلى الإشارة الحسّية، ولا يتوقف على حصول الشركة. قال بعض العلماء: يشبه أن يكون النزاع بين الفريقين لفظياً غير مؤدّ إلى فائدة لأنّ القائلين بالاشتقاق متفقون على أن "الإله" مشتق من "أله - بالفتح - آلهته" أي: عبد عبادة. وأنَّه اسم جنس يقال على كل معبود، ثم غلِّب على المعبود بحق كما مرّ، وأما "الله" بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره، ولم يفهم سواه وهذه خاصية العلَم. وقيل: اشتقاقه من "ألهت إلى فلان" أي: سكنت. وهذا المعنى أيضاً لا يتحقق إلاَّ بالقياس إلى جنابه المقدس فإنَّ النفوس لا تسكن إلاَّ إليه والعقول لا تقف إلاَّ لديه لأنه غاية الحركات، ومنتهى الرغبات، كما برهن في الحكمة الإلهية ولأنّ الكمال محبوب لذاته {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد:28]. وقيل: من "الوله" وهو ذهاب العقل، وهو بالحقيقة ثابت للذوات بالنسبة إلى قيّوم الهويات وجاعل الإنيات، سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان المستغرقون في لجّة يمِّ الإيقان، والواقفون في ظلمات الجهالة والعميان المتزحزحون في تيه الخذلان. وقيل: من "لاه" بمعنى ارتفع، وهو تعالى مرتفع عن شوب مشابهة الممكنات ومتعال عن وصمة مناسبة المحدثات. وقيل: من "أله في الشيء" إذا تحيّر فيه، لأنّ العقل وقف بين الإقدام على إثبات ذاته - نظراً إلى وجود مصنوعاته - والتكذيب لنفسه؛ لتعالي ذاته عن ضبط وهمه وحسّه، ولذلك قال المحققون: السالك الواصل إلى درك الواجب لذاته هو نحو البرهان المأخوذ عن معنى الوجود وأنَّ له مبدءاً قيوماً لذاته فهو الشاهد على ذاته وعلى كل شيء لا العقل، إذ ليس له إلاَّ أن يقرَّ بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدارك الجمال والجلال، فعجز العقل هاهنا عن درك الإدراك إدارك. وقيل: من "لاه يلوه" إذا احتجب. لأنه بكنه صمديته محتجب عن العقول فإنَّه إنَّما يستدل على كون الشعاع مستفاداً من الشمس بدورانه معها وجوداً وعدماً، وطلوعاً وأفولاً، وشروقاً وغروباً، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان بكون الشعاع مستفاداً منها، ولما كانت ذاته باقيةً على حالها وكذا الممكنات التابعة له، فربما يخطر ببال ضعفاء العقول أنَّ هذه الأشياء موجودة بذواتها، وكثير منهم لا يمكنه تصوّر دوام المجعول مع الفاعل التام مع أن البقاء لأحدهما بالأصالة والحقيقية، وللآخر بالتبعية والمجاز إذ المهيّات والأعيان مظلمة الذوات بذواتها لازمة الفقدان والعدم بأنفسها، إلاَّ أنها مرائي لحقيقة الأول ومجالي لظهور نور الحق لم يزل فاختفى الحق بالخلق وظهر الخلق بنور الحق، فلا سبب لاحتجاب نوره إلاّ كمال ظهوره، كما لا سبب لظهور الخلق إلاّ غاية بطونه وبطلانه، فالحق محتجب والخلق محجوب. وقيل: من "أله الفصيل" إذا ولع بأمه، لأنّ العباد يتضرعون إليه في البليات {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} تفسير : [الروم:33] هذا شأن الناقصين، وأما العارفون الكاملون فهم في بحر شهوده مغرقون وهو جليسهم وأنيسهم. شكى بعض المريدين كثرة الوسواس فقال له الشيخ: "كنت حداداً عشر سنين، وقصاراً عشراً، وبواباً عشراً" فقيل: "وكيف ما رأينا منك؟" فقال: "القلب كالحديد، ألنته بنار الخوف عشراً، ثم شرعت في غسله عن الأوضار والأوزار عشراً، ثم وقفت على باب القلب عشراً أسل سيف لا إله إلاّ الله، فلم أترك حتى يخرج منه حب غير الله تعالى، ويدخل فيه حب الله فلما خلت عرصة القلب عن غيره وقويت محبته، سقطت من بحر عالم الجلال قطرة من النور فغرق القلب فبقي في تلك القطرة، وفنى عن الكل، ولم يبق فيه إلاَّ محض سرِّ لا إله إلاّ الله. وقيل: من "أله الرجل يأله" إذا فزع من أمر نزل به، فآلهه أي آجره، والمجير لكل الخلائق من كل المضار هو الله ولا يجار عليه. كشف تحقيقي الحق أنَّ وضع الاسم المخصوص للذات الأحدية والهوية الغيبية مع قطع النظر عن النسب والإضافات غير متصور أصلاً لا لما قيل "إن ذاته تعالى من حيث هي غير معقول للبشر، فلا يمكن أن يدل عليها بلفظ". إذ يرد عليه ما ذكره بعض المحققين: إن أقصى ما يلزم منه عدم تمكن البشر من وضع الاسم له جلّ شأنه، والمدعى أن ليس له تعالى علَم أصلاً، وقد صح أن أسماءه توقيفية، فيجوز أن يضع هو لذاته المقدسة اسماً، على أن القول بعدم تمكن البشر من وضع العلم محل كلام، إذ يكفي في وضع الاسم تعقل المسمى بوجه يمتاز عمّا عداه. بل لأنّ الغرض من وضع الألفاظ والنقوش الكتابية ليس إلاَّ الدلالة على المعاني الذهنية الدالّة على الحقائق الخارجية، إذ لو كانت الحقيقة بنحو وجودها الخارجي حاضراً عند المخاطب سقط اعتبار اللفظ، بل لا يحتاج إلى إشارة عقلية ولا حسية لكونها مدركة بصريح المشاهدة، ولمَّا لم يتصور لحقيقة الباري صورة ذهنية مطابقة لذاته، فلا يمكن الدلالة عليه بالألفاظ الدالة على الصورة الذهنية المطابقة له، ولا اسم لذاته المخصوصة أيضاً إذ لا يمكن نيل ذاته المقدسة إلاّ بصريح ذاته وإشراق نور وجهه الكريم بعد فناء السالك عن ذاته، واندكاك جبل إنيّته، واضمحلاله في العين، وإماطة أذى هويته في طريق الحق من البَين، وحينئذٍ فلا اسم له، ولا رسم، ولا نعت، ولا خبر عن الغيب المحض والمجهول المطلق، فالسالك ما دام في حجاب وجوده وعينه فلا فائدة للألفاظ في حقه، ولا خبر عن الحق أصلاً، وإذا وصل إلى الشهود الحقيقي فلا أثر منه عند الغير كما قيل: شعر : اين مدعيان در طلبش بيخبراند كانرا كه خبر شد خبرى باز نيامد تفسير : ومن هاهنا يتبين ويتحقق أن وضع الألفاظ للمفهومات والصور الذهنية لا للأعيان الخارجية، سواء كان الغرض تعرف أحوال تلك الأعيان وأحكامها أم لا - كما في الأحكام الذهنية -. ومما يؤكد أن وضع الألفاظ للصور الذهنية أنه قد ثبت في مقامه أن لا سبيل للعلم بأنحاء الوجودات الخارجية للمهيات إلاّ بالحضور العيني والمشاهدة الإشراقية، أو الإحساس، فعلى هذا كيف يتصور أن يفهم من مجرّد إطلاق اللفظ الهوية الخارجية، إلاَّ بسبب سبق علم شهودي أو إحساس بتلك الهوية، وإذا لم يكن الأمر العيني مما يتصور في حقه المشاهدة الاكتناهية أو الإحساس كذاته تعالى فلا فائدة لوضع الألفاظ لذاته المخصوصة بوجه أصلاً. فإن قلت: لا شبهة في أن للعلوم والصور الذهنية دلالات على المعلومات والأعيان الخارجية - وإن لم يحضر الأمر الخارجي - فالعلم بها لا يتوقف على حضورها. وأيضاً لا شك أنَّ الأحكام الخبرية ليست كلها جارية على مجرد الصور العقلية، وإلاّ لكانت القضايا كلها ذهنيات فلم يبق قضية حقيقة أو خارجية، فللحكم على الشيء لا بد من إدراكه. قلنا: نحن لا ننكر أن للصورة العقلية دلالة على الشيء الخارجي بوجه من الوجوه، لكنّا نقول: هذه الدلالة على الأمر الخارجي بهويّته المخصوصة لا يمكن إلاّ بعد العلم الحضوري به، فاللفظ إذا دلّ عليه فإنما دلّ أولاً على الصورة الذهينة، وبتوسطها على الأمر الخارجي بالشرط المذكور، وأما القضايا والأحكام الخارجية أو الحقيقية فالحاضر بالذات للعقل عند إطلاق اللفظ في الحمليات مطلقاً ليس إلاّ الصور الذهنية، إلاّ أنها قد تكون مأخوذة على وجه يصير عنواناً لحقيقة خارجية، كما في المحصورات الخارجية، فإن المحكوم عليه في قولنا "كل إنسان كاتب" هو الصورة العقلية للإنسان المأخوذة من حيث هي هي على وجه يصير مرآة لملاحظة الأفراد على سبيل الإجمال، بمعنى أنَّ كل واحد واحد من الأفراد لو كان حاضراًً مشهوداً بهويته العينيّة لكان متحداً مع تلك الصورة المأخوذة كذلك. وهكذا الحكم في الأفراد المقدرة في القضية الحقيقية بخلاف الطبيعة الذهنية، فإنّ المحكوم عليه فيها مجرد الصورة من حيث كونها متعيّنة، في الذهن ففي القبيلين المدرك بالذات ليس إلاَّ صورة الشيء الخارجي ووجهه دون هويته وذاته، إلاّ أن في أحدهما اعتبر المطابقة مع ما في الخارج على الوجه المذكور، وفي الآخر لم يعتبر، وهذا هو الفرق بين العلم بوجه الشيء وبين العلم بالشيء من وجه، مع الاتفاق في كون المعلوم بالذات هو الوجه، لا الكنه. فقد استنار وانكشف أنَّ حقيقته المقدسة باعتبار الأحدية الغيبية لا وضع للألفاظ بأزائه، إذ لا يمكن له إشارة عقلية كما لا يمكن إشارة حسية، وهذا سرُّ قوله عليه وآله الصلاة والسلام:"حديث : إنَّ الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإنَّ الملأ الأعلى يطلبونه كما أنتم تطلبونه ". تفسير : المسألة الرابعة في أن موضوع لفظ الجلالة ماذا؟ إعلم أن أقسام الأسماء الواقعة على المسمّيات تسعة: أولها: إسم الشيء بحسب ذاته كزيد. ثانيها: إسمه بحسب جزء من أجزائه كالحيوان على الإنسان. ثالثها: إسمه بحسب صفة حقيقيّة قائمة بذاته كالأسود والحار. ورابعها: إسمه بصفة إضافية كالمالك والمملوك، والمتيامن والمتياسر. وخامسها: إسمه بصفة سلبية كالجاهل والأعمى. وسادسها: إسمه بصفة حقيقية مع إضافة لها إلى شيء كالعالم والقادر. وسابعها: إسمه بصفة حقيقية مع صفة سلبية كإطلاق الجوهر بمعنى الموجود بالفعل لا في الموضوع على ما له وجود زائد على مهيته. ثامنها: إسمه بصفة إضافية مع صفة سلبية كالأول فإن معناه سابق غير مسبوق. تاسعها: صفة حقيقية مع إضافة وسلب. فهذه أقسام الأسماء المقولة على الشيء ولا يكاد تجد اسماً خارجاً عنها سواء كان لله أو لمخلوقاته. إذا تقرر هذا فلقائل أن يقول: لما تبيّن وتحقق أن حقيقته تعالى المقدسة عن لوث الأفهام والأوهام بحسب هويته الغيبية (العينية - ن) غير قابلة لاسم ولا رسم، ولا حدٍّ، ولا إشارة، وإنما ألفاظ الأسماء والصفات جارية على ذاته باعتبار مفهومات هي نعوت كمالية أو إضافية أو سلبية فالاسم "الله" لا يكون موضوعاً للذات الأحدية بل لواحدة من الصفات الحقيقية أو الإضافية سواء كانت مع السلوب أم لا. لكن لقائل أن يعارض ذلك ويقول: إنَّ الاسم "الله" لو لم يكن موضوعاً للذات لكان إمَّا موضوعاً لصفة كمالية بخصوصه - كالعالم مثلاً أو القادر أو غيرهما - فكان المفهوم من كلمة "الله" هو بعينه المفهوم من "العالم" مثلاً، ولم يكن لقولنا "الله عالم" معنى زائداً على معنى أحد جزئيه، بل يكون مثل قولنا "الله الله" "والعالم عالم" حيث لم يفد المجموع معنى غير ما أفاده أحد جزئيه، والتالي باطل فالمقدم مثله. وإما أن يكون موضوعاً لصفة إضافية محضة كالأولية، والسببية، والآخرية، والغائية وهو أيضاً باطل بمثل البيان المذكور. وإما أن يكون موضوعاً للسلوب المحضة كالقدوسية، والفردية، والجلالة، وهو ظاهر الاستحالة، لأنَّا لا نفهم من هذا اللفظ إلاَّ تحصيل أمر حقيقي، أو إضافي، لا رفع أمر. وإما أن يكون موضوعاً لجزء من الذات وهو أيضاً مستحيل لاستلزامه تركب الواجب تعالى عنه علوّاً كبيراً، والحال في كونه موضوعاً للمركب من بعض المعاني المذكورة مع بعض يعرف بما ذكرناه من الاستحالة. فلم يبق من الاحتمالات التسعة المذكورة الحاصلة من وقوع الأسماء على المسميات إلاّ واحد وهو كون الاسم "الله" واقعاً على الذات دالاًّ عليها مطابقة لاستحالة غيره لما علمت من استحالة التوالي بأسرها عند فرض المقدمات الثمانية المحتملة في بادئ النظر وأنَّ فساد التوالي يستلزم فساد المقدمات، وكذا استحالة المفهوم المردد بين التوالي يسلتزم استحالة المفهوم المردد بين شقوق المقدم، واستحالته يوجب ثبوت نقيضه - وهو الذي ادعيناه من كون لفظ الجلالة بأزاء الذات الأحدية المعرّاة عن الاعتبارات - حقيقية كانت، أو إضافية، أو سلبية - وإلاّ يلزم كون هذا الاسم مع جلالته مهملاً غير موضوع لمعنى هو ظاهر البطلان. وأقول في الجواب: إنَّ هذا الاسم - في التحقيق الذي لا مجمحة فيه - من الأعلام الجنسية للذات المستجمعة للصفات الكمالية بأسرها، المنزهة عن النقائص الإمكانية برمّتها، فهو علم لهذا المفهوم الجامع المقدس المنحصر في ذات الواجب القيوم بذاته، وليس من أسماء الأجناس، إذ ليس إسم جنس لذاته لعدم كونه تعالى كلياً طبيعياً كما زعمته طائفة من المتصوفة - تعالى عمّا يقوله الظالمون علوّاً كبيراً - ولا أيضاً إسم جنس لصفة من الصفات بخصوصها، أيّ صفة كانت، إيجابية، أو سلبية، كما مرّ ذكره. فلم يبق من الاحتمالات إلاّ الذي ادّعيناه، إذ لا يرد عليه شيء من النقوض والإيرادات المذكورة وهو خارج عن الشقوق التسعة المشهورة، ودعوى انحصار أقسام الأسامي فيما ذكر ممنوع، لأنه غير مستند إلى أمر عقلي بل مجرد استقراء غير تام يكاد يوجد اسم خارج عن الجميع، سواء كان لله أو لغيره، وسواء كان الواضع هو الله أو غيره. فإن قلت: هذا الاسم أشرف الأذكار وهو الاسم الأعظم عند بعضهم وإذا كان كذلك فلا بدَّ أن يكون مسمَّاه الذات الأحدية؛ لأنّ شرف الذكر والاسم بشرف المذكور والمسمى، كما أنَّ شرف العلم بشرف المعلوم. قلنا: قد مرّ أن ذكر الذات الأحدية باعتبار هويته الغيبية وكذا تسميته بخصوصه والإشارة إليه بعينه والإشعار به غير متصور أصلاً، بل أمر مستحيل؛ لأنه من الحيثية المذكورة مجهول مطلق لما سوى ذاته تعالى - والمجهول المطلق من حيث هو مجهول مطلق لا يخبر عنه، ولا يذكر، ولا يشاء إليه بوجه من الوجوه. وهذا لا القدح في كون هذا الاسم أشرف الأذكار وأعظم الأسماء، فإنَّ المذكور، والمسمى في كل ذكر وإسم من الأذكار والأسماء الحسنى معنى من المعاني العقلية الاعتقادية الصادقة في حقه تعالى، اللائقة بجناب إلهيته وقيّوميته وليس شيء منها نفس ذي المقدسة؛ لتعاليه عن أن يحوم حول إدراكه فكر أو قياس، أو ينال ذاته عقل ووهم أو حواس إلاّ أن ما يدل عليه هذا الاسم باعتبار الاستجماع الذي أشار إليه لم يبعد أن يقال إنه أشرف المذكورات الدالّة عليها سائر الأسماء، فلو اتفق لعبد من عباده الوقوف على ذلك الاسم على ما يكون - بأن تجلّى له معناه وانكشف له فحواه أوشك أن تنقاد له عوالم الجسمانيات والروحانيات. ثم القائلون بأنّ الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه: منهم من قال: هو "ذو الجلال والإكرام" متمسكين بقوله (صلّى الله عليه وآله):"حديث : ألظّوا بياذا الجلال والإكرام ". تفسير : وردّ: بأن الجلال من الصفات السلبية، والإكرام من الإضافية، ومن البيّن أن الذات المأخوذة مع الصفات الحقيقية، أو الذات المطلقة المأخوذة بلا قيد أشرف من السلوب والإضافات. ومنهم من قال: إنه "الحي القيوم" لما مرَّ سابقاً من الروايات حديث : ولقوله (صلّى الله عليه وآله) لأُبي بن كعب: "ما أعظم آية في كتاب الله تعالى؟ فقال: الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيوم. فقال: ليهنئك العلم يا أبا المنذر" تفسير : وعورض: بأن "الحي" هو الدرَّاك الفعَّال، وهذا ليس فيه عظمة، ولأنه صفة. وأما "القيوم" فمعناه كونه قائماً بنفسه مقوماً لغيره، والأول مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره، والثاني إضافي وسنذكر لك ما يليق بهذا المقام وبيان كون هذين الاسمين من الأسماء العظام. ومنهم من قال: إن أسماء الله كلّها عظيمة لا يبغي أن يتفاوت بينها. وردّ: بما مرّ من أن اسم الذات أشرف من اسم الصفة. وفيه: أن الذات البحتة لم يوضع لها اسم. والأولى أن يقال: إن المفهوم من بعض الأسماء أشرف من بعض بكثير، إلاّ أن القول بأن الاسم الأعظم غير منحصر في واحد أو اثنين غير بعيد عن الصواب كما سنشير إليه وبه يندفع التدافع بين النصوص الواردة في أعظميّة اسم والواردة في أعظمية اسم آخر غيره. ومنهم من قال: إن الاسم الأعظم "هو الله" وهو قول منصور، لأنّك قد علمت أنّه علم للذات المستجمعة للصفات الكمالية والإلهية مع التقدس عن جميع النقائص الكونية فهو يجري مجرى العلَم للذات الحقيقية الأحدية وينوب منابه فكأنه دالّ على ذاته المخصوصة الأحدية وهذا المقام غير متحقق لشيء من الأسماء العظام لعدم دلالته على ما دلّ عليه هذا الاسم إلاّ على سبيل الالتزام مع بيان وبرهان كما في "الحيّ القيّوم". ويؤيده ما روي عن أسماء بنت زيد أنها روت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال:حديث : اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} وفاتحة سورة آل عمران: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} تفسير : وعن بريدة: حديث : إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سمع رجلاً يقول: اللَّهم إني أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى تفسير : ولا شكّ أن الاسم "الله" في الآيتين، والحديثين أصل والصفات مترتبة عليه. والتحقيق: أن شرافة اسم على اسم باعتبار شرافة مدلوله بأحد الدلالات، فمن نظر إلى أنّ مدلول الاسم "الله" بحسب الدلالة المطابقية هو الذات المستجمعة لجميع الصفات الجمالية والجلالية، ولا يوجد في الأسماء ما له هذه الجامعية في الدلالة الوضعية إلاّ اسم "الله" حكم بأنه الأعظم، ومن نظر إلى أن "الحيّ القيّوم" يدلّ مفصلة على ما دل عليه اسم "الله" مجملاً من تلك الأوصاف والنعوت الإلهية الوجوبية لكن على بعضها دلالة وضعية، وعلى بعضها دلالة عقلية، والدلالة التفصيلية أرجح في طلب القرب والوصول من الدلالة الإجمالية، حكم بأنّ هذا أعظم الأسماء، ومن نظر إلى أن كل واحد من الأسماء الحسنى يرشد إلى الآخر ويدل عليه دلالة عقلية عند التأمّل الصادق فيه والمواظبة على ذكره حكم بأنه لا رجحان لاسم على اسم بل كل واحد منها إذا نظرت إليه فهو عين جميع الأسماء بحسب المفاد، كقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء:110]. المسألة الخامسة في إعرابه ونظمه هو مرفوع بالابتداء، وخبره إمَّا محذوف وهو "موجود" أو "ثابت" أو "واحد" بقرينة ما بعده، وهو "لا إله إلاّ هو" مؤكداً له، ويحتمل أن يكون الجملة خبراً بنفسها لا تابعاً، ويحتمل أن يكون "الله" خبر مبتدإٍ محذوف أي: هو الله دون غيره. ومعناه على الأول: أنّ الله بنفس ذاته موجود لا يزيد وجوده على هويته، كما في الممكنات التي لها مهيات قابلة للوجود والعدم غير مقتضية لشيء منهما بذواتها فيحتاج إلى ما يرجع أحد الطرفين فيها على الآخر، فتؤدي سلسلة الافتقار إلى موجود لا يزيد على ذاته دفعاً للدور والتسلسل، وكذا يقاس كونه واحداً. وعلى الثاني: أن الموجود الحق بنفس هويته إله للعالم لا بصفة زائدة على ذاته، أي: صنعة الإلهية في الواجب ليست كصنائع ذوي الصناعات الإمكانية التي صانعيتها إنما تتحقق بشيء زائد على ذاتها، كما أنّ لنا شيئين نتجوهر بأحدهما - وهو النطق - ونكتب بالآخر - وهو صنعة الكتابة - وكذا النار تتجوهر بصورتها المخصوصة وتحرق بحرارتها، وكذا الشمس تتذوت بشيء وتضيء وجه الأرض بشيء، ثم لا يكفي في هذه المبادئ الفاعلية الذات والصفة، بل يحتاج مع ذلك إلى قابل وحركة حتى تظهر منها آثارها، لأنّ شأنها الإعداد والتحريك لا الجود والإفاضة، وأما الإله المحض والجواد الحق فلا ينقسم بشيئين، بأحدهما تجوهر ذاته وبالآخر إلهيّته بل هو بذاته إله وبنفسه خلاَّق، وإلاّ لاحتاج في إيجاد صفة إلهيته إلى إلهية أخرى، وهكذا حتى يتسلسل أو يدور وكلاهما، ممتنع فهو الله بذاته، هو الرحمن الرحيم بنفسه لا بصفة زائدة بها تحصل الإلهية. أما ارتباطه بما سبق فهو أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب المجيد أنه يمزج هذه الأنواع الثلاثة بعضها ببعض - أعني علم التوحيد، وعلم الأحكام، وعلم القصص - والمقصود من ذكر القصص إما تقدمة دلائل التوحيد وإمّا المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وهذا الطريق هو الأحسن في الهداية واللائق بالإنسان، فإنّ الكلام في النوع الواحد كأنه مما يوجب له الملال، فأما إذا وقع الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع فكأنّه ينشرح به الصدر، ويفرح به القلب، وينشط به الذهن، وينتعش الطبع، فيصير به الكلام أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه، وإذ قد تقدم من علم الأحكام والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد. المسألة السادسة في تحرير القول بأن هذا الاسم عين ذاته تعالى أو غيرها إعلم أنه قد اختلفت كلمة أهل الكلام في أنّ الاسم مطلقاً هل هو عين المسمى أو غيره؟ فالأول: منسوب إلى الأشاعرة، والثاني: إلا المعتزلة. والمتأخرون - عن آخرهم حتى النحارير - تحيروا في تحرير محل النزاع. ومورد الخلاف بحيث يصير قابلاً للمتقابلين قبل قيام الدليل، غير قطعي الاستحالة (الدلالة- ن) في أحد الجانبين، وجزم بعضهم أن البحث فيه لفظي أو عبث، وهو كذلك بحسب الظاهر على ما هو مصطلح أهل الكلام. وأمَّا على ما هو عرف العرفاء في الأسماء فالخطب فيه عظيم والبحث فيه مهم كما سيلوح لك منه شيء، كيف ولا يشك عاقل في أن لفظ "الأسد" ليس حيواناً مفترساً، ولا لفظ "الأسود" قابضاً للبصر، ولا لفظ "النار" محرقاً، ولا التلفظ بالعسل والسكر يوجب الحلاوة. وربما استدلّ بعضهم على هذا الأمر الفطري بأنَّ الاسم حاصل من أصوات غير قارة، ومختلف باختلاف الأُمم، ومتعدد تارة كالمترادفة، ومتحد أخرى كالمشترك، والمسمى بخلافه في الأولين وبعكسه في الأخيرين، وبأنهما متضايفان والمضافان متغايران - وفيه تأمل - وبأن اللفظ عرض ممكن والمسمى قد يكون جوهراً بل واجباً. واستدلّت المعتزلة بقوله تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ} تفسير : [الرحمن:78] وبوقوع النكاح والطلاق شرعاً بالحمل على الأسماء. وأُجيب عن الأول: بأنه كما يجب علينا تنزيه ذاته تعالى عن النقائص يجب تنزيه اسمه عن الرفث وسوء الأدب، وبأنه قد يراد لفظ "الاسم" مجازاً كما في قول لبيد: "إلى الحول ثم اسم السلام عليكما". وعن الثاني: بأن المراد الذات التي يعبّر بهذا اللفظ. هذا ما قيل في هذا المقام. وأقول: الاسم في عرف المحققين من أكابر العرفاء المعتبرين عبارة عن الذات المأخوذة مع بعض الشؤون والاعتبارات والحيثيات، فإنّ للحق سبحانه بحسب {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن:29]. شؤوناً ذاتية ومراتب غيبية يحصل له بحسب كل منها اسم أو صفة حقيقية، أو إضافية، أو سلبية، ولكل منها نوع من الوجود حتى السلوب فإنها مما يعرضها الوجود من وجه كما إذا تمثلت في ذهن من الأذهان، أو يكون له مصداق ينتزع منه إذا قيس إلى الأمر المسلوب. والفرق بين الاسم والصفة في اعتبار العقل كالفرق بين المركب والبسيط إذ الذات معتبرة في مفهوم الاسم دون مفهوم الصفة، لأنها مجرد العارض، فالاسم - الله - عبارة عن مرتبة الألوهية الجامعية لجميع الشؤون والاعتبارات للذات المندرجة فيها جميع الأسماء والصفات التي ليست إلاَّ تجليات ذاته، وهي أول كثرة وقعت في الوجود وبرزخ بين الحضرة الأحدية الذاتية الغيبية وبين المظاهر الخلقية، وهو بعينه جامع بين كل صفتين متقابلتين واسمين متقابلين لما علمت أن للذات مع كل صفة معيّنة واعتبار تجلٍّ خاص من تجلياته اسماً، وهذه الأسماء الملفوظة هي "أسماء الأسماء". ومن هاهنا تحقق وانكشف أنّ المراد بأنّ الاسم عين المسمى ما هو. وقد يقال الاسم للصفة، إذ الذات مشتركة بين الأسماء كلها والتكثر فيها بسبب تكثّر الصفات، وذلك التكثر إنما يكون باعتبار مراتبه الغيبية التي هي مفاتيح الغيب، وهي معان معقولة في عين الوجود الحق، بمعنى أنّ الذات الإلهية بحيث لو وجدت في العقل أو أمكن أن يلحظها الذهن لكان ينتزع منها هذه المعاني ويصفها بها، فهو في نفس الأمر مصداق لهذه المعاني من دون حاجة إلى تحقق صفة في ذاته. وهذا مراد المحققين من الحكماء وغيرهم أن صفاته غير ذاته، ومعنى كلام أمير المؤمنين وإمام الموحدين (عليه السلام): "كمال التوحيد نفي الصفات" لأنّ المدعي أن مجرّد وجود الذات هو بعينه وجود الصفات بالعرض لا أن لصفاته تعالى وجوداً في أنفسها، ولذاته وجوداً آخر في نفسه - كما في صفات الممكنات - ليلزم فيه تعالى جهتا قبول وفعل ولا أيضاً شيء من الذات بأزاء صفة وشيء منها بأزاء صفة أخرى ليلزم التركيب في ذاته تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فصفاته الحقيقة، على كثرتها - موجودة بوجود واحد بسيط أحدي هو وجود الذات، وهو بعينه مصداق تلك الصفات كلها وليس المدعى أن ليست الصفات مفهومات متغايرة في الذهن وإلاّ لكانت مترادفة الألفاظ - وهو ظاهر الفساد - فهي في أنفسها كسائر المفهومات الكلية ليست من حيث هي هي موجودة ولا معدومة ولا عامة ولا خاصة، ولا كلية ولا جزئية بالذات بل بالتبعية، فتصير كلية في الذهن جزئية في الخارج، موجودة في العقل معدومة في العين ولها الحكم والأثر فيما له الوجود العيني، بل ينسحب عليها أحكام الوجود بالعرض وهي تتنوّر بنوره وتتصبغ بصبغة من الوجوب والوحدة والأزلية، كما يجري عليها أحكام الإمكان عند ظهورها في الأعيان الثابتة التي هي ناشئة منها باعتبار تعيّنها في علم الحق. وتحقيق هذا المرام يطلب من كتب العرفاء الكرام. قال الشيخ محيي الدين بن عربي في الفص اليوسفي من كتابه: "الوجود الحق هو الله خاصة من حيث ذاته وعينه لا من حيث أسماؤه، لأنّ أسماءه لها مدلولان: أحدهما: عينه وهو عين المسمى والمدلول الآخر: ما يدل عليه مما ينفصل الاسم به عن الاسم الآخر ويتميّز في العقل، فقد بان لك بما هو كل اسم عين الاسم الآخر، وبما هو غيره، فبما هو عينه هو الحق، وبما هو غيره هو الحق المتخيّل الذي كنّا بصدده فسبحان من لم يكن عليه دليل سوى نفسه ولا ثبت كونه إلاّ بعينه" انتهى كلامه. أقول: مراده من "الحق المتخيل" ما لوّحنا إليه من أن كلاًّ من مفهومات الأسماء الإلهية وإن كانت بحسب نفس معناها عارية عن صفة الوجود الحقيقي - من الوجوب، والقدم، والحقية، والأزلية - إلاّ أنها مما عليها تلك الأحكام وتنصبغ بها بالعرض، وتقبلها بتبعية العين، وهذا النحو من الاتحاد والعينية بالعرض فيما بين ذاته تعالى والأسماء الذي ذهب إليه محققوا العرفاء ضرب من الاتحاد بالعرض غير ما ألفه الجمهور وشاع في الكتب العقلية، إذ ليس هذا الاتحاد كاتحاد العرضيّات والمشتقّات مع ذات الموضوع لها كاتحاد الأبيض والأعمى مع زيد مثلاً، بمعنى أن الوجود المنسوب أولاً وبالذات إلى "زيد" هو بعينه منسوب إلى العرضي المشتق ثانياً وبالعرض - أي على سبيل المجاز - مع جواز أن يكون لهذه العرضيات نحو آخر من الوجود يناسبها في ذاتها مع قطع النظر عن عروضها للموضوع، فإنّ لمفهوم الأبيض نحواً من الوجود في نفسه الذي يتحقق بعين وجوده الرابطي وهو جود العرض فإن وجود العرض هو بعينه وجوده لمحله، وهذا غير الوجود بالعرض، فإنّ هذا عندهم مجازي دون ذاك، وقد تبيّن الفرق بينهما في علم الميزان. فالحاصل: أن اتحاد العرضيات بالموضوع اتحاد بالعرض، وموجودّيتها به موجودّية مجازيّة لصدقها عليه بحسب مرتبة من الواقع بعد مرتبة وجود الموضوع، وأما اتحادها بالأعراض التي هي مبادئ اشتقاقها فهو اتحاد بالذات ووجودها كوجود تلك الأعراض وجود حقيقي لاتحاد العرض والعرضي بالذات كما هو التحقيق عند المحققين. وأما عينيه صفاته المقدسة وأسمائه الحسنى مع الذات الأحديّة فليست من هذا القبيل من المعيّة التي هي بين العرضي والذاتي في الطبائع الإمكانية إذ ليست لصفاته نحو من الوجود غير ذاته تعالى ولا كمعيّة الذاتيات مع الذات لأنّ الحق تعالى ليس ذا مهية كلية أصلاً - فضلاً عن أن يكون مركباً من مقومات متحدة في الوجود - بل حقيقته ليس إلاّ وجوداً مقدساً بسيطاً صرفاً لا اسم له ولا رسم ولا إشارة إليه إلاّ بصريح العرفان، ولا حدّ له ولا برهان عليه وهو البرهان على كل شيء والشاهد على كل وجود. فمعنى كون صفاته عين ذاته حسبما أشرنا إليه أن الذات الأحدية بحسب مرتبة هويته الغيبية وإنيّته العينية - مع قطع النظر عن انضمام أمر أو اعتبار حيثية غير ذاته بوجه من الوجوه - بحيث يصدق في حقه هذه الأوصاف الكمالية والنعوت الجمالية ويعرف منه هذه الأحكام ويستفاد منه هذه المعاني ويظهر من نور ذاته هذه المحامد القدسية، ويتراءى في شمس وجهه هذه الشمائل العلية وهي في حدود أنفسها مع قطع النظر عن نور وجهه لا شيئية لها ولا ثبوت أصلاً، فهي بمنزلة ظلال وعكوس لها تمثل في الأوهام والحواس. وكذا الحكم في الأعيان الثابتة وسائر المعقولات والأعيان المعلومة، ما هي إلاّ نقوش وعلامات دالّة على أنحاء الوجودات الإمكانية التي هي رشحات جود الحق، وأشعة نور الوجود المطلق، ومظاهر أسمائه وصفاته، ومجالي جماله وجلاله، وأما نفس تلك الأعيان والمهيّات مع قطع النظر عن الوجودات فلا وجود لها بالذات لا عيناً ولا عقلاً كقوله تعالى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} تفسير : [النجم:23]. ولعلّ الكلام انجر إلى ما لا يطيق تقريره أسماع الأنام بل يضيق عن فهمه نطاق أكثر الأفهام، وتضعف عن سلوكه الأقدام. المسألة السابعة في أنه هل لمعنى هذا الإسم حدّ أم لا؟ الحدّ عند الحكماء قول دالّ على تصوّر أجزاء الشيء ومقوماته فما لا جزء له لا حدّ له، وما لا حدَّ له لا برهان عليه، لأنّهما متشاركان في الحدود كما بيّن في الميزان، وإذا تقرر هذا فلا شبهة في أنّ ذات الباري تعالى لتقدسه عن شوب التركيب - سواء كان من الأجزاء الوجودية، أو المقدارية، أو الذهنية، أو التحليلية على ما اقتضاه برهان التوحيد - لا حدّ له ولا برهان عليه. وأما أن مفهوم لفظ "الله" هل له حدّ أم لا؟ فالحق هو الأول، لأنّ معناه الموضوع له معنى مجمل متضمن لمعاني جميع الصفات الكمالية، فكل منها عند التفصيل جزء من مفهومه، والفرق بين الحد والمحدود ليس إلاّ بالإجمال والتفصيل في نحوي الإدراك، فإنّ الألفاظ المذكورة في الحدّ تدلّ على ما دلّ عليه لفظة المحدود بعينه بدلالة تفصيلية، وليس من شرط الحدّ أن يكون تأليفه من جنس وفصل، بل من أجزاء الشيء، سواء كانت بعضها أعمّ من بعض مطلقاً أو متساوية، أو متباينة، أو لها أعميّة من وجه، إلاّ أن المشهور بين الجمهور أن الحدّ لا يكون إلاّ من جنس وفصل؛ لما رأوا أن الحقائق المتأصلة التي لها طبيعة نوعية لا تكون إلاّ كذلك. وبالجملة: كل لفظ وضع لمعنى إجمالي قابل للتحليل إلى معان متعددة يدلّ عليها بألفاظ متعددة يكون الأول محدوداً والثاني حدّاً وهكذا اسم "الله" بالقياس إلى جميع الأسماء الحسنى، فإنّ نسبة المجموع إليه بحسب المعنى نسبة الحدّ إلى المحدود، وهذا لا يضر بساطة الذات المقدسة وأحدية الوجود القيّومي تعالى عن التصور والتمثيل والتخيّل والتعقل لغيره، فإنّ كل ما يدركه العقل من معاني الأسماء بحسب مفهوماتها اللغوية والاصطلاحية فهي خارجة عن ساحة العزّ والكبرياء، إنما يجد الذهن سبيلاً إليها من ملاحظة مظاهرها ومجاليها ومشاهدة مربوباتها ومحاكيها. قال ابن عربي في الفص النوحي: "إن للحق في كل خلق ظهوراً خاصاً فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم إلاّ عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته، وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الاسم الباطن، فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبّر للصورة فيؤخذ في حدّ الإنسان مثلاً باطنه وظاهره، وكذلك كل محدود، فالحق محدود بكل حدّ، وصور العالم لا تنضبط ولا يحال بها ولا تعلم حدود كل صورة منها إلاّ على قدر ما حصل لكل عالم من صورته فلذلك يجهل حدّ الحق فإنه لا يعلم حدّه إلاّ بعلم حدّ كل صورة. وهذا محال حصوله، فحدّ الحق محال. ثم قال: "فحدّ الألوهية له بالحقيقية لا بالمجاز" انتهت ألفاظه. ويتلخص من كلامه أن مسمّى لفظ "الله" هو المنعوت بجميع الأوصاف والنعوت الإلهية، ثم لما تقرر عندهم أنه ما من نعت إلاّ وله ظل ومظهر في العالم وثبت أيضاً أنّ الاشتراك بين كل اسم ومظهر ليس بمجرّج اللفظ فقط حتى يكون ألفاظ "العلم" و "القدرة" وغيرها موضوعة في الخالق بمعنى وفي المخلوق بمعنى آخر وإلاّ لم تكن هذه المعاني فينا دلائل على تحققها في الباري على وجه أعلى وأشرف - والمتحقق خلافه - فبطل كون الاشتراك فيها بمجرّد اللفظ، نعم هذه المعاني في المخلوق في غاية الضعف والقصور وفي الحق تعالى في غاية العظمة والجلالة. فتكون الأسماء الحسنى مع مظاهرها ومجاليها التي هي المهيّات المسماة بالأعيان مشتركة في أصل المعنى سواء كانت المظاهر من الصور المنوعة الجسمانية المدركة بالحواس الظاهرة التي هي من عالم الشهادة وعالم الخلق ومظهر الاسم "الظاهر" المشتمل على الأسماء الكثيرة التي تحت حيطته ولها مظاهر مختلفة من هذا العالم الظاهر، أو كانت من الصور العقلية المجرّدة الذوات المدركة بالمدارك الباطنة العقلية والروحية التي هي من عالم الغيب ومظهر الاسم "الباطن" المشتمل على أسماء كثرة على اختلافها تحت حيطة ذلك الاسم، كما أن مظاهرها المختلفة الأنواع مندرجة تحت عالم الأمر. وحدّ الشيء كما عرفت عبارة عن صورة عقلية تفصيلية يدلّ عليها بألفاظ متعددة دالّة على ما يدلّ عليه لفظ واحد هو معنى إجمالي لذلك الشيء بل معناها عين معناه، بأن يكون لحقيقة واحدة كالإنسان صورتان إداركيتان، إحداهما: موجودة بوجود واحد إجمالي، والأخرى: موجودة بوجودات متعددة تفصيلية فيقال للمفصلة "إنها حدّ" وللمجملة "إنها محدودة" فعلى هذا يلزم أن يكون مفهومات جميع الأسماء ومظاهرها التي هي أجزاء العالم ظاهراً وباطناً على كثرتها حدّاً حقيقياً لمفهوم اسم "الله". والمراد من لفظة "الحق" في قوله: "فالحق محدود بكل حدّ" هو مفاد لفظ "الله" باعتبار معناه العقلي ومفهومه الكلي، لا باعتبار حقيقة معناه التي هي الذات الأحدية وغيب الغيوب، إذ لا نعت له، ولا حدّ، ولا اسم، ولا رسم، ولا سبيل إليه للإدراك والتعقل، ولا ينال أهل الكشف والشهود لمعة من نوره إلاّ بعد فناء هويّتهم واندكاك جبل وجودهم. ويؤيّد ذلك ما قال في الفص الإسماعيلي: "إعلم أن مسمى "الله" أحدي بالذات، كل بالأسماء، وكل موجود فما له من الله إلاّ ربه خاصة يستحيل أن يكون له الكل، وأما الأحدية الإلهية فما لواحد فيها قدم لأنه ينال الواحد منها شيئاً والآخر منها شيئاً لأنها لا تقبل التبعيض فأحديته مجموع كله بالقوة" انتهى. المسألة الثامنة في تحقيق أن مسمى "الله" معبود للكمَّل من العرفاء دون غيرهم بحسب الحقيقة إعلم أن أكثر الناس لا يعبدون الله من حيث هو الله، وإنما يعبدون معتقداتهم في ما يتصورونه معبوداً لهم فإلههم في الحقيقة أصنام ينحتونها ويتصورونها بقوة اعتقاداتهم العقلية والوهمية، وهذا هو الذي أشار إليه عالم من أهل بيت النبوة والولاية سلام الله عليهم أجمعين: "كل ما ميّزتموه بأوهامكم وعقولكم في أدقّ معانيه فهو مصنوع مثلكم مردود إليكم" - إلى آخر الحديث - أي: فلا يعتقد معتقد من المحجوبين الذين جعلوا الإله في صورة معتقدهم فقط إلهاً إلاّ بما جعل في نفسه وتصوّره بوهمه، فإلهه مجعول لنفسه، منحوت بيد قوته المتصرفة، فلا فرق بين الأصنام التي اتّخذت آلهةً وبينه في أنّها مصنوعة لنفوسهم سواء كانت في خارجها أو في داخلها، بل الأصنام الخارجية أيضاً إنما عبدت من جهة اعتقاد الألوهية من عابدها في حقها، فالصورة الذهنية معبودة حينئذٍ بالذات، والصورة الخارجية معبودة بالعرض. فمعبود عبدة الأصنام كلها ليست إلاّ صور معتقداتهم وأهواء أنفسهم كما أشير إليه بقوله تعالى:{أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الجاثية:23] فكما أن أصحاب الأصنام الجسمية يعبدون ما عملوها بأيدهم، فكذلك أصحاب الاعتقادات الجزئية في حق الحق يعبدون ما كسبته أيدي عقولهم {أية : أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنبياء:67]. وأما الكمّل من العرفاء فهم الذين يعبدون الحق المطلق المسمّى باسم "الله" من غير تقييد باسم خاص وصفة مخصوصة، فيتجلى لهم الحق تعالى المنعوت بجيمع الأسماء، وهم لا ينكرونه في جميع التجلِّيات الأسمائية والأفعالية الآثارية بخلاف المحجوب المقيد الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، وذلك لغلبة أحكام بعض المواطن عليه واحتجاب بعض المجالي عن بعض في حقه. ومن هذا الاحتجاب منشأ الاختلاف بين الناس فيكفّر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، وكل أحد يثبت للحق تعالى غاية ما يراه ويعتقده لائقاً بالربوبية من العظمة والجلالة وينكر غيرها وقد أخطأ وأساء الأدب معه تعالى وهو عند نفسه أنه قد بلغ الغاية في المعرفة والتأدّب. وكذلك حال كثير من الملكوتيين والملائكة إلاّ الإنسان الكامل الذي علّمه ربّه علم جميع الأسماء ومظاهرها، كما قال تعالى: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} تفسير : [البقرة:31 -32] الآية. فإذا تجلى الحق سبحانه بالصفات السلبية التنزيهية للعقول المسبحة المنزهة تقبله تلك العقول ويمجدونه ويسبحونه وينكره كل من لا يكون مجرّداً بل يكون كالوهم والخيال والنفوس المنطبعة، إذ ليس من شأنهم إدراك الحق إلاّ في مقام التشبيه كأكثر الناس. وإذا تجلى بالصفات الثبوتية فتقبله القلوب والنفوس الناطقة، لأنها مشبهة من حيث تعلقها بالأجسام ومنزِهة من حيث تجرّد جوهرها، وينركه المحجوبون بالتجرّد المحض كأكثر الفلاسفة، فيقبل كل نشأة من النشآت العقلية والنفسية والخيالية من التجليات الإلهية ما يناسبها ويليق بحالها، وأما الإنسان الكامل والعارف الفاضل فهو الذي يقبل الحق ويهتدي بنوره في جميع تجلياته ويعبده بجميع أسمائه وصفاته، فهو عبد الله في الحقيقة. ولهذا سمي بهذا الاسم أكمل نوع الإنسان (صلّى الله عليه وآله)، فإن الاسم الإلهي كما هو جامع لجميع الأسماء وهي تتحد بأحديته كذلك طريقة جامع طرق الأسماء كلها، وإن كان كل واحد من تلك الطرق مختصاً باسم يرب مظهره ويعبده ذلك المظهر من ذلك الوجه ويسلك سبيله المستقيم الخاص بذلك المظهر، وليس الجامع لها إلاّ ما سلكه المظهر الجامع النبوي الختمي المحمدي صلوات الله عليه وآله وخواص أمته الذين كانوا خير أُمّة أُخرجت للناس، وهو طريق التوحيد الذي عليه جميع الأنبياء والأولياء، وهو الغرض من بعثة الأنبياء ونصب الأولياء، وبه تحصل النجاة من عذاب نار القطيعة وجهنم البعد، والاحتجاب عن ربّ الأرباب، مع أن كل أحد يرجع إلى ربه بوجه، كما قال: {أية : كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء:93]. إلاّ أن أكثرهم ناكسة رؤوسهم، محجوبة عقولهم، مقيدة أبدانهم بالسلاسل والأغلال، وجميع الطرق تتشعب وتتفرع من طريق التوحيد. ويؤيّد ذلك ما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لما أراد أن يبين ذلك للناس خطّ خطاً مستقيماً، ثمّ خط من جانبيها خطوطاً خارجة من ذلك الخط، وجعل الأصل الصراط المستقيم الجامع، والخطوط الخارجة منها جعل سبل الشيطان كما قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام:153]. يعني السبيل التي لكم فيها السعادة والنجاة، وإلاّ فالسبل كلها إليه، لأنّ الله منتهى كل سبيل فإليه يرجع الأمر كله، ولكن ما كل من رجع إليه وآب سعد ونجى عن التفرقة والعذاب، فسبيل السعادة واحد: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف:108]. وأما جميع السبل فغايتها كلها إلى الله أولاً ثم يتولاه الرحمن آخراً، ويبقى حكم الرحمن فيها إلى الأبد الذي لا نهاية لبقائه. وهذه مسألة عجيبة قلّ من استقام عقله عند سماعها، ودرك معناها، ووصل فهمه إلى نيل فحواها، لكن المقصود من بيان هذه ونظائرها ليس كل من له صلاحية المخاطبة العرفية دون المكاشفة الذوقية، بل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإن كان نوع من الانتفاع عام لغيره، أو لا ترى أن الخطاب في الكلام المجيد شامل لكل أحد والفهم يختص بمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه؟ لقوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران:7] - في قراءة الوصل - والدليل عليه قوله تعالى: {أية : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} تفسير : [العنكبوت:49]. وقوله: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} تفسير : [ق:37]. وقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ} تفسير : [النمل:80] وكما أنّ الأذواق مختلفة في الانتفاع والالتذاذ بالأرزاق الصورية والأغذية الجمسانية بحسب سلامة القوة الذوقية ومراتب البعد من الأمراض والمحذرات المزاجية، كذلك الفهوم والمدارك مختلفة في الانتفاع والاستمداد بالأرزاق المعنوية والأغذية الروحانية بحسب سلامة الفطرة عن الأمراض الباطنية ومراتب خلوص القلب عن الوساوس الوهمية والتعلّقات النفسانيّة. لقوله تعالى في حقّ الكل: {أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} تفسير : [النحل:71] وقوله في حق الأنبياء: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [البقرة:253] وقوله: {أية : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} تفسير : [البقرة:253] وقوله في حق الملائكة: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات:164]. فظهر أن مشارب الناس وحظوظهم مختلفة، وأذواقهم متفاوتة في باب الأخذ عن مشارع العلم ومنابع الحكمة {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [البقرة:269] {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور:40]. المقالة الثانية فيما يتعلق بقوله سبحانه: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} وفيه مشارع: المشرع الأول في نظمه بما سبق وما لحق إعلم أن الغاية القصوى في القرآن عاماً وفي هذه الآية خاصة توحيده تعالى ذاتاً، وصافتاً، وأفعالاً، إذ به يرتقي الإنسان من أسفل سافلين إلى أعلى عليين. وبحسب مراتب التوحيد له تعالى يكون تفاوت درجات الموحدين قرباً وبعداً وكمالاً ونقصاً، وفضيلة ورذيلة، وشرافة وخسّة، قربَّ موحّد فاز بتوحيد الذات الواجبية بوجه ولم يفز بتوحيد الصفات والأفعال كأكثر المتكلمين وهم أصحاب أبي الحسن الأشعري، وربَّ فائز بتوحيد الذات والصفات دون الأفعال كجمهور الفلاسفة القائلين بعينية الصفات للذات، المثبتين للوسائط الجاعلات، والعلل المؤثرات الموجبات، وهو نوع من الشرك إلاّ أن محققيهم مطبقون على أن الفاعل الحقيقي هو الحق تعالى والوجود معلول له على الإطلاق، والوسائط معدَّات وميهئات، وسوابق ومقدمات، قدمها الباري بمقتضى نظمه البديع، وحكمته الأنيقة، لا أن لها دخلاً في التأثير والإيجاد بل في التهييء والإعداد. إذا تقرر هذا فنقول: قوله "الله" إشارة إلى توحيد الذات، وقوله {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إشارة إلى توحيد الصفات، وقوله "الحيّ القيوم" إشارة إلى توحيد الأفعال. أمّا بيان الأول: فلأنّ معنى اسم "الله" كما علمت هو الذات المستجمعة للصفات الكمالية الذاتية الوجوبية، ولا شبهة في أن التركيب من الأجزاء ينافي الوجوب الذاتي لكونه مستلزماً لافتقار المركب إلى كل واحد من الأجزاء، والافتقار ناشئ عن النقصان والإمكان الذاتيين، وهما منافيان للكمال والوجوب الذاتيين، فمعنى الإلهية المستلزمة لكون الشيء مبدأ سلسلة الوجود والإيجاد ينافي التركيب المستلزم للحاجة. وأمّا بيان الثاني: فلأنّ التعدد في الصفات الكمالية الإلهية يسلتزم التعدد في وجود الذات لافتقار كل صفة إلى موصوف، ولكون كل صفة لشيء فرع وجود ذلك الشيء فيلزم من تعددها تعدده - ولو بحسب العقل - فلو تعددت الصفات الخاصة بالواجب تعالى - كالإلهية للعالَم، والقادرية على ما يشاء، والعالِمية بجميع الأشياء - يلزم تركب كل من الذات والصفة، والتركيب ينافي الإلهية - تنافي الإمكان للوجوب -. لا يقال: التركيب والتعدد في مجموع الذات والصفة لا ينافي بساطة الذات، والواجب الوجود هو الذات فقط دون المجموع من الذات والصفة. لأنا نقول: الكلام في الصفات الكمالية، فإذا لوحظ وجود الذات بحسب نفسه وقطع النظر عن ما يزيد عليه "أهو موصوف بالصفة الإلهية الكمالية أم لا؟" لا سبيل إلى الثاني وإلاّ لزم افتقاره إلى الغير في كمال ذاته، ولم يكن أيضاً مبدأً لسلسلة الممكنات كلها سواء كانت صفاتاً أو أفعالاً والبرهان قد دلّ على وجود أمر بسيط تفتقر إليه الأشياء - هذا خلف - فهو بنفس ذاته المقدسة إله ومبدأ للكل، فمقوّم ذاته هو بعينه مقوم إلهيته وكذلك سائر الصفات التي تستوجبها الإلهية وتسحقها الواجبية - من الوجود والعلم والقدرة والإرادة - فيجب أن يكون مصداق حملها جميعاً على ذاته نفس هويته البسيطة من غير تركب وتعدد، لا باعتبار مغايرة الصفات، ولا باعتبار المغايرة بينها وبين الذات. وبالجملة تأكد الوحدة في الذات الواجبية يستلزم استحالة التعدد في الصفات الإلهية مطلقاً، سواء كان مع تعدد الموصوف عيناً كفرض إلهين منفصلين، أو عقلاً فقط كفرض صفات واجبة متعددة لموصوف واحد كما ذهب إليه الصفاتيون تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً. واعلم أن الفساد والاستحالة في هذا الشق أشنع وأفحش والظلم فيه أشد عندي إذ يلزم فيه فوق ما يلزم في الأول - من التركيب اللازم للتعدد المنافي للوجوب - شيء آخر، وهو خلو الواجب في حدّ نفسه عن الواجبية والصفات الكمالية بحسب أول الوضع، وهي مفسدة مختصة بهذا الشق دون الشق الأول إذ لأحد أن يفرض واجبين يكون صفات كل منهما عين ذاته إلى أن يقوم البرهان على استحالته، والبرهان وإن جميع بينهما في هذه الاستحالة أيضاً لكن بحسب التأدية والاستجرار، لا بمقضى الوضع صريحاً من أول الأمر. وكما أن فوق كل ذي علم عليم إلى أعلم العلماء وهو صاحب القوة القدسية فكذلك تحت كل ذي جهل جهيل إلى أجهل الجهال وهو الجاهل بلزوم أحد النقيضين للآخر إذ لزم من أول الوضع، وإن كانت جميع الجهالات مشتركة في التأدية إلى الجهل بوضع شيء بعينه مع نقيضه، ومتفاوتة مراتبها بحسب مراتب سرعة التأدية وبطئِها، وطول مسافة المقدمات وقصرها إلى النتيجة، فالرسوخ في الجهل يتحقق إما بعدم التفطّن بفساد الشيء البيّن الفساد مع الإصرار به - وهذا هو الغاية - أو بعدم العلم باندارج الأكبر للأصغر مع قلّة الحدود والوسائط بينهما مع اعتقاد نقيض النتيجة، وفي مقابله الرسوخ في العلم وهو سرعة التفطن بالنتيجة مع كثرة الحدود والمبادئ الذي يقال له: "الحدس الشديد" وغاية القوة القدسية التي للأنبياء والأولياء. وعدم الرسوخ في كل منهما يعرف بمعرفة الرسوخ فيه إذ مراتب كل منهما، لكونهما وجودين متقابلين مختلفة شدة وضعفاً ورسوخاً وفتوراً. وأما بيان الثالث: فلأن "القيّوم" لكونه صيغة مبالغة يدلّ على كمال الاستقلال في التقويم والإيجاد شدة وعدة، فلو كان في الوجود فاعل آخر - سواء كان تاماً في الفاعلية أو ناقصاً مبايناً أو مشاركاً للأول - يلزم خلاف المفروض وهو كونه تعالى ضعيفاً في الفاعلية قاصراً فيها. أما على تقدير كون الثاني تاماً في الفاعلية والإيجاد، فلأنه يلزم أن يكون بعض الممكنات خارجاً عن صنعه وإيجاده، فلم تكن قدرته شاملة له لامتناع توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد معيّن، فيكون عدد مقدوراته ناقصاً يمكن الزيادة عليه، فلم تكن قيوميته في الغاية بحسب العدد. وأما على تقدير كون الثاني مشاركاً له في الفاعلية - سواء كان جزءاً أو معيناً أو معداً، أو آلة، أو سبباً غائياً، أو مصلحة، أو انتظاراً لفرصة، أو غير ذلك - لم يكن بحسب ذاته قوياً (قيّوماً - ن) على ما تقوى عليه ذاته مع الشريك. فقيوميته تدلّ على أن لا فاعل غيره، كما أنّ ذاته تدلّ على أن لا واجب سواه لقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران:18]. فهذه العلوم الثلاثة التوحيدية - أعني توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال - أعلى طبقات العلوم، وأعلى هذه وأشرفها هو علم الذات، ثم علم الصفات، ثم علم الأفعال، ولهذا وقع بهذا الترتيب في قوله تعالى: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} وكذا وقعت الدلالة على هذه العلوم الثلاثة في قوله سبحانه: {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة:163] بهذا المنهج، فإن قوله "إلهكم إله واحد" توحيد للذات، وقوله "لا إله إلاّ هو" توحيد الصفات على ما قررناه وقوله "الرحمن الرحيم" أي رحمن الدنيا ورحيم الآخرة توحيد الأفعال. هذا طريق التدرّج في مسلك الإلهية. وأما طريق التدرج في مسلك العبودية فبعكس هذا الترتيب، وهو الترقي من الأفعال إلى الصفات، ومن الصفات إلى الذات، فكما أن طريق الإلهية يقتضي التدرج النزولي إلى أدنى المراتب {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق:16] "أنا عند المنكسرة قلوبهم، أنا عند المندرسة قبورهم" "لو دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط إلى الله" وذلك لأنّ كمال النورية والظهور يوجب كمال القرب والدنو، ألا ترى أنه إذا كان في سطح واحد سواد وبياض ترى البياض لوضوحه أقرب، والسواد لخفائه أبعد، ففي طريق العبودية يقع التدرّج الصعودي إلى أعلى المراتب، وهو مقام العندية "لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبي مرسل". فوقع بيان هذه المراتب في كلام الله تعالى على سنّة الإلهية كما علمت وفي كلام الرسول (صلّى الله عليه وآله) على سنّة العبودية، حيث قال: "حديث : أعوذ بعفوك من عقابك"تفسير : فهذه ملاحظة توحيد الأفعال ثم قال: "حديث : وأعوذ برضاك من سخطك" تفسير : هذا بملاحظة توحيد الصفات، ثم قال: "حديث : وأعوذ بك منك" تفسير : هذا بملاحظة توحيد الذات فلم يزل إلى القرب يترقّى من طبقة إلى طبقة ومن مرتبة إلى مرتبة في الشرف والقرب حتى انتهى إلى النهاية، ثم عند النهاية اعترف بالعجز والقصور، لأنّ الذات الأحديّة ليس لأحد فيها قدم، فقال: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". فهذا أدق العلوم وأشرفها، ومثله في الشرف والغموض علم الآخرة وعلم المعاد وهو متصل بعلم المعرفة. هذه العلوم الأربعة قد أودعنا في بعض كتبنا ورسائلنا شيئاً من مجامعها وأوساطها دون القدر الذي رزقنا منه مع قصر العمر، وطول الشواغل، وقلّة الأعوان والرفقاء، وكثرة الأضداد والمعاندين، ولم يشبع الكلام حسب ما جعله الله قسطي لأنه مما تكلّ عنه أكثر الأفهام ويستضرُّ به الضعفاء وهم أكثر المترسمين بالعلم وإني ما رأيت في مدة عمري هذا وقد بلغ سنُّه إلى نيف وأربعين من عند خير من علم الآخرة على وجه يطابق القرآن والحديث، وعمل بمقتضى الكشف الصحيح بل قل من العلماء من أحكم ظواهر العلوم الحقيقيّة ومبادئها فضلاً عن أواخرها وأقاصيها، حتى ارتاضت نفسه، واستقامت على سواء السبيل، فلم يبق له طلب وشوق إلاّ إلى الحق، وحرام في العلم الأول الواجبي والقضاء السابق الإلهي أن يرزق شيء من هذه العلوم الأربعة خصوصاً معرفة الذات وعلم الآخرة، إلاّ مع رفض الدنيا، وطلب الخمول، وترك الشهرة مع فطنة وقّادة، وقريحة منقادة، وذكاء بليغ، وفطرة صافية، وحدس شديد. المشرع الثاني في قراءة التهليل إعلم أن "لا إله إلاّ هو" بالمدِّ، وكذلك جميع التهليل. روى الهاشمي عن ابن كثير المد الطويل مع أنه من جملة القرّاء الذين يقصرون المدَّات المنفصلة وهي التي تحصل حيثما يكون حرف المدِّ في كلمة وسببه وهو "الهمزة" في كلمة أخرى، وذلك لورود الأثر في باب المدِّ لهذه الكلمة، وهو ما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : من قال لا إله إلاّ الله ومدّها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر ". تفسير : ومن العجب أن بعض المتشفعين (المتقشفين - ن) المعلنين بالذكر في المجالس استدلوا بمثل هذا الحديث على فضيلة الجهر ورفع الصوت في الذكر، والصياح في الدعاء والنداء وهو ظن فاسد ووهم كاسد، وقد ورد في القرآن ما ينادي بخلافه كقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [الأعراف:205] ومثل ما ورد في الحديث عن النبي "حديث : خير الذكر الخفي، وخير العبادة أخفاها، وخير المجالس أوسعها" تفسير : الحديث. قال بعض أصحاب القلوب: يا رافع الصوت بالدعاء، ويا جهوري الصياح في النداء أمِنَ الضرب تتألم أو مع أكفائك تتكلم؟ أقسّام جهل قسمك؟ أم رزاق نسي اسمك؟ سبحان اله عمّا يصفون وتعالت ذاته عمّا يشركون، أنام من خَلَقَ الأَنام؟ أتظنون أن لا تأكلوا أرزاقكم دون أن ترفعوا أصواتكم انتهى. ثم لا شبهة في أن لسان الحال أفصح، ورواح الرحمة أبسط وأفسح، وفائدة الذكر والتهليل هو القرب من الحق الجليل، وهو إنما يحصل بمكالمة الباطن بلسان الحال دون مقارعة الأسماع بآلة الاصطكاك بالمقال، وكلما كانت العبادة اسرَّ وأخفى فهي أبعد عن شائبة الرعونة والرياء، ولهذا المعنى اختار المخلصون من أهل الله والسالكون سبيل العبودية الخلوة عن الخلق للذكر والمناجاة، وآثروا العزلة عن الناس حذراً عن الوسواس، واستوحشوا من رؤيتهم خوفاً عن مزاحمة الأغيار، بل لا يحتملون الهمس من الخفيف في أوقات انزعاجهم إلى الحق، كيلا يشوَّش حالهم ولا يتكدّر عيشهم ومنالهم. هذا حال المريدين السالكين قبل الوصول، وأما عند تحققهم بالوجود البقائي بعد تمام حركاتهم ذاهبين إلى ربهم أولاً ثم ذاهبين فيه أخيراً فلا يتفاوت عندهم الخلوة والجلوة، والإسرار والإظهار، بل ربما كان لهم ولغيرهم في الجهر والإعلان مصلحة دينية وحكمة شرعية ترجع إلى نفس الإنسان بشخصه أو إلى إصلاح مدينة فاضلة كما في الجمعة والجماعات والأعياد والجيوش، وحيث ما ورد في الشرع الأقدس من استحسان رفع الصوت والإعلان كما في الأذان وفي مواضع من الصلوات المكتوبة وغيرها. ويناسب ذلك ما روي عن أهل الشرائع القديمة أنهم ندبوا في شريعتهم إلى رفع الأصوات بالأذكار في معابدهم، وكذا ما قاله بعض قدماء الحكماء: ارتفاع الأصوات في بيوت العبادات بحسن النيات وصفاء الطويَّات يحلُّ ما عقدته الأفلاك الدائرات والكواكب السائرات. وما قال بعض أرباب القلوب في بعض مخاطباته للنفس: "أذكري أيتها المدينة الفاضلة ربّك بأصواتك المتجامعة والصياح، والتفخيم، والتعظيم، ما أبهاك يا مدينة تحيي بذكر الله أسواقها ومشارعها وسككها وبيوتها وسطوحها عند بلوغ رأس النيّرات إلى مراسم التسبيح، وكبّري تكبيراً جهرياً تهزم به جنود الشيطان، وتقهر عبدة الطاغوت، وترعد خبيثات النفوس، وتهز الأرواح وتحرّك الأشباح الصيحة الجمهورية فريضة في كتاب الله المسطور بالبنان". وبما قررنا ظهر أن كلاًّ من الجهر والإخفات، والإعلان والإسرار مستحسن بوجه وحيثية، واندفع التدافع الذي يتراءى بحسب الظاهر بين ما ورد في باب كل منهما من الاستحسان والاستهجان، وذلك لأنَّ ملاك الأمر في أعمال العبد وأفعاله النيّة الخالصة، والتوجه التام إلى معبوده والإقبال بالكلية إلى مقصوده، إذ العبادة والعمل بدون الإخلاص في النيّة معطّل ومهمل، كجسد لا روح فيه وبذر لا ثمرة منه، كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البينة:5]. فالأمر إنما تعلّق بالعبادة بهذا الوجه. فإذا كان تمام العمل بالإخلاص فالإنسان ما دام في هذه النشأة الدنيوية ولم يطلق روحه عن أسر هذه القيود الجسمانية لا يأمن عمّا يشوش روحه ويبعدها عن حاق النية الإلهية، فيحتاج غالباً في أوقات انزعاجه إلى الحق إلى العزلة والخلوة والاستيحاش عن الخلق، والإسرار في العبادات والأذكار، تخلصاً عن فتنة السُّمعة والرياء في الإظهار، وتحفظاً على إدامة مراسم العبودية لله الواحد القهّار، وإقامةً لوظائف المذلة والتواضع والانكسار، تقرّباً إلى العزيز الغفّار لقوله: "أنا عند المنكسرة قلوبهم". وأما إذا قوّى روحه بالعلم والعمل واستحكم أساس معرفته وإيمانه بالله عز وجل، وفنى نفسه عمّا سوى الله بحيث يكون وجود الدنيا وما فيها في نظر شهوده كظلّ وفيء - بل كلا شيء - فلا يتغير حاله عند تغيّر الأحوال، ولم يبرح عمّا هو عليه في كل حال فالأحسن لمثل هذا الإنسان أن يبرز من مكمنه ويظهر للخلق مرتبته وحاله ليتأسّوا به ويتبرّكوا بوجوده، ويتقيّدوا به في طريق السلوك، والعبادة، والطاعة، وهكذا كان دأب أكابر العلماء والمجتهدين في البداية والنهاية. المشرع الثالث في حقيقة الوحدة المقصودة من كلمة التهليل إعلم أنّ لفظ "الواحد" قد يكون اسماً وهو الواحد بما هو واحد، وقد يكون صفة وهو الشيء الواحد. فالأول: هو الذي يتقوم منه العدد بتكريره. والثاني: كقولك: "شخص واحد" وربما يوجدان في أمر واحد باعتبارين كعشرة واحدة فإن الوحدة العارضة للعشرة غير الوحدات التي تتقوّم هي منها. ومطلق الوحدة معناه أنه لا ينقسم من جهة ما يقال إنه واحد، فالإنسان الواحد يستحيل أن ينفسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين، لأنّ صرف الشيء وحقيقته لا يكون إلاّ معنى واحداً، فكلما فرضته ثانياً له، فإذا نظرت إليه فهو بعينه هذا ولا يفارقه إلاَّ لمعنى آخر غير حقيقته، فالإنسان ينقسم إلى أبعاض وأجزاء ليس شيء منها إنساناً، أو إلى جزئيات وأشخاص ليس تعددها في نفس الإنسانية بل بأمور عارضة ومشخصات لاحقة لنفس مهيّتها، وذلك من جهة أخرى. ومن هاهنا يعلم ويتحقق أنَّ الوحدة لازمة لكل حقيقة ولكل مهيّة، والكثرة أمر لاحق لها من الخارج، كما أنَّ الوجود فاشٍ منبسط على كل شيء (عام منبسط لكل شيء) من الأشياء حتى اللاَّوجود، فإنَّه من حيث له مفهوم ذهني له نحو من الوجود العقلي، إذ هو بهذه الحيثية شيء من الأشياء لا باعتبار أنَّه سلب للوجود، بل المعدوم المطلق، والمجهول المطلق لكل منهما عنوان في الذهن بحمل ذلك العنوان على نفسه بالحمل الأولي الذاتي - وإن لم يحمل بالحمل الشايع الصناعي لا على نفسه ولا على غيره لكن يحمل على نفسه نقيض ذلك المفهوم، وهو الموجود في الجملة والمعلوم بوجه ما - فكذلك الوحدة لشمولها وانبساطها تصدق على نفسها وعلى مقابلها أي الكثرة حيث يقال "كثرة واحدة" و "عدد واحد" كما مرّ. فالوحدة والوجود كأنَّهما رفيقان متصاحبان أينما تحقق أحدهما تحقق الآخر، بل الكشف والبرهان يحكمان بأنهما أمر واحد ذاتاً وحقيقة. وما قيل: من أن الوحدة تغاير الوجود لأنّ الوجود ينقسم إلى الواحد والكثير والمنقسم إلى شيئين مغاير لما به الانقسام. فالجواب: أن الكلام ليس في أن المفهوم من "الوحدة" عين المفهوم من "الوجود" لأنه مستبين الفساد، وإلاَّ لكانا مترادفين، ولكان قولنا: "موجود واحد" غير مفيد لكونه بمنزلة قولنا: "موجود موجود" أو "واحد واحد" ولكان قولنا: "موجود كثير" تناقضاً والتالي باطل فكذا المقدم بل المقصود أنَّ حقيقة الوحدة عين حقيقة الوجود، وكل نحو من أنحاء الوجود عين نحو من أنحاء الوحدة فحينئذٍ نقل: المقسم في هذا التقسيم مفهوم الوجود المطلق العام لا حقيقته الخاصة، فكما أنَّ الوجود بالمعنى العام ينقسم إلى الواحد والكثير فكذا الوحدة بالمعنى العام الشامل للواحد الحقيقي والكثير الحقيقي تنقسم إليهما؛ لما سبق أنَّ الواحدة مما يعرض للكثرة. وبيان ذلك: أن الموجودات متفاوتة في درجات الوحدة، كما أنها متفاوتة في فضيلة الوجود، وكما أن أحق الجميع بالموجودية الوجود القيّومي، إذ هو صرف الوجود الذي لا يتصور فيه عدم بوجه من الوجوه أصلاً، لكونه موجوداً بجميع الاعتبارات، واجباً على جميع التقادير وجوباً أزلياً أبدياً، وضرورة ذاتية أزلية - بخلاف سائر الضرورات الذاتية، أو الوصفية لتقيدها بما دام الذات أو ما دام الوصف - وبعده الوجودات العارضة للمهيات - على تفاوت مراتبها - فإن صدق الموجودية لها ضرورية مقيدة بما دام الوجود بإدامة الجاعل التام إياها، ثم نفس المهيات الممكنة المعروضة للوجود في الخارج، ثم الذهنيات الصرفة والفرضيات الكاذبة. فكذلك أحق الأشياء بالوحدة نفس الواحد بما هو واحد، الذي صدقُ الواحد عليه بالضرورة الأزلية فهو الواحد الحقيقي الذاتي الأزلي، ثم الوحدات الحقيقية العارضة للبسائط أو للمركبات من جهة صورتها الطبيعية التي هي جهة وحدتها، ثم الأمور التي لها كثرة حقيقية ولها وحدة جمعية اشتراكية من جهة أُخرى، وتلك الجهة إمَّا مقوِّمة أو عارضة، أو لا هذا ولا ذاك. فالأول: قد يكون جنساً لكثير كاشتراك الإنسان والفرس في الحيوان، وقد يكون نوعاً كاشتراك زيد وعمرو في الإنسان، ويساوقه الاتحاد في الفصل أيضاً. والثاني: قد يكون محمولاً لها وهو الواحد بالمحمول كالقطن والثلج المتحدين في الأبيض المحمول عليهما، وقد يكون موضوعاً كالكاتب والضاحك المتحدين في الإنسان المحمولين عليه. والثالث: وهو الواحد بالإضافة إلى شيء واحد. ثم المشاركة في المحمول إن كانت في النوع تسمى "مماثلة" وفي الجنس "مجانسة" وفي الكيف "مشابهة" وفي الكم "مساواة" وفي الوضع "مطابقة" وفي الإضافة "مناسبة". وجهة الوحدة في هذه الأمور المذكورة إذا قيست إلى نفسها وإن كانت وحدتها حقيقية بالمعنى الأعمّ لكنها ليست في مرتبة واحدة من الكمال، لأنّ وحدة الجنس ليست كوحدة النوع، ووحدة الإضافة ليست كوحدة الذاتي المقوِّم وإن كان الجميع عقليات لا وجود لها في الخارج بخلاف الوحدة الشخصية لأنها خارجية، ثم الواحد الشخصي الذي لا ينقسم أصلاً أحق بالوحدة من الذي ينقسم بوجه. والثاني: أيضاً على مراتب، فإنه قد يكون واحداً بالاتصال وهو الذي ينقسم بالقوة إلى أجزاء متحدة في تمام الحقيقة انقساماً لذاته كالمقدار، أو لغيره كالجسم الطبيعي الواحد البسيط، وقد يكون واحداً بالتركيب والانضمام وهو ما يكون كثرته بالفعل، ويقال له: "الواحد بالاجتماع"، وذلك على ضربين: "تام" إن حصل فيه جميع ما يمكن حصوله فيه، "وغير تام" إن لم يحصل فيه ذلك، ويقال له "كسر" ويسميه الناس "غير واحد"، ثم التمامية إما بحسب الوضع كالدرهم الواحد، أو الصناعة كالبيت التام، أو الطبيعية كالإنسان التام الخلقة، والخط المستقيم لقبوله الزيادة إلى غير النهاية ليس بواحد من جهة التمام بخلاف المستدير إذا تمّت إحاطته بالمركز. وأما الذي لا ينقسم في الخارج أصلاً - أي لا بالقوة كالمتصل ولا بالفعل كالمجتمع - فهو إما ذو وضع كالنقطة، أو غير ذي وضع كالعقل والنفس. وإذا حققت الحقائق علم أن شرف كل موجود بغلبة الوحدة فيه، وشرف كل واحد بغلبة الوجود فيه، وإن لم يخل موجود ما عن الوحدة حتى العشرة في عشريتها، ولم تخل وحدة ما عن الوجود، كالأعداد الغير المتناهية والفرضيات العقلية، فكل ما هو أبعد عن الكثرة فهو أشرف وأكمل، وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة الوحدة إلى أقل. فالأحق بالوحدة من أقسام الواحد الحقيقي بالمعنى الأعم هو ما لا ينقسم أصلاً لا في الكم ولا في الحدِّ، ولا بالقوة ولا بالفعل، ولا ينفصل وجوده عن مهيته بحسب العقل، ثم ما لا ينقسم في الكم أصلاً لا بالفعل ولا بالقوة وإن تصوّر انقسامه إلى أجزاء الحدِّ ذهناً، ثم الواحد بالاتصال، ثم الواحد بالاجتماع ثم الواحد العددي أحق بالوحدة من الواحد النوعي، لكون وحدته كوجوه ذهنية، وهو أحق من الواحد الجنسي لشدة إبهامه وعدم تحصّله، وكذا الأجناس يتفاوت ضعفها في الوحدة بحسب مراتب عمومها وإبهامها وبعدها عن الوحدة العددية الشخصية. إنارة عقلية يزاح بها غشاوة وهمية ولقائل أن يقول حسبما وجد في الكتب الحكمية الرسمية أن الوحدة مغايرة للوجود، لأنّ الكثير من حيث هو كثير موجود، ولا شيء من الكثير من حيث هو كثير بواحد، ينتج: فليس كل موجود بواحد. فإذاً الوحدة مغايرة للوجود، نعم يعرض لذلك الكثير وحدة وخصوصية لا أنه تعرض الكثرة لما عرضت له الوحدة. فنقول له: إن أردت بالموصوف بالحيثيّة المذكورة في المقدمتين ما يراد منه في مباحث المهية لأجل التمييز بين الذاتي والعرضي فالصغرى ممنوعة لأنّ الكثير بهذا المعنى لا موجود ولا معدوم، بمعنى أن وصف الوجود ليس بعينه وصف الكثرة. وإن أُريد أن معروض الكثرة حين كونه معروضاً للكثرة أو بشرط اتصافه بها موجود سلمناها، لكن منعنا الكبرى إذ كما أنه موجود فهو واحد أيضاً، إذ ما من شيءٍ إلاَّ وله وحدة حتى الكثير في كثرته، فثبت أنَّ الوجود غير منفك عن الوحدة. فإن رجع وقال بعد اختيار الشق الثاني: إنَّ الوحدة هاهنا عرضت للكثرة لا لِمَا يعرض له الكثرة فموضوعاهما متغايران، مثلاً العشرة عارضة للجسم والوحدة عارضة للعشرة من حيث أنَّها عشرة فهاهنا شيئان "الكثرة وموضوعها" فالكثرة للموضوع والوحدة لتلك الكثرة، فوحدة الكثرة لا تناقض وتلك الكثرة لعدم اتحاد الموضوع بخلاف وحدة موضوع الكثرة فإنها تنافي كثرته مع اتحاد الزمان، ولا تنافي وجوده فثبت المغايرة بين الوجود والوحدة. فنرجع ونقول: قد مرَّ أنَّ الوحدة كالوجود على أنحاء شتّى وكل وحدة خاصة يقابلها كثرة خاصة، والوحدة المطلقة يقابلها الكثرة، كما أن الوجود الخاص الذهني أو الخارجي يقابله العدم الذي بأزائه، والعدم المطلق بأزاء الوجود المطلق، والدعوى أنَّ وحدةً ما عين وجودٍ ما بأي اعتبار أخذ. فإذا تقرر ذلك فنقول: ما ذكره لا يدلّ على مغايرة الوحدة المطلقة للوجود المطلق، إذ الكثير المقابل له مما لا وجود له أصلاً، لأنّ كل موجود فله جهة وحدة ولو بالاعتبار، فموضوع الكثرة - كالرجال العشرة مثلاً من حيث كونهم عشرة - ليس لهم وجود غير وجودات الآحاد إلاَّ بالاعتبار العقلي لا في الخارج، وإلاَّ لم ينضبط شيء من التقاسيم، إذ كل ما ينقسم إلى شيئين اثنين فإذا كان موضوع الاثنينية موجوداً يكون منقسماً إلى ثلاثة أشياء، وهكذا ولم ينحصر أيضاً المقولات في شعر، إذ موضوع هذه العشرة لو كان موجوداً خارجياً لكان مقولة أخرى غير إحدى المقولات العشر فقد علم أنّ الكثير من حيث الكثرة لا وجود له إلاَّ في الاعتبار العقلي، وكما أنَّ للعقل أن يعتبره موجوداً فله أن يعتبره شيئاً واحداً فأتقن في هذا المقام لأنه مما زلّت فيه الأقدام. إذا تقرر ما ذكرناه فنقول: إنّ الواحد الحق لكونه مبدأ سلسلة الممكنات يجب أن يكون وحدته هي الوحدة الحقيقية بالمعنى الأخص، بمعنى أن ذاته نفس حقيقة الوحدة بلا شوب كثرة واثنينية، إذ لو كانت الوحدة عارضة لذاته بذاته فلم تكن ذاته من حيث هي هي واحدة، ويكون الواجب في اتّصافه بالوحدة مفتقراً إلى سبب وذلك السبب إما ذاته أو غيره. فعلى الأول: يلزم أن تكون ذاته موجودة واحدة قبل هذه الوحدة، لكونها علة للواحد، وعلة الواحد واحدة، فينقل الكلام إلى الوحدة السابقة ويتسلسل أو ينتهي إلى سبب واحد يكون وحدته عين ذاته وهذا خلف مع أنه المطلوب. وعلى الثاني: يلزم افتقار الواجب في وحدته إلى الممكن وهو محال، لأنّ الافتقار في الوحدة يسلتزم الافتقار في الوجود، إذ الشيء ما لم يكن واحداً متعيّناً لم يوجد، وأيضاً يلزم الدور في افتقار الواجب في وحدته إلى الممكن وبالعكس، لكون كل ممكن مفتقراً إلى علة تامة معيّنة، فثبت أنّ وحدة الواجب كوجوده عين ذاته، ومن هاهنا يظهر للبيب العارف أنَّ حقيقة الوجود وحقيقة الوحدة أمر واحد. فإن قيل: هذا الكلام يتوقف على أمرين: أحدهما: أنَّ الوحدة صفة ثبوتية. والآخر: أنها متحققة في الخارج، ونحن لا نسلم كونها ثبوتية، لم لا يجوز أن تكون سلبية معناها نفي الكثرة؟ ولو سلمنا كونها أمراً ثبوتياً فلا نسلم أنها مما له ثبوت في العين - فضلاً عن أن يكون له صورة عينية - وذلك لأنه لو كانت للوحدة وجود عيني لكانت الوحدات متساوية في مهية الوحدة ومتباينة بتعيناتها، فيكون للوحدة وحدة أخرى وهلمَّ جرّاً، وذلك هو التسلسل المحال. فالجواب: أما عن الأول فهو أنَّ المفهوم من الوحدة أمر ثبوتي لأنه لو كان سلبياً كان سلباً للكثرة، فإن كانت الكثرة سلبية - وسلب السلب ثبوت - فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب، ولو كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى لها إلاَّ مجموع الوحدات، فإن كانت الوحدة سلبية حصل من الأمور المعدومة أمر موجود وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة ثبوتية. وأما عن الثاني: فلأنه لا يمكن أن يقال لا تحقق لها إلاَّ في الذهن لأنَّا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحداً في نفسه قبل أن يوجد ذهننا واعتبارنا. فثبت أن كون مهية ما واحدة، صفة ثبوتية زائدة على تلك المهية قائمة بها مع قطع النظر عن الاعتبارات والنسب والحيثيات العقلية. ثم إن كون الوحدة موجودة لا يستدعي إلاَّ أن تكون واحدة، أعم من أن تكون بنفس ذاتها أو بأمر عارض كما في سائر المشتقات - على ما هو التحقيق - بل وزان الأمر في الوحدة كوزانه في الوجود، فإنَّ كون الأشياء موجودة إنَّما يكون بالوجود، وكون الوجود موجوداً إنَّما هو بنفس الوجود لا بأمر زائد عليه لاستغنائه عنه، فكذا الحكم في كون الوحدة واحداً. على أن المأخوذ في مفهوم المشتقات هو المعنى المصدري للشيء، وكلامنا في إثبات حقيقة الوحدة، أي ما به الشيء واحد، لا في الواحدية المصدرية، فإذا كان للوحدة حقيقة في الخارج لكانت واحدة، لكن لا يلزم أن تكون وحدتها بغير نفسها قياساً على الأشياء الواحدة التي حقيقتها أمر غير الوحدة فتحتاج في واحديتها إلى أن تقوم بها وحدة خارجة عن ذاتها، فوحدة الوحدة وراء ذاتها ليست إلاَّ واحديتها، كما أن وجود الوجود وراء حقيقته ليس إلاَّ نفس موجوديته، وبهذا يندفع التسلسل المذكور في مثل هذا المقام لأنَّ خطرات الأوهام لا تقف عند حدّ. والعجب من بعض الحكماء كيف عول في نفي موجودية الوجود والوحدة وغيرهما على مثل ذلك البيان مع أنه قد حقق الكلام في باب حقيقة النور أنها ظاهرة بذاتها لا بضوء زائدة عليها، وكذا في الامتداد الجوهري الذي بنفس ذاته ممتد، وامتداد أجزاء الزمان بأنفسها تقدُّمات وتأخرات وذوات تقدم وتأخر. وخلاصة القول إن للوحدة كالوجود معنيين: أحدهما: أمر عام مصدري وهو كون الشيء واحداً. والثاني: هو منشأ الواحدية وهو قد يكون عين ذات الشيء وقد يكون زائداً عليها، والواحد الحقّ من قبيل الأول لكونه أحقّ الأشياء بالواحدية، إذ الكثرة منشأ الإمكان والنقص والقصور، ومن ضرورة كونه واحداً حقيقياً كونه وجوداً صرفاً مقدساً عن المهية، وذلك لأنه لو كانت له مهية كلية لكانت وحدته وحدة مبهمة مشوبة بالكثرة والانقسام، ولم تكن الوحدة عين ذاته، لأنّ كل مهية - سواء كانت نوعية، أو جنسية - تكون الوحدة عارضة لها إذ المهية من حيث هي هي ليست واحدة ولا كثيرة، فثبت أن ما حقيقته الوحدة لا يمكن أن يكون ذا مهية كلية، فالواجب بحت الوجود ومحض الهويّة. وبهذا ثبت معنى كلمة التوحيد فإنَّ معنى "لا إله إلاّ هو" على هذا التحقيق (التقدير - ن) "لا إله إلاَّ ما يكون ذاته هيوته" أي وحدته العينيّة (الغيبيّة - ن) الحقيقية بخلاف غيره من الأشياء التي تكون تعيّناتها زائدة على أعيانها الثابتة. ثم من ضروريات كون الحقّ واحداً بهذا المعنى الذي يقال له "الأحديّة الصّرفة" كونه واحداً بمعنى "عديم الشريك" ويقال له "الواحدية" و"الفردانيّة" وذلك لأنّ الاشتراك في الإلهيّة والواجبيّة يوجب الاشتراك في الذات، إذ الصفات الكماليّة الواجبيّة قد مر أنّها عين الذات والاشتراك فيها اشتراك في نفس الذات فتكون وحدتها وحدة اشتراكية من قبيل الوحدة النوعيّة أو الجنسيّة وقد مرّ أن وحدة المهيّة الكلية وحدة عارضة، وأن حقيقة الوحدة لا يمكن أن تكون عارضة لشيء، فلو كان للواجب الحق شريك - تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً - يلزم أن تكون وحدته الحقة وحدة غير حقيقية، فيلزم الخلف. وهذا نمط جديد في البرهان على التوحيد يستنبط من نفس كلمة التوحيد تحدسنا به إلهاماً من الله والتأييد، على أن لنا برهاناً عرشياً على هذا المطلب العالي الشريف لم يسمح (لم يسنح - ن) بمثله أحد قبلنا حيث لم يرد عليه شيء من الإيرادات والشبهات وخصوصاً الشبهة المشهورة المنسوبة إلى ابن كمونة الواردة على الدلائل المتداولة، قد كتبناه في أسفارنا الأربعة من أراد ذلك فلينظر فيها. المشرع الرابع في كيفية التوصل إلى معنى التوحيد الحقيقي وطريق السير إلى عالم الوحدة الحقة إعلم أن النظر إلى مفهوم الوجود يؤدي إلى وجود قائم بذاته، واجب بنفسه، وإلاَّ لم يتحقق موجود ما أصلاً، لأنّ الوجود مهيّته أنّه في الأعيان، فإذا لم يكن ما هو في نفسه لنفسه بنفسه وجوداً موجوداً ثابتاً لم يكن لشيء من الأشياء وجود أصلاً، كما أنه لو لم يكن في الوجود نور في ذاته لم تكن لشيء من الأشياء صفة النورية أصلاً، إلاَّ أنه ليس من شرط كون الشيء نوراً أن يكون قائماً بنفسه بلا علة بخلاف كون الشيء وجوداً بنفسه فإنه يلزم أن يكون وجوداً صرفاً، مقدساً، أحدياً، بلا علة وفاعل، وغاية، وتركُّب، وتكثّر، وتحيّز، وتجسم وحلول، وتعلق، لأنه إذا ثبت وجوب الوجود، فهو يقتضي أن لا يكون الواجب لذاته مفتقراً في شيء من الأشياء إلى شيء من الأشياء أصلاً، وإلاَّ لزمت فيه جهة إمكانية غير جهة الوجود - خارجة عن حقيقة الوجود - فيكون مركباً وكل مركب ممكن فلا يكون ما نفس حقيقته الوجود الصرف إلاّ ما كان في غاية الجمال والعظمة والجلال والإكرام، متبرئ الذات عن أنحاء التعلّق بشيء والتركب من شيء ثم لا ريب في أن من كمالات الجميل كونه عديم المثل والنظير، كما هو المشهور عند الجمهور. وأما بحسب النظر العلمي فلأن الاشتراك مع الغير في الحقيقة مما يوجب الإبهام وعدم الاستقلال في التحصّل، وهذا ينافي كون الشيء وجوداً حقيقياً ذا هوية حقيقيّة، ويلزم تركب الوجود الصرف وهو خلاف المقدر. هذا إذا كانت جهة الاشتراك أمراً مقوماً، وأما إذا كانت صفة حقيقية فهو أيضاً محال؛ لما مرَّ من أن حقيقة الوجود القائم بذاته كماله بنفس ذاته لا بأمر زائد وأما إذا كانت صفة سلبية أو إضافية فالسلوب والإضافات ليست في الحقيقة أشياء، يسلتزم الاشتراك فيها اشتراكاً في صفة كمالية، بل هي في الحقيقة سلب صفات، أو مجرّد أمور اعتبارية محضة هذا. أقول: ومن تحقَّق معنى حقيقة الوجود بنور الباطن وصفاء الضمير لم يشك في وجود الواجب تعالى ولا في أن واجب الوجود لذاته واجب الوجود في جميع صفاته الكمالية، ولا في أن واجب الوجود في جميع صفاته الكمالية واحد بجميع حيثياته فرد عن جميع اعتباراته - حتى عن حمل مفهوم الوحدة عليه، لأنّ طبيعة الحمل تقتضي الاثنينية ولو في العقل وهو منحط عن درجة الأحدية وعن تصور ذاته. وهاهنا حالة عجيبة فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة. فاعرف هذه الأسرار؛ لتخلص عن ظلمات شبهات الأشرار، وتفوز بمقامات الأبرار، وتستغرق في بحار عالم الأنوار؛ بشروق نور الواحد الجبّار. المشرع الخامس في نفي أنحاء الشركة عن الواحد الحقيقي مطلقاً لمَّا تحقق وتقرّر كونه تعالى واحداً بنفس ذاته في أعلى مراتب الوحدة فلك أن تقول إنه لا مماثل له في ذاته، ولا مجانس له في حقيقته ولا مشابه له في صفاته، ولا مقارن، ولا مكافئ ولا مساوي، ولا مطابق ولا مناسب ولا مع، لأنّ كلاًّ من هذه المعاني يعرض لما يعرض له الكثرة مع جهة وحدة ما ناقصة كما علمت، على أن المماثلة والمجانسة تعرضان لما له ماهية كلية ونوعية أو جنسية - وحقيقة الوجود متقدِّس عنه - والمشابهة والمضاهاة تعرضان لما له كيفية قائمة به وصفة كمالية زائدة عليه - والحق تعالى إنما يتجمّل بذاته ويتزين بنفسه لا بأمر آخر صفة كانت أو غيرها، والمساواة والمحاذاة تعرضان لما له تكمّم وتقدر والمطابقة تعرض لما له وضع وتجسم - والله تعالى منزه عن أن يكون جسماً أو جسمانياً - والمناسبة تعرض لما له إضافة يتحد معه غيره فيها وإضافته تعالى إلى الأشياء ليست إلاَّ قيوميّته لها وحيث لا قيّوم سواه فلا مناسب له أصلاً، والمعية والاقتران يعرضان للزماني المتحد مع آخر في الزمان أو المكانيِّ المتحد مع غيره في المكان، والمكافأة تكون بين شيئين متفقين في درجة الوجود وفي رتبة العلية والمعلولية وما سوى الحق الأول معلول له إما بواسطة أو بغير واسطة والمعلول لا يكون في درجة الوجود مع علته. وقس عليه جميع أنحاء الاشتراك والاتحاد، وقدس الحق الأول عن كل وحدة غير حقيقية توجب نحواً من الشرك الخفي أو الجلي، وأزل عن قلبك رينها وشرها (شركها - ن) بصيقل هذا التوحيد كي يتجلى عنه غبار وجود الأغيار، ويتجلى له الحق الواحد القهّار. فإذا علمت وتحققت هذا المقام ظهر لك أن المناسبات التي أثبتها بعض المتصوفة في حقه تعالى كلها أوهام مضلّة، فما أبعد من درجة التوحيد قول من توهّم من هؤلاء أنَّ نسبة الباري تعالى إلى العالم كنسبة نفوسنا إلى أبداننا وذلك لأنّ نسبة النفس إلى البدن ليست نسبة القيومية، بل نسبة التدبير والتصرف بالتعاون، فإنها وإن كانت مجرّدة عن المادة البدنية ذاتاً لكنها مزاولة لها فعلاً بمعنى أن لا تأثير لها في شيء من الأشياء إلاَّ بتوسط البدن بحسب الوضع كسائر القوى الجسمانية التي تتوسط المادة بينها وبين آثارها بالوضع، بل نسبة النفس إلى البدن وقواه في هذا العالم كنسبة صاحب السفينة إلى السفينة وآلاته في البحر لأنها مما تحتاج إليها للجري في بحر الطبيعة لاقتناص جزيات هذا العالم لتنتفع منها وتتزوّد بها في سفر الآخرة وتتّجر بها تجارة لن تبور - وهي أن تسعد للقاء الله تعالى ورضوان منه - وأيضاً الارتباط الذي هو بين النفس والبدن ارتباط تعلقي يوجب تأثر كل منهما عن صاحبه وافتقاره إليه بوجه يحل منهما نوع واحد طبيعي والله تعالى مقدَّس عن لحوق معنى التأثر والانفعال به، متعال عن ذلك علوّاً كبيراً. وأسخف من هؤلاء اعتقاداً وأردأهم مذهباً من ذهب إلى أن الحق تعالى ذات واحدة مصورة بصور مختلفة وهيئات متغايرة هي حقائق الممكنات وصورها - سبحانه سبحانه - هذا الذي تفوهوا به صفة الهيولى الأولى التي هي أظلم الذوات وأخسّ الموجودات وأكدرها، التي تكون لغاية النقص والخسّة والقصور فعليتها محض القوة والفاقة ووجودها أدون مراتب الوجود لكونها شبيهةً بالعدم واللاَّوجود، لأنّ وجودها هو استعداد وجود الصور وذلك كفر صريح، وأين هي من الله تعالى وهو محض الجمال، والفضيلة، والغنى والفعلية والوجوب {أية : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً} تفسير : [مريم:89-90] حيث يشّبهون مجمع الكثافة والظلمة برب العزة - تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً -. وجماعة منهم زعموا أنّ الحق تعالى قوة سارية في جميع العالم من أسفله إلى أعلاه ويكون في كل شيء منشأ أثره الخاص، وهذا الذي افتروا به على الله هي الطبيعة الكلية السارية في الأجسام وأين هو من رب العزة؟ سبحانه سبحانه. وجماعة منهم زعموا أنّ للعالم بجميع أجزائه ذاتاً واحدة متصرفة فيه مدبرة إياه مقلبة له كيف تشاء، وبها حياة كل جسم من الأجسام وحركته الإرادية وتشوقه إلى الديمومة والبقاء وقالوا: "إن الباري عزَّ اسمه هو نفس العالم التي بها حياته وحركته" ولم يهتدوا بأن هذه صفة النفس الكلية للجسم الكلي فإن العالم بجميع أجزائه حيوان له نفس واحدة كلية هي مجموع النفوس، وهذه النفس هي عبد من عباده تعالى عالمها عالم اللَّوح والقدر - وقد مرَّ أن الله تعالى منزّه عن هذا الوهم تنزيهاً عظيماً -. وجماعة زعموا أن للعالم نوراً كلياً محيطاً به علوّاً وسفلاً يحرّك النفوس على سبيل التشويق والإمداد، وبه يستفيد الإنسان الكمالات من العلوم والمعارف والإلهامات وهذه النسبة أيضاً مما يجب تنزيه الحق عنها، لأنها صفة عبد من عباده - وهو العقل الكلي الذي هو أول ما خلق الله. قال له: "أقبل" فأقبل ثم قال له: "أدبر" فأدبر. هو قلم الحق، عالمه "عالم القضاء الإلهي" وهو الممكن الأشرف، والعبد الأعلى، والمخلوق الأعظم، لأنه تعالى قال: "حديث : فبعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعظم منك، فيك أُعطي وبك آخذ وبك أُثيب وبك أُعاقب"تفسير : - كما وقع في الحديث النبوي (صلّى الله عليه وآله). وكونه أشرف الممكنات لا يضاد كون محمد (صلّى الله عليه وآله) أشرف المخلوقات - حتى الملائكة المقرّبين - وذلك لأنّ حقيقته هي الحقيقة المحمدية، فهو عند الإقبال والبداية عقل أول هو أول الجواهر والعقول، وقائد سلسلة العلة والمعلول، وفاتح باب الرحمة والجود، وواسطة فيض الحق في الوجود. وعند الإدبار والنهاية عقل آخر هو زبدة العناصر والأصول وخاتم كل نبي ورسول، وثمرة شجرة عالم الأضداد، وسائق العباد إلى منزل الرشاد ودرجة السداد، وهادي الخلق إلى رضوان الله الملك الحق والمعبود المطلق. فثبت وتحقق أنَّ الحق تعالى كما أنَّه واحد فرد في ذاته، فكذلك في جميع صفاته وإضافته وسلوبه؛ لأنّ جميع صفاته الحقيقية ترجع إلى صفة واحدة هي وجوب الوجود، الذي هو عبارة عن الوجود المتأكد الصرف القائم بذاته وكذلك جميع إضافاته من القادرية، والعالمية، والرزاقية، والمبدأية، والسببية، والتقدم، ترجع إلى إضافة واحدة هي قيوميته تعالى للأشياء على الوجه الذي يعرفها الكاملون في المعرفة والراسخون في العلم، وكذا سلوبه - كسلب الجوهرية، والجسمية، والتحيّز، والحلول، والعجز، والفتور، والتقصير، والتغير - كلها ترجع إلى سلب الإمكان مطلقاً - كما يظهر لمن تدرب في الصناعة العلمية. فإذ لا شريك له في هذا السلب فلا شريك له في السلوب كلّها، وإذا لا شريك له في قيّوميته تعالى فلا شريك له في الإضافات كلها، فهو واحد فرد في ذاته، وجماله، وأفعاله، وجلاله. فظهر أنّه سبحانه كما أنَّه منزّه عن المثل والشبيه فهو منزّه عن المثال والنظير، فما حكم به الغزالي وغيره "أنه تعالى منزه عن المثل لا عن المثال" محل نظر، نعم هذه الأمثلة الواقعة في القرآن المبين والحديث المتين وكلام أكابر الدين والأئمة المعصومين - سلام الله عليهم أجمعين - الجارية في حق الله عند تفهيم الخلق وتقريب أفهامهم لدرك حقيقة نسبته تعالى إلى العالم وكيفية نظمه للموجودات، وحكمته، وصنعه للأشياء، وإن لم يكن شيء منها مثالاً له بالحقيقة - لعدم اتحاد شيء من الأشياء معه تعالى في إضافاته ونسبه إلى ما سواه - لكن كل منها شبيه بالمثال لكونه مقرباً من وجه، فإطلاق المثال عليه من باب الإطلاق على الشيء باسم شبيهه. فإذا حقّقت الأمر واستقمت في توحيده تعالى على هذا الوجه المستدعي لتقديسه وتنزيهه من الاثنينيّة والشركة في الإضافات - بل في السّلوب أيضاً - فقد صرت من الفائزين بكرامة التحقيق واليقين، السالمين عين شين الظن والتخمين، ولهذا المعنى قيل: "التوحيد إسقاط الإضافات". وهذه المرتبة من التوحيد تفضي السالك إلى مقام يقصر عنه البيان ولا يفيد إلاَّ المشاهدة والعيان، دون المشافهة مع العميان، ومن كشف له الغطاء صار حيران، ومن طبع على قلبه وحرّم على طبعه منيَ بالخذلان، وبَعُدَ عن حقيقة الإيمان، وانحطّ عن درجة الإيقان وكل ميسَّر لما خلق لأجله متهيئ لسلوك منهجه وسبيله. المقالة الثالثة فيما يتعلق بقوله سبحانه {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} وفيه فصول: الفصل الأول في مفهوم هذا الاسم واشتقاقه أما المفهوم من "الحيّ" فقيل: الحي هو الذي يصحّ أن يعلم ويقدر. أو الدراك الفعال. فأورد عليه: أنَّ هذا لا يقتضي المدح لمشاركة أخسّ الحيوانات إياه في ذلك. ويمكن الجواب بأن مفهوم "الإدرااك" و"القدرة" مما يقبل الأشدَّ والأضعف، والمقول بالتشكيك مما يختلف صدقه على الأشياء بالكمال والنقص، والأولوية وعدمها - وفي كل بحسبه - و "العلم" في حق الحيوان يكون هو الإحساس، وفي حق الحق التعقل. وكذا "الفعل" في الحيوان يكون من باب التحريك، وفي حقه تعالى من باب الإبداع، فمعنى "الحي" وإن كان مفهوماً عاماً إلاَّ أنَّه ينصرف في الحيوان إلى الحساس المتحرك، أي ما من شأنه أن يحسّ ويتحرّك، وفي الواجب إلى ما يكون عالماً بالفعل بجميع الأشياء، قادراً بالذات على كل الموجودات لتعاليه عن القوة والكلال، وارتفاعه عن التجدد والانتقال ولا شك أنَّ هذا مما يوجب المدح والثناء. أقول: وعلى هذا التحقيق لا يحتاج إلى ما عدل إليه الخطيب الرازي وتبعه النيسابوري من أن "الحي" في اللُّغة ليس عبارة عمّن يوجد فيه هذه الصفة من هذه الحيثية فقط، بل كل شيء يكون كاملاً في جنسه فإنَّه يسمى "حيّاً" ومن هاهنا صحّ أن يقال لعمارة الأرض الخربة "إحياء الموات" وقال تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الروم:50]. وقال: {أية : إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا} تفسير : [فاطر:9] فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة فسمّيت حياة، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة نضرة فسميت حياة، والصفة المسماة بالحياة في عرف المتكلمين كمال للجسم، لأنّ كمال الجسم أن يكون حساساً متحرّكاً، فلا جرم سميت هذه الحالة حياة فثبت أن المفهوم من "الحيّ" هو "الكامل في جنسه" والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته، فلا حي بالحقيقة إلاّ واجب الوجود لذاته انتهى قوله. وفيه من التعسف ما لا يخفى على الذوق المستقيم: أما أولاً: فلأن دعوى كون "الحياة" في اللغة لا بمعنى ذي الشعور والفعل الإرادي بعيد عن الإنصاف كما يظهر لمن تتبع موارد استعمالات هذا اللفظ. وأمّا ثانياً: فلأن كمال كل شيء - في جنسه أو نوعه - لو كان حياته في عرف اللغة لجاز أن يقال في اللغة لكل كامل في جنسه إنَّه حيوان، وليس كذلك إذ لا يقال للذهب الكامل العيار إنه حيوان، وللثوب الكامل في نسجه إنه حيوان وللدر الصافي إنَّه حيوان، وللسّواد الشديد، والخطّ الطويل، والدائرة التامة إنَّها حيوانات. وأمّا ثالثاً: فلأن تبادر معنى من اللفظ إلى الذهن من غير قرينة دليل الحقيقة وعدمه دليل المجاز، ونحن إذا سمعنا لفظ "الحيوان" لم يتبادر في ذهننا إلاَّ ما له صلاحية الإدراك والفعل الإرادي - وإن كان ناقصاً في جنسه أو نوعه -. ثم من العجب أنَّ كثيراً من علماء العربية ينكرون كون الأفلاك حيّة مع أنّها كاملة في الجسمية، لكونها كاملة البنيان عظيمة المقدار، رفيعة المكان، بل هي مكرمة الذوات والصفات، مرفوعة عن أرجاس العنصريّات، وذلك لأنّ المعتبر عندهم في الحيوان هو التفنن في الإرادات والحركات بلا نسق، أو الاختلاف في الدواعي والأغراض مع كَلالٍ وتعب، أو وجود رأس وذنب وشهوة وغضب لأنهم ما عاهدوا من الحيوان إلاّ هذه الديدان الأرضية (كالأرضَة - ن) التي لا غذاء لها إلاَّ من الأرضيات، ظنّاً منهم أن ليس لله تعالى عالم غير هذه المدرة، وليس لها خلائق حيّة ناطقة إلاَّ هذه الحيوانات الحاصلة من العفونات صامتها وناطقها، ولم يعلموا بالطمأنينة العرفانيّة أنَّ له تعالى عالماً آخر هو دار الحيوان بالحقيقة، لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت:64] وله سبحانه خلائق ملكوتيون حياتهم بالعقل الكلِّي والشوق الإلهي، وغذاؤهم التسبيح والتقديس، والله يطعمهم ويسقيهم كقوله: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ". تفسير : وأمّا اشتقاقه: فالحي أصله "الحيي" كحذر وطمع، فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما وكلا اليائين أصل. وقال ابن الأنباري: أصله "الحيو" بدليل الحيوان، فاجتمعت الواو والياء ثم كان السابق ساكناً فأدعمت الواو في الياء فجعلتا ياء مشددة. وزيف بكونه عديم النظير، فإنه لم يوجد ما عينه "ياء" ولامه "واو". وأما معنى "القيُّوم" في اللغة. فقال الراغب: يقال: قام كذا، أي: دام، وقام بكذا، أي: حفظه. "والقيّوم" القائم الحافظ لكل شيء والمعطي له ما به قوامه. وقيل عليه: إنَّ الظاهر من عبارته أنَّ القيام بمعنى الدوام، ثم بسبب التعدية صار بمعنى الإدامة والحفظ، وحينئذٍ يتوجه عليه أنَّ المبالغة ليست من أسباب التعدية فإذا عرى "القيوم" عن أداة التعدية لم يكن إلاَّ بالمعنى اللاَّزم فلا يصح تفسيره بالحافظ، ثم إنَّ المبالغة في الحفظ كيف يفيد إعطاء ما به القوام؟ وأجيب: بأنَّ الاستقلال بالحفظ إنَّما يتحقق بذلك، لأنَّ الحفظ فرع التقويم فلو كان التقويم بغيره لم يكن مستقلاً بالحفظ، وعلى هذا لا يرد ما يورد على تفسير "الطهور" بـ "الطاهر لنفسه المطهّر لغيره" من أن "الطهارة" لازم والمبالغة في اللازم لا يوجب التعدية. وذلك لأنّ المبالغة في اللازم ربما يتضمن معنى آخر متعدياً، بل المعنى اللاَّزم قد يتضمن بنفسه ذلك، كالقيام المتضمن لتحريك الأعضاء. أقول: في كلام هذا القائل - سؤالاً وجواباً - نظر: أما في السؤال فلأنّا لا نسلّم أن المبالغة ليست من أسباب التعدية في الجملة، بمعنى أنَّ الشيء إذا اشتدّ كماله في معنى من المعاني أو صفة من الصفات يفيض منه شيء ويتعدى إلى غيره، لست أقول: إنَّ المبالغة من أسباب التعدية وضعاً، أو أنَّ صيغة المبالغة في كل لازم وضعت للتعدية - كما هو شأن باب الإفعال والتفعيل وحروف الجر - بل المراد أنَّ الشيء إذا صار تاماً في معنى من المعاني واشتدّ تمامه فيه حتّى صار فوق التّمام يفضل منه ذلك المعنى على غيره، فكذلك المبالغة في معنى القيام مما تستدعي - عقلاً لا لفظاً - الإقامة والإدامة والحفظ. والحاصل أنَّ دلالة "القيوم" على "الحافظ المديم لكل شيء" دلالة عقلية لا وضعية، وكثيراً ما يذكر في اللغة المعاني الالتزاميّة الّتي صارت لكثرة الاستعمال بمنزلة المعنى المطابقي. ثم لأحد أن يقول: لم لا يجوز أنْ يكون القيُّوم بالمعنى المذكور غير مأخوذ من قام بالمعنى الّذي مرّ، بل بمعنى آخر مناسب قد ترك استعماله فيه ونظائره في اللغة كثيرة، مثال ذلك "يذر" و "يدع" المأخوذان من "وذر" و "ودع" - على رأي - وأصلاهما مهجوران في الاستعمال. وأمّا في الجواب: فلأنّ المبالغة في لفظ واحد لا تكون إلاّ مبالغة واحدة في معناه الأصلي، فإذا سُلِّم كون المبالغة في هذا اللفظ ممّا يجعل معنى "القيام" معنى "الحفظ" فلم يحصل من المبالغة في القيام التي هي من أسباب التعدية بحسب اللفظ - على ما تصوّره وفرضه - إلاّ مجرّد الحفظ، لا الاستقلال فيه فمن أين حصل معنى "الاستقلال" من التعدية التي مفادها الحفظ والإدامة ومنشؤها المبالغة في معنى القيام؟ ليتفرّع عليه توقفه على إعطاء ما به القوام. بل الحق أن يقال في هذا المقام: إنَّ هذا المعنى أيضاً يحصل من المبالغة في أصل القيام، فإنَّ الشدَّة والكمال فيه على الوجه الأبلغ الأوفى كما يوجب الإقامة للغير يوجب الاستقلال في الإقامة أيضاً، وهذا مما لا يحصل إلاَّ بإفادة أسباب كل شيء وإعطاء ما به قوام ذاته ووجوده، ولهذا حكموا بأن لا مؤثر في الوجود إلاَّ الله، وهذا أحد الوجوه لتوحيد الأفعال، وبه تعلم أيضاً وجهاً من وجوه عظمة هذا الاسم لدلالته على التوحيد، كما يدلّ على غيره من الصفات الإلهية. ثم إنَّ لفظ "الطهور" ليس موضوعاً للمبالغة، واعتبار التطهير فيه ليس لما زعمه - من أنه ناشئ من المبالغة - بل هو اسم لما يتطهر به كالسحور والفطور، والذي يتطهر به يلزمه غالباً الطّهارة والتطهير، فيصدق عليه أنّه طاهر مطهِّر، فتعريف "الطهور" بهما تعريف باللاَّزم لا أنه تفسير لمفهوم اللفظ. وأمّا اشتقاقه "فالقيّوم" كان في الأصل "قيووم" على "فيعول"، فجعلت الياء الساكنة والواو الأولى ياء مشددة، ولو كان "قوووما" على "فعوول" لقيل "قوّوم". وقرئ: الحيّ القيّام، والقيّم. الفصل الثاني في إثبات كونه تعالى هو الحيّ القيوم بيانه أنَّ كل جملة من علل ومعلولات لا بدّ وأن تنتهي إلى طرف هو علّة ليس بمعلول، لأنَّ تلك الجملة إمّا متناهية، وإمّا غير متناهية، والثاني باطل بالقواطع البرهانية المذكورة في موضعها، حيث ذكر أنّ كل مقدار أو عدد ذي ترتيب بالطبع أو الوضع موجود معاً فلا بدّ وأن يكون متناهياً، فكل جملة مترتبة من علل ومعلولات لها مبدأ، وهو علة ما سواه وموجده ومبدعه. ولأنّه لو لم يكن لهذه الجملة طرف لم يصلح واحد من الآحاد للعلِّية ولا للمعلولية، لأنّهما معاً ممكنان ولا مزية لأحد من الممكنات على الآخر من حيث هي مهيات ممكنة، بخلاف ما إذا كان لها طرف يقتضي الاستغناء عن الغير والتقدم للكل، فيكون ما هو أقرب إليه مستحقاً لفضيلة التقدّم على ما هو أبعد منه فيكون علّة له، وإذا لم يكن للجملة طرف خارج عن الممكنات واجب الوجود بذاته متقدِّم على غيره فلا تكون للمكنات نسبة قرب ولا بعد، ولم يتميز من تلك الجملة شيء هو علّة عن شيء هو معلول. ولأن العلل والمعلولات كثيرة، وكل كثرة فالواحد الحقيقي موجود فيها لأن كل كثرة لا يوجد فيها الواحد لا تتناهى أبداً - لا هي ولا جزء منها أصلاً - إذ كل جزء منه لا يخلو إمَّا أن يكون واحداً أو لا، وعلى الثاني إمَّا أن يكون لا شيئاً محضاً أو كثيراً. فعلى الأول يستحيل أن يجتمع من لا شيء شيء كثير، وعلى الثاني كان الكلام باقياً فينجر إلى غير النهاية، وهو جزء من الكثير الأول فيلزم أن يكون ما لا يتناهى من الأعداد الموجودة المترتبة معاً جزءاً مما لا يتناهى، فلم يكن حينئذٍ فرق بين كل من أجزاء الكثير الأول وبينه، فلا فرق بين الجزء والكل وكلا الشقّين باطلان. فثبت من هذا القول أنَّ الواحد موجود في كل كثرة لكن لا شيء من المعلولات من جملة هذه الكثرة بواحد حقيقي، إذ كل معلول زوج تركيبي - ولو بوجه - فهو واحد من وجه، ولا واحد من وجه، وإذا لم يكن في المعلولات واحد - ولا بدّ في الكثرة من واحد - فيكون الواحد في الكثرة، وليس في المعلولات، فلذلك الواحد هو العلة للجميع، وهو الواحد الحق الذي يفيد سائر الأشياء الواحدية. وهذا برهان شريف استفدناه من كلام بعض المتقدّمين الربانيّين على إثبات الصانع ووحدته أيضاً، ولهذا المطلب مسالك وطرق أخر تركنا ذكرها مفصلاً مخافة التطويل: منها: مسلك الخليل (عليه السلام) وهو النظر في الحركات والأشواق الكلِّية للأجرام العظام الفكليّة المستلزمة للأفول في هويّ الإمكان، وهو مبغوض ممقوت للسالك الهارب عن النقص والفناء، الطالب للوجود والبقاء، ولذلك قال لمَّا رأى أفول الكواكب: {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام:76]، وقال أيضاً - على نبيّنا وعليه السلام -: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء:77] عند انزعاجه إلى المحبوب الأول وانقطاعه من الأسباب والعلل. ومنها: طريقة النفس الإنسانية من جهة قوامها لا بالبدن وتجرّدها عن الأحياز والأمكنة، وعلمها بذاتها وكونها مع تجرّدها مما لا يخلو عنها جزء من أجزاء البدن - علوُّها وسفلها - فإمكانها يوجب الانتهاء إلى موجود واجب الوجود مقدس عن الأجرام والأحياز والأمكنة والأقدار، ومع ذلك لا يخلو عنه سماء ولا أرض، ولا برّ ولا بحر، إذ موجد الشيء أولى بأن يكون بريئاً من النقائص التي يبرأ عنها المعلول. وهذه طريقة نبينا لقوله (عليه السلام): "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربّه ". تفسير : وهي أشرف الطرق المسلوكة لغيره من الأنبياء والحكماء، وذلك لأنّ المسلك فيها عين السالك فلا يمكن أحسن منها في الطرائق الإمكانية فما أشرفها وأشرف سالكها ناهجها (صلّى الله عليه وآله)، نعم هاهنا طريقة أخرى أشرف الطرائق كلها، بل لا نسبة لها إلى غيرها وقد سلكها الرسول وسلكها الصدّيقون من أهل بيته وأولاده - عليه وآله الصلاة والسلام - وسلكها الشهداء الصالحون من أمته - التي هي خير أُمّة أُخرجت للناس - وهي النظر أولاً في حقيقة الوجود المطلق الفطري التصوّر هويّة، الضروري التصديق هليّة، لكونه أظهر من أن يستر وأجلى من أن يخفى، ثم الارتقاء منه إلى نيل مرتبة الأحدية، ودرك حقيقة الواجبية، وهويّة نور الأنوار، وإنيّة الواحد القهار. وهذا أشرف الطرق وأنورها وأفضلها مطلقاً، لكون الوجود هو السالك فيها بالحقيقة والمسلك المسلوك إليه جميعاً، وخصاية هذه الطريقة هو فناء السالك أولاً في التوحيد، ثم بقاؤه بالوجود الحقاني كما أشير إليه بقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران:18]. فانطر إلى الطريقة المحمدية، وقس إليها الطريقة الإبراهيمية لتجد بينهما من التفاوت ما لا يحصى فإنَّ طريقة الخليل (عليه السلام) التجريد المحض، والسفر الأول، والسير إلى الله، لقوله: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات:99] والاحتجاب عن الخلق بالحق وترك ما سوى المرتبة الأحدية، لقوله: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء:77] وهي مما يوجب الذهول عن لوازم الإلهية والمظاهر الأسمائية، وطريقة الحبيب (صلّى الله عليه وآله) حفظ الأدب مع الله تعالى والمواظبة على العبودية في المواطن كلها، والجمع بين المحبة الذاتية والأسمائية والأثارية وملازمة الحق في جميع الأسفار الأربعة - إليه وفيه وبه منه - وفي قوله تعالى: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} تفسير : [الحديد:4] وهذه المعاني مشروحة مفصلة في مسفوراتنا وما ذكرناه يكفي للمستبصر فيما نحن بصدده إن شاء الله. فإذا ثبت أنَّ مبدأ الممكنات موجود واجب بالذات ثبت كون الباري قيوماً لكونه قائماً بذاته مقوماً لغيره. ثم إنَّ المؤثر إمَّا أن يكون مؤثراً على سبيل الجبر والتسخير وإمَّا مؤثراً على سبيل القدرة والاستقلال، لكن الانجبار والتخسير ينافيان الوجوب الذاتي والمبدأية المطلقة، فيتعين أن يكون تأثيره بالقدرة، فأزيل توهّم كونه مجبوراً في القيومية والإيجاد بقوله: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} فإن "الحي" معناه - كما سبق "الدراك الفعال" فقوله "الحي" دلّ على كونه عالماً قادراً، وقوله: "القيُّوم" دلّ على كونه قائماً بذاته ومقاماً لكل ما عداه. وعند من ذهب إلى أن كمال كل شيء حياته - كما مرّ - فالقيومية لما دلّت على كمال الوجود وتأكده كما أشرنا إليه فالقيُّوم يكون حيّاً لا محالة. والنكتة في عدِّ هذين الكلمتين اسماً واحداً من أسماء الله تعالى كما صرّحوا به وقالوا: إنه من قبيل "بعلبك" - وهي توافقهما في المعنى قوة أو فعلاً وتداخلهما في المفهوم كلاًّ أو بعضاً، كما في أجزاء المركب الطبيعي. الفصل الثالث في أن جميع المعارف الربوبية والمسائل المعتبرة في علم التوحيد تنشعب من هذين الأصلين منها: إنَّ واجب الوجود بسيط الحقيقة غير مركب من الأجزاء الخارجية، لافتقار كل مركب خارجي إلى أجزائه في الوجود العيني، والافتقار إلى شيء ينافي القيومية. ولا من الأجزاء العقلية لأنَّ كل ما له جزء عقلي من جنس وفصل فله مهية كلية غير الوجود، فلا يكون قيوماً، لافتقاره في الوجود والقيام إلى جاعل يجلعه موجوداً قائماً، وقد برهن على أن الوجود لا يمكن أن يكون لازماً لمهية من المهيات. ولا من الأجزاء المقدارية وإلاَّ لكان جسماً أو جسمانياً، وشيء من الجسم والجسماني لا يمكن أن يكون قيوماً، أما الجسماني فلافتقاره إلى الجسم بالحلول فيه، وأما الجسم فلتركبه وافتقاره إلى الأجزاء: إمَّا من الجواهر الفردة كما زعمه المتكلمون، أو من جوهرين هيولى وصورة كما رآه جماعة من الحمكاء، وإمَّا من جوهر وعرض كما رآه آخرون. هذا بحسب المهية والحقيقة وأما بحسب التشخص والعدد، فمن الجسمية واللواحق المشخصة كما ذهب إليه الكل والمفتقر إلى الشيء لا يكون قيوماً. وإذا ثبت أن كل قيُّوم بسيط الحقيقة ثبت أن "القيُّوم" لا يكون إلاَّ واحداً وإلاَّ فلو فرض وجودان قيومان لكانا مشتركين في حقيقة الوجود القائم بذاته والاشتراك يوجب كون المشترك فيه أمراً كلياً وكون كل من المشتركين ذا مهية كلية، فلم يكن وجوداً بحتاً قيوماً. وهو خرق الفرض لأنَّ كلاًّ منهما بذاته قيُّوم لا بسبب عارض أو خارج. وأيضاً يلزم كون كل منهما مركباً مما به الاشتراك، وما به الامتياز إذ الاشتراك بشيء لا ينفك عن الامتياز بشيء آخر لما مرَّ من أن الوحدة الاتّحادية إنَّما معروضها الكثرة. ومنها: إنَّ واجب الوجود ليس حالاً في شيء ولا عرضاً في موضوع ولا صورة في مادة؛ لأنّ الحال مفتقر إلى المحل، والمفتقر إلى الغير لا يكون قيوماً بذاته. وليس في جهة من الجهات ولا في حيّز من الأحياز، وإلاَّ لكان جسماً أو جسمانياً وقد ثبت بطلانهما، وبطلان التالي يوجب بطلان المقدم. وإذا لم يكن متحيّزاً لا يكون مشكّلاً ذا أعضاء - كما توهمه الحنابلة - ولا ذا حركة وسكون لأنّهما من عوارض الأجسام. وإذا لم يكن متحرّكاً لا يكون زمانياً، لأنّ الزمان كمية الحركة وعددها من جهة التقدم والتأخر فلا يكون في حقّه المضي والحال والاستقبال، فلا يتجدد له حال ولا يعتريه انتقال وانفعال. ومن هاهنا يثبت ما قاله العرفاء الحكماء: "إن واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات" إذ لو لم يكن واجب الوجود بحسب حيثية من الحيثيات لكان إمكان وقوعه مستلزماً لمحالين: أحدهما: التجدد والانتقال. والآخر: التركب من جهتي الفعل والانفعال كما هو مفصل محقق في مقامه. ومنها: إنّه عالم بذاته وذلك لأنّ العلم هو صورة حاضرة من المعلوم عند من له صلاحية العالمية، والمعلوم إما معلوم بالقوة - وذلك إذا كان صورة مغشوشة بغواش مادية ولواحق جسمانية - وإمَّا معلوم بالفعل - وذلك إذا كان صورة مجرّدة قائمة بذاتها فالواجب تعالى لما كان قيوماً بذاته لم يكن ذاته صورة لمادة فيكون معقولاً بالفعل لا بالقوة، وإذا كانت ذاته معقولاً بالفعل كان عاقلاً بالفعل - إذ إثنينية في ذاته - فيكون العقل والعاقل والمعقول فيه شيئاً واحداً، وليس من شرط المعقول أن يكون غير ذات العاقل، ولا من شرط العقال أن يكون غير ذات المعقول، والإضافة بينهما أمر ذهني لا يوجب الاثنينية لا في الذات ولا في الاعتبار. ومنها: إنّه إذا كان قيوماً - بمعنى كونه مقوّماً لغيره ومؤثراً فيما سواه جميعاً إما بواسطة أو بغيرها - وكان عالماً بذاته، وقد ثبت أنَّ العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول، فوجب أن يكون عالماً بجميع الأشياء كليّاتها وجزئياتها، معقولاتها ومحسوساتها، إذ ما من شيء إلاَّ ويرتقي إليه تعالى في سلسلة الأسباب، وهو عالم بأسبابها ومبادئها واستعداداتها وارتباطاتها، والنسب الحاصلة فيها وحركاتها وأزمنتها، إلى غير ذلك من الأمور التي تتأدَّى إليها الأسباب الكلية إلى أن ينتهي إلى وجود الأشخاص الكائنة الفاسدة، فيعلم عين هذه الكائنات بنحو وجودها الجزئي، وتغيّرها، وتجدّدها، وزوالها، وانتقال المواد والموضوعات من صورة شخصية إلى صورة أخرى شخصية، ومن عرض شخصي إلى عرض شخصي آخر، إلى غير ذلك من المعلومات الشخصية والحوادث الجزئية، ومع ذلك فلا يتغير علمه بشيء ولا يخفى عليه خافية في وقت من الأوقات، ولا يغيب عن إداركه ذرّة من الذرّات، ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات. ومنها: إنَّ فاعليته للأشياء على سبيل العناية، لأنه لما كان حيّاً قيّوماً كان شاعراً بذاته الفاعلة لما سواه، فيعلم (ذاته) من ذاته كيفية صدور الأشياء عنه على الوجه الأفضل قبل حصولها، وذلك لأنّ ذاته بذاته دون انضمام أمر إليه منبع نظام الخير، فلو لم يعلم ذاته على الوجه قبل إيجاد العالم لم يكن عالماً بذاته، فثبت أنَّ وجود الأشياء عنه على هذا النحو الذي هي عليه من ضرورات علمه بذاته، فيتحقق حينئذٍ القول بالعناية والقضاء، أي وجود العوالم قبل صدورها في العالم الربوبي والصقع الإلهي وجوداً على وجه أشرف وأعلى. ومنها: إنه لما كان بذاته قيّوماً يلزم أن يكون حدوث العالم وفناؤه أمراً لازماً لهويته القاصرة عن قبول فيض الوجود أزلاً وأبداً - لا لمنع وتقتير أو تجدد وتغيير من جانبه تعالى - وإلاّ فالجود مبذول منه والعناية ذاتية له والخير هجّيراه، والقصور إنّما يكون من القوابل من جهة عدم استعدادها لقبول الوجود على الوجه الأكمل. ومن هنا يعلم لميّة تحقق الشرور في هذا العالم، على أن الشرّ بالذات ليس إلاَّ أمراً عدميّاً والعدمي لا يكون معلولاً لأمر أصلاً، بل يكفي في ثبوته عدم تحقق علّة ما هو عدم له. وأما ما فرَّعه بعض الفضلاء على قيّوميته تعالى من حدوث العالم "ووجّه ذلك بأنه لمَّا كان قيوماً لكل ما سواه، كان كل ما سواه محدثاً، لأنّ تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقائه لأنّ تحصيل الحاصل محال فإمَّا حال عدمه أو حال حدوثه، وعلى التقديرين وجب أن يكون الكل حادثاً" محل نظر، إذ قد تبيّن في مقامه أن الممكن مفتقر إلى العلّة، وعلّة افتقاره إليها هي من جهة إمكانه، لا من جهة حدوثه شرطاً أو شطراً أو استقلالاً، والإمكان حاصل للممكن دائماً ما دام ذاته، لأنّه من لوازمه البيّنة، بخلاف الحدوث، وإذا كانت العلّة دائمة كان المعلول دائماً، فالافتقار إلى المرجح ثابت للممكن حين بقائه كما هو ثابت له حين حدوثه، فالعلّة مؤثرة في رجحان وجود الممكن على عدمه حدوثاً وبقاءً. وأما حديث تحصيل الحاصل: فالحق أن المحدث تحصيله بتحصيل ثان لا بنفس هذا التحصيل، إذ لا محذور فيه، بل العليّة لا تنفك عنه، على أن السبب المؤثر في الشيء حدوثاً وبقاءً أقوى في السببيّة وأولى باسم السبب ممّا يكون أثره نفس الحدوث دون الدوام، على أن العليّة ليست إلاَّ مجرّد الاستتباع في الوجود، كحال النيّر والضوء الحاصل منه في الأجسام القابلة، لا كنسبة ذات الكاتب وكتابته، بل كنسبة المتكلم وكلامه. والعجب أنَّ أصحاب هذا الفاضل ممن صرّحوا القول بأن الباري سبحانه لو جاز العدم عليه بعد إحداث العالم لما ضرّ وجود العالم. وهذا غاية الجهل والفساد في النفس، حيث ارتكبوا هذا القول الشنيع والظلم الفظيع، وغفلوا أن المعلول ليس وجوده إلاَّ لمعة فائضة من المبدإ الأعلى، أو ظلاً حاصلاً عن السبب الأقصى، وإنَّما حداهم إلى هذا القول القبيح والظلم الصريح أصول فاسدة ارتكبوها تعصّباً وعناداً من غير بصيرة كشفية، ولا معرفة حاصلة من أصول صحيحة إلهيّة مقتبسة من مشكاة نبويّة، أو حذراً من الاعتراف بالجهل والقصور في إدارك الأسرار الإيمانيّة والمعارف الربوبيّة، وكيفيّة صدور الأفعال الإلهيّة على الوجه الذي لا يوجب نقصاً ولا نقضاً، فإنّ ذلك ممّا لا يتيسَّر إلاَّ برفض الهوى والشهوات، وترك الجاه والترفّعات، واختيار الخمول والانزواء، وإيثار الفناء على الشهرة والرياء مع سلامة الفطرة وشدّة الذكاء. ومنها: إنَّه تعالى إذا كان حيّاً كان سمعياً بصيراً، لأنّ الحياة مصحّحة للإدراك بأنحائه إلاَّ ما يوجب تكثراً أو تجسماً، والمصحح للشيء بمعنى الإمكان العامي في عالم الربوبية وعالم التجرّد كاشف عن الضرورة اللزوميّة، إذ لا جهة إمكانية في ذات الواجب لاستلزامها التركيب فيه من الجهتين - الإمكان والوجوب - كما لا وجه هناك للإمكان بمعنى القوة والاستعداد، لأنّه من لواحق المادة الجسمانية - كما حقق في مقامه -. وإنَّما قلنا: إنَّ السمع والبصر مع كونهما نحوين مخصوصين من الإدراك لا يوجبان نقصاً ولا تكثراً لأنَّ تخصصهما ليس باعتبار المحلّ ليوجب التجسم - تعالى عنه علوّاً كبيراً - بل إمَّا باعتبار المتعلّق - فإن مدرَك أحدهما الأصوات والحروف ومدرَك الآخر الأضواء والألوان - أو باعتبار نفس الإدراك، فإنَّهما مما يعتبر فيهما المشاهدة الحضوريّة والانكاشف الإشراقيّ النوري، بخلاف مطلق العلم بالمسموعات والمبصرات، إذ لا يقال له السمع ولا البصر ما لم يكن بنحو المشاهدة، فيكون اتصافه تعالى بهذين الوصفين بالحقيقة لا بالمجاز - كما ظنّ - وأمَّا الجارحة المخصوصة فليست معتبرة في مطلق السمع ولا في مطلق البصر، إذ لو فرض أنَّ الله خلق الحالة الإدراكيّة البصرية في الجبهة لكان الشخص بصيراً، وكذا الحال في السمع، أو لا ترى أنَّ الإنسان في حالة النوم - وهو عبارة عن عدم استعمال النفس حواسها الظاهرة لكَلال وفتور يعرضها - يبصر ويسمع لا بهاتين الجارحتين ولا بغيرها؟ بل بذاتها الحيّة السميعة البصيرة؟ فإنَّ للنفس في ذاتها سمعاً، وبصراً، وذوقاً، وشمّاً، ولمساً، ويداً باطنة، ورجلاً ماشية، وهذه الحواس الظاهرة الجسمانيّة حجاب لها عن استعمال مشاعرها الداخلة، وقواها وجنودها الباطنة، وعند رفض هذه العوائق - إما بالموت الإرادي أو الطبيعي - تتحقق بذاتها وتتخلص في استعمال آلاتها الذاتية وجنودها الباطنية. وإليه أشير في قوله تعالى: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}تفسير : [ق:22] فاجعل النفس الإنسانية مقياساً لك في معرفة كثير من الصفات الإلهية لأنه سبحانه خلقها لتكون معرفتها ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً مرقاة لمعرفة باريها كذلك. فإن قلت: فلماذا لم يستعمل في حقه تعالى أنه شام أو ذائق أو لامس؟ قلنا: لإشعار هذه الثلاثة بالتجسيم دون الحالتين الأوليين، لأنهما ألطف الحواس، ومحسوسهما ألطف المحسوسات - كما ذكره بعض الحكماء الإسلاميين في رسالة له (قدّس سرّه) -. ومنها: إنَّ كونه قيّوماً يوجب كونه حكيماً جواداً غنياً، لأنّ حكمته إيجاد الموجودات على أحكم وجه وأتقنه بحيث يترتّب عليها المنافع ويندفع عنها المضار، ولو لم يكن حكيماً لكان في إيجاده للأشياء نوع خلل أو قصور أو نقصان، فلم يكن قيُّوماً بذاته إذ يتصور قيُّوم آخر غيره لم يكن فعله ذا خلل وآفة - هذا خلف -. فثبت أنَّه حكيم في أفعاله على الوجه المذكور، وهو إنما ينتظم بإبداعه في كل شيء عشقاً جبليّاً لما هو كامل منها لكماله - ليتحفظ به كماله - وشوقاً غريزياً لما هو ناقص منها إلى كماله ليتحرك نحو كماله الممكن في حقه ويجبر بها نقصه، ولهذا قيل: "لولا عشق العالي لانطمس السافل". و "جوده" تعالى عبارة عن إعطائه لكل شيء ما يليق به من غير غرض ولا عوض، سواء كان عيناً أو ثناءاً أو صيتاً أو فرحاً، وبالجملة "الجواد الحقيقي" من لا يكون إعطاؤه شيئاً لأجل أولوية حاصلة من العطاء عائدة إلى ذاته، وإلاَّ لم يكن إعطاؤه جوداً محضاً، بل معاملة واستفاضة، فلم يكن تاماً في ذاته، لأنَّه عادم كمال يجبر بذلك الإعطاء نقصانه، وكلما كان كذلك لم يكن قيوماً بذاته وإلاَّ لم يقتصر في تحصيل كماله إلى وسط، فحيث يكون كمال بلا نقص، وتمام بلا قصور، وفعل بلا قوة، كان فعله منبعثاً عن ذاته بذاته، وكرمه ناشئاً عن حاقّ حقيقيته غير معلل لغيره ولا مستند إلى ما سواه، فيكون فعله جوداً حقيقياً. وإذا ثبت أنَّه جواد حقيقي لم يكن في ذاته ولا في فعله مفتقراً إلى غيره، فيكون غنياً من جميع الوجوه، وكل ما سواه لإمكانه مفتقر إليه، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} تفسير : [محمد:38]. ومنها: إنَّه لما كان قيوماً كان مالكاً وملكاً للموجودات الممكنة، وتكون العوالم كلها ملكه لقوله تعالى: {أية : وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} تفسير : [الأنعام:73]. ولقوله: {أية : وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [آل عمران:189] وذلك لأنَّ القيُّوم - بمعنى المقوّم لما سواه ذاتاً ووجوداً - يلزمه أن يكون له وجودات الأشياء وذواتها، لأنَّ المعلول - بما هو معلول - إنَّما وجوده لعلّته الموجبة له - وقد حققنا ذلك بما لا مزيد عليه في موضعه - و "المالك للشيء" ما له ارتباط ما إليه، و "الملك للشيء" ما له تصرف ما فيه، فإذا كانت ذات كل شيء للقيُّوم تعالى كان هو المالك والملك بالحقيقة. وأما التخصيص المفهوم من قوله تعالى: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة:4] ففيه وجه وجيه يعلمه الراسخون في العلم، ولا يمكن لهم كشفه للمحجوبين مع أن ذكره يؤدّي إلى شنعة الجهّال المتشبهين بأهل العلم، وكذلك القياس في إثبات سائر الصفات الإلهية والأحكام الوجوبية، فإنك إن ساعدك التوفيق وتأمّلت في هذه المعاقد التي كشفنا القناع عن وجهها وأحسنت إعمال روّيتك؛ فيها علمت أنَّه لا سبيل إلى الإحاطة بشيء من المسائل المتعلقة بالعلم الإلهي إلاَّ بوسيلة كونه تعالى حيّاً قيوماً، فلا جرم لي ببعيد القول بأن الاسم الأعظم هو هذا. وأما سائر الآيات الإلهية كقوله: {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [البقرة:163] وقوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران:18] ففيه بيان للتوحيد بمعنى نفي الضد والنِّد. وأما قوله: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص:1] ففيه أيضاً بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والنِّد، وبمعنى أنَّ حقيقته غير متألفة من الأجزاء. وأما قوله: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الأعراف:54] ففيه بيان صفة الربوبية وليس فيه بيان الوحدة الحقيقية. وأما قوله: "الحي القيوم" فإنه يدلّ على الكل، لأنَّ كونه "قيوماً يقتضي أن يكون قائماً بذاته وأن يكون مقوماً لغيره، وكونه قائماً بذاته يقتضي اتصافه بالوحدة الحقيقية الموجبة لنفي الكثرة، وذلك يقتضي الوحدة الانفرادية الموجبة لنفي الضد والنِّد، ويقتضي نفي التحيّز والحلول ونفي الجهة والإشارة الحسية، وأيضاً كونه قيوماً بمعنى كونه مقوماً لغيره يقتضي حدوث كل ما سواه جسماً كان أو نفساً، ويقتضي إسناد الكل إليه وانتهاء جملة الأسباب والمسببات إليه، وذلك يوجب القول بالقضاء والقدر. فظهر أنَّ هذين اللَّفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلهي، فلا جرم بلغت هذه الآية في الشرف إلى المقصد الأقصى، واستوجب أن يكون هذا الاسم من أعظم أسماء الله تعالى، ويشهد له ورود الخبر بأن الاسم الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران، وقد وجّهنا القول وبيّنا السرَّ سابقاً في كون هذا الاسم أعظم الأسماء من وجه، وفي كون اسم "الله" أعظم من وجه آخر، وفي كون كل من الأسماء عظيماً من وجه آخر عند طائفة، فتذكره تعرف أنَّه إذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين انكشف للعبد عند تجلّي اسمه "الحي" معاني جميع أسمائه وصفاته، وعند تجلي اسمه "القيُّوم" فناءَ جميع المخلوقات إذا كان قيامهم بقيّومية الحق لا بأنفسهم. وإذا جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلاَّ الحي القيوم، فنفى التعدد وبقيت الوحدة، فمن ذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية فقد ذكره باسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، لأنه ينطق حينئذٍ بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه، لكونه مطابقاً لما في القضاء، فأما الذكر عند غيبته من عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم، فقال: "الاسم الأعظم ليس له حدّ محدود، لكن فرغ قلبك لوحدانيته، فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت". المقالة الرابعة فيما يتعلق بقوله تعالى {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} وهي مقاصد: المقصد الأول في انتظامه بما سبق وهو أنَّه تعالى لما بيّن أنَّه حيٌّ أراد أن يؤكد ذلك بإبطال نقيضه مطلقاً، وهو "عدم القيام بتدبير الخلق على الوجه الأتمِّ الأحكم" وإنما يثبت ذلك بملاحظة أنَّ انتفاء العام بانتفاء جميع أفراده وتحققه بتحقق فرد ما، لكن الأمر الكلي إذا كان مقولاً بالتشكيك على أفراده المتفاوتة بالكمال والنقص، فإن كان أمراً وجودياً فوجود الفرد الشديد عن الفاعل كاشف عن إمكان وجود النحو الضعيف عنه واقتداره عليه بالطريق الأولى، لأنَّه أهون عليه وأسهل، كما قال تعالى في باب إعادة الخلق يوم القيامة: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم:27] لأنَّ نفس الإيجاد مما يقبل الأشدَّ والأضعف كالوجود، وإيجاد الشيء ثانياً أسهل على الفاعل من إيجاده أولاً، فاقتداره على الإبداء كاشف عن اقتداره على الإعادة. وهذا بخلاف تحقق الفرد الضعيف، فإنَّه ليس دليللاً على تحقق الفرد الشديد، فإنَّ تحقق إعطاء الدرهم من زيد لا يدلّ على إمكان إعطاء الصرة منه. وفي جانب السلب بعكس ذلك، إذ سلب الفرد الضعيف عن شيء يدل على سلب الفرد القوي أيضاً بدون عكس، فإنَّ حرمة الأُفِّ للأبوين دالّ على حرمة الضرب والقتل دون العكس. وسلب القيومية عن الشيء الواحد يتصور على أنحاء: إمَّا برفع ذاته - تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً - وإمَّا برفع أصل صفة الإيجاد والإدامة، وإمّا بتحققها مع الفتور. ومراتب الفتور في الفاعلية أيضاً مختلفة كمالاً ونقصاً، وأضعف الجميع السِّنة، ثم النوم، لأنَّ الفتور الحاصل بفساد أسباب الفاعلية كصفة القدرة، أو الإرادة، أو العطوفة، أو الرحمة، أو العلم برجحان الفعل، وغير ذلك أقوى وأشد. ثمَّ إنَّ مراتب كل من السِّنة والنوم مختلفة كمّاً وكيفاً، فإنَّ السِّنة في السَّنة أشدُّ في بابها من السِّنة في الشهر، وكذا النوم في اليوم أشد في بابه من النوم في الساعة، وأضعف الجميع "سنة ما" و "نوم ما" على التنكير الإبهامي، إذ يكفي في تحققه لحظة ما وأقل منها، فإذا انتفى هذا الفرد الضعيف عنه تعالى فلا بدَّ أن يكون غيره من الأفراد منتفية، وبانتفاء الجميع تنتفي طبيعة الأمر العدمي، أعني رفع القيومية، هذا الرفع يتحقق قيوميته تعالى، لأنّ رفع الرفع يسلتزم الإيجاب، فقال سبحانه: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} ليكون تأكيداً لقوله: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}. والمعنى أنَّه تعالى لا يفتر عن تدبير الخلق لحظة، وإلاَّ لتساقطت السماوات والكواكب وفسدت الأرض ومن عليها وفيها، وبطلت الأزمنة والفصول، وفنت المواد والأصول، ولا يمكن بعده إيجاد الموجودات، لأنّ الحدوث التكويني من غير مادة مستحيل، وإعادة المعدوم بالمرة ممتنع، فالفتور في تدبير الخلق ولو لحظة واحدة يوجب انسداد باب الصنع والإيجاد للموجود وقطع الفيض والكرم والجود - تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً -. فإن قلت: فإذا كانت السِّنة عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قال "لا تأخذه سِنة" فقد دلّ على أنَّه لا يأخذه نوم بطريق أولى، فكان ذكر النوم بعده تكراراً؟ قلنا: تقدير الكلام لا تأخذه سِنة، فضلاً عن أن يأخذه النوم. المقصد الثاني في معنى السِّنة والنوم أما "السِّنة" فهو فتور وكَلال ما في الحواس يتقدم النوم يسمى "النعاس" و "النوم" ترك استعمال النفس حواسها الظاهرة لأجل صعود بخارات غليظة من المعدة إلى الدماغ. وإنَّما قيّدنا بترك الاستعمال المذكور وعللناه بالصعود المذكور لئلا يصدق على الموت، فإنَّ النوم والموت أخوان مشتركان في عدم استعمال النفس الحواس والآلات الظاهرة التي بها يقع الروح في هذا العالم، إلاَّ أنهما يختلفان في أنَّ ترك الاستعمال المذكور في أحدهما - وهو النوم - إنَّما يكون لعارض خارجي يمنع عن ذلك مع بقاء الاستعداد والتهيّؤ في الحواس، بمنزلة الكاتب الذي أدخلت يده في كمّه أو قيّدت بسلسلة، وفي الآخر - وهو الموت - إنَّما يكون لأمر طبيعي لازم، هو بطلان الاستعداد رأساً، بمنزلة الكاتب الذي زمنت يده وخرجت عن أن يكون لها صلاحية الكتابة، فإنَّ معنى "الموت" في الحقيقة زمانه البدن كله، وأنت تعلم أنَّ زمانة اليد خروجها عن طاعة النفس مع وجود شخصها، لبطلان القوة التي بواسطتها تستعمل اليد. فافهم إنْ كنت من أهله أنَّ الموت زمانة مطلقة في جميع الأعضاء يبطلان قواها، فيسلب الموت منك يدك ورجلك وعينك وسائر وحواسك وأنت باق أعني حقيقتك التي بها أنت أنت، فإنَّك الآن الإنسان الذي كنت في الصبا ولعلّه لم يبق منك من تلك الأجسام شيء، بل انحلّت كلها وحصل بالغذاء بدلها وأنت أنت، وجسدك غير ذلك الجسد. فالحاصل أنَّ للنفس في استعمالها القوى والحواس الظاهرة حالات أربعة: قوة، واستعداد، وفعلية، وبطلان. فالقوة: كما للجنين قبل خروجه إلى الدنيا. والاستعداد: كما للنائم والسكران والمغمى عليه. والفعلية: كما لليقظان. والبطلان: كما للميت. واعلم أنَّ النوم والموت مشتركان أيضاً في بقاء المدارك الباطنية للنفس الناطقة - كالعقل والوهم والخيال -. وتحقيق ذلك أنَّ العوالم بكثرتها ثلاثة، والمدارك الإنسانية على شجونها ثلاثة، والإنسان بحسب غلبة كل واحد منها يقع في عالم من هذه العوالم والنشآت، فبالحسّ يقع في العالم الدنيوي، وبه ينال الصور الحسية الكائنة الفاسدة الملذة والمؤلمة بسحب الملاءمة والمنافرة، وبالقوة الباطنية الجزئية يقع في النشأة الثانية التي هي عالم الصور الأخروية المنقسمة إلى الجنة والجحيم، وبالقوة الباطنة العقلية يقع في النشأة الثالثة التي هي عالم الصور العقلية الإلهية الأفلاطونية. فالناس أصناف ثلاثة: أهل الدنيا وهم أهل الحس كالأنعام والبهائم أو أضلّ سبيلا، كما قال تعالى {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف:179] وأهل الآخرة وهم الصلحاء وأهل الاعتقادات التقليدية الظنية الخيالية، وأهل الله وهم العرفاء بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر كما وقع في الحديث: "حديث : الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله تعالى ". تفسير : ولهذه المعاني بيانات علميّة ذكرناها في تحقيق الآيات المشيرة إلى أحوال القيامة والغرض هاهنا بيان ماهية النوم ليعرف بعد ذلك أنَّها مما يستحيل على إله العالم. المقصد الثالث في بيان استحالة السِّنة والنوم على الله تعالى بوجه حكمي إعلم أنَّ إقامة السماوات والأرض من الله سبحانه وتحريكه وتسكينه القوى الفعَّالة السماوية والمنفعلة الأرضية بجميع ما فيها، ليست كاستعمال النفس للبدن وقواه المحرّكة والمدركة الحسّاسة، لأنَّك قد علمت بالبرهان الحكمي أنَّ نسبة الحق الأول إلى العالم ليست كنسبة الروح إلى البدن ونحو ذلك. وبعد ذلك فنقول: إنَّ الفتور العارض للنفس في استعمالها الحواس والقوى - سواء كان في النوم أو غيره - إنَّما هو لتعصّي جوهر البدن وقواه عن طاعة النفس، فإنَّها لها بمنزلة آلات لذوي الصنايع، فتكون لها طبائع متخالفة لجوهر النفس في الذات والاقتضاء، وإنَّما تجبرها النفس متسعملة إيّاها في مقاصدها الإرادية، وهي مستدعية للخلاص عنها إلى ما يلائم طبائعها من الميل إلى أحيازها الطبيعية بحسب الجزء الغالب على سمت خط واحد مستقيم، ثم السكون بعد حصولها فيها، أو اللصوق بوجه الأرض إن لم يتيسّر الوصول إلى آخر ما يقتضيها الثقل الطبيعي من الجزئين الكثيفين الغالبين في بدن الإنسان والحيوان، وكذلك حكم سائر القوى المتعلقة بأعضاء البدن. وبالجملة التخالف والتصادم الواقعان بين الحركات والأفعال الإرادية النفسانية الواقعة من النفس في الأغراض الشهويَّة والغضبية والفكرية، وبين الحركات والأفعال الطبيعية من القوى الأسطقسية مما يوجب تعصّي البدن والحواس وخروجها عن طاعة النفس، إذ البدن العنصري ليس معلولاً للنّفس - كما برهن عليه في علم النفس - حتى يكون موافقاً لها في جميع الوجوه والحيثيات فلا يعرض له كَلال ولا للنّفس ملال، بل بينهما علاقة عرضيّة ستزول - أمّا بعضها فبالنوم، وأما كلها فبالموت. فإذا تقرر هذا وظهر أن منشأ النوم كَلال يعرض للبدن وملاَل يعرض للنفس بما هي نفس، أي مستعمل له وقواه لأجل تخالفهما في الطبيعة والذات، وليس للباري بالقياس إلى العالم هذه الحالة، فإنَّ وجود كل ما في العالم تابع لوجود الحق الأول، ليس فيها جهة تباين سوى جهة المخلوقية والعبودية والطاعة، فإنّ وجودها من الباري كوجود الظل من ذي الظل - لو كان لذي الظل علم بذاته الذي هو نفس ذاته وعلم بوجود ظله الحاصل من علمه بذاته -. ولا شبهة في أنَّه إذا كان وجود السماوات والأرض وما فيهما مع ما يلزمهما من الحركات وغيرها عن الباري، كوجود الظل من الشخص ووجود النداوة من البحر، لم يتصور عروض الكَلال والكلفة والتعب للباري جلت قدرته في صدورها عنه تعالى، كما لا يتصور عروض الوهن والكَلال للشخص بثبوت الظل عنه، وإذا لم يتصور الكَلال والتعب في حقه، لم يتصور السِّنة والنوم لأنَّهما من توابع الفتور الحاصل لمبدإ الحركة والإحساس. وهاهنا مباحث أخرى متعقلة ببيان حالات تعرض للقوى الفعَّالة النفسانية وهي التعب والمَلال والألم وغيرها، وبيان التفرقة فيها وتحقيق القول في استحالة عروضها له سبحانه بوجه حكمي لمّي ينكشف به على السالك أنَّ ساحة العظمة والكبرياء أرفع من أن يعتريها شيء من هذه الانفعالات والتغيرات، أخّرنا ذكرها إلى أن يحين حينها فيما سيأتي إن شاء الله من المعاني المتعلقة بقوله تعالى: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} لأنّهما ألصق وأربط بذلك المقام فانتظر مفتشاً. ومن الدلائل على نفي السِّنة والنوم والسهو والنسيان عن الله تعالى واستحالة عروضها له، أنَّ هذه المعاني إمَّا عبارات عن أعدام العلم أو عن أضداد العلم وعلى التقديرين فجواز طريانها عليه وعروضها له يقتضي جواز زوال علم الله تعالى، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالماً ويصح أن لا يكون عالماً فحينئذٍ يفتقر في حصول صفة العلم له تعالى إلى فاعل يجعله عالماً. وننقل الكلام إلى ذلك الفاعل هل هو عالم من جميع الوجوه في جيمع الأوقات أو لا؟ فإنْ كان الأول فالباري جلَّ ذكره هو بعينه ذلك الفاعل الذي لا يجوز عليه الشين والنقص، إذ لا نعني بالباري إلاَّ ما يجب وجوده ويجب كمال وجوده، ويستحيل عليه عدم الذات وعدم كمال الذات وقد فرضنا غيره، وإنْ كان الثاني فننقل الكلام إلى فاعل آخر يخرجه عن القوة إلى الفعل، وهكذا إلى أن يدور أو يتسلسل وهما محالان. فلا بدَّ وأن يكون مبدأ سلسلة العلماء عالماً يكون علمه بالفعل من جميع الوجوه، ولا يكون فيه جهة غير جهة العقل (الفعل - ن) بالفعل، فيكون عاقلاً في جيمع الأوقات بجميع الموجودات من جميع الحيثيات، وإذا كان كذلك كان النوم والسهو والغفلة محالاً عليه سبحانه. فما أبعد من الصواب قول بعض المتفلسفين الذاهبين إلى نفي علمه تعالى بالمتغيرات ظناً منهم أنَّ العلم بالمتغيرات والزمانيات من حيث كونها متغيرة زمانية لا يمكن إلاَّ بآلة جسمانية، وأبعد منه اعتذارهم عن هذا الظن الفاسد بأنه كما أنَّ كثيراً من الأفاعيل نقص على الباري تعالى فكذلك كثير من التعقلات. وأنت - إنْ كنت من أهل المجاهدة العقلية مع كفرة أعداء الله تعالى من القوى الوهميّة والخياليّة الجاحدة للحق، المتمردة عن طاعة الشريعة العقلية والتدين بدين الله وطريق التوحيد الخاصي - تعلم بصفاء الذهن وسلامة الفطرة أنَّ استثناء شيء من الجزئيات بعد قيام البرهان على قاعدة كلية عقلية في العقليّات مما لا سبيل إليه. فإذا ثبت أنَّ الباري فاعل الكل وعلّة الجميع - ومن قوانينهم المسلّمة والمبرهن عليها أنَّ العلم التام بالعلة التامة يوجب العلم التام بالمعلول - فإذا تحقق علمه تعالى بذاته، وتحقق كونه سبباً للجميع، وتحقّق كونه بالفعل من جميع الوجوه من غير أن يكون فيه جهة قوة واستعداد وانفعال لزم كونه عالماً بجميع الأشياء. وأما أنَّ العلم بالمتغير - من حيث كونه متغيراً - متغير فهو ممنوع: أما إذا كان حصوليّاً فلأنه يمكن تعلق العلم بالمتغيّر مع تغيّره وحدوثه وتجدده إذا لم يكن مستفاداً من ذلك المتغيّر، بل حاصلاً من جهة الإحاطة بأسبابه وعلله المؤدية إليه، كل ذلك على الوجه الكلّي، وأمّا إذا كان حضورياً فلأنّ مرجعه إلى إضافة نورية إشراقية من العالم بالقياس إلى المعلوم، والتغيّر في الإضافات - على فرض وقوعه - ولا يوجب التغير على الذات. لا يقال: منشأ نفي العلم بالجزئيّات المتغيّرة عنه تعالى منهم أنَّهم ذهبوا إلى أن مناط التشخص هو كون الشيء محسوساً، فما لا يكون إدراكه بالحسّ لا يعلم الأمر الشخصي بما هو شخصي. لأنّا نقول: هذا أيضاً لا يستلزم ما ذكرتم، إذ كون المحسوسيّة مناط الجزئيّة لا يوجب أن لا يكون ذات المحسوس بوصف محسوسيّته وشخصيته مدركاً لغير الجوهر الحاس، فكما أنَّ المحسوس بخصوصه قد يكون مدركاً بالإدراك الخيالي - مع أن التخيل غير الإحساس - فكذلك قد يكون مدركاً بالإدراك العقلي، والحاصل أنَّ الكليّة والجزئيَّة على هذا الأصل صفتان للإدراك لا للمدرِك، والتفاوت في الإدراك لا يوجب التفاوت في المدرِك. فالواجب الحق يعلم جميع الكليّات والجزئيات بعلم يليق بشأنه من غير فتور، وسهو، ونوم، ونسيان تعالى الله العزيز المنَّان عمّا يقوله أهل الزور والبهتان، والبغي والطغيان. المقصد الرابع في ذكر حكاية مروية في هذا الباب روي حديث : عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه حكى عن موسى بن عمران - على نبيّنا وآله وعليه السلام - أنّه وقع في نفسه: "هل ينام سبحانه أم لا؟ وقيل: سأل الملائكة: "هل ينام ربّنا؟" فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام، ثم قال: "خذ بيدك قارورتين مملوئتين في كل يد واحدة منهما" وأمره بالاحتفاظ بهما، فكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فضرب إحدى القارورتين على الأخرى فانكسرتا، فضرب الله تعالى ذلك مثلاً له في بيان أنّه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السماوات والأرضين . تفسير : واعلم أنَّ مثل هذا لا يجوز أن ينسب إلى الأنبياء (عليهم السلام) سيما أولوا العزم من الرسل مثل موسى (عليه السلام) خصوصاً على مذهب أصحابنا الإماميّة - رضوان الله عليهم - حيث لا يجوّزون صدور الذنب منهم - صغيراً كان أو كبيراً - وأي ذنب أكبر من الجهل بالصفات التي هي من لوازم الإلهية ومن ضرورات الواجبية؟ وهي العلم التام بمبدعاته من غير خلل وفتور، ولا سهو ولا قصور. ومن جوز النوم عليه سبحانه أو كان شاكاً في استحالته كان كافراً، فيكف يجوز نسبة هذا إلى موسى (عيله السلام)، فهذه الرواية إن صحّت وجب أن تنسب إلى جهَّال قوم موسى كطلب الرؤية، فإن الجسمانية كانت غالبة على قومه بحيث لم يمكنهم تصوّر أمر مفارق الذات والصفة عن المواد الجسمية لا في الممكن ولا في الواجب، كالحنابلة من أمّة نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) الذين جعلوا إلههم جسماً مستوياً على العرش، والأشاعرة وإن كانوا أرفع قليلاً من هؤلاء إلاَّ أنهم يشاركونهم في نفي التجرّد وإثبات التحيّز لما سوى الواجب تعالى، وهو عين الجهالة أيضاً، فإنَّ كون الواحد نصف الإثنين ليس مفتقراً في تحققه لا هو ولا مفرداته إلى تحيّز وتجسم، والداعي لهم إلى نفي المجردات زعمهم أنَّ تحقق أمر مجرد في غير الواجب تعالى يوجب للواجب شريكاً، ولم يعلموا أن التجرد سلب محض والاشتراك في السلوب لا يوجب الاشتراك في معنى ذاتي أو عرضي، فيلزم التركيب أو النقص في حقّه تعالى كما مرّ في بيان توحيده تعالى في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله. على أنَّك قد علمت مما قررنا أنَّ السلوب الصادقة عليه تعالى كلها ترجع إلى سلب واحد وهو سلب الإمكان، وهو المصحح لجميع السلوب، فسلب المادة - أي مفهوم التجرّد - ليس من صفات الله تعالى بالذات، بل من الضرورات اللاَّزمة من سلب الإمكان عنه (عليه - ن) والاشتراك في اللَّوازم العامّة لا يوجب الاشتراك في الملزومات ولا يلزم اشتراك الواجب والممكن في الشيئيّة، والمفهومية، والإمكان العام اشتراكهما في الذات، فيسدُّ بذلك إثبات الواجب والعلم به تعالى للزوم الاشتراك بين الواجب والممكن في الثبوت والمعلومية. المقالة الخامسة فيما يتعلق بقوله سبحانه: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} وفيه مطالب: المطلب الأول في النظم لما بيّن كونه قيوماً وأكده بنفي ما ينافيه، أراد أن يترتب عليه ما يتفرّع عليه من وجود آثار القيوميَّة وتوابعها، وقد تقرّر في علم الميزان أنّه إذا أُريد تعريف المبادئ البسيطة والقوى الفعّالة، تعرّف بأفاعيلها ولوازمها وآثارها، وقد صرّح بعض رؤساء المنطقيّين، بأن تعريف الشيء البسيط بآثاره المنبعثة عن نفس ذاته الناشئة عن حاق حقيقته ليس بأقلّ إيضاحاً وكشفاً من التعريف بالحدِّ للمركب، لإيصال هذا النحو من الخواص إلى حاق خصوصية ما هو خاصة له، كإيصال الحد إلى حاق حقيقة المحدود. مثلاً: تعريف الجوهر النطقي - أي النفس الإنسانيّة - بـ "إدراك الكليات"، وتعريف فصل الحيوان - أي النفس الحيوانية - بـ "الحساس"، وتعريف الهيولى بـ "المستعد" وأمثال ذلك ليست أقل فائدة من التحديد، إذ كما أنَّ مفهوم الحدّ منتزع من نفس ذات المحدود وأثر حاصل منها، كذلك هذه المفهومات حكايات لذوات تلك القوى والمبادئ الفصلية والجنسية. فإذا تقرر هذا الكلام أقول: كنه ذات الواجب وهويّته الأحديّة وإن لم يكن معلوماً لأحد غيره ولا يمكن تعريفه أصلاً - لا بالحد لعدم تركّبه، ولا بالخواصّ والآثار إذ لا شيء أجلَّ نوريّة وانكشافاً منه حتّى يصير وسيلة لانكشاف ذاته إذ المعرِّف للشيء يجب أن يكون أجلى منه، وسبب خفائه غاية وضوحه وانكاشفه - لكن لنا سبيل إلى معرفة صفاته المختصّة، مثل: الإلهية، والقيومية، والخالقية المطلقة لأنها مفهومات عامة كلية متعلقة بذوات الممكنات وهياكل الماهيات التي هي بمنزلة صفحات وسطوح مصيقلة وقعت عليها أشعة هذه الصفات من النور الحقيقي والنيّر الإلهي الذي هو نور السماوات والأرض. فللعقل أن يتصوّرها ويدلّ عليها بألفاظ موضوعة لمعانيها الحاضرة في الذهن، وإذا تصورها القعل بكنهها فقد تصور الذات الأحدية من هذا الوجه لأنها صفات تنشأ من نفس ذات الحق وتنبعث من حاق حقيقتها، لا باعتبار قوة أخرى قائمة بها. وهذا التصور من العقل المكحَّل بنور الهداية والحكمة لهذه الصفات، ومن استلزام تصور ما ينبعث - هي - عنه وينشىء من حيث كونه مبدأً لها وينبوعها، لثبوتها لما ذكرنا من أن القوى تعرف بأفاعيلها وآثارها المنبعثة عن صرف ذاتها إلاَّ أنَّ ذلك لا يستوجب أن يمكن لأحد أن يعرف الذات الأحديّة مع قطع النظر عن النسب والإضافات، لأنَّ تعقل الحق الأول باعتبار ذاته بذاته مستحيل قد أقيمت على استحالته البراهين القطعية، وأما تعقله باعتبار أنَّه قيُّوم للعالم، وأنّه مبدأ الموجودات، وخالق ما في السماوات والأرض، أو أنّه مسلوب الكثرة والاشتراك، واحد أحدي، فللعقل سبيل إلى الاكتناه بهذه المعاني. فحينئذٍ نقول: قوله سبحانه: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} وقع تأكيداً وتعريفاً للحي القيوم، لأنَّ معنى "القيّوم" إذا كان مقوّم الممكنات وجاعل الماهيّات وهي منحصرة في ما في السماوات وما في الأرض - لأنّ الأول: عبارة عن الأجرام البسيطة المستديرة الأشكال والمستديرة الحركات الشوقية الإراديّة، مع نفوسها المحركة القريبة المتشوّقة إلى نيل الكمال، المشتهية إلى المبدإ الفعّال، وعقولها المتحركة البعيدة المعشوقة لنفوسها تحريكاً مقدّساً عن المباشرة والانفعال، منزّهاً عن التّجدد والانتقال. وأما الثاني: فهو عبارة عن العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة مع صورها ونفوسها الثلاثة الأرضية، أعني النباتيّة والحيوانية والإنسانية - فإذا لم تعرف إضافة هذه الأشياء إليه تعالى لم يعرف كونه قيوماً. فكما أنَّ من لم يعرف ذاته تعالى من جهة الإلهيّة والقيُّوميّة فكأنّه لم يعرف شيئاً من العالم الإمكاني لما تقرر في الميزان أنَّ العلم التام بذي السبب لا يحصل إلاّ من جهة العلم بسببه، فكذا العكس، فإنَّ من لم يعرف شيئاً من العالم الإمكاني، فكأنه لم يعرف الإله القيوم أصلاً. ومن هنا يستتم ما ذكره ابن عربي في الفصِّ الإبراهيمي: "إنّ بعض الحكماء وأبا حامد ادَّعوا أنَّ الله يُعرف من غير نظر في العالم، وهذا غلط، نعم تعرف ذات قديمة أزلية لا يعرف أنها إله حتى يعرف المألوه فهو الدليل عليه" انتهى. أقول: يشبه أن يكون النزاع بينه وبينهم لفظيّاً، إذ لا يبعد أن يكون مرادهم من اسم الله تلك الذات القديمة الأحديّة مع قطع النظر عن صفة الألوهية، ولا شبهة للجميع في أن معرفة ذاته تعالى - من حيث ذاته المجردة عن كل نعت وصفة - لا تتعلّق بمعرفة العالم، لكن الخلاف في أنَّ حقيقة الواجب سبحانه أهي نفس الوجود القائم بذاته بشرط سلب الزوائد والقيود الإمكانيّة عنه؟ أو الوجود المطلق المقدس عن الإطلاق والتقييد جميعاً؟ فالأول: هو مذهب الحكماء. والثاني: هو مذهب ابن عربي ومتابعيه، ولهذا ذكر متصلاً بكلام نقلناه منه قوله: "ثم بعد هذا في ثاني الحال يعطيك الكشف أنَّ الحق نفسه كان عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته، وأن العالم ليس إلاَّ تجلّيه في صورة أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه، وأنّه يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها، وهذا بعد العلم به منّا أنه إله لنا". المطلب الثاني في تحقيق الإضافة المستفادة من حرف "اللاَّم" في قوله "له" قيل: المراد من هذه الإضافة الملك والخلق، وتقريره أنّه لمَّا كان واجب الوجود واحداً، كان ما عداه ممكن الوجود لذاته، وكل ممكن الوجود فله مؤثر، وكل مؤثر فهو معلول، محدث بإحداثه، مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة إضافة الملك والإيجاد. أقول: المستفاد من هذا الكلام الوجود الارتباطي المنسوب إلى غيره، والوجود المنسوب إلى غيره قسمان: أحدهما: أن يكون الموصوف بذلك الوجود نفس ذات الوجود. والآخر: أن يكون ماهيّة غير الوجود، وعلى التقديرين هذا الوجود النسبي إمّا عين وجود الشيء في نفسه أم غيره فهاهنا أربعة احتمالات: أحدها: الوجود المضاف الذي هو غير زائد على نفس الشيء الموجود ومع ذلك وجود النسبي عين وجوده لأمر آخر وهذا كوجود الممكنات عند جمهور الحكماء المنسوب إلى ماهياتها. والثاني: الوجود المضاف الزائد على ماهية الشيء، المتَّحد مع وجوده في نفسه كوجود الأعراض والصور لموضوعاتها وموادها. قال بعض الحكماء: وجود الأعراض في أنفسها هو وجوداتها لموضوعاتها سوى العرض الذي هو الوجود، فإنه لمَّا كان مخالفاً لها لم يصح أن يقال: "إنَّ وجوده في موضوعه هو وجوده في نفسه" بمعنى أن للوجود وجوداً كما يكون للبياض وجوداً، بل بمعنى أن وجوده في موضوعه نفس وجود موضوعه، وغيره من الأعراض وجودها في موضوعه وجود ذلك الغير أعني العرض. والثالث: الوجود المضاف الذي لا يزيد على الماهية، ومع هذا وجوده النسبي عين وجوده في نفسه، هذا كوجود الواجب المضاف إلى الممكنات بالإلهية والقيُّومية. الرابع: الوجود المضاف الزائد على الشيء المغاير لوجوده في نفسه، كوجود الفرس للإنسان. فإذا تقرر هذا فاعلم أنَّ العقلاء اختلقوا في أنَّ موجودية المعلول بالقياس إلى جاعله التام - كموجودية ما في السماوات وما في الأرض له تعالى - من أي قسم من هذه الأقسام الأربعة؟ فقوم من العقلاء ذهبوا إلى أنه من قبيل القسم الثالث، لما شاهدوا بحسب الظاهر أن لها وجوداً منفصلاً عن وجود باريها، فهي موجودات مستقلة في الموجودية الزائدة على ذواتها الإمكانية - سواء كانت جواهر أو أعراضاً - ولها نسبة إلى الباري جلّ اسمه بالمخلوقية، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور. وذهب قوم إلى أن وجودها له تعالى كوجود الأعراض لموضوعاتها، وهم جماعة من مقلدة أهل العرفان، والمتشبهين بالصوفية، المغترين بظواهر عباراتهم - مثل أن نسبة الحوادث إليه تعالى كنسبة الأمواج للبحر - فتوهموا أنَّ إله العالم مادة الممكنات، جهلاً بأن مادة الشيء أمر ناقص بالقوة، وجهلاً بأن الفاعل للشيء لا يمكن أنْ يكون قابلاً مستعداً له. وقوم آخرون ذهبوا إلى أن نسبة وجودات الممكنات إلى ذات الحق تعالى من قبيل القسم الأول - وهم الراسخون في العلم من الحكماء، القائلين بأن للموجودات الإمكانية تحصّلاً بحسب الخارج، غير مستفاد من تحصل الماهيات بل الماهية تحتاج في تحصّلها وتحققها إلى الوجود، وكل وجود يتقوم بوجود علّته الجاعلة إيّاه جعلاً بسيطاً، فيكون كونها في نفسها هو عين فيضانها عن جاعلها الذي هو الوجود النسبي، وتحقيق ذلك يحتاج إلى بسط في الكلام في صفاء تام، ولطف شديد في المدارك والأفهام. المطلب الثالث في كلمة "ما" إعلم أنَّ "ما" هاهنا هي الموصولة، والفرق بينها وبين "من" سواء كانتا موصولتين أو استفهاميتين أنَّ "من" إنما تستعمل في ذوي العقول دون "ما" ولكن بينهما فرق آخر عندما استعملتا استفهاميتين: وهو أنَّ أحدهما سؤال عن ماهية الشيء وحقيقته، والآخر سؤال عن هويته ونحو وجوده. وأما النكتة في إيراد لفظ "ما" في قوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} دون "من" في الموضعين، مع أن الموجود في كل منهما مشتمل على ذوي العقول وغير ذوي العقول هي أنه لما كان الغرض نسبة الموجودات إليه سبحانه بالمخلوقية والمملوكية، وكان الغالب فيها ما لا يعقل، أجرى الغالب مجرى الكل، فأطلق القول وعبّر عن الجميع بلفظ "ما" تنبيهاً على أن المراد من هذه الإضافة مجرّد المخلوقية. هذا ما قيل، لكن في الحكم بأن الغالب في السماويات ما لا يعقل محل نظر وكذا في السماويات والأرضيات جميعاً فإنَّ الأفلاك وما فيها أحياء ناطقون مسبحون لربهم عند الحكماء الإسلاميين، وما وقع في الحديث أنَّه "حديث : ليس فيها موضع قدم إلاَّ ويوجد فيه ملك ساجد أو راكع"تفسير : يؤيد ذلك. وفي بعض خطب أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - من كتاب نهج البلاغة تصريحات بليغة ناصّة على كون الأفلاك وما فيها من الملائكة مسبحون لربهم وساجدون وراكعون بحيث لا يسأمون، إذ لا يغشاهم نوم العيون ولا فترة الأبدان ولا شبهة في أن التسبيح والصلاة لا يصدران إلاَّ من العقلاء، وأيضاً قوله تعالى: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [الأنبياء:33] - حيث وقع بالواو والنون - يؤيد ما ذكرناه وينور ما قررناه. فالوجه أن يقال: إنَّ هذه الآية لمَّا كانت في مقام إثبات التوحيد والجلالة والقهر له تعالى، وتوسيع ملك وجوده وتفسيح دائرة هويته بحيث يقهر ويضمحل الكل عند عظمة كبريائه، ويفنى كل فيء وظل حين سطوع نور جلاله وبهائه، فالمناسب فيه أن يجعل الكل - وإن كانوا عقلاء كاملين في وجوداتهم - بمنزلة ذوي النقائص في الوجود. أو لا ترى إلى قوله: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} كيف يدلّ على حالة طلوع شمس الحقيقة وظهور الوحدة التامة وفناء كل شيء ورجوعه إليه عند القيامة كذوبان الجميد بطلوع الشمس، كما قال تعالى حكاية عن مثل هذه الحالة: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر:16]. مشيراً إلى ظهور دولة حكم المرتبة الأحدية، وكذا قوله: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} يشير ٍإلى هذا المقام، أي بروز الوحدة التامة، وفناء الكثرات، وزال التعيّنات فإنَّه إذا ظهر علوّه وعظمته فمن ذا الذي يكون له رتبة الوجود في جنب عظمته وعلوّه، ولذلك عبر عن الجميع بلفظ "ما" الدالة على مطلق الشيئية العامة، التي تشمل المعدوم والموجود والمحال والممكن، لكونها غريقاً في الإبهام بعيداً عن التحصّل والتعيّن. وممّا يدلّ على هذا - أي جعل ذوي العقول مستهلكة العقول في جنب عظمته وسطوع نور جلاله وسطوته - قوله تعالى: {أية : لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} تفسير : [البقرة:116]. حيث أتى أشياء بعينها في مقام واحد وهو مقام الأحدية وظهور سلطان الذات وتجلّي العظمة والجلال باسم الإبهام، وفي مقام آخر هو مقام الكثرة وظهور سلطان الأسماء وتجلّي صفات الرحمة والجمال باسم الجمعية الكمالية تنبيهاً على ما ذكرناه. المطلب الرابع في معنى كلمة "في" إعلم أنَّ بعض المتكلمين النافين لوجود ضرب من ملائكة الله المقرّبين كالعقول والنفوس، تمسّكوا بهذه الآية وأمثالها على نفي المجردات قائلين بأنّ الله تعالى لما كان غرضه عرض ما يوجد في مملكته وسلطانه من الموجودات وإظهار المالكية بجميع الممكنات، بحيث لا يخرج عن إقليم إيجاده وخالقيته وملكه شيء أصلاً، فلو كان في عالم القدرة شيء غير جسماني لكان ينبغي أن يكون معدوداً من جملة ما أضيف إليه تعالى بإضافة الإنشاء والخلق والملك، ومنخرطاً مع سائر المعدودات في الذكر، بل هو أولى بالذكر من غيره لكونه أشرف وأعظم منها، فلمَّا اقتصر على ما في السماوات وما في الأرض ولم يذكر غيرها، علم من ذلك أن ليس للمجرد وجود، وذلك لأنَّ لفظة "في" موضوعة لنسبة الظرفية، وطرفا هذه النسبة وهو الظرف والمظروف كلاهما جسمانيان، وكل ما في السماوات والأرض لا يكون إلاَّ جسمانياً وهو المطلوب. وأما الجواب: فقبل الخوض فيه يجب أن يعلم كل أحد أنَّ الحقائق الكلية والعلوم الحقيقية لا يمكن أن تقتنص من الإطلاقات اللفظية، فإن لكل حقيقة سبب خاص وعلّة قريبة لا توجد إلاَّ بها، وكما أنَّ ذات كل حقيقة لا تحصل إلاَّ من وجه خاص. فكذا العلم بها أيضاً لا يحصل إلاَّ من جهة العلم بمبادئها ومقدماتها، إذ العلم هو صورة المعلوم، فهذا هو طريق اليقين والعرفان، وأما الظنون وسائر الإداركات فربما تحصل من غير هذا الوجه. ففي مقام لا ينجح فيه إلاَّ المعرفة التامة والكشف الصريح لا يمكن استنباطه من الألفاظ، لأنَّ دلالتها ليست قطعية، نعم في العمليات التي هي أحكام خاصة والمقصود منها العملي خاصة أو الرياضة النفسية، أو المصلحة النوعية والنظام الجملي، فمجرّد الظن والرجحان كاف للعمل به، لأنّ العلم هنا وسيلة العمل فلا يكون أشرف منه، وأما المعارف الإلهية كمعرفة الذات ومعرفة الصفات ومعرفة كيفية الأفعال، فلا يصيح الاكتفاء فيها بالأخذ لها من الألفاظ استقلالاً، بل على سبيل التأييد والتنبيه، كما هو دأب أكثر المتكلمين. وفي قوله تعالى: {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [يونس:36]. إشعار لطيف بما ذكر، إذ الحق عبارة عن الاعتقاد الصحيح الذي يطابقه الواقع، فافهم تهتد. فإذا تقرر هذا نقول: إنَّ لفظة "في" استعمل في معان مختلفة تدلّ على بعضها بالاشتراك وعلى بعضها بالتجوز، فإنَّ كون الماء في الكوز، وكون الشيء في الزمان، وكون الجزء في الكل وكون الشيء في المكان، وكون الخاص في العام، وكون الكل في الأجزاء، وكون الكلي في الجزئيات، وكون الشيء في الخصب والراحة، وكونه في الحركة، ليست لفظة "في" في جميعها بمعنى واحد فكون الماء في الكوز ليس بمعنى كون الشيء في الشهر والسنة، وكون السواد في الثوب ليس بمعنى كون الجسم في المكان، وكذلك كون الماهية في الخارج ليس بمعنى كونها في الذهن، وكون اللفظ في المعنى ليس بمعنى كون النقوش في الكتاب، بل لفظة "في" يختلف معناها في هذه المواضع وغيرها اختلافاً كثيراً لا يحصى ولا يجمع الكل إلاَّ إضافة ما. وليست نفس الإضافة متقضية لنسبة "في" فإنَّ "مع" و "على" و "اللام" وغيرها مما يدلّ على إضافة ما، وليست مترادفة ولا مرادفة لها، والإضافة المكانية تغاير الإضافة الزمانية في ذاتها، وإذا لم تكن نفس الإضافة مراداً بلفظة "في" وخصوص الإضافة مختلفة فيهما ولكل واحد مدخل في معنى "في" فاللفظ واقع بينهما بالاشتراك. وأما كون الكل في الأجزاء فهو بالتجوز أشبه، لأنَّ الكل هو مجموع الأجزاء والمغايرة شرط صحة الإضافة، ولا يكون في كل واحد أيضاً، ويقال أيضاً: إنَّ الجزء في الكل فلا يكون بمعنى واحد، وإلاَّ يلزم اشتمال الشيء على ما يشتمل عليه، وكذلك كون الشيء في نفس الأمر بالتجوز أشبه. فإن قلت: يجمع الكل الاشتمال والإحاطة. قلت: المرجع والمآل في الاشتمال والإحاطة أيضاً إلى الظرفية، فإنه ليست إحاطة الزمان وطرفيته للشيء الزماني كإحاطة المكان وظرفيته للمتمكن، بمعنى ظرفية الماء في الكوز والمتمكن في المكان الحقيقي العرفي، سواء كان سطحاً أو بعداً مجرّداً. فقد علم مما ذكر أنَّ لفظة "في" مستعملة في معانٍ كثيرة الاختلاف لا يجمعها معنى محصل نوعي، أو جنسي، فيحتاج في التخصيص بأحد المعاني إلى قرينة، فقوله تعالى: {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} يشمل بحسب أصل الاستعمال للأحوال القائمة بها - أعراضاً كانت أو صوراً - وللأجزاء المقدارية المركوزة فيها كالكواكب والأفلاك الجزئية والعناصر، والأجزاء المعنوية مثل المادة والصورة والنفس والأبدان، والأمور المتعلّقة بها كالملائكة المدبّرة إيّاها والمحرّكة لها بأمر مبدعها القيّوم، وكالنفوس والعقول المقوّمة لها بقواها المنطبعة والمجردة. فالمراد من لفظة "في" هنا إمَّا جميع هذه المعاني المحتملة أو البعض، فالأول أولى على ما هو سياق الآية كما ذكره القائل، إذ التخصيص خلاف الأصل لاشتمال الجميع على قدر جامع كلّي، وهو مثل إضافة التعلق والارتباط. المطلب الخامس في دلالة هذه الآية على توحيد الأفعال كما مرّت الإشارة إليه إعلم أنَّ بعضهم قد احتجّوا بهذه الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، قالوا: لأنّ قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يتناول كل ما يكون فيهما، ومن جملة ذلك أفعال العباد، فوجب أن تكون منسوبة إليه تعالى انتساب الملك والخلق إلى الملك والخالق، لما مرّ أنّ هذه الإضافة "إضافة الملك والإيجاد" ولاستحالة توارد الموجدين الفاعلين على مفعول واحد بالعدد. وكما أن اللفظ يدلّ على هذا المعنى فالعقل أيضاً يؤكده، لأنّ كل ما سواه فهو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يترجح إلاّ بتأثير واجب الوجود لذاته، وإلاّ لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال. واعلم أنَّ هذا الدليل العقلي جدلي من قبل الأشاعرة الذاهبين إلى تجويز الترجيح من غير مرجح، ولا يمكنهم أن يصححوا عقيدتهم في هذا الباب بهذا الدليل، بل غرضهم إلزام المعتزلة، ومع ذلك فغير تامّ، إذ للمعتزلة أن يمنعوا ذلك بالاستناد إلى أن الممكن يجوز أن يترجح بممكن آخر، وذلك المرجح لإمكانه يترجح إمَّا بممكن آخر او بواجب الذات، وعلى التقديرين لا بدَّ من الانتهاء إلى الواجب بالذات جلَّ اسمه دفعاً للتسلسل أو الدور. فإذن ليس من شرط الممكن أن يكون مرجح ابتداء وجوده ابتداء هو الواجب إذ مجرّد الإمكان لا يقتضي ذلك ولا خصوصية كل ممكن، بل خصوصيّة بعض الممكنات يستدعي الاستناد بالواسطة كالماديات والمتغيرات والمركبات، فإنَّ المركب مثلاً لا بد في وجوده من سبق وجودات الأجزاء لتقوُّمه بها، فلا يمكن أن يكون وجود الكل والجزء في درجة واحدة يكون كل منهما منسوباً إليه تعالى بالجعل والإيجاد من غير توسط، وكذلك أفعال الحيوان - من الإحساس والتحريك - وأفعال النبات - من التغذية والتنمية والتوليد - وكذلك الأفعال القبيحة الإنسانية ومبادئها مثل الحسد، والكبر، والجهل المركب، والشهوة، والغضب، ونظائرها لا يجوز أن تنسب إليه تعالى من دون وساطة المبادئ القريبة لأنَّه منزّه عن الفحشاء والمنكر والبغي. واعلم أنَّ مذهب الأشاعرة ليس من توحيد الأفعال في شيء، ولا أيضاً ما ذهب إليه المعتزلة من كون العباد خالقين لأفعالهم مستقلين في وجودها، بل الحق الصحيح الذي ذهب إليه خواص الإمامية ومحققوهم، ويستفاد من أحاديث الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، ويكون مطابقاً لما عليه متألهة الحكماء والرواقيون: أنَّ فيَّاض الوجود منحصر في الواجب بالذات، والوسائط مكثّرات لحيثيات (تجليات - ن) جوده وجهات فيضه. وادّعى المحقق الطوسي (رضوان الله عليه) اطباق الحكماء على ذلك، وذكر أن ما يوجد في كلامهم من نسبة التأثير والإفاضة إلى بعض الممكنات - المتوسطة بينه تعالى وبين المراتب النازلة - إنما يكون من باب المساهلة في التعاليم في باب كيفية صدور الكثير عن الواحد الحقيقي بحسب الواسطة، من غير أن يكون للوسائط دخل في الإيجاد، بل شأنها مجرّد الإعداد، وتكثير جهات الفيض للواهب الجواد. ويؤيد ما ذكره قول بعض المشائين: الأول يبدع (مبدع - ن) جوهراً عقلياً هو بالحقيقة مبدع، وبتوسطه جوهراً عقلياً وجرماً سماوياً. وقوله بعض توابع الرواقيين: إنَّ النور القوي لا يمكّن الضعيف في الإنارة، فالقوة القاهرة الواجبية لا تمكّن الوسائط لشدة نوريتها وقهرها للكل، ليس شأن ليس فيه شأنه تعالى. وتحقيق هذا المقام أنَّ لكل ممكن ماهية ووجوداً به تتحقق ماهيته وتتحصل والوجود في الجميع معنى واحد بسيط لا اختلاف فيه إلاَّ بالشدة والضعف، والكمال والنقص، وأمَّا الاختلافات النوعية والجنسية بين الممكنات وتخصيص كل منها بنقائص وذمائم وخواص ولوازم فإنَّما هو من جهة ماهياتها، ومراتب إمكاناتها الناشئة من تنزلات الوجود. فالفائض من الواحد الحقيقي والقيُّوم الأحدي هو أمر واحد منبسط على هياكل الممكنات وذلك الأمر هو محصّلها ومخرجها من القوة إلى الفعل ومن العدم إلى الوجود ومن الكمون إلى البروز، فالوجود أمر واحد مجعول للواحد الحق، والمراتب المختلفة بالتقدم والتأخر والأولية (والأولوية - ن) واللحوق ناشئة عن خصوصيات الماهيات الحاصلة من تنزلات الوجود. فالوجود في كل مرتبة يقتضي ماهية خاصة، تلزمها خواص ولوازم حاصلة بلا جعل جاعل وتأثير مؤثر، لأنَّ ماهية لوازمها غير مجعولة، فعين الكلب مثلاً ماهية تقتضي النجاسة العينية من غير جعل وإفاضة يتعلقان بها، وإنَّما الفائض من الباري جلّ ذكره هو وجودها، فليس له تعالى إلاَّ إفاضة الوجود، فإنَّ نفس الوجود هو نور يفيض منه تعالى على القوابل حتى القاذورات والأعيان النجسة - شخصية كانت أو نوعية - ومنشأ تخصصات الأفعال والآثار خصوصيات الأعيان الثابتة التي ما شمّت رائحة الوجود. إذا عرفت هذا فقس عليه أفعال العباد واجعلها وقاية عن نسبة الشرور والآفات إلى الحق الجواد. فهذه صورة المسألة عند هؤلاء الأكابر، وأما البرهان اليقيني (المتعين - ن) المناسب لأهل البحث على هذا المطلب الشريف فهو مثبت في بابه، ليس هنا مجال بيانه، لأنه يطول به الكلام ويخرج عمّا نحن بصدده من المرام. المقالة السادسة في معنى قوله سبحانه: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} وفيه مشاعر: المشعر الأول في معنى "الشفاعة" إعلم أنَّ الشفاعة - أي ما به يصير الشخص شفيعاً - هو نور يشرق من الحضرة الإلهية على جواهر الوسائط بينه وبين النازلين في مهوى البعد والنقصان، به يجبر النقائص الحاصلة من تضاعف (نقائص - ن) الإمكان، فالمتوسطون في (من - ن) سلسلة البدو: هم العقول الفعَّالة، ثم النفوس العمَّالة، ثم الطبايع النقَّالة الكلية. وفي سلسلة العود: الأنبياء، ثم الأولياء، ثم العلماء. فكما أنَّ الأشخاص هناك تتقوم بالطبايع، وهي تتقوم بالنفوس، والنفوس تتقوم بالعقول، ونور الوجود إنَّما يفيض من الحق تعالى على الكل لكن على العقول بالاستقامة وعلى غيرها بالانعكاس من بعض إلى بعض، فكذلك هاهنا يتقوم الناس بحسب الحياة الأخروية والوجود العلمي المعادي بالعلماء، والعلماء بالأولياء، والأولياء بالأنبياء، ونور الهداية الوجود المعادي إنَّما يفيض منه تعالى على جوهر النبوة وينتشر منها إلى كل من استحكمت مناسبته مع جوهر النبوة بالانعكاس لشدة المحبة وكثرة المواظبة على السنن، وكثرة الذكر له بالصلاة عليه، كما قال تعالى حكاية عنه: {أية : فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} تفسير : [آل عمران:31]. ومثال ذلك نور الشمس إذا وقع على الماء، فإنَّه ينعكس منه إلى موضع مخصوص من الحائط لا على جميع الحائط، وإنَّما يختص بذلك الموضع بالانعكاس لمناسبة وضعية مخصوصة بينه وبين الماء توجب تلك المناسبة ارتباطاً له بالنيّر بواسطة الماء في الوضع، وتلك المناسبة مسلوبة عن سائر أجزاء الحائط، وذلك هو الموضع الذي إذا خرج منه خط إلى موضع النور من الماء حصلت منه زاوية متساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من الماء إلى قرص الشمس، وهذا لايمكن إلاَّ في موضع مخصوص من الجدار. ومن هذا المثال يتفطن اللبيب أنَّ المناسبة التي توجب استفاضة الكمال من الله بتوسط النبي ليست أي مناسبة كانت، بل هي المناسبة المخصوصة التي لها جهة اشتراك مع المناسبة التي بين النبي وبين الله كما في المثال، فإنَّ جميع أجزاء الجدار لها نسبة وضعية مع وجه الماء، ومع ذلك لا يستضيء من تلك الأجزاء إلاَّ جزء خاص، وذلك لاتحاد نسبتها إلى وجه الماء مع نسبة وجه الماء إلى الشمس، لكونهما واقعين معاً في سمت سطح واحد عمود على سطح الماء. وهكذا حال نسبة البصر مع الصورة الخارجة التي يراها الإنسان، فإنَّ الخط الخارج من البصر إلى المرآة والمنعكس من المرآة إلى الصورة الخارجة دائماً محيطان بزاوية يكون سطح تلك الزواية قائماً على سطح المرآة، كما يثبت في علم المناظرة وتشهد به التجربة، فكذلك حكم المناسبات المعنوية مع النور الإلهي والوجود القيومي. ومن هنا يظهر معنى قوله (صلّى الله عليه وآله): حديث : من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أبغضني فقد أبغض الله تفسير : فإنَّ المناسبات المعنوية العقلية تقتضي للجواهر المعنوية استفاضة النور العقلي بوسيلة من استولى عليه التوحيد، وتأكدت مناسبته مع الحضرة الأحدية، وأشرق عليه النور الإلهي من غير واسطة، ومن لم يترسّخ قدمه في ملاحظة الوحدانية لتضاعف جهة الإمكانية، وضعف جهة الوحدة وغلبة التجسم، والتثكر، والحجب، لم تستحكم علاقته إلاَّ مع الواسطة، أو مع واسطة الواسطة، فافتقر إلى واسطة، أو إلى وسائط، كما يفتقر الحائط الذي ليس بمكشوف للشمس إلى واسطة المرآة المكشوف للماء المكشوف للشمس. وعند اتحاد الجهة في الارتباط الموجب للشفاعة كما أشرنا إليه يكون حكم الواسطة الثانية في الإشراق والإنارة كحكم الواسطة الأولى من غير تفاوت إلاَّ بالقوة والضعف مع الاتحاد في الماهية، كما أنَّ حكم الواسطة الأولى كحكم النير الحقيقي من غير تفاوت إلاَّ بالأصالة والتبعية، ولهذا قال (صلّى الله عليه وآله): "حديث : من أكرم عالماً فقد أكرمني ". تفسير : وإذا تأمل أحد يعلم أنَّ إلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا أيضاً فإنّ السلطان قد يغمض عن جريمة أصحاب الوزير ويعفو عنهم لا عن مناسبة أصلية بينهم وبين الملك، بل لأنهم يناسبون الوزير المناسب للملك، ففاضت العناية عليهم بالواسطة لا بالأصالة، ولو ارتفعت انقطعت العناية عنهم بالكلية. المشعر الثاني في تعيين الشفعاء ومعنى "الإذن" قد علمت مما سبق من تفسير الشفاعة أنَّ "الشفيع" من يكون يوم القيامة له مناسبة مع رب العالمين ومناسبة بينه وبين العباد المشفوع لهم فتشرق من المولى عليهم رحمته بالواسطة. ومعنى "الإذن" عبارة عن جعله تعالى بعض الممكنات مخصوصاً بالقرب إليه والتوسط بينه وبين من ليس له هذه المرتبة، وذلك التقديم والتأخير إنَّما يكون لأجل استحقاق ذاتي وتافوت جبليّ حاصل لبعض الأعيان والماهيات بالقياس إلى البعض بحسب الفيض الأقدس، وهو ثبوتها في علم الله تعالى قبل وجودها الخارجي مع آثارها ولوازمها، فقوله تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ} استفهام إنكاري، أي: لا يشعف عنده إلاَّ بأمره. وذلك لأنّ الكفرة والمشركين كانوا يزعمون أنَّ الأصنام لهم شفعاء مقرّبون كما أخبر تعالى عنهم بقوله: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر:3]. وقوله تعالى: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس:18] ثم بيّن تعالى أنَّهم لا يجدون هذا المطلب لِمَا علمت أنَّ الشفيع هو الواقع في سلسلة الإيجاد والعلة الطولية دون الأمور الخسيسة الاتفاقية العرضية، فقال: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} تفسير : [يونس:18]. فإنَّ النافع للشيء هو ما يكون مؤثراً في وجوده أو كمال وجوده بنحو من السببية، والضارّ هو عدم ذلك الشيء أو ما يساوقه، فأخبر تعالى هاهنا أنه لا شفاعة عنده إلاَّ من استثناه الله بقوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ونظيره قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً}تفسير : [النبأ:38]. وعلم من هذا أنَّ المأذون للشفاعة أولاً وبالذات ليس إلاَّ الحقيقة المحمدية المسمَّاة في البداية بـ "العقل الأول" و "القلم الأعلى" و "العقل القرآني" عند وجودها الصوري التجردي، وفي النهاية بمحمد بن عبد الله وخاتم الأنبياء عند ظهورها البشري الجسماني، قال: "كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين" "أنا سيد ولد آدم وصاحب اللواء وفاتح باب الشفاعة يوم القيامة". ثم أقرب الأولياء إليه سلفاً وخلفاً بحسب التابعيّة المطلقة هو الحقيقة العلوية المسمَّاة في البداية بـ "النفس الكلية الأوَّلية" و "اللوح المحفوظ" لِمَا أفاده وكتبه القلم الأعلى و "أم الكتاب" الحافظ للمعاني التفصيلية الفائضة عليه بتوسط الروح الأعظم المحمدي {أية : وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} تفسير : [الزخرف:4]. وهو العقل الفرقاني، وذلك عند وجودها التجرّدي. وفي النهاية بعيسى بن مريم وعليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، وهذا عند وجودها البشري الجسماني. ومن جملة المضاهاة الواقعة بينهما (عليهما السلام) أنَّ كلاًّ منهما ممن وقع الشك في إلهيته. وذلك لغلبة أوصاف الوحدة والتجرّد والولاية عليهما. ثم الأقرب فالأقرب من العقول والنفوس الكلية بعد العقل الأول والنفس الأولى، الظاهرة في صور الأنبياء والمرسلين سابقاً وصور الأولياء والأئمة المعصومين لاحقاً سلام الله عليهم أجمعين. ثم الحكماء والعلماء الذين منازلهم دون منازل الأنبياء والأولياء إذا اقتبسوا أنوار علومهم من مشكاة النّبوة والولاية، وإلاَّ فليسوا من الحكماء والعلماء في شيء إلاَّ بالمجاز، وذلك لأنَّ باتّباع الأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم أجمعين، إذ العقل لا يهتدى إليه اهتداءً تطمئن به القلوب ويرتفع عن صاحبه الريب والشكّ، ولا سبيل له في معرفة الحق إلاَّ بأن ينظر في الممكنات ويستدلّ بها على موجدها وهو الحق تعالى، ثم على وحدته ووجوبه وعلمه وقدرته، ولا يعلم من صفاته الثبوتية إلاَّ هذا القدر ومن صفاته التقديسية إلاَّ أنَّه ليس بجسم ولا جسماني ولا زماني ولا مكاني وأمثال ذلك. وليس هذا الاستدلال إلاَّ من وراء الحجب إذ لا يحضر عنده إلاَّ مفهومات ذهنية ومعقولات ثانية لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذا بعينه كمن أراد أن يستغني بمفهوم الحلاوة عن السكر وبمفهوم السلطنة عن السطان، فأصحاب العقول كلهم كالذين قال الله فيهم: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصلت:44]. لأنهم يجعلون الحق بعيداً عن أنفسهم ويكتفون عن ذات الحق الأول ومشاهدة الذوات المقدسة العقلية وملاقاة حقائق أهل الجبروت والملكوت، القاطنين في طبقات الوجود، بمفهومات ذهنية وحكايات مثالية، ومع هذا لا يجري لهم طريق الاستدلال إلاَّ في الذهنيات والكليات التي هي طور العقل، وأما في الأمور التي هي وراء طور العقل من أحوال الآخرة وأحكام البرازخ فيثبت فيها عقولهم ويقف من غير أن يهتدي إليها إلاَّ باتباع الشريعة. ولهذا اعترف شيخهم ورئيسهم بالعجز في إدارك المعاد الجسماني وصرح بأن لا سبيل للعقل إليه إلاّ من جهة تصديق خبر النبوة التي أتى بها سيدنا ومولانا محمد (صلّى الله عليه وآله) ومن هنا يظهر معنى الشفاعة ومعنى كون النبي (صلّى الله عليه وآله) مأذوناً فيها ومعنى كون الشفاعة منحصراً فيه بالأصالة، فإنَّ النجاة من العقاب الدائم لا يمكن للإنسان بحسب الكمال العلمي للقوة النظرية - وهو المراد من الإيمان - إلاَّ باستفاضة الحقائق العلمية من معدن النبوة الختمية صلوات الله على الصادع بها وآله، إمَّا بغير واسطة - كما للأولياء - أو بواسطتهم كما للعلماء - أو بحسب الحكاية والتمثيل كما للعوام المسلمين. قال بعض المحققين من العرفاء: "إنَّ الإنسان الكامل هو سبب إيجاد العالم وبقائه، أزلاً وأبداً، دنياً وآخرة". وقال صاحب الفصوص الحكمية (رضي الله عنه - ن) "فهو الإنسان الحادث الأزلي، والنشء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة". قال بعض الشارحين لكلامه: أما "حدوثه الذاتي" فلعدم اقتضائه من حيث هو هو الوجود، وأما "حدوثه الزماني" فلكون النشأة العنصرية مسبوقة بالعدم الزماني، وأما "أزليته" فبالموجود العلمي، فعينه الثابتة أزلية وبالوجود الروحاني، فلأنه غير زماني متعال عن أحكامه مطلقاً، إليه الإشارة بقول النبي (صلّى الله عليه وآله) "حديث : نحن الآخرون السابقون" تفسير : وأمّا دوامه وأبديته فلبقائه ببقاء موجده دنياً وآخرة. وأيضاً كل ما هو أزلي فهو أبدي وبالعكس، وإلاَّ يلزم تخلف المعلول عن العلة أو التسلسل في العلل، لأنَّ علته إن كانت أزلية لزم التخلف، وإن لم تكن كذلك يجب استنادها أيضاً إلى علة حادثة بالزمان، وحينئذٍ إن كان للزمان فيها مدخل يجب أن يكون معلولها غير أبدي لكون أجزاء الزمان متجددة متصرمة بالضرورة - والفرض بخلافه - وإن لم يكن فيها مدخل فالكلام فيها كالكلام في الأول فيتسلسل، والتسلسل في العلل التي لا مدخل للزمان فيها باطل، وإلاَّ يلزم نفي الواجب. فالأبديات مستندة إلى علل أزلية أبدية، كما أن الحوادث الزمانية مستندة إلى علل متجددة متصرمة، والنفوس الناطقة الإنسانية حدوثها بحسب التعلّق بالأبدان لا بحسب ذواتها، والصور الأخروية كما أنها أبدية كذلك أزلية حاصلة في الحضرة العلميّة، والكتب العقليّة، والصحف النورية، وإن كانت ظهوراتها بالنسبة إلينا حادثة. وأما كونه "كلمة فاصلة" فلتميّزه بين المراتب الموجبة للتكثر والتعدد في الحقائق، وأمّا كونه "جامعاً" فلإحاطة حقيقته بالحقائق الإلهية والكونية كلها علماً وعيناً" انتهى. وأقول: غرض الشيخ الماتن (قدّس سرّه) من قوله: "فهو الإنسان الحادث الأزلي والنشء الدائم الأبدي" هو الذي أرادته الحكماء من قولهم: "العلّة الغائية متقدمة بحسب الوجود العقلي على ما هي علّة له، ومتأخّرة عن وجوده بحسب الخارج" وقد ثبت عندهم أنَّ العقول الفعَّالة لها جهة الفاعلية للأشياء الكائنة، ولها جهة الغائية، فإذا كان روح النبي (صلّى الله عليه وآله) - أي الحقيقة المحمدية - متّحداً مع العقل الأول فيلزم أن يكون أزليّاً وأبدياً من حيث حقيقته، حادثاً من حيث بشريته. أمّا أزليته: فباعتبار مبدئيته للأشياء بحسب صورتها العلمية الثابتة في علم الله. وأمّا أبديّته: فلكونها الثمرة القصوى لوجود الخلائق، أو لا ترى أنَّ جميع الموجودات العنصريّة لها توجّهات وحركات نحو الكمال، فالعناصر تتحرك نحو الجماد والجماد يتوجّه إلى النبات، والنبات إلى الحيوان، وهو إلى الإنسان، وأول الإنسان ذو العقل (هو العقل) الهيولاني، وهو يتوجه في تحصيل الكمال إلى العقل الفعَّال، بعد طيِّ مراتب العقل بالملكة والعقل بالفعل فيصير مرتقياً إلى ما ينزل منها، وذلك العقل الفعَّال صار ثمرة شجرة هذا العالم بعد أن كان بذر هذه الشجرة، فما يكون بذراً صار ثمرة. فانظر إلى حكمة الباري وقدرته كيف ينقل البذر في تقاليب الأطوار إلى أن يبلغ مرتبة الثمار، فيبتدئ أوله وهو بذر يفسد لبّه في الأرض ويفنى عن نفسه في الأماكن الغريبة عن ذاته، يم يستحيل وينتقل بقوّته النامية من حال إلى حال ومن طور إلى طور، حتى ينتهي آخره إلى ما كان أولاً ويصل إلى درجة اللّب التي كان عليها سابقاً مع عدد كثير من نوع ذاته، وفوائد كثيرة وخيرات جمة من فروع ذاته ولوازمها وقشور صفاته، وضروريّات هي أرباح تجارية وفوائد سفره من الأوراق المخضرّة والأغصان المثمرة والأنوار والأزهار، وجميع ما يسقط منه ويضمحل ويفسد، وهي التي بسببها تارة يكون محبوساً عن المراد مقيداً بصحبة الأضداد، وتارة بمخالطتها وحراستها محروساً عن الاضمحلال والفساد، وبمعاونتها وصيانتها مصوناً عن العفونة للمواد، فيخرج من بين فرث تلك الأوراق والحشائش، ودم العروق والأغصان، دهناً خالصاً، ولبّاً صافياً (ذهباً خالصاً ولبناً صافياً - ن) وبذراً سالماً غانماً بإذن الله وثمرة صالحة هي نتيجة المقدمات والانتقالات موجودة باقية أبديّة مع انفساخ أكثرها وزوالها ودثورها. فأحسن إعمال رويّتك بملاحظة هذا التمثيل وتطبيق قرائنه وحمل ألفاظه لتظهر لكل كيفيّة كون الحقيقة المحمديّة سبباً داعياً لوجود العالم، ونتيجة مترتبة عليه، وكل ما كان كذلك كان واسطة لوجود العالم سابقاً ولاحقاً، دنياً وآخرة، فتحقق معنى قوله: "حديث : كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين"تفسير : ، وقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" وقوله: "حديث : نحن الآخرون السابقون"تفسير : فيكون شفيعاً يوم القيامة وسراجاً منيراً وهادياً، كما أنَّه كان وسيلة وداعياً يوم الابتداء. فيلزم مما ذكرنا أن تكون روحه (صلّى الله عليه وآله) أو شيء تعلّقت به القدرة وإن سمي بأسماء مختلفة باعتبارات متكثرة بقوله: "حديث : أول ما خلق الله نوري"تفسير : و "حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : وفي رواية: "العقل"......... وفي رواية: "القلم" وفي رواية: "اللَّوح". قال بعض الكبراء: أول ما خلق الله على الإطلاق ملكاً كرّوبياً يسمى "العقل" وهو صاحب القلم بدليل توجّه الخطاب إليه في قوله: "أقبل" فأقبل ثم قال له: "أدبر" فأدبر كما جاء في الحديث المنقول في كتاب الكافي وغيره، ولمَّا سماه "قلماً" قال له: "إجر بما هو كائن إلى يوم القيامة" فبحسب كل صفة يسمى باسم آخر، فقد كثرت الأسماء المسمّى واحد، فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمّي "درة" و "جوهرة"، كما جاء في الخبر:"حديث : أول ما خلق الله جوهرة مثل درّة فنظر إليها فذابت، فخلق منها كذا وكذا"تفسير : ، وباعتبار نوارنيته وظهوره بذاته وظهور الخلائق به سمّي "نوراً" وباعتبار تجرّد ذاته عن الأكوان وحضوره عند ذاته سمّي "عقلاً بالفعل"، وباعتبار غلبة الصفات الملَكيّة والأخلاق الحسنة سمّي "ملكاً"، وباعتبار تصويره للحقائق مفصلة على ألواح النفوس الناطقة سمّي "قلماً". وإذا أمعنت النظر وجدت كلما وصف به العقل وحكي منه فهو خاصية من خواص روحه - عليه وعلى آله الصّلوات - وهو مثل قوله: "أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل، فأقبل. ثم قال له: أدبر، فأدبر"، وهذا بعينه هو روحه، إذ قال له: "أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين، فأقبل" ثم قال له: "أدبر، فأدبر"، أي: ارجع إلى ربك، فأدبر عن الدنيا وركع إلى ربّه ليلة المعراج ثم قال للعقل: "وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ منك" وفي رواية "أعظم" وهذا هو حاله (صلّى الله عليه وآله) لأنه كان حبيب الله وأحبّ الخلق إليه وأعظمهم عنده، وقوله تعالى للعقل: "بك أعرف وبك آخذ وبك أُعطي وبك أُعاقب ولك أُثيب". فهذا كله حال النبي (صلّى الله عليه وآله)، لأنَّ من لم يعرف النبي بالنبوة والرسالة لم يعرف الله ولو كان له ألف دليل على معرفة الله، كما يعلمه أهل الحق بالإيمان الكشفي الإشراقي - بعد الإيمان الغيبي الاقتدائي التبعي -. فمعنى الحديث عند أهل البصيرة: أنَّ بمعرفتك أعرف أي: من عرفك بالنبوة عرفني بالربوبية وبك آخذ أي: آخذ طاعة من أخذ منك ما آتيته من الدين والشريعة وبك أُعطي أي: بشفاعتك أُعطي درجة أهل الدّرجات، كما روي عنه (صلّى الله عليه وآله): "حديث : الناس محتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم (عليه السلام)" تفسير : وبك أُعاقب وبك أُثيب وذلك لقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران:81]. وذلك لأنَّ الله أخذ ميثاق كل نبي بعثه بأن يؤمن بمحمد ويرضي أمته بالإيمان به ونصرة دينه، فمن آمن به من الأمم الماضية قبل بعثته وبعد بعثته فهو من أهل الثواب، ومن لم يؤمن به من الأولين والآخرين فهو من أهل العقاب، فصح فيه قوله: "بك أُعاقب وبك أُثيب" ومن هاهنا ينكشف قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : لو كان موسى في زمني لا يسعه إلاَّ اتّباعي ". تفسير : فكل ما ذكر في معرفة "الروح الأعظم" فهو حال النبي (صلّى الله عليه وآله)، وناهيك في الاعتقاد بكونه (صلّى الله عليه وآله) متّحد الحقيقة مع العقل الفعَّال والروح الأعظم البرهان من قوله تعالى: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الأحزاب:6]. وقوله في حديث غدير خم مخاطباً لأمته:"حديث : ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه ". تفسير : بيان ذلك: أنَّ المراد بالمؤمنين هم العارفون الذين صارت نفوسهم عقولاً بالفعل، والعقل بالفعل هو الموجود الحقيقي، والحياة العقلية الأخرويّة، والنبي بروحه المقدَّس سبب لوجوداتهم الحقيقيّة، ومبدأ لكمالاتهم العرفانيّة ومنشأ لفيضين (لفيضان - ن) الكمالين الأولي الأقدس والثانوي المقدَّس، وعلّة الشيء أولى بنفس ذلك الشي من نفسه، إذ الشي بالقياس إلى علّته بالوجوب حيث كان بالقياس إلى نفسه بالإمكان، فلو لم يكن روح النبي (صلّى الله عليه وآله) علّة لوجوداتهم الحقيقيّة لم يكن أولى من أنفسهم، فهو الأب الحقيقي لهم ولذلك كانت أزواجه أمّهاتهم مراعاةً لجانب الحقيقة. فهو الوسط بينهم وبين الحق، ومبدأ فطرتهم في سلسلة الافتقار النزولي هو المرجع في كمالاتهم في سلسلة الارتقاء الصعودي، ولا يصل إليهم فيض الحق بدونه، لأنَّه الحجاب الأقدس والتعيّن (المتعين - ن) الأول، فلو لم يكن أولى وأحب إليهم من أنفسهم لكانوا محجوبين بأنفسهم عنه فلم يكونوا ناجين إذ نجاتهم إنَّما هي بالفناء فيه، لأنه المظهر الأعظم. وهذه معانٍ تحتاج إلى تفصيل في المقال، ليظهر جليّة الحال على الذكي المستبصر بأساليب الارتقاء إلى الكمال، بعد تصفية القلب من مشوشات الدنيا وتجلية الذهن والبال، وتحصيل الاستعداد والاتصال بالعقل الفعّال والله الهادي إلى طريق الإصافة في الأقوال والأفعال، وبيده أزمّة الأمور في الآباد والآزال. المشعر الثالث في تعيين المشفوع له وهو كل من صحّت نسبته إليه من فقراء أمته، ولفظة "الصحّة" يشمل الإمكان الذاتي والاستعدادي جميعاً، فالمراد من الأول: المطيعون من أهل الإيمان، ومن الثاني: العاصون من أمّته وإن اقترفوا الكبائر واللّمم ما لم يصر منشأ عصيانهم جهلاً مستحكماً أو ملكة ذميمة راسخة بحيث يمتنع زوالها، فلا تنفعهم شفاعة الشافعين. قال القفّال نصرة لأهل الاعتزال: "إنَّه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير المطيعين، إذ كان لا يجوز في حكمته التسوية بين أهل المعصية والطاعة" وطوّل في بيان ذلك والعجب أنَّ تعلّق ضرب من الشفاعة بأهل المعاصي ليس يقبح عند العقل، والمعتزلة قائلون بالتحسين والتقبيح العقليّين، فكيف يتأتى لأحد منهم أن يدَّعي أن تعلّق الشفاعة والرحمة بأهل الكبائر والعفو عن ذنوبهم قبيح في الحكمة؟ وأمّا التسوية المذكورة فغير لازمة من جهة مجرّد العفو والشفاعة، لأنَّ منزلة الكاملين في العلم والعمل ليس كمنزلة العصاة من أهل الرحمة والشفاعة. وإن أراد أنه لا يجوز التسوية بين المطيع والعاصي في أمر من الأمور فهو جهل محض، لأنه تعالى قد سوّى بينهما في الخلق والحياة والرزق وإطعام الطيّبات وكثير من المرادات. وإن كان المراد أنّه لا يجوز التسوية بينهما في كل الأمور فهو مما لا ينكره أحد، بل الجميع قائلون بموجبه - وكيف لا - والمطيع لا يكون له فزع ولا يكون خائفاً من العقاب، والمذنب يكون في غاية الخوف، وربما يدخل النار ويتألّم مدة مديدة ثم تتداركه الرحمة يخلصه الله عن ذلك العذاب بشفاعة الرسول (صلّى الله عليه وآله). على أن أكثر المعتزلة - وهم البصريّون منهم - ذهبوا إلى أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في العقول، إلاَّ أنَّ السمع دالّ على عدم وقوعه، وإذا كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق العصاة خطأ إلاَّ ما اشتثناه - وهم الراسخون في الأوصاف الذميمة التي هي مبادئ الأعمال القبيحة - على ما هو مبيّن في مقامه، نعم هذا الاستدلال لا يستقيم على مذهب الكعبي إلاَّ أنَّ الجواب ما ذكرناه. فعلم أنَّ هذا القفّال قليل الوقوف على مسلك الاعتزال، ناقص النصيب في علم الكلام، مع رسوخه كالزمخشري في التعصّب لهذا المذهب والمبالغة في المنع عن جود الله في حق أهل الكبائر من الإسلام، والصدّ عن نيل رحمته إيّاهم في دار السلام. ويمكن الجواب عن شبهة القفّال بوجه آخر على طريقة أهل الكلام، وهو أنَّ العقاب حقّ الله وللمستحق أن يسقط حق نفسه بخلاف الثواب فإنّه حق العبد فلا يكون لله تعالى أن يسقطه وهذا الجواب مما ذكره الإمام الرازي وهو من علماء مذهب الأشاعرة، فكأنَّه ذكره على قانون الجدل إلزاماً على المعتزلة، وإلاَّ فالأشاعرة ليسوا قائلين بالاستحقاق في العبد للثواب ولا للعقاب. واعلم أنَّ الناس بحسب العاقبة ستة أصناف، لأنَّهم إمّا سعداء وهم أصحاب اليمين، وإمّا أشقياء وهم أصحاب الشمال، وإما السابقون وهم المقرّبون، قال الله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} تفسير : [الواقعة:7]. الآية. وأصحاب الشمال: إمّا المطرودون الذين حقَّ عليهم القول وهم أهل الظلمة والحجاب الكلي، المختوم على قلوبهم أزلاً كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} تفسير : [الأعراف:179] الآية، وقد روي في الحديث الإلهي الربَّاني: "حديث : خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي"تفسير : . وإمَّا المنافقون الذين كانوا مستعدين بحسب الفطرة، قابلين للنّور في الأصل والنشأة، لكن احتجبت بالرين المستفاد من اكتساب الرذائل وارتكاب المعاصي. وأصحاب اليمين: إمّا أهل الفضل والثواب، ومنهم أهل الرحمة الباقون على سلامة نفوسهم وصفاء قلوبهم، المتبوِّئون درجات الجنّة على حسب استعداداتهم من فضل ربّهم، وإمَّا أهل العفو الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، وهم قسمان: المعفو عنهم رأساً؛ لقوّة اعتقادهم وعدم رسوخ سيئاتهم، والمعذبون حيناً بحسب ما رسخ فيهم من المعاصي حتى خلصوا عن درن ما كسبوا فنجوا، وهم أهل العدل والعفات (العقاب - ن) والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سّيئات ما كسبوا لكن الرحمة تتدراكهم وتنالهم بالآخرة. فهذه أصناف النفوس الإنسانيّة، والجميع محتاجون إلى شفاعة السيّد (صلّى الله عليه وآله) يوم القيامة كما إنَّهم محاجون إلى هدايته في الدنيا، لكن بعضهم ممتنع القبول للشفاعة في العقبى كما للهداية في الأولى، وبعضهم ممكن القبول للشفاعة لهم بالإمكان العام الشامل للضرورة والإمكان الذاتي والاستعدادي قريباً كان أو بعيداً. وتفاصيل هذه الأمور وبيانها بالبرهان مما يطلب في كتب أهل الكشف والعرفان، والله وليس الهداية والإتقان. المقالة السابعة: في قوله سبحانه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} وفيه مسائل: المسألة الأولى في العلم "العلم" يطلق على معان بعضها من باب الكيف، وبعضها من باب الإضافة وبعضها من مقولة المعلوم. أمّا الأول: فهو حال بها تتميّز الأشياء عند العقل. وأمّا الثاني: فهو النسبة التي بين العالم والمعلوم يعبّر عنه في لغة الفرس بـ "دانستن" وقيل: العالمية عبارة عن اتحاد الشيء مع مفهوم هذا المشتق، أي "العالم" ومفهومه كسائر المشتقات أمر بسيط يعبّر عنه في الفارسية بـ "دانا" والذات والنسبة خارجتان عن مفهوم المشتق. وأمّا الثالث: فهو الصورة الموجودة للشيء المجرّد عن المادة تجريداً تامّاً أو ناقصاً. فالتامّة في التجريد ما يكون مجرّداً عن المادة ولواحقها وإضافتها جميعاً - إمَّا بحسب الفطرة أو بسبب تجريد مجرّد يجردها - فعلى أي الوجهين يكون معقولاً كليّاً أو شخصياً، معقولاً لغيره أو لنفسه. والناقصة في التجريد ما يكون مجرّداً عن المادة فقط دون لواحقها أصلاً - فيكون محسوساً - أو عنها وعن بعض لواحقها دون بعض آخر - فيكون متخيّلاً - أو عنها وعن لواحقها جميعاً دون إضافتها - فيكون موهوماً -. والمشهور أنَّه من باب الكيف وهو خطأ، بل قد يكون جوهراً بحسب الماهية والوجود جميعاً كعلم المجرد بذاته أو بحسب الماهية دون الوجود كعلمه بغيره من الطبايع الكليّة الجوهريّة، فإنّها جواهر الماهيّة المعلومة الذهنيّة، عرض بحسب كونها حالة علميّة شخصية خارجية وقد يكون مجرّد الوجود القائم بذاته غير داخل تحت مقولة أصلاً، وهو علم الواجب لذاته بذاته وبجميع ما عداه علماً إجمالياً، فإنَّ ذاته تعالى لكونه في غاية التجرّد - لتجرّده عن التعلّق بغيره، سواء كان ماهية أو أمراً مبايناً يكون (لكونه - ن) حاصلاً لذاته حصولاً واجباً بالذات، إذ لا مغايرة لا ذهناً ولا عيناً - فيكون عاقلاً لذاته، ولما كانت ذاته بذاته مبدأ جميع الممكنات فيكون علمه بذاته مبدأ العلم بجميع الممكنات، إذ العلم التام بالعلّة التامة يوجب العلم التام بالمعلول، ولما كانت ذاته وعلمه بذاته - وهما العلّتان - شيئاً واحداً فتكون ذوات المجعولات ومعلوميتها له تعالى شيئاً واحداً. فتلك الذوات بأنفسها علم ومعلوم له تعالى، وهي من حيث كونها شخصاً واحداً له صورة واحدة علمية معلوم له تعالى بعلم واحد، متقدم عليها ومقارن بها، ومن حيث كونها أموراً متكثرة متفاصلة يعلمها بعلوم تفصيلية بعضها متقدم وبعضها متأخر ولها مراتب: أولها: نفس ذاته تعالى، فإنَّه علم تفصيلي بذاته وعلم إجمالي بما عداه بمعنى أنَّ نسبته إليها نسبة صورة الشيء التي بها قوامة وتمامه، ونسبتها إليه نسبة الحكاية إلى المحكي عنه لكونها مظاهر أسمائه، وقد مرّت الإشارة أيضاً إلى أنّ الأعيان الثابتة مظاهر أسمائه المتكثرة، وأسماؤه على كثرتها تفصيل مسمّى لفظ "الله" ومعناه الكلي، وهو مع كليتها عين ذاته الأحدية المتشخصة بنفسها، لكونه بحت الوجود القائم بذاته. وثانيها: مرتبة "القلم" وهو العالم العقلي المحيط على الجميع إحاطة كليّة إجمالية. وثالثها: مرتبة اللَّوح المحفوظ المسمّى بـ"أم الكتاب" المشتمل على الصورة الكلية على سبيل التفصيل، وعالمها "عالم القضاء الإلهي" الذي جرى عليها القلم إلى يوم القيامة. ورابعها: مرتبة لوح المحو والإثبات، وهي مرتبة الصور المثالية للكائنات بأسرها، المنطبعة أو المتعلقة بالنفوس الجزئية الفلكية، المترائية في مرايا أجرامها الصافية، معيَّنة مقرونة بمخصصاتها الزمانية والمكانية على نحو جزئي. وخامسها: مرتبة الصور الخارجية المادية. فالواجب يعلم بنفس ذاته جميع هذه المراتب - على كثرتها وتفاصيلها الكلية والجزئية - بعين تلك الصور ومحيط بها على الوجه المقدس عن الزمان والمكان حتى المرتبة الأخيرة مع تغيّرها وتجددها، فإنّ الصورة الواقعة وإن كانت في نفسها من حيث كونها مغشاة بأغشية هيولانية محسوسة لا معقولة، إلاَّ أنَّ إحاطته تعالى بها من جهة قيوميتها، ومشاهدته إياها من جهة مشاهدة أسبابها ومقوماتها المؤدية إليها، لا من جهة انفعال وتأثير منها له تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً. فالمعلومات الجزئية المتغيرة مع جزئيتها وتغيرها وفسادها معلومة له تعالى على وجه ثابت دائم، مصون عن التغير والفساد وهذا مما يحتاج دركه إلى لطف قريحة. المسألة الثانية في مرجع ضمير الجمع الضمير لما في السماوات وما في الأرض، لأنَّ فيهم العقلاء، فغلبوا، أو لما دلَّ عليهم "من ذا" من الملائكة، والأنبياء، والعالمين، والأولياء، والصالحين، والشهداء، أو للمأذونين منهم في الشفاعة خاصة، ويحتمل أن يكون للإنسان أو للحاضرين من أمته (صلّى الله عليه وآله). المسألة الثالثة في أنَّ القبْلية والبعْدية المستفادتين من الكلام بأي وجه كانتا؟ قد ذكر المفسِّرون فيهما وجوهاً: منها: أنه يعلم ما بين أيديهم أي ما كان قبلهم من أمور الدنيا وما خلفهم أي ما كان بعدهم من أمور الآخرة عن مجاهد وعطا والسدّي. ومنها: يعلم ما بين أيديهم يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها وما خلفهم يعني الدنيا، لأنّهم يخلفونها وراء ظهورهم عن الضحَّاك والسدي. ومنها: يعلم ما بين أيديهم من السماء إلى الأرض، وما خلفهم يريد ما في السماوات عن ابن عباس رواه عطاء. ومنها: ما ذكره الرازي في الكبير: يعلم ما بين أيديهم بعد انقضاء آجالهم وما خلفهم أي ما كان من قبل أن يخلقهم. ومنها: ما فعلوا من خير وشرّ وما يفعلونه بعد ذلك. ومنها: ما ذكره نجم الدين الداية في تفسير المسمى بـ "بحر الحقائق": يعلم أي الذي يشفع عنده وهو محمد (صلّى الله عليه وآله)، لأنه مأذون في الشفاعة أصالة كما مرّ تحقيقه - ما بين أيديهم - من أوليات الأمور ومقدماتها قبل خلق الخلائق، وهو عالم الأرواح التي خلقها الله قبل الأجساد بألفي عام - وما خلفهم - من أحوال القيامة وأهوالها، وفزع الخلق، وغضب الرب، ويطلب الشافعة من الأنبياء، وقولهم "نفسي، نفسي" ورجوعهم بالاضطرار. أقول: ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يكون المراد مما بين أيديهم صور المعلومات الجزئية الحسية أو البديهيات، وما خلفهم صور المعقولات الكلية أو النظريات؛ لتقدم الأولى وتأخر الثانية بالقياس إلى الإنسان، وعدم حصول الثانية له إلاَّ بوسيلة سبق الأولى، كما قيل "من فقد حسّاً فقد علماً". وحاصله: أنه تعالى عالم بجميع الأشياء - جزئية كانت أو كلية - ومن جملتها الشافع والمشفوع له، والجهة التي بها يستحق الشفعاء للشفاعة، والمشفوع لهم للاستشفاع دون غيره، حتى أنَّ الشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أنَّ لهم من الطاعة ما يستحقون هذه الدرجة الرفيعة، والمنزلة العظيمة عند الله سبحانه، ولا يعلمون أنَّه سبحانه هل صيّرهم مأذونين في الشفاعة أم لا؟ بل يستحقون المَقت والزَّجر فإنَّ العزة لله جميعاً، والممكن بحسب ذاته متخمّر من الكدورة والظلمة المنشأة عن ماهيته الإمكانية، وإنَّما المنوِّر لها والمخرج إياها من العدم والإبهام إلى الوجود والتحصيل، ومن القصور والنقصان إلى التمام والتكميل، هو الحق تعالى القيُّوم بذاته، الذي يعطي نور الوجود لما يشاء - كل بحسبه - ويصطفي من الملائكة والبشر رسلاً وأنبياء، ويكسيهم كسوة العزَّة والبهاء والقدرة والغنى، ومنزلة الهداية والشفاعة في الأولى والعقبى. المقالة الثامنة: في قوله سبحانه: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} وفيه إشارات: الإشارة الأولى قال الرازي في الكبير: "إن المراد من "العلم" هنا. "المعلوم" كالخلق بمعنى المخلوق، وفي الأدعية: "اللَّهمَّ اغفر لنا علمك فينا" أي: معلومك. أو لا ترى أنَّه إذا ظهرت آية عظيمة قيل: "هذه قدرة الله" أي مقدوره، والمعنى: أنَّ أحداً لا يحيط بمعلومات الله تعالى". أقول: لمَّا علم في القرينة السابقة أنَّ جميع الموجوات - سواء كانت كليّة أو جزئية، معقولة أو محسوسة، صوراً علمية أو محالاً إداركية، أو آلات ومشاعر - حاضرة عنده تعالى بحيث يكون نفس وجودها في أنفسها نفس علميتها ومعلوميتها له تعالى من غير تضاعيف الصور الإداركية، فجميع الموجودات يكون معلوماً - أي صوراً علمية ومعلومات بأنفسها لا بصورة مستأنفة أخرى - فإذا كان الأمر كذلك تكون العلوم كلها معلوماً له تعالى، والمعلومات كلها معلومات وعلوماً له تعالى معاً، فكل ما يعلمه أحد منّا يكون بعضاً من علومه تعالى - سواء كانت علوماً لنا أو معلومات -. فحينئذٍ لا يُحتاج إلى ارتكاب المجاز، لكن لمَّا كان العلم عند هذا القائل مجرّد الإضافة احتاج إلى ذلك؛ لأنّ الإحاطة لا تتعلق بالإضافة، ولا التبعيض يناسبها. الإشارة الثانية إنهم لا يعلمون الغيب إلاَّ من جهة إطلاعه تعالى بعض ملائكته، أو أنبيائه على بعض الغيب، كما قال: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} تفسير : [الجن:26 - 27]. الإشارة الثالثة إنَّه لمّا ثبت أنَّ لعلمه تعالى مراتب بعضها متقدم على بعض وعلّة له، وبعضها متأخر عن ومعلول له، والمتأخرات عين ذوات الأشياء فيكون علمه تعالى بذوات المجعولات - التي هي من مراتب علمه بوجه - علماً فعليّاً، وهو المشيئة الإلهية أيضاً، لأنَّ علمه الذي هو في مرتبة ذاته عين إرادته التي هي في تلك المرتبة بالذات، ويعبّر عنها بالمشيئة الذاتية، وكذا كل مرتبة من مراتب علمه عين إرادته في تلك المرتبة، إذ مراتب الإرادة على وزان ما علمت في مراتب العلم، فلا محالة تكون علوم غيره "معللة عن مشيئته الأصلية فلذا قال: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} أي بسبب مشيئته لأنّ "الباء" سببية و "ما" مصدرية، لا أنَّها صلة "يحيطون" كما يتبارد على الأذهان أولاً، وإن كان له وجه أيضاً، لأنَّ ما ذكرناه ألطف وأربط بما سبق وأليق بكلام الحق، لدلالته على أن مشيئته سبب لعلومهم، لا أن متعلقها متعلق علومهم. الإشارة الرابعة إنَّ المناسبة بين الشيء والمشيئة مما تحقق مذهب القائلين بالجعل البسيط بمعنى أنّ الجاعل بهويته وشيئيته علَّة لهويته المجعولية وشيئيته والآية مشعرة بذلك لإشعاره بأنه تعالى بمشيئته التي هي ذاته وعين علمه بذاته، يفيد شيئية علمه الذي هو عين معلومه، فتكون ذاته مشيّئ الأشياء ومذوت الذوات ومحقق الحقائق - كما عليه الرواقيون من الحكماء - بل ذات الذوات وحقيقة الحقائق كما عليه المكاشفون الواصلون من العرفاء. الإشارة الخامسة أن يكون ضمير الجمع في "ولا يحيطون" راجعاً إلى أهل المحبة والولاية، الواصلين إلى مقام الاستغراق والمشاهدة، فيشاهدونه تعالى بالمشاهدة العقلية ويشاهدون الأشياء بنور ذاته، فيكون الحق لهم سمعاً وبصراً كما وقع في الحديث المشهور، فالمعنى: لا يحيطون بشيء من علمه إلاَّ بمشيته التي هي ذاته، فبذاته يعلمون الأشياء وبه يسمعون وبه يبصرون، كما أن به يقدرون على شيء مما كسبوا. وذلك لفنائهم عن هويّاتهم وقصر نظرهم عنها إلى ذاته، وتخلّقهم بصفاته، على ما يعلمه الراسخون في العلم والمعرفة من غير لزوم شيء من المحالات كصيرورة صفاته تعالى - التي هي عين ذاته - صفات العبد، أو حلول ذاته في ذات العبد كما توهمه المحجوبون عن نسبة القيُّومية التي لا يشابهها شيء من النسب، لأنَّها ليست بالحاليّة والمحلية، ولا الاقتران والمزايلة، ولا الاتحاد والمغايرة، ولا المماسّة والمباينة (ولا الماسة أو المناسبة - ن) ولا الملاصقة والمحاذاة، ولا المواصلة أو المفاصلة، بل هي نسبة مجهولة الكنه يعبّر عنها بأمثلة جزئية مقرّبة من وجوه ومبعدة من وجوه لمن يكون من أهل المشاهدة فضلاً عن الذين لا يكونون من أهل المشافهة كأهل الوقت، حيث ليسوا ممن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فليسوا من الواصلين للعين، ولا من السامعين للأثر. المقالة التاسعة: في قوله سبحانه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وفيه لوامع: اللمعة الأولى "الوسع" بمعنى الطاقة، يقال: "وسع فلان الشيء" إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به وبلوازمه، "ولا يسعك هذا" أي: لا تطيقه ولا تحتمله، ومنه قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلاَّ اتّباعي"تفسير : أي: لا يحتمل غير ذلك. اللمعة الثانية "الكرسي" في اللغة: كل أصل يعتمد (يحتمل - ن) عليه وكل شيء تراكب فقد تكارس، من "الكرس" - بالكسر - وهو تراكب الشيء بعضه على بعض وتلبّد جزء منه على جزء. "والكرس": أبوال الدواب وأبعارها يتلبد بعضها على بعض، وقد أكرست الدار: إذا كثرت فيها الأبوال والأبعار يتلبد بعضها على بعض، و "تراكس الشي": إذا تركب ومنه: "الكراسة" وجمعها "الكراريس" لتراكب (لتركب - ن) أوراقها بعضها على بعض، ومنه "الكرسي" الموضوع لهذه الهيئة المعروفة المصنوع لما يجلس لتركب خشباته وقطعه، ويقال للعلماء "كراسي" كما يقال لهم "أوتاد الأرض" لأنّ عليهم الاعتماد وبهم القوام في الدين والدنيا. اللمعة الثالثة في تفسير لفظ الكرسي وغيره من الألفاظ التشبيهية إعلم أنَّ للناس في هذا اللفظ وفي سائر متشابهات القرآن والحديث مسالك: أحدها: منهج أهل اللغة، وأكثر الفقهاء، وأرباب الحديث، والحنابلة، والكرامية وهو إبقاء الألفاظ على مدلولها الظاهر ومفهومها الأول من غير مراعاة التنزيه والتقديس في ذات الله تعالى وصفاته. وثانيها: منهج أرباب العقل والتدقيق، وهو تأويل الألفاظ على وجه تطابق قوانينهم النظرية ومقدماتهم العقلية تحفّظاً على تقديسه تعالى، وتنزيهه عن صفات الإمكان ونقائص الأكوان. وثالثها: منهج الراسخين في العلم والإيقان، وهو إبقاء الألفاظ على مفهوماتها الأصلية من غير تصرف فيها، لكن مع تحقيق تلك المفهومات وتجريد معانيها عن الأمور الزائدة، وعدم الاحتجاب عن روح المعنى بسبب اعتياد النفس بهيئة مخصوصة يتمثل ذلك المعنى بها غالباً. مثلاً لفظ "الميزان" موضوع لما يوزن به الشيء، وهو أمر مطلق عقلي هو بالحقيقة روح معناه وملاك أمره من غير أن يشترط فيه التخصص بهيئة مخصوصة، وكل ما يقاس به شيء بأي خصوصية كانت، حسية كانت أو عقلية يصدق عليه أنه ميزان، فالمسطرة والشاقول والكونيا والأسطرلاب والذراع وعلم النحو، والعروض، والمنطق، والعقل كلها مقاييس وموازين بها تقاس وتوزن الأشياء، ولكل منها وزان ما تناسبه وتجانسه. فالمسطرة ميزان الخطوط المستقيمة، والشاقول ميزان الأعمدة على وجه الأرض، والكونيا ميزان ما يوازي الأفق من السطوح، والأسطرلاب ميزان الارتفاعات وغيرها، والذراع ميزان كميّة المقادير الخطية، والنحو ميزان إعراب اللفظ وبنائه على عادة العرب، والعَروض ميزان كميّة الشعر، والمنطق ميزان صحيح الفكر، والعقل ميزان الكل. فالكامل العارف إذا سمع لفظ "الميزان" لا يحتجب عن معناه الحقيق بما يكثر إحساسه ويتكرّر مشاهدته من الأمر الذي له كفتان وعمود ولسان،وهكذا حاله في كل ما يسمع ويراه، فإنَّه ينتقل إلى فحواه، ويسافر إلى روحه ومعناه، وباطنه وأخراه، ولا يتقيّد بظاهره وأولاه، وصورته ودنياه. وأمَّا المقيَّد بعالم الصورة فلجمود طبعه، وخمود ذهنه، وسكون قلبه إلى أول البشرية وإخلاد عقله إلى أرض المحسوسية، يسكن إلى أوائل المفهوم ويطمئن إلى مبادئ العقول، ولا يسافر عن مسقط رأسه ومنبت حسه، ولا يهاجر من بيته إلى الله ورسوله حذراً من أن يدركه الموت المزيل للصورة الحسية قبل الوصول إلى عالم المعنى، وذلك لعدم وثوقه بما وعده الله ورسوله حقّاً، وقلة تدبره في معنى قوله سبحانه: {أية : فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء:100]. والحاصل: أنّ الحق الحقيق بالتصديق عند أهل الله وأرباب الحقيقة والتحقيق هو حمل الآيات والأحاديث على مفهوماتها الأصلية من غير تأويل - كما ذهب إليه محققوا أئمة الحديث وعلماء الأصول والفقه - لكن لا على وجه يستلزم التشبيه والنقص والتجسيم في حقه تعالى وصفاته الإلهية. قال بعض الفضلاء: المعتقد إجراء الأخبار على هيأتها من غير تأويل ولا تعطيل. أقول: مراده من "التأويل" حمل الكلام على غير معناه الموضوع له، "والتعطيل" هو التوقّف في قبول ذلك المعنى، وأكثرهم على أنَّ ظواهر معاني القرآن والحديث حق وصدق، وإن كانت لها مفهومات ومعانٍ أُخر غير ما هو الظاهر، كما وقع في كلامه (صلّى الله عليه وآله):"حديث : إنَّ للقرآن ظهراً وبطناً وحدّاً ومطلعاً" تفسير : كيف ولو لم تكن الآيات والأخبار محمولة على ظواهرها ومفهوماتها الأولى من غير تشبيه وتجسيم لمَا كانت فائدة في نزولها وورودها على الخلق كافة، بل كان نزولها موجباً لتحيرهم وضلالهم وهو ينافي الرحمة والحكمة. اللمعة الرابعة في نقل وجوه المعاني بحسب كل منهج فمن المنهج الأول: إنّه جسم عظيم يسع السماوات والأرض من جهة الظرفية والإحاطة المقدارية. ثم القائلون بهذا المعنى اختلفوا: ففرقة ذهبوا إلى أن الكرسي هو نفس العرش، وهما جسم واحد - وبه قال الحسن - واستدلّوا بأنَّ "السرير" قد يوصف بأنَّه عرش لقوله تعالى: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل:23] {أية : نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} تفسير : [النمل:41] {أية : قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ}تفسير : [النمل:42] وقد يوصف بأنَّه كرسيّ: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} تفسير : [ص:34] ولكون كل منهما يصلح للتمكن. وفرقة منهم ذهبوا إلى أنَّ كلا منهما غير الآخر، ثم اختلفوا: فمنهم من قال: إنَّه سرير دون العرش وفوق السماء السابعة وقد روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) رواه الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي (طاب ثراه) عنه (عليه السلام) مرفوعاً في مجمع البيان وقريب منه ما نقل عن عطاء أنَّه قال:"ما السماوات والأرض عند الكرسيِّ إلاَّ كحلقة في فلاة، وما الكرسي عند العرش إلاَّ كحلقة في فلاة". وقال آخرون: إنَّه تحت الأرض وهو منقول عن السدي. ومنهم من قال: إن السماوات والأرض جميعاً على الكرسيِّ، والكرسيِّ تحت الأرض كالعرش فوق السماء. وروى الأصبغ بن نباتة أنَّ عليّاً (عليه السلام) قال: "السماوات والأرض وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي، وله أربعة أملاك ويحملونه بإذن الله، ملَك منهم في صورة الآدميين وهي أكرم الصور على الله وهو يدعو الله ويتضرّع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لبني آدم، والملَك الثاني في صورة الثور وهو سيد البهائم وهو يدعو الله ويتضرّع إليه ويطلب الشفاعة والرزق للبهائم، والملَك الثالث في صورة النسر وهو سيد الطيور وهو يدعو الله ويتضرّع إليه ويطلب الشفاعة والرزق للطيور، والملَك الرابع في صورة الأسد وهو سيد السباع وهو يدعو الله ويتضرع إليه وطلب الشفاعة والرزق لجميع السباع، قال: ولم يكن في جميع الصور صورة أحسن من الثور ولا أشدّ انتصاباً منه، حتى اتّخذ الملأ من بني إسرائيل العجل وعبدوه، فخفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياءً من الله أن عبدوا من دون الله بشيء يشبهه وتخوف أن ينزل به العذاب". واعلم أنَّ هذا المنقول عنه (عليه السلام) حكمه حكم المتشابه من القرآن في باب قصور الفهم (الفهوم - ن) عنه وتحيّر العقول في دركه، لأنّه كلام صدر عن معدن الولاية والتوحيد والعرفان، ولا يعرفه إلاَّ الراسخون في علم الأديان والله أعلم. ومن أهل الهيئة من ذهب إلى أنَّ الفلك الثامن هو الكرسي، والعرش هو مجموع الثمانية، يتعلق به نفس تحركه بالحركة السّريعة اليوميّة، وبه قال العلاّمة الطوسي طاب ثراه. وقال الفخر الرازي في الكبير: "إعلم أنَّ لفظ الكرسي ورد في هذه الآية وجاء في الأخبار الصحيحة أنَّه جسم عظيم تحت العرش وفوق السماء السابعة ولا امتناع في القبول فوجب القبول، وأمّا ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنّه قال: "موضع القدمين" ومن البعيد أن يقول ابن عباس موضع قدمي الله عزَّ وجلَّ وتقدّس عن الجوارح والأعضاء بالقواطع البرهانية الدالّة على نفي الجسمية، فوجب ردّ هذه الرواية أو حملها على أن المراد أنَّ الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم، أو ملك آخر عظيم القدر عند الله". هذا كلامه وفيه موضع نظر علمي، وهو أنَّه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته عن وصمة التجسم وقبول الموجب للانعدام، فكذلك يجب تنزيه فعله الخاص وأهل القُرب والمنزلة عنده، فإنَّ انقسام المعلول القريب مستلزم لانقسام العلة المفيضة إياه، ولهذا حكموا بأن الأمر الثابت القار الذات - كالطبيعة - لا يكون علة لأمر متغير الذات غير قار - كالحركة - إلاّ ويلحقه ضرب من التغير لئلا يلزم فقدان المناسبة بين العلة والمعلول والقريب. فهكذا لا بدَّ في صدور المتكثّرات، والمغيّرات، والمنقسمات من المبدإ الأعلى الذي في غاية الوحدة والبساطة والتجرّد من متوسّط روحاني غير جسماني، ليكون واسطة بين الباري تعالى وعالم الأجرام، بل بينه وبين عالم النّفوس المتوسطة بين الروح الأعظم وعالم الأجرام، فإذا كان كذلك يكون إثبات الأعضاء مستحيلاً عليه كما استحال على مبدعه. ثم العجب تجويز ذلك عليه مع تسميته "روحاً أعظم" فإنَّ الروحانية تنافي التجسم، ولا أقل تنافي كون الشيء ذا أعضاء متمايزة في الأوضاع متخالفة في الصفات، على أن تسمية الأطباء الجسم اللطيف البخاري المتشابه "روحاً" إمّا على ضرب من التجوّز والتشبيه البعيد، أو بحسب اشتراك لفظ اللطافة بين المعنى الذي يوجد في الجسم - وهو رقّة القوام أو عدم الحجاب عن البصر - وبين المعنى الذي يوجد في المجردات، وهو عدم حجابها عن التعقل، أو نفوذ تأثيرها فيما دونها، على أنَّ أعظميّة الرّوح تنادي بانتفاء كونه روحاً حيوانياً. ومن المنهج الثاني أقوال ثلاثة: القول الأول ما اختاره القفَّال، وهو أن المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه. وتقريره أنَّه تعالى خطاب عباده في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم، فمن ذلك أنّه جعل الكعبة بيتاً له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم، وذكر في الحجر الأسود "أنَّه يمين الله في أرضه" ثم جعل موضعاً للتقبيل كما يقبّل الناس أيدي ملوكهم، وكذلك ما ذكر في محاسبته العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيّين والشهداء ووضع الموازين، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً فقال: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه:5] ثم وصف {أية : عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} تفسير : [هود:7] ثم قال: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} تفسير : [الزمر:75] وقال: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة:17] وقال: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ} تفسير : [غافر:7]. ثمّ أثبت لنفسه كرسياً فقال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}. وإذا عرفت هذا فنقول: كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه من العرش والكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر، ولما توقفنا هاهنا على أن المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بأنّه منزّه عن أن يكون في الكعبة، فكذا الكلام في العرش والكرسي انتهى كلام القفَّال. وقد استحسنه كثير من العلماء المفسّرين، وتلقاه بالقبول جمّ غفير من الفضلاء المعتبرين، منهم الزمخشري والرازي والنيشابوري والبيضاوي. أما الزمخشري فحيث قال: وما هو إلاّ تصوير لعظمته تعالى وتخييل فقط، ولا كرسي، ثمَّ ولا قعود، ولا قاعد، كقوله: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67] من تصوير قبضة وطي ويمين، وإنما تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي ألا ترى إلى قوله: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} تفسير : [الأنعام:91] - انتهى - وهذا بعينه خلاصة كلام القفَّال. وأما الرازي فحيث قال مشيراً إلى ما ذكره: "وهذا جواب متين". وأما النيشابوري فحيث قال: "المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه، ولا كرسيّ ثَمَّة ولا قعود ولا قاعد، كما اختاره جمع من المحققين كالقفَّال والزمخشري، وتقريره أنَّه تعالى يخاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بكذا وكذا" وأخ في إيراد العبارة المنقولة عن القفَّال بعينها إلى آخرها فعلم من ذلك كونه معتقداً لهذا الكلام حيث نقله تماماً من غير أن يسنده إلى قائله، ووصف المختارين لمؤداه بالمحققين. وأمّا القاضي فلقوله: "هذا تصوير لعظمته وتمثيل مجرّد، ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد". فقد علم أنَّ هؤلاء الفضلاء المفسّرين البارعين من مذهبي الأشعريّة والاعتزال كلهم اقتفوا أثر كلام القفَّال وظني أنَّ ما ذكره القفَّال واستحسنه هؤلاء المعدودون من أهل العلم والكمال، غير مرضي عند المهيمن المتعال، ورسوله المبعوث لهداية الخلق ونجاتهم من الضلال، من حمل هذه الألفاظ القرآنية ونظائرها المذكورة في الكتاب والسنَّة على مجرد التخييل والتمثيل، من غير حقيقة دينية وأصل إيماني، بل هو قرع باب السفسطة والتعليل، وسدّ باب الاهتداء والتحصيل في آيات التنزيل، إذ يتطرّق تجويز مثل هذه التخييلات والتمثيلات من غير حقائق دينية [إلى] سدّ باب الاعتقاد بالمعاد الجسماني، وعذاب القبر، والصراط، والحساب، والميزان، والجنان، والنيران، والحور، والغلمان وسائر المواعيد الشّرعية، إذ يجوز لأحد - على التقدير المذكور - أن يحمل كلاًّ من تلك الأمور على مجرد التخييل من غير تحصيل حقيقة مخصوصة. فكما جاز أن يحمل تعظيم العرش والكرسي، وحرمة بيت الله، وتقبيل الحجر الأسود، وما في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة، والنبيين، والشهداء، ووضع الموازين، على مجرد التخييل، والتخويف، والإرجاء، والإنذار، والترغيب، والترهيب، من غير أصل حقيقي محقق في الواقع فليجز مثل ذلك في الجنة والنار، والرضوان والنعيم، والزقوم والحميم وتصلية جحيم. بل الحق المعتمد إبقاء صور الظواهر على هيأتها وأصلها إلاَّ لضرورة دينية إذ ترك الظواهر يؤدي إلى مفاسد عظيمة، نعم إذا كان الحمل على الظواهر مناقضاً لأصول صحيحة دينية، وعقائد حقة يقينيّة، فينبغي للإنسان حينئذٍ أن يتوقف فيها، ويحيل علمه إلى الله ورسوله والأئمة المعصومين من الخطأ، الراسخين في العلم (عليهم السلام)، لقوله تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران:7] ثم يترصد الرحمة من عند الله، ويتعرض لنفحات كرمه وجوده رجاء أن يأتي الله بالفتح، أو أمر من عنده، أو يقضي الله أمراً كان مفعولاً، امتثالاً لأمره فيما روي عنه (صلّى الله عليه وآله): "حديث : إنَّ لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها ". تفسير : ثم إنَّ الذوق الصحيح من الفطرة السليمة شاهد بأنّ متشابهات القرآن ليس المراد منها مقصوراً على مجرد أمور جسمانية يعرف كنهها كل أحد من الأعراب والبدويين وعموم الخلق، وإن كان قشور من تلك الأمور مما لكل أحد منهم نصيب منها، وليس المراد أيضاً مجرد تصوير وتمثيل يعلمه كل من له قوة التمييز في الأنظار، ويفهمه كل من يتصرف بعقله في الأفكار بحسب استعمال الصناعة المنطقية في الأبحاث من غير مراجعة إلى سلوك سبيل الله ومكاشفة الأسرار معاينة الأنوار، وإلاَّ لما قال تعالى في باب المتشابه من القرآن: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران:7] ولما قال في الغامض منه: {أية : لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء:83] ولما دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: "حديث : اللَّهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل"تفسير : فإنْ كان علم التأويل أمراً حاصلاً بمجرد الذكاء الفطري، أو المكتسب بطريق القواعد العقلية المتعارفة بين العقلاء لَما كان أمراً خطيراً وخطباً عظيماً، حيث استدعاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالدعاء من الله تعالى لأحب خلقه إليه وهو علي (عليه السلام). وممّا يدلّ على أن أسرار التنزيل والإنزال أجلّ شأناً مما يعلم بقوة تفكر مثل القفَّال وغيره من آحاد المتكلمين وأهل الاعتزال، ما رواه الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني - بسنده المتصل إلى أبي بصير - عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: "نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله". وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمة من بعده (عليهم السلام)". وعن أبي جعفر محمد (عليهما السلام) برواية أبي بصير قال: "سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في هذه الآية: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} فأومأ بيده إلى صدره". فقد تبيّن من هذه الأمور أنَّ فهم متشابهات القرآن لا يتيسر لأحد إلاَّ باقتباس أنوار الحكمة من مشكاة النبوة والولاية، واستضاءة أضواء المعرفة والهداية من جهة إحكام التابعية المطلقة، وتصفية الباطن بالعبودية التامة، واقتفاء آثار الأئمة الهادين، وتتبع أنوار أهالي بيوت النبوة والولاية، وأبواب مدائن العلوم والهداية - صلوات الله عليهم أجمعين - لينكشف على السالك شيء من أنوار علوم الملائكة والنبيين، ويتخلص من ظلمات نقوش أقاويل المتفكرين والمناظرين، وسنسمع أنموذجاً مما وصلنا إليه بنور المتابعة والاقتداء في هذا الباب، ليكون لك مقياس يمكنك أن تنظر من ثقبة أسطرلابه إلى شيء من أنوار عالم الأسرار ومنزل الأبرار. القول الثاني: إنَّ المراد من الكرسي "العلم" فمعنى الآية: وسع علمه السماوات والأرض عن ابن عباس ومجاهد، وروى هذا القول صاحب مجمع البيان الشيخ أبو علي الطبرسي طاب ثراه مرفوعاً عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (عليهما السلام)، وذلك لأنّ موضع العالم هو الكرسي، فسمّيت صفة الشيء باسم مكان ذلك الشيء على سبيل المجاز، أو لأنّ العلم هو الأمر المعتمد عليه والكرسي هو الشيء الذي يعتمد عليه، فجهة الوحدة في المشابهة بينهما هي الاعتماد، فأطلق الكرسي على العلم تسمية للشيء باسم ما يشابهه، ومنه يقال للعلماء "الكراسي" كما يقال لهم "أوتاد الأرض". القول الثالث: وهو معتمد كثير من علماء التفسير، أنَّ المراد من الكرسي "السلطان" و "القدرة" فيكون المعنى: أحاط قدرته السماوات والأرض. أو "الملك" تسمية للشيء باسم محله ومكانه، لأنّ كلا من هذه المصادر قد يستعمل مبنيّاً للمفعول فيكون صفة له، ثم يقال تارة: الإلهيّة لا تحصل إلاَّ بالقدرة والخلق والإيجاد، والعرب تسمي الملك بالكرسي، لأنَّ الملك يجلس على الكرسي، فسمّي الملك باسم مكان الملك. فهذه جملة من الأقوال المنقولة عن العلماء النظّار المتفكرين في كتاب الله بقوة الأفكار، السائرين على أحد المنهجين إلى نيل نتائج الأنظار. ثم لا يخفى على من له تفقّه في الغرض المقصود من الإرسال والإنزال أنَّ مسلك الظاهريين الراكنين إلى إبقاء صور الألفاظ وأوائل المفهومات أشبه من طريقة المأولين بالتحقيق، وأبعد من التصريف والتحريف، وذلك لأنَّ ما فهموه من أوائل المفهومات هي قوالب الحقائق التي هي مراد الله ومراد رسوله. وأمّا التحقيق فهو مما يستمد ويستنبط من بحر عظيم من علوم المكاشفات لا يغني عنه ظاهر التفسير، بل لعلّ الإنسان لو أنفق عمره في استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمدقاماته ولواحقه لكان قليلاً، بل لا نقطع عمره قبل استيفاء جميع لواحقه، وما من كلمة من القرآن إلاَّ وتحقيقها يحوج إلى مثل ذلك، وإنَّما ينكشف للعلماء الراسخين في العلم من أسراره وأغواره بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم، وتوفّر دواعيهم على التدبر، وتجردهم للطلب ويكون لكل عالم منهم حظ - نقص أو كمل - ولكل مجتهد ذوق - كثر أو قلَّ - فلهم درجات في الترقي إلى أطواره وأغواره، وأما الاستيفاء والوصول إلى الأقصى فلا مطمع لأحد فيه، ولو كان البحر مداداً والأشجار أقلاماً فأسرار كلمات الله لا نهاية لها، فنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله. فمن هذا الوجه تتفاوت العقول في الفَهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير الذي ذكره المفسّرون، وليس ما حصل للراسخين في العلم من أسرار القرآن وأغواره مناقضاً لظواهر التفسير، بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه عن ظاهره. فهذا ما نريده لفهم المعاني لا ما يناقض الظواهر، كما ارتكبه القفّال وتبعه غيره من المفسّرين من تأويل "الكرسي" إلى مجرّد تصوير عظمته وتخييل كبريائه، وكذا ما فعله غيره من تأويله إلى مجرد القدرة والسلطان، أو إلى العلم، لأنها كلّها مجازات بعيدة لا يصار إليها، إلاَّ بحسب نقل صريح عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أو عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام). ثم لا ضابط للمجازفات والظنون والأوهام، فلا بدَّ للمفسّر أن لا يعول إلاَّ على نقل صريح، أو على مكاشفة تامّة ووارد قلبي لا يمكن ردّه وتكذيبه وإلاَّ فستلعب به الشكوك، كما لعبت بقوم تراهم أو ترى آثارهم الفكرية من هذه القرون ومن القرون الخالية، وشرّ القرون ما طوي فيه طريق الرياضة والمكاشفة، وانحسم باب الذوق والتصفية، وانسدّ طريق السلوك إلى الملكوت الأعلى بأقدام المعرفة والتقوى، وشاع الجهل، والإصرار، والرعونة، والاستنكار، وطلب الرئاسة، والشهرة عند الناس، والتقرب من السلاطين في هذه الدنيا. فإنَّ هذه توجب سخط الله وسخط الرسول وأولياء الله، وتستلزم الاحتجاب عنه تعالى، والحرمان عن الوصول إليه، والاحتراق بنار القطيعة والطرد والبعد عنه تعالى، والعمى عن مشاهدة الأنوار التي يكاشفها المجردون عن الأغراض النفسانية، الهاربون عن الخلق وعاداتهم ورسومهم الدنيّة إلى الإقبال بشراشر الهمّة إلى الحق، المعترضون لنفحات الله في أيّام دهرهم، المنتظرون لنزول الرحمة على سرِّهم، فهم في الحقيقة الواقفون على أسرار القرآن دون غيرهم، سواء كانوا من الظاهريّين المشبّهين أو من العقلاء المدقّقين، وكلاهما بمعزل عن فهم آيات القرآن، إلاَّ أن الظاهريّين أقرب إلى الصواب من المأولين لما أشرنا إليه من كون مقاصدهم قوالب المعاني القرآنية. فقد ظهر وتبيّن لك أنَّ لأرباب الأفكار التفسيريّة والأفهام القرآنية ثلاث مقامات: فمن مسرف في رفع الظواهر كالقفّال وكثير من المعتزلة انتهى أمرهم إلى تغيير جميع الظواهر في المخاطبات التي تجرى في الشريعة الحقة - من منكر ونكير، وميزان، وحساب، وصراط، وفي مناظرات أهل النار وأهل الجنّة في قولهم: {أية : أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ} تفسير : [الأعراف:50]. وزعموا أنَّ ذلك لسان الحال. ومن غالٍ في حسم باب العقل كالحنابلة أتباع أحمد بن حنبل، حتى منعوا تأويل قول "كن فيكون" وزعموا أنَّ ذلك خطاب بحرف وصوت يتعلّق بهما السماع الظاهري يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كل متكوّن، حتى نقل عن بعض أصحابه أنَّه يقول: حسم باب التأويل إلاَّ لثلاثة ألفاظ: قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : الحجر الأسود يمين الله في الأرض"تفسير : وقوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن" تفسير : وقوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن ". تفسير : ومن العلماء من أخذ في الاعتذار عنه أنَّ غرضه في المنع من التأويل رعاية إصلاح الخلق، وحسم الباب للوقوع في الرفض، والخروج عن الضبط، فإنَّه إذا فتح باب التأويل وقع الخلق في الخرق والعمل بالرأي، فخرج الأمر عن الضبط وتجاوز الناس عن حدّ الاقتصاد. وقال الغزالي: "لا بأس بهذا الزجر، ويشهد له سيرة السلف، فإنَّهم كانوا يقولون "إقرؤوها كما جاءت" حتى قال مالك لما سئل عن الاستواء: "الاستواء معلوم، والكيفيّة مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". وذهبت طائفة إلى الاقتصاد في باب التأويل، ففتحوا باب التأويل في المبدإ وسدوها في المعاد، فأولوا في كل ما يتعلّق بصفات الله من الرحمة، والعلوّ، والعظمة، وغيرها، وتركوا ما يتعلّق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل فيها، وهم الأشعريّة - أصحاب أبي الحسن الأشعري - وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفات الله ما لم يأول الأشاعرة، فأولوا "السمع" إلى مطلق العمل بالمسموعات، و "البصر" إلى العلم بالمبصرات، وأولوا "المعراج" وزعموا أنَّه لم يكن بجسد، وأولوا "عذاب القبر" و "الميزان" و "الصراط" وجملة من أحكام الآخرة، ولكن أقرّوا بحشر الأجساد، والجنّة واشتمالها على المأكولات، والمشروبات، والمنكوحات، والملاذ الحسيّة، وبالنار واشتمالها على جسم محسوس يحرق الجلود، ويذيب الشحوم. ومن ترقيهم إلى هذا الحد زاد المتفلسفون، والطبيعيون، والأطباء فأولوا كلما ورد في الآخرة، وردّها إلى آلام عقلية روحانية، ولذات عقلية روحانية، وأنكروا حشر الأجساد، وقالوا ببقاء النفوس مفارقة إما معذبة بعذاب أليم، وإما منعمة براحة ونعيم لا يدرك الحس، وهؤلاء هم المسرفون عن حدّ الاقتصاد، وحدّ الاقتصاد بين برودة جمود الحنابلة وحرارة انحلال المأولة دقيق غامض لا يطلع عليه إلاَّ الراسخون في العلم والحكمة، والمكاشفون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع الحديثي، ولا بالفكر البحثي". أقول: كما أنَّ اقتصاد الفلك في طرفي التضاد ليس من قبيل اقتصاد الماء الفاتر الواقع في جنس الحرارة والبرودة بل الممتزج، منهما فكذا اقتصاد الراسخين في العلم ليس كاقتصاد الأشاعرة، لأنَّه ممتزج من التأويل في البعض والتشبيه في البعض، وأما اقتصاد هؤلاء فهو أرفع من القسمين، وأعلى من جنس الطرفين، حيث انكشف لهم بنور المتابعة أسرار الأمور على ما هي عليها من جانب الله بنور قذف في قلوبهم وشرح به صدورهم، ولم ينظروا إلى هذه الأمور من السماع المجرد ونقل الألفاظ من الرواة ليقع بينهم الاختلاف في المنقول فلا يستقر فيها قدم ولا يتعين موقف، وأما الذين نحن فيه الآن فكشف الغطاء عن حدّ الاقتصاد فيه يحتاج إلى استئناف مسلك إلهي، ونمط قدسي، وانقطاع عن الرسوم، وتوجه تام إلى الحي القيوم. وأما الأنموذج الذي وعدناك ذكره من طريق العلماء الراسخين - الذين لا يعلم بعد الله ورسوله متشابهات القرآن غيرهم - فهو مما أذكر مثالاً ولمعة منه إن شاء الله، لأنِّي أراك قاصراً عن دركه وعاجزاً عن فهم سرّه وحقيقته، فإنَّه نبأ عظيم وأنتم عنه معرضون. فاعلم أنَّ مقتضى الدين والديانة أنْ لا يأوّل المسلم شيئاً من الأعيان التي نطق بها القرآن، والحديث، إلاَّ بصورها وهيآتها التي جاءت، بل يكتفي بظاهر الذي جاء إليه من النبي والأئمة سلام الله عليهم، ومشايخ المجتهدين رضوان الله عليهم أجمعين، اللَّهم إلاَّ أن يكون ممن قد خصصه الله بكشف الحقائق والمعاني والأسرار، وإشارات التنزيل، وتحقيق التأويل، فإذا كوشف بمعنى خاص أو إشارة وتحقيق قرر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان، لأنَّ ذلك من شرائط المكاشفة،إذ قد مرَّ أنَّ ألفاظ القرآن يجب حملها على المعاني الحقيقية لا على المجاز، والاستعارات البعيدة، وكذا ما ورد في الشرع الأنوَر من لفظ الجنة، والنار، والميزان، والصراط، وما في الجنة من الحور، والقصور، والأنهار والأشجار، والثمار، وغيرها من العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والليل والنهار. ولا يأول شيئاً منها على مجرد المعنى ويبطل صورته، كما فعله في باب الأعيان المعادية كثير من العقلاء المحجوبين بعقهلم وفطانتهم البتراء، التي كانت البلاهة أدنى إلى الخلاص منها، بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائقها ومعانيها. فالله تعالى ما خلق شيئاً في عالم الصورة إلاَّ وله نظير في عالم المعنى، وما خلق شيئاً في عالم المعنى وهو "الآخرة" إلاَّ وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، إذ العوالم متطابقة، الأدنى مثال الأعلى، والأعلى حقيقة الأدنى، وهكذا إلى حقيقة الحقائق. فجميع ما في هذا العالم أمثلة وقوالب لما في عالم الآخرة، وما في الآخرة هي مثل وأشباه للحقائق والأعيان الثابتة، التي هي مظاهر أسماء الله تعالى، ثم ما خلق في العالمين شيء إلاَّ وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان، فلنكتف في بيان حقيقة العرش، وحقيقة الكرسي، بمثال لكل واحد منهما في عالمنا الإنساني. فاعلم أنَّ مثال "العرش" في ظاهر الإنسان قلبه، وفي باطنه هو روحه النفساني، وفي باطن باطنه هو نفسه الناطقة إذ هي محل استواء الروح - الذي هو جوهر قدسي عقلي - عليه بخلافة الله في هذا العالم الصغير. ومثال "الكرسي" في الظاهر هو صدره، وفي الباطن هو روحه الطبيعي الذي هو مستوى نفسه الحيوانية، التي وسعت سماوات القوى الطبيعية السبعة - وهي الغاذية، والنامية، والمولدة، والجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة - وأرض قابلية الجسد كما وسع الصدر محال تلك القوى من الأعصاب والرباطات وغيرها. ثم العجب كل العجب أنَّ العرش مع عظمته وإضافته إلى الرحمن بكونه مستوي له بالنسبة إلى وسعة قلب المؤمن قيل: "إنه كحلقة ملقاة في فلاة بين السماء والأرض" وقد ورد في الحديث: "حديث : لا يسعني أرضي ولاسمائي، بل يسعني قلب عبدي المؤمن" تفسير : وقال أبو يزيد البسطامي: "لو أن العرش وما حواه وقع في زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحسّ به". فإذا علمت هذا المثال، وتحققت بالقول على هذا المنوال، فاجعله دستوراً لك في تحقيق الحقائق وميزاناً تقيس به جميع الأمثلة الواردة على لسان النبوات. فإذا بلغك مثلاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : إنَّ للمؤمن في قبره روضة خضراء ويرحَب له قبره سبعين ذراعاً، ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر"تفسير : . أو سمعت في الحديث عنه (صلّى الله عليه وآله) أنَّه قال في عذاب الكافر في قبره "حديث : يسلّط الله عليه تسعة وتسعين تنّيناً لكل تنين - أي: حية - تسعة رؤوس ينهشونه، ويلحسونه، وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون"تفسير : فلا تتوقف في الإيمان به صريحاً من غير تأويل، ولا تحمله على المجاز أو الاستعارة، بل كن أحدَ رجلين: إمّا المؤمن بظواهر ما ورد في الكتاب والحديث من غير تصرف وتأويل، أو العارف الراسخ في تحقيق الحقائق والمعاني مع مراعاة جانب الظواهر وصور المباني، كما شاهده أرباب البصائر ببصيرة أصح من البصر الظاهري. ولا تكن الثالث بأن تنكر الشريعة الحقة وما ورد فيها رأساً وتقول: "إنها كلها خيالات سوفسطائية، وتمويهات وخدع عامية" نعوذ بالله وبرسوله من مثل هذه الزندقة الفاحشة، ولا الرابع بأن لا تنكرها رأساً ولكن تأوله بفطانتك البتراء، وبصيرتك الحولاء، إلى معانٍ عقلية فلسفية، ومفهومات كلية عامية، فإنَّ هذا في الحقيقة إبطال للشريعة، لأنَّ بناء الشرائع على أمور يشاهدها الأنيباء مشاهدة حقيقية لا يمكن تلك لغيرهم إلاَّ بنور متابعتهم، وإنْ كان منشأ ذلك غاية القوة الباطنية العقلية. فإن كنت من قبيل الرجل الأول فقد أمسكت بنوع من النجاة، لكن لا قيمة لك في الآخرة إلاَّ بقدر همتك في الدنيا، ولا مقدار لك في عالم المعنى إلاَّ على مبلغ علمك بحقائق العقبى، وإذ لا علم فلا رتبة هناك، لأنَّ كمال ذلك العالم هو عالم الحيوان، وقوامه بالنيات الحقَّة والعلوم الباقية، كالعلم اليقيني بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فغير العارف بمنزلة جسد بلا روح، ولفظ بلا معنى، ومع ذلك فالنجاة فوق الهلاك. وذلك أيضاً بشرط سلامة الفطرة عمّا يغيرها من الأغراض النفسانية، وبشرط أن لا يكون فيك استعداد التجاوز عن درجة العوام، وإلاَّ فيكون تقصيرك فيما تستدعيه بقوة استعدادك وسكونك عمّا تطلبه بلسان قابليتك لمرادك موجباً لك سخط الباري في آخرتك ومعادك، وباعثاً لعذابك بانقطاعك عن مبتغاك ومناك. وعلى أيِّ الحالين فليس لك نصيب من القرآن إلاَّ في قشوره، كما ليس للبهيمة نصيب من البُر إلاَّ في قشره الذي هو "التبن". والقرآن غذاء الخلق كلهم على اختلاف أصنافهم، ولكن إغتذاءهم به على قدر درجاتهم، وفي كل غذاء مخ ونخالة وتبن، وحرص الحمار على التبن أشد منه على الخبز المتخذ من اللب، وأنت ونظراؤك شديد الحرص على أن لا تفارق درجة البهائم، ولا تترقى إلى درجة الإنسانية - فضلاً عن الملكية - فدونكم والانسراح في رياض القرآن ففيه متاع لكم ولأنعامكم. وإنْ كنت من قبيل الرجل الثاني فبسبب رسوخ قدمك في تحقيق الدين، وكشف الحق واليقين، وانزعاجك عن درجة الناقصين، وتجاوزك عن مقام الظن والتخمين، تيسر لك أنْ تعرف عرفاناً كشفياً، أو علماً ذوقياً، أنَّ التنين الذي أشار إليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الحديث المذكور، ليس مجرّد تخويف بلا أصل، ومحض تخييل بلا حقيقة، كما يفعله المشعبذون فإنَّ كلام الله وكلام رسوله أعظم وأجل من أن يحمل على مثل هذا المعنى الذي حمله عليه بعض الغافلين المتفلسفين، وأنَّ المزاح والعبث والجزاف كلها ممقوت عند ذوي المجد، حتى قال الشبلي: "الوقت كله جد لا يحتمل المزحة" فكيف كلام الله وكلام رسوله {أية : وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ} تفسير : [الطارق:14]. نعوذ بالله أن أكون من الجاهالين. بل معنى الحديث النبوي إنَّما هو تفسير وشرح لقوله (ص): "حديث : إنَّما هي أعمالكم ترد إليكم" تفسير : (عليكم - ن) وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} تفسير : [آل عمران: 30] بل سرُّ قوله سبحانه: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [التكاثر:5] - إلى قوله -: {أية : ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر:7] أي أنَّ الجحيم باطنكم فاطلبوها بعلم اليقين. بل هو سرُّ قوله تعالى: {أية : يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [العنكبوت:54]. ولم يقل "إنَّها ستحيط" بل قال: هي محيطة بالكافرين وقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} تفسير : [الكهف:29] ولم يقل "يحيط بهم" وهو معنى قول من قال: "إنَّ الجنة والنار مخلوقتان" وقد أنطق الله لسانه بالحق ولعلّه لا يطّلع على سرّ ما يقوله. فإنْ لم تفهم معاني القرآن كذلك فليس لك نصيب القرآن إلاَّ في قشوره، كما ليس للبهيمة نصيب من البر إلاّ في قشره الذي هو التبن، فتكون من قبيل الشخص الأول وهو خرق الفرض. فحينئذٍ نقول: إنَّ هذا "التنين" موجود في الواقع، إلاَّ أنه ليس خارجاً عن ذات الميت، بل كان معه قبل موته لكنه (لكن - ن) لم يحس بلدغه لخدر كان فيه لغلبة الشهوات، فأحس بلدغة بعد موته، وكشف غطاء حياته الطبيعية بقدر عدد أخلاقه الذميمة، وشهواته لمتاع الدنيا. وأصل هذا التنين حب الدنيا، وتنشعب عنه رؤوس بعدد ما تنشعب الملكات عن حب الدنيا من الحسد، والحقد، والعداوة، والبغضاء، والكبر، والرياء والشره، والمكر، والخداع، وحبّ الجاه والمال، والنساء، والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسوَّمة، والأنعام، والحرث، وغير ذلك. وأصل هذا التنين معلوم لذوي البصائر، وكذا كثرة رؤوسه، أما انحصار عدده في "تسعة وتسعين" فإنَّما يقع الاطلاع عليه لهم بنور النبوة والاتباع فهذا التنين متمكن من صميم فؤاد الكافر المنكر للدين، لا لمجرّد جهله بالله، وكفره بل بما يدعو إليه الكفر والجهل، كما قال الله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [النحل:107]. فكل ما يدعو إليه الجهل بالله وملائكته المقدسين وأنبيائه المرسلين (صلوات الله عليهم أجمعين) من محبة الأمور الباطلة الزائلة، فهو بالحقيقة والمعنى تنين يلسعه ويلدغه في أولاه وأخراه - سواء كان مع صورة مخصوصة كما في عالم القبر بعد الموت، أو لم يكن كما في عالم الدنيا قبل الموت -. وعند عدم تمثل هذا الأمر اللذَّاع اللسَّاع على صورة تناسبه لا يعوزه شيء من حقيقة التنين ومعنى لفظ بالحقيقة، إذ اللفظ موضوع للمعنى الكلي وخصوصيات الصور خارجة عمّا وضع له اللفظ، وإن كان اعتياد الناس بمشاهدة بعض الخصوصيات يحملهم على الاقتصار عليه، والحكم بأن ما سواه مجاز كما مرّ في "لفظ الميزان". على أنا نقول: يتمثل هذا التنين للفاسق الخارج عن الدين في عالم البرزخ حتى يشاهده، وينكشف عليه صورته وكسوته، لكن لا على وجه يمكن لغيره - ممكن يكون في هذا العالم بعد - مشاهدة تلك الصور وسائر الصور الأخروية. وبهذا يندفع إنكار المنكر لعذاب القبر، إذ يقول: "إني نظرت في قبر فلان، فما رأيت شيئاً مما ورد في باب عذاب القبر" وذلك لأنَّه في عالم الشهادة، ولا بد لمشاهدة عالم الغيب من الخروج عن غشاوة هذا العالم وغباره، نعم الفاسق قد ينام فيتمثل له حاله في المنام، فربما يرى صورة حيَّة تلدغ صميم فؤاده، لأنَّه بَعُد قليلاً عن عالم الشهادة فتتمثل له حقائق الأشياء تمثّلاً محاكياً للحقيقة، منكشفاً له من عالم الملكوت، والموت أبلغ في الكشف من النوم، لأنَّه أقمع لنوازع الحسّ والخيال، وأبلغ في تجريد جوهر الروح من غشاوة هذا العالم، فلذلك يكون التمثل تامّاً محققاً دائماً لا يزول، فإنه نوم لا تنبّه منه. فكما أنَّ المستيقظ الذي بجنب النائم - إن كان - لا يشاهد الحية التي يلدغ النائم، وذلك غير مانع من وجود الحية في حقه وحصول الألم به في نفسه، فكذلك الحاضر في قبر الميت بالقياس إلى حال الميت الذي يشاهدها في قبره الحقيقي. وهذا ملاك التحقيق في فهم متشابهات القرآن والحديث، وهو مسلك شريف قد ذكره بعض علماء الإسلام كالغزالي في كتبه، إلاَّ أن بيانه بوجه حكمي برهاني، وتصحيحه بأوضاع ومقدمات علمية قطيعة تطابق عليها العقل والنقل، وتقويمه يدفع شبه وأغاليط وهمية ووساوس شيطانية على النظم القياسي المتألف من مواد حقة صحيحة وصور مستقيمة لازمة الإنتاج غير عقيمة الازدواج موكول إلى بعض كتبنا العرفانية المبسوطة، المتكفلة لبيان الأصول الحقة الإيمانية على مبلغ القوة والطاقة والله ولي الإفاضة والإلهام. زيادة كشف وتبيين بل نقول ما من شيء في هذا العالم إلاَّ وهو مثال لأمر روحاني من عالم الملكوت كأنَّه روحه ومعناه، وليس هو هو في صورته وقالبه، والمثال الجسماني مرقاة إلى المعنى الروحاني، ولذلك كانت الدنيا منزلاً من منازل الطريق إلى الله، فيستحيل الترقي إلى عالم الآخرة إلاَّ من مثال عالم الدنيا {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الواقعة:62] "من فقد حسّاً فقد علماً". والقرآن والأخبار مشحونة بذكر الأمثلة من هذا الجنس الذي مرّ ذكره، فانظر إلى قوله (صلّى الله عليه وآله) "حديث : قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن" تفسير : فإنَّ روح "الإصبع" القدرة على سرعة التقليب، وإنَّما يكون قلب المؤمن بين لمّة الملك ولمّة الشيطان، هذا يغويه وهذا يهديه، والله سبحانه يقلّب قلوب العباد كما تقلّب أنت الأشياء باصبعيك، فانظر كيف شارك نسبة الملكين المسخّرين إلى الله تعالى اصبعيك في روح الاصبعيّة وخالف في الصورة. فاستخرج من هذا ما نقل عنه (صلّى الله عليه وآله): "حديث : إنَّ الله خلق آدم على صورته" تفسير : فمهما عرفت معنى الاصبع أمكنك الترقّي إلى القلم، واليد، واليمين، والوجه والصورة، ووجدت جميعها حقائق غير جسمانيّة متمثّلة بأمثلة جسمانيّة، فتعلم أنَّ روح القلم وحقيقته التي لا بد من ذكره إذا ذكر حدّ القلب "هو الذي يكتب به" فإن كان في الوجود شيء يسطر بواسطته نقوش العلوم في ألواح القلوب بأحرى به أن يكون هو "القلم" فإنَّ الله {أية : عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} تفسير : [العلق:4 - 5]. وهذا هو القلم الروحاني، إذ فيه روح القلم ولم يعوزه إلاَّ قالبه وصورته، وخصوصيّة المادة - كما مرّ - غير داخلة في حقيقة الشيء، ولذلك لا يؤخذ في حدّه الحقيقي، إذ لكل شيء حدّ وحقيقة وهي روحه، فإذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانياً وفتحت لك أبواب عالم الملكوت وأهِّلت لمرافقة الملأ الأعلى وحسن أولئك رفيقا. ولا تستبعد أن يكون في القرآن إشارات من هذا الجنس، فإن كنت لا تقوى على احتمال ما يقرع سمعك من هذا النمط ما لم يسند التفسير إلى قتادة. أو مجاهد، أو السدي، فالتقليد غالب عليك، وكلامنا ليس إلاَّ مع المستبصر، ومع ذلك فانظر إلى معنى قوله تعالى ما ذكره المفسّرون: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} تفسير : [الرعد:17] - الآية - وأنه كيف مثّل العلم بالماء والقلب بالأودية والينابيع، والضلال بالزبد، ثمّ نبّهك في آخرها فقال: {أية : كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد:17]. ثم نقول: كل ما لا يحتمله فهمك فإنَّ القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعاً بروحك اللوح المحفوظ لتمثّل لك، وذلك مثال مناسب يحتاج إلى التعبير، ولذلك قيل: "إنَّ التأويل يجري مجرى التفسير" ومدار تدوار المفسّرين على القشر، ونسبة المفسّر إلى العارف المحقّق المستبصر كنسبة من يترجم معنى الخاتم والفروج والأفواه في مثال المؤذن الذي كان يرى في المنام أن في يده خاتماً يختم به فروج النساء وأفواه الرجال إلى من يدرك أنَّه أذّن قبل الصبح في شهر رمضان. فإن قلت: لم أُبرزتْ هذه الحقائق في هذه الأمثلة ولم تكشف صريحاً حتى وقع الناس في جهالة التشبيه وضلالة التمثيل؟ فالجواب: إنَّ الناس نيام في هذا العالم، والنائم لم ينكشف له غيب من اللوح المحفوظ إلاّ بالمثال - دون الكشف الصريح - وذلك ممّا يعرفه من يعرف العلاقة الحقّة التي بين عالم الملك والملكوت. فإذ عرفت ذلك عرفت أنَّك في هذا العالم نائم - وإن كنت مستيقظاً عارفاً - "فالناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا" فينكشف لهم عند الانتباه بالموت حقائق ما سمعوه بالمثال وأرواحها، ويعلمون أنَّ تلك الأمثلة كانت قشوراً وأصدافاً لتلك الأرواح ويتيقّنون صدق آيات القرآن، وصدق قول الرسول والأئمة الهداة (عليهم السلام) كما تيقّن ذلك المؤذن صدق قول ابن سيرين وصحّة تعبيره للرؤيا، وكل ذلك ينكشف عن الاتصال بالموت ويعرف كل أحد تأويل رؤياه، كما قيل في الفرس: شعر : خواب نوشين بدانديش توخوش جندان است كابن سرين قضا دم نزند در تـ ويل تفسير : وحينئذٍ يقول الجاحد والغافل: {أية : يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ} تفسير : [الأحزاب:66] {أية : أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} تفسير : [الأعراف:53] {أية : لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} تفسير : [الفرقان:28] {أية : يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ:40] {أية : يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر:56] إلى غير ذلك من الآيات المتعلّقة بشرح المعاد والآخرة. فافهم وتحقق من هذا إنَّك لمَّا كنت نائماً في هذه الحياة وإنّما تيقّظك بعد الموت، وعند ذلك تصير أهلاً لمشاهدة صريح الحق كفاحاً، وقبل ذلك فلا تحمل الحقائق إلاَّ مصبوبة في قالب الأمثال الخياليّة، ثم لجمود نظرك على الحسّ تظن أنَّه لا معنى له إلاَّ المتخيّل، وتغفل عن الحقيقة والسر كما تغفل عن روح قلبك، ولا تدرك إلاَّ قالبك {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور:40]. المقالة العاشرة: في قوله سبحانه: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} وفيه فوائد: الأولى في اللغة "لا يؤده" أي: لا يثقله ولا يشق عليه: يقال: آده، يؤوده، أوداً: إذا أثقله وأجهده. و: أدت العود، أوداً: إذا اعتمدت عليه بالثقل حتى أملته. و: [ادت العود] أؤده، فانآد. نحو: عجته فانعاج. و: الأود والأوداء على وزن: الأعوج والعوجاء والمعنى واحد. والجمع: الأُود كالعوج. والمعنى: لا يثقله ولا يتعبه حفظ السماوات والأرض. الثانية في النظم لما عظّم الله تعالى أمر السماء وما فيها والأرض وما فيها سابقاً بأن نسب وأضاف ما في كل منهما إلى ملكه وسلطانه، ثم عظّم أمر الكرسي بأنه وسع السماوات والأرض، إذ كما أنَّ الكرسي بطبيعته الجسميّة المحددة للأمكنة والأزمنة محيط بما في داخله - لا كمجرد إحاطة الظرف بالمظروف محدداً كان المكان المحاط عليه أم لا، بل بأن لايتعيّن للمحاط عليه مكان أو حيّز أو وضع أو ما شئت فسمّه إلاَّ بسبب طبيعة جسميّة بخصوصها - فكذلك بحقيقته العقليّة، والنفسيّة، وروحه، وقلبه، الذي هو مستوى الرحمن مؤثرة فيما دونها من النفوس، والطبايع، الفلكيّة، والعنصرية، وملكوت العالم السفلي - من الجماد والنبات والحيوان - ولذلك تنبعث الأرزاق والآجال من هناك وترتفع الدعوات لطلب الحاجات إلى ذلك، فأراد أن يشير إلى أن ذلك لا يشق عليه ولا ينوء به فقال: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}. أي: لا يتعب الكرسي ولا يشق على ظاهر حقيقته وباطن قلبه حفظ أجسام السماوات والأرض، وحفظ نفوسها وطبايعها وصورها ان كان الضمير راجعاً إلى "الكرسي". أو لا يتعبه تعالى حفظهما بالكرسي على الوجه المذكور - إن كان الضمير راجعاً إليه سبحانه - كما لا يؤد الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ومعانيها التي أودعها الله في السر الإنساني بقوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة:31]. وتحقيق هذا المطلب يحتاج إلى مزيد تقرير له ليظهر لك بالبرهان كيفية دوام الممكن بدوام علّته الفيّاضة، من غير تعب وملاَل وأودة وكلاَل، وهذا هو الذي وعدناه آنفاً، فاستمع وعِه. الفائدة الثالثة إعلم أنَّ للحق تعالى أسماء وصفات، ولكل منهما مجالي ومظاهر في كل من العوالم، من أحصاها - أي عرفها، وعرف لوازمها، وآثارها، وبدايتها، وغايتها - وجبت له الجنة، وهي الكمال العلمي العرفاني، أي العلم بحقائق الأشياء كما هي عليها الموجب لمشاهدة المثل العقلية والأشباح الجنانية الموعودة - إن شاء الله - جزاء لصالح العمل ومرضي السعي. فكما أنَّ عالم الجبروت من الملائكة العقلية - بجملة أعدادها الكثيرة وضروبها التي لا يحيط بها غير الله - هو عالم قدرة الله تعالى ومظهر جباريته ومستوى اسم "الجبار" كذلك "عالم الكرسي" بجملة ما فيها من ملكوت السماوات والأرض "عالم رحموته" ومظهر رحمانيته ومستوى اسم "الرحمن" إذ برحمته قامت السماوات والأرض، فالكرسي صورة رحمانية الله تعالى على الخلائق وبها يعطف بعضهم بعضاً بالترتيب الحكمي، والنظام السببي والمسببي، فلكل سبب خاص عطوفة ورحمة على مسببه بإيجاده، وإقامته، وحفظه، وإدامته. ثم اعلم أنَّ العلّة الفاعلية بحسب المشهور على ضربين: أحدهما: الفاعل الذي يحتاج في فاعليته إلى حركة وآلة وقابل - كالكاتب والبناء - ومثل هذا الفاعل يقال له في عرف الإلهيين بـ "المُعدِّ" و "المحرك" وهي العلّة بالعرض. وثانيهما: الفاعل الذي لا يحتاج إلى حركة وآلة جسمانية وقابل - وهو الفاعل في عرفهم وإن سألت الحق فليس الفاعل بالحقيقة إلاَّ ما هو بريء بالكلية عن جهة الإمكان، وما هو إلاَّ الواحد الحق كما مرّت الإشارة إليه. فالفاعل بالمعنى الأول لتعلقه بالمادة الجسمانيّة، وتحرّكه عند تحريكه يلحقه لا محالة كلاَل وإعياء ودثور وفناء، لأنّ الجسمانيّات متناهية الذوات، متناهية القوى والانفعالات، كما أنَّها متناهية الامتدادات والاتصالات، فيصحبها الكَلال أولاً ثم الزوال ثانياً، وقد صرّح بعض الحكماء بأن الفاعل الجسماني قابل في الحقيقة لفعله لمباشرته إياه، وأمّا القوى الفعَّالة المتقدّسة عن شوب الانفعال المادي، المرتفعة عن حضيض العالم السفلي فهي مسلوبة التغيّر عن حالها، ممتنعة التجدد في فعالها، بريئة الذوات عن لحوق معنى عارض يوجب كَلالها ومَلالها، أو مضاد مفسد يقتضي فسادها وزوالها. فهي وسائط فيض الحق وروابط جوده، ومكثر جهات رحمته، ومفنّن شعوب فضله وجوده، فهي بالحقيقة عباد الرحمن المؤتمرون بأمره، المنزجرون بنهيه وزجره، كما وصفهم الله تعالى بقوله: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم:6]. بخلاف الفاعل بالمعنى الأول، فإنّه لوقوعه في عالم الأضداد وتصادم صور المواد، ربما يعوق عن فعله المقصود لمانع، ويقطع عن طريقه المصمود إليه لقاطع. وإن أردت زيادة التوضيح فقد أودع الله تعالى في نفسك هذين الضربين من التأثير، أي: الإبداع والتحريك وهو المسمى بالإحداث أيضاً، لأنّ الحدوث يعرض الحركة بالذات ولما يقترنه بالعرض. فـ "الإبداع" إيجاد شيء لا عن شيء، ومثاله فيك تصورك للأشياء بقوتك المصورة ومثولها بين يديك في عالمك الخاص، على وجه يكون وجودها لك نفس مشاهدتك إياها، و "الإحداث" هو جعل الشيء شيئاً. ومثاله فيك تكلمك وكتابتك بآلات وأسباب طبيعية أو غيرها. ففي الضرب الأول لا يصرف منك شيء إلاَّ مجرد الالتفات والعناية، وفي الثاني يصرف منك المادة والآلة والزمان والقوة شيئاً فشيئاً، فيحصل منه المفعول تدريجاً، ويكمل عند انقضاء الحركة والزمان، وهما مقدار خروج المادة إلى الفعل، وتوجه القوة والآلة نحو الكمال، تقرّباً إلى المبدإ الفعَّال. فإذا علمت هذين الضربين من الفاعلية، وعلمت خصوصية كل منهما وامتيازه عن صاحبه بخواص ولوازم، ظهر لك أنّ التعب والمشقة والأودة، لا تعرض إلاَّ لفاعل جسماني لا يفعل إلاَّ بأن ينفعل ويتحرك من حال إلى حال، ويكون فاعليته على سبيل المباشرة. وأما الذي فاعليته لشيء بحيث إذا أراد أن يقول له: "كن" فيكون، أي يكون مجرّد إرادة الفعل منه مقتضياً لحصول فعله من غير أمر زائد يكون متوسطاً بينه وبين فعله - كإيجاده تعالى عالم الأمر - أو يكون الوسط حاصلاً بأمره من غير مدخلية مادة واستعداد وحركة - كإيجاده لجواهر السماوات والأرض بواسطة أمره - أو مع مدخليتها - كإيجاده الحوادث الفلكية والأرضية بإفادة الأسباب، وإفاضة الاستعدادات والحركات من غير تغيّر فيه تعالى، وإليه أشار بقوله سبحانه: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي لا يتعبه إدامة جواهر ما في السماوات وما في الأرض هذا إذا كان ضمير المفعول كناية عنه تعالى، وأما إذا كان راجعاً إلى "الكرسي" فالحكم بعدم عروض التعب والمشقّة ثابت للكرسي، لأنّه بحقيقته وذاته من وسائل جوده تعالى وربانيته، وجهات كرمه ورحمانيته التي لا تبيد ولا تنقص أبداً فلا يلحق له مشقة وتعب، وإذا لم يحصل له فاستحال حصوله للحق بالطريق الأولى. وبالجملة كل ما هو علة لشيء بالحقيقة والذات - لا بحسب القسر للإعداد والاستعداد - يكون المعلول من توابع ذاته ورشحات وجوده وبمنزلة الظلّ للشخص، فكما لا يثقل ولا يشقّ وجود الظلّ على الشخص واستتباعه إيّاه، فكذلك المعلول بالقياس إلى ما هو علّة له بالذات، وهذه الأسباب التي يظن الناس أنَّها علَّة إنَّما يؤدها وجود ما ينسب إليها، لأنها ليست عللاً بالحقيقة، بل بحسب المجاز، وما هو علّة بالحقيقة لا يلحقه الفُتور في تأثيره، اللَّهم إلاَّ أن يكون بحسب نفس الأمر (نفسه أمراً - ن) ناقصاً ضعيف الوجود. فاعتبر بالكتابة الصادرة من الكاتب، فإنَّ جوهر الإنسان كاتب بالعرض لا بالذات، ولهذا يلحقه التعب والمَلال، وأمّا الكاتب بما هو كاتب - وهو أمر مركب من جوهر الإنسان وأمور أخرى، بعضها نفسانية، وبعضها طبيعية، وبعضها خارجية، من الآلة والحركة والقابل وغيرها - فلا يحصل التعب للمجموع إلاَّ من جهة تصادم وقع بين أجزائه، وتعارض قد حصل في العضو الواحد بين مقتضى الطبيعة ومقصود الإرادة، فإنَّ مقتضى الطبيعة التي في العضو الثقل - أي الميل إلى مركز العالم - ومقصود الإرادة الحركة إلى جهات مختلفة فيحصل له الإعياء، فيملُّ الإنسان من الكتابة قبل أن يحصل بها الاكتفاء وعنها الغناء، وأما الأمور التي تجري مجرى التصورات المحضة والتمثلات، فحصولها من الإنسان لا يشق عليه، لأنّها إنّما صدرت منه بجهة واحدة فاعليّة ذاتية من غير تعارض الجهتين، فيكون هناك نفس التصوّر والإرادة الشّوقية نفس الحصول في صقع من النفس. فمن هذا السبيل يجب أن يُعتقد فاعليّته تعالى للأشياء وفاعليّة ملائكته المقرّبين وملائكته المدبِّرين، فإنَّ صدور الموجودات عنه تعالى - كلية كانت أو جزئية روحانية كانت أو جرمية - نفس تعقله إياها كما حقق في موضعه، وكذا فاعلية من هو في عالم جبروته وصقع ملكوته، فمن اعتقد فاعليته تعالى على هذا الوجه وأعلى منه آمن من التجسم في حقه الموجب للعذاب الأليم. المقالة الحادية عشرة: في قوله سبحانه: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} وفيه لطائف: اللطيفة الأولى في كيفية نظمه بما سبق وهو أنَّه سبحانه بعدما أثبت وأظهر المخلوقات من العرش، والكرسي، علوّاً في المرتبة وعظمة في الخلقة، إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردى برداء الكبرياء في العز والعلاء، واتّزر بإزار العظمة في الرفعة والسناء، وهو أولى وأحق بالمدحة والثناء، فقال تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} أي: له العلوّ في الشأن والعظمة والسلطان، فمن علا في الآخرة فبإعلائه قد علا، ومن عظم في الدنيا فبتعظيمه قد عظم واستولى، فسبحان ربّنا العظيم، وسبحان ربّنا الأعلى. اللطيفة الثانية إعلم أنَّ علوّ الحق وعظمته صفتان إضافيتان، ثابتتان له تعالى بالقياس إلى اعتقاد العبد وتصوّره وإثباته الوجود لغيره تعالى، وإلاَّ فليس لما سواه وجود في جنب وجوده تعالى حتى يتّصف بالعلوّ بالقياس إلى غيره، نعم الإنسان يتصوّر بقوته الوهمية لنفسه وجوداً مستقلاً، وبواسطة وجوده الموهم يتوهّم ويعتقد للعالم وأفراده وجوداً مستقلاً يقيس إليها وجود الحق، فيصفه بالعلوّ والعظمة، ثم بقدر ما يظهر له قصور وجوده وضعفه وقصور الوجودات الإمكانية وضعفها يزيد في نظره علوّ الحق وعظمته، ولهذا المعنى قيل: "إنَّ ظهور الإنسان سبب خفاء الحق في هذا العالم" فبقدر انكساره وافتقاره ودثوره وفنائه يظهر له وجود الحق وبقاؤه وعلوّه وكبرياؤه. وقيل أيضاً: إنَّ هذا العالم عالم الخيال يتراءى فيه الأشياء على وجه الانعكاس والانتكاس، فيرى المتبوع تابعاً والتابع متبوعاً، والمستور ظاهراً والظاهر مستوراً، بل الموجودات معدومةً والمعدوم موجوداً، فالحقّ موجود والخلق مفقود، وفي الخيال يكون بعكس هذا، وكذا الحق ظاهر جلي والخلق مستور خفي، وفي الحسّ بالعكس. فإذا أخذ الإنسان في النزول والنقصان والهبوط في منازل الإمكان، وعاد قليلاً إلى ماله بحسب ذاته من الخلل والفقدان، واستأنف للحق في شهوده علوّاً وعظمة وجلالاً وكبرياءً، ففي كل فناء يظهر عليه للحق بقاء، وفي كل تواضع ينكشف عليه للرب تعالى كبرياء، أو لا ترى أنك تقول في انحنائك بالركوع: "سبحان ربي العظيم" وفي هويِّك بالسجود: "سبحان ربّي الأعلى" وهكذا قليلاً قليلاً إلى أن يضمحل وجوده بالكليّة ويبقى الوجود الحقّاني للواحد القهار. ومن هاهنا يعلم أنَّ قصارى مجهود العابدين والعارفين في عبادتهم وعلومهم، ليس إلاَّ تصحيح نسبة الإمكان وحفظ مرتبة الفاقة والافتقار والعجز والانكسار، لئلا يبقى في شهودهم وجود للأغيار، ولا يكون عندهم في الدار غيره ديّار، فقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} بالنظر إلى قوم لهم بقايا الوجود الوهمي وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [الرعد:16]. بالنظر إلى قوم آخرين قبل ظهور الساعة، وقوله: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص:88] بحسب نفس الأمر أزلاً وأبداً بالقياس إلى الخلائق جميعاً. اللطيفة الثالثة إعلم أنَّ "العلوّ" علوَّان: علوّ مكاني وعلوّ معنوي وجودي: والأول: ذاتي للمكان وعرضي للجسم، ولذا قال سبحانه في حق إدريس (عليه السلام) {أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} تفسير : [مريم:57] فوصف مكانه بالعلوّ، وأعلى الأمكنة مكان "المحدِّد للجهات" والمحدِّد أعلى الأجسام مكاناً، فكلّ ما هو أقرب منه كان أعلى في المكان مما هو أبعد، ويقابله مكان الأرض وهو أسفل السافلين، والواقع فيه طبعاً - كالأرض - يكون تحت الأجسام، فكلّ ما هو أقرب منها كان أسفل. وأمّا الثاني: فهو ذاتي للحق وهو حقيقة الوجود، وعرضي للماهيات الموجودة، فإطلاق قولنا "الموجود" على الماهيات كما يطلب قولنا "العالي" على الأجسام، وإطلاقه على الواجب عند العارفين كإطلاق "العالي" على مكان (جرم - ن) المحدِّد، وإطلاقه على المعلول الأول عندهم أو على الواجب عند جمهور المتكلمين كإطلاق "العالي" على جرم المحدِّد، وإطلاقه على ما سوى المعلول الأول - وهو الحقيقة المحمدية كما مرّ - كإطلاق "العالي" على غير المحدِّد. وخرج من إطلاق الوجود بالفعل ماهية الهيولى، إذ وجودها عبارة عن الهاوية المظلمة، أي نفس السفل والقوّة والهبوط، كما خرج من إطلاق العالي جسمية الأرض ومكانها الذي هو أسل السافلين. وقد وصف الله هذه الأمة المرحومة بالعلوّ المعنوي والمنزلة الوجودية فقال: {أية : وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} تفسير : [محمد:35] أي: في هذا العلوّ، وهو سبحانه مقدس عن العلوّ المكاني، فيكون المراد العلوّ الوجودي، إذ موجودية الممكن إنّما تحصل بمعية الواجب تعالى معه - إمّا ابتداءً أو بتوسط معيَّته بالأشياء الأخر، وهي العلل المتوسّطة بينه وبين المعلول الأخير - فإنَّ معيته تعالى بكل متقدّم في الوجود أقدم من معيته إلى المتأخر، لكن المراد هاهنا من "المعيَّة" ما يكون بغير وسط لأنَّه في مقام المدح. ووجهه أنَّ الإنسان الكامل أعلى الموجودات، لأنّه خرق (قد خرج - قد خرج في - ن) الوجود وسلك سبيل الله وأحاط بالكلّ وصارت مرتبته جامعة لجميع المراتب، فله المعية الذاتية بالنسبة إلى الباري جلّ اسمه والعلوّ في المنزلة والمعنى، فيكون فوق الكل، فقد جمع له بالعمل العلوّ المكاني لأنَّ مكانه الجنة وهو أعلى الأمكنة، وبحسب العلم - الموجب للإحاطة بالحقائق - المعنوي. والملائكة المقرّبون لهم العلوّ بحسب الرتبة، لأنَّهم وسائط جود الحق ورحمته، فقال لإبليس: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص:75]. لأنّ جوهر إبليس من الجواهر المتعلقة بعالم الظلمات، فمنزلته دون منزلة الأنوار العقلية المرتفعة عن التعلّق بغير الحق، فلها السلطنة الكبرى على القوى المتعلقة بالعالم الأدنى. فظهر أنّ الحق تعالى "عليّ" لذاته، لأنّ وجوده عين ذاته، والإنسان الكامل "عليٌّ" بعلوّ الحق تعالى. هذا في مقام الفرق والاشتراك في الوجود والعلوّ، وأمَّا في مقام الجمع فهو الواحد القهّار لا غير، لأنَّه لا يوصف إلاَّ بالصفات التنزيهية، فلا علوّ كما لا سفل له، والاشتراك المذكور في أصل العلوّ في الجملة بين العبد والرب في مقام الفرق، ولا بدّ من إعطاء حقّ الربوبية والعبودية من العلوّ بأنه ذاتي للربّ وعرضي للعبد، ولهذا أمر الله تعالى أشرف الممكنات - وهو الذي له المنزلة العظمى في المعية للحق، والعلوّ المعنوي دون غيره إلاَّ بوسيلته - أن يتأدب بأدب العبودية ويسبح الله عن النقص الإمكاني، فقال مخاطباً إيَّاه: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى:1] وظني أنَّ منشأ استغفار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - كما ورد في الحديث - هو هذه المعية العالية التي هي مظنّة الاشتراك بين العبد والرب في العلوّ المعنوي، فيحتاج العبد الأعلى والملك المقرّب في كل حين إلى تذكّر عظمة الله، وعلوّه، والاستغفار عن ذنب وجوده الإمكاني، لئلا يقع في السكر عن الشكر، وفي الكفر عن الإحسان، والنسيان عن الوجدان، فيجرى على لسانه شيء من السكريات فينحط عن مقام القرب والمحبّة إلى مقام البعد والمذلة نعوذ بالله من الحور بعد الكور. اللطيفة الرابعة في بيان تقديسه تعالى عن العلوّ المكاني وفيه دلائل كثيرة أوردنا اثنين منها: أحدهما: أنَّ علوّه لو كان مكانياً لكان لا يخلو إمَّا أن يكون جسماً متمكناً أو نفس المكان. والأول: باطل لتركّب كل جسم إمَّا بحسب نفس الجسيمة المشتركة كما هو مذهب جمهور الحكماء، وإمَّا بحسب تعيّنه الخاص ونحو وجوده النوعي أو الشخصي كما هو رأي الجميع، فإنَّ كل نوع من الجسم مركب في الخارج إمَّا من جوهرين، أو جوهر وعرض - على اختلاف القولين في جوهرية الصورة النوعية وعرضيتها - يكون أحد الجزئين يجري مجرى الجنس والآخر يجري مجرى الفصل، والتركيب مطلقاً ينافي الوجوب الذاتي كما علمت. والثاني: لا يخلو إمَّا أن يكون متناهياً في جهة فوق أو غير متناه، والأول مستحيل لاستلزامه أن يكون المفروض فوقه أعلى منه فلا يكون هو أعلى من كل ما عداه، بل كيون غيره أعلى منه مكاناً هذا محال ضرورة، ويلزم أيضاً أن يحتاج في تعينه إلى ما يحدد جهته. وإن كان غير متناه فيكون ممتنعاً لامتناع اللاتناهي في المقدار بالبراهين العقلية القاطعة الدالّة على تناهي الأبعاد والمقادير. ولنذكر من تلك البراهين ما هو أخفّ وأجود وأوثق وأنسب بهذا المقام وهو أنَّه لو كان بُعدٌ غير متناه يمكن لنا أن نفرض ذلك البُعد إلى جهة الفوق ونفرض فيه نقط غير متناهية، فلا يخلو إمَّا أن يحصل في تلك النقط نقطة واحدة لا نفرض فوقها نقطة أخرى وإما أن لا يحصل. فإن كان الأول كانت هذه النقطة آخر النقاط فيكون طرفاً لذلك البُعد فيكون ذلك البُعد متناهياً - وقد فرضناه غير متناه هذا خلف -. وإن لم يوجد فيها نقطة إلاَّ وفوقها نقطة أخرى كان كل واحدة من تلك النقط المفترضة في ذلك البُعد سفلاً، ولا يكون فيها ما يكون فوقاً على الإطلاق فحينئذٍ لا يكون لشيء من النقط المفروضة في ذلك البُعد علوّ مطلق، وإذا لم يكن "مطلق" لم يكن "مضاف"، وذلك ينفي صفة العلوية، وقد وصفنا أنه سبحانه عليّ بمعنى العلوّ المكاني - هذا خلف الدليل الثاني. الدليل الثاني: إنَّ كل وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته وللآخر بتبعيّة الأول كان ذلك الحكم في الذاتي أتم وأكمل، وفي العرضي أقل وأضعف، فلو كان علوّ الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلو لله تعالى صفة ذاتيّة له، ولكان حصول العلو لله سبحانه حصولاً بتبعيّة حصوله في المكان فكان علوّ المكان أتم وأكمل من علوّ ذات الله تعالى، فيكون علوّ الله ناقصاً وعلوّ غيره كاملاً وذلك محال. فهذان الدليلان قاطعان في أنَّ علوّ الله تعالى يمتنع أن يكون بالجهة، وما أحسن ما قال أبو مسلم بن بحر الأصفهاني في تفسير قوله تعالى: {أية : لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ} تفسير : [الأنعام:12]. قال: "وهذا يدلّ على أن المكان والمكانيات بأسرها ملك الله وملكوته ثم قال: {أية : وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [الأنعام:13]. وهذا يدلّ على أن الزمان والزمانيات بأسرها ملك الله تعالى وملكوته، فتعالى وتقدّس على أن يكون علوّه بسبب المكان وتقدّمه بسبب الزمان، إذ المكان والزمان كلاهما من مخلوقات الله الواقعة في أدنى المراتب. فتعالى ذاته وصفاته عن أن يكون مكانياً أو زمانياً، فبقي أن يكون علوّه بحسب وجوب الوجود والإلهيّة، وسرمدّيته بحسب القيُّومية الذاتية. وعلى هذا القياس معنى عظمته، فإنَّها أيضاً بحسب المهابة، والجلالة، والقهر، والكبرياء، ويمتنع أن تكون بسبب المقدار والحجم، لأنَّه إن كان غير متناه في كل الجهات أو في بعض الجهات فهو محال، لِما ثبت بالقواطع البرهانيّة تناهي الأبعاد في كل الجهات، وإن كان متناهياً في الجهات كلها كانت الأحياز المحيطة بذلك المتناهي أعظم منه فلا يكون مثل هذا الشيء عظيماً على الإطلاق، فالحق سبحانه وتعالى أعلى وأعظم من أن يكون من جنس الجواهر والأجسام، تعالى عمّا يقوله الظالمون علوّاً كبيراً.
الجنابذي
تفسير : {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ابتداء كلام منقطع عمّا قبله لابداء توحيده فى معبوديّته او فى مرجعيّته ان اخذ الاله من اله بمعنى عبد او التجأ او فى خالقيّته ان اخذ من لاه يلوه بمعنى خلق ولاثبات بعض صفاته الاُخر الثبوتيّة والسلبيّة والحقيقيّة والاضافيّة، او جواب لسؤالٍ ناشئٍ عن قوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} كأنّه قيل اذا لم يكن فاعل سواه فما حاله؟ او قيل: لم لم يكن سواه فاعل؟ وما ورد فى فضل قراءة آية الكرسىّ يشعر بكونه مقطوعاً عمّا قبله وفى فضل آية الكرسىّ وقراءتها دبر الصّلوات الفريضة اخبار كثيرة فعن رسول الله (ص) انّه قال: "حديث : اىّ آية فى كتاب الله أعظم؟ - قال الرّاوى: فقلت: الله لا اله الاّ هو الحىّ القيّوم قال: فضرب (ص) فى صدرى ثمّ قال: لهناك العلم؛ والّذى نفس محمّدٍ (ص) بيده انّ لهذه الآية لساناً وشفتين يقدّس الملك عند ساق العرش"تفسير : . وفى المجمع باسناده قال النّبىّ (ص): "حديث : من قرأ آية الكرسىّ فى دبر كلّ صلاة مكتوبة كان الّذى يتولّى قبض نفسه ذا الجلال والاكرام، وكان كمن قاتل مع انبيائه حتّى استشهد"تفسير : ، وعن علىّ (ع) انّه قال: سمعت نبيّكم على اعواد المنبر وهو يقول: "حديث : من قرأ آية الكرسىّ فى دبر كلّ صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنّة الاّ الموت، ولا يواظب عليها الاّ صدّيق او عابد، ومن قرأها اذا اخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره"تفسير : ، وعنه (ع) انّه قال: سمعت رسول الله (ص) "حديث : يا علىّ سيّد البشر آدم (ع) الى ان قال: وسيّد الكلام القرآن وسيّد القرآن البقرة، وسيّد البقرة آية الكرسىّ، يا علىّ انّ فيها لخمسين كلمةً وفى كلّ كلمة خمسون بركةً"تفسير : ، وعن ابى جعفرٍ (ع): من قرأ آية الكرسىّ مرّة صرف الله عنه الف مكروهٍ من مكاره الدّنيا، والف مكروه من مكاره الآخرة؛ أيسر مكروه الدّنيا الفقر، وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر، وعن ابى عبد الله (ع): انّ لكلّ شيءٍ ذروة وذروة القرآن آية الكرسىّ، والسرّ فى ذلك انّ فيها اصول الصّفات الالهيّة وامّهات الاضافات الربوبيّة {ٱلْحَيُّ} خبرٌ بعد خبر او خبر مبتدءٍ محذوف او مبتدءٌ خبره القيّوم، او ما بعد القيّوم او خبر ابتداءٍ، و(لا اله) جملة حاليّة او معترضة مدحيّة كالجمل الدّعائيّة المعترضة، والحياة صفة مستلزمة للادراك والمشيئة والارادة والقدرة والاختيار والفاعليّة الاراديّة فهى مشيرة الى كثير من الصّفات الالهيّة {ٱلْقَيُّومُ} صفة او خبر او خبر بعد خبر وهو من قام المرأة وعليها مأنها وكفى أمورها، وهو من أسمائه الخاصّة به تعالى ومعنى قيّوميّته تعالى للاشياء ايجاده لها وكفايتها فى جميع مالها الحاجة اليه من جميع ما به اضافاته اليها واضافاتها اليه فهى جامعة لجميع صفاته الاضافيّة، ولمّا كان القائم بأمر غيره كثيراً ما يختلّ امره بالغفلة عن أمره وكان عمدة اسباب الغفلة السِّنة والنّوم نفى هذين عنه تعالى فقال {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} السنة كعدة والوسن محرّكةً والوسنة ثقل النّوم او اوّله او النّعاس والجملة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او خبر او خبر بعد خبر او حال او معترضة مدحيّة {وَلاَ نَوْمٌ} وهو ردّ على اليهود وغيرهم الّذين قالوا: انّ الرّبّ فرغ من الامر واستراح او استلقى على ظهره كما اشير اليه فى الاخبار {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} وهذه كسابقتها فى وجوه الاعراب واللاّم فى مثل المقام يستعمل فى المبدئيّة والمرجعيّة والمالكيّة والمراد منه معنى عامّ للثّلاثة فهو تصريح بما استفيد اجمالاً من القيّوم وكثيراً ما يقال لزيد ما فى الصّندوق ويراد به الصّندوق وما فيه خصوصاً اذا كان ما فى الصّندوق غالياً {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ} تأكيد لقيّوميّته تعالى ولها الوجوه السّابقة مقطوعة ومرتبطة ويجوز تقدير القول بالوجود السّابقة {إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} هذه ايضاً كسوابقها فى الوجوه المذكورة وهو ايضاً تأكيد لما استفيد التزاماً من القيّوم، والمراد بما بين ايديهم طولاً الدّنيا والآخرة، وعرضاً ما يأتى او ما مضى كما مضى الاشارة اليه عند قوله {أية : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 66] {وَمَا خَلْفَهُمْ} يعلم بالقياس {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ}. بيان الاحاطة بما شاء الله من علمه اعلم انّ العلم بمعنى ظهور الشّيء عند شيء آخر له معنى مصدرىّ هو من المفاهيم العامّة ومعنى ينتزع ذلك الظّهور منه وهو صورة المعلوم الّتى حصلت عند العالم هذا فى العلوم الحصوليّة وامّا العلم الحضورىّ فليس هناك ما به الظّهور غير الظّاهر، بل المعلوم بذاته حاضر عند العالم لا بصورة ينتزع منها المعنى المصدرىّ للعلم فالعلم والمعلوم فيه متّحدان واذا كان المعلوم بالعلم الحضورىّ ذات العالم كان العلم والمعلوم والعالم متّحدة وعلى ما قيل وهو الحقّ؛ انّ العلوم الصوريّة شؤن للعالمين وليست كيفيّاتٍ نفسانيّة ولا اضافاتٍ كما قيل كان العلم والعالم فيها متّحدين، واذا كان العلوم الحضوريّة شؤن العالمين كما قيل وهو الحقّ كان العلم الحضورىّ والعالم والمعلوم متّحدة مطلقا، ولمّا كان علم الله بالاشياء عالياتها ودانياتها بحضور وجوداتها عنده لا بحصول صورها فيه او فى لوح حاضر عنده كما قيل كان جملة ما سوى الله علومه تعالى كما انّها معلوماتٌ له لاتّحاد العلم والمعلوم كما علمت والصّور الحاصلة فى النّفوس والحاضرة عندها من جملة معلوماته تعالى وعلومه تعالى، وعلى ما ذكر انّ العلم شأن من النّفس الانسانيّة كان الانسان محيطاً بعلمه حضوريّاً كان ام حصوليّاً ولما كان العلوم حادثة وكلّ حادث مسبوق بمشيئته تعالى لم يكن يحدث علم الاّ بمشيئته تعالى فتبيّن معنى قوله تعالى {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} وانّ المعنى لا يحدث لاحد شيء من علم الله الاّ بمشيئته تعالى {وَسِعَ} هذه كالجمل السّابقة فى الوجوه المحتملة {كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} المشيئة بوجهها الى الله عرش وبوجهها الى الخلق كرسىّ، ويسمّى الفلك الثامن لكونه مظهراً للكرسىّ بالكرسىّ كما يسمّى الفلك المحيط بالعرش، ولمّا كانت المشيئة فعله تعالى وهو لا بشرط شيءٍ ويجتمع مع كلّ شرطٍ وفيها جميع صفاته واسمائه بوجود واحدٍ جمعىٍّ جاز تفسير الكرسىّ بالعلم وتفسير العرش بجملة الخلق وصحّ ورود الاخبار بالاختلاف فى تفسيرهما؛ فعن النّبىّ (ص): "حديث : ما السّماوات السّبع والارضون السّبع مع الكرسىّ الاّ كحلقةٍ ملقاةٍ فى فلاةٍ، وفضل العرش على الكرسىّ كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة"تفسير : ، وعن الصّادق (ع) انّه قال: حين سئل عن العرش والكرسىّ ما هما؟ - العرش فى وجهٍ هو جملة الخلق والكرسىّ وعاؤه، وفى وجهٍ آخر: العرش هو العلم الّذى اطّلع الله عليه الانبياء (ع) ورسله (ع) وحججه (ع) والكرسىّ هو العلم الّذى لم يطّلع عليه احداً من انبيائه (ع) ورسله (ع) وحججه (ع) {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} لا يثقله حفظه لهما {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} حال بمنزلة التّعليل.
الأعقم
تفسير : فصل في آية الكرسي نفع الله بها منقول من الكشاف روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: "حديث : من قرئت هذه الآية في بيته إلاَّ هجرته الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخله ساحر ولا ساحرة اربعين ليلة يا علي علمها اهلك وولدك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها" تفسير : وعن علي (عليه السلام): "حديث : سمعت نبيكم على اعواد المنبر وهو يقول من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة الا الموت ولا يواظب عليها الا صدّيقٌ أو عابدٌ ومن قرأها اذا اخذ مضجعه أمَّنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والابيات حوله" تفسير : وتذاكر الصحابة أفضل ما نزل من القرآن فقال لهم علي (عليه السلام): "اين انتم عن آية الكرسي" ثم قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث : يا علي سيّد البشر آدم وسيد العرب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا فخر وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب وسيد الحبشة بلال وسيد الجبال جبل طور سيناء وسيد الايام يوم الجمعة وسيد الكلام القرآن وسيد القرآن البقرة وسيد البقرة آية الكرسي" تفسير : وعن علي (عليه السلام) انه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : فيها خمسون كلمة في كل كلمة خمسون بركة" تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من قرآ آية الكرسي صرف الله عنه ألف مكروه الدنيا وألِف مكروه الآخرة أيسر مكروه الدنيا الفقر وايسر مكروه الآخرة عذاب القبر" تفسير : وعن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من خرج من منزله فقرأ آية الكرسي بعث الله سبعين الفاً من الملائكة يدعون له ويستغفرون له فإذا رجع الى منزله وقرأها نزع الله الفقر من بين عينيه"تفسير : . قوله تعالى: {الله لا اله الا هو} أي لا أحد يستحق الالهيَّة وتحق العبادة له غيره {الحَي} الباقي {القيوم} القائم على كل نفس بما كسبت {لا تأخذه سنةٌ} أي نعاس {ولا نوم} يعني مضجع نومه تعالى {إلا بإذنه} أي بأمره {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} ما كان قبلهم وما يكون بعدهم، وقيل: ما بين أيديهم ما مضى من الدنيا وما خلفهم من الآخرة، وقيل: ما بين أيديهم من الآخرة لأنهم يقدمون عليها وما خلفهم يعني من الدنيا لانهم خلفوها وراء ظهورهم {ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء} أي من علومه الا بما شاء ان يعلمهم به ويطلعهم عليه {وسع كرسيه السموات} يعني كرسيه أوسع من السموات والارض واختلفوا في الكرسي فقيل: علمه ومنه الكراسة لما ركبت فيها من العلم وقد يسمَّى العلماء كراسي، وقيل: هو العرش، وقيل: ملكه وقدرته وسلطانه {ولا يؤوده} أي لا يثقله ولا يشق عليه {حفظهما} أي حفظ السموات والارض {وهو العلي} عن الانداد والاشباه {العظيم} عظيم الشأن {لا اكراه في الدين} أي ليس في الدين اكراه من الله تعالى ولكن العبد مخيَّرٌ فيه، وقيل: معناه ليس في الدين ما يكرهه اهله وانما يكرهه المنافق، وقيل: انها نزلت في رجل من الانصار كان له غلام اسود وكان يكرهه على الإسلام {قد تبين الرشد من الغي} قد تبين الايمان من الكفر بالدلائل الواضحة {فمن يكفر بالطاغوت} قيل: هو الشيطان نعوذ بالله منه، وقيل: هو الكاهن، وقيل: الساحر، وقيل: هو كعب بن الاشرف لعنه الله تعالى، وقيل: كل ما يُطغَى {فقد استمسك بالعروة الوثقى} العظيمة الوثيقة وهي الايمان بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) {لا انفصام لها} أي لا انقطاع لها وهذا تمثيل {الله ولي الذين آمنوا} أي ناصرهم {يخرجهم من الظلمات إلى النور} قيل: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، وقيل: من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى، وقيل: من الذل إلى العز في الدارين، وقيل: من النار إلى الجنة {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} قيل: الشيطان، وقيل: كعب بن الاشرف وحيي بن اخطب، وقيل: سائر رؤساء الضلالة.
اطفيش
تفسير : {اللهُ لآ إِلَهَ} لا معبود بحق، أو لا موصوف بمعنى من معانى إله على الحقيقة {إِلاَّ هُوَ} بدل بعض من الضمير المستتر فى خبر لا المحذوف، أى لا إله موجود، أو لا إله لنا، أو لا للخلق، فهو بدل من الضمير فى لنا، أو فى للخلق، أو فى موجود، وإلا مغنية عن الربط بالضمير، لظهور أن الاستثناء مما قبلها كما فى ما قام القوم إلا زيد ولا يضر التخالف بأن البدل موجب والمبدل منه فى سلب، والمتكلم فى نفى العموم نا، وللتخصيص، وأنه سيذكره بعد {الْحَىُّ} الباقى الذى يتصف بالموت، لا الجسم الذى بروح وتحيز، حاشاه، فالمراد بكونه حيا نفى الموت؛ أو المعنى، الفاعل ما يفعله الحى منا، حاشاه عن الشبه، من علم وإرادة وقدرة وفعل واختيار وغير ذلك من لوازم الحياة، والمتبادر للعرب حين النزول هو الأول، ولا يبعد الثانى لكثرة التعبير بالملزوم عن اللازم ونحو ذلك فى القرآن، وفى كلامهم، والحياة المستمرة هى البقاء، ولا يضر ما قيل إن البقاء غير الحياة، لظهور المراد، والمراد، بالحياة الفاعل على المريد إرادة وفعلا تامين، فلا يرد أن لا مدح فى ذلك، من حيث إن الحيوانات أيضا فاعلة مريدة، وإلا لزم مثل ذلك، فى نحو السميع، فإن المراد العلم بالأصوات علما تاما، ولام الحياة ياء، وقيل واو، كما قيل الحيوان، وكما كتب الحياة بالواو فأصله حيو، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء فى الياء، والصحيح الأول، وواو الحيوان عن ياء تحقيقا عن اجتماع ياءين، وكتبها فى الحيوة واوا إشارة إليها فى الحيوان شاذ {الْقَيُّومُ} عظيم القيام بالذات، أى لا يحتاج لغيره: ولا تلحقه حاجة بخلقه وأحوالهم، الياء المدغمة والواو زائدتان، والمضمومة بدل من واو، أو هى عين الكلمة، ووزنه فيعول، والحى خبر ثان لله، أو بدل منه، أو نعته، أو خبر لمحذوف لنيابة الحى عن اسم جامد إذا لم يجعل نعتا، أو نعت أى هو الحى، أو بدل من لا إله إلا هو، وهو خطأ من قائله، أو بدل منه آخر أو خبر آخر {لاَ تَآْخُذُهُ سِنَةٌ} فتور يتقدم النوم مع بقاء الشعور، وهى النعاس، وقيل، هى الرأس، وهو فى العين وفاؤه واو كعدة وزنة {وَلاَ نَوْمٌ} هو حال تعرض للحيوان غير الملك، بسبب استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبة الأبخرة المتصاعدة المانعة للحواس الظاهرة عن الإحساس، وليس ما يعرض للمريض والمغمى عليه لذلك التصاعد فلانهم، وإن سلمنا زدنا قيدا مكان إيقاظ صاحبه، وهو أخو الموت، مزيل للقوة والشعور والعقل والسنة، ريحه تبدو فى الوجه وتنبعث للقلب، وأخطأ من قال: السنة تجرى على الملائكة، عن ابن عباس قال بنو إسرائيل لموسى، هل ينام ربك؟ فأوحى الله عز وجل إليه، سألك قومك، هل أنام، فقم الليل بزجاجتين فى يديك ففعل، فلما مضى ثلث الليل نعس، فوقع لركبتيه، فقام، فنعس آخر الليل فسقطتا، وانكسرتا، فقال، لو نمت لسقطت السنوات والأرض وهلكتا كالزجاجتين، والقياس يقتضى تقديم الأقل فى الإثبات، تقول، فلان أعطى درهما ودرهمين، وتقديم الأكثر فى النفى، تقول، لا يعطى درهمين ولا درهما، وخولف هنا مراعاة للترتيب فى الوجود، فإن السنة متقدمة على النوم، أو هذا على طريق التتميم، لأنه أبلغ لما فيه من التوكيد، لأن نفيها يقتضى نفى النوم ضمنا، فإذا نفى ثانيا كان أبلغ، وهو متضمن لأسلوب الإحاطة والإحصاء الذى يتعين فيه الترتيب الوجودى {لَهُ مَا فِى السَّمَٰوٰتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} خلقهما وخلق ما فيهما من أحزائهما وغيرهما مما تضمنتا من المنافع، وملك كل ذلك، والمراد جنس الأرض {مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ} استفهام نفى، ولذلك صحت إلا فى قوله {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} فكيف يعانده غيره، بدفع ما يريد، وذلك رد على عبدة الأوثان القائلين، أنها تشفع لهم، بل تشفع الأنبياء والملائكة وغيرهم بإذن الله عز وجل وعلا {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أى أيدى ما فى السماوات والأرض، والمراد ما حضر لهم فى السموات والأرض وهو موجودات تلك المواضع، وضمير العقلاء تغليب، وقيل، المراد الملائكة والأنبياء وقيل الأنبياء {وَمَا خَلْفَهُمْ} ما سيكون من أمور الدنيا ومن الآخرة وأمورها، سماها خلفا لأنه ما جاء، بل سيكون من أمور الدنيا ومن الآخرة وأمورها، فهو كمشىء خلف ظهرك، أو ما بين أيديهم ما سيكون وما خلفهم ما حضر، لأن الشىء مستقبل ظهرك، أو ما بين أيديهم ما سيكون وما خلفهم ما حضر، لأن الشىء مستقبل لما يجىء، مستدبر لما جاء، أو ما يخشون وما يفعلون، أو ما يدركونه بالحساسة أو العقل وما لا يدركونه {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} من معلومات ولا يصح إبقاء علم على ظاهره، لأن صفاته ذاتية فلا تقبل التجزئة {إِلاَّ بِمَا شَآءَ} أو يعلموه بوحى أو غيره من أمر الدين أو الدنيا أو الآخرة، وأبعاض جسم الدنيا وجسم الآخرة {وَسِعَ كُرْسُيُّهُ} أصله من تركب الشىء بعضه على بعض، كما سميت الكراسة لتركب بعض أوراق على بعض، ويقال تكرَّس البَعر والبول إذا تلبد بعض على بعض {السَّمَٰوٰتِ وَالأَرْضَ} تمثيل لعظمته المحققة الفعلية بالحسى المترهم، وذلك أبلغ، لأن التمثيل بريك المتخيل محققا والمعقول محسوسا، ولا كرسى ولا قعود، تعالى الله، أو كرسيه علمه، وهو ضعيف، وهو قول الحسن أو ملكه، لأن الكرسى محل العالم والسلطان، أو هو المذكور فى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما السماوات السبع والأرضون السبع مع الكرسى إلا كحلقة فى فلاة، وفضل العرش على الكرسى، كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة"تفسير : ، أى لو بسطت السماوات والأرضون ووصل بعضها ببعض. وقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً: "حديث : ما للسماوات السبع فى الكرسى إلا كدارهم سبعة ألقيت فى ترس"تفسير : ، وزعمت الفلاسفة الكفرة، أن الكرسى فلق البروج، وأبعد منه ما روى عن الحسن البصرى، أو المعنى، أحاط بهما علمه، وهو قول ابن عباس، ورجحه الطبرى، أو كرسيه قدرته كما يقال، اجعل لهذا الحائط كرسيا، أى عمدة {وَلاَ يُّودُهُ} لا يعوجه، حاشاه، للثقل، فإن ما ثقل يعود الحامل له إذا حمله، فالمراد نفى الثقل {حِفْظُهُمَا} أى لا يعجزه حفظ القسمين، أحدهما السماوات، والآخر الارض، وكذا لا يثقله حفظ الكرسى والعرش، ولكن خص السماوات والارض لمشاهدتهما، ولو بنجوم السماوات الدرارى، ولأن وجود الكرسى والعرش بمعنى الجسمين العظيمين من خبر الآحاد {وَهُوَ الْعَلِىُّ} بالقهر {الْعَظِيمُ} شأنا، ويقال: إنه حمل الكرسى أربعة أملاك، لكل ملك أربعة أوجه، وأقدامهم على الصخرة تحت الأرض السابعة، يسألون الرزق من السنة إلى السنة، ملك كآدم صورة يسأل لبنى آدم، وملك كالثور يسأل للأنعام، وملك كالنسر يسأل للطير، وملك كالأسد يسأل للوحوش، وأن بين حملته وحملة العرش سبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور، غلظ كل خمسمائة عامن لئلا تحترق حملته من نور حملة العرش، وأنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أعظم الآى آية الكرسى، ومن قرأها كتب له ملك الحسنات ومحا السيئات إلى وقته من الغد، وأنه من قرأها دبر كل صلاة فريضة دخل الجنة، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عباد، ومن قرأها عند النوم آمنه الله"تفسير : ، والأبيات حوله، ومن قرأها وآيتين من أول حم تنزيل من سورة غافر صبحا أو مساء حفظ إلى الآخر وتهجر الشياطين ثلاثين، والسحرة أربعين يوما داراً قرئت فيها، وسيد الفرس سلمان، والروم صهيب، والحبشة بلال، والجبال الطور، والأيام الجمعة، والكلام القرآن، والقرآن البقرة، والبقرة آية الكرسى، ومن حق العاقل أن يختار الدين الحق بلا إكراه، كما قال جلا وعلا: {لآ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ} لا تكرهوا فى الدين، وهو خبر بمعنى النهى، أو ليس من دين الله أن تكرهوا على الدخول فيه كالحبس أو الضرب أو الإيجاع أو الإعراء حتى يسلم، أو لا يكره الله أحدا على الدين، بل جعل الأمر اختياريا، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وزعم بعض أن هذا إلى علم، وبعض، إلى خالدون، ومن آية الكرسى {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ} امتاز {مِنَ الْغَىِّ} الضلال فليختر العاقل ما يدخله الجنة منهما بلا حاة إلى إكراه. تنصّر ابنا أبى الحصين من بنى سالم بن عوف قبل البعثة فى جاهليتهما، وقدما فى نفر من الأنصار يحملون الزيت فقال أبوهما: لا أدعكما حتى تسلما، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أيدخل بعضى النار وأنا أنظر، فنزلت الآية، فخلاهما، وهذا قبل نزول القتال، وإن كان بعده فقد عاهدوا أو أذعنا للجزية وليس القتال، أو أخذ الجزية على الكفر إكراما فى الدين، فلا نسخ فى الآية كما زعم من زعم، ولا هى فى الكفار قبل نزول الجزية {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ} ورسوله، قدم ذكره على ذكر الإيمان لذكر لفظ الغى قبله، ولتقدم التخلية على التحلية، استحقااق، ولأنه لا يتصور الإيمان بالله إلا بعد الكفر بالطاغوت، وهذا اللفظ للمبالغة من الطغيان، وجمع بينهما، لأن الكفر بالطاغوت لا يوجب الإيمان بالله، لإمكان خلو الذهن وعكسه، وإن أوجبه، لكن جمعا للمبالغة، وهو فلعوت من طغى يطغى، أو طغا يطغو، أصله طغيوت أو طغووت، قدم اللام على العين، وأصله مصدر عند الفارسى، بمعنى الطغيان، سمى به الشيطان أو الأصنام، أو كل من عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله، أو الساحر، أو الكاهن، أو كل ذلك، وهذا أولى، وقيل التاء أصله، والوزن فاعول، وعلى كل هو مفرد يطلق على الواحد والجماعة {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ} بالغ فى الإمساك، بالسين والتاء، أو هما للطلب، لأن ما يحصل بالطلب يكون أكمل {بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ} شبه دين الله والعمل به والوقوف معه بالعقدة القوية والتمسك بها ولزومها مطلقا، أو تدليلا أو تصعداً، أو سمى الدين عروة وثقى كتسمية الشجاع أسداً، وفسر بعض العروة الوثقى بالدين، وبعض بالإيمان، وبعض بالقرآن، وبعض بكلمة الإخلاص، وبعض بالاعتقاد الحق، أو السبب الموصل، وبعض بالعهد، والكلام استعارة تمثيلية، أو العروة استعارة أصلية تصريحية مرشجة باستعارة تبعية هى استمسك {لاَ انْفِصَامَ لَهَا} لا انكسارها لها بلا قطع، فضلا عن القطع وما بالقطع يكون بالقاف، وذلك ترشيح لما قبله {وَاللهُ سَمِيعٌ} عليم بالأقوال {عَلِيمٌ} بما يعتقد ويعمل، وذلك تهديد على الشرك والنفاق.
الالوسي
تفسير : {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} مبتدأ وخبر، والمراد هو المستحق للعبودية لا غير، قيل: وللناس ـ في رفع الضمير المنفصل وكذا في الاسم الكريم إذا حل محله ـ أقوال خمسة: قولان معتبران، وثلاثة لا معول عليها، فالقولان المعتبران: أحدهما: أن يكون رفعه على البدلية، وثانيهما: أن يكون على الخبرية ـ والأول هو الجاري على ألسنة المعربين ـ وهو رأي ابن مالك، وعليه إما أن يقدر للأخير أو لا، والقائلون بالتقدير اختلفوا فمن مقدر أمراً عاماً كالوجود والإمكان؛ ومن مقدر أمراً خاصاً كلنا وللخلق، واعترض تقدير العام بأنه يلزم منه أحد المحذورين إما عدم إثبات الوجود بالفعل لله تعالى شأنه وإما عدم تنزهه سبحانه عن إمكان الشركة، وكذا تقدير الخاص يرد عليه أنه لا دليل عليه أو فيه خفاء، ويمكن الجواب باختيار تقديره عاماً، ولا محذور أما على تقدير الوجود فلأن نفي الوجود يستلزم نفي الإمكان إذ لو اتصف فرد آخر بوجوب الوجود لوجد ضرورة فحيث لم يوجد علم عدم اتصافه به وما لم يتصف بوجوب الوجود لم يمكن أن يتصف به لاستحالة الانقلاب، وأما على تقدير الإمكان فلأنا نقول قد ظهر أن إمكان اتصاف شيء بوجوب الوجود يستلزم اتصافه بالفعل بالضرورة فإذا استفيد إمكانه يستفاد وجوده أيضاً إذ كل ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود على أنه قد ذكر غير واحد أن نفي وجود إله غيره تعالى يجوز أن يكون مرتبة من التوحيد يناط بها الإسلام ويُكتفى بها من أكثر العوام، وإن لم يعلموا نفي إمكانه سيما مع الغفلة وعدم الشعور به فلا يضر عدم دلالة الكلمة عليه بل قال بعضهم: إن إيجاب النفي جاء والآلهة غير الله تعالى موجودة، وقد قامت عبادتها على ساق، وعكف عليها المشركون في سائر الآفاق، فأمر الناس بنفي وجودها من حيث إنها آلهة حقة ولو كان إذ ذاك قوم يقولون بإمكان وجود إله حق غيره تعالى لكنه غير موجود أصلاً لأمروا بنفي ذلك الإمكان ولا يخفى أن هذا ليس من المتانة بمكان، ويمكن الجواب باختيار تقديره خاصاً بأن يكون ذلك الخاص مستحقاً للعبادة والمقام قرينة واضحة عليه، واعترض بأنه لا يدل على نفي التعدد لا بالإمكان ولا بالفعل لجواز وجود إله غيره سبحانه لا يستحق العبادة وبأنه يمكن أن يقال: إن المراد إما نفي المستحق غيره تعالى بالفعل أو الإمكان، والأول: لا ينفي الإمكان، والثاني: لا يدل على استحقاقه تعالى بالفعل، وأجيب بأن من المعلوم بأن وجوب الوجود مبدأ جميع الكمالات فلا ريب أنه يوجب استحقاق التعظيم والتبجيل ولا معنى لاستحقاق العبادة سواه فإذا لم يستحق غيره تعالى للعبادة لم يوجد غيره تعالى وإلا لاستحق العبادة قطعاً وإذا لم يوجد لم يكن ممكناً أيضاً على ما أشير إليه فثبت أن نفي الاستحقاق يستلزم نفي التعدد مطلقاً، والقائلون بعدم/ تقدير الخبر ذهب الأكثر منهم إلى أن {لا} هذه لا خبر لها، واعترض بأنه يلزم حينئذ انتفاء الحكم والعقد وهو باطل قطعاً ضرورة اقتضاء التوحيد ذلك، وأجيب بأن القول بعدم الاحتياج لا يخرج المركب من {لا} واسمها عن العقد لأن معناه انتفى هذا الجنس من غير هذا الفرد وإلا عند هؤلاء بمعنى غير تابعة لمحل اسم {لا} وظهر إعرابها فيما بعدها ولا مجال لجعلها للاستثناء إذ لو كانت له لما أفاد الكلام التوحيد لأن حاصله حينئذ أن هذا الجنس على تقدير عدم دخول هذا الفرد فيه منتف فيفهم منه عدم انتفاء أفراد غير خارج عنها ذلك وهو بمعزل عن التوحيد كما لا يخفى. واستشكل الإبدال من جهتين، الأول: أنه بدل بعض ولا ضمير للمبدل منه وهو شرط فيه، الثاني: أن بينهما مخالفة فإن البدل موجب والمبدل منه منفي، وأجيب عن الأول: بأن {إِلا} تغني عن الضمير لإفهامها البعضية، وعن الثاني: بأنه بدل عن الأول في عمل العامل، وتخالفهما في الإيجاب والنفي لا يمنع البدلية على أنه لو قيل: إن البدل في الاستثناء على حدة لم يبعد. والثاني: من القولين الأولين وهو القول بخبرية ما بعد {إِلا} ذهب إليه جماعة وضعف بأنه يلزم عمل (لا) في المعارف وهي لا تعمل فيها وبأن اسمها عام وما بعد (إلا) خاص فكيف يكون خبراً، وقد قالوا: بامتناع الحيوان إنسان، وأجيب عن الأول: بأن {لا} لا عمل لها في الخبر على رأي سيبويه وأنه حين دخولها مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل فلم يلزم عملها في المعرفة وهو كما ترى، وعن الثاني: بأنا لا نسلم أن في التركيب قد أخبر بالخاص عن العام إذ العموم منفي والكلام مسوق العموم، والتخصيص بواحد من أفراد ما دل عليه العام وفيه ما فيه. وأما الأقوال الثلاثة التي لا يعول عليها فأولها: أن (إلا) ليست أداة استثناء وإنما هي بمعنى غير وهي مع اسمه تعالى شأنه صفة لا إسم لا باعتبار المحل، والتقدير لا إله غير الله تعالى في الوجود، وثانيها: ـ وقد نسب للزمخشري ـ أن لا إله في موضع الخبر و {إِلا} وما بعدها في موضع المبتدأ، والأصل هو، أو الله إله فلما أريد قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر وقرن المبتدأ بإلا إذ المقصور عليه هو الذي يلي {إِلا} والمقصور هو الواقع في سياق النفي، والمبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم الخبر عليه كما قرر في موضعه، وثالثها: أن ما بعد {إِلا} مرفوع بإله كما هو حال المبتدأ إذا كان وصفاً لأن إلهاً بمعنى مألوه فيكون قائماً مقام الفاعل وساداً مسد الخبر كما في ما مضروب العمران، ويرد على الأول: أن فيه خللاً من جهة المعنى لأن المقصود من الكلمة أمران نفي الإلهية عن غيره تعالى وإثباتها له سبحانه وهذا إنما يتم إذا كان {إِلا} فيها للاستثناء إذ يستفاد النفي والإثبات حينئذ بالمنطوق، وأما إذا كانت بمعنى غير فلا يفيد الكلام بمنطوقه إلا نفي الإلهية عن غيره تعالى، وأما إثباتها له عَزَّ اسمه فلا يستفاد من التركيب واستفادته من المفهوم لا تكاد تقبل لأنه إن كان مفهوم لقب فلا عبرة به ولو عند القائلين بالمفهوم إذ لم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة، وإن كان مفهوم صفة فمن البين أنه غير مجمع عليه، ويرد على الثاني: أنه مع ما فيه من التمحل يلزم منه أن يكون الخبر مبنياً مع {لا} وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ، وأيضاً لو كان الأمر كما ذكر لم يكن لنصب الاسم الواقع بعد {إِلا} في مثل هذا التركيب وجه، وقد جوزه فيه جماعة، وعلى الثالث: أنا لا نسلم أن إلهاً وصف وإلا لوجب إعرابه وتنوينه ولا قائل به. هذا ولي إن شاء الله تعالى عودة بعد عودة إلى ما في هذه الكلمة الطيبة من الكلام. وفي قوله تعالى: {ٱلْحَيّ} سبعة أوجه من وجوه الإعراب: الأول: أن يكون خبراً ثانياً للفظ الجلالة، الثاني: أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف أي هو الحي، الثالث: أن يكون بدلاً من قوله سبحانه: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}، الرابع: أن يكون/ بدلاً من {هُوَ} وحده، الخامس: أن يكون مبتدأ خبره {لاَ تَأْخُذُهُ}، السادس: أنه بدل من (الله)، السابع أنه صفة له ويعضده القراءة بالنصب على المدح لاختصاصه بالنعت، وفي أصله قولان: الأول: أن أصله حيـي بيائين من حي يحيـى، والثاني: أنه حيو فقلبت الواو المتطرفة المنكسر ما قبلها ياءاً، ولذلك كتبوا الحياة بواو في رسم المصحف تنبيهاً على هذا الأصل، ويؤيده الحيوان لظهور هذا الأصل فيه، ووزنه قيل: فعل وقيل: فيعل فخفف كميت في ميت. والحياة عند الطبيعي القوة التابعة للاعتدال النوعي التي تفيض عنها سائر القوى الحيوانية أو قوة التغذية أو قوة الحس أو قوة تقتضي الحس والحركة، والكل مما يمتنع اتصاف الله تعالى به لأنه من صفات الجسمانيات فهي فيه سبحانه صفة موجودة حقيقية قائمة بذاته لا يكتنه كنهها ولا تعلم حقيقتها كسائر صفاته جل شأنه زائدة على مجموع العلم والقدرة وليست نفس الذات حقيقة ولا ثابتة لا موجودة ولا معدومة ـ كما قيل بكل ـ فالحي ذات قامت به تلك الصفة، وفسره بعض المتكلمين ((بأنه الذي يصح أن يعلم ويقدر، واعترضه الإمام بأن هذا القدر حاصل لجميع الحيوانات فكيف يحسن أن يمدح الله تعالى نفسه بصفة يشاركه بها أخس الحيوانات؟ ثم قال والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن نفس هذه الصحة بل كل شيء كان كاملاً في جنسه يسمى حياً ألا يرى أن عمارة الأرض الخربة تسمى إحياء الموات، والصفة المسماة في عرف المتكلمين حياة إنما سميت بها لأنها كمال الجسم أن يكون موصوفاً بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحال حياة فالمفهوم الأصلي من الحي كونه واقعاً على أكمل أحواله وصفاته وإذا كان كذلك زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل ولما لم يكن ذلك مقيداً دل على أنه كامل على الإطلاق، والكامل كذلك من لا يكون قابلاً للعدم لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته السلبية والإضافية)) انتهى. ولا يخفى أنه صرح ممرد من قوارير. أما أولاً: فلأن قوله: إن الحي ـ بمعنى الذي يصح أن يعلم ويقدر مما يشترك به سائر الحيوانات فلا يحسن أن يمدح الله تعالى به نفسه ـ في غاية السقوط لأنه إن أراد الاشتراك في إطلاق اللفظ فليس الحي وحده كذلك بل السميع والبصير أيضاً مثله في الإطلاق على أخس الحيوانات، وقد مدح الله تعالى بهما نفسه ولم يستشكل ذلك أهل السنة، وإن أراد الاشتراك في الحقيقة فمعاذ الله تعالى من ذلك إذ الاشتراك فيها مستحيل بين التراب ورب الأرباب، وبين الأزلي والزائل، ومتى قلت إن الاشتراك في إطلاق اللفظ يوجب ذلك الاشتراك حقيقة، ولا مناص عنه إلا بالحمل على المجاز لزمك مثل ذلك في سائر الصفات ولا قائل به من أهل السنة، وأما ثانياً: فلأن كون الحياة في اللغة بمعنى الكمال مما لم يثبت في شيء من كتب اللغة أصلاً وإنما الثابت فيها غير ذلك ووصف الجمادات بها إنما هو على سبيل المجاز دون الحقيقة كما وهم فإن قال: إنها مجاز في الله تعالى أيضاً بذلك المعنى عاد الإشكال بحصول الاشتراك في الكمال مع الجمادات فضلاً عن الحيوان، فإن قال: كمال كل شيء بالنسبة إلى ما يليق به قلنا: فحياة كل حي حقيقة بالنسبة إلى ما يليق به، وليس كمثل الله تعالى شيء، وكأني بك تفهم من كلامي الميل إلى مذهب السلف في مثل هذه المواطن فليكن ذلك فهم القوم كل القوم.شعر : ويا حبذا هند وأرض بها هند تفسير : والزمخشري فسر الحي بالباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء وجعلوا ذلك منه تفسيراً بما هو المتعارف من كلام العرب وأرى أن في القلب منه شيء، ولعلي من وراء المنع لذلك، نعم روي عن قتادة أنه الذي لا يموت وهو ليس بنص في المدعى. {ٱلْقَيُّومُ} صيغة مبالغة للقيام وأصله قيووم على فيعول فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءاً/ وأدغمت؛ ولا يجوز أن يكون فعولاً وإلا لكان قووماً لأنه واوي، ويجوز فيه قيام وقيم وبهما قرىء، وروي أولهما عن عمر رضي الله تعالى عنه، وقرىء (القائم) و(القيوم) بالنصب ومعناه كما قال الضحاك وابن جبير: الدائم الوجود، وقيل: القائم بذاته، وقيل: القائم بتدبير خلقه من إنشائهم ابتداءاً، وإيصال أرزاقهم إليهم ـ وهو المروي عن قتادة ـ وقيل: هو العالم بالأمور من قولهم فلان يقوم بالكتاب أي يعلم ما فيه، وقال بعضهم: هو الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه، وذكر الراغب أنه يقال: قام كذا أي دام وقام بكذا أي حفظه، والقيوم القائم الحافظ لكل شيء والمعطى له ما به قوامه، والظاهر منه أن القيام بمعنى الدوام ثم يصير بالتعدية بمعنى الإدامة وهو الحفظ فأورد عليه أن المبالغة ليست من أسباب التعدية فإذا عرى القيوم عن أداتها كان بمعنى اللازم فلا يصح تفسيره بالحافظ ثم إن المبالغة في الحفظ كيف تفيد إعطاء ما به القوام، ولعله من حيث إن الاستقلال بالحفظ إنما يتحقق بذلك كما لا يخفى، وأورد على تفسيره بنحو القائم بذاته أن يكون معنى قيوم السماوات والأرض الوارد في الأدعية المأثورة واجب السماوات والأرض وهو كما ترى، فالظاهر أنه فيه بمعنى آخر مما يليق إذ لا يصح ذلك إلا بنوع تمحل. وذهب جمع إلى أن القيوم هو اسم الله تعالى الأعظم، وفسره هؤلاء بأنه القائم بذاته والمقوم لغيره، وفسروا القيام بالذات بوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات والتنزه عن سائر وجوه النقص وجعلوا التقويم للغير متضمناً جميع الصفات الفعلية فصح لهم القول بذلك وأغرب الأقوال أنه لفظ سرياني ومعناه بالسريانية الذي لا ينام، ولا يخفى بعده لأنه يتكرر حينئذ في قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} السنة ـ بكسر أوله ـ فتور يتقدم النوم وليس بنوم لقول عدي بن الرقاع:شعر : وسنان أقصده العناس فرنقت في عينه (سنة) وليس بنائم تفسير : والنوم بديهي التصور يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً، وزعم السيوطي في بعض «رسائله» أن سببه شم هواء يهب من تحت العرش، ولعله أراد تصاعد الأبخرة من المعدة تحت القلب الذي هو عرش الروح وإلا فلا أعقله، وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة يقتضي التأخير مراعاة للترتيب الوجودي فلتقدمها على النوم في الخارج قدمت عليه في اللفظ، وقيل: إنه على طريق التتميم وهو أبلغ لما فيه من التأكيد إذ نفي ـ السنة ـ يقتضي نفي النوم ضمناً فإذا نفي ثانياً كان أبلغ، ورد بأنه إنما هو على أسلوب الإحاطة والإحصاء وهو متعين فيه مراعاة الترتيب الوجودي والابتداء من الأخف فالأخف كما في قوله تعالى: {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } تفسير : [الكهف: 49] ولهذا توسطت كلمة {لا} تنصيصاً على الإحاطة وشمول النفي لكل منهما، وقيل: إن تأخير النوم رعاية للفواصل ولا يخفى أنه من ضيق العطن، وقال بعض المحققين: هذا كله إنما يحتاج إليه إذا أخذ الأخذ بمعنى العروض والاعتراء، وأما لو أخذ بمعنى القهر والغلبة ـ كما ذكره الراغب وغيره من أئمة اللغة ـ ومنه قوله تعالى: {أية : أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 42] فالترتيب على مقتضى الظاهر إذ يكون المعنى لا تغلبه السنة ولا النوم الذي هو أكثر غلبة منها. والجملة نفي للتشبيه وتنزيه له تعالى أن يكون له مثل من الأحياء لأنها لا تخلو من ذلك فكيف تشابهه، وفيها تأكيد لكونه تعالى حياً قيوماً لأنّ النوم آفة تنافي دوام الحياة وبقاءها وصفاته تعالى قديمة لا زوال لها ولأن من يعتريه النوم والغلبة لا يكون واجب الوجود دائمه ولا عالماً مستمر العلم ولا حافظاً قوي الحفظ، وأخرج ابن أبـي حاتم وغيره عن ابن عباس/ رضي الله تعالى عنهما «أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله تعالى فناداه ربه يا موسى سألوك هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقط الزجاجتان فانكسرتا فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السماوات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك» ولما فيها من التأكيد كالذي بعدها ترك العاطف فيها وهي إما استئنافية لا محل لها من الإعراب وإما حال مؤكدة من الضمير المستكن في {ٱلْقَيُّومُ}، وجوز أن تكون خبراً عن الحي أو عن الاسم الجليل. {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ} تقرير لقيوميته تعالى واحتجاج على تفرده في الإلهية، والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فيعلم من الآية نفي كون الشمس والقمر وسائر النجوم والملائكة والأصنام والطواغيت آلهة مستحقة للعبادة. {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} استفهام إنكاري ولذا دخلت {إِلا} والمقصود منه بيان كبرياء شأنه تعالى وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعاً على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلاً عن أن يستقل بدفعه عناداً أو مناصبة وعداوة وفي ذلك تأييس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله تعالى {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي أمر الدنيا {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي أمر الآخرة قاله مجاهد وابن جريج وغيرهما، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة عكس ذلك، وقيل: يعلم ما كان قبلهم وما كان بعدهم، وقيل: ما بين أيديهم من خير أو شر وما خلفهم مما فعلوه كذلك، وقيل: ما يدركونه وما لا يدركونه أو ما يحسونه ويعقلونه والكل محتمل، ووجه الإطلاق فيه ظاهر، وضمير الجمع يعود على ما في {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ} الخ إلا أنه غلب من يعقل على غيره، وقيل: للعقلاء في ضمنه فلا تغليب، وجوز أن يعود على ما دل عليه {مَن ذَا} من الملائكة والأنبياء، وقيل: الأنبياء خاصة، والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه سبحانه، والجملة إما استئناف أو خبر عما قبل أو حال من ضمير (يشفع) أو من المجرور في (بإذنه). {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ} أي معلومه كقولهم: اللهم اغفر لنا علمك فينا، والإحاطة بالشيء علماً علمه كما هو على الحقيقة، والمعنى لا يعلم أحد من هؤلاء كنه شيء ما من معلوماته تعالى {إِلاَّ بِمَا شَاء} أن يعلم، وجوز أن يراد (من علمه) معلومه الخاص وهو كل ما في الغيب {أية : فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } تفسير : [الجن: 26ـ27] وعطفت هذه الجملة على ما قبلها لمغايرتها له لأن ذلك يشعر بأنه سبحانه يعلم كل شيء وهذه تفيد أنه لا يعلمه غيره ومجموعهما دال على تفرده تعالى بالعلم الذاتي الذي هو من أصول صفات الكمال التي يجب أن يتصف الإله تعالى شأنه بها بالفعل. {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ} الكرسي جسم بين يدي العرش محيط بالسماوات السبع، وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعته ـ أي الكرسي ـ إلا بمنزلة الحلقة في المفازة وهو غير العرش كما يدل عليه ما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبـي ذر أنه سأل النبـي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال: «حديث : يا أبا ذر ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة»تفسير : وفي رواية الدارقطني والخطيب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما/ قال: حديث : سئل النبـي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} الخ «قال: كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره»تفسير : وقيل: هو العرش نفسه، ونسب ذلك إلى الحسن، وقيل: قدرة الله تعالى، وقيل: تدبيره، وقيل: ملك من ملائكته، وقيل: مجاز عن العلم من تسمية الشيء بمكانه لأن الكرسي مكان العالم الذي فيه العلم فيكون مكاناً للعلم بتبعيته لأن العرض يتبع المحل في التحيز حتى ذهبوا إلى أنه معنى قيام العرض بالمحل، وحكي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: عن الملك أخذاً من كرسي الملك، وقيل: أصل الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. والكلام مساق على سبيل التمثيل لعظمته تعالى شأنه وسعة سلطانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة، ففي الكلام استعارة تمثيلية وليس ثمة كرسي ولا قاعد ولا قعود وهذا الذي اختاره الجم الغفير من الخلف فراراً من توهم التجسيم، وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك لا سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم كما قدمنا، وكالحديث الذي أخرجه البيهقي وغيره عن أبـي موسى الأشعري الكرسي: موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل؛ وفي رواية عن عمر مرفوعاً «حديث : له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب عليه من يثقله ما يفضل منه أربع أصابع» تفسير : وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية فالحق أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة وتوهم التجسيم لا يعبأ به وإلا للزم نفي الكثير من الصفات وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له. وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علماً وفوضوا علمه إلى الله تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه. والقائلون بالمظاهر من ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم لم يشكل عليهم شيء من أمثال ذلك، وقد ذكر بعض العارفين منهم أن الكرسي عبارة عن تجلي جملة الصفات الفعلية فهو مظهر إلهي ومحل نفوذ الأمر والنهي والإيجاد والإعدام المعبر عنهما بالقدمين، وقد وسع السماوات والأرض وسع وجود عيني ووسع حكمي لأن وجودهما المقيد من آثار الصفات الفعلية التي هو مظهر لها وليست القدمان في الأحاديث عبارة عن قدمي الرجلين ومحل النعلين تعالى الله سبحانه عن ذلك علواً كبيراً، ولا «الأطيط» عبارة عما تسمعه وتفهمه في الشاهد بل هو إن لم تفوض علمه إلى العليم الخبير إشارة إلى بروز الأشياء المتضادة أو اجتماعها في ذلك المظهر الذي هو منشأ التفصيل والإبهام ومحل الإيجاد والإعدام ومركز الضر والنفع والتفريق والجمع، ومعنى ما يفضل منه إلا أربع أصابع إن كان الضمير راجعاً إلى الرحل ظاهر وإن كان راجعاً إلى الكرسي فهو إشارة إلى وجود حضرات هي مظاهر لبعض الأسماء لم تبرز إلى عالم الحس ولا يمكن أن يراها إلا من ولد مرتين، وليس المراد من الأصابع الأربع ما تعرفه من نفسك، وللعارفين في هذا المقام كلام غير هذا، ولعلنا نشير إلى بعض منه إن شاء الله تعالى. ثم المشهور أن الياء في الكرسي لغير النسب، واشتقاقه من الكرس ـ وهو الجمع ـ ومنه الكراسة للصحائف الجامعة للعلم، وقيل: كأنه منسوب إلى ـ الكرس ـ بالكسر وهو الملبد وجمعه كراسي ـ كبختي وبخاتي ـ وفيه لغتان ضم كافه ـ وهي المشهورة ـ وكسرها للاتباع والجمهور على فتح الواو والعين، وكسر السين في {وسِعَ} على أنه فعل والكرسي فاعله، وقرىء بسكون السين مع كسر الواو ـ كعلم ـ في علم، وبفتح الواو وسكون السين ورفع العين مع جر ـ كرسيه ـ ورفع السماوات فهو حينئذٍ مبتدأ مضاف إلى ما بعده و (السماوات والأرض) خبره. {وَلاَ يَؤُدُهُ} أي لا يثقله ـ كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ وهو مأخوذ من الأود بمعنى الاعوجاج لأن الثقيل يميل له ما تحته، وماضيه آد؛ والضمير لله تعالى. وقيل: الكرسي. {حِفْظُهُمَا} / أي السماوات والأرض وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لما أن حفظهما مستتبع لحفظه، وخصهما بالذكر دون الكرسي لأن حفظهما هو المشاهد المحسوس، والقول بالاستخدام ليدخل هو والعرش وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله تعالى بعيد {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ} أي المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال. والأضداد وعن أمارات النقص ودلالات الحدوث، وقيل: هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة والسلطان والملك وعلو الشأن والقهر والاعتلاء والجلال والكبرياء {ٱلْعَظِيمُ} ذو العظمة وكل شيء بالإضافة إليه حقير. ولما جليت على منصة هذه الآية الكريمة عرائس المسائل الإلۤهية وأشرقت على صفحاتها أنوار الصفات العلية حيث جمعت أصول الصفات من الألوهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة، واشتملت على سبعة عشر موضعاً فيها اسم الله تعالى ظاهراً في بعضها ومستتراً في البعض ونطقت بأنه سبحانه موجود منفرد في ألوهيته حي واجب الوجود لذاته موجد لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور لا مناسبة بينه وبين الأشباح ولا يحل بساحة جلاله ما يعرض النفوس والأرواح مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع ذو البطش الشديد العالم وحده بجلي الأشياء وخفيها وكليها وجزئيها واسع الملك والقدرة لكل ما من شأنه أن يملك ويقدر عليه لا يشق عليه شاق ولا يثقل شيء لديه متعال عن كل ما لا يليق بجنابه عظيم لا يستطيع طير الفكر أن يحوم في بيداء صفات قامت به تفردت بقلائد فضل خلت عنها أجياد أخواتها الجياد وجواهر خواص تتهادى بها بين أترابها ولا كما تتهادى لبنى وسعاد. أخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي»تفسير : وأخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعاً «حديث : من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة حفظ إلى الصلاة الأخرى ولا يحافظ عليها إلا نبـي أو صديق أو شهيد»تفسير : وأخرج الديلمي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: «لو تعلمون ما فيها لما تركتموها على حال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش لم يؤتها نبـي قبلي» تفسير : والأخبار في فضلها كثيرة شهيرة إلا أن بعضها مما لا أصل له كخبر من «قرأها بعث الله تعالى ملكاً يكتب من حسناته ويمحو من سيئآته إلى الغد من تلك الساعة»، وبعضها منكر جداً كخبر «إن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب المنيبين وأعمال الصديقين». ولا يخفى أن أكثر الأحاديث في هذا الباب حجة لمن قال: إن بعض القرآن قد يفضل على غيره وفيه خلاف فمنعه بعضهم كالأشعري والباقلاني وغيرهما لاقتضائه نقص المفضول وكلام الله تعالى لا نقص فيه، وأولوا أعظم بعظيم وأفضل بفاضل، وأجازه إسحق بن راهويه وكثير من العلماء والمتكلمين ـ وهو المختار ـ ويرجع إلى عظم أجر قارئه ولله تعالى أن يخص ما شاء بما شاء لما شاء. ومناسبة هذه الآية الكريمة لما قبلها أنه سبحانه لما ذكر أن الكافرين هم الظالمون ناسب أن ينبههم جل شأنه على العقيدة الصحيحة التي هي محض التوحيد الذي درج عليه المرسلون على اختلاف درجاتهم وتفاوت مراتبهم بما أينعت من ذلك رياضه وتدفقت حياضه وصدح عندليبه وصدع على منابر البيان خطيبه فللَّه الحمد على ما أوضح الحجة وأزال الغبار عن وجه المحجة. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ} أي أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته {نَتْلُوهَا } بلسان الوحي {عَلَيْكَ } ملابسة للحق الثابت الذي لا يعتريه تغيير {أية : وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }تفسير : [البقرة: 252] الذين عبروا هذه المقامات/ وصح لهم صفاء الأوقات {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} بمقتضى استعلاء أنوار استعداداتهم {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} عند تجليه على طور قلبه وفي وادي سره {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ} بفنائه عن ظلمة الوجود بالكلية وبقائه في حضرة الأنوار الإلۤهية وبلوغه مقام قاب قوسين وظفره بكنز فأوحى إلى عبده ما أوحى من أسرارهم النشأتين حتى عاد وهو نور الأنوار والمظهر الأعظم عند ذوي الأبصار {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} والآيات الباهرات من إحياء أموات القلوب والأخبار عما يدخر في خزائن الأسرار من الغيوب {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} الذي هو روح الأرواح المنزه عن النقائص الكونية والمقدس عن الصفات الطبيعية {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ} جاءوا {مّن بَعْدِهِمْ} بسيوف الهوى ونبال الضلال {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ} من أنوار الفطرة وإرشاد الرسل الآيات الواضحات {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ} حسبما اقتضاه استعدادهم الأزلي {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ} بما جاء به الوحي {وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ} عن اختلاف بأن يتحد استعدادهم {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }تفسير : [البقرة: 253] ولا يريد إلا ما في العلم وما كان فيه سوى هذا الاختلاف {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم} ببذل الأرواح وإرشاد العباد {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ} القيامة الكبرى {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} ولا تبدل صفة بصفة فلا يحصل تكميل النشأة {وَلاَ خُلَّةٌ} لظهور الحقائق {وَلاَ شَفَـٰعَةٌ} للتجلي الجلالي، {أية : وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ } تفسير : [البقرة: 254] الذين ظلموا أنفسهم بنقص حظوظها وما ظلمناهم إذ لم نقض عليهم سوى ما اقتضاه استعدادهم الغير المجعول {ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ} في الوجود العلمي {إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ} الذي حياته عين ذاته وكل ما هو حي لم يحي إلا بحياته {ٱلْقَيُّومُ} الذي يقوم بنفسه ويقوم كل ما يقوم به، وقيل: الحي الذي ألبس حياته أسرار الموحدين فوحدوا به، والقيوم الذي ربـىٰ بتجلي الصفات وكشف الذات أرواح العارفين ففنوا في ذاته واحترقوا بنور كبريائه. {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} بيان لقيوميته وإشارة إلى أن حياته عين ذاته له ما في سماوات الأرواح وأرض الأشباح فلا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن ولا يخطر خاطر في بر أو بحر وسر أو جهر إلا بقدرته وإرادته وعلمه ومشيئته {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} إذ كلهم له ومنه وإليه وبه {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من الخطرات {وَمَا خَلْفَهُمْ} من العثرات، أو ما بين أيديهم من المقامات وما خلفهم من الحالات، أو يعلم منهم ما قبل إيجادهم من كمية استعدادهم وما بعد إنشائهم من العمل بمقتضى ذلك {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ} معلوماته التي هي مظاهر أسمائه {إِلاَّ بِمَا شَاء} كما يحصل لأهل القلوب من معاينات أسرار الغيوب وإذا تقاصرت الفهوم عن الإحاطة بشيء من معلوماته فأي طمع لها في الإحاطة بذاته هيهات هيهات أنّىٰ لخفاش الفهم أن يفتح عينه في شمس هاتيك الذات؟ٰ {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} الذي هي قلب العارف {ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} لأنه معدن العلوم الإلۤهية والعلم اللدني الذي لا نهاية له ولا حد، ومن هنا قال أبو يزيد البسطامي: لو وقع العالم ومقدار ما فيه ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به، وقيل: كرسيه عالم الملكوت وهو مطاف أرواح العارفين لجلال الجبروت {وَلاَ يَؤُدُهُ} ولا يثقله {حِفْظُهُمَا} في ذلك الكرسي لأنهما غير موجودين بدونه {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ} الشأن الذي لا تقيده الأكوان {ٱلْعَظِيمُ} [البقرة: 255] الذي لا منتهى لعظمته ولا يتصور كنه ذاته لإطلاقه حتى عن قيد الإطلاق.
ابن عاشور
تفسير : لما ذكر هول يوم القيامة وذكر حال الكافرين استأنف بذكر تمجيد الله تعلى وذكر صفاته إبطالاً لكفر الكافرين وقطعاً لرجائهم، لأنّ فيها {من الذي يشفع عنده إلا بإذنه}، وجعلت هذه الآية ابتداءً لآيات تقرير الوحدانية والبعث، وأودعت هذه الآية العظيمة هنا لأنّها كالبرزخ بين الأغراض السابقة واللاّحقة. وجيء باسم الذات هنا لأنّه طريق في الدلالة على المسمى المنفرد بهذا الاسم، فإنّ العَلَم أعْرَفُ المَعارف لعدم احتياجه في الدلالة على مسمّاه إلى قرينة أو مَعُونة لولا احتمالُ تعدد التسمية، فلما انتفى هذا الاحتمالُ في اسم الجلالة كان أعرفَ المعارف لا مَحالةً لاستغنائه عن القرائن والمعونات، فالقرائنُ كالتكلّم والخطاب، والمعونات كالمَعاد والإشارةِ باليدِ والصلةِ وسبقِ العهد والإضافة. وجملة «لا إله إلاَّ هو» خبر أول عن اسم الجلالة، والمقصود من هذه الجملة إثبات الوحدانية وقد تقدم الكلام على دلالة لا إله إلاّ هو على التوحيد ونفي الآلهة عند قوله تعالى: { أية : وإلهكم إله واحد إلاّ هو } تفسير : [البقرة: 163]. وقوله: {الحي} خبر لمبتدأ محذوف، و{القيّوم} خبر ثان لذلك المبتدإالمحذوف، والمقصودُ إثبات الحياة وإبطالُ استحقاق آلهة المشركين وصف الإلهية لانتفاء الحياة، عنهم كما قال إبراهيم عليه السلام { أية : يا أبت لِمَ تعبدُ ما لا يسمع ولا يبصر } تفسير : [مريم: 42] وفُصِلت هذه الجملة عن التي قبلها للدلالة على استقلالها لأنّها لو عطفت لكانت كالتبع، وظاهر كلام الكشاف أنّ هذه الجملة مبيّنة لما تضمّنته جملة {الله لا إله إلا هو} من أنّه القائم بتدبير الخلق، أي لأنّ اختصاصه بالإلٰهية يقتضي أن لا مدبّر غيره، فلذلك فصلت خلافاً لما قرر به التفتازاني كلامَه فإنّه غير ملائم لعبارته. والحيّ في كلام العرب من قامت به الحياة، وهي صفة بها الإدراكُ والتصرّفُ، أعني كمال الوجود المتعارف، فهي في المخلوقات بانبثاث الروح واستقامة جريان الدم في الشرايين، وبالنسبة إلى الخالق ما يقاربُ أثَر صفة الحياة فينا، أعني انتفاء الجَمَادِيَّة مع التنزيه عن عوارض المخلوقات. وفسّرها المتكلّمون بأنها «صفة تصحّح لمن قامت به الإدراكَ والفعل». وفسّر صاحب «الكشاف» الحيّ بالباقي، أي الدائم الحياة بحيث لا يعتريه العدم، فيكون مستعملاً كناية في لازم معناه لأنّ إثباتَ الحياة لله تعالى بغير هذا المعنى لا يكون إلاَّ مجازاً أو كناية. وقال الفخر: «الذي عندي أنّ الحي ــــــ في أصل اللغة ــــــ ليس عبارة عن صحة العلم والقدرة. بل عبارة عن كمال الشيء في جنسه، قال تعالى: { أية : فأحيا به الأرض بعد موتها } تفسير : [الجاثية: 5]، وحياة الأشجار إيراقها. فالصفة المسمّاة ــــــ في عرف المتكلّمين ــــــ بالحياة سمّيت بذلك لأنّ كمال حال الجسم أن يكون موصوفاً بها، فالمفهوم الأصلي من لفظ الحيّ كونه واقعاً على أكمل أحواله وصفاته». والمقصود بوصف الله هنا بالحيّ إبطال عقيدة المشركين إلاهية أصنامهم التي هي جمادات، وكيف يكون مدبّر أمور الخلق جماداً. والحيّ صفة مشبهة من حيِيَ، أصله حَيِيٌ كحَذِرٍ أدغمت الياءان، وهو يائي باتفاق أئمة اللّغة، وأما كتابة السلف في المصحف كلمة حيوة بواو بعد الياء فمخالفة للقياس، وقيل كتبوها على لغة أهل اليمن لأنّهم يقولون حيوة أي حياة، وقيل كتبوها على لغة تفخيم الفتحة. والقيّوم فيعول من قام يقوم وهو وزن مبالغة، وأصله قَيْوُوم فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمتا، والمراد به المبالغة في القيام المستعمللِ ــــــ مجازاً مشهوراً ــــــ في تدبير شؤون الناس، قال تعالى: { أية : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبتْ } تفسير : [الرعد: 33]. والمقصود إثبات عموم العلم له وكمالِ الحياة وإبطالُ إلاهية أصنام المشركين، لأن المشركين كانوا يعترفون بأن مدبّر الكون هو الله تعالى، وإنّما جعلوا آلهتهم شفعاء وشركاء ومقتسمين أمور القبائل. والمشركون من اليونان كانوا قد جعلوا لكل إله من آلهتهم أنواعاً من المخلوقات يتصرّف فيها وأمماً من البشر تنتمي إليه ويَحنأ عليها. وجملة {لا تأخذه سِنة ولا نوم} مُقرّرة لمضمون جملة «الله الحيّ القيوم» ولرفع احتمال المبالغة فيها، فالجملة منزّلة منزلة البيان لمعنى الحي القيوم ولذلك فصلت عن التي قبلها. والسِّنة فِعْلة من الوسن، وهوأول النوم، والظاهر أنّ أصلها اسم هيأة كسائر ما جاء على وزن فِعله من الواوي لفاء، وقد قالوا وَسنة بفتح الواو على صيغة المرة. والسنة أول النوم، قال عدي بن الرقاع: شعر : وسنانُ أقْصَدَه النُّعَاس فَرنَّقَتْ في عينه سِنَة وليسَ بنائم تفسير : والنوم معروف وهو فتور يعتري أعصَاب الدماغ من تعب أعمال الأعصاب من تصاعد الأبخرة البدنية الناشئة عن الهضم والعمللِ العصبي، فيشتدّ عند مغيب الشمس ومجيء الظُلمة فيطلب الدمَاغ والجهاز العصبي الذي يدبّره الدمَاغ استراحةً طبيعية فيغيب الحِسّ شيئاً فشيئاً وتثقل حركة الأعضاء، ثم يغيب الحسّ إلى أن تسترجع الأعصاب نشاطها فتكون اليقظة. ونفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم؛ فإنّ السنة والنوم يشبهان الموت، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس. ونفي السنة عن الله تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه لأنّ من الأحياء من لا تعتريه السنة فإذا نام نام عميقاً، ومن الناس من تأخذه السنة في غير وقت النوم غلبة، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر، قال أبو كبير: شعر : فأتَتْ به حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّناً سُهُداً إذَا ما نَام ليلُ الهَوْجَلِ تفسير : والمقصود أنّ الله لا يحجب علمه شيء حجباً ضعيفاً ولا طويلاً ولا غلبة ولا اكتساباً، فلا حاجة إلى ما تطلّبه الفخر والبيضاوي من أن تقديم السنة على النوم مراعى فيه ترتيب الوجود، وأنّ ذكر النوم من قبيل الاحتراس. وقد أخذ هذا المعنى بشّار وصاغه بما يناسب صناعة الشعر فقال: شعر : وليلٍ دَجُوجِي تَنَامُ بناتُه وأبناؤه من طُوله ورَبَائِبه تفسير : فإنّه أراد من بنات الليل وأبنائه الساهرات والساهرين بمواظبة، وأراد بربائب الليل من هم أضعف منهم سهراً لليلِ لأنّ الربيب أضعف نسبة من الولد والبنت. وجملة {له ما في السماوات وما في الأرض} تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة لأنّ من كانت جميع الموجودات مِلكاً له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألاّ يهملها ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها. واللامُ للمِلك. والمراد بالسماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات، فقد دلت الجملة على عموم الموجودات بالموصول وصلته، وإذا ثبت ملكه للعموم ثبت أنّه لا يشذّ عن مِلكه موجود فحصل معنى الحصر، ولكنّه زاده تأكيداً بتقديم المسند ــــــ أي لا لِغيره ــــــ لإفادة الردّ على أصناف المشركين، من الصابئة عبدة الكواكب كالسريان واليونان ومن مشركي العرب لأن مجرّد حصول معنى الحصر بالعموم لا يكفي في الدلالة على إبطال العقائد الضّالة. فهذه الجملة أفادت تعليم التوحيد بعمومها، وأفادت إبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر، وهذا بلاغة معجِزة. وجملة {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} مقرّرة لمضمون جملة {له ما في السمٰوات وما في الأرض} لما أفادُه لام الملك من شمول ملكه تعالى لِجميع ما في السماوات وما في الأرض، وما تضمنّه تقديم المجرور من قَصْر ذلك الملك عليه تعالى قصرَ قلب، فبطل وصف الإلهية عن غيره تعالى، بالمطابقة. وبطل حق الإدلال عليه والشفاعة عنده ــــــ التي لا تردّ ــــــ بالالتزام، لأنّ الإدلال من شأن المساوي والمقارب، والشفاعة إدلال. وهذا إبطال لمعتقد معظم مشركي العرب لأنّهم لم يثبتوا لإلهتهم وطواغيتهم ألوهية تامة، بل قالوا: { أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله } تفسير : [يونس: 18] وقالوا: { أية : ما نعبدهم إلاَّ ليقرّبونا إلى الله زُلْفى } تفسير : [الزمر: 3]، فأكّد هذا المدلول بالصريح، ولذلك فصلت هذه الجملة عمّا قبلها. وَ {ذا} مزيدة للتأكيد إذ ليس ثمّ مشار إليه معيَّن، والعرب تزيد (ذا) لما تدل عليه الإشارة من وجود شخص معيّن يتعلق به حكم الاستفهام، حتى إذا أظهر عدم وجوده كان ذلك أدلّ على أن ليس ثمّةَ متطلع ينصب نفسه لادّعاء هذا الحكم، وتقدم القول في (من ذا) عند قوله تعالى: { أية : مَن ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } تفسير : [البقرة: 245]. والاستفهام في قوله: {من ذا الذي يشفع عنده} مستعمل في الإنكار والنفي بقرينة الاستثناء مِنه بقوله {إلا بإذنه}. والشفاعة تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة } تفسير : [البقرة: 54]. والمعنى أنّه لا يشفع عنده أحد بحق وإدلال لأنّ المخلوقات كلها ملكُه، ولكن يشفع عنده من أراد هُو أن يُظهر كرامته عنده فيأذَنَه بأن يشفع فيمن أراد هو العفوَ عنه، كما يُسند إلى الكبراء مناولة المكرمات إلى نبغاء التلامذة في مواكب الامتحان، ولذلك جاء في حديث الشفاعة: حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه الناس ليكلّم ربّه فيخفّف عنهم هَوْل موقف الحساب، فيأتي حتى يسجد تحت العرش ويتكلم بكلمات يعلّمه الله تعالى إياها، فيقال يا محمدُ ارفع رأسك، سَل تعطَه، واشفَع تشفَّعتفسير : ، فسجوده استيذان في الكلام، ولا يشفع حتى يقال اشفع، وتعليمُه الكلمات مقدّمة للإذن. وجملة {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه} تقرير وتكميل لما تضمنّه مجموع جملتي {الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} ولما تضمنّته جملة {من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه}، فإنّ جملتي {الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} دلتا على عموم علمه بما حدث ووُجد من الأكوان ولم تَدُلاّ على علمه بما سيكون فأُكد وكمل بقوله يعلمُ الآية، وهي أيضاً تعليل لجملة من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه إذ قد يتّجه سؤال لماذا حُرموا الشفاعة إلاّ بعد الإذن فقيل لأنّهم لا يعلمون من يستحقّ الشفاعة وربّما غرّتهم الظواهر، والله يعمل من يستحقّها فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولأجل هذين المعنيين فصلت الجملة عما قبلها. والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما هو ملاحظ لهم من المعلومات وما خفي عنهم أو ذهلوا عنه منها، أو ما هو واقع بعدهم وما وقع قبلهم. وأما علمه بما في زمانهم فأحرى. وقيل المستقبل هو ما بين الأيدي والماضي هوالخَلف، وقيل عكس ذلك، وهما استعمالان مبنيان على اختلاف الاعتبار في تمثيل ما بين الأيدي والخلف، لأنّ ما بين أيدي المرء هو أمامَه، فهو يستقبله ويشاهده ويسعى للوصول إليه، وما خلفه هو ما وراء ظهره، فهو قد تخلّف عنه وانقطع ولا يشاهده، وقد تجاوزه ولا يتّصل به بعد وقيل أمور الدنيا وأمور الآخرة، وهوفرع من الماضي والمستقبل، وقيل المحسوسات والمعقولات. وأياماً كان فاللفظ مجاز، والمقصود عموم العلم بسائرِ الكائنات. وضمير {أيديهم} و {خلفهم} عائد إلى {ما في السماوات وما في الأرض} بِتغليب العقلاء من المخلوقات لأنّ المراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما يشمل أحوال غير العقلاء، أو هو عائد على خصوص العقلاء من عموم ما في السموات وما في الأرض فيكون المراد ما يختصّ بأحوال البشر ــــــ وهو البعض، لضمير ولا يحيطون ــــــ لأنّ العلم من أحوال العقلاء. وعطفت جملة {ولا يحيطون بشيء من علمه} على جملة يعلم ما بين أيديهم لأنّها تكملة لمعناها كقوله: { أية : والله يعلم وأنتم لا تعلمون } تفسير : [البقرة: 216]. ومعنى يحيطون يعلمون علماً تاماً، وهومجاز حقيقته أنّ الإحاطة بالشيء تقتضي الاحتواء على جميع أطرافه بحيث لا يشذّ منه شيء من أوله ولا آخره، فالمعنى لا يعلمون ــــــ علم اليقين ــــــ شيئاً من معلوماته، وأمَّا ما يدّعونه فهو رجم بالغيب. فالعلمُ في قوله: {من علمه} بمعنى المعلوم، كالخَلْق بمعنى المخلوق، وإضافته إلى ضمير اسم الجلالة تخصيص له بالعلوم اللدُنية التي استأثر الله بها ولم ينصب الله تعالى عليها دلائل عقلية أو عادية. ولذلك فقوله: {إلا بما شاء} تنبيه على أنّه سبحانه قد يُطلع بعض أصفيائه على ما هو من خواصّ علمه كقوله: { أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول } تفسير : [الجن: 26، 27]. وقوله: {وسّع كرسيّه السموات والأرض} تقرير لما تضمّنته الجمل كلّها من عظمة الله تعالى وكبريائه وعلمِه وقدرته وبيان عظمة مخلوقاته المستلزمة عظمة شأنه، أو لبيان سعة ملكه ــــــ كذلك ــــــ كما سنبيّنه، وقد وقعت هذه الجمل مترتبة متفرّعة. والكرسي شيء يُجلس عليه مُتركب من أعواد أو غيرها موضوعة كالأعمدة متساوية، عليها سطح من خشب أو غيره بمقدار ما يسع شخصاً واحداً في جلوسه، فإن زاد على مجلس واحد وكان مرتفعاً فهو العرش. وليس المراد في الآية حقيقة الكرسي إذ لا يليق بالله تعالى لاقتضائه التحيّز، فتعين أن يكون مراداً به غير حقيقته. والجمهور قالوا: إنّ الكرسي مخلوق عظيم، ويضاف إلى الله تعالى لعظمته، فقيل هو العرش، وهو قول الحسَن. وهذا هو الظاهر لأنّ الكرسي لم يذكر في القرآن إلاّ في هذه الآية وتكرّر ذكر العرش، ولم يَرِد ذكرهما مقترنين، فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذُكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى: { أية : قل من رب السموات السبع وربُ العرش العظيم } تفسير : [المؤمنون: 86]، وقيل الكرسي غير العرش، فقال ابن زيد هو دون العرش وروى في ذلك عن أبي ذَر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ما الكرسيُ في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيَتْ بين ظهري فلاة من الأرض » تفسير : وهو حديث لم يصح. وقال أبو موسى الأشعري والسُدى والضحاك: الكرسي موضع القدمين من العرش، أي لأنّ الجالس على عرش يكون مرتفعاً عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربَّع، وروي هذا عن ابن عباس. وقيل الكرسي مثلَ لعلم الله، وروي عن ابن عباس لأنّ العالم يجلس على كرسي ليعلّم الناس. وقيل مثل لملك الله تعالى كما يقولون فلان صاحب كرسي العراق أي ملك العراق، قال البيضاوي: «ولعلّه الفلَك المسمّى عندهم بفَلك البروج». قلت أثبت القرآن سبع سماوات ولم يبيّن مسمّاها في قوله (سورة نوح): { أية : ألم تروا كيف خلق الله سبع سمٰوات طباقاً وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } تفسير : [نوح: 15، 16]، فيجوز أن تكون السمٰوات طبقات من الأجواء مختلفة الخصائص متمايزة بما يملاّها من العناصر، وهي مسبح الكواكب، ولقد قال تعالى (سورة الملك): { أية : ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح } تفسير : [الملك: 5]، ويجوز أن تكون السماوات هي الكواكب العظيمة المرتبطة بالنظام الشمس وهي: فُلكان، وعطارد، والزهرة، وهذه تحت الشمس إلى الأرض، والمريخُ، والمشتري، وزحلُ، وأورانوس، ونبتون، وهذه فوق الشمس على هذا الترتيب في البعد، إلاّ أنّها في عظم الحجم يكون أعظمها المشتري، ثم زحل، ثم نبتون، ثم أورانوس، ثم المريخ، فإذا كان العرش أكبرها فهو المشتري، والكرسي دونه فهو زُحل، والسبع الباقية هي المذكورة، ويضم إليها القمر، وإن كان الكرسي هو العرش فلا حاجة إلى عدّ القمر، وهذا هو الظاهرُ، والشمس من جملة الكواكب، وقوله تعالى: { أية : وجعل الشمس سراجاً } تفسير : [نوح: 16] تخصيص لها بالذكر للامتنان على الناس بأنّها نور للأرض، إلاّ أنّ الشمس أكبر من جميعها على كل تقدير. وإذا كانت السماوات أفلاكاً سبعة لشموس غير هذه الشمس ولكل فَلك نظامه كما لهذه الشمس نظامها فذلك جائز ــــــ وسبحان من لا تحيط بعظمةِ قدرتِه الأفهامُ ــــــ فيكون المعنى على هذا أن الله تعالى نبهنا إلى عظيم قدرته وسعة ملكوته بما يدل على ذلك مع موافقته لما في نفس الأمر، ولكنّه لم يفصّل لنا ذلك لأنّ تفصيله ليس من غرض لاستدلال على عظمته، ولأن العقول لا تصل إلى فهمه لتوقفه على علوم واستكمالات فيها لم تتمّ إلى الآن، ولتعلمُنّ نبأه بعد حين. وجُملة {ولا يؤوده حفظهما} عطفت على جملة {وَسِع كرسيهُ} لأنّها من تكملتها وفيها ضمير معادُه في التي قبلها، أي إنّ الذي أوجد هاته العوالمَ لا يعجز عن حفظها. وآده جعله ذا أود. والأوَدُ ــــــ بالتحريك ــــــ العِوَج، ومعنى آده أثقله لأن المثقَّل ينحني فيصير ذا أوَد. وعطف عليه {وهو العلي العظيم} لأنّه من تمامه، والعلو والعظمة مستعاران لشرف القدر وجلال القدرة. ولهذه الآية فضل كبيرٌ لما اشتملت عليه من أصول معرفة صفات الله تعالى، كما اشتملت سورة الإخلاص على ذلك وكما اشتملت كلمة الشهادة. في «الصحيحين» حديث : عن أبي هريرة "أنّ آتياً أتاه في الليل فأخذ من طعام زكاة الفطر فلما أمسكه قال له إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال معك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح" فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "صدقك وذلك شيطان"تفسير : ، وأخرج مسلم حديث : عن أبي ابن كعب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ــــــ قلت ــــــ اللَّهُ لا إله إلاّ هو الحيّ القيلأم، فضرب في صدري وقال: واللَّهِ لِيَهْنِك العلمُ أبا المُنذر" تفسير : . وروى النسائي: « حديث : من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلاّ الموت » تفسير : ، وفيها فضائل كثيرة مجرّبة للتأمين على النفس والبيت.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الله: عَلَمُ على ذات الرب تبارك وتعالى. لا إله إلا هو: الإِله، المعبود، ولا معبود بحق إلا الله، إذ هو الخالق الرزاق المدبر بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء، وما عداه من الآلهة فعبادتها بدون حق فهي باطلة. الحيّ: ذو الحياة العظيمة التي لا تكون لغيره تعالى وهي مستلزمة للقدرة والإِرادة والعلم والسمع والبصر والكلام. القيوم: القائم بتدبير الملكوت كله علويه وسفليّه، القائم على كل نفس بما كسبت. السِّنة: النعاس يسبق النوم. كرسيّه: الكرسي: موضع القدمين، ولا يعلم كنهه إلا الله تعالى. يؤوده: يثقلة ويشق عليه. معنى الآية الكريمة: لما أخبر تعالى عن يوم القيامة وأنه يوم لا بيع فيه ولا شفاعة وأن الكافرين هم الظالمون، أخبر عن جلاله وكماله وعظيم سلطانه وأنه هو المعبود بحق وأن عبادته هي التي تنجي من أهوال يوم القيامة فقال: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}: أي أنه الله المعبود بحق ولا معبود بحق سواه. {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} الدائم الحياة التي لم تسبق بموت ولم يطرأ عليها موت. القيوم: العظيم القيّوميّة على كل شيء. لولا قيّوميّته على الخلائق ما استقام من أمر العوالم شيء: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}: إذ النعاس والنوم من صفات النقص وهو تعالى ذو الكمال المطلق. وهذه الجملة برهان على الجملة قبلها، إذ من ينعس وينام لا يتأتى له القيومية على الخلائق ولا يسعها حفظاً ورزقاً وتدبيراً. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}: خلقاً وملكاً وتصرفاً، {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}: ينفي تعالى وهو الذي له ما في السماوات وما في الأرض ينفي أن يشفع عنده في الدنيا أو في الآخرة أحد كائن من كان بدون أن يأذن له في الشفاعة. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}: لكمال عجزهم. {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}: لكمال ذاته. {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}: ولا يثقله أو يشق عليه حفظ السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما. {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ}: العلي الذي ليس فوقه شيء والقاهر الذي لا يغلبه شيء، العظيم الذي كل شيء أمام عظمته صغير حقير. هداية الآية الكريمة: من هداية هذه الآية: 1- أنها أعظم آية في كتاب الله تعالى اشتملت على ثمانية عشرا إسماً لله تعالى ما بين ظاهر ومضمر، وكلماتها خمسون كلمة وجملها عشر جمل كلها ناطقة بربوبيته تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته الدالة على كمال ذاته وعلمه وقدرته وعظيم سلطانه. 2- تستحب قراءتها بعد الصلاة المكتوبة، وعند النوم، وفي البيوت لطرد الشيطان.
القطان
تفسير : القيوم: الدائم القيام بتدبير خلقه. لا تأخذه: لا تستولي عليه. سنة: فتور يتقدم النوم، نعاس. الكرسي: إما العرش، أو العِلم الالَهي. يئوده: يثقله. في هذه الآية الكريمة التي اشتهرت باسم آية الكرسي تقرير أصول الدين في توحيد الله وتنزيهه حتى يستشعر العبد عظيم سلطانه، ووجوب طاعته، والوقوف عند حدوده. وقد جمعت هذه الآية أصول الصفات الالَهية ايضاً، فهو واحد حيّ، قيُّوم لا يصيبه نعاس ولا نوم، له ما خفي من العالم وما بطن، مطلق التصرف لا يَرُدُّ حُكمه شفيع، عالم بخفيّات الأمور لا يستطيع أحد ان يدرك شيئاً من علمه الا ما أراد ان يُعلم به من يرتضيه، وسع علمُه كل شيء في السموات والأرض، ولا يشقّ عليه حفظهما وتدبيرهما، وهو العلي العظيم. وانها لآيةٌ تملأ القلب مهابة من الله وجلاله وكماله، حتى لا تدع موضعاً للغرور بالشفعاء. وهي آية جليلة الشأن، عميقة الدلالة. وقد ورد في حديث أخرجه الإمام احمد عن أسماء بنت يزيد "إنها أعظم آية في كتاب الله وانها مشتملة على اسم الله الأعظم".
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {يَؤُودُهُ} (255) - هَذِهِ آيةُ الكُرْسِيِّ، وَلَهَا شَأنٌ عَظِيمٌ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى عَشِرْ جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ: اللهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ - وَهُوَ إخْبَارٌ بِأنَّهُ تَعَالَى هُوَ المُتَفَرِّدُ بِالألُوهِيَّةِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعبَدَ دُونَ سِوَاهُ. الحَيُّ القَيُّومُ - الحَيُّ فِي نَفْسِهِ، الذِي لاَ يَمُوتُ أبداً. وَالقَيِّمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ القَائِمُ بِتَدْبِيرِ أمْرِ عِبَادِهِ، يَكْلُؤهُمْ وَيَحْفَظَهمْ وَيَرَعَاهُمْ وَيَرْزُقُهُمْ، وَلا قِوَامَ لِلْمَخْلُوقَاتِ بِدُونِ أمْرِهِ. لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ - لاَ يَعْتَرِيهِ نَقْصٌ وَلا غَفْلَةٌ وَلا ذُهُولٌ عَنْ خَلْقِهِ، وَمِنْ تَمَامِ القَيُومَةِ أنْ لاَ يَعْتَرِيهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، لأنَّ اعْتِراءَ النُّعَاسِ وَالوَسَن دَليلٌ عَلَى العَجْزِ وَالضُّعْفِ. لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ - وَهُوَ إِخْبَارٌ بأنَّ جَميعَ مَنْ فِي الكَوْنِ عَبيدٌ لَهُ وَفي مُلْكِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَهُوَ المُتَصَرِّفُ بِشُؤونِهِمْ، الحَافِظُ لِوُجُودِهِمْ. مَنْ ذا الذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإذْنِهِ - وَمِنْ عَظَمَتِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ وَعَلا، لاَ يَجْرُؤْ أَحْدٌ عَلَى أنْ يَشْفَعَ لأَِحَدٍ عِنْدَهُ إلا إذا أذِنَ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ، وَلا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ بِدُونِ إِذْنِهِ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ - وَهذا دَلِيلٌ عَلَى إِحَاطَتِهِ عِلْماً بِكُلِّ شَيءٍ فِي المَاضِي وَالحَاضِرِ وَالمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أُمُورَ الدُّنيا التِي خَلَّفُوهَا، وَأُمُورَ الآخِرَةِ التِي يَسْتَقْبِلُونَها. وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ - وَلاَ يَطَّلعُ أحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى شَيءٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ إلاَّ مَا عَلَّمَهُ اللهُ، وَأطْلَعَهُ عَلَيهِ، وَأذِنَ لَهُ بِهِ. وَلا يُعرف إذْنُهُ تَعَالَى إِلاَّ بِوَحْيٍ مِنْهُ. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ - وَالكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا الْكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إِلاَّ كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ. وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا - وَلاَ يُعْجِزُهُ حِفْظُ السَّماوَاتِ وَالأرْضَ وَما فِيهِمَا وَمَا بَيْنَهُمَا بَلْ هُوَ سَهْلٌ عَلَيْهِ يَسِيرٌ؛ فَلاَ يَعْزِبُ عَنْ عِلْمِهِ شَىءٌ، وَلا يَغَيبُ عَنْهُ شَىءٌ. وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ - وَهُوَ الكَبِيرُ المُتَعَالِي عَنِ النَّقْصِ، العَظِيمُ بِجَلاَلِهِ وَسُلْطَانِهِ.
الثعلبي
تفسير : {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} الآية. عن أُبيّ بن كعب قال: سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا أبا المنذر أي آية في كتاب الله عزّ وجلّ أعظم"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قالها ثلاثاً ثم سألني، فقلت: الله ورسوله أعلم، ثم سألني فقلت: الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم، فضرب في صدري ثم قال: "هنيئاً لك العلم يا أبا المنذر والذي نفسي بيده إنّ لها لساناً تقدّس الملك عند ساق العرش ". تفسير : عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ آية الكرسي دبر كلّ صلاة مكتوبة كأن الذي يتولّى قبض نفسه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى استشهد ". تفسير : روى إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكّل الناجي" حديث : إنّ أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة وكان فيه تمر، فذهب يوماً وفتح الباب فإذا التمر قد أُخذ منه ملء كفّ، ثم دخل يوماً آخر وقد أخذ منه ذلك، ثم دخل يوماً آخر فإذا قد أُخذ منه مثل ذلك، قال: فذكر ذلك أبو هريرة للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم "أيسرّك أن تأخذه"؟ قال: نعم. قال: فإذا فتحت الباب فقل سبحان مَنْ سخّرك لمحمد صلى الله عليه وسلم. قال: فذهب ففتح الباب فقال: سبحان مَنْ سخّرك لمحمد، فإذا هو قائم بين يديه فقال له: ياعدو الله أنت صاحب هذا؟ قال: نعم، وقال لي: لا أعود، ما كنت آخذه منك إلاّ لأهل بيت فقراء من الجن، ثم عاد فذكره للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له: "أيسرّك أن تأخذه" قال: نعم، قال: "فإذا فتحت فقل مثل ذلك أيضاً"، ففتح الباب فقال: سبحان مَنْ سخّرك لمحمد، فإذا هو قائم بين يديه، فقال له: ياعدو الله أليس زعمت أنّك لا تعود؟ قال: دعني هذه المرّة فإنّي لا أعود. فأخذه الثالثة فقال له: أليس عاهدتني أن لا تعود، اليوم لا أدعك حتى أذهب بك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: لا تفعل فإنّك إنّ تدعني علّمتك كلمة إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير ذكر ولا أُنثى. قال له: لتفعلن؟ قال: نعم، قال: فما هي؟ قال: الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم، حتّى ختمها، فتركه فذهب فلم يعد، فذكر ذلك أبو هريرة للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما علمت يا أبا هريرة أنّه كذلك ". تفسير : عن جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا عليّ آية نزلت من كنوز العرش خرّ كلّ صنم يُعبد في المشرق والمغرب على وجهه" تفسير : وفزع إبليس. وقال: يحدث في هذه الليلة حدث كبير فانظروني أضرب لكم مشارق الأرض ومغاربها، فأتى يثرب فاستقبله رجل (فتراءى) له إبليس في صورة شيخ. قال: ياعبد الله هل حدث هذه الليلة أو في هذا اليوم شيء؟ قال: نعم، أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه نزلت عليه آية أصبح كلّ صنم خاراً على وجهه، فانصرف إبليس إلى أصحابه وقال: حدث بيثرب أعظم الحدث [فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت]، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما قُرأت هذه الآية في دار إلاّ هجره الشيطان ثلاثة أيام أو قال ثلاثين يوماً ولا يدخله ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة. يا علي علّم ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها ". تفسير : وعن عطيّة العوفي عن علي رضي الله عنه قال سمعت نبيّكم صلى الله عليه وسلم على أعواد المنبر وهو يقول: "حديث : مَنْ قرأ آية الكرسي في دبر كلّ صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنّة إلاّ الموت ولا يواظب عليها إلاّ صدّيق أو عابد، ومَنْ قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله ". تفسير : عن أنس وعن جابر رفعا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران من داوم على قرآة آية الكرسي دبر كلّ صلاة أعطيته قلوب الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصدّيقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم أمنعه أن أدخله الجنّة إلاّ أن يأتيه الموت. قال موسى: إلهي ومَنْ يداوم عليها؟ قال: لا يداوم عليها إلاّ نبي أو صدّيق أو رجل قد رضيت عنه أو رجل أُريد قتله في سبيلي ". تفسير : محمد بن كعب الفرضي عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ خرج من منزله فقرأ آية الكرسي بعث الله إليه سبعين ألفاً من الملائكة يستغفرون له ويدعون له، فإذا رجع إلى منزله ودخل بيته فقرأ آية الكرسي نزع الله الفقر من بين عينيه ". تفسير : نافع عن ابن عمر قال:" حديث : بينا عمر بن الخطاب جالس في مسجد المدينة في جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتذاكرون فضائل القرآن إذ قال قائل منهم: خاتمة براءة، وقال قائل: خاتمة بني إسرائيل، وقال قائل: كهيعص [وقال قائل: طه] فقدّم القوم وأخروا، فقال عليّ عليه السلام: وأين أنتم يا أصحاب محمد عن آية الكرسي؟ فقالوا له: أخبرنا يا أبا الحسن ما سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول؟ فقال عليّ (رضي الله عنه): قال النبيّ صلى الله عليه وسلم ياعلي سيّد النبيين آدم، وسيّد العرب محمد ولا فخر، وسيّد الفرس سلمان، وسيّد الروم صهيب، وسيّد الحبشة بلال، وسيّد الجبال الطور، وسيّد الشجر السدر، وسيّد الشهور الأشهر الحرم، وسيّد الأيام يوم الجمعة، وسيّد الكلام القرآن، وسيّد القرآن البقرة، وسيّد البقرة آية الكرسي. ياعلي إنّ فيها لخمسين كلمة في كل كلمة خمسون بركة ". تفسير : عمر بن أبي المقدام قال سمعت أبا جعفر الباقر يقول: "مَنْ قرأ آية الكرسي مرّة صرف عنه ألف مكروه من مكروه الدنيا وألف مكروه من مكروه الآخرة، أيسر مكروه الدنيا الفقر وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر". قوله تعالى {ٱللَّهُ} إلهاً، رفع بالابتداء وخبره في {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}. وقيل: هو رفع بالإيجاب والتحقيق كقوله عزّ وجلّ: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} تفسير : [آل عمران: 144]. و{ٱلْحَيُّ} من له الحياة، وهي الصفة التي يكون الموصوف بها حيّاً مخالفاً للجمادات والأموات وهو على وزن فعل مثل الحذر والطمع، فسكنت الياء وأُدغمت. و{ٱلْقَيُّومُ} فيعول من القيام وفيه ثلاث لغات: القيام وهي قراءة عمر بن مسعود والنخعي والأعمش، والقيّم وهي قراءة علقمة، والقيّوم وهي قراءة الباقين، وكلّها لغات بمعنى واحد، والأصل: قيوم وقيوام وقيّوم كما يقال: مافي الدار ديّور وديّار ودير. والقيّوم: المبالغ في القيام على خلقه. قال مجاهد: القيّوم: القائم على كلّ شيء، سعيد بن جبير: الذي لا نرى له، الضحاك: الدائم، أبو روق: الذي لا يلي، الربيع: القيّم على كلّ شيء يحفظه ويرزقه، الكلبي: القائم على كلّ نفس بما كسبت، أبو عبيد: الذي لا يزول. قال أُحية: لم يخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقوم قدره المهيمن القيّوم والحشر والجنّة والجحيم إلاّ لأمر شأنه عظيم. قتادة عن أنس إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدعوا: ياحيّ ياقيّوم، وكان ابن عباس يقول: أعظم أسماء الله عزّ وجلّ الحيّ القيّوم وهو دائماً أهل الخير. يدلّ عليه ما روى القاسم عن أبي إمامة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : إنّ اسم الله الأعظم لفي سور من القرآن ثلاث: البقرة وآل عمران وطه ". تفسير : قال بعضهم: فنظرت في هذه السور الثلاث فرأيت فيها اسماً ليس في شيء من القرآن: في آية الكرسي {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ}. وفي آل عمران {أية : الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} تفسير : [1-2]. وفي طه {أية : وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} تفسير : [طه: 111]. {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}، قال المفسّرون: السّنة: النعاس، وهو النوم الخفيف وهو ريح تجيء من قبل الرأس لينة فتغشي العين، ورجل وسنان إذا كان بين النائم واليقظان يقال له: وسن يوسن وسناً وسنة فهو وسنان. قال ابن الرقاع: شعر : وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنةً وليس بنائم تفسير : {وَلاَ نَوْمٌ} والنوم هو المستثقل المزيل للقوّة والعقل، فنفى الله تعالى عن نفسه النوم لأنّه آفة ولا يجوز عليه الآفات ولأنّه تغيّر ولا يجوز عليه تغيّر الأحوال، ولأنّه قهر والله تعالى قاهر غير مقهور، ولأنّه للإستراحة ولا يناله تعب فيسترح ولأنّه أخ الموت. محمد بن المنكدر عن جابر قال:" حديث : سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أينام أهل الجنّة؟ قال: لا: النوم أخ الموت ولا يموت أهل الجنّة" تفسير : ولأنّه لو نام العقل ولو غفل لأختلّ ملكه وتدبيره. أبو عبيدة عن أبي موسى قال:" حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: إنّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ولكنّه يرفع القسط ويخفضه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". تفسير : عكرمة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر قال: "حديث : وقع في نفس موسى هل ينام الله عزّ وجلّ، فأرسل الله إليه مَلَكاً (فأرّقه ثلاثاً ثم) أعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ويحبس أحدهما عن الأخرى حتّى نام نومه واصطكت يداه فانكسرت القارورتان ". تفسير : قال: ضرب الله تعالى مثلاً أن الله سبحانه لو نام لم يستمسك السماء والأرض. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ملكاً وخلقاً. {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} بأمره، قال أهل الاشارة: في هذه الآية جذب بها قلوب عباده إليه عاجلاً وآجلاً فسبحان مَنْ لا وسيلة إليه. الآية: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} قال مجاهد وعطاء والحكم والسدي: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أمر الدنيا {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أمر الآخرة. الضحاك والكلبي: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يعني الآخرة لأنّه يقدمون عليها {وَمَا خَلْفَهُمْ} الدنيا لأنّهم يخلفونها ابن جريج: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يعني ما كان قبل خلق الملائكة {وَمَا خَلْفَهُمْ} وما يكون بعد خلقهم. وقيل: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يعني ما فعلوه من خير وشرّ {وَمَا خَلْفَهُمْ} وأمامهم ما فعلوه. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} أي علم الله {إِلاَّ بِمَا شَآءَ} أن يعلّمهم ويطلعهم عليه {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي ملأ وأحاط به، واختلفوا في الكرسي، فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: علمه، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كراسة. ومنه قول الراجز في صفة قانص: شعر : حتى إذا ما جأه تكرّساً تفسير : يعني: علم. ويقال للعلماء: الكراسيّ. قال الشاعر: شعر : يحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين نتوب تفسير : وقال بعضهم: سلطانه وملكه وقدرته. والعرب تُسمّي أصل كلّ شيء الكرسي. يقال: فلان كريم الكرسي أي الأصل. قال العجاج: شعر : قد علم القدوس مولى القدس أن أبا العباس أولى النفس بمعدن الملك الكريم الكرسي تفسير : قال الثعلبي: رأيت في بعض التفاسير {كُرْسِيُّهُ}: سرّه. وأنشدوا فيه: شعر : مالي بامرك كرسيّ أكاتمه وهل بكرسيّ علم الغيب مخلوق تفسير : وزعم محمد بن جرير الطبري أن الكرسي: الأجل، أي وسع [أجله] السماوات والأرض. وقال أبو موسى والسدّي وغيرهما: هو الكرسي بعينه، وهو لؤلؤ، وما السماوات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس. وقال عليّ ومقاتل: كلّ قامة من الكرسي طولها مثل السماوات السبع والأرضين السبع وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكلّ مَلَك أربعة وجوه أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمس مائة عام: مَلَك على صورة سيّد البشر آدم عليه السلام وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة، وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل من دون الله، ومَلَك على صورة سيّد الأنعام وهو الثور وهو يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل من دون الله، ومَلَك على صورة سيّد السباع وهو الأسد يسأل الرزق للسباع من السنة إلى السنة، ومَلَك على صورة سيّد الطير وهو النسر يسال الله الرزق للطيور من السنة إلى السنة. أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر قال: قلت:" حديث : يارسول الله إيّما آي أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي". ثم قال: يا أبا ذر ما السماوات السبع مع الكرسي إلاّ كحلقة [من حديد] ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ". تفسير : وفي بعض الأخبار أن بين حملة العرش وبين حملة الكرسي سبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور، غَلِظ كلّ حجاب مسيرة خمس مائة عام، لولا ذلك لأحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش. قال الحسن البصري: الكرسي هو العرش بعينه. وحكى الأُستاذ أبو سعيد عبد الملك عن أبي عثمان الزاهد عن بعض المتقدّمين: أنّ الكرسي اسم مَلَك من الملائكة أضافه إلى نفسه تخصيصاً وتفضيلاً فنبّه به عباده على عظمته وقدرته. فقال: إن خلقاً من خلقي [وسع] السماوات والأرض فيكف تقدر قدرتي وتعرف عظمتي. والله أعلم. {وَلاَ يَؤُودُهُ} أي لا يثقله ولا يجهده ولا يشق عليه. قالت الخنساء: شعر : وحامل الثقل بالأعباء قد علموا إذا يؤود رجالاً بعض ما حملوا تفسير : وقيل: يؤوده أي يسقطه من ثقله. قال الشاعر: شعر : إليّ وما سحروا عداة منّا عند الحمار يؤودها العقل تفسير : {حِفْظُهُمَا} حفظ السماوات والأرض {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ} الرفيع فوق خلقه في التدبير والقوّة والقدرة لا بالمسافة والمكان والجهة {ٱلْعَظِيمُ} فلا شيء أعظم منه. قال المفسّرون: سبب نزول هذه الآية أنّ الكفّار كانوا يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الآية. قال مجاهد:" حديث : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يكنّى (أبو الحصين) وكان له ابنان فقدم تجّار الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما أراد الرجوع إلى المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانيّة فتنصّرا وخرجا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبهما، فانزل الله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} فقال صلى الله عليه وسلم "أبعدهما الله فهما أوّل مَنْ كفر" فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الآية ". تفسير : قال: وكان هذا قبل أن يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال أهل الكتاب ثم نسخ قوله: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة. وهكذا قال ابن مسعود وابن زيد: أنّها منسوخة بآية السيف، وقال الباقون: هي محكمة. سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مثقلاً لا يعيش لها ولد ونذوراً فتنذر لئن عاش لها ولد لتهوّدنّه، فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم أناس من الأنصار فقالت الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا وأخواننا، فكست عنهم صلى الله عليه وسلم فنزلت: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}. الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قد خُيّر أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فاجعلوهم معهم ". تفسير : قال: وكان الفصل مابين الأنصار واليهود إجلاء بني النضير فمن لحق بهم اختارهم ومن أقام اختار الإسلام. وقال المفسّرون:" حديث : كان لرجل من الأنصار من بني سالم ابنان فتنصّرا قبل أن يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام فأتاهما أبوهما فلزمهما وقال: لا ادعكما حتى تُسلما، فأبيا أن يسلما فأختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فأنزل الله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} الآية، فخلّى سبيلهما ". تفسير : ابن أبي [حاتم] عن مجاهد قال: كان ناس مسترضعين في اليهود قريظة والنظير فلما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير فقال نسائهم من الأوس الذين كانوا مسترضعين فيهم: لنذهبن معهم ولتذنبن بذنبهم فمنعهم أهلوهم وأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام فنزلت هذه الآية {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}. قتادة والضحاك وعطاء وأبو روق والواقدي: معنى {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} بعد إسلام العرب إذا قبلوا الجزية، وذلك أن العرب كانت أمّة أميّة لم يكن لهم دين ولا كتاب فلم يقبل عنهم إلاّ الإسلام أو السيف وأكرهوا على الإسلام فلم يقبل منهم الجزية، ولما أسلموا ولم يبق أحد من العرب إلاّ دخل في الإسلام طوعاً أو كرهاً، أنزل الله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} فأمر أن يقاتل أهل الكتاب والمجوس والصابئين على أن يسلموا أو أن يقرّوا بالجزيّة فمن أقرّ منهم بالجزية قُبلت منه وخلّى سبيله ولم يكره على الإسلام. وقال مقاتل:" حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يقبل الجزية إلاّ من أهل الكتاب، فلما أسلمت العرب طوعاً أو كرهاً، قبل الخراج من غير أهل الكتاب فكتب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوي وأهل هُجر يدعوهم إلى الإسلام: "إن مَنْ شهد شهادتنا وصلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا وكان بديننا فذلك المسلم الذي له ذمّة الله وذمّة رسوله، فإن أسلمتم فلكم مالنا وعليكم ما علينا ومَنْ أبى الإسلام فعليه الجزية". فكتب المنذر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّي قرأت كتابك على أهل هجر فمنهم مَنْ أسلم ومنهم مَنْ أبى، فأمّا اليهود والمجوس فأقرّوا الجزيّة وكرهوا الإسلام فرضي النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم بالجزية، فقال منافقوا أهل المدينة: زعم محمد أنّه لم يؤمر بأخذ الجزية إلاّ من أهل الكتاب فما باله قبله من مجوس هجر وقد ردّ ذلك على آبائنا وأخواننا حتّى قتلهم، فشق ذلك على المسلمين، فذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}" تفسير : يعني بعد إسلام العرب. وروى شريك عن عبد الله بن أبي هلال عن وسق قال: كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وكنت نصرانيّاً وكان يقول: يا وسق أسلم فإنّك لو أسلمت لولّيتك بعض أعمال المسلمين فإنّه ليس يصلح أن يلي أمرهم مَنْ ليس على دينهم، فأبيت عليه فقال: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} فلما مات أعتقني، وقال ابن أبي نجيح: سمعت مجاهداً يقول لغلام له نصراني: يا جرير أسلم، ثم قال: هكذا كان يقال: [أم لا يكرهون]. وقال الزجاج وغيره: هو من قول العرب: أكرهت الرجل إذا نسبته إلى الكره كما يقال: أكفرته وأفسقته وأظلمته إذا نسبته إليها. قال الكميت: شعر : وطائفة قد أكفروني بحبّكم وطائفة قالوا مسيءٌ ومذنب تفسير : ومعنى الآية: لا تقولوا لمن دخل بعد الحرب في الإسلام: أنّه دخل مكرهاً، ولا تنسبوا فمن دخل في الإسلام إلى الكره يدلّ عليه قوله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} تفسير : [النساء: 94]. {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} قد ظهر الكفر من الإيمان والهدى من الضلالة والحق من الباطل، عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "حديث : مَنْ أطاع الله ورسوله فقد رشد ". تفسير : وعن مقاتل بن حسّان قال: زعم الضحاك أن الناس لما دخلوا في الإسلام طوعاً أو كرها ولم يبق من عدو نبيّ الله من مشركي العرب أحد إلاّ دخلوا في الإسلام طوعاً أو كرها وأكمل الدين نزل: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} مَنْ شاء أسلم ومَنْ شاء أعطى الجزية. وقرأ الحسن ومجاهد والاعرج {ٱلرُّشْدُ} بفتح الراء والشين وهما لغتان كالحزن والحزن والبُخل والبَخل. وقرأ عيسى بن عمر: {ٱلرُّشْدُ} بضمّتين. وقرأ الباقون بضم الراء وجزم الشين وهما لغتان كالرُعب والرَعب، والسُحت والسَحت. {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ} يعني الشيطان، قاله ابن عمرو ابن عباس ومقاتل والكلبي. وقيل: هو الصنم، وقيل: الكاهن، وقيل: هو كلّ ما عُبد من دون الله. وقال أهل المعاني: الطاغوت: كلّ مايغطي الإنسان، وهو فاعول من الطغيان زيدت التاء فيه بدلاً من لام الفعل، كقوله: حانوت وتابوت. وقال أهل الاشارة: طاغوت كلّ امرىء نفسه بيانه قوله {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} [يوسف: 53] الآية. {وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ} عن سعيد قال: الإيمان: التصديق، والتصديق أن يعمل العبد مما صدّق به من القرآن. وعن ابن عباس قال: أخبر الله تعالى إنّ الإيمان هو العروة الوثقى ولا يقبل عمل إلاّ به، وعن ابن عباس أيضاً قال: أخبر الله تعالى أنّ الإيمان لا إله إلاّ الله. {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ} تمسك واعتصم {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} بالعصمة الوثيقة المحكمة {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي ناصرهم ومعينهم وقيل محبهم وقيل متولي أمرهم لا يكلهم إلى غيره. يقال: توليت أمر فلان وولّيته ولاية بكسر الواو، وقيل: أولى وأحق بهم لأنّه يربّهم، وقال الحسن: ولي هداهم. {يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي من الكفر والضلالة إلى الإيمان والهداية، وكذلك كانوا في علم الله عزّ وجلّ قبل أنّ يخلقهم، فلما خلقهم مضى فيهم علمه فآمنوا. وقال الواقدي: كلّ شيء في القرآن من الظلمات والنور فإنّه أراد به الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1] فإنّه يعني به الليل والنهار. قال ابن عباس: هؤلاء قوم كفروا بعيسى عليه السلام ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأخرجهم [من الكفر] بعيسى إلى إيمانهم بالمصطفى وسائر الأنبياء (عليهم السلام)، وقال غيره: هو عام لجميع المؤمنين، وقال ابن عطاء: هذه الآية [تغنيهم من] صفاتهم بصفة فيصيرون قائمين بالحق للحق مع الحق. الواسطي: يخرجهم من ظلمات نفوسهم إلى آدابها كالرضا والصدق والتوكّل والمعرفة والمحبّة. أبو عثمان: يخرجهم من رؤية الأفعال إلى رؤية المنن والأفضال، وقيل: يخرجهم من ظلمات الوحشة والفرقة إلى نور الوصيلة والقربة. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} هكذا قرأه العامّة وقرأ الحسن الطواغيت على الجمع. قال أبو حاتم: العرب تجعل الطاغوت واحداً وجمعاً ومذكّراً ومؤنّثاً. قال الله تعالى في الواحد والمذكّر {أية : يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} تفسير : [النساء: 60]. وقال في المؤنّث: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} تفسير : [الزمر: 17] وقال في الجمع: {يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ}. قال ابن عباس: يعني بالطاغوت الشيطان. قال مقاتل يعني كعب بن الأشرف، ويحيى بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة يُخرجونهم ويدعونهم من النور إلى الظلمات، دليله قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [إبراهيم: 5] يعني أدعوهم. فإن قيل: ما وجه قوله {يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} وهم كفّار لم يكونوا في نور قط وكيف يخرجونهم ممّا لم يدخلوا فيه. فالجواب ما قال مقاتل وقتادة: هم اليهود كانوا مؤمنين بمحمّد صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث فلما بُعث كفروا به وجحدوا ما وجدوه في كتبهم من نعته وصفته ونبوّته بيانه قوله: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89] فذلك خروجهم من النور يعني بإيمانهم بمحمد قبل البعث، ويعني بالظلمات كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد البعث، والإدخال والإخراج الى الله عزّ وجلّ لا إلى غيره إلاّ على سبيل الشريعة والتفريع. قال الله عزّ وجلّ: {أية : وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} تفسير : الإسراء: 80]، وأجراها أهل المعاني على العموم في جميع الكفّار. وقالوا: منعه إياهم من الدخول فيه إخراج، وهذا كما يقول الرجل لأبيه: أخرجتني من مالك ولم يكن فيه، فقال الله تعالى إخباراً عن يوسف: {أية : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [يوسف: 37] ولم يكن أبداً على دينهم حتّى تركه قال الله تعالى {أية : وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ} تفسير : [النحل: 70] ولم يكن فيه قط. وقال أمرؤ القيس: شعر : ويأكلون البدل قد عاد احِماً قط قال له الأصوات ذي كلا نجلى تفسير : وقال آخر: شعر : أطعت النفس في الشهوات حتّى أعادتني عسيفا عبد عبد تفسير : ولم يكن عبداً قط. وقال الغنوي: شعر : فإنّ تكن الأيام أحسن مرّة إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونقف بالتأمل الآن عند قوله الحق: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 255]. إن كلمة "الله" هي عَلَمٌ على واجب الوجود. وعندما نقول: "الله" فإن الذهن ينصرف إلى الذات الواجبة الوجود. ما معنى "واجبة الوجود"؟ إن الوجود قسمان: قسم واجب، وقسم ممكن. والقسم الواجب هو الضروري الذي يجب أن يكون موجوداً، والحق سبحانه وتعالى حين أعلمنا باسمه "الله" أعطانا فكرة على أن كلمة "الله" هذه يتحدى بها - سبحانه - أن يُسمى بها سواه. ولو كنا جميعاً مؤمنين لكان احترامنا لهذا التحدي نابعاً من الإيمان. ولكنْ هناك كافرون بالله ومتمردون وملحدون يقولون: "الله خرافة"، ومع ذلك هل يجرؤ واحد من هؤلاء أن يسمي نفسه "الله"؟ لم يفعل أحد هذا؛ لأن الله تحدى بذلك، فلم يجرؤ واحد أن يدخل في هذه التجربة. وعدم جرأة الكفار والملاحدة في أن يدخلوا في هذه التجربة دليل على أن كفرهم غير وطيد في نفوسهم، فلو كان كفرهم صحيحاً لقالوا: سنسمي ونرى ما يحدث، ولكن هذا لم يحدث. إذن "الله" علم واجب الوجود المتصف بكل صفات الكمال. وبعد ذلك جاء بالقضية الأساسية وهي قوله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 255] وهنا نجد النفي ونجد الإثبات، النفي في "لا إله"، والإثبات في "إلا هو". والنفي تخلية والإثبات تحلية. خلى سبحانه نفسه من وجود الشريك له ثم أثبت لنا وحدانيته. و"لا إله إلا هو" أي لا معبود بحق إلا الله. ونعرف أن بعضاً من البشر في فترات الغفلة قد عبدوا أصناماً وعبدوا الكواكب. ولكن هل كانت آلهة بحق أم بباطل؟ لقد كانت آلهة بباطل. ودليل صدق هذه القضية التي هي "لا إله إلا الله"، أي لا معبود إلا الله أن أحداً من تلك الآلهة لم يعترض على صدق هذه القضية. إذن فهذا الكلام هو حق وصدق. وإن ادعى أحد غير ذلك، نقول له: إن الله قد أخبرنا أنه لا معبود بحق غيره؛ لأنه هو الذي خلق وهو الذي رزق، وقال: أنا الذي خلقت. إن كان هذا الكلام صحيحاً فهو صادق فيه، فلا نعبد إلا هو. وإن كان هذا الكلام غير صحيح، وأن أحداً غيره هو الذي خلق هذا الكون فأين هذا الأحد الذي خلق، ثم ترك من لم يخلق ليأخذ الكون منه ويقول: "أنا الذي خلق الكون"؟ إنه أمر من اثنين، الأمر الأول: هو أنه ليس هناك إله غيره. فالقضية - إذن - منتهية. والأمر الآخر: هو أنه لو كان هناك آلهة أخرى، وبعد ذلك جاء واحد وقال: "أنا الإله وليس هناك إله إلا أنا". فأين هذه الآلهة الأخرى؟ ألم تعلم بهذه الحكاية؟ إن كانوا لم يعلموا بها، فهم لا يصلحون أن يكونوا آلهة، وإن كانوا قد علموا فلماذا لم يقولوا: لا. نحن الآلهة، وهذا الكلام كذب؟ وكما بعث الله رسلاً بمعجزات كان عليهم أن يبعثوا رسولاً بمعجزات. فصاحب الدعوة إذا ادّعاها ولم يوجد معارض له، تثبت الدعوى إلى أن يوجد مُنازِع. إذن كلمة "لا إله إلا الله" معها دليل الصدق؛ لأنه إما أن يكون هذا الكلام حقاً وصدقاً فتنتهي المسألة، وإن لم يكن حقاً فأين الإله الذي خلق والذي يجب أن يُعبد بعد أن سمع من جاء ليأخذ منه هذه القضية؟ وبعد ذلك لا نسمع له حساً ولا حركة، ولا يتكلم، ولا نعلم عنه شيئاً، فما هو شأنه؟ إما أنه لم يعلم فلا يصلح أن يكون إلهاً؛ لأنه لو كان قد علم ولم يرد فليست له قوة. ولذلك ربنا سبحانه يأتي بهذه القضية من ناحية أخرى فيقول:{أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً}تفسير : [الإسراء: 42-43]. فلو كان عند تلك الآلهة المزعومة مظاهر قوة لذهبوا إلى الله سبحانه وتعالى وأنكروا ألوهيته، ولو كان هناك إله غير الله لحدثت معركة بين الآلهة، ولكن هذا لم يحدث. فالكلمة "لا إله إلا الله" صدق في ذاتها حتى عند من ينكرها، والدليل فيها هو عدم وجود المنازع لهذه الدعوى؛ لأنه إن لم يوجد منازع فقد ثبت أنه سبحانه لا إله إلا الله. وإن وجد المنازع نقول: أين هو؟ وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - هب أننا في اجتماع، وبعد ذلك وجدنا حافظة نقود، فعرضناها على الموجودين، فلم نجد لها صاحباً، ثم جاء واحد كان معنا وخرج، وقال: يا قوم بينما كنت أجلس معكم ضاعت حافظة نقودي. ولما لم يدعها واحد منا لنفسه فهي إذن حافظته هو. إذن "لا إله إلا الله" هي قضية تمتلئ بالصدق والحق، والله هو المعبود الذي يُتَوَجّه إليه بالعبادة، والعبادة هي الطاعة. فمعنى عابد أي طائع، وكل طاعة تقتضي أمراً وتقتضي نهياً، وما دامت العبادة تقتضي أمراً وتقتضي نهياً، فلا بد أن يكون المأمور والمنهي صالحاً أن يفعل وصالحاً ألاّ يفعل. فعندما نقول له: افعل كذا كمنهج إيمان، فهو صالح لئلا يفعل. وعندما نقول له: لا تفعل فهو صالح لأن يفعل، وإلا لو لم يكن صالحاً ألا يفعل أيقول له "افعل"؟ لا، لا يقول له ذلك. ولو كان صالحاً ألا يفعل أيقول له "لا تفعل"؟ إن ذلك غير ممكن. إذن لابد أن يكون صالحاً لهذه وتلك وإلا لكان الأمر والنهي عبثاً ولا طائل من ورائهما. لذلك عندما أرادوا أن يقصروا الإسلام في العبادات الطقسية التي هي شهادة لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، قالوا: هل هذا هو كل الإسلام، وقالوا: إنه دين يعتمد على المظاهر فقط، قلنا لهم: لا، إن الإسلام هو كل حركة في الحياة تناسب خلافة الإنسان في الأرض؛ لأن الله يقول في كتابه الكريم: {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..}تفسير : [هود: 61]. "واستعمركم فيها" أي طلب منكم أن تعمروها، فكل حركة في الحياة تؤدي إلى عمار الأرض فهي من العبادة، فلا تأخذ العبادة على أنها صوم وصلاة فقط؛ لأن الصوم والصلاة وغيرهما هي الأركان التي ستقوم عليها حركة الحياة التي سَيُبنى عليها الإسلام، فلو جعلت الإسلام هو هذه الأركان فقط لجعلت الإسلام أساساً بدون مبنى، فهذه هي الأركان التي يُبنى عليها الإسلام، فإذن الإسلام هو كل ما يناسب خلافة الإنسان في الأرض يبيّن ذلك ويؤكده قول الله تعالى: {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}تفسير : [هود: 61]. ويخرج إلينا أناس يقولون: نحن ليس لنا إلا أن نعبد ولا نعمل. ونقول لأي منهم: كم تأخذ الصلاة منك في اليوم؟ ساعة مثلاً. والزكاة كم تأخذ منك في العالم يوماً واحداً في العام؟ والصوم كم يأخذ منك من وقت؟ نهار أيام شهر واحد. وفريضة الحج أتأخذ منك أكثر من رحلة واحدة في عمرك؟ فبالله عليك ماذا تفعل في الباقي من عمرك من بعد ذلك وهو كثير؟ إنك لا تأخذ أكثر من ساعة في اليوم للصلاة، ولا تأخذ أكثر من يوم في السنة لإخراج الزكاة، وتقضي شهراً في السنة تصوم نهاره. وتحج مرة واحدة في عمرك، فماذا تفعل في بقية الزمان، ستأكل وتلبس، ستطلب رغيف الخبز للطعام فمن الذي سيصنعه لك؟ إن هذا الرغيف يمر بمراحل حتى يصير لقمة تأكلها. ويحتاج إلى أكثر من علم وأكثر من حركة وأكثر من طاقة. إن المحل الذي يبيعه فقط ولا يخبزه يحتاج إلى واجهة من زجاج أو غيره، ولابد أن يعمل فيه من يذهب بعربته إلى المخبز ليحمل الخبز، وينقله إلى المحل ويبيعه، وإذا نظرت إلى الفرن فسوف تجد مراحل عدة من تسليم وتسلم للدقيق، ثم إلى العجين، وإلى النار التي توقد بالمازوت، ويقوم بذلك عمال يحتاجون لمن يخطط لهم، وقبل ذلك كان الدقيق مجرد حبوب، وتم طحنها لتصير دقيقاً، وهناك مهندسون يديرون الماكينات التي تطحن، ويعملون على صيانتها، وبعد ذلك الأرض التي نبت فيها القمح وكيف تم حرثها، وتهيئتها للزراعة، وريها، وتسميدها، وزرعها، وحصدها، وكيف دُرِسَ القشر والسنابل، وكيف تتم تذريته من بعد ذلك، لفصل الحبوب عن التبن، وتعبئة الحبوب، إلى غير ذلك؟ انظر كم من الجهد أخذ رغيف الخبز الذي تأكله، وكم من الطاقات وكم رجالٍ للعمل، فكيف تستسيغ لنفسك أن يصنعوه لك، وأنت فقط جالس لتصلي وتصوم؟ لا، إياك أن تأخذ عمل غيرك دون جهد منك. مثال آخر، أنت تلبس جلباباً، كم أخذ هذا الجلباب من غزل ونسج وخيط؟ إذن فلا تقعد، وتنتفع بحركة المتحرك في الحياة، وتقول: أنا مخلوق للعبادة فقط، فليست هذه هي العبادة، ولكن العبادة هي أن تطيع الله في كل ما أمر، وأن تنتهي عن كل ما نهى في إطار قوله تعالى: {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..} تفسير : [هود: 61] إن كل عمل يعتبر عبادة، وإلا ستكون "تنبلاً" في الوجود. والإيمان الحق يقتضي منك أن تنتفع بعملك ولا تعتمد على عمل غيرك. إن الحق سبحانه وتعالى قد استخلفنا في الأرض من أجل أن نعمرها. ومن حسن العبادة أن نتقن كل عمل وبذلك لا نقيم أركان الإسلام فقط، ولكن نقيم الأركان والبنيان معاً. ونكون قد أدينا مسئولية الإيمان، وطابق كل فعل من أفعالنا قولنا: "لا إله إلا الله". ولقد عرفنا أن كلمة "الله" هي علَم على واجب الوجود، وهي الاسم الذي اختاره الله لنفسه وأعلمنا به، ولله أسماء كثيرة كما روى في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأل الله بكم اسم هو له أنزله في كتابه أو علمه أحداً من خلقه - أي خصّه به - أو استأثر به في علم الغيب عنده، فلا تظنن أن أسماء الله هي كلها هذه الأسماء التي نعرفها، ولكن هذه الأسماء هي التي أذن الله سبحانه وتعالى بأن نعلمها. ومن الجائز، أو من لفظ الحديث نعلم أن الله قد يُعلّم بعضاً من خلقه أسماء له، ويستأثر لنفسه بأسماء سنعرفها يوم القيامة حين نلقاه، وحين نتكلم عن الأسماء الأخرى نجد أنها ملحوظ فيها الصفة، ولكنها صارت أسماء لأنها الصفة الغالبة، فإذا قيل: "قادر" نجد أننا نستخدم هذه الكلمة لوصف واحد من البشر، ولكن "القادر" إذا أطلق انصرف إلى القادر الأعلى وهو الله. وكذلك "السميع"، و"البصير". و"العليم". إننا نجد أن بعضاً من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلاً. فإذا قيل "المحيي" تجد "المميت" و"المعز" تجد "المذل"، لأنها صفة يظهر أثرها في الغير، فهو مميت لغيره، ومعزّ لغيره، ومذل لغيره، لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو "حي" ولا نأتي بالمقابل إنما "مُحيي" نأتي بالمقابل وهو "المميت"، فهذه اسمها صفة فعل. فصفات الفعل يتصف بها وبمقابلها لأنها في الغير. لكن صفة الذات لا يتصف إلا بها. وحينما قال الحق: "الله" فهو سبحانه يريد أن يعطينا بعض تجليات الله في أسمائه، فقال: "الله لا إله إلا هو" ليحقق لنا صفة التوحيد، ويجب أن نعلم أن "إلا" هنا ليست أداة استثناء، لأنها لو كانت أداة استثناء فكأنك تنفي أن توجد آلهة ويكون الله من ضمن هذه الآلهة التي نفيتها وذلك غير صحيح وإنما المراد أنه لا آلهة أبداً غير الله فهو واحد لا شريك له، وأنه لا معبود بحق إلا هو فكلمة "إلاّ" ليست للاستثناء وإنما هي بمعنى غير، أي لا إله غير الله. وقد عرفنا أن هذه القضية معها دليلها، وإلا فلو كان هناك إله آخر لقال لنا: إنه موجود. لكن لا إله إلا هو سبحانه أبلغنا "الله لا إله إلا هو". وأعجبني ما قاله الدكتور عبد الوهاب عزام - رحمة الله عليه - وكان متأثراً بالشاعر الباكستاني "إقبال"، كان للشاعر إقبال شيء اسمه "المثاني"، أي أن يقول بيتين من الشعر في معنى، وبيتين من الشعر في معنى، وكان يغلب على شعر إقبال الفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي، وقد تأثر الدكتور عبد الوهاب عزام بشعر إقبال فجعل له مثاني أيضاً يناظر فيها "إقبال"، فيقول: شعر : إنمـا التـوحـيـد إيجـاب وسـلـب وفيـهـما للنفـس عـزم ومضـاء تفسير : وقوله: "إنما التوحيد إيجاب وسلب" هو قول متأثر بالقضية الكهربية. فيقول: إنما التوحيد إيجاب وسلب فيهما للنفس عزم ومضاء. فأنت عندما تقول "لا إله"، فـ"لا" للنفي، وعندما تكمل قولك: "إلا الله" فـ"إلا" للإثبات، ويكمل الدكتور عزام قوله: لا وإلا قوة قاهرة. فهما في القلب قطبا الكهرباء كأن الكهرباء تأتي بأنك تسلب وتوجب. فالإيجاب في "إلا" والسلب في "لا". وما دام فيه إيجاب وسلب، إذن ففيه شرارة كهرباء. {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، و"الحيّ" هو أول صفة يجب أن تكون لذلك الإله، لأن القدرة بعد الحياة، والعلم بعد الحياة. فكل صفة لابد أن تأتي بعدها في الذكر وإلا فليست صفة من صفات الله أسبق من صفة ولا متقدمة عليها فكلها قديمة لا أول لها، فلو كان عدماً فكيف تأتي الصفات على العدم؟. وكلمة "حيّ" عندما نسمعها نقول: ما هو الحيّ؟. إن الفلاسفة قد احتاروا في تفسيرها. فمنهم من قال: الحيّ هو الذي يكون على صفة تجعله مُدْرِكاً إن وُجِدَ ما يُدْرَكْ. كأن الفيلسوف الذي قال ذلك: يعني بالحياة حياتنا نحن، وما دوننا كأنه ليس في إدراك. ونقول لصاحب هذا الرأي: لا، إن أردت الحياة بالمعنى الواسع الدقيق فلابد أن تقول: الحياة هي أن يكون الشيء على الصفة التي تبقى صلاحيته لمهمته، هذا هو ما يجب أن يكون عليه التعريف، فـ "الحيّ": هو الذي يكون على صفة تُبقي له صلاحيته لمهمته، مثال ذلك النبات، ما دمت تجده ينمو، إذن ففيه حياة تُبقى له صلاحية مهمته. فلو قُطعَ لانتهت الصلاحية. ومثل الإنسان عندما يموت تنتهي صلاحيته لمهمته، والعناصر الجامدة عندما تأتي مع بعضها تتفاعل، هذا التفاعل فرع وجود الحياة، لكنها حياة مناسبة لها وليست مثل حياتنا. أنت مثلاً ترى "الزلط" الناعم الأملس، تجده على مقدار واحد؟ لا، إن أشكاله مختلفة، وهذا دليل على أن هناك مراحل للحجر الواحد منها، ولو استمرت تلك الأحجار في بيئتها الطبيعية فلا شك أن هذه الكبيرة تتفتت يوماً وتصير صغيرة ثم تكبر مرة أخرى، لكن الإنسان حين يستخدم هذه الحجارة ليضعها على سبيل المثال بين القضبان التي تسير عليها القطارات فهذه الأحجار تكون قد خرجت من بيئتها. ومن حكمة الله أنه لا يوجد شيء تنتهي جدواه أبداً، بل هو سبحانه يهيئ لكل شيء مهمة أخرى. إذن فكل كائن يكون على صفة تُبقي له صلاحيته لمهمة، وتكون له حياة مناسبة لتلك المهمة. نحن لا نأتي بهذا الكلام من عندنا، ولكننا نأتي بهذا الكلام لأننا نقرأ القرآن بإمعان وتدبر، ونقول: ماذا يقابل الحياة في القرآن؟ إنه الهلاك بدليل أن الله قال: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ..}تفسير : [الأنفال: 42]. إذن فالحياة مقابلة للهلاك. و"الحيّ" غير هالك. والهالك لا يكون حياً، ويقول تعالى في الآخرة:{أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..} تفسير : [القصص: 88]. ومعنى ذلك أن كل الأجناس من أعلاها إلى أدناها، سواء الإنسان، أو الملائكة، أو الحيوان أو النبات، كلها ستكون هالكة، وما دام كل شيء سيهلك يوم القيامة فكأنه لم يكن هالكاً قبل ذلك، وله حياة مناسبة له. أليست الحجارة شيئاً، وستدخل في الهلاك يوم القيامة؟. إذن فهي قبل ذلك غير هالكة. لكننا نحن البشر لا نفطن إلى ذلك ونفهم الحياة فقط على أنها الحس والحركة الظاهرة. مع أن العلماء قد أثبتوا أنه حتى الذرة فيها دوران، ولها حياة. وأنت عندما تنظر بالمجهر على ورقة من النبات، وترى ما بها من خضر وخلايا، وتشاهد العمليات التي تحدث بها، وتقول: هذه حياة أرقى من حياتنا، وأدق منها. إذن فكل شيء له حياة، وإياك أن تظن أنك أنت الذي تهلكها، فعندما تأتي بحجر وتدقه أو تضعه في الفرن لتصنع الجير؛ إياك أن تقول: إنك أذهبت من الأحجار الحياة المناسبة لها، أنت فقط قد حولت مهمتها من حجر صلب، وصارت لها مهمة أخرى، فالمسائل تتسلسل إلى أن يصير لكل شيء في الوجود حياة تناسب المهمة التي يصلح لها. وانظر إلى مهمة الحق، ما شكلها؟ إنها الحياة العليا، وهو الحي الأعلى وحي لا تُسلب منه الحياة، لأن أحدا لم يعطه الحياة، بل حياته سبحانه ذاتية، فهذا هو الحي على إطلاقه. إذن فالحي على إطلاقه هو الله والحق سبحانه وتعالى قال: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ} [البقرة: 255] وأثر صفة هذه موجود في كل الصفات الأخرى فقال: "القيوم". والقيوم هو صفة مبالغة في قائم. ومثلها قولنا: "الله غفور" لكن ألا يوجد غافر؟ يوجد غافر، لكن "غفور" هي صفة مبالغة. وقد يقول قائل: هل صفات الله فيها صفة قوية وأخرى ضعيفة؟. نقول: لا، فصفات الله لا يصح أن توصف بالضعف أو بالقوة، صفات الله نظام واحد. وحتى نفهم ذلك لنضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نحن نقول: كلنا نأكل كي نستبقي حياتنا، فكل واحد منا "آكل"، لكن عندما نقول: فلان أكول، فمعنى ذلك أنه أخذ صفة الأكل التي كلنا شركة فيها وزاد فيها فنقول عليه: "أكّال" أو "أكول". من أي ناحية تأتي هذه الزيادة؟ قد تأتي الزيادة من أنك تأكل في العادة رغيفاً وهو يأكل رغيفين أو ثلاثة، إذن فالحدث له في الأكل أثر كبير، فنقول عليه: أكول. وقد يأكل معك رغيفاً في الوجبة الواحدة، لكنه يأكل خمس وجبات بدلاً من ثلاث وجبات؛ فيكون أيضاً أكولاً، إذن فـ"أكول" إما مبالغة في الحدث نفسه وإما بتكرار الحدث. ونحن ننظر إلى صفات الله ونقول: إنها لا تحتمل القوة والضعف في ذات الحدث، إنما في تكرارها بالنسبة للمخلوقين جميعاً، فالله غافر لهذا، وغافر لذاك، وغافر لكل عاص يتوب، إذن فالحدث يتكرر، فيكون "غفوراً" و"غفَّاراً". وهذا ما يحل لنا الإشكال في كثير من الأمور، فعندما يقول سبحانه: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}تفسير : [فصلت: 46]. فنحن هنا نجد قضية لغوية تقول: إنك إذا جئت بصيغة المبالغة، وأثبتها، تكون الصيغة الأخرى الأقل منها ثابتة بالضرورة، مثال ذلك عندما نقول: فلان "علاَّم" أو "عالم"، فما دمت أثبت له الصفة القوية؛ تكون الصفة الضعيفة موجودة، لكن إذا نفيت الصفة المبالغ فيها قد تكون الصفة الأخرى موجودة، فهو ليس "علامة" لكنه قد يكون "علاماً" أو عالماً"، فإذا قلت: فلان "علامة" فقد أثبت له الأدنى أيضاً، فيكون "علاَّما" أو "عالماً". لكن إذا نفيت عنه "علامة" انتفى عنه الباقي؟ لا، إذن فنفي الأكثر لا ينفي الأقل. لكن إذا أثبت الأكثر ثبت الأقل، وإذا نفيت الأكثر فلن ينتفي الأقل، فإذا قلت: الله ليس بظلام للعبيد، نفيت الأكثر. صحيح أنه غير مبالغ في الظلم، فهل يمكن أن يكون ظالماً؟ على حسب ما قلنا: إذا نفينا الأكثر لا ينتفي الأقل نقول: لا، لأننا هنا يجب أن نأخذ القضية الأولى في أن المبالغة في الحدث والمبالغة في الفعل تأتي مرة في ذات الحدث، ومرة في تكرار الحدث؛ فيكون - معاذ الله - ظلاَّماً، ولذلك لم يقل: بظلاّم للعبد، بل قال: بظلاّم للعبيد. إذن فهذا العبد يحتاج ظالماً، والعبد الآخر يحتاج ظالماً، وذاك يحتاج ظالماً! فعندما يظلم كل هؤلاء يكون ظلاماً، ولذلك نفاها سبحانه وقال: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [فصلت: 46]. والحق هنا يقول: "قيوم" وهذه صفة مبالغة من قائم، فالأصل فيها: القائم على أمر بيته، والقائم على أمر رعيته، والقائم على أمر المدرسة، والقائم على أمر هذه الإدارة، ومعنى قائم على أمرها: أنه متولي شئونها، فكأن القيام هو مظهر الإشراف. فنحن لا نقول: "قاعد على إدارتها". وعندما نقول" قيوم" فمعناها أنه أوسع في القيام. كيف جاء هذا الاتساع؟. لأن القائم قد يكون قائماً بغيره، لكن حين يكون قائماً بذاته، وغيره يستمد قيامه منه، فهو قائم على كل نفس وهو سبحانه القائل: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}تفسير : [الرعد: 33]. إن المشركين قد بلغو السفه في جحودهم فجعلوا لله شركاء في العبادة، فهل يستطيع أحد أن يبلغ تلك المرتبة العالية، مرتبة خلق العالم والقيام على كل أمر فيه، صغر أو كبر؟. إنه الحافظ المراقب لكل نفس، العالم بكل ما خفي وظهر، وهذه الأوثان لا تضر ولا تنفع، فكيف تتوهمون يا مَنْ أشركتم بالله له نداً، إن الحق مُنزه عن ذلك بقيامه على كل نفس وكل الخلق. لكن أهل الضلال أغواهم ضلالهم فلم يعد لهم هاد بعد الله. إن الحق سبحانه قائم بذاته، وقائم على غيره. والغير إن كان قائماً إنما يستمد منه القيام. فلابد أن يكون "قيوماً"، ومن قيومته أنه {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255]، وقيل في كتب العلم: إن قوم بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام: أينام ربنا؟. فأوحى الله إليه: أن آت بزجاجتين وضعهما في يد إنسان، ودعه إلى أن ينام، ثم انظر الجواب. فلما وضع في يده الزجاجتين ونام. انكسرت الزجاجتان فقال: هو كذلك، هو قائم على أمر السماء والأرض، ولو كانت تأخذه سِنَة أو نوم لتحطمت الدنيا. وهو سبحانه {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255]. و"السنة" هي أول ما يأتي من النعاس؛ أي النوم الخفيف، فالواحد منا يكون جالساً ثم يغفو، لكن النوم هو "السُباتْ العميق"، فلما قال: "لا تأخذه سنة" قالوا: إنه يتغلب على النوم الخفيف لكن؛ هل يقدر على مقاومة النوم العميق؟. فقال الحق عن نفسه: "لا تأخذه سنة ولا نوم". وعرفنا أن السنة هي: النعاس الذي يأتي في أول النوم، ومظهرها يبدو أولاً في العين وفي الجفن، فعندما يذهب إنسان في النوم؛ فإن أثر ذلك يظهر في عينيه، ولذلك يقولون: إن العين هي الجارحة التي يمكن أن تعرف بها أحوال الإنسان، وقد اكتشفوا في عصرنا الحديث أن الشرايين لا يمكن أن يعرفوا حالتها بالضبط إلا من العين. فالفتور الذي يأتي في العين أولاً هو السنة أو مقدمات النوم ونسميه: النعاس. {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255] أتريدون تطميناً من إله لمألوه، ومن معبود لعابد، ومن خالق لمخلوق أكثر من أنه يقول للعابد المخلوق: "نم أنت ملء جفونك، واسترح؛ لأن ربك لا ينام". ماذا تريد أكثر من هذا؟ هو سبحانه يعلم أنه خلقك، وأنك تحتاج إلى النوم، وأثناء نومك فهناك أجهزة في جسمك تعمل. أإذا نمت وقف قلبك؟ أإذا نمت انقطع نفسك؟ أإذا نمت وقفت معدتك من حركتها الدودية التي تهضم؟ أإذا نمت توقفت أمعاؤك عن امتصاص المادة الغذائية؟ لا، بل كل شيء في دولابك يقوم بعمله. فمن الذي يُشرف على هذه العمليات لو كان ربك نائما؟ إذن فأنت تنام وهو لا ينام. وبالله هل هذه عبودية تُذلنا أو تُعزنا؟ إنها عبودية تُعزنا؛ فالذي نعبده يقول: ناموا أنتم؛ لأنني لا تأخذني سنة ولا نوم. وإياك أن تفهم أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وأن شيئاً في كونه يخرج على مراده، لا؛ لأن كل ما في السماوات والأرض له، فلا شيء ولا أحد يخرج عن قدرته. ولذلك يقول الحق: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 255]. ويتابع سبحانه بقوله: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] إنّه سبحانه وتعالى يوضح: أنا أعطيتك الراحة في الدنيا، وحتى الكافر جعلته يتنعم بنعمي، ولم أجعل الأسباب تضن عليه، وأعطيته ما دام قد اجتهد في تلك الأسباب مما يدل على أنني ليس عندي محاباة، قلت للأسباب: يا أسباب من يُحسنك يأخذك ولو كان كافراً بي. لكنه سيأتي يوم القيامة وليس للكافر إلا العذاب، لأنه ما دام قد عمل في الدنيا وأحسن عملاً فقد أخذ جزاءه، فإياكم أن تظنوا كما قالوا: "هؤلاء شفعاؤنا عند الله"، وجاء فيهم قول الحق:{أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [يونس: 18]. إن هؤلاء الذين افتروا على الله بالشرك به، واتخذوا أصناماً باطلة لا تضرهم ولا تنفعهم. يقولون عن هذه الأصنام: إنها تشفع لهم عند الله في الآخرة، ويأمر الحق سبحانه رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يبلغ المشركين: قل لهم يا محمد: هل تخبرون الله بشريك لا يعلم الله له وجوداً في السمٰوات ولا في الأرض، وهو الخالق لكل ما في السمٰوات والأرض ومُنزه سبحانه عن أن يكون له شريك في المُلك. لقد أرادوا أن يخلوا بقضية التوحيد ويجعلوا لله شركاء ويقولون: إن هؤلاء الشركاء هم الذين سيشفعون لنا عند الله. فيقول الحق سبحانه: إن الشفاعة لا يمكن أن تكون عندي إلا لمن أذنت له أن يشفع. إن الشفاعة ليست حقاً لأحد. ولكنها عطاء من الله، لذلك يقول: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]. ويقول الحق: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255]. ساعة يتعرض العلماء إلى: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255] يشرحون لنا أن ما بين اليدين أي ما أمامك، وما خلفك أي ما وراءك، وما بين يدي الإنسان يكون: مواجها لآلة الإدراك الرائدة وهي العين، فهو أمر يُشهد. والذي في الخلف يكون غيباً لا يراه، كأن ما بين اليد يراد به المشهود والذي في الخلف يراد به الغيب، فهو {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255] أي يعلم مشهدهم وغيبهم، ويطلق "ما بين اليد" إطلاقاً آخر. إننا قد نسأل عمّا بين يديك. هل هو مواجه لك أو غير مواجه؟ فلو كان أمامك بشر، فهل هم قادمون إليك أو راحلون عنك؟ إنهم إن كانوا راحلين عنك فقد سبقوك وقد جئت أنت من بعدهم، ومن وراءك سيأتي من بعدك. أي أن الحق سبحانه يخبرنا أنه يعلم الماضي والمستقبل. فمرة يعلم الحق ما بين أيديهم، أي العالم المشهود ويسمونه "عالم الملك"، وما خلفهم أي الغيب، ويسمونه "عالم الملكوت". إنه يعلم المشهود لهم والخفي عنهم. وكما يقول الحق:{أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]. إن عند الله علم جميع الغيب ويحيط علمه بكل شيء، ولا تخفى عليه خافية. إنها إحاطة من كل ناحية. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]. إنه الحق يعلم مطلق العلم. وكون الحق يعلم فإن ذلك لا ينفي أن يكون غيره يعلم أيضاً، لكن علم البشر هو بعض علم موهوب من الخالق لعباده. فعندما يقول واحد: أنا أقول الشعر. فهل منع ذلك القول أحداً آخر من أن يقول الشعر؟ لا. إنه لم يقل: ما يقول الشعر إلا أنا. ويقول سبحانه: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]، و"العلم" هو الصفة التي تعلم الأشياء على وفق ما هي عليه، هذا هو العلم. وصفة الله وعلمه أعظم من أن يحاط بها، لأنها لو أحيطت لحددت، وكمالات الله لا تحدد، مثلما ترى شيئاً يعجبك فتقول: هذه قدرة الله، هل هي قدرة الله أو مقدور الله؟ إنها مقدور الله أي أثر القدرة، فعندما يقول: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] أي من معلومه. "ويحيطون" هي دقة في الأداء، لأنك قد تدرك معلوماً من جهة وتجهله من جهات، فأوضح سبحانه: أنك لا تقدر أن تحيط بعلم الله أو قدرته؛ لأن معنى الإحاطة أنك تعرف كل شيء، مثل المحيط على الدائرة، لكن ذلك لا يمنع أن نعلم جزئية ما، ونحن نعلم بما آتانا الله من قوانين الاستنباط، فهناك مقدمات نستنبط منها نتائج، مثل الطالب الذي يحل مسألة جبر، أو تمرين هندسة، أيعلم هذا الطالب غيباً؟ لا، ولكنه يأخذ مقدمات موضوعة له ويصل إلى نتائج معروفة سلفاً لأستاذه. وأنت لا تحيط بعلم إلا بما شاء لك الله أن تحيط، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]. وقول الله: {إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] هو إذن منه سبحانه بأنه سيتفضل على خلقه بأن يشاء لهم أن يعلموا شيئاً من معلومه، وكان هذا المعلوم خفياً عنهم ومستوراً في أسرار الكون، ثم يأذن الله للسر أن ينكشف، وكل شيء اكتشفه العقل البشري، كان مطموراً في علم الغيب وكان سراً من أسرار الله، وبعد ذلك أذن الله للسر أن ينكشف فعرفناه، بمشيئته سبحانه. فكل سر في الكون له ميلاد كالإنسان تماماً، أي أن له ميعاداً يظهر فيه، وهذا الميعاد يسمى مولد السر. لقد كان هذا السر موجوداً وكان العالم يستفيد منه وإن لم يعلمه. لقد كنا نحن نستفيد - على سبيل المثال - من قانون الجاذبية ولم نكن نعلم قانون الجاذبية، وكذلك النسبية كنا نستفيد منها ولم نكن نعلمها، وهذا ما يبينه لنا الحق في موضع آخر من القرآن الكريم، قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}تفسير : [فصلت: 53]. ما دام قال سبحانه: "سنريهم"، فهذا يعني أنه سبحانه سيولد لنا أسراراً جديدة، وهذا الميلاد ليس إيجاداً وإنما هو إظهار، ولذلك يقول الناس عن الأسرار العلمية: إنها اكتشافات جديدة، لقد تأدبوا في القول مع أن كثيراً منهم غير متدينين، قالوا: اكتشفنا كذا، كأن ما اكتشفوه كان موجوداً وهم لا يقصدون هذا الأدب. إنما هي جاءت كذلك، أما المؤمنون فيقولون: لقد أذن الله لذلك السر أن يولد. وقوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] فيه تحد واضح. فحتى إذا اجتمع البشر مع بعضهم فلن يحيطوا بشيء إلا بإذنه. وهذا تحد للكل؛ حين يشاء سبحانه أن يوجد إظهار سر في الوجود، فهذا السر يولد، وقد يكون إظهار السر موافقاً لبحث الناس مثل العالم الذي يجلس في معمله ليجرب في العناصر والتفاعلات، ويهتدي لهذه وهذه، إنه يتعب كثيراً كي يعرف بعضاً من الأسرار، ونحن لا ندري بتعبه وجهده إلا يوم أن يكتشف سره. لقد أخذ المقدمات التي وضعها الله في الكون حتى إذا تتبعناها نصل إلى سره، مثلما نريد أن نصل إلى الولد فنتزوج حتى يأتي، وقد يأذن الله مراراً كثيرة أن يولد السر بدون أن يشتغل الخلق بمقدماته، لكن ميعاد ميلاد السر قد جاء ولم ينشغل العلماء بمقدماته؛ فيخرجه الله لأي مخترع كنتيجة لخطأ في تجربة ما. وعندما نبحث في تاريخ معظم الاكتشافات نجدها كذلك، لقد جاءت مصادفة، فهناك عالم يبحث في مجال ما، فتخرج له حقيقة أخرى كانت مخفية عنا جميعاً. لقد جاء ميعاد ميلادها على غير بحث من الخلق، فجاء الله بها في طريق آخر لغيرها، وفي بعض الأحيان يوفق الله عالماً يبحث المقدمات ويكشف له السر الذي يبحث عنه. إذن، فـ {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] تعني أن الإنسان قد يصادف السر بالبحث، ومرة يأتي سر آخر في مجال البحث عن غيره، فالله لا يضن بكشف السر حتى لو لم يشتغلوا به ونسميها نحن - مصادفة - إن كل شيء يجري في الكون إنما يجري بمقدار، وهذا هو الذي يفرق لنا بين معرفة غيب كان موجوداً وله مقدمات في كون الله نستطيع أن نصل إليه بها، وشيء مستور عند الله ليست له مقدمات؛ إن شاء سبحانه أعطاه من عنده تفضلاً؛ من باب فضل الجود لا بذل المجهود وهو سبحانه يفيضه في "المصادفة" هنا ويفيضه فيما لا مقدمات له على بعض أصفيائه من خلقه، ليعلم الناس جميعاً أن لله فيوضات على بعض عبيده الذين وَالاَهُمُ الله بمحبته وإشراقاته وتجليه. لكن هل هذا يعني أن باستطاعتنا أن نعرف كل الغيب؟ لا، فالغيب قسمان: غيب جعل الله له في كونه مقدمات، إن استعملناها نصل إليه، ككثير من الاكتشافات، وإذا شاء الله أن يولد سر ما ولم نبحث عنه فهو يعطيه لنا "مصادفة" من باب فيض الجود لا بذل المجهود. ونوع آخر من الغيب ليست له مقدمات، وهذا ما استأثر الله بعلمه إلا أنه قد يفيض به على بعض خلقه كما يقول سبحانه: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً}تفسير : [الجن: 26-27]. إن الله هو عالم الغيب فلا يُطلع أحداً من خلقه على غيبه إلا من ارتضاه واصطفاه من البشر، لذلك فلا أحد يستطيع أن يتعلم هذا اللون من الغيب. ولذلك فلا يوجد من يفتح دكاناً لعلم الغيب يذهب إليه الإنسان ليسأله عن الغيب. إن الحق يقول: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]. وهو سبحانه لا يعطي المفتاح لأحد من خلقه. وقد يريد الله أن يعطي لواحد كرامة، فأعطاه كلمة على لسانه قد يكون هو غير مدركٍ لها! فيقول: من يسمع هذا القول وينتفع به. فلان قال لي: كذا وكذا .. يا سلام! وهذا فيض من الله على عبده حتى يبيّن الله لنا أنه يوالي هؤلاء العباد الصالحين. وقوله الحق: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ} [البقرة: 255] نجد أن كلمة "شيء" تعني أقل القليل. وقوله سبحانه: {مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} [البقرة: 255] يعلمنا أن الحق فيما يتكلم به عن نفسه ولخلقه فيه نظائر، كالوجود، هو سبحانه موجود وأنت موجود، وكالغني هو غني وأنت غني، كالعلم هو عالم وأنت تكون عالماً، فهل نقول: إن الصفة لله كالصفة عندنا؟ لا، كذلك كل ما يرد بالنسبة للغيب فيما يتعلق بالله إضافة أو وصفاً؛ لا تأخذها بالمناسب عندك؛ بل خذها في إطار "ليس كمثله شيء". فإذا قيل لله يد، قل: هو له يد كما أن له وجوداً؛ وبما أن وجوده ليس كوجودي فيده ليست كيدي بل أفهمها في إطار "ليس كمثله شيء"، فإذا قال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} [البقرة: 255] نقول: هو قال هذا، وما دام قال هذا فسنأخذ هذه الكلمة في إطار "ليس كمثله شيء". فلا تقل له كرسي وسيقعد عليه مثلنا، لا. لقد وجدنا من قال: أين يوجد الله؟!! متى وجد؟!! وقلنا ونقول: "متى" و"أين" لا تأتي بالنسبة لله، إنها تأتي بالنسبة لكم أنتم، لماذا؟ لأن "متى" زمان و"أين" مكان. والزمان والمكان ظرفان للحدث، فالشيء الحادث هو الذي له زمان ومكان، مثال ذلك أن أقول: "أنا شربت" وما دام قد حدث الشرب فيكون له زمان ومكان، لكن هب أنني لم أشرب، أيكون هناك زمان أو مكان؟! لا، فما دام الله ليس حدثاً فليس متعلقاً به زمان أو مكان، لأن الزمان والمكان نشأ عندما خلق الله وأحدث هذا الكون، فلا تقل: "متى" لأن "متى" خُلِقَت به، ولا تقل "أين" لأن أين خُلِقَت به ولأن "متى" و"أين" ظرفان؛ هذه للزمان، وهذه للمكان، والزمان والمكان فرعا الحدث. وعندما يوجد حدث فقل زمان ومكان. إذن فما دام الله ليس حدثاً، فإياك أن تقول فيه متى، وإياك أن تقول فيه أين، لأن "متى" و"أين" وليدة الحدث. وقوله الحق: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} [البقرة: 255] نأخذه ـ كما قلنا في إطار "ليس كمثله شيء"، الكرسي: في اللغة من الكِرْس. والكِرْسُ هو:التجميع، ومنه الكراسة وهي عدة أوراق مجمعة، وكلمة "كرسي" استعملت في اللغة بمعنى الأساس الذي يُبنى عليه الشيء، فمادة "الكرسي" (الكاف والراء والسين) تدل على التجميع وتدل على الأساس الذي تثبت عليه الأشياء؛ فنقول: اصنع لهذا الجدار كرسياً، أي ضع لهذا الجدار أساساً يقوم عليه. وتطلق أيضاً على القوم والعلماء الذين يقوم بهم الأمر فيما يشكل من الأحداث، والشاعر العربي قال: "كراسي في الأحداث حين تنوب" أي يُعتمد عليهم في الأمور الجسيمة. وحين يُنسب شيء من ذلك للحق سبحانه وتعالى. فإن السلف لهم فيها كلام والخلف لهم فيها كلام، والسلف يقولون: كما قال الله نأخذها ولكن نضع كيفيتها وتصورها في إطار "ليس كمثله شيء"، وبعضهم قال: نؤولها بما يُثبت لها صفة من الصفات، كما يثبتون قدرة الحق بقوله الحكيم:{أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ..}تفسير : [الفتح: 10]. أي أن قدرة الله فوق قدرتهم، وكما قال سبحانه عن قدرته في الخلق:{أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}تفسير : [الذاريات: 47]. إن كمال قدرة الله أحكمت خلق السماء، والحق سبحانه مقدس وَمُنَزَّهٌ عن أن يتصور المخلوق كلمة "يد" بالنسبة لله. ونحن نقول: الله قال ذلك، ونأخذها من الله؛ لأنه أعلم بذاته وبنفسه، ونُحيلها إلى ألاَّ يكون له شبيه أو نظير، كما أثبتنا لله كثيراً من الصفات، في خلق الله مثلها ومع ذلك نقول: علمه لا كعلمنا، وبصره لا كبصرنا، فلماذا يكون كرسيه مثل كرسينا؟. فتكون في إطار "ليس كمثله شيء". والعلماء قالوا عن الكرسي: إنه ما يُعتمد عليه، فهل المقصود علمه؟. نعم. وهل المقصود سلطانه وقدرته؟. نعم، لأن كلمة "كرسي" توحي بالجلوس فوقه، والإنسان لا يجلس عن قيام إلا إذا استتب له الأمر، ولذلك يسمونه "كرسي الْمُلك"؛ لأن الأمر الذي يحتاج إلى قيام وحركة لا يجعلك تجلس على الكرسي، فعندما تقعد على الكرسي، فمعنى ذلك أن الأمر قد استتب، إذن فهو بالنسبة لله السلطان، والقهر، والغلبة، والقدرة. أو نقول: ما دام قال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} [البقرة: 255] فوسع الشيء أي: دخل في وسعه واحتماله. "والسماوات والأرض" نحن نفهمها أنها كائنات كبيرة بالنسبة لها، إنه سبحانه يقول:{أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [غافر: 57]. وعندما يقول: إن الكرسي وسع السماوات والأرض، إذن، فهو أعظم من السماوات والأرض أي دخل في وسعه السماوات والأرض. ولذلك يقول أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: حديث : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال: يا أبا ذر ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة. وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة . تفسير : والبشرية بكل ما وصلت له من إنجازات علمية قد وصلت إلى القمر فقط وهو مجرد ضاحية من ضواحي الأرض، ومفصول عنا بمسافة تقاس بالثواني الضوئية، ولقد تعودنا في حياتنا أن نستخدم وحدات الميل والكيلومتر لقياس الأطوال والأبعاد الكبيرة، لكننا اكتشفنا أن هذه الوحدات ليست ذات نفع في قياس أبعاد النجوم؛ لأننا نعرف مثلاً أن الشمس تبعد عن الأرض ثلاثة وتسعين مليوناً من الأميال، ولكن عندما نريد أن نرصد المسافة بيننا وبين أحد النجوم فلسوف نضطر إلى استخدام أعداد كثيرة من الأصفار أمام رقم ما، وهذا يجعل التعبير غير عملي، ولهذا السبب وضع علماء الفلك وحدة ملائمة لقياس أبعاد النجوم وهي ما نسميه السنة الضوئية. ونحن نعرف أن سرعة الضوء حوالي ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية. ولذلك فقياس أي مسافة بيننا وبين أي نجم في السماء أمر يحتاج إلى حسابات دقيقة وكثيرة ودراسة علوم متعددة. فالشمس بيننا وبينها ثلاثة وتسعون مليوناً من الأميال ويصلنا ضوؤها في خلال ثماني دقائق وثلث الدقيقة. والشعرى اليمانية وهي ألمع نجوم السماء يصل إلينا ضؤوها في تسع سنوات ضوئية. إذن فالسنة الضوئية هي وحدة لقياس المسافات الفلكية. ونحن نذهل عندما نعرف أن بعض النجوم يصل ضؤوها إلينا في خمسين سنة ضوئية!! كل ذلك ونحن لم نصل بعد إلى السماء الدنيا، فما بالنا ببقية السماوات؟ إذن فحدود ملك الله فوق تصورنا. ولنا أن نعرف أي تكريم من الحق للمؤمنين حين يصور لنا ضخامة الجنة يقول سبحانه: {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الحديد: 21]. هذه هي الجنة التي أعدها الله للمؤمنين بالله ورسله الذين يسارعون إلى طلب غفران الله. فإذا كان عرض الجنة هو السماوات والأرض، فما طولها إذن؟ وكم يكون بعدها؟ والعرض كما نعرف هو أقل البعدين. إذن يجب أن نفهم أن هناك عوالم أخرى غير السماء والأرض، لكن عيوننا لا تبصر فقط إلا ما أراده الحق لنا من السماء والأرض، ولذلك فعندما نسمع قول الحق: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} [البقرة: 255] فلنا أن نتخيل أي عظمة هي عظمة كرسي ذي الجلال والإكرام. إن الحق يقول: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255]، ومعنى آده الشيء، أي أثقله. وحتى نفهم ذلك هب أن إنساناً يستطيع أن يحمل عشرة كيلوجرامات، فإن زدنا هذا الحمل إلى عشرين من الكيلوجرامات فإن الحمل يثقل عليه، ويجعل عموده الفقري معوجاً حتى يستطيع أن يقاوم الثقل. فإن زدنا الحمل أكثر فقد يقع الرجل على الأرض من فرط زيادة الوزن الثقيل. إذن فمعنى {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] أي أنه لا يثقل على الله حفظ السماوات والأرض. إن السماء والأرض وهما فوق اتساع رؤية البشر؛ فقد وسعهما الكرسي الرباني. وقال بعض المفسرين: إذا كان الكرسي لا يثقل عليه حفظ السماوات والأرض فما بالنا بصاحب الكرسي!!؟ هاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يطمئننا فيقول:{أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}تفسير : [فاطر: 41]. إنه الحق وحده سبحانه وتعالى الذي يحفظ السماوات والأرض في توازن عجيب ومُذهل، ولئن قُدِّرَ لهما أن تزولا. فلن يحفظهما أحد بعد الله، أي لا يستطيع أحد إمساكهما؛ فهما قائمتان بقدرة الواحد القهار، وإذا أراد الله أن تزولا فلا يستطيع أحدٌ أن يمسكهما ويمنعهما من الزوال. وإذا كانت هذه الأشياء الضخمة من صنع الله وهو فوقها، فإنه عندما يصف نفسه بأنه "عليّ" و"عظيم" فذلك أمر طبيعي. إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا تذييلاً منطقياً يقتضيه ما تقدمت به الآية الجليلة: آية الكرسي، إنه الحق يقول: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} [البقرة: 255] وكلمة "عليّ" صيغة مبالغة في العلو. و"العليّ" هو الذي لا يوجد ما هو أعلى منه فكل شيء دونه. هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها نعرفها بآية الكرسي؛ لأن كلمة "الكرسي" هي الظاهرة فيها. وكلمة "الكرسي" فيها: تعني السلطان والقهر والقدرة والملكية وكلها مأخوذة من صفات الحق جل وعلا. إنه لا إله إلا هو. إنه الحي. إنه القيوم. إنه الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. والشفاعة عنده مأذون فيها بإرادته هو وحده وليس بإرادة سواه. وهو العليم بكل شيء، الذي يسع كرسيه السماوات والأرض وهو العليّ فلا أعلى منه، وهو العظيم بمطلق العظمة. وتتجمع كل هذه الصفات لتضع أمامنا أصول التصور في العقيدة الإيمانية، وقد وردت فيها أحاديث كثيرة، ومنها نستخلص أنها آية لها قدرها ومقدارها عند الله.فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " حديث : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو الطعام فأخذته وقلت والله لأرفعنّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج، وعليّ عيال، ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم ـ يا أبا هريرة: "ما فعل أسيرك البارحة"؟ قال: قلت يا رسول الله: شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته، فخليت سبيله، قال: "أمَا إنه كذبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنّك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: دعني فإني محتاج، وعليّ عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا هريرة: "ما فعل أسيرك"؟ فقلت يا رسول الله: شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود، قال: دعني أعلمْك كلمات ينفعك الله بها قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي "الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم" حتى تختم الآية؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعل أسيرك البارحة"؟ قلت يا رسول الله: زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال: "ما هي" قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا (أي الصحابة) أحرص شيء على تعلم الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما أنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال صلى الله عليه وسلم: "ذاك الشيطان" . تفسير : وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه - آية الكرسي ". تفسير : وعن أبي أمامه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ دُبُرَ كل صلاة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ". تفسير : وعن عليّ - كرم الله وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : من قرأها - يعني آية الكرسي - حين يأخذ مضجعه آمنه الله تعالى على داره، ودار جاره، وأهل دويرات حوله ". تفسير : كل هذه المعاني قد وردت في أفضال هذه الآية الكريمة، وقد جلس العلماء يبحثون عن سر هذه المسألة فقال واحد منهم: انظروا إلى أسماء الله الموجودة فيها. وبالفعل قام أحد العلماء بحصر أسماء الله الحسنى فيها، فوجد أن فيها ستة عشر اسماً من أسماء الله، وبعضهم قال: إن بها سبعة عشر اسماً من أسماء الله الحسنى، وبعضهم قال أن فيها واحداً وعشرين اسماً من أسماء الله، كل ذلك من أجل أن يستنبطوا منها أشياء، ويعلموا فضل وفضائل هذه الآية الكريمة. والذين قالوا إن بها ستة عشر اسماً من أسماء الله قالوا: إن بها اسم علم واجب الوجود "الله". واسم "هو" في لا إله إلا هو: هو الاسم الثاني. و"الحيّ" هو الاسم الثالث. و"القيوم" هو الاسم الرابع. وعندما ندقق في قول الحق "لا تأخذه سنة ولا نوم" نجد أن الضمير في "لا تأخذه" عائد إلى ذاته - جل شأنه -. و"له ما في السماوات وما في الأرض" فيها ضمير عائد إلى ذاته سبحانه. وكذلك الضمائر في قوله: "عنده" و"بإذنه" و"يعلم" و"من علمه" و"بما شاء" و"كرسيه" كلها تعود إلى ذاته جل شأنه. و"لا يؤوده حفظهما" فيها ضمير عائد إلى ذاته كذلك. و"هو" في قوله سبحانه "وهو العلي العظيم" اسم من أسمائه تعالى. و"العليّ" اسم من أسمائه جل وعلا. و"العظيم" كذلك اسم من أسمائه سبحانه وتعالى. لكنَّ عالماً آخر قال: إنها سبعة عشر اسماً من أسماء الله؛ لأنك لم تحسب الضمير في المصدر المشتق منه الفعل الموجود بقوله: "حفظهما" إن الضمير في "هما" يعود إلى السماوات والأرض. و"الحفظ" مصدر. فمن الذي يحفظ السماوات والأرض؟ إنه الله سبحانه وتعالى، وهكذا أصبحوا سبعة عشر اسماً من أسماء الله الحسنى في آية الكرسي. وعالم ثالث قال: لا، أنتم تجاهلتم أسماء أخرى؛ لأن في الآية الكريمة أسماء واضحة للحق جل وعلا، وهناك أسماء مشتقة، مثال ذلك: الله لا إله إلا هو. الحي هو. القيوم هو. العليّ هو. العظيم هو. ولكن العلماء قالوا رداً على ذلك: صحيح أنها أسماء مشتقة ولكنها صارت أعلاماً. المهم أن في الآية الكريمة ستة عشر اسماً، وإن حسبنا الضمير المستتر في "حفظهما" نجد أنها سبعة عشر اسماً، وإذا حسبنا الضمير الموجود في المشتقات مثل "الحيّ هو" و"القيوم هو" و"العليّ هو" و"العظيم هو". صارت أسماء الله الحسنى الموجودة في هذه الآية الكريمة واحداً وعشرين اسماً. إذن هي آية قد جمعت قدراً كبيراً من أسماء الله، ومن ذلك جاءت عظمتها. وهذه الآية الكريمة قد بيّنت ووضحت قواعد التصور الإيماني، وأنشأت عقيدة متكاملة يعتز المؤمن أن تكون هذه العقيدة عقيدته. والآية في ذاتها تتضمن حيثيات الإيمان، إنه ما دام هو الله لا إله إلا هو، وما دام هو الحيّ القيوم على أمر السماء والأرض، وكل شيء بيده، وهو العليّ العظيم، فكل هذه مبررات لأن نؤمن به سبحانه وتعالى، وأن نعتز بأن نعتقد هذه المعتقدات، وتكون هي الدليل على أن المؤمن فخور بهذا الدين الذي كان أمر الألوهية المطلقة واضحاً وبيّناً فيه. ولذلك فمن الطبيعي ألا يقهر الحق أحداً على الإيمان به إكراهاً، لأن الذي يقهر أحداً على عقيدة ما، هو أول مَنْ يعتقد أنه لولا الإكراه على هذه العقيدة لما اعتقدها أحد. ونحن في حياتنا اليومية نجد أن أصحاب المبادئ الباطلة هم الذين يمسكون السياط من أجل إكراه الناس على السير على مبادئهم. وكل من أصحاب هذه المبادئ الباطلة يعلم تمام العلم أنه لو ترك السوط والقهر ما سار إنسان على مثل هذه المبادئ الباطلة. ولو كان أحد من أصحاب هذه المبادئ الباطلة معتقداً أن مبدأه سليم لقال: أطرح هذا المبدأ على الناس، وأترك لهم الخيار؛ لأنه في هذه الحالة سيكون واثقاً من مبدئه. أما الذي يقهر الناس إكراها بالسوط أو السلطان ليعتقدوا مبدأ ما، فهو أول من يشك في هذا المبدأ، وهو أول من يعتقد أنه مبدأ باطل. مثل هؤلاء نراهم عندما تضعف أيديهم عن استعمال السوط أو السلطان فإن أمر مبدئهم ينهزم ويسقط بنيانه. والحق سبحانه وتعالى بعد ذلك يقول: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} [الآية: 255]. يقول: لا يضر به أَو يكرثه حفظهما. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} [الآية: 256]. قال: يعني الإِيمان. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، [عن مجاهد] {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [الآية: 258]. قال: هو نمروذ بن كنعان.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وبيّن أن الخلائق قد اختلفوا من بعدهم وتنازعوا وتقاتلوا بسبب الدين، ذكر أن هذا التفضيل بين الأنبياء لا يستدعي الصراع بين الأتباع ولا الخصام والنزاع، فالرسل صلوات الله عليهم وإِن كانوا متفاوتين في الفضل إِلا أنهم جميعاً جاءوا بدعوةٍ واحدة هي "دعوة التوحيد" فرسالتهم واحدة ودينهم واحد، وأنه لا إِكراه في الدين فقد سطع نور الحق وأشرق ضياؤه. اللغَة: {ٱلْحَيُّ} ذو الحياة الكاملة ومعناه الباقي الدائم الذي لا سبيل للفناء عليه {ٱلْقَيُّومُ} القائم بتدبير الخلق {سِنَةٌ} بكسر السين النعاس وهو ما يسبق النوم من فتور قال الشاعر: شعر : وسنان أقصده النعاس فرنَّقت في عينه سِنةٌ وليس بنائم تفسير : {يَؤُودُهُ} يثقله ويتعبه {ٱلْعَلِيُّ} المراد علو المنزلة والشأن الذي تعالى في جلاله وعظم في سلطانه {إِكْرَاهَ} الإِكراه: حمل الشخص على ما يكره بطريق القسر والجبر {ٱلطَّاغُوتُ} من الطغيان وهو كل ما يطغي الإِنسان ويضله عن طريق الحقِ والهدى {ٱلْوُثْقَىٰ} مؤنث الأوثق وهو الشيء المحكم الموثق {ٱنفِصَامَ} الانفصام: الانكسار قال الفراء: الانفصام والانقصام لغتان وبالفاء أفصح وقال بعضهم: الفصم انكسار بغير بينونة والقصم انكسار ببينونة. سَبَبُ النّزول: كان لرجلٍ من الأنصار ابنان تنصّرا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفرٍ من التجار يحملون الزيت، فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما فنزلت {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ}. الآية. التفسِير: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} أي هو الله جل جلاله الواحد الأحد الفرد الصمد، ذو الحياة الكاملة، الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون الخلق بالرعاية والحفظ والتدبير {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} أي لا يأخذه نعاسٌ ولا نوم كما ورد في الحديث "حديث : إنَّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه"تفسير : ، {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي جميع ما في السماوات والأرض ملكه وعبيده وتحت قهره وسلطانه {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد إِلا إِذا أذن له الله تعالى قال ابن كثير: وهذا بيانٌ لعظمته وجلاله وكبريائه بحيث لا يتجاسر أحد على الشفاعة إِلا بإِذن المولى {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي يعلم ما هو حاضر مشاهد لهم وهو الدنيا وما خلفهم أي أمامهم وهو الآخرة فقد أحاط علمه بالكائنات والعوالم {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} أي لا يعلمون شيئاً من معلوماته إِلا بما أعلمهم إِيّاه على ألسنة الرسل {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي أحاط كرسيّه بالسماوات والأرض لبسطته وسعته، والسماواتُ السبع والأرضون بالنسبة للكرسي كحلقةٍ ملقاةٍ في فلاة، وروي عن ابن عباس {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} قال: علمه بدلالة قوله تعالى {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} تفسير : [غافر: 7] فأخبر أن علمه وسع كل شيء وقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش قال ابن كثير: والصحيح أن الكرسي غير العرش وأن العرش أكبر منه كما دلت على ذلك الآثار والأخبار {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} أي لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما وهو العلي فوق خلقه ذو العظمة والجلال كقوله {أية : ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ} تفسير : [الرعد: 9] {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} أي لا إِجبار ولا إِكراه لأحد على الدخول في دين الإِسلام، فقد بان ووضح الحق من الباطل والهدى من الضلال {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} أي من كفر بما يعبد من غير الله كالشيطان والأوثان وآمن بالله فقد تمسك من الدين بأقوى سبب {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا} أي لا انقطاع لها ولا زوال {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لأقوال عباده عليم بأفعالهم {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي الله ناصر المؤمنين وحافظهم ومتولي أمورهم، يخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إِلى نور الإِيمان والهداية {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} أي وأما الكافرون فأولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور الإِيمان إِلى ظلمات الشك والضلال {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي ماكثون في نار جهنم لا يخرجون منها أبداً. تفسير : البَلاَغَة: 1- في آية الكرسي أنواعٌ من الفصاحة وعلم البيان منها حسنُ الافتتاح لأنها افتتحت بأجل أسماء الله تعالى، وتكرار اسمه ظاهراً ومضمراً في ثمانية عشر موضعاً، والإِطناب بتكرير الصفات، وقطعُ الجمل حيث لم يصلها بحرف العطف، والطباقُ في {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أفاده صاحب البحر المحيط. 2- {ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ} استعارة تمثيلية حيث شبه المستمسك بدين الإِسلام بالمستمسك بالحبل المحكم، وعدم الانفصام ترشيحٌ. 3- {مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} استعارة تصريحية حيث شبه الكفر بالظلمات والإِيمان بالنور قال في تلخيص البيان: وذلك من أحسن التشبيهات لأن الكفر كالظلمة التي يتسكع فيها الخابط ويضل القاصد، والإِيمان كالنور الذي يؤمه الجائر ويهتدي به الحائر، وعاقبة الإِيمان مضيئة بالنعيم والثواب، وعاقبةُ الكفر مظلمة بالجحيم والعذاب. فَائِدَة: أفرد النور وجمع الظلمات لأن الحق واحد لا يتعدد وأما طرق الضلال فكثيرة ومتشعبة. تنبيه: آية الكرسي لها شأن عظيم وقد صحّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل آية في كتاب الله وفيها اسم الله الأعظم كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : اسم الله الأعظم الذي إِذا دُعى به أجاب في ثلاث: سورة البقرة وآل عمران وطه"تفسير : قال هشام: أما البقرة فقوله {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} وفي آل عمران {أية : الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} تفسير : [الآيات: 1 - 2] وفي طه {أية : وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} تفسير : [الآية: 111] قال ابن كثير: وقد اشتملت على عشر جملٍ مستقلة، متعلقة بالذات الإِلهية وفيها تمجيد الواحد الأحد.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: فالحقُّ: الباقيُ، والقَيومُ: الدَائمُ الذي لا يَزولُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} فالسِّنةُ: النُّعاسُ: وكذلكَ الوَسنَةُ وجمعُها سِناتٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: معناهُ يتكلمُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} قالَ وسِعَ عِلمُهُ السَّمواتِ والأَرضَ. والكراسيُ: العُلماءُ. ويقالُ: إِنَّ الكُرسيَ: موضعُ العَرشِ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} معناه لا يَكُدُ بِه ولاَ يَثقُلُ عَليهِ.
الأندلسي
تفسير : {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} هذه تسمى آية الكرسي لذكره فيها. وقد ورد في فضل قراءتها ثواب كثير، وتضمنت صفاته تعالى من الانفراد بالالهية، والحياة، والقيام على كل شيء. واستحالة كونه محلاً للحوادث وغير ذلك مما وصف به تعالى نفسه، وفيه إثبات صفة الحياة له، والقيوم وزنه فيعول أصله قيووم قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء وقرىء القيّام والقيم وجوزوا أن يكون الحي صفة أو خبراً بعد خبر، أو بدلاً من هو، أو من الله، أو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره، لا تأخذه، وأجودها الوصف ويدل عليه قراءة من قرأ الحي القيوم بنصبهما على المدح. {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} يقال: وسن سنة ووسنا والمعنى: لا يغفل عن دقيق ولا جليل عبر بذلك عن الغفلة لأنه سببها. أولاً تحلة الآفات ولا العاهات المذهلة عن حفظ المخلوقات. {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ما تشمل كل موجود وللام للملك. {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تقدم إعراب من ذا الذي في قوله من ذال الذي يقرض الله وهو استفهام في معنى النفي، ولذلك دخلت الا ودلت هذه الجملة على وجود الشفاعة. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} ضمير الجمع عائد على ما وهم الخلق غلب من يعقل فجمع الضمير جمع من يعقل وهو عائد على من يعقل من الأنبياء والملائكة مراعاة لقوله: من ذا الذي. قال ابن عباس: ما بين أيديهم أمر الآخرة، وما خلفهم أمر الدنيا. والذين يظهر ان هذا كناية عن إحاطة عالمه تعالى بسائر المخلوقات من جميع الجهات. وكني بهاتين الجهتين عن سائر الجهات لأحوال المعلومات والاحاطة تقتضي الحفوف بالشيء من جميع جهاته. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} أي من معلومه. لأن علمه تعالى لا يتبعض. { إِلاَّ بِمَا شَآءَ} أن يعلمهم به من المعلومات. وقرىء وَسْعَ فعلاً ماضياً بكسر السين وسكونها تخفيفاً. وقرىء: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} برفعها. والكرسي: جسم عظيم يسع السماوات والأرض. واختار القفال ان المقصود تصوير عظمة الله وتقدره خاطب الخلق في تعريف ذاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم. "انتهى". وفي الحديث. حديث : ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في تُرْس. تفسير : وفي الحديث أيضاً: حديث : ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض . تفسير : [وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سماه كتاب العرش: إن الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكاناً يقعد فيه معه رسول الله صلى الله عليه وسلم تحيّل عليه التاج محمد بن علي بن عبد الحق البارنباري وكان أظهر أنه داعية له حتى أخذه منه وقرأنا ذلك فيه]. {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي لا يثقله حفظهما أي السماوات والأرض وهو كناية عن انتفاء شغله بهما وبحفظهما. {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} تنزيه له تعالى. أي العلي قدره، العظيم شأنه.
الجيلاني
تفسير : {ٱللَّهُ} أي: الذات الثابت الوجود والكائن الحق الحقيقي بالحقيقة والتحقق والثبوت، إياك أن تقصد بالألفاظ محتملاتها؛ إذ الغرض من التعبير التنبيه، وإلا فكيف يعبر عنه وهو أجل من أن يحيط به العقول فيعبر عنه، أو يورد في قالب الألفاظ الذي {لاَ إِلَـٰهَ} أي: لا موجود، وإن شئت قل: لا وجود ولا تحقق ولا كون ولا ثبوت {إِلاَّ هُوَ} هذا هو نهاية ما تنطق عنه ألسنة التعبير عن الذات الأحدية؛ أذ كل من التعبيرات والإدراكات والمكاشفات والمشاهدات، إنما ينتهي إليه، وبعد انتهائه إليه تكل وتجهل وتعمى وتدهش، ما للعباد ورب الأرباب حتى يتكلموا عنه، سوى أن الحق سبحانه لما ظهر لهم بذاته جميع أوصافه وأسمائه، أنزل عليهم على قدر عقولهم المودعة فيهم كلاماً جامعاً نبههم على مبدئهم بعد توفيق مه وجذب من جانبه؛ إذ أسهل الطريق بالنسبة إلى المحجوبين هو الألفاظ المنبهة عن غيب الذات؛ إذ هو خال عن المواد الغليظة والكدورات الكثيفة المزيحة لصفاء الوحدة، ومع ذلك أيضاً لا ينجو عن ثوب الكثرة. والحاصل أن من اطلع باطلاع الله وإلهامه على أن فيه مبدأ التكاليف الذي هو العقل المتشعب من العلم الحضوري الحقي، فلا بد أن يصرفه امتثال ما أمر واجتناب ما نهى، ليكون في مرتبة العبودية مطمئناً راضياً مستدرجاً من الحياة الصورية إلى الحياة المعنوية التي هي {ٱلْحَيُّ} الأزلي الأبدي السرمدي الدائم {ٱلْقَيُّومُ} الذي {لاَ تَأْخُذُهُ} فتور وفترة وتعديل وغفلة لا {سِنَةٌ} نعاس لا ينتهي إلى حد النوم {وَلاَ نَوْمٌ} يتجاوز عنها قمها، مع أن المناسب للترقي تأخيرها اهتماماً بشأنها؛ لكونها أقرب نسبة إلى الله سبحانه تعالى من النوم بالنسبة إلى أولي الأحلام السخيفة من المجسمة وغيرها، هو الذي {لَّهُ} محافظة {مَا} ظهر {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: سموات الأسماء والصفات الذاتية التي هي أول كثرة ظهرت من الغيب إلى الإضافية {وَمَا} ظهر {فِي ٱلأَرْضِ} أي: طبيعة العدم التي هي آخر كثرة عادت من الشهادة الحقيقية إلى الغيب الإضافي الذي هو قلب الإنسان، وهو البرزخ بين الغيب الحقيقي والشهادة الحقيقية {مَن ذَا} من الأنبياء والأولياء {ٱلَّذِي يَشْفَعُ} يهدي ويرشد للناقصين المنحطين عن مرتبة الإنسانية {عِنْدَهُ} بعد ظهوره له بهو هو {إِلاَّ} من يرشدهم {بِإِذْنِهِ} بوحيه على قلبه ورقائق مناسباته التي لا يمكننا التعبير عنها الذي هو {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} حالة إذ {وَمَا خَلْفَهُمْ} أزلاً وأبداً {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ} قليل {مِّنْ عِلْمِهِ} الحضوري {إِلاَّ بِمَا شَآءَ} وتعلق إرادته ومشيئته عليه. من هذا يتفطن العارف أن العالم ما هو إلا مظاهر ذات الحق وأظلال أسمائه وآثار أوصافه؛ إذ الموجود هو، والوجود هو، والحي هو، والقيوم هو، الرقيب المحافظ الملازم على محافظة ما ظهر في الأولى والأخرى هو، والعالم المدبر بالحضور مصالح جميع ما ظهر وبطن هو، والعلم والإدراكات الصادرة من المظاهر هو على العلم الحضوري. فلم يبق للعالم إلا مناسبة الظلية والانعكاس والمظهرية؛ إذ {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} مجلاه ومظاهره {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} المذكورة {وَٱلأَرْضَ} المذكورة {وَلاَ يَؤُودُهُ} يثقله {حِفْظُهُمَا} وإن كانت سموات الأسماء وأرض الطبيعة غير متناهية، بل وإن فرضت بأضعافها وآلافها أموراً متعددة غير متناهية لا يثقله؛ إذ كل من تحقق بمرتبة قلب الإنسان المنعكس من الذات الأحدي المائل نحوها بالميل الحبي الشوقي المتلذذ دائماً بوجوده وحضوره، تحقق عنده من الوسعة ما لا يمكن التعبير عنه مطلقاً. كما سمح سلطان العارفين وبرهان الواصلين - عمَّت بركات أنفاسه الشريفة على الفقراء المتوجهين نحو فضاء التوحيد - حيث قال: "لو أن العرش وما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايات قلب العارف، ما أحسن". جاء بعده رأس الموحدين، ورئيس أرباب التحقيق واليقين، محيي الملة والدين، الذي هيَّج بحر التوحيد تهييداً شديداً إلى حيث يترشح من تيار قلبه الزخار رشحات المعارف والحقائق، على قلوب أولي العزائم الصحيحة المقتفية إثر طريقة - قدس الله روحه وأرواحهم وشكر سعيهم وسعيه - حيث قال: هذا وسع أبي زيد في عالم الأجسام، بل أقول: "لو أن ما لا يتناهى وجوده قدر انتهاء وجوده مع العين الموجدة له في زاوية من زوايا قلب العارفين، ما أحسن بذلك في علمه". انتهى. أقول والحديث القدسي مغنٍ عن أمثالهم إن قوله سبحانه: "حديث : وسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : وسعة عجز عنها التعبير مطلقاً {وَ} بالجملة: ما لكم أيها العباد ومعرفة الذات غير هذا {هُوَ ٱلْعَلِيُّ} بذاته تعالى عن أن تدركه عقول العقلاء وتنزه عن أن تصفه ألسنة الفصحاء {ٱلْعَظِيمُ} [البقرة: 255] بآثار أسمائه وصفاته الممتدة على صفحات الإعدام، وهو في ذاته على حرافة وحدته، وهو ولا شيء سواه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة، وقوله: { الحي القيوم } هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن { لا تأخذه سنة ولا نوم } والسنة النعاس { له ما في السماوات وما في الأرض } أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن، ثم قال { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما مضى من جميع الأمور { وما خلفهم } أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا قال: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض } وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: { ولا يؤوده } أي: يثقله { حفظهما وهو العلي } بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته { العظيم } الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا ثم قال تعالى: { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 125 : 45 - سفين عن جعفر عن سعيد بن جبير في قوله جل وعز {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} قال، علمه. [الآية 255].
همام الصنعاني
تفسير : 320- عبد الرزاق، عن قتادة والحسن، في قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}: [الآية: 255]، قالا: نَعْسَةٌ. 321- حدثنا عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، قال: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن العباس، في قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} قال: إنَّ مُوسَى سأل الملائكة: هَلْ يَنَام ربُّنَا تبارك وتعالى؟ قال: فأوحى اللهُ إلى الملائكة أن يؤرقوه ثلاثاً فلا يتركوه يَنَامُ ففعلوا ذلِكَ، ثم أعطوه قارورتين قال: فأمْسَكَهُما، ثم تركُوهُ وحذَّروه أن يسكرهما، قال: فجعل ينعس وهُما في يديه، في كل يدٍ واحدة، فجعل ينعس وَيَنْتَبه، وينعس وينتبه، حتى نَعِسَ نَعْسَةً فضرب إحْدَاهُمَا بالأخرى فكسرهما. 322- قال عبد الرزاق، قال معمر: إنما هُوَ مثلٌ ضَرَبَه الله له، يقول: فكذلِك السماوات والأرض في يديه يقولُ: فكَيْف ينعَسُ. 323- عبد الرزاق، قال. حدّثنا معمر، عن الحسن، وقتادة في قوله تعالى: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}: [الآية: 255]، قال لا يثقُل علَيْهِ شيءُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):