٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
254
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق، وأيضاً فيه وجه آخر، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله: {أية : وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 244] ثم أعقبه بقوله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } تفسير : [البقرة: 245] والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد، وهو قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ }. إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل: المسألة الأولى: المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً بقوله: {أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم } فنقول: الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقاً بالإجماع أما ما كان حراماً فإنه لا يجوز إنفاقه، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراماً، والأصحاب قالوا: ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقاً إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقاً حلالاً. المسألة الثانية: اختلفوا في أن قوله: {أَنفَقُواْ } مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة، فقال الحسن: هذا الأمر مختص بالزكاة، قال لأن قوله: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ } كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون: هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب، وليس في الآية وعيد، فكأنه قيل: حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث: أن المراد منه الإنفاق في الجهاد: والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد، وهذا قول الأصم. المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {لاَّ بَيْعٌ، وَلاَ خُلَّةٌ، وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } بالنصب، وفي سورة إبراهيم عليه السلام {أية : لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ } تفسير : [إبراهيم: 31] وفي الطور {أية : لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } تفسير : [الطور: 23] والباقون جميعاً بالرفع، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ } تفسير : [البقرة: 197]. المسألة الرابعة: المقصود من الآية أن الإنسان يجىء وحده، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } تفسير : [الأنعام: 94] وقال: {أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً } تفسير : [مريم: 80]. أما قوله: {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } ففيه وجهان الأول: أن البيع ههنا بمعنى الفدية، كما قال: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ } تفسير : [الحديد: 15] وقال: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ } تفسير : [البقرة: 123] وقال: {أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } تفسير : [الأنعام: 7] فكأنه قال: من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني: أن يكون المعنى: قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال. أما قوله: {وَلاَ خُلَّةٌ } فالمراد المودة، ونظيره من الآيات قوله تعالى: {أية : ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67] وقال: {أية : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ }تفسير : [البقرة: 166] وقال: {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } تفسير : [العنكبوت: 25] وقال حكاية عن الكفار: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 100] وقال: {أية : وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } تفسير : [البقرة: 270] وأما قوله: {وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } يقتضي نفي كل الشفاعات. واعلم أن قوله: {وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } عام في الكل، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 281] {أية : لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ } تفسير : [البقرة: 48]. واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها: أن كل أحد يكون مشغولاً بنفسه، على ما قال تعالى: {أية : لِكُلّ ٱمْرِىءٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ } تفسير : [عبس: 37] والثاني: أن الخوف الشديد غالب على كل أحد، على ما قال: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ } تفسير : [الحج: 2] والثالث: أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار مبغضاً لهذين الأمرين، وإذا صار مبغضاً لهما صار مبغضاً لمن كان موصوفاً بهما. أما قوله تعالى: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول: الحمد لله الذي قال: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } ولم يقل الظالمون هم الكافرون، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً أحدها: أنه تعالى لما قال: {وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقاً، فذكر تعالى عقيبه: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق، قال القاضي: هذا التأويل غير صحيح لأن قوله: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم. والجواب: أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ، تطرق الخُلفْ إلى كلام الله تعالى، لأن غير الكافرين قد يكون ظالماً، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله. التأويل الثاني: أن الكافرين إذا دخلوا النار عَجَزوا عن التخلص عن ذلك العذاب، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } تفسير : [الكهف: 49]. والتأويل الثالث: أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردىء، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله. والتأويل الرابع: الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله، فإنهم كانوا يقولون في الأوثان: {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18]، وقالوا أيضاً: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3] فمن عبد جماداً وتوقع أن يكون شفيعاً له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع منه. والتأويل الخامس: المراد من الظلم ترك الإنفاق، قال تعالى: {أية : آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } تفسير : [الكهف: 33] أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل الله، وأما المسلم فلا بد وأن ينفق منه شيئاً قل أو كثر. والتأويل السادس: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي هم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال: العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا ههنا، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قال الحسن: هي الزكاة المفروضة. وقال ابن جريج وسعيد بن جبير: هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوّع. قال ابن عطية. وهذا صحيح، ولكن ما تقدّم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا النّدب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك في آخر الآية قوله: {هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال. قلت: وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرّة واجباً ومرّة ندباً بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه. وأمر تعالىٰ عباده بالإنفاق مما رزقهم الله وأنعم به عليهم، وحذّرهم من الإمساك إلى أن يجيء يومٌ لا يمكن فيه بيعٌ ولا شِراءٌ ولا استدراك نفقة، كما قال: {أية : فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} تفسير : [المنافقون: 10]. والخُلَّة: خالص المودّة، مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين. والخِلالة والخَلالة والخُلالة: الصداقة والمودّة، قال الشاعر:شعر : وكيف تُواصِلُ مَنْ أصْبَحَتْ خِلاَلَتُه كأبِي مَرْحَبِ تفسير : وأبو مرحب كُنْية الظِّلّ، ويُقال: هو كنية عرقوب الذي قيل فيه: مواعيد عرقوب. والخُلة (بالضم أيضاً): ما خلا من النبت، يُقال: الخُلّة خُبْز الإبل والحُمض فاكهتُها. والخَلة (بالفتح): الحاجة والفقر. والخَلّة: ابن مَخَاض، عن الأصمعي. يُقال: أتاهم بقُرْص كأنه فِرْسِن خَلّة. والأنثى خلة أيضاً. ويُقال للميت: اللَّهُمَّ أصلح خَلّتَه، أي الثّلْمَة التي ترك. والخَلّة: الخَمْرة الحامضة. والخِلّة (بالكسر): واحدة خِلل السيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره، وهي أيضاً سيُور تُلْبس ظهر سِيَتي القَوْس. والخِلة أيضاً: ما يبقي بين الأسنان. وسيأتي في «النساء» اشتقاق الخليل ومعناه. فأخبر الله تعالىٰ ألاّ خُلّة في الآخرة ولا شفاعة إلاَّ بإذن الله. وحقيقتها رحمة منه تعالىٰ شرّف بها الذي أذن له في أن يشفع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} بالنصب من غير تنوين، وكذلك في سورة «إبراهيم» {أية : لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} تفسير : [إبراهيم: 31] وفي «الطور» {أية : لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} تفسير : [الطور: 23] وأنشد حسان بن ثابت:شعر : ألاَ طِعانَ وَلاَ فُرْسَانَ عاديةٌ إلاَّ تَجَشُّؤكمْ عند التَّنَانِير تفسير : وألف الاستفهام غير مغيِّرة عملَ «لا» كقولك: ألا رجلَ عندك، ويجوز ألاَ رجلٌ ولا امرأةٌ كما جاز في غير الاستفهام فاعلمه. وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين، كما قال الراعيّ:شعر : وما صَرَمْتُكِ حتى قُلْتِ مُعْلِنَةً لا ناقةٌ لِيَ في هذا ولا جَمَلُ تفسير : ويروى «وما هجرتكِ» فالفتح على النفي العام المستغرق لجميع الوجوه من ذلك الصنف، كأنّه جواب لمن قال: هل فيه مِن بيع؟ فسأل سؤالاً عاماً فأُجيب جواباً عاماً بالنفي. و «لا» مع الاسم المنفي بمنزلة ٱسم واحد في موضع رفع بالابتداء، والخبر «فيه». وإن شئت جعلته صفة ليوم، ومَن رفع جعل «لا» بمنزلة ليس. وجعل الجواب غير عام، وكأنه جواب مَن قال: هل فيه بيع؟ بإسقاط من، فأتى الجواب غير مغير عن رفعه، والمرفوع مبتدأ أو اسم ليس و «فيه» الخبر. قال مكيّ: والاختيار الرفع؛ لأن أكثر القرّاء عليه، ويجوز في غير القرآن لا بيعَ فيه ولا خلةٌ، وأنشد سيبويه لرجل من مَذْحِج:شعر : هذا لعَمْركُمُ الصَّغار بعيْنِه لا أُمَّ لِي إن كان ذاك ولا أَبُ تفسير : ويجوز أن تبني الأوّل وتنصب الثاني وتنوّنه فتقول: لا رجلَ فيه ولا ٱمرأةً، وأنشد سيبويه:شعر : لا نَسبَ اليومَ ولا خلةً ٱتَّسَع الخرْقُ على الرّاقِعِ تفسير : فلا زائدة في الموضعين، الأوّل عطف على الموضع والثاني على اللفظ. ووجه خامس أن ترفع الأوّل وتبني الثاني كقولك: لا رجل فيها ولا امرأة، قال أُمّيّةُ:شعر : فلا لَغْوٌ ولا تَأتِيمَ فيها وما فَاهُوا به أبَداً مُقيمَ تفسير : وهذه الخمسة الأوجه جائزة في قولك: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وقد تقدّم هذا والحمد لله. {وَٱلْكَافِرُونَ} ابتداء. {هُمُ} ابتداء ثان، {ٱلظَّالِمُونَ} خبر الثاني، وإن شئت كانت «هم» زائدة للفصل و «الظالمون» خبر «الكافرون». قال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: «والكافرون هم الظالمون» ولم يقل والظالمون هم الكافرون.
البيضاوي
تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم } ما أوجبت عليكم إنفاقه. {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم، والخلاص من عذابه إذ لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقونه، أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى يعينكم عليه أخلاؤكم أو يسامحوكم به ولا شفاعة {أية : إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً }تفسير : [طه: 109] حتى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم في حط ما في ذممكم، وإنما رفعت ثلاثتها مع قصد التعميم لأنها في التقدير جواب: هل فيه بيع؟ أو خلة؟ أو شفاعة؟ وقد فتحها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الأصل. {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } يريد والتاركون للزكاة هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم، أو وضعوا المال في غيره موضعه وصرفوه على غير وجهه، فوضع الكافرون موضعه تغليظاً لهم وتهديداً كقوله: {أية : وَمَن كَفَرَ }تفسير : [البقرة: 126] مكان ومن لم يحج وإيذاناً بأن ترك الزكاة من صفات الكفار لقوله تعالى: {أية : وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ }تفسير : [فصلت: 6-7].
ابن كثير
تفسير : يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، سبيل الخير، ليدّخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا، {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ} يعني: يوم القيامة {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ} أي: لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهباً، ولا تنفعه خلة أحد، يعني: صداقته، بل ولا نسابته، كما قال: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 101] ولا شفاعة: أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين. وقوله: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} مبتدأ محصور في خبره، أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافراً، وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم } زكاته {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ } فداء {فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ } صداقة تنفع {وَلاَ شَفَٰعَةٌ } بغير إذنه وهو يوم القيامة وفي قراءة برفع الثلاثة {وَٱلْكَٰفِرُونَ } بالله أو بما فرض عليهم {هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ } لوضعهم أمر الله في غير محله.
الشوكاني
تفسير : ظاهر الأمر في قوله: {أَنفَقُواْ } الوجوب، وقد حمله جماعة على صدقة الفرض لذلك، ولما في آخر الآية من الوعيد الشديد، وقيل: إن هذه الآية تجمع زكاة الفرض، والتطوّع. قال ابن عطية: وهذا صحيح، ولكن ما تقدّم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله. قال القرطبي: وعلى هذا التأويل يكون إنفاق المال مرة واجباً، ومرة ندباً بحسب تعين الجهاد، وعدم تعينه. قوله: {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } أي: أنفقوا ما دمتم قادرين {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ } ما لا يمكنكم الإنفاق فيه، وهو: {يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } أي: لا يتبايع الناس فيه. والخلة: خالص الموّدة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين. أخبر سبحانه أنه لا خلة في يوم القيامة نافعة، ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بنصب لا بيع ولا خلة، ولا شفاعة، من غير تنوين. وقرأ الباقون برفعها منوّنة، وهما لغتان مشهورتان للعرب، ووجهان معروفان عند النحاة، فمن الأوّل قول حسان بن ثابت:شعر : ألا طِعانَ ألا فُرسانَ عَادِية ألا تجسُّؤكم حول التَّنَانير تفسير : ومن الثاني قول الراعي:شعر : وما صَرَمْتِكِ حَتَّى قُلْتَ مُعْلِنَةً لا ناقة لِيَ في هَذَا وَلاَ جَمَلُ تفسير : ويجوز في غير القرآن التغاير برفع البعض، ونصب البعض، كما هو مقرر في علم الإعراب. قوله: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } فيه دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه، ومن جملة من يدخل تحت هذا العموم مانع الزكاة منعاً يوجب كفره لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم } قال: من الزكاة، والتطوّع. وأخرج ابن المنذر، عن سفيان قال: يقال: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن، ونسخ شهر رمضان كل صوم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: قد علم الله أن ناساً يتخاللون في الدنيا، ويشفع بعضهم لبعض، فأما يوم القيامة، فلا خلة إلا خلة المتقين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن عطاء قال: الحمد لله الذي قال: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.
ابن عطية
تفسير : قال ابن جريج: هذه الآية تجمع الزكاة والتطوع، وهذا كلام صحيح فالزكاة واجبة والتطوع مندوب إليه، وظاهر هذه الآية أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل وصلة رحم، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين، يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: {والكافرون هم الظالمون}، أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال، وندب الله بهذه الآية، إلى إنفاق شيء مما أنعم به وهذه غاية التفضل فعلاً وقولاً، وحذر تعالى من الإمساك، إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك بنفقة في ذات الله، إذ هي مبايعة على ما قد فسرناه في قوله تعالى: {أية : من ذا الذي يقرض الله} تفسير : [البقرة: 245]، أو إذ البيع فدية لأن المرء قد يشتري نفسه ومراده بماله، وكأن معنى الآية معنى سائر الآي التي تتضمن إلا فدية يوم القيامة. وأخبر الله تعالى بعدم الخلة يوم القيامة، والمعنى: خلة نافعة تقتضي المساهمة كما كانت في الدنيا، وأهل التقوى بينهم في ذلك اليوم خلة ولكنها غير محتاج إليها، وخلة غيرهم لا تغني من الله شيئاً، وأخبر تعالى أن الشفاعة أيضاً معدومة في ذلك اليوم، فحمل الطبري ذلك على عموم اللفظ وخصوص المعنى، وأن المراد {ولا شفاعة} للكفار. وهذا لا يحتاج إليه. بل الشفاعة المعروفة في الدنيا وهي انتداب الشافع وتحكمه على كره المشفوع عنده مرتفعة يوم القيامة البتة. وإنما توجد شفاعة بإذن الله تعالى. فحقيقتها رحمة من الله تعالى. لكنه شرف الذي أذن له في أن يشفع، وإنما المعدوم مثل حال الدنيا من البيع والخلة والشفاعة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "لا بيعَ فيه ولا خلةَ ولا شفاعة" بالنصب في كل ذلك بلا تنوين، وكذلك في سورة إبراهيم {أية : لا بيعَ فيه ولا خلالَ} تفسير : [الآية: 31]، وفي الطور: {أية : لا لغو فيها ولا تأثيم} تفسير : [الآية: 23]، وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين، و {الظالمون} واضعو الشيء في غير موضعه، وقال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: {والكافرون هم الظالمون} ولم يقل: الظالمون هم الكافرون.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} قيل أراد به الزكاة الواجبة وقيل أراد به صدقة التطوع والإنقاق في وجوه الخير {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} أي لا فدية وإنما سماه بيعاً لأن الفداء شراء النفس من الهلاك، والمعنى قدموا لأنفسكم اليوم من أموالكم من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فيكسب الإنسان ما يفتدي به من العذاب {ولا خلة} أي ولا مودة ولا صداقة {ولا شفاعة} وظاهر هذا يقتضي نفي الخلة والشفاعة وقد دلت النصوص على ثبوت المودة والشفاعة، بين المؤمنين فيكون هذا عاماً مخصوصاً {والكافرون هم الظالمون} لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها. قوله عز وجل: {الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم}. فصل: في فضل هذه الآية الكريمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي" تفسير : أخرجه الترمذي. قوله: إن لكل شيء سناماً. سنام كل شيء أعلاء تشبيهاً بسنام البعير والمراد منه تعظيم هذه السورة والسيد الفاضل في قومه والشريف والكريم وأصله من ساد يسود وقوله هي سيدة أي القرآن أفضله. (م) عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: {الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم} فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر" تفسير : عن واثلة بن الأسقع: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} تفسير : أخرجه أبو داود. وقال العلماء: إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم آية في القرآن لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والقومية والملك والقدرة والإرادة، فهذه أصول الأسماء والصفات، وذلك لأن الله تعالى أعظم مذكور فما كان ذكراً له من توحيد وتعظيم كان أعظم الأذكار وفي هذا الحديث حجة لمن يقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيله على سائر كتب الله المنزلة، ومنع من جواز تفضيل بعض القرآن على بعض جماعة منهم أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني قالا لأن تفضيل بعضه على بعض يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام الله عز وجل نقص وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق لفظ أعظم وأفضل على بعض الآيات أو السور بمعنى عظيم وفاضل، ومن أجاز تفضيل بعض القرآن على بعض من العلماء والمتكلمين قالوا: هذا التفضيل راجع إلى عظم أجر القارئ أو جزيل ثوابه وقول: إن هذه الاية أو هذه السورة أعظم أو أفضل بمعنى أن الثواب المتعلق بها أكثر وهذا هو المختار وهو معنى الحديث والله أعلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أول حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم حفظ يومه ذلك حتى يمسي ومن قرأها حين يمسي حفظ ليلته تلك حتى يصبح" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. وأما التفسير فقوله عز وجل: {الله لا إله إلا هو} نفي الإلهية عن كل ما سواه وأثبت الإلهية له سبحانه وتعالى فهو كقولك لا كريم إلاّ زيد فإنه أبلغ من قولك زيد كريم الحي يعني الباقي على الأبد الدائم بلا زوال، والحي في صفة الله تعالى وهو الذي لم يزل موجوداً وبالحياة موصوفاً لم تحدث له الحياة بعد موت ولا يعتريه الموت بعد حياة، وسائر الأحياء سواء يعتريهم الموت والعدم فكل شيء هالك إلاّ وجهه سبحانه وتعالى. القيوم قال مجاهد: القيوم القائم على كل شيء وتأويله أنه تعالى قائم بتدبير خلقه في إيجادهم وأرزاقهم وجميع ما يحتاجون إليه وقيل وهو القائم الدائم بلا زوال الموجود الذي يمتنع عليه التغير وقيل هو القائم على كل نفس بما كسبت والقيوم فيعول من القيام وهو نعت للقائم على الشيء {لا تأخذه سنة ولا نوم} السنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمى نعاساً وهو النوم الخفيف والوسنان بين النائم واليقظان والنوم هو الثقل المزيل للعقل والقوة. وقيل: السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب فالسنة هي أول النوم والنوم هو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء والمعنى لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه نوم لأن النوم والسهو والغفلة محال على الله تعالى لأن هذه الأشياء عبارة عن عدم العلم وذلك نقص وآفة والله تعالى منزه عن النقص والآفات، وأن ذلك تغير والله تعالى منزه عن التغير، (م) عن أبي موسى الأشعري قال: "حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بخمس كلمات فقال إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور"تفسير : . وفي رواية: "حديث : النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". تفسير : شرح ما يتعلق بلفظ هذا الحديث منقول من شرح مسلم للشيخ محيي الدين النووي قوله صلى الله صلى عليه وسلم: "حديث : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" تفسير : فمعناه الإخبار أنه سبحانه وتعالى لا ينام وأنه مستحيل في حقه لأن النوم انغمار وغلبة على العقل يسقط به الإحساس والله تعالى منزه عن ذلك وقوله: "يخفض القسط ويرفعه" أراد بالقسط الميزان الذي يقع به العدل ومعناه أن الله تعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن فيه من أعمال العباد المرتفعة إليه وقيل أراد بالقسط الرزق الذي هو قسط كل مخلوق ومعنى يخفض يقبض ويضيق على من يشاء ويرفعه أي يوسعه على من يشاء وقوله: "يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار" يعني أن الحفظة من الملائكة يصعدون بأعمال العباد في الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل قوله: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" سبحات بصم السين المهملة والباء الموحدة تحت وبضم التاء في آخره جمع سبحة، ومعنى سبحات وجهه نوره وجلاله وبهاؤه والحجاب أصله في اللغة المنع وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة والله تعالى منزه عن الجسم والحد، فالمراد به هنا الشيء المانع من الرؤية، وسمي ذلك الشيء المانع نوراً أو ناراً لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة، والمراد بالوجه الذات، والمراد بما انتهى إليه بصره من خلقه جميع المخلوقات لأن بصره سبحانه وتعالى محيط بجميع الكائنات ولفظة من في قوله من خلقه لبيان الجنس لا للتبعيض ومعنى الحديث لو زال المانع وهو الحجاب المسمى نوراً أو ناراً وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته هذا آخر كلام للشيخ على هذا الحديث والله أعلم. وروى الطبري بسنده عن ابن عباس في قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} إن موسى عليه السلام سأل الملائكة هل ينام الله تعالى؟ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثاً فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فامسكهما ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما فجعل ينعس وينتبه وهما في يده في كل يد واحدة حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما قال معمر إنما هو مثل ضربة الله تعالى له يقول فكذلك السموات والأرض، ورواه عن أبي هريرة مرفوعاً قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال: "حديث : وقع في نفس موسى هل ينام الله" تفسير : وذكر نحو حديث ابن عباس قال بعض العلماء: إن صح هذا الحديث فيحمل على أن هذا السؤال كان من جهال قوم موسى كطلب الرؤية من موسى لأن الأنبياء عليهم السلام هم أعلم بالله من غيرهم فلا يجوز أن ينسب لموسى مثل هذا السؤال والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض} يعني أن الله تعالى مالك جميع ذلك بغير شريك ولا منازع وهو خالقهم وهم عبيده وفي ملكه. فإن قلت لم قال له ما في السموات ولم يقل من في السموات؟ قلت: لما كان المراد إضافة كل ما سواه إليه من الخلق والملك وكان الغالب فيهم من لا يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ ما {من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه} أي بأمره وهذا استفهام إنكاري والمعنى لا يشفع عنده أحد إلاّ بأمره وإرادته، وذاك لأن المشركين زعموا أن الأصنام تشفع لهم فأخبر أنه لا شفاعة لأحد عنده إلاّ ما استثناه بقوله {إلاّ بإذنه} يريد بذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعة بعض الأنبياء والملائكة وشفاعة المؤمنين بعضهم لبعض {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} يعني ما بين أيديهم من الدنيا وما خلفهم من الآخرة وقيل بعكسه لأنهم يقدمون على الآخرة ويخلفون الدنيا وراء ظهورهم وقيل يعلم ما كان قبلهم وما كان بعدهم وقيل يعلم ما قدموه بين أيديهم من خير أو شر وما خلفهم مما هم فاعلوه والمقصود من هذا أنه سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيء من أحوال جميع خلقه {ولا يحيطون بشيء من علمه} يقال: أحاط بالشيء إذا علمه وهو أن يعلم وجوده وجنسه وقدره وحقيقته، فإذا علمه ووقف عليه وجمعه في قلبه فقد أحاط به والمراد بالعلم المعلوم والمعنى أن أحداً لا يحيط بمعلومات الله تعالى: {إلاّ بما شاء} يعني أن يطلعهم عليه وهم من الأنبياء والرسل ليكون ما يطلعهم عليه من علم غيبه دليلاً على نبوتهم كما قال تعالى: {أية : فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول} تفسير : [الجن: 26-27] {وسع كرسيه السموات والأرض} يقال فلان وسع الشيء سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به وأصل الكرسي في اللغة من تركب الشيء بعضه على بعض ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض والكرسي في العرف اسم لما يقعد عليه سمي به لتركب خشباته بعضها على بعض. واختلفوا في المراد بالكرسي هنا على أربعة اقوال: أحدها أن الكرسي هو العرش نفسه قال الحسن لأن العرش والكرسي اسم للسرير الذي يصح التمكن عليه. القول الثاني أن الكرسي غير العرش وهو أمامه وهو فوق السموات السبع ودون العرش قال السدي إن السموات والأرض في جوف الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة وعن ابن عباس أن السموات السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس وقيل إن كل قائمة من قوائم الكرسي طولها مثل السموات والأرض وهو بين يدي العرش ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه وأقدامهم على الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى: ملك على صورة أبي البشر آدم وهو يسأل الرزق والمطر لبني آدم من السنة إلى السنة، وملك على صورة النسر وهو يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة، وملك على صورة الثور وهو يسأل الرزق للأنعام من السنة إلى السنة وملك على صورة السبع وهو يسأل الرزق للوحوش من السنة إلى السنة. وفي بعض الأخبار أن بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش. القول الثالث: إن الكرسي هو الاسم الأعظم لأن العلم يعتمد عليه. كما أن الكرسي يعتمد عليه قال ابن عباس كرسيه علمه. القول الرابع: المراد بالكرسي الملك والسلطان والقدرة لأن الكرسي موضع الملك والسلطان فلا يبعد أن يكنى عن الملك بالكرسي على سبيل المجاز {ولا يؤوده} أي لا يثقله ولا يجهده ولا يشق عليه {حفظهما} أي حفظ السموات والأرض {وهو العلي} أي الرفيع فوق خلقه الذي ليس فوقه شيء فيما يجب له أن يوصف به من معاني الجلال والكمال فهو العلي بالإطلاق المتعالي عن الأشباه والأنداد والأضداد وقيل العلي بالملك والسلطنة والقهر فلا أعلى منه أحد وقيل معنى العلو في صفة الله تعالى منقول إلى اقتداره وقهره واستحقاق صفات المدح جميعها على كل وجه وقيل معناه أنه يعلو أن يحيط به وصف الواصفين {العظيم} يعني أنه ذو العظمة والكبرياء الذي لا شيء أعظم منه. وقال ابن عباس: العظيم الذي قد كمل في عظمته وقيل العظيم هو ذو العظمة والجلال والكمال وهو في صفة الله تعالى ينصرف إلى عظم الشأن وجلالة القدر دون العظم الذي هو من نعوت الأجسام.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم}. قال ابن عطية: (هو عام في الجهاد والتطوع). والتحاكم في هذا إلى السبب المتقدم (هل ينهض) إلى وجوب القصد عليه أو يعم فيه وفي غيره؟ قال ابن عرفة: وفرقوا بين قولك: تَصَدّقْ، وبين قولك: يا غني تَصَدّقْ. بثلاثة أوجه: إما للوصف المناسب، أو تنبيه المخاطب، أو استحضار ذهنه. وإما خوف احتمال الشركة في النّداء. فإن قلنا: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة فينتفي احتمال (الشريك) هنا، وأيضا فسبب النّزول يعين كون الخطاب للمؤمنين فانحصر كون فائدته إمّا التنبيه أو الإشعار بأنّ سبب الأمر بذلك وصف الإيمان. قوله تعالى: {مِمَّا رَزَقْنَاكُم...}. مذهب أهل السنة تعميم الرزق في الحلال والحرام، وأمروا هنا بالحلال لأن (من) للتبعيض فيبقى البعض الآخر. قوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ...}. واليوم حمله المفسرون على يوم القيامة. قال ابن عرفة: وعندي أنه يوم موت كل واحد لأن من مات قد قامت قيامته. قيل لابن عرفة: يلزمك الإضمار لأن يوم القيامة لا بيع فيه بالإطلاق ويوم موت كل واحد لا بيع له فيه ولا خلة له فيه، وإلاّ فالبيع لغيره ثابت له فيه لأن غيره حي قطعا؟ فقال: إنّما تعلق النّفي بيوم الموت والبيع غير ثابت فيه من حيث كونه يوم الموت، ونفي البيع لايستلزم نفي الخلة لأنه قد لا يكون عنده ما يبيع وقد يكون (له) صاحب يحميه وينصره، ولا يلزم من نفي الخليل نفي الشفاعة لأن العدو قد (يرق) لعدوه ويشفع فيه، ولأن الخليل يستنقذ بالانتصار والقوة والغلبة والشفيع يستنقذ بالرغبة والفضل لا بالقوة.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر بالقتال بقوله: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ}تفسير : [البقرة:244] أعقبه بالحض على النفقة في الجهاد فقال: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة:245] والمقصود منه الإنفاق في الجهاد، ثمَّ إنَّه أكد الأمر بالقتال بذكر قصَّة طالوت، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد في هذه الآية الكريمة. قوله: "أَنْفِقُواْ": مفعوله محذوفٌ، تقديره: شيئاً ممَّا رزقناكم، فعلى هذا "مِمَّا رَزَقْنَاكُم" متعلّقٌ بمحذوفٍ في الأصل لوقوعه صفةً لذلك المفعول، وإن لم تقدِّر مفعولاً محذوفاً، فتكون متعلِّقة بنفس الفعل. و "مَا" يجوز أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ، أي: رزقناكموه، وأن تكون مصدريَّةً، فلا حاجة إلى عائدٍ، ولكن الرّزق المراد به المصدر لا ينفق، فالمراد به اسم المفعول، وأن تكون نكرةً موصوفةً وقد تقدَّم تحقيق هذا عند قوله تعالى: {أية : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}تفسير : [البقرة:3]. قوله: "مِّن قَبْلِ" متعلِّقٌ أيضاً بأنفقوا، وجاز تعلُّقُ حرفين بلفظٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ لاختلافهما معنًى؛ فإنَّ الأولى للتَّبعيض والثانية لابتداء الغاية، و "أَنْ يَأْتي" في محلِّ جرٍّ بإضافة "قبل" إليه، أي: من قبل إتيانه. وقوله: {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ} إلى آخره: الجملة المنفيَّة صفةٌ لـ "يَوم" فمحلُّها الرَّفع. وقرأ "بَيْعٌ" وما بعده مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيه ذلك تقدم في قوله تبارك وتعالى: {أية : فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ}تفسير : [البقرة:197]. والخلَّة: الصَّداقة، كأنها تتخلَّل الأعضاء، أي: تدخل خلالها، أي وسطها. والخلَّة: الصديق نفسه؛ قال: [الطويل] شعر : 1173- وَكَانَ لَهَا في سَالِفِ الدَّهْرِ خُلَّةٌ يُسَارِقُ بِالطَّرْفِ الخِبَاءَ المُسَتَّرَا تفسير : وكأنه من إطلاق المصدر على العين مبالغةً، أو على حذف مضافٍ، أي: كان لها ذو خلَّة، والخليل: الصَّديق لمداخلته إيَّاك، ويصلح أن يكون بمعنى فاعل، أو مفعول، وجمعه "خُلاَّن"، وفعلان جمع فعيل يقل في الصّفات، وإنما يكثر في الجوامد نحو: "رُغْفَانٍ". قال القرطبيُّ: والخُلَّة: خالص المودَّة [مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين والخِلالة والخَلالة، والخُلالة: الصداقة، والمودة]؛ قال الشاعر: [المتقارب] شعر : 1174- وَكَيْفَ تُواصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ خِلاَلَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ تفسير : وأبو مرحب كنية الظِّلّ، ويقال: هو كنية عرقوب الذي قيل فيه: "مواعيد عرقوب". والخَلَّة ـ بالضَّمِّ ـ أيضاً ـ ما خالل من النبت يقال: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها. والخَلَّة: - بالفتح - الحاجة والفقر، يقال: سدَّ خلته، أي: فقره. والخِلَّة بالكسر ابن مَخَاض، عن الأصمعي: يقال أتاهم بقرص كأنَّه فِرْسِنُ خلة. والأنثى خلَّة أيضاً، والخلّة: الخمرة الحامضة. والخِلَّة - بالكسر - واحدة خلل السُّيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السُّيوف منقوشة بالذَّهب وغيره، وهي أيضاً سُيُور تلبس ظهور سيتي القوس، والخلّة أيضاً ما يبقى بين الأسنان. و "هم" يجوز أن تكون فصلاً أو مبتدأ ثانياً، و "ٱلظَّالِمُونَ" خبره والجملة خبر الأوَّل. فصل قالت المعتزلة: لما أمر بالإنفاق من كلِّ ما كان رزقاً، وبالإجماع لا يجوز الإنفاق من الحرام وجب القطع بأنَّ الرّزق لا يكون إلاّ حلالاً. وأجاب ابن الخطيب: بأنَّ الأصحاب مخصَّصة بالأمر بإنفاق ما كان رزقاً حلالاً أو حراماً. واختلفوا في هذه النَّفقة، فقال الحسن: هذا الأمر مختص بالزكاة قال: لأنَّ قوله {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ} كالوعد والوعيد، ولا يتوجه الوعيد إلاَّ على الواجب، وهو قول السُّدي. وقال الأكثرون: هذا الأمر يتناول الواجب، والمندوب وليس في الآية وعيد، فكأنه قال: حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدُّنيا، فإنكم في الآخرة لا يمكنكم تحصيلها. وقال الأصمُّ: المراد منه الإنفاق في الجهاد. وفي المراد من البيع هنا وجهان: أحدهما: أنَّه بمعنى الفدية كما قال: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ}تفسير : [الحديد:15] وقال: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ}تفسير : [البقرة:123]، وقال: {أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ}تفسير : [الأنعام:70] فكأنه قيل من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه، فتكسب ما تفتدي به من العذاب. الثاني: أن يكون المعنى: قدِّموا لأنفسكم من المال الذي هو ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة يكتسب بسببها شيء من المال. "وَلاَ خُلَّةٌ" ولا صداقة، ونظيره قوله تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف:67] وقال {أية : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ}تفسير : [البقرة:166]. وقوله: "وَلاَ شَفَاعَةٌ" يقتضي نفي كلّ الشَّفَاعَاتِ، فقوله: {وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} عام في الكل إلاَّ أنَّ سائر الدَّلائل دلَّت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين، وعلى ثبوت الشفاعة بين المؤمنين والسبب في عدم الخلة والشفاعة أمور: أحدها: أنَّ كل واحد يكون مشغولاً بنفسه. قال تبارك وتعالى: {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}تفسير : [عبس:37]. الثاني: أنَّ الخوف الشَّديد يغلب على كلِّ أحدٍ] {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ}تفسير : [الحج:2]. الثالث: أنَّه إذا نزل العذاب بسبب الكفر، أو الفسق صار مبغضاً لهذين الأمرين وإذا صار مبغضاً لهما؛ صار مبغضاً لمن اتَّصف بهما. وقوله: {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، نقل عن ابن يسار أنَّه كان يقول: الحمد لله الذي قال: {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} ولم يقل "والظَّالِمُونَ هم الكافرون". وذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً: أحدها: أنَّ نفي الخلَّة، والشَّفاعة مختص بالكافرين، لأنّه أطلقه ثم عقبه بقوله {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} وعلى هذا تصير الآية دالَّةً على إثبات الشَّفاعة في حقّ الفسَّاق. قال القاضي: هذا التأويل غير صحيحٍ؛ لأن قوله: {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} كلام مبتدأ، فلم يجب تعليقه بما تقدَّم. والجواب: أنَّا لو جعلناه كلاماً مبتدأً تطرق الخُلْفُ إلى كلام الله تعالى؛ لأنَّ غير الكافرين قد يكون ظالماً، وإذا علَّقناه بما تقدَّم زال الإشكال. الثاني: أنَّ معناه أنَّ الله لم يظلم الكافر بإدخاله النَّار، وإنَّما الكافر هو الذي ظلم نفسه، حيث اختار الكفر والفسق، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}تفسير : [الكهف:49]. الثالث: معناه: أنَّكم أيُّها الحاضرون لا تقتدوا بالكفَّار حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، وحاجتهم، ولكن قدّموا لأنفسكم ما يفديها يوم القيامة. الرابع: {ٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} حيث وضعوا أنفسهم في غير مواضعها لتوقعهم الشَّفاعة بمن لا يشفع لهم عند الله، لأنهم كانوا يقولون عن الأوثان {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللهِ}تفسير : [يونس:18] وقالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر:3]. الخامس: المراد من الظلم ترك الإنفاق قال تعالى: {أية : ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً}تفسير : [الكهف:33] أي أعطت فلم تمنع فيكون معنى الآية الكريمة والكافرون هم التاركون للإنفاق في سبيل الله، وأمَّ المسلم فلا بدَّ أن ينفق شيئاً قلَّ أو كثر. السادس: {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي هم الكاملون في الظلم البالغون الأمر العظيم فيه. ذكر هذه الوجوه القفال.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} في الزكاة والتطوّع. وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال: يقال نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن ونسخ شهر رمضان كل صوم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: قد علم الله أن أناساً يتخالون في الدنيا ويشفع بعضهم لبعض، فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار قال: الحمد لله الذي قال {والكافرون هم الظالمون} ولم يقل: والظالمون هم الكافرون. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ} في سبـيل الله {مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم} أي شيئاً مما رزقناكموه على أن (ما) موصولة حُذف عائدُها، والتعرضُ لوصوله منه تعالى للحث على الإنفاق كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تفسير : [الحديد، الآية 7] والمرادُ به الإنفاقُ الواجبُ بدلالة ما بعده من الوعيد {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ} كلمةُ (مِن) متعلقةٌ بما تعلقت به أختها ولا ضير فيه لاختلاف معنيـيهما فإن الأولىٰ تبعيضيةٌ وهذه لابتداء الغايةِ أي أنفِقوا بعضَ ما رزقناكم من قبل أنْ يأتيَ يومٌ لا تقدِرون على تلافي ما فرّطتم فيه إذ لا تبايُعَ فيه حتى تتبايعوا ما تُنفقونه أو تفتدون به من العذاب ولا خُلةٌ حتى يسامحَكم به أخلاؤكم أو يُعينوكم عليه ولا شفاعةٌ إلا لمن أذِنَ له الرحمٰنُ ورضِيَ له قولاً حتى تتوسلوا بشفعاءَ يشفعون لكم في حطّ ما في ذمتكم، وإنما رُفعت الثلاثةُ مع قصد التعميم لأنها في التقدير جوابُ هل فيه بـيعٌ أو خلةٌ أو شفاعةٌ وقرىء بفتح الكل {وَٱلْكَـٰفِرُونَ} أي والتاركون للزكاة، وإيثارُه عليه للتغليظ والتهديد كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ} تفسير : [آل عمران: 97، النور: 55، النمل: 40، لقمان: 12، 23] مكانَ ومَنْ لم يحُجّ وللإيذان بأن تركَ الزكاة من صفات الكفار قال تعالى: {أية : وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} تفسير : [فصلت، الآية: 6 و7] {هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي الذين ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعقاب ووضعوا المالَ في غير موضعِه وصرفوه إلى غير وجهه {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} مبتدأٌ وخبرٌ أي هو المستحِقُّ للمعبودية لا غير، وفي إضمار خبرِ لا مِثلَ في الوجود أو يصِح أن يوجد - خلاف للنحاة معروفٌ {ٱلْحَىّ} الباقي الذي لا سبـيل عليه للموت والفناء، وهو إما خبرٌ ثانٍ أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو بدل من لا إلٰه إلا هو، أو بدلٌ من الله أو صفة له، ويعضُده القراءة بالنصب على المدح لاختصاصه بالنعت {ٱلْقَيُّومُ} فَيْعولٌ، من قام بالأمر إذا حفِظه أي دائمُ القيام بتدبـير الخلق وحفظه، وقيل: هو القائمُ بذاته المقيمُ لغيره {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} السِنةُ ما يتقدم النومَ من الفتور قال عديُّ بنُ الرقاعِ العاملي: [الكامل] شعر : وَسْنانُ أقصده النعاسُ فرنَّقت في عينه سِنةٌ وليس بنائمِ تفسير : والنومُ حالةٌ تعرِضُ للحيوان من استرخاء أعصابِ الدماغِ من رُطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقِف المشاعرُ الظاهرةُ عن الإحساس رأساً والمرادُ بـيان انتفاءِ اعتراءِ شيءٍ منهما له سبحانه لعدم كونهما من شأنه تعالى لا لأنهما قاصران بالنسبة إلى القوة الإلٰهية فإنه بمعزل من مقامِ التنزيهِ فلا سبـيلَ إلى حمل النظم الكريمِ على طريقة المبالغةِ والترقي بناءً على أن القادرَ على دفع السِنة قد لا يقدرُ على دفع النوم القويِّ كما في قولك: فلانٌ يقِظٌ لا تغلِبُه سِنةٌ ولا نوم وإنما تأخيرُ النوم للمحافظة على ترتيب الوجودِ الخارجي، وتوسيطُ كلمةِ لا للتنصيص على شمول النفي لكلٍّ منهما كما في قوله عز وجل: {أية : وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } تفسير : [التوبة، الآية: 121] وأما التعبـيرُ عن عدم الاعتراءِ والعُروضِ بعدم الأخذ فلمراعاة الواقع إذ عُروضُ السِنةِ والنومِ لمعروضهما إنما يكون بطريق الأخذِ والاستيلاء، وقيل: هو من باب التكميل، والجملةُ تأكيدٌ لما قبلها من كونه تعالى حياً قيّوماً فإن مَنْ يعتريه أحدُهما يكونُ موقوفَ الحياةِ قاصراً في الحفظ والتدبـيرِ وقيل: استئنافٌ مؤكدٌ لما سبق وقيل: حال مؤكدةٌ من الضمير المستكِّن في القيوم {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ} تقريرٌ لقيّوميّته تعالى واحتجاجٌ به على تفرّده في الألوهية، والمرادُ بما فيهما ما هو أعمُّ من أجزائهما الداخلةِ فيهما ومن الأمور الخارجةِ عنهما المتمكّنة فيهما من العقلاء وغيرهم. {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} بـيانٌ لكبرياء شأنه وأنه لا يدانيه أحدٌ ليقدِر على تغيـير ما يريده شفاعةً وضراعةً فضلاً عن أن يُدافعه عِناداً أو مُناصبةً {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس لأنك مستقبِلُ المستقبَل ومستدبِرُ الماضي، أو أمورَ الدنيا أو أمورَ الآخرة أو بالعكس أو ما يُحسّونه، وما يعقِلونه أو ما يدركونه وما لا يدركونه، والضميرُ لما في السموٰات والأرض بتغليب ما فيهما من العقلاء على غيرهم أو لما دل عليه من ذا الذي من الملائكة والأنبـياء عليهم الصلاة والسلام {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ} أي من معلوماته {إِلاَّ بِمَا شَاء} أن يعلموه، وعطفُه على ما قبله لما أنهما جميعاً دليلٌ على تفرّده تعالى بالعلم الذاتي التامِّ الدالِّ على وحدانيته {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ} الكرسي ما يُجلَس عليه ولا يفضُلُ عن مقعد القاعد، وكأنه منسوبٌ إلى الكِرْس الذي هو المُلبَّد، وليس ثمةَ كُرسيٌّ ولا قاعدٌ ولا قُعود وإنما هو تمثيل لعظمةِ شأنه عز وجل وسَعة سلطانه وإحاطةِ علمه بالأشياء قاطبةً على طريقة قوله عز قائلاً: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ } تفسير : [الزمر، الآية 67] وقيل: كرسيُّه مجازٌ عن علمِه أخذاً من كرسيِّ العالِم وقيل: عن مُلكه أخذاً من كرسيّ المُلك فإن الكرسيَّ كلما كان أعظمَ تكون عظمةُ القاعدِ أكثرَ وأوفرَ فعبر عن شمول علمه أو بسطةِ ملكه وسلطانِه بسَعة كرسيِّه وإحاطته بالأقطار العلوية والسفلية وقيل: هو جِسمٌ بـين يدي العرشِ محيطٌ بالسموٰات السبْع لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما السموٰاتُ السبعُ والأرضونَ السبعُ مع الكرسي إلا كحلقةٍ في فلاة وفضلُ العرشِ على الكرسيِّ كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» تفسير : ولعله الفلَكُ الثامن، وعن الحسن البصريّ أنه العرش. {وَلاَ يَؤُودُهُ} أي لا يُثقِله ولا يشُقُّ عليه {حِفْظُهُمَا} أي حفظُ السموٰات والأرضِ وإنما لم يتعرَّضْ لذكر ما فيهما لما أن حفظهما مستتبعٌ لحفظه {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ} المتعالي بذاته عن الأشباه والأنداد {ٱلْعَظِيمِ} الذي يُستحْقَر بالنسبة إليه كلُّ ما سواه ولما ترى من انطواء هذه الآيةِ الكريمةِ على أمهات المسائل الإلٰهية المتعلقةِ بالذات العليةِ والصفاتِ الجلية فإنها ناطقةٌ بأنه تعالى موجودٌ متفردٌ بالإلٰهية متصفٌ بالحياة واجبُ الوجود لذاته موجدٌ لغيره لما أن القيومَ هو القائمُ بذاته المقيمُ لغيره منزَّهٌ عن التحيز والحلول مبرأٌ عن التغير والفتور، لا مناسبةَ بـينه وبـين الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوسَ والأرواحَ مالكُ المُلك والملكوتِ ومُبدعُ الأصولِ والفروع، ذو البطش الشديد لا يشفَع عنده إلا من أذِن له فيه، العالِمُ وحده بجميع الأشياء جليِّها وخفيِّها كليِّها وجزئيِّها واسعُ الملك والقدرة لكل ما من شأنه أن يُملَكَ ويُقدَرَ عليه لا يشُقّ عليه شاقٌّ ولا يشغَلُه شأنٌ عن شأن، متعالٍ عما تناله الأوهامُ، عظيمٌ لا تُحدق به الأفهام، تفردت بفضائلَ رائقةٍ وخواصَّ فائقة خلت عنها أخواتُها قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أعظمَ آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي. من قرأها بعث الله تعالى ملِكاً يكتُب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة»تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما قُرئت هذه الآيةُ في دار إلا هجرتْها الشياطينُ ثلاثين يوماً ولا يدخُلها ساحرٌ ولا ساحرةٌ أربعينَ ليلةً» تفسير : وقال: «حديث : يا عليُّ علِّمْها ولدَك وأهلَك وجيرانَك فما نزلت آيةٌ أعظمُ منها» تفسير : وقال عليه السلام: «حديث : مَنْ قرأ آيةَ الكرسيِّ في دُبُرِ كلِّ صلاة مكتوبةٍ لم يمنعْه من دخول الجنةِ إلا الموتُ ولا يواظِبُ عليها إلا صدِّيق أو عابدٌ ومن قرأها إذا أخذ مضجعَه أَمَّنَه الله تعالى على نفسه وجارِه، وجار جاره، والأبـياتِ حوله»تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : سيدُ البشر آدمُ وسيد العربِ محمدٌ ولا فخرٌ وسيدُ الفُرس سلمانُ وسيدُ الرومِ صُهيبٌ وسيدُ الحبشةِ بلالٌ وسيد الجبال الطورُ وسيدُ الأيام يومُ الجمعة وسيدُ القرآنِ سورةُ البقرة وسيدُ البقرةِ آيةُ الكرسي» تفسير : وتخصيصُ سيادته صلى الله عليه وسلم للعرب بالذكر في أثناء تعدادِ السيادات الخاصةِ لا يدل على نفي ما دلت عليه الأخبارُ المستفيضةُ وانعقد عليه الإجماعُ من سيادته عليه السلام لجميع أفرادِ البشر.
القشيري
تفسير : يعني اغتنموا مساعدة الإمكان في تقديم الإحسان قبل فتور الجَلَد وانقضاء الأمل.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم} من تبعيضية اى شيأ مما رزقناكموه والتعرض لوصوله منه تعالى للحث على الانفاق والمراد به الانفاق الواجب اى الزكاة بدلالة ما بعده من الوعيد والاكثر على ان الامر يتناول الواجب والمندوب {من} لابتداء الغاية {قبل ان يأتى يوم} يوم الحساب والجزاء {لا بيع فيه} يتدارك به المقصر تقصيره وهو فى التقدير جواب هل فيه بيع ولهذا رفع. والبيع استبدال المال بالثمن {ولا خلة} حتى يسامحكم اخلاؤكم بما تصنعون. والخلة المودة والصداقة فكأنها تتخلل الاعضاء اى تدخل خلالها ووسطها والخليل الصديق لمداخلته اياك والخلة تنقطع يوم القيامة بين الاخلاء الا بين المتقين لقوله تعالى {أية : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} تفسير : [الزخرف: 67]. {ولا شفاعة} حتى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم فى حط ما فى ذممكم والشفاعة المنفية يوم القيامة هى التى يستقل فيها الشفيع ويأتى بها وان لم يؤذن له فيها فان الدلائل قائمة على ثبوت الشفاعة للمؤمنين بعد ان يؤذن لهم فيها وهى لمن مات لا يشرك بالله شيأ {والكافرون} اى والتاركون للزكاة وايثاره عليه للتغليط والتهديد كما قال فى آخر آية الحج {أية : ومن كفر} تفسير : [البقرة: 126]. مكان ومن ولم يحج وللايذان بان ترك الزكاة من صفات الكفار قال تعالى {أية : وويلٌ للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة} تفسير : [فصلت: 6-7]. {هم الظالمون} اى الذين ظلموا انفسهم بتعريضها للعقاب ووضعوا المال فى غير موضعه وصرفوه الى غير وجهه شعر : زكات اكر ندهى اززرت زداده وى علاج كى كنمت كاخر الدواء الكى تفسير : قال الراغب حث المؤمنين على الانفاق مما رزقهم من النعماء النفسية والبدنية الجارحية وان كان الظاهر فى التعارف انفاق المال ولكن قد يراد به بذل النفس والبدن فى مجاهدة العدو والهوى وسائر العبادات ولما كانت الدنيا دار اكتساب وابتلاء والآخرة دار ثواب وجزاء بين ان لا سبيل للانسان الى تحصيل ما ينتفع به فى الآخرة فابتلى بذكر هذه الثلاثة لانها اسباب اجتلاب المنافع المفضية اليها. احدها المعاوضة واعظمها المبايعة. والثانى ما تناوله بالمودة وهو المسمى بالصلات والهدايا. والثالث ما يصل اليه بمعاونة الغير وذلك هو الشفاعة. ولما كانت العدالة بالقول المجمل ثلاثا عدالة بين الانسان ونفسه وعدالة بينه وبين الناس وعدالة بينه وبين الله. فكذلك الظلم له مراتب ثلاث واعظم العدالة ما بين العبد وبين الله وهو الايمان واعظم الظلم ما يقابله وهو الكفر ولذلك قال {والكافرون هم الظالمون} اى هم المستحقون لاطلاق هذا الوصف عليهم بلا مشوبة. فليسارع العبد الى تقوية الايمان بالانفاق والاحسان ـ حكى ـ انه كان عابد من الشيوخ اراده الشيطان فلم يستطع منه شيأ فقال له الشيطان ألا تسألنى عما اضل به بنى آدم قال بلى قال فاخبرنى ما اوثق شىء فى نفسك ان تضلهم به قال الشيخ والحدة والسكر فان الرجل اذا كان شحيحا قللنا ماله فى عينيه ورغبناه فى اموال الناس وان كان حديدا ادرناه بيننا كما تتداور الصبيان الكرة فلو كان يحيى الموتى بدعائه لم نيأس منه واذا سكر اقتدناه الى كل شهوة كما تقاد العنز باذنها كذا فى آكام المرجان. وعن محمد بن اسماعيل البخارى يقول بلغنا ان الله اوحى الى جبريل عليه الصلاة والسلام فقال يا جبريل لو انا بعثتك الى الدنيا وجعلتك من اهلها ما الذى عملت من الطاعات فيها فقال جبريل انت اعلم بشأنى منى ولكنى كنت اعمل ثلاثة اشياء. اولها كنت اعين صاحب العيال فى النفقة على عيالة. والثانى كنت استر عيوب الخلق وذنوبهم حتى لا يعلم احد من خلقك عيوب عبادك وذنوبهم غيرك. والثالث اسقى العطشان وارويه من الماء كذا فى روضة العلماء: قال السعدى قدس سره شعر : جو خودرا قوى حال بينى وخوش بشكرانه بار ضعيفان بكش اكر خود همين صورتى جون طلسم بميرى واسمت بميرد جو جسم اكر برورانى درخت كرم برنيك نامى خورى لا جرم تفسير : اللهم اجعلنا من المنفقين والمستغفرين.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} واجباً أو تطوعاً في وجوه الخير، وخصوصاً في الجهاد الذي نحن بصدد الحضّ عليه، وقدموا لأنفسكم ما تجدونه بعد موتكم {من قبل أن يأتي يوم} الحساب، واقتضاء الثواب، يوم ليس فيه {بيع} ولا شراء، فيكتسب ما يقع به الفداء، وليس فيه {خُلّة} تنفعُ إلا خلة الأتقياء {ولا شفاعة} ترجى {أية : إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً}تفسير : [طه: 109] فأنفقوا مما خولناكم في سبيل الله، وجاهدوا الكافرين أعداء الله، فإن الكافرين {هم الظالمون}؛ حيث وضعوا عبادتهم في غير محلها، ونسبوا الربوبية لغير مستحقيها، إذ لا يستحقها إلا الحيّ القيّوم.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ أبو عمرو وابن كثير {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} بالنصب فيها أجمع. والباقون بالضم. المعنى: قولة {يا أيها الذين آمنوا} خطاب للمؤمنين يأمرهم بالانفاق مما رزقهم. والانفاق المامور به على وجه الفرض ها هنا الزكاة وغيرها دون الفعل لأن ظاهر الامر الايجاب في قول الحسن. قال: لأنه مقرون بالوعيد. وقال ابن جريج: يدخل في الخطاب الزكاة، والتطوع. وهو أقوى، لانه أعم. وبه قال البلخي. وليس في الآية وعيد على ترك النفقة. وانما فيها إخبار عن عظم أهوال يوم القيامة وشدائدها. وقوله: {من قبل أن يأتي يوم} يعنى يوم القيامة. اللغة: {لا بيع فيه} البيع هو استبدال المتاع بالثمن. تقول: باع يبيع بيعاً، وابتاع ابتياعاً، واستباع استباعة، وبايعه مبايعة، وتبايعوا تبايعاً، والبيع: نقيض الشراء والبيع أيضاً الشراء لانه تارة عقد على الاستبدال بالثمن، وتارة على الاستبدال بالمتاع. والبيعة الصفقة على ايجاب البيع. والبيعة الصفقة على ايجاب الطاعة. والبيعان البائع والمشتري. والبيعة كنيسة النصارى وجمعها بيع. وقوله: {لا خلة}. فالخلة خالص المودة. والخلل: الافراج بين الشيئين. وخللته بالخلال أخله خلا: إذا صككته به واختلت حاله اختلالا، لانحرافه بالفقر. وتخلل الطرق تخللا إذا قطع فرجة بعد فرجة. وأخل به إخلالا، وخاله يخاله مخالة: إذا صافاه المودة. والخلّ معروف لتخلله بحدته، ولطفه فيما ينساب فيه. والخل: الرجل الخفيف الجسم. والخل: الطريق في الرمل. والخل: عرق في العنق يتصل بالرأس. والخليل: الخالص المودة من الخلة، لأنه من تخلل الاسرار بينهما. وقيل لأنه يمتنع من الشوب - في المودة بالنقيصة - والخليل أيضاً: المحتاج من الخلة. والخلة: جفن السيف. وفي فلان خلة: أي خصلة. والخلة خلاف الحصن لأنه مرعى بتخلله الماشية للاعتداء به. وخلل أصابعه تخليلا. وقوله تعالى: {أية : فترى الودق يخرج من خلاله}تفسير : وقوله: {أية : فجاسوا خلال الديار}تفسير : والخلال: البلج. وأصل الباب: الخلل: الانفراج. المعنى: وقوله: {ولا شفاعة} وإن كان على لفظ العموم فالمراد به الخصوص بلا خلاف، لأن عندنا قد تكون شفاعة في اسقاط الضرر. وعند مخالفينا في الوعيد قد يكون في زيادة المنافع فقد أجمعنا على ثبوت شفاعة وإنما ننفي نحن الشفاعة قطعاً عن الكفار. ومخالفونا عن كل مرتكب كبيرة إذا لم يتب منها. وقوله: {والكافرون هم الظالمون} إنما ذم الله تعالى الكافر بالظلم وإن كان الكفر أعظم منه لأمرين: أحدهما - للدلالة على أن الكافر قد ضر نفسه بالخلود في النار، فقد ظلم نفسه. والآخر - أنه لما نفى البيع في ذلك اليوم والخلة والشفاعة، قال وليس ذلك بظلم منا، بل الكافرون هم الظالمون، لأنهم عملوا ما استحقوا به حرمان الثواب.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم} بعد حصر الافعال فى الله تعالى كأنّه قيل: فما لنا لا نرى الافعال الاّ من العباد؟ ومن اين يعلم انّ الفاعل هو الله؟ فناداهم وقال: ان اردتم ان تعلموا انّ الافعال منحصرة فى الله فأنفقوا ممّا رزقناكم من الاموال والقوى والاعراض وبالجملة كلّما يزيد فى انانيّاتكم وحدودها الّتى تحجبكم عن مشاهدة الموجودات كما هى، ولمّا كان الانفاق من اصعب العبادات جبر كلفته بلذّة النّداء {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} يعنى لا مال فيه يفتدى به من العذاب {وَلاَ خُلَّةٌ} نافعة فانّ يوم الموت وهو المراد هاهنا لا ينفع فيه خليل خليلاً، ويوم القيامة يكون الاخلاّء فيه بعضهم لبعض عدوّ الاّ الخليل فى الله، ولا يكون الاّ بعد انفاق الحدود والحجب {وَلاَ شَفَاعَةٌ} وهذا يدلّ على انّ المراد به يوم الموت والاّ فيوم القيامة تنفع فيه شفاعة الشّافعين {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} امّا عطف على لا بيع فيه بتقدير العائد اى من قبل ان يأتى يوم يظهر فيه انّ الظلم منحصر بالكافرين المحجوبين عن مشاهدة نسبة الافعال الى الله، او حال بهذا المعنى.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ} أي ولا صداقة إلا للمتقين. وهو مثل قوله: (أية : الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ) تفسير : [الزخرف:67] والأخلاء من باب الخليل. قوله: {وَلاَ شَفَاعَةٌ} أي للكافرين {وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي لأنفسهم، وهو كفر دون كفر وكفر فوق كفر. قوله: {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ القَيُّومُ} قال الحسن: الله والرحمن اسمان ممنوعان لم يستطع أحد من الخلق أن ينتحلهما. قوله: الحيّ القيّوم، أي القائم على كل نفس. قال الحسن: القائم على كل نفس بكسبها، يحفظ عليها عملها حتى يجازيها به. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ هذا الحرف: الحيُّ القَيَّامُ، وهو من باب الفيعال، والقيّوم الفيعول. قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}. قال بعضهم: كسل، وقال بعضهم: فترة. {وَلاَ نَوْمٌ}. قال الحسن: السِّنَة النعاس، والنوم النوم الغالب. {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي: لا أحد. وهو مثل قوله: (أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) تفسير : [الأنبياء:28]. وكقوله: (أية : مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ) تفسير : [يونس:3]. قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}. قال الحسن: أول أعمالهم وآخرها. وقال بعضهم: ما بين أيديهم من أمر الآخرة، وما خلفهم من أمر الدنيا، أي: إذا صاروا في الآخرة. قوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} أي ما أعلم الأنبياءَ من الوحي. {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}. ذكر بعضهم أن الكرسي عماد الشيء وقوامه، ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه. وقال بعضهم: وسع كرسيّه السموات والأرض أي: ملأ كرسيّه السماوات والأرض. قوله: {وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. قال مجاهد: أي لا يثقل عليه حفظهما {وَهُوَ العَلِيُّ} قال الحسن: لا شيء أعلى منه. {العَظِيمُ} الذي لا منتهى له ولا قدر ولا حدّ. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تتفكروا في الله وتفكروا فيما خلق . تفسير : ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوماً: حديث : أي القرآن أعظم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: سورة البقرة. قال: أتدرون أيها أعظم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ... إلى آخر الآية . تفسير : ذكروا عن ابن عباس أنه قال: أشرف سورة في القرآن سورة البقرة قيل له: أيها أعظم؟ قال: آية الكرسي.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذِينَ آمنُوا أنْفِقُوا ممَّا رزقْناكُم}: ما وجب عليكم من الزكاة، أصعب الأشياء على الإنسان بذلك النفس فى القتال، وبذلك المال فى طاعة الله عز وجل، نذكر إنفاق بعد بذل النفس لكونه شاقا صعبا، وذلك تفسير الحسن. وقال ابن إسحاق: أنفقوا فى الجهاد لما ذكر الجهاد أمر بالإنفاق فيه، بنفق فيه، ينفق من يجاهد ومن لا يجاهد إعانة فى الدين، وقد مر أن الفرض فى الآية المتقدمة الإنفاق فى الجهاد فى بعض القول، وذكر الجهاد بعده ثم أكد هنا بذكر الإنفاق أيضاً فيه، وقيل المراد هنا الإنفاق فى وجوه البر كلها من التطوع وقال ابن جريح: المراد الصدقة الواجبة، والتطوع، فتشمل الزكاة وصلة الرحم. {مِنْ قَبْل أنْ يأتىَ يَومٌ}: هو يوم القيامة. {لا بَيْعٌ فِيهِ}: فتحصلوا فيه ما تنفقون لتداركوا به ما لزمكم من الإنفاق فى الدنيا أو ندب لكم أو تحصلون ما تغدون به من العذاب أو تشترون به الجنة أو البيع الافتداء. {وَلاَ خُلَّةٌ}: فيه فيغنيكم فيه أخلاؤكم فى دفع العذاب، أو يسامحوكم به الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين والخلة الحب، يتخلل الأعضاء، والخليل الصديق يداخلك. {ولاَ شَفَاعةٌ}: فيه فتنفعكم الشفاعة يحط ما عليكم، ولا شفاعة {أية : إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا}،تفسير : والمراد لا خلة ولا شفاعة فيه تدرك بهما ما ترك فى الدنيا، وليس الخلة والشفاعة قيتان فيه بين المؤمنين لذلك والمتبادر من قوله: {من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة}: أن يكون المراد بقوله: أنفقوا الإنفاق الواجب، وعلى كل حال لا مفعول لانفقوا لعدم تعلق الفرض، أى استعملوا الإنفاق مما رزقناكم، ومن متعلقة بأنفقوا، وهى للابتداء أول مفعول محذوف، ومما رزقناكم نعته، أى أنفقوا شيئاً ثابتا مما رزقناكم، أو متعلق بأنفقوا، وذلك الشئ على إطلاقه فى الندب، ومقدار الواجث فى الوجوب، ومن للابتداء أيضاً على أن مما نعت أو للتبعيض، ومن قبل متعلق بأنفقوا، ومن للابتداء ولو جعلنا الأولى للابتداء وعلقناها به أيضا لاختلافهم زمانا ومكاناً، وإذا اختلف الظرفان جاز تعلقهما بعامل واحد، ولو بلا تبع، نحو جلست فى الدار فى اليوم، وخبر المبتدأ بعد لا الثانية، والثالث محذوف كما رأيت، أو يقدر لهما خبر واحد، أى ولا خلة ولا شفاعة فيه، أى ثابتتان فيه، ويجوز أن تكون عاملة عمل ليس فى المواضع الثلاثة، إلا أن الأكثر حذف خبرها، ويجوز أن تعمل الثانية، ويعطف على اسمها ما بعد الثالثة فيقدر الخبر مثنى، ويجوز عطف مدخولهما على مدخول الأولى، فيقدر الخبر جمعا أو مفردا بتأويل الجماعة، أى لا بيع ولا خلة ولا شفاعة ثابتات، أو ثابت فيه، ولم يفتحن لأنهن فى جواب ما كان مرفوعا، كأنه قيل هو فيه بيع أو خلة أو شفاعة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتحهن على البناء، وكذا فى {أية : لا بيع فيه ولا خلال}تفسير : فى ابراهيم، {أية : لا لغو فيها ولا تأثيم}تفسير : فى الطور. {والكافِرُونَ}: أى الذين لم يشكروا النعمة بأن وحدوا الله، وفسقوا بترك الواجب كالزكاة، وأشركوا، وقيل المراد بالكافرين الفاسقون بترك الزكاة، فأما على أن الكفر يطلق على الشرك وما دونه من الكبائر فظاهر، وهو مذهبنا ومذهب بعض متأخرى قومنا وبعض سلفهم، وأما على أنه لا يطلق إلا على الشرك وهو باطل، ووجههُ تشبيه تارك الزكاة بالمشرك، لأنه ولو اعتقد وجوبها لكنه لم يعطها كما لم يعطها المشرك، فإن الترك لها من صفات المشرك لإنكاره لها وفى ذلك تهديد وتغليظ. {هُمُ الظَّالمُونَ}: لأنفسهم بما فعلوا من المعاصى، وذلك حصر للكافر فى الظلم، فكل كفر نفاق أو كفر شرك ظلم لا يوجد كفر إلا وفيه ظلم النفس وغيرها، أو ظلم النفس، وعن عطاء بن دينار: أن الكافرين بمعنى المشركين، وأنه لو قال والظالمون هم الكافرون لكان كل من فعل كبيرة مشركا، والحمد لله إذ قال: {والكافرون هم الظالمون}، ولم يقل والظالمون هم مكافرون، والمشرك ظالم بشركه وغيره إذ وضع العبادة فى غير موضعها. {اللّهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ}: أى لا متأهل للعبادة سواء، وخبر لا محذوف أى لا إله موجود ولا إله يصح أن يوجد إلا هو، فإنه موجود واجب الوجود وألهوية غير غير موجودة ولا جائزة، بل مستحيلة، وقيل لا يقدر لها خبر فى ذلك ونحوه، وفى نحو لا بأس ولا ضير، والصحيح الأول، لأن التصريح به فى مواضع دليل على تقديره، حيث لم يصرح به، وإنما لم اجعل هو خبرا لها لأنها لا تعمل فى المعرفة، بل هو بدل من المستتر فى الخبر المقدر، وجملة لا واسمها وخبرها خبر المبتدأ وهو الله. {الحىُّ القيومُ}: الحى معناه نفى ضده فقط، أى لا يموت، وإلا فإنه لا يوصف بتنفس أو حركة أو سكون أو رطوبة أو يبوسة وغير ذلك من صفات الخلق، وهو موجود مخالف للخلق من الأعراض والأجسام تعالى عن ذلك علوا كبيراً، ويجوز أن يراد بالحى لازم الحياة فى الحملة، أى العالم القادر، ولا يقال كيف يمدح نفسه بالعلم والقدرة، وهما حاصلان لغيره، لأنا نقول قدرته وعلمه عامان دائمان لا أول لهما، وهما نفس الذات الذى لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شئ، والقيوم صفة مبالغة كثير القيام بأمر خلقه، وعظم القيام به كالرزق والإيجاد والإحياء والإغناء والإفقار والإعزاز والإذلال وغير ذلك مما يحتاج إليه الخلق، وما تقتضيه الحكمة، وذلك قول مجاهد، وقيل القائم بلا زوال ولا تغيير، وقيل القائم على كل نفس بما كسبت، ونسبه بعض لمجاهد والربيع والضحاك، ووزنه فيعول، اجتمعت الياء والواو وقبل واو فيعول، فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، وقرأ عمر وابن مسعود القيام بفتح القاف وتشديد اليام وقرئى القيم بفتح القاف وكسر الياء مشددة، ويروى أن عيسى عليه السلام إذا أراد إحياء الموتى قال: يا حى يا قيوم، ويقال: إن بنى إسرائيل سألوا موسى عن الإسم الأعظم فقال: اهيا شراهيا، أى يا حى يا قيوم. قال غالب القطان: مكثت عشر سنين أدعوا الله أن يعلمنى اسمه الأعظم الذى إذا دعى به أجاب، وإذا سئل أعطى، فأتانى آت فى منامى ثلاث ليال متواليات يقول: يا غالب، يا فارج، ويا كاشف الغم، يا صادق الوعد، يا موفى بالعهد، يا منجز الوعد، يا حى يا قيوم لا إله إلا أنت، ويقال: إن دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق: يا حيى يا قيوم، وعن على: لما كان يوم بدر جئت أنظر ما يصنع النبى عليه الصلاة والسلام فإذا هو ساجد يقول: يا حى يا قيوم، فترددت مرات وهو على حاله لا يزيد على ذلك، إلى أن فتح الله له، وهذا يدل على عظمة هذا الاسم، وعن ابن مسعود كان صلى الله عليه وسلم إذا نزل بهم هم أو غم قال:"حديث : يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث"تفسير : وعن أنس قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة:"حديث : ما منعك أن تسمعى ما أوصيتك به تقولين إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حى يا قيوم، برحمتك أستغيث أصلح لى شأنى كله ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم:حديث : {الله لا إله إلا هو الحى القيوم} الآية تعدل ثلث القرآن"تفسير : وورد أنه من قرأها أول ليلة أو نهاره لم يقربه شيطان، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : لكل شئ سنام وأن سنام القرآن البقرة وفيها آية هى سيدة آى القرآن آية الكرسى"تفسير : ، قال الغزالى كانت سيدة آى القرآن لأن فيها الإسم الأعظم الحى القيوم، وعن الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:حديث : "أى القرآن أعظم؟" قالوا الله ورسوله أعلم. قال: "سورة البقرة، قال أتدرون أيها أعظم؟" قالوا الله ورسوله أعلم. قال: {الله لا إله إلا هو الحى القيوم}تفسير : الآية وعن ابن عباس: أشرف سورة فى القرآن سورة البقرة، فقيل له أيها أعظم قال: آية الكرسى وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : أن أعظم آية فى القرآن آية الكرسى من قرأها بعث الله ملكاً يكتب من حسناته ويمحو من سيآته إلى الغد من تلك الساعة"تفسير : وقال:"حديث : من قرأ آية الكرسى فى دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت"تفسير : ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعة آمنه الله على نفسه وجاره، والأبابيات حوله. وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا قرأتها حين: أوى إلى فراشك لم يزل عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح"تفسير : ومن حديث أبى هريرة المشهور حين ترصد للذى يأخذ تمره وعلمه فى المرة الثالثة وهو شيطان: حديث : إن قارئ آية الكرسى لا يقرب شيطان بيته" تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "يا أبا المنذر أتدرى أى آية من كتاب الله معك أعظم"، قلت: لا إله إلا هو الحى القيوم. فضرب فى صدره وقال: "ليهنك العلم أيا أبا المنذر"تفسير : وعن واثلةحديث : أن النبى صلى الله عليه وسلم جاءهم فى صفة المهاجرين فسأله إنسان: أى آية فى القرآن أعظم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الله لا إله إلا هو الحى القيوم} تفسير : وعن أبى هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "من قرأ حين يصبح آية الكرسى وآيتين من أول {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} حفظ يومه حتى يمسى ومن قرأها حين يسمى حفظ ليلته تلك حتى يصبح"تفسير : ومعنى أن هذه السورة أو هذه الآية أفضل أو أعظم أو نحو ذلك؟ أن الثواب المتعلق بها أكثر، وقال أبو الحسن الأشعرى والباقلانى: فضل وأعظم بمعنى فاضل وعظيم، وقال ولو بقيا على التفضيل لزم تنقيص بعض القرآن، بل أكثره، والجواب بقاءه على معنى عظم الثواب، ولا يسأل الله لم جعلت فى قراءة كذا ثوابا أعظم من ثواب كذا، وأيضاً يلزمهم ذلك أيضاً فى عظيم وفاضل لأن مقابلهما ناقص، ولا ناقص فى القرآن، وإن كان كله عظيما وفاضلا وهو الواقع فما فائدة تخصيص بعض؟ قال العلماء: تميزت آية الكرسى بكونها أعظم آية فى القرآن لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الألوهية والوحدانية والحياة والعلم والقيومية والملك والقدرة والإرادة، والله تعالى أعظم مذكور، فما كان له ذكرا من توحيد وتعظيم كان أعظم الأذكار، فالله إشارة إلى الذات لا إله إلا هو إشارة إلى توحيد الذات، الحى القيوم إشارة إلى الصفات الذات أو جلاله، فإن معنى: {القيوم} الذى يقوم بنفسه ويقوم به غيره، وذلك غاية الجلال والعظمة، و{لا تأخذه سنة ولا نوم}، تقديس له من صفات الحادث له ما فى السماوات وما فى الأرض، إشارة إلى الأفعال كلها، وأن جميعها منه وإليه {من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه}، إشارة إلى انفراده بالملك والحكم والأمر، وأن من يملك الشفاعة إنما يملكها بتشريفه إياه والإذن فيها، وهذا نفى الشركة عنه فى الحكم، والأمر {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} إلى قوله: {شاء} إشارة إلى صفة العلم وتفضيل بعض المعلومات، والانفراد بالعلم حتى لا علم لغيره إلا ما أعطاه ووهبه على قدر مشيئته وإرادته، {وسع كرسه السماوات والأرض}، إشارة إلى عظمة ملكه وكمال قدرته، {ولا يؤوده حفظهما} إشارة إلى صفة القدرة وكمالها وتنزيها عن الضعف والنقصان، {وهو العلى العظيم} إشارة إلى أصلين عظيمين فى الصفات، وقال بعض من أثبت التفضيل فى القرآن بعضه على بعض، أن مرجعه إلى ذات اللفظ فلفظ التوحيد أفضل من غيره، وقيل إلى أشياء كالعمل، فآيات الأمر والنهى أولى من غيرها، وإلى ذات مسمى اللفظ، فلفظ التوحيد أفضل، وإلى تعجيل الثواب كاية الكرسى والإخلاص والمعوذتين، فإن قارئها يتعجل بقراءتها لاحتراز مما يخشى والاعتصام بالله، وتنادى بتلاوتها عباد الله تعالى والثواب لما فيها من التوحيد، وممن أثبت التفضيل إسحاق بن راهوية، وابن العربى والغزالى والقرطبى وممن منعه ابن حبان ومالك ويحيى بن يحيى ولذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد سورة دون أخرى، ويعترض بحديث الذى يقرأ سورة الإخلاص وحدها فى جميع صلاته، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحبك لحبها" والحى خبر محذوف، أى هو الحى القيوم، والقيوم خبر ثان، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا وثالثا للفظ الجلالة وأن يكون بدلا منه، وأجاز الكسائى وصف ضمير الغيبة، فيجوز على قوله: إن يكونا نعتين لهو، ويجوز أن يكونا نعتين للفظ الجلالة، لكن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر، وقيل هو جائز حسن لا محذور فيه كقولك: زيد قائم الفاضل، ويدل للوصف قراءة الحى القيوم بالنصب على القطع، وإنما يقطع النعت. {لاَ تَأخُذُهُ سِنَةٌ ولاَ نَوْمٌ}: السِّنةُ فتور يتقدم النوم وتاؤه عوض عن فائه المحذوفة وهى واو. قال الرقاع. شعر : لولا الحياء وأن رأسى قد غشى فيه المشيب لزرت أم القاسم وكأنها وسط النساء أعارها عينيه أحولُ من جآذر جاسم وسنان أقصَده النعاس فرنَّقت فى عينه سِنة وليس بنائم تفسير : وقيل السنة ذلك الفتور، وهى النعاس أيضاً، وقيل السنة فى الرأس، والنعاس فى العين، والنوم فى القلب، وقدمها فى الذكر لتقدمها فى الوجود عن النوم، والإفقياس المبالغة تقديم النوم، والنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا وهذه الجملة تأكيد لقوله: {الحى القيوم}، لأن النائم والناعس قاصر الحفظ والتدبير، ولذلك لم يدخل العاطف على قوله لا تأخذه وكذا قوله: {لهُ ما فى السماوات وما فى الأرض}: تأكيد للحى القيوم، ولقوله {لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم}، لأن تدبير الكائنات فى السماوات والأرض لا يستقيم مع النوم. والنعاس، وفيه احتجاج على تفرده بالألوهية، والمراد بما فى السماوات وما فى الأرض ما وجد فيهما، وهو غيرهما كالحيوانات والنبات والملك وبنى آدم، ومنهما كالخاصيات التى أودع الله الأرض من قوة النبت والحرارة والبرودة، وكل جزء من أجزائهما فإنه كلما فرضت جزءاً على حديث صح أن يطلق عليه أن جملة السماء أو فى جملة الأرض، وقال بنو إسرائيل لموسى: هل ينام ربنا؟ فقال موسى على لسانهم كما سأل عن الرؤية على لسانهم لا اعتقاد الملائكة: أينام ربنا؟ فأوحى الله للملائكة أن يوقظوه ثلاثة ليال ولا يتركوه ينام، ثم قال خذ بيدك قارورتين مملوءتين، ففعل فألقى الله عليه النعاس فجعل ينعس وينتبه حتى نعس نعسة فهرب أحدهما على الأخرى لفشل يديه فانكسرتا، فأوحى الله إليه قل لهؤلاء إنى أمسك السماوات والأرض بقدرتى، فلو أخذنى نوم ونعاس لزالتا. رواه ابن عباس ولم يذكرونه على لسان قومه، بل قال: سأل الملائكة، وعن أبى هريرة أنه سمع على المنبر رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "وقع فى نفس موسى هل ينام الله؟" وذكر مثل ما مرَّ عن ابن عباس من أنه سأل الملائكة، ولعله وقع فى قلبه ضرورة ولم يعتقده؛ ومع ذلك لأجل زيادة الفائدة. {مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدهُ إلاَّ بإذْنِهِ}: الاستفهام إنكارى فهو نفى بدليل إلاَّ، أى انتقى لعظم شأنه تعالى وكبريائه أن يخلص أحدا غيره منه تعالى بتوسل وخضوع إليه، فكيف يخلصه عبادا ومحاربة إلا بأن يأذن له فى الشفاعة، وكيف تشفع الأصنام الجمادات لعبادها مع ضعفها، ومع أنها تلعن عابديها، زعم المشركون أنها تشفع لهم فنزلت الآية مخبرة أنه لا شفاعة لأحد عنده إلا بإذنه، وإنما يشفع الأنبياء والمؤمنون، وعنده متعلق بيشفع أو بمحذوف حال من ضمير يشفع، والمعنى على الأول: من ذا الذى يوقع عنده الشفاعة، وعلى الثانى من ذا الذى يشفع حال كونه قريبا إليه تعالى عن النسب، وقرب المسافة، وهذا أقوى، فإنه إذا كان لا يشفع القريب فكيف يشفع البعيد، والباء متعلقه بقوله: {يشفع} أى لا يشفع أحد عنده بأمر من الأمور إلا بإذنه أو بمحذوف حال من المستتر فيه، أى لا يشفع فى حال إلا ثابتاً بإذن الله، ومن ذا اسم استفهام مركب خبر، والذى مبتدأ أو بالعكس أو من مبتدأ أو بالعكس، والذى تابع وقيل ذا زائد. {يَعْلَم ما بَيْنَ أيْدِيِهِم وما خَلْفَهم}: قال مجاهد وعطاء والسدى {ما بين أيديهم} ما قبلهم من أمور الدنيا وما خلفهم ما بعدهم من أمور الآخره، وقال الضحأك: والكلبى. بالعكس لأنهم يقدمون على الآخرة ويخلفون الدنيا. وراءهم وقال عطاء عن ابن عباس: {ما بين أيديهم} ما من السماء إلى الأرض {وخلفهم} السماوات، وقيل: {ما بين أيديهم} ما بعد انقضاء آجالهم وما خلفهم ما قبل أن يخلفهم، وقيل بالعكس، وقال الحسن: ما بين أيديهم من خير أو شر، وما خلفهم وما يفعلونه بعد، وقيل بالعكس، وقيل: {ما بين أيديهم وما خلفهم} ما يحسونه، وقيل بالعكس، وقيل ما بين أيديهم ما يدركونه، وما خلفهم ما لا يدركونه، وعلى كل حال فالمراد أن عالم بأحوال الشافع والمشفوع والمشفوع له، فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب، والهاء فى أيديهم وما خلفهم لما فى السماوات والأرض، لأن فيه العقلاء فغلبهم على غير العقلاء، والمراد العقلاء وغيرهم، أو عائد إلى ما دل عليه {من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه} من الملائكة والأنبياء والمؤمنين، فيكون المراد العقلاء وخاصة.. {ولاَّ يُحيطُون بِشَىءٍ مِنْ عِلْمهِ إلاَّ بما شَاءَ}: أى لا يعلمون شيئا من جميع وجوهه، وجوده وجنسه، وقدره إلى ما شاء الله أن يعلموه، فالإحاطة بالشئ معرفته من كل وجه، والعلم المعلوم، أى من معلوماته، وعطف الجملة على ما قبلهما لأنهما معاً فى تفرده تعالى بالعلم الذاتى التام، وإنما أثبت ما شاء لخلقه، لأن العلم بمعنى المعلوم، فالمعلوم واحد والعلم مختلف، علم الله ليس كعلم المخلوق، ويجوز أن يكون ما شاء ما علمه الناس بالوحى. {وَسِعَ كُرْسِيه السماوات والأرْضَ}: هو جسم عظيم محيط بالسماوات والأرض أمام العرش، لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما السماوات والأرضون السبع مع الكرسى إلا كحلقة فى فلاة وفضل العرش على الكرسى كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة"تفسير : ومعنى إحاطته بالسماوات والأرض أنه أوسع منهن، فإنه أمام العرش دون العرش فوق السماوات السبع، وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : السماوات السبع فى الكرسى إلا كدراهم سبعة ألقيت فى ترس"تفسير : ، رواه ابن عباس، وذكروا أن كل قائمة من قوائم الكرسى طولها مثل السماوات والأرض، وأن الكرسى تحمْلهُ أربعة أملاك، لكل ملك أربعة أوجه وأقدامهم على الصخرة التى تحت الأرض السابعة السفلى، ملك على صورة آدم يسأل الرزق والمطر لبنى آدم من السنة إلى السنة، وملك على صورة الثور يسأل الرزق للأنعام من السنة إلى السنة، وملك على صورة الأسد يسأل الرزق للوحوش من السنة إلى السنة، وملك على صورة النسر وهو يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة، وأن بين حملة الكرسى وحملة العرش سبعين حجابا من ظُلْمة، وسبعين حجابا من نور، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، ولولا ذلك لاحترقت حملة الكرسى من نور حملة العرش، وقال السدى: الكرسى تحت الأرض، والصحيح الأول وعليه فقيل يمكن أن يكون هو فلك البروج. وقال الحسن: الكرسى هو العرش، لأن السرير يوصف بأنه عرش، وبأنه كرسى، لأن كلا منهما يتمكن عليه المخلوق ولا يوصف الله بالعقود ولا بالقيام ولا بالتحيز، ولكن العرش والكرسى خلقان من مخلوقاته، كما خلق السماوات والأرض لحكمة، والكرسى فى الأصل اسم لما يقعد عليه الإنسان ولا يفضل عن مقعدته، وكأنه منسوب فى الأصل إلى الكرسى بكسر الكاف، وهو الأبوال والأبعار المتلبد بعضها على بعض، وقد قيل: إن كراسة الكتاب سميت لتركب بعض أوراقها على بعض، وقال ابن عباس: كرسيه تعالى علمه، كما يطلق على كرسى العالم على علمه تسمية لصفة العالم باسم مكانه الذى هو الكرسى، أو تشبيها للعلم بالكرسى، من حيث إن كل واحد منهما أمر يعتمد عليه، وقيل كرسيه ملكه، لأن الملك يجلس على الكرسى، فيسمى الملك بالضم باسم مكان الملك بفتحها، لأن الكرسى محل الملك، فيكون محلا لملكه، وفى الميم قبل الكرسى هو الاسم الأعظم، لأن العالم يعتمد عليه، وقد قيل: سميت كراسة الكتاب لما فيها من العلم، وهذا يناسب القول الأخير والقول بأن كرسيه علمه، وقيل قوله: {وسع كرسيه السماوات والأرض} تمثيل لعظمته تعالى، وليس المراد الجسم المذكور فى الأحاديث، وفيه خروج عن الظاهر، ووجهه أنه تعالى خاطب الخلق بما يعرفون فى ملوكهم، كما جعل الكعبة بيتاً يطوف الناس حوله، كما يطوف بيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم، وذكروا أن الحجر الأسود يمين الله فى أرضه، جعله موضعاً للتقبيل، كما تقبل الناس أيدى عظمائهم، وكما أثبت الميزان بمعنى تجويد الحساب وإتقانه، فكذلك أثبت العرش والكرسى. {ولا يؤُده حفظُهما}: لا يثقله حفظ هذين الفريقين الاثنين أحدهما السماوات والآخر الأرض، من الأود بمعنى الاعوجاج، ومن حمل ثقيلا يميل به جسده، يقال آده بمعنى أثقله، ولحقته منه مشقة وحفظ مصدر مضاف للمفعول، والفاعل غير مذكور، وهو الله، أى حفظه إياهما مع عظمهما، فلا يشق عليه شاق. {وهُوَ العَلىُّ}: على القدر والشأن لا علو المكان لتنزهه عن المكان فهو علىَّ عن صفات النقص من الشبه والشركة، وصفات الخلق كلها فهو قاهر ما سواه، لا يساوى ولا يدانى، ولا يعلى عليه، وقيل معناه تنزهه عن أن يحيط به وصف الواصفين وإدراك المدركين، وقيل معناه أن الملك له وحده والقهر وما لغيره عارية منه. {العَظِيمُ}: المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه، فهو عظيم الشأن حتى لا يحيط به فهم، لا عظم مقدار لتنزهه عن الجسم كما تنزه عن العرض.
اطفيش
تفسير : {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُمْ} ما يجب إنفاقه كزكاة ومؤونة الزوج المولى الذى لا يجد، والضيف الواجب، والمضطر، وما لا يجب إنفاقه، وقيل، المراد الواجب، لأن الأمر للوجوب، وعلى القولين يدخل الإنفاق فى الجهاد بالأولى، كما يناسبه ذكر هذا بعد الجهاد ولا حاجة إلى تفسيره بالجهاد وحده، لمجرد ذكره بعد الجهاد {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ} يوم الموت أو القيامة {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} تدركون به نفقة الواجب أداء للفرض أو غيره ربحا للثواب {ولاَ خُلَّةٌ} صداقة ينفعكم صاحبها بإعطائه إياكم ما تنتفعون به فى أداء الواجب، أو نفل، أو بالدفع للعقاب عنكم قهرا تنتفى الخلة التى فى الدنيا يوم القيامة سميت الصداقة خلة لأنها تدخل خلال الأعضاء أى وسطها {وَلاَ شَفَٰعَةٌ} دفع العذاب على سبيل التضرع لمالك العذاب، ولو طلبت لم توجد إلا بإذن الله. كما قال، إلا من أذن له الرحمن، فإن الملائكة والأنبياء والشهداء والعلماء يشفعون بإذن الله، لكن للسعيد برفع الدرجات وتضعيف الحسنات، أو بترك الحساب أو تخفيفه أو نحو ذلك مما لا ينافى القضاء، قال أنس، سألت النبى صلى الله عليه وسلم أن يشفع لى يوم القيامة فقال إنى فاعل، قال الترمذى حسن {وَالْكَٰفِرُونَ} الفاسقون بشرك أو كبيرة، وهذا عموم يشمل تاركى إنفاق الواجب، وليس المراد خصوص التاركين كما قيل {هُمُ الظَّٰلِمُونَ} لأنفسهم وغيرهم، بترك الواجب أو النفل إنكارا للبعث والجزاء أو تهاونا.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم} قيل: أراد به الفرض كالزكاة دون النفل لأن الأمر حقيقة في الوجوب ولاقتران الوعيد به وهو المروي عن الحسن، وقيل: يدخل فيه الفرض والنفل وهو المروي عن ابن جريج واختاره البلخي، وجعل الأمر لمطلق الطلب وليس فيما بعد سوى الإخبار بأهوال يوم القيامة وشدائدها ترغيباً في الإنفاق وليس فيه وعيد على تركه ليتعين الوجوب، وقال الأصم: المراد به الانفاق في الجهاد، والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد معنى، وبذلك ترتبط الآية بما قبلها ولا يخفى أن هذا الدليل مما لا ينبغي أن يسمع لأن الارتباط على تقدير العموم حاصل أيضاً بدخول الانفاق المذكور فيه دخولاً أولياً، وكذا على تقدير إرادة الفرض لأن الإنفاق في الجهاد قد يكون فرضاً إذا توقف الفرض عليه، و(ما) موصولة حذف عائدها والتعرض لوصوله منه تعالى للحث على الانفاق والترغيب فيه. {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ} أي لا مودة ولا صداقة {وَلاَ شَفَـٰعَةٌ} أي لأحد إلا من بعد أن يأذن الرحمن لمن يشاء ويرضى وأراد بذلك يوم القيامة، والمراد ـ من وصفه بما ذكر ـ الإشارة إلى أنه لا قدرة لأحد فيه على تحصيل ما ينتفع به بوجه من الوجوه لأن من في ذمته حق مثلاً إما أن يأخذ بالبيع ما يؤديه به وإما أن يعينه أصدقاؤه وإما أن يلتجىء إلى من يشفع له في حطه والكل منتف ولا مستعان إلا بالله عز وجل؛ و(من) متعلقة بما تعلقت به أختها ولا ضير لاختلاف معنييهما إذ الأولى: تبعيضية وهذه لابتداء الغاية وإنما رفعت هذه المنفيات الثلاثة مع أن المقام يقتضي التعميم والمناسب له الفتح لأن الكلام على تقدير ـ هل بيع فيه أو خلة أو شفاعة ـ والبيع وأخواه فيه مرفوعة فناسب رفعها في الجواب مع حصول العموم في الجملة وإن لم يكن بمثابة العموم الحاصل على تقدير الفتح، وقد فتحها ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب على الأصل في ذكر ما هو نص في العموم كذا قالوا، ولعل الأوجه القول بأن الرفع لضعف العموم في غالبها وهو الخلة والشفاعة للاستثناء الواقع في بعض الآيات، والمغلوب منقاد لحكم الغالب، وأما ما قالوه فيرد عليه أن ما بعد (يوم) جملة وقعت بعد نكرة فهي صفة غير مقطوعة ولا يقدر بين الصفة والموصوف إذا لم يكن قطع سؤال قطعاً، واعتبار كون/ النكرة موصوفة بما يفهمه التنوين من التعظيم فتقدر الجملة صفة مقطوعة تحقيقاً لذلك وتقريراً له فيصح تقدير السؤال حينئذ مما لا يكاد يقبله الذهن السليم. {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي المستحقون لإطلاق هذا الوصف عليهم لتناهي ظلمهم، والجملة معطوفة على محذوف ـ أي فالمؤمنون المتقون موفون والكافرون ـ الخ والمراد بهم تاركو الانفاق رأساً، وعبر عن التارك بالكافر تغليظاً حيث شبه فعله وهو ترك الإنفاق بالكفر، أو جعل مشارفة عليه، أو عبر بالملزوم عن اللازم فهو إما استعارة تبعية أو مجاز مشارفة أو مجاز مرسل أو كناية ومثل ذلك وضع {أية : من كفر} تفسير : [آل عمران: 97] موضع من لم يحج آخر آية الحج، وبعضهم لم يتجوز بالكفر وقال: إنه عبارة عن الكفر بالله تعالى حقيقة، وفائدة الإخبار حينئذ الإشارة إلى أن نفي تلك الأشياء بالنسبة إليهم وأن ذلك لا يعد منا ظلماً لهم لأنهم هم الظالمون لأنفسهم المتسببون لذلك.
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الآية مثل موقع { أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا } تفسير : [البقرة: 245] الآية لأنّه لما دعاهم إلى بذل نفوسهم للقتال في سبيل الله فقال: { أية : وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أنّ الله سميع عليم } تفسير : [البقرة: 244] شفَّعَهُ بالدعوة إلى بذل المال في الجهاد بقوله: { أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة } تفسير : [البقرة: 245] على طريقة قوله: { أية : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله } تفسير : [الأنفال: 72]، وكانت هذه الآية في قوة التذييل لآية {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} لأنّ صيغة هذه الآية أظهر في إرادة عموم الإنفاق المطلوب في الإسلام، فالمراد بالإنفاق هنا ما هو أعم من الإنفاق في سبيل الله، ولذلك حذف المفعول والمتعلق لقصد الانتقال إلى الأمر بالصدقات الواجبة وغيرها، وستجيء آيات في تفصيل ذلك. وقوله: {مما رزقناكم} حث على الإنفاق واستحقاق فيه. وقوله: {من قبل أن يأتي يوم} حث آخر لأنه يذكر بأن هنالك وقتاً تنتهي الأعمال إليه ويتعذّر الاستدراك فيه، واليوم هو يوم القيامة، وانتفاء البيع والخلة والشفاعة كناية عن تعذّر التدارك للفائِت، لأن المرء يحصل ما يعوزه بطرق هي المعاوضة المعبر عنها بالبيع، والارتفاق من الغير وذلك بسبب الخلة، أو بسبب توسط الواسطة إلى من ليس بخليل. والخلة ــــــ بضم الخاء ــــــ المودة والصحبة، ويجوز كسر الخاء ولم يقرأ به أحد، وتطلق الخلة بالضم على الصديق تسمية بالمصدر فيستوي فيه الواحد وغيره والمذكر وغيره قال الحماسي: شعر : ألاَ أبلِغَا خُلَّتي راشِدا وصنوي قديماً إذا ما اتصل تفسير : وقال كعب: أكرِم بها خُلةً، البيت. فيجوز أن يراد هنا بالخلة المودة، ونفي المودة في ذلك لِحصول أثرها وهو الدّفع عن الخليل كقوله تعالى: { أية : واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً } تفسير : [لقمان: 33]، ويجوز أن يكون نفي الخليل كناية عن نفي لازمه وهو النفع كقوله: { أية : يوم لا ينفع مال ولا بنون } تفسير : [الشعراء: 88]، قال كعب بن زهير: شعر : وقَال كل خليل كنت آمُلُه لا ألهِيَنَّك إني عنك مشغول تفسير : وقرأ الجمهور {لا بيع فيه} ــــــ وما بعده ــــــ بالرفع لأنّ المراد بالبيع والخلة والشفاعة الأجناس لا محالة، إذ هي من أسماء المعاني التي لا آحاد لها في الخارج فهي أسماء أجناس لا نكرات، ولذلك لا يحتمل نفيها إرادة نفي الواحد حتى يحتاج عند قصد التنصيص على إرادة نفي الجنس إلى بناء الاسم على الفتح، بخلاف نحو لا رجلَ في الدار ولا إلَه إلا الله، ولهذا جاءت الرواية في قول إحدى صواحب أم زرع «زوجي كلَيْلِ تِهَامَهْ لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخَافَةٌ ولا سآمهْ» بالرفع لا غير، لأنّها أسماء أجناس كما في هذه الآية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالفتح لنفي الجنس نصّاً فالقراءتان متساويتان معنى، ومن التكلّف هنا قول البيضاوي إنّ وجه قراءة الرفع وقوع النفي في تقدير جواب لسؤال قائل هل بيعٌ فيه أو خلّة أو شفاعة. والشفاعة الوساطة في طلب النافع، والسعي إلى من يراد استحقاق رضاه على مغضوب منه عليه أو إزالة وحشة أو بغضاء بينهما، فهي مشتقة من الشفع ضد الوتر، يقال شفع كمنع إذا صيّر الشيء شفعاً، وشفع أيضاً كمنع إذا سعى في الإرضاء ونحوه لأنّ المغضوب عليه والمحروم يبعد عن واصله فيصير وتراً فإذا سعى الشفيع بجلب المنفعة والرضا فقد أعادهما شفعاً، فالشفاعة تقتضي مشفوعاً إليه ومشفوعاً فيه، وهي ــــــ في عرفهم ــــــ لا يتصدّى لها إلاّ من يتحقّق قبول شفاعته، ويقال شفع فلان عند فلان في فلان فشفَّعهُ فيه أي فقبل شفاعته، وفي الحديث: «حديث : قالوا هذا جدير إن خطب بأن ينكح وإن شفع بأن يشفع»تفسير : . وبهذا يظهر أنّ الشفاعة تكون في دفع المضرة وتكون في جلب المنفعة قال: شعر : فذاك فتًى إن تأته في صنيعة إلى ماله لا تأته بشفيع تفسير : ومما جاء في منشور الخليفة القادر بالله للسلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي «ولّيناك كورة خراسان ولقبناك يمين الدولة، بشفاعة أبي حامد الإسفرائيني»، أي بواسطته ورغبته. فالشفاعة ــــــ في العرف ــــــ تقتضي إدلال الشفيع عند المشفوع لديه، ولهذا نفاها الله تعالى هنا بمعنى نفي استحقاق أحد من المخلوقات أن يكون شفيعاً عند الله بإدلال، وأثبتها في آيات أخرى كقوله ــــــ قريباً ــــــ { أية : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } تفسير : [البقرة: 255] وقوله: { أية : ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى } تفسير : [الأنبياء: 28]، وثبتت للرسول عليه السلام في أحاديث كثيرة وأشير إليها بقوله تعالى: { أية : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } تفسير : [الإسراء: 79] وفسّرت الآية بذلك في الحديث الصحيح، ولذلك كان من أصول اعتقادنا إثبات الشفاعة للنبيء صلى الله عليه وسلم وأنكرها المعتزلة وهم مخطئون في إنكارها وملبسون في استدلالهم، والمسألة مبسوطة في كتب الكلام. والشفاعة المنفية هنا مراد بها الشفاعة التي لا يسع المشفوعَ إليه ردّها، فلا يعارض ما ورد من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة لأنّ تلك كرامة أكرمه الله تعالى بها وأذن له فيها إذ يقول: «حديث : اشفع تشفع»تفسير : فهي ترجع إلى قوله تعالى: { أية : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } تفسير : [البقرة: 255] وقوله: { أية : ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى } تفسير : [الأنبياء: 28] وقوله: { أية : ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له } تفسير : [سبأ: 23]. وقوله: {والكافرون هم الظالمون} صيغة قصر نشأت عن قوله: {لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة} فدلّت على أن ذلك النفي تعريض وتهديد للمشركين فعقب بزيادة التغليظ عليهم والتنديد بأنّ ذلك التهديد والمهدّد به قد جلبوه لأنفسهم بمكابرتهم فما ظلمهم الله، وهذا أشدّ وقعاً على المعاقب لأنّ المظلوم يجد لنفسه سلوّاً بأنّه معتدى عليه، فالقصر قصر قلب، بتنزيلهم منزلة من يعتقد أنّهم مظلومون. ولك أن تجعلَه قصراً حقيقياً ادّعائياً لأنّ ظلمهم لما كان أشدّ الظلم جعلوا كمن انحصر الظلم فيهم. والمراد بالكافرين ظاهراً المشركون، وهذا من بدائع بلاغة القرآن، فإنّ هذه الجملة صالحة أيضاً لتذييل الأمر بالإنفاق في سبيل الله، لأنّ ذلك الإنفاق لقتال المشركين الذين بدأوا الدين بالمناوأة، فهم الظالمون لا المؤمنون الذين يقاتلونهم لحماية الدين والذبّ عن حوزته. وذكر الكافرين في مقام التسجيل فيه تنزيه للمؤمنين عن أن يتركوا الإنفاق إذ لا يظنّ بهم ذلك، فتركه والكفر متلازمان، فالكافرون يظلمون أنفسهم، والمؤمنون لا يظلمونها، وهذا كقوله تعالى: { أية : وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } تفسير : [فصلت: 6، 7]، وذلك أنّ القرآن يصوّر المؤمنين في أكمل مراتب الإيمان ويقابل حالهم بحال الكفار تغليظاً وتنزيهاً، ومن هذه الآية وأمثالها اعتقد بعض فرق الإسلام أنّ المعاصي تبطل الإيمان كما قدّمناه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 254- يا أيها المؤمنون بالله وباليوم الآخر أنفقوا بعض ما رزقكم الله فى وجوه الخير، وبادروا بذلك قبل أن يأتى يوم القيامة الذى يكون كله للخير ولا توجد فيه أسباب النزاع، لا تستطيعون فيه تدارك ما فاتكم فى الدنيا، ولا ينفع فيه بيع ولا صداقة ولا شفاعة أحد من الناس دون الله، والكافرون هم الذين يظهر ظلمهم فى ذلك اليوم، إذ لم يستجيبوا لدعوة الحق. 255- الله هو الذى يستحق أن يُعبد دون سواه، وهو الباقى القائم على شئون خلقه دائماً، الذى لا يغفل أبداً، فلا يصيبه فتور ولا نوم ولا ما يشبه ذلك لأنه لا يتصف بالنقص فى شئ، وهو المختص بملك السموات والأرض لا يشاركه فى ذلك أحد، وبهذا لا يستطيع أى مخلوق كان أن يشفع لأحد إلا بإذن الله، وهو - سبحانه وتعالى - محيط بكل شئ عالم بما كان وما سيكون، ولا يستطيع أحد أن يدرك شيئاً من علم الله إلا ما أراد أن يعلم به من يرتضيه، وسلطانه واسع يشمل السموات والأرض، ولا يصعب عليه تدبير ذلك لأنه المتعالى عن النقص والعجز، العظيم بجلاله وسلطانه. 256- لا إجبار لأحد على الدخول فى الدين، وقد وضح بالآيات الباهرة طريق الحق، وطريق الضلال، فمن اهتدى إلى الإيمان وكفر بكل ما يطغى على العقل، ويصرفه عن الحق، فقد استمسك بأوثق سبب يمنعه من التردى فى الضلال، كمن تمسك بعروة متينة محكمة الرباط تمنعه من التردى فى هوة، والله سميع لما تقولون، عليم بما تفعلون ومجازيكم على أفعالكم.
القطان
تفسير : خلة: صداقة ومودة. يا أيها المؤمنون بالله واليوم الآخر، أنفقوا من بعض ما رزقكم الله في وجوه الخير، فهو الذي ينجيكم يوم القيامة، يوم لا تستطيعون ادراك ما فاتكم في الدنيا، ولا بيع ولا شراء، يوم لا تنفع صداقة ولا شفاعة دون اذن الله، ولا يستطيع احد ان يفدي احدا. إن الكافرين هم الذين ظهر ظلمهم يومذاك، ولسوف يندمون على ما عملوا حيث لا تنفع الندامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواۤ} {رَزَقْنَاكُم} {شَفَاعَةٌ} {وَٱلْكَافِرُونَ} {ٱلظَّالِمُونَ} (254) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمْ فِي دَفْعِ زَكَاةِ أَمْوالِهِمْ، وَفِي سَبيلِ الخَيْرِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، لِيَكْسِبُوا ثَوَابَ اللهِ وَرِضْوَانَهُ فِي الآخِرَةِ، فإذا جَاؤُوهُ يَوْمَ القِيَامَةِ - وَهُوَ يَوْمٌ لاَ يَنْفَعُ فِيهِ الإِنْسَانَ إلاّ عَمَلُهُ الصَّالِحُ الطَّيِّبُ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا وَلا تَنْفَعُهُ فِيهِ صَدَاقَةٌ وَلا شَفَاعَةُ شَفيعٍ - وَجَدُوا ما أنْفَقُوا عَمَلاً صَالِحاً لَهُمْ يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ اللهِ. وَلَيْسَ أَحَدٌ أَكْثَرَ ظُلْماً لِنَفْسِهِ مِمَّنْ يَأتِي اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَافراً بِرَبِّهِ، شَحِيحاً بَخِيلاً مُمْتَنِعاً عَنْ دَفْعِ زَكَاةِ مَالِهِ وَعَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ اللهِ. لاَ خُلَّةٌ - لا مَوَدَّةٌ وَلاَ صَدَاقَةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونحن نعرف أن كل نداء من الحق يبدأ بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [البقرة: 254] إنما يدل على أن ما يأتي من بعد هذا القول هو تكليف لمن آمن بالله، وليس تكليفاً للناس على إطلاقهم؛ لأن الله لا يكلف من كفر به، إنما يكلف الله من آمن به، ومن اجتاز ذلك وأصبح في اليقين الإيماني فهو أهل لمخاطبة الله له، فكأنه يجد في القول الرباني نداء يقول له: يا من آمن بي إلهاً حكيماً قادراً مشرعاً لك، أنا أريد منك أن تفعل هذا الأمر. إذن الإيمان بالله هو حيثية كل حكم، فأنت تفعل ذلك لماذا؟ لا تقل: لأن حكمته كذا وكذا. لا. ولكن قل: لأن الله الذي آمنت به أمرني بهذه الأفعال، سواء فهمت الحكمة منها أو لم تفهمها، بل ربما كان إقبالك على أمر أمرك الله به وأنت لا تفهم له حكمة أشد في الإيمان من تنفيذك لأمر تعرف حكمته. ولو أن إنساناً قال له الطبيب: إن الخمر التي تشربها تفسد كبدك وتعمل فيك كذا وكذا، وبعد ذلك امتنع عن الخمر، صحيح أن امتناعه عن الخمر صادف طاعة لله، لكن هل هو امتنع لأن الله قال؟ لا، لم يمتنع لأن الله قال، ولكنه امتنع لأن الطبيب قال، فإيمانه بالطبيب أكثر من إيمانه برب الطبيب. أما المؤمن فيقول: أنا لا أشرب الخمر؛ لأن الله قد حرمها، ولماذا انتظر حتى يقول لي الطبيب: إن كبدك سيضيع بسبب الخمر، فالرحمة هي ألا يجيء الداء. إن الحق يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم} [البقرة: 254] أي أنا لا أطلب منكم أن تنفقوا عليّ، ولكن أنفقوا من رزقي عليكم؛ لأن الرزق يأتي من حركة الإنسان، وحركة الإنسان تحتاج طاقة تتحرك في شيء أو مادة، وهذه الحركة تأتي على ترتيب فكر، وهذا الفكر رتبه من خلقه، والجوارح التي تنفعل، واليد التي تتحرك، والرِّجل التي تمشي خلقها الله، والمادة التي تفعل بها مخلوقة لله. وسنأخذ الزارع نموذجاً، نجد أن الأرض التي فيها العناصر مخلوقة لله، إذن فالإنسان يعمل بالعقل الذي خلقه الله، ويخطط بالجوارح التي خلقها الله لتأتي له بالطاقة التي يعمل بها في المادة التي خلقها الله لتعطي للإنسان خيرها .. فأي شيء للإنسان إذن؟ ومع ذلك إن حصل للإنسان خير من هذا كله فهو سبحانه لا يقول: "إنه لي" بل أمنحه لك أيها الإنسان، ولكن أعطني حقي فيه، وحقي لن آخذه لي ولكن هو لأخيك المسكين، والحق يقول: {أية : مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ}تفسير : [الذاريات: 57]. وإياك أن تقول: وما دخلي أنا بالمسكين؟ عليك أن تعلم أنّ المسكنة عَرَض، والعرض من الممكن أن يلحق بك أنت. فلا تُقدِّر أنك معطٍ دائما، ولكن قدر أنك ربما حدث لك ما يجعلك تأخذ لاَ أنْ تعطي. الحق يقول لك: أعط المسكين وأنت غني؛ لأنه سبحانه سيقول للناس: أن يعطوك وأنت فقير، فقدِّر حكم الله ساعة يُطلب منك، ليحميك ساعة أن يُطلب لك، وبذلك تتوازن المسألة. ومع أنه سبحانه هو الذي يرزق، فهو يريد منكم أيها العباد أن تتعاونوا وأن يحب بعضكم بعضاً، حتى تُمحى الضغائن من قلوبكم؛ لأن الإنسان الضعيف - ضعفاً طبيعياً وليس ضعيف التسول أو الكسل أو الاحتراف، بل ضعف عدم القدرة على العمل - هو مسئولية المؤمنين، فسبحانه وتعالى يجعل القوي مسئولاً أن يساعدك وأنت ضعيف. وأنت حين ترى - وأنت ضعيف لا تقدر - الأقوياء الذين قدروا لم ينسوك، وذكروك بما عندهم، عندئذ تعلم أنك في بيئة متساندة تحب لك الخير، فإن رأيت نعمة تنالك إن عجزت فأنت لا تحسدها أبداً، ولا تحقد على معطيها، بل تتمنى من حلاوة وقعها في نفسك - لأنها جاءتك عن حاجة - تتمنى لو أن الله قدرك لتردها، فيكون المجتمع مجتمعاً متكافلاً متضامناً. فحين يقول الله تعالى: {أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم} [البقرة: 254] فأنتم لا تتبرعون لذات الله بل تنفقون مما رزقكم، ومن فضل الله عليكم أنه احترم أثر عملكم ونسبه لكم حتى وإن احتاج أخوك، فهو سبحانه يقول:{أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [البقرة: 245]. إن الحق سبحانه قد اعتبر النفقة في سبيل الله هي قرض من العبد للرب الخالق الوهاب لكل رزق. وحتى نفهم معنى النفقة أقول: قد قلنا من قبل: إن الكلمة مأخوذة من مادة "النون والفاء والقاف"، ويقال: نفقت السوق أي انتهت بسرعة وتم تبادل البضائع فيها بالأثمان المقررة لها، ونحن نعرف أن التجارة تعني مقايضة بين سلع وأثمان. والسلعة هي ما يستفاد بها مباشرة. والثمن ما لا يستفاد به مباشرة. فعندما تكون جائعاً أيغنيك أن يكون عندك جبل من ذهب؟ إن هذا الجبل من الذهب أنت لا تستفيد منه مباشرة، أما فائدتك من رغيف الخبز فهي استفادة مباشرة، وكذلك كوب الماء الممتلئ، تستفيد منه مباشرة، والملابس التي ترتديها أنت تستفيد منها مباشرة. إذن فالذي يستفاد منه مباشرة اسمه سلعة، والذي لا يستفاد منه مباشرة نسميه ثمناً. ولذلك يقول لنا الحق إنذاراً وتحذيراً من الاعتزاز بالمال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]. إن الحق سبحانه ينبهنا أن ننفق من رزقه لنا من قبل أن يأتي اليوم الآخر الذي لا بيع فيه؛ أي لا مجال فيه لاستبدال أثمان بسلع أو العكس، وأيضاً لا يكون في هذا اليوم "خُلة"، ومعنى "خلة هي الود الخالص، وهي العلاقة التي تقوم بين اثنين فيصير كل منهما موصلاً بالآخر بالمحبة؛ لأن كُلاًّ منكما منفصل عن الآخر، وإن ربطت بينكم العاطفة وفي الآخرة سيكون كل إنسان مشغولاً بأمر نفسه. إن اليوم الآخر ليس فيه بيع ولا شراء ولا فيه خلة ولا شفاعة، وهذه هي المنافذ التي يمكن للإنسان أن يستند عليها. فأنت لا تملك ثمنا تشتري به، ولا يملك غيرك سلعة في الآخرة، إذن فهذا الباب قد سد. وكذلك لا يوجد خلة أو شفاعة، والشفاعة هذه مأذون فيها. إن كانت ممن أذن له الله أن يشفع فهي في يد الله، ومعنى "شفيع" مأخوذة من الشفع والوتر. الوتر واحد والشفع اثنان، فكأن الشفيع يضم صوته لصوتي لنقضي هذه الحاجة عند فلان. فيتشفع الإنسان بإنسان له جاه عند المشفوع عنده حتى ينفذ له ما يطلب. ولكن هذه الوسائل في الآخرة غير موجودة. فلا بيع ولا خلة ولا شفاعة؛ فأنتم إذا أنفقتم اتقيتم ذلك اليوم، فانتهزوا الفرصة من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة. وهذه هي أبواب النجاة المظنونة عند البشر التي تُغلق في هذا اليوم العظيم. وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا لم أفوت فرصة على خلقي؛ خلقي هم الذين ظلموا أنفسهم ووقفوا أنفسهم هذا الموقف، فأنا لم أظلمهم. لذلك يذيل الحق الآية بقوله: {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]. وبعد أن تكلم الله سبحانه وتعالى عن الرسل، وعن الاختلاف، وعن القتال لتثبيت منهج الحق، وعن الإنفاق، يوضح لنا التصور الإيماني الصحيح الذي في ضوئه جاءت كل هذه المسائل. فقد جاء موكب الرسالات كلها من أجل هذا المنهج فقال سبحانه: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ} المعنى وَلا خَليلٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم} [البقرة: 254]، والإشارة فيها أن مع تنزه تحقيقها عن تقديره بالعبادات وتقديره بالإرشادات أنه سبحانه عظم شأنه وعز سلطانه أخبر عن كمال ذاته بذاته وعن جلال صفاته بصفاته وعن جمال مكنونة بمكنوناته فقوله تعالى: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} يخبر عن ذات منفرد بالألوهية والديمومية، متوحدة بالوحدانية والربوبية بمن عرف بقضايا هذا طلاسم حق العرفان عرف أنه ينعت الكمال موصوفاً بجميع صفات الجلال والجمال فلا يحتاج إلى تعريفه بتعداد أوصاف كماله ونشرها فإنها تقدست وتعظمت عن إحاطة نطاق النطق بحصرها؛ ولكن لما دعت الضرورة لقصور العقول عن درك شأوها إلى تعدد، شرع في شرحها وعدها فبدأ بنفي إله يصلح للضدية في الألوهية والندية في الربوبية بقوله تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ} [البقرة: 255]، ثم أثبت بالاستثناء عن الجنس هوية ذاته بصوف الوجود والإيجاد معبودية العباد لا ضدية ولا ندية بقوله تعالى: {إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 255]. ثم بين صفة هي لازمة اللاهوتية بقوله تعالى: {ٱلْحَيُّ} [البقرة: 255]، لا حي إلا هو ولا حياة إلا حياته فلا يحيى حي إلا بإحيائه وحياته، ثم ذكر صفة أخرى ذاتية له مقرونة بقوله تعالى: {ٱلْقَيُّومُ} [البقرة: 255]؛ يعني: هو القائم بذاته القيوم لمخلوقاته ليس لشيء من مكوناته قيام بنفسه إلا هو قائم بقيوميته، وقد مر من دعاء النبي: صلى الله عليه وسلم "حديث : يا قيوم السماوات والأرض"تفسير : وإنما أشير في معنى الاسم الأعظم إلى الاسمين وهما الحي القيوم؛ لأنه اسمه الحي مشتمل على جميع أسمائه وصفاته فإن من لوازم الحي أن يكون قادراً عالماً سمعياً بصيراً متكلماً مريداً باقياً، واسمه القيوم مشتمل على افتقار جميع المخلوقات إليه، فتجلى الله لعبده بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند تجلي صفة الحي بجميع ما في أسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلي صفة القيوم فناء جميع المخلوقات إذا كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم فلما بدا الحق زهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم. وإذا كان بسبب الحي قيام جميع أسماء الله تعالى، وبسبب القيوم قيام المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما إذا أفنت التعدد وبقيت الوحدة فيصيران أسمى وأعظلم للمتجلى له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية فقد ذكره باسم الأعظم الذي إذ دُعي أجاب، وإذا سئل به أعطى، فأما الذاكر عند غيبة فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم، بالنسبة إلى حال غيبته وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو زيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود؛ ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت. ثم الله تعالى نزه نفسه عن صفات النقص بعد ما أتيت له صفات الكمال وقال: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} [البقرة: 255]، لأن النوم أخو الموت بل سمى الله تعالى النوم بالموت وقال: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا}تفسير : [الزمر: 42] أي: منامها والموت ضد الحياة وهو الحقيقي فلا يخلفه ضد الحياة، ففي هذا أشار إلى أن ذاته سبحانه وتعالى كأنه موصوف بصفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقصان. ثم أظهر ملكيته ومالكيته بالانفراد في قوله تعالى: {وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 255]، ملكاً وملكاً خلقاً وعبدية كما قال تعالى: {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً}تفسير : [المريم: 93] قائماً عبداً ليس له أن يعارض مالكه وملكه عند إجراء حكمه في ملكه فقال تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمُ} [البقرة: 255]، قلت هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد وعده المقام المحمود بقوله تعالى: {أية : أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}تفسير : [الإسراء: 79] بالشفاعة فمعنى الآية من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد فإنه مأذون بالشفاعة موعود بها مستعد لها كما مر ذكره في حديث الشفاعة إذ تعينه الأنبياء للشفاعة ويدل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: 255]؛ يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم ما بين أيديهم من أمور الأولياء قبل خلق الله الخلائق لقوله: صلى الله عليه وسلم "حديث : أول ما خلق الله نوري"تفسير : وفي رواية "حديث : روحي"،تفسير : و"حديث : أول ما خلق الله العقل"،تفسير : و"حديث : أول ما خلق الله القلم"تفسير : و"حديث : أول ما خلق الله جوهرة"،تفسير : و"حديث : إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام"تفسير : وأمثال هذا كثير {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم: نفسي نفسي وخذله الخلق بعضهم إلى بعض حتى بالاضطراب يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاختصاصه بالشفاعة وأشباه ذلك، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255]، وكذلك يحتمل أن يكون إلهاً كناية عنه صلى الله عليه وسلم يعني هو شاهد على أحوالهم يعلم ما بين أيديهم عن سير معاملاتهم وقصصهم كما قال تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}تفسير : [هود: 120] وما خلفهم من أمور الآخرة وأحوال أهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيئاً من معلوماته {إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]، أن يخبرهم عن ذلك فأحمل على علم الله فهو ظاهر وقد سبق ذكره، ولا يحيطون يعني الخلق بشيء من علمه؛ لأن علمه قديم أزلي لا يكون مسبوقاً بالعلم المحدث إلا بما شاء أن يخبرهم عن بعض معلوماته. {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} [البقرة: 255]، فهذا مما يخبر عن جمال مكنوناته بمكوناته يعني ذلك سيد هذا الكمال أن يكون محيطاً بالسماوات والأرض والنار، وهو مع عظم شأنه كخلقه حلقات في فلات بالنسبة إلى العرش، فانظر إن كمالية جمال العرش كم يكون، أما القول معنى الكرسي فاعلم أن مقتضى الدين والديانات لا يؤوَّل شيئاً من الأعيان مما نطلق به القرآن والحديث بالمعاني لا بصورها كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم إلا أن يكون محققاً خصه الله تعالى بكشف الحقائق والمعاني والأسرار وإشارات التنزيل وتحقيق التأويل، فإذا كوشف بمعنى خاص وإشارة وتحقيق بقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط، وما في الجنة من الحور القصور والأنهار مجرى المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائقها ومعاينها، فإن الله تعالى ما خلق شيئاً في عالم الصورة الأولى نظير في عالم المعاني وما خلق الله شيئاً في عالم المعنى وهو الآخر إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، فافهم جدّاً. وما خلق الله في العالمين شيئاً إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان، فإذا عرفت هذا فاعلم أن مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ إذ هو محل استواء الروح عليه بخلافة الله، ومثال الكرسي سر الإنسان وسنبينها في تحقيق {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5] إن شاء الله تعالى. فالعجب كل العجب أن العرش مع سعته باستواء الرحمانية فقد قيل هو كخلقه حلقات بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن وسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255]، فتحقيقه أن لا تؤد الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ومعانيها التي أودعها في السر الإنساني بقوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31]، فالله تعالى بعدما أظهر وأثبت لمخلوقاته من العرش والكرسي والقلب الإنساني وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهار الكمال القدرة والحكمة، ترد برداء الكبرياء والعزة والعلاء، واتزر بإزار العظمة في الرفعة والسناء، وهو أولى وأحق بالمدحة والثناء، فقال عز وجل وعلا: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} [البقرة: 255] عين له العلو في الشأن والعظمة والسلطان فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه قد علا، ومن عظم فبتعظيم قد عظم واستعلى فسبحان ربنا العظيم وسبحان ربنا الأعلى. ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} والإشارة فيها أن الله هو محب الذين آمنوا ومتولي إيمانهم ويخرجهم من ظلمات الخلقة إلى نور الهداية حتى آمنوا، ويدل على هذا التحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل"تفسير : فقد ثبت أنه أخرجهم ذلك اليوم بإصابة النور المرشوش من ظلمات الخلقة وهي ظلمة الحدوث فافهم حتى اهتدوا اليوم فآمنوا، ولولا محبته إياهم وهو مزيد العناية وتوليته بالنصرة والمعونة فضلاً ورحمة منه آمنوا وكانوا كافرين بقوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [البقرة: 64]. ثم اعلم أن مراتب المؤمنين في الإيمان متفاوتة، وهم ثلاثة طوائف: عوام المؤمنين وخواصهم وخواص الخواص، فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى}تفسير : [محمد: 17]، والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد: 28]، واطمئنان القلب بالذكر لم يكن إلا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية ومن صفة النفس الاطمئنان بالحياة الدنيا وشهواتها لقوله تعالى: {أية : رَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا}تفسير : [يونس: 7]، فلما استولى سلطان الذكر على نفس المؤمن وقلبه تنور النفس بنور، وخرجت من ظلمات صفاتها فتبدلت أخلاقها الذميمة بالحميدة، فيكون اطمئنانها مع الذكر يدل ما كانت مع الدنيا، فتستحق حينئذ أن يخرجها الله تعالى بخطاب: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 27-28] من ظلمات الصفات الغير المرضية إلى نور صفة {أية : رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي}تفسير : [الفجر: 28-29] أي مقام خواص عبادي وخواص الخاص يخرجهم من ظلمات حدوث الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفة القدم لهم لتفنيهم به كقوله تعالى: {أية : فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ}تفسير : [الكهف: 13-14]، نسبهم إلى الفتوة لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق وآمنوا بالله وكفروا بالطاغوت أوقيانوس، فلما تقربوا إلى الله تعالى بقدم الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية، وقال تعالى: {أية : زَادَهُمْ هُدًى}تفسير : [محمد: 17]؛ يعني: إذا خرجوا من ظلمات الكفر بقدم الفتوة إلى نور الهداية أخرجناهم بمزيد العناية من ظلمات النفسانية إلى نور الروحانية، فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر الله وأنست به واستوحشت عن صحبة أهل الدنيا وما فيها فأحبوا الخلاء. كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الأمر قالت عائشة - رضي الله عنها -: أول ما بدء به كان حُبب إليه الخلاء، ولعمري وهذا دأب كل طالب محق مريد صادق فقال أكبرهم: {أية : وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً}تفسير : [الكهف: 16] وبالحقيقة كان الحق ينطق على لسانه إذا أمرهم بعد المفارقة عن الأوطان والأخدان، ولم يجدوا مريباً من هذا الشأن بأن يأووا إلى غار لبخلوا مع الله ويطلبوه منه، فإذا قاموا عن وجودهم وبذلوا جهدهم في طلبه ومشوا إليه استقبلهم بجوده هرولة فبدل أوصافهم بألطافه. كما قال تعالى: {أية : وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}تفسير : [الكهف: 14]، أي: أفناهم عنهم بنا بنشر رحمتنا عليهم، والنشر هو الأحياء ينشر لكم ربكم من رحمته، أي: يحببكم ربكم بصفات رحمته بعد أن يميتكم عن صفاتكم ويهيء لكم من أمركم مرفقاً، يعني: إذ نحن ما نعلم طريق السير إلى الله، ولم نجد من يسيرنا إليه بالتربية، فالله تعالى يتولى أمرهم بنهي أسبابها بالرفق، فلا جرم من تهيئ أسباب تربيتهم فأنامهم نومة العورس بعزل الحواس، فإنها أصل معتبر في تصفية القلب وسرعته إلى التوبة بالكلية إلى الحق في قبول فيض النور الإلهي، ولئلا تتأذى نفوسهم بنصب الرياضة وتعب المجاهدة، وتولى تربيتهم بلا واسطة، فقال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ}تفسير : [الكهف: 18]، تقلبهم عن صفات أصحاب الشمال إلى صفات أصحاب اليمين، وكلبهم عين كلب نفوسهم {أية : بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ}تفسير : [الكهف: 18] أي نائم باسط ذراعيه عنهم، ولا يزاحمهم بدواعي البشرية حتى تمده مدة تربيتهم في أوصاف البشرية بأخلاق الربوبية فإفنائهم عنهم وإبقائهم به من أمارات هذا المقام، وهو الولاية التي يكرم الله بها خواص عباده إذ يخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور جوده فأظهر الله عليهم هيبة من آثار صفات جلاله، كما قال تعالى: {أية : لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً}تفسير : [الكهف: 18]. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} [البقرة: 257]، ذكر الطاغوت بلفظ الواحد والأولياء بلفظ الجمع؛ ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار للطاغوت لا من قبل الطاغوت لهم فلو كان من قبله لقال: وليهم الطاغوت أو الطاغوت وليهم فمعناه والذين كفروا هم أولياء الطاغوت، دليله قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 165]، ولأنه لو فسرنا الطاغوت بالأصنام فإنه بمعزل عن الولاية والمحبة، وإن حملنا على الشيطان والنفس فإنهم أعداء لا الأولياء وإن حملنا على الرؤيا المتقدمين، فإن لهم فراغة عن ولايتهم ومحبتهم وإن كانوا يقطعون الطريق عليهم ويمنعوهم عن الإسلام ويدعونهم إلى الكفر، فهذا من العداوة لا من الولاء فثبت أنهم أولياء للطاغوت، ولهذا الفرق ذكر الأولياء بلفظ الجميع، ولما كان في حق المؤمنين الولاء والمحبة من الله تعالى ابتداء لا منهم قال الله عز وجل: {ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 257]، دليله {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، بدع بمحبته إياهم قوله تعالى: {يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257]، فليس لكل طاغوت في العالم قدرة بالحقيقة على إخراج أحد من النور إلى الظلمات، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعث الشيطان مزيناً، وليس إليه من الضلالة شيء"، تفسير : وإنما نفوس الإنسان تميل إلى ما يلائم هواها وشهواتها فيسكن ولاءها ومحبتها فيتمنى نيل مرادها ومرامها من شيء أو شخص أو شيطان أو صنم تثبت بذلك وتعلق به وتتولاه وتجعله طاغوتاً يشغلهم عن الله، فلهذا المعنى ينسب الله تعالى الإخراج إليهم بقوله: {يُخْرِجُهُمْ}، كقوله: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [إبراهيم: 35-36] إنما بتعبدهم ضلوا إلا بإضلالهن، فكذلك الكفار بتوليهم الطاغوت أخرجوا من النور، ومعنى الآية يخرجونهم من نور الروحانية والإيمان الفطري إلى ظلمات الصفات النفسانية البيهيمة والسبعية والشيطانية ظلمات بعضها فوق بعض، ودركات بعضها تحت بعض إلى أن تكدرت الأرواح وأظلمت بهذه الظلمات وتخلقت بأخلاق النفوس واتصفت بصفاتها. وكما أن النفوس إذا تنورت بنور الإيمان والأرواح وعلت إلى عالم الأرواح وأعلى عليين القرب مع كونها سفلية فبإكسير الشرع تصير متصفة بصفة العلويات فتدعى بقوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي}تفسير : [الفجر: 27-28]، فكذلك الأرواح العلوية لما اتصفت بصفات النفس الأمارة وانقلبت جواهر النورانية بإكسير الطبع الحيواني ظلمانية أمرت بالهبوط إلى أسفل سافلين البعد، دليله قوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}تفسير : [التين: 4-5]، فإفساد استعداد الروحاني بالكفر ومتابعة الهوى {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ}تفسير : [التين: 6] استثنى منهم أرواح المؤمنين {أية : أُولَـٰئِكَ}تفسير : [البقرة: 39] يعني: أرواح الكفار {أية : أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ}تفسير : [البقرة: 39]؛ أي: مع أصحاب النار وهم النفس والشيطان والطاغوت {أية : هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ}تفسير : [البقرة: 39]، أي: معهم فيها خالدون لأنكم أيها الأرواح وإن لم تكونوا من جنس لما شبههم بهم فمن تشبه قوماً فهو منهم ومن أحب قوماً فهو معهم خالدين في النار وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرا وأجرا موفرا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون ويحصل الخزي على الظالمين، وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، فتركوا الواجب من حق الله وحق عباده وتعدوا الحلال إلى الحرام، وأعظم أنواع الظلم الكفر بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله فيصرفها الكافر إلى مخلوق مثله، فلهذا قال تعالى: { والكافرون هم الظالمون } وهذا من باب الحصر، أي: الذين ثبت لهم الظلم التام، كما قال تعالى: {أية : إن الشرك لظلم عظيم } تفسير : ثم قال تعالى: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):