Verse. 260 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَھُمْ عَلٰي بَعْضٍ۝۰ۘ مِنْھُمْ مَّنْ كَلَّمَ اللہُ وَرَفَعَ بَعْضَھُمْ دَرَجٰتٍ۝۰ۭ وَاٰتَيْنَا عِيْسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰتِ وَاَيَّدْنٰہُ بِرُوْحِ الْقُدُسِ۝۰ۭ وَلَوْ شَاۗءَ اللہُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِيْنَ مِنْۢ بَعْدِھِمْ مِّنْۢ بَعْدِ مَا جَاۗءَتْھُمُ الْبَيِّنٰتُ وَلٰكِنِ اخْتَلَفُوْا فَمِنْھُمْ مَّنْ اٰمَنَ وَمِنْھُمْ مَّنْ كَفَرَ۝۰ۭ وَلَوْ شَاۗءَ اللہُ مَا اقْتَتَلُوْا۝۰ۣ وَلٰكِنَّ اللہَ يَفْعَلُ مَا يُرِيْدُ۝۲۵۳ۧ
Tilka alrrusulu faddalna baAAdahum AAala baAAdin minhum man kallama Allahu warafaAAa baAAdahum darajatin waatayna AAeesa ibna maryama albayyinati waayyadnahu biroohi alqudusi walaw shaa Allahu ma iqtatala allatheena min baAAdihim min baAAdi ma jaathumu albayyinatu walakini ikhtalafoo faminhum man amana waminhum man kafara walaw shaa Allahu ma iqtataloo walakinna Allaha yafAAalu ma yureedu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تلك» مبتدأ «الرسل» نعت أو عطف بيان والخبر «فضلنا بعضهم على بعض» بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره «منهم من كلّم الله» كموسى «ورفع بعضهم» أي محمد صلى الله عليه وسلم «درجات» على غيره بعموم الدعوة وختم النبوة وتفضيل أمته على سائر الأمم والمعجزات المتكاثرة والخصائص العديدة «وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه» قويناه «بروح القدس» جبريل يسير معه حيث سار «ولو شاء الله» هدى الناس جميعا «ما اقتتل الذين من بعدهم» بعد الرسل أي أممهم «من بعد ما جاءتهم البينات» لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضا «ولكن اختلفوا» لمشيئته ذلك «فمنهم من آمن» ثبت على إيمانه «ومنهم من كفر» كالنصارى بعد المسيح «ولو شاء الله ما اقتتلوا» تأكيد «ولكن الله يفعل ما يريد» من توفيق من شاء وخذلان من شاء.

253

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: {تِلْكَ } ابتداء، وإنما قال: {تِلْكَ } ولم يقل أولئك الرسل، لأنه ذهب إلى الجماعة، كأنه قيل: تلك الجماعة الرسل بالرفع، لأنه صفة لتلك وخبر الابتداء {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }. المسألة الثانية: في قوله: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ } أقوال أحدها: أن المراد منه: من تقدم ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام في القرآن، كإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وغيرهم صلوات الله عليهم والثاني: أن المراد منه من تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل وداود وطالوت على قول من يجعله نبياً والثالث: وهو قول الأصم: تلك الرسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد، الذين إليهم الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } تفسير : [البقرة: 251]. المسألة الثالثة: وجه تعليق هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو أنه تعالى أنبأ محمداً صلى الله عليه وسلم من أخبار المتقدمين مع قومهم، كسؤال قوم موسى {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } تفسير : [النساء: 153] وقولهم: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَة } تفسير : [الأعراف: 138] وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا منه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله فكذبوه وراموا قتله، ثم أقام فريق على الكفر به وهم اليهود، وفريق زعموا أنهم أولياؤه وادعت على اليهود من قتله وصلبه ما كذبهم الله تعالى فيه كالملأ من بني إسرائيل حسدوا طالوت ودفعوا ملكه بعد المسألة، وكذلك ما جرى من أمر النهر، فعزى الله رسوله عما رأى من قومه من التكذيب والحسد، فقال: هؤلاء الرسل الذين كلم الله تعالى بعضهم، ورفع الباقين درجات وأيد عيسى بروح القدس، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك، فلو شاء الله لم تختلفوا أنتم وأولئك، ولكن ما قضى الله فهو كائن، وما قدره فهو واقع وبالجملة فالمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على إيذاء قومه له. المسألة الرابعة: أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل، ويدل عليه وجوه أحدها: قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين. الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك. الحجة الثالثة: أنه تعالى قرن طاعته بطاعته، فقال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80] وبيعته ببيعته فقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [الفتح: 10] وعزته بعزته فقال: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ } تفسير : [المنافقون: 8] ورضاه برضاه فقال: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62] وإجابته بإجابته فقال: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } تفسير : [الأنفال: 24]. الحجة الرابعة: أن الله تعالى أمر محمداً بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } تفسير : [البقرة: 23] وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية، وكذا آية، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزاً واحداً بل يكون ألفي معجزة وأزيد. وإذا ثبت هذا فنقول: إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات، فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى. الحجة الخامسة: أن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء. بيان الأول قوله عليه السلام: «حديث : القرآن في الكلام كآدم في الموجودات». تفسير : بيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك. الحجة السادسة: أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى آخر الدهر، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية. الحجة السابعة: أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال: {أية : أُوْلَـ#1648;ئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] فأمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن قبله، فإما أن يقال: إنه كان مأموراً بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد، أو في فروع الدين وهو غير جائز، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق، فكأنه سبحانه قال: إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتدياً بهم في كلها، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقاً فيهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. الحجة الثامنة: أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر، فوجب أن يكون أفضل، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } تفسير : [سبأ: 28] وأما أن ذلك يقتضي أن تكون مشتقه أكثر فلأنه كان إنساناً فرداً من غير مال ولا أعوان وأنصار، فإذا قال لجميع العالمين: يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له، وحينئذٍ يصير خائفاً من الكل، فكانت المشقة عظيمة، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحداً إلا من فرعون وقومه، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له، يبين ذلك أن إنساناً لو قيل له: هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيداً وبلغ إليه خبراً يوحشه ويؤذيه، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك، مع أنه إنسان واحد، ولو قيل له: اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنس ولا صديق، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان، أما النبـي صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأموراً بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ، بل سارع إليها سامعاً مطيعاً، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق، ولهذا قال تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ } تفسير : [الحديد: 10] ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول، وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره لقوله عليه السلام: «حديث : أفضل العبادات أحمزها». تفسير : الحجة التاسعة: أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان، فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ناسخاً لسائر الأديان، والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام: «حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» تفسير : فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثواباً، كان واضعه أكثر ثواباً من واضعي سائر الأديان، فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء. الحجة العاشرة: أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم، فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء، بيان الأول قوله تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 110] بيان الثاني أن هذه الأمة إنما نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 31] وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع، وأيضاً أن محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر ثواباً لأنه مبعوث إلى الجن والإنس، فوجب أن يكون ثوابه أكثر، لأن لكثرة المستجيبين أثراً في علو شأن المتبوع. الحجة الحادية عشر: أنه عليه السلام خاتم الرسل، فوجب أن يكون أفضل، لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول. الحجة الثانية عشرة: أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها: كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف، وهي بالجملة على أقسام، منها ما يتعلق بالقدرة، كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وإروائهم من الماء القليل، ومنها ما يتعلق بالعلوم كالإخبار عن الغيوب، وفصاحة القرآن، ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل، نحو كونه أشرف نسباً من أشراف العرب، وأيضاً كان في غاية الشجاعة، كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه لعمرو بن ود: حديث : كيف وجدت نفسك يا علي، قال: وجدتها لو كان كل أهل المدينة في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال: تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلكتفسير : ، الحديث إلى آخره وهو مشهور، ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته وسخائه، وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه الأبواب. الحجة الثالثة عشرة: قوله عليه السلام: «حديث : آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيام» تفسير : وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده، وقال عليه السلام: «حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر» تفسير : وقال عليه السلام: «حديث : لا يدخل الجنة أحد من النبيين حتى أدخلها أنا، ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخلها أمتي» تفسير : وروى أنس قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربـي ولا فخر» تفسير : وعن ابن عباس قال: جلس ناس من الصحابة يتذاكرون فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثهم فقال بعضهم: عجباً إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: حديث : قد سمعت كلامكم وحجتكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجى الله وهو كذلك، وعيسى روح الله وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر.تفسير : الحجة الرابعة عشرة: روى البيهقي في «فضائل الصحابة» أنه ظهر علي بن أبـي طالب من بعيد فقال عليه السلام: حديث : هذا سيد العربتفسير : فقالت عائشة: ألست أنت سيد العرب؟ حديث : فقال أنا أسيد العالمين وهو سيد العربتفسير : ، وهذا يدل على أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام. الحجة الخامسة عشرة: روى مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر، بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبـي قبلي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئاً» تفسير : وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل على غيره. الحجة السادسةَ عشرةَ: قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى: إن كل أمير فإنه تكون مؤنته على قدر رعيته، فالأمير الذي تكون أمارته على قرية تكون مؤنته بقدر تلك القرية، ومن ملك الشرق والغرب احتاج إلى أموال وذخائر أكثر من أموال أمير تلك القرية فكذلك كل رسول بعث إلى قومه فأعطي من كنوز التوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما حمل من الرسالة، فالمرسل إلى قومه في طرف مخصوص من الأرض إنما يعطي من هذه الكنوز الروحانية بقدر ذلك الموضع، والمرسل إلى كل أهل الشرق والغرب إنسهم وجنهم لا بد وأن يعطي من المعرفة بقدر ما يمكنه أن يقوم بسعيه بأمور أهل الشرق والغرب، وإذا كان كذلك كانت نسبة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى نبوة سائر الأنبياء كنسبة كل المشارق والمغارب إلى ملك بعض البلاد المخصوصة، ولما كان كذلك لا جرم أعطي من كنوز الحكمة والعلم ما لم يعط أحد قبله، فلا جرم بلغ في العلم إلى الحد الذي لم يبلغه أحد من البشر قال تعالى في حقه: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 10] وفي الفصاحة إلى أن قال: «حديث : أوتيت جوامع الكلم»تفسير : وصار كتابه مهيمناً على الكتب وصارت أمته خير الأمم. الحجة السابعةَ عشرةَ: روى محمد بن الحكيم الترمذي رحمه الله في كتاب «النوادر»: عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وموسى نجياً، واتخذني حبيباً، ثم قال وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبـي على خليلي ونجيـي». تفسير : الحجة الثامنة عشرة: في «الصحيحين» عن همام بن منبه عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بناؤك؟ فقال محمد: كنت أنا تلك اللبنة». تفسير : الحجة التاسعة عشرة: أن الله تعالى كلما نادى نبياً في القرآن ناداه باسمه {أية : وَيَــٰئَادَمُ ٱسْكُنْ } تفسير : [البقرة: 35]، {أية : وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يٰإِبْرٰهِيمُ } تفسير : [الصافات: 104]، {أية : يا مُوسَىٰ * إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ } تفسير : [طهۤ: 10، 11] وأما النبـي عليه السلام فإنه ناداه بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ }، {يٰأَيُّها ٱلرَّسُولَ } وذلك يفيد الفضل. واحتج المخالف بوجوه الأول: أن معجزات الأنبياء كانت أعظم من معجزاته، فإن آدم عليه السلام كان مسجوداً للملائكة، وما كان محمد عليه السلام كذلك، وإن إبراهيم عليه السلام ألقي في النيران العظيمة فانقلبت روحاً وريحاناً عليه، وأن موسى عليه السلام أوتي تلك المعجزات العظيمة، ومحمد ما كان له مثلها، وداود لان له الحديد في يده، وسليمان كان الجن والإنس والطير والوحش والرياح مسخرين له، وما كان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، وعيسى أنطقه الله في الطفولية وأقدره على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما كان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم. الحجة الثانية: أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلاً، فقال: {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً } تفسير : [النساء: 125] وقال في موسى عليه السلام {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } تفسير : [النساء: 164] وقال في عيسى عليه السلام: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } تفسير : [التحريم: 12] وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام. الحجة الثالثة: قوله عليه السلام: «حديث : لا تفضلوني على يونس بن متى» تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تخيروا بين الأنبياء». تفسير : الحجة الرابعة: روي عن ابن عباس قال: كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا نوحاً بطول عبادته، وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم الله تعالى إياه، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا رسول الله أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء، فدخل رسول الله فقال: حديث : فيم أنتم؟ تفسير : فذكرنا له فقال: «حديث : لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيـى بن زكريا»تفسير : وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها. والجواب: أن كون آدم عليه السلام مسجوداً للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من محمد عليه السلام، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة» تفسير : وقال: «حديث : كنت نبياً وآدم بين الماء والطين»تفسير : ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وهذا أعظم من السجود، وأيضاً أنه تعالى صلى بنفسه على محمد، وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة عليه، وذلك أفضل من سجود الملائكة، ويدل عليه وجوه الأول: أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديباً، وأمرهم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تقريباً والثاني: أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة الثالث: أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة، وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين والرابع: أن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم. فإن قيل: إنه تعالى خص آدم بالعلم، فقال: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } تفسير : [البقرة: 31] وأما محمد عليه السلام فقال في حقه: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } تفسير : [الشورى: 52] وقال: {أية : وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ } تفسير : [الضحى: 7] وأيضاً فمعلم آدم هو الله تعالى، قال: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَاء } ومعلم محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } تفسير : [النجم: 5]. والجواب: أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } تفسير : [النساء: 113] وقال عليه السلام: «حديث : أدبني ربـي فأحسن تأديبـي»تفسير : وقال تعالى:{أية : الرحمٰن علم القرآن}تفسير : [الرحمٰن: 2] وكان عليه السلام يقول: (حديث : أرنا الأشياء كما هي)تفسير : وقال تعالى لمحمد عليه السلام: {أية : وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طهۤ: 114] وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } فذاك بحسب التلقين، وأما التعليم فمن الله تعالى، كما أنه تعالى قال: {أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [السجدة: 11] ثم قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42]. فإن قيل: قال نوح عليه السلام {أية : وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 114] وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } تفسير : [الأنعام: 52] وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن. قلنا: إنه تعالى قال: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تفسير : [نوح: 1] فكان أول أمره العذاب، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107]، {أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم}تفسير : [التوبة: 128] إلى قوله: {رَءوفٌ رَّحِيمٌ } فكان عاقبة نوح أن قال: {أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26] وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } تفسير : [الإسراء: 79] وأما سائر المعجزات فقد ذكر في «كتب دلائل النبوة» في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه، والله أعلم. وأما قوله تعالى: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المراد منه من كلمه الله تعالى، والهاء تحذف كثيراً كقوله تعالى: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ } تفسير : [الزخرف:71]. المسألة الثانية: قرىء {كلـم الله } بالنصب، والقراءة الأولى أدل على الفضل، لأن كل مؤمن فإنه يكلم الله على ما قال عليه السلام: «حديث : المصلي مناج ربه»تفسير : إنما الشرف في أن يكلمه الله تعالى، وقرأ اليماني: {كالــم الله} من المكالمة، ويدل عليه قولهم: كليم الله بمعنى مكالمه. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن من كلمه الله فالمسموع هو الكلام القديم الأزلي، الذي ليس بحرف ولا صوت أم غيره؟ فقال الأشعري وأتباعه: المسموع هو ذلك فإنه لما لم يمتنع رؤية ما ليس بمكيف، فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف، وقال الماتريدي: سماع ذلك الكلام محال، وإنما المسموع هو الحرف والصوت. المسألة الرابعة: اتفقوا على أن موسى عليه السلام مراد بقوله تعالى: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } قالوا وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون وهم الذين أرادهم الله بقوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً } تفسير : [الأعراف: 155] وهل سمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؟ اختلفوا فيه منهم من قال: نعم بدليل قوله: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 10]. فإن قيل: إن قوله تعالى: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } المقصود منه بيان غاية منقبة أولئك الأنبياء الذين كلم الله تعالى، ولهذا السبب لما بالغ في تعظيم موسى عليه السلام، قال: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } ثم جاء في القرآن مكالمة بين الله وبين إبليس، حيث قال: {أية : فَأَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} تفسير : [صۤ: 79 ـ 81] إلى آخر هذه الآيات وظاهر هذه الآيات يدل على مكالمة كثيرة بين الله وبين إبليس فإن كان ذلك يوجب غاية الشرف فكيف حصل لإبليس الذم وإن لم يوجب شرفاً فكيف ذكره في معرض التشريف لموسى عليه السلام حيث قال: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً }؟. والجواب: أن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى قال تلك الجوابات معه من غير واسطة فلعل الواسطة كانت موجودة. أما قوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ } ففيه قولان الأول: أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل متفاوتة، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يؤت أحداً مثله هذه الفضيلة، وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح، ولم يكن هذا حاصلاً لأبيه داود عليه السلام، ومحمد عليه السلام مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع، وهذا إن حملنا الدرجات على المناصب والمراتب، أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضاً وجه، لأن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه فمعجزات موسى عليه السلام، وهي قلب العصا حية، واليد البيضاء، وفلق البحر، كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه وهو السحر، ومعجزات عيسى عليه السلام وهي إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، كانت كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه، وهو الطب، ومعجزة محمد عليه السلام، وهي القرآن كانت من جنس البلاغة والفصاحة والخطب والأشعار، وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة، وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القوة، وفيه وجه ثالث، وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات ما يتعلق بالدنيا، وهو كثرة الأمة والصحابة وقوة الدولة، فإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان مستجمعاً للكل فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى وأقوى وقومه أكثر ودولته أعظم وأوفر. القول الثاني: أن المراد بهذه الآية محمد عليه السلام، لأنه هو المفضل على الكل، وإنما قال: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ } على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلاً عظيماً فيقال له: من فعل هذا فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم من التصريح به، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس، فذكر زهيراً والنابغة، ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي لم يبق فيه فخامة. فإن قيل: المفهوم من قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ } هو المفهوم من قوله: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } فما الفائدة في التكرير؟ وأيضاً قوله: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } كلام كلي، وقوله بعد ذلك: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } شروع في تفصيل تلك الجملة، وقوله بعد ذلك: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ } إعادة لذلك الكلي، ومعلوم أن إعادة الكلام بعد الشروع في تفصيل جزئياته يكون مستدركاً. والجواب: أن قوله: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض، فأما أن يدل على أن ذلك التفضيل حصل بدرجات كثيرة أو بدرجات قليلة فليس فيه دلالة عليه فكان قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ } فيه فائدة زائدة فلم يكن تكريراً. أما قوله تعالى: {وءَاتينا عيسى ابن مريم البينات} ففيه سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى قال في أول الآية: {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ } ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال: {وآتينا عيسى بن مريم البينـات } فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى؟. والجواب: أن قوله: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } أهيب وأكثر وقعاً من أن يقال منهم من كلمنا، ولذلك قال: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة. وأما قوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات } فإنما اختار لفظ المخاطبة، لأن الضمير في قوله: {وَءاتَيْنَا } ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء. السؤال الثاني: لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما؟. والجواب: سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضاً فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما، كأنه قيل: هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما، بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا. السؤال الثالث: تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات، يدل أو يوهم أن إيتاء البينات ما حصل في غيره، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلتم: إنما خصهما بالذكر لأن تلك البينات أقوى؟ فنقول: إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة. الجواب: المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة. السؤال الرابع: البينات جمع قلة، وذلك لا يليق بهذا المقام. قلنا: لا نسلم أنه جمع قلة، والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: القدس تثقله أهل الحجاز وتخففه تميم. المسألة الثانية: في تفسيره أقوال الأول: قال الحسن: القدس هو الله تعالى، وروحه جبريل عليه السلام، والإضافة للتشريف، والمعنى أعناه بجبريل عليه السلام في أول أمره وفي وسطه وفي آخره، أما في أول الأمر فلقوله: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } تفسير : [التحريم: 12] وأما في وسطه فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم، وحفظه من الأعداء، وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ } تفسير : [النحل: 102]. والقول الثاني: وهو المنقول عن ابن عباس أن روح القدس هو الاسم الذي كان يحيـي به عيسى عليه السلام الموتى. والقول الثالث: وهو قول أبـي مسلم: أن روح القدس الذي أيد به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه، وأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى. ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعلق هذه بما قبلها هو أن الرسل بعدما جاءتهم البينات، ووضحت لهم الدلائل والبراهين، اختلفت أقوامهم، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا. المسألة الثانية: احتج القائلون بأن كل الحوادث بقضاء الله وقدره بهذه الآية، وقالوا تقدير الآية: ولو شاء الله أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا، والمعنى أن عدم الاقتتال لازم لمشيئة عدم الاقتتال، وعدم اللازم يدل على عدم اللزوم، فحيث وجد الاقتتال علمنا أن مشيئة عدم الاقتتال مفقودة، بل كان الحاصل هو مشيئة الاقتتال، ولا شك أن ذلك الاقتتال معصية، فدل ذلك على أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان بقضاء الله وقدره ومشيئته، وعلى أن قتل الكفار وقتالهم للمؤمنين بإرادة الله تعالى. وأما المعتزلة فقد أجابوا عن الاستدلال، وقالوا: المقصود من الآية بيان أن الكفار إذا قتلوا فليس ذلك بغلبة منهم لله تعالى وهذا المقصود يحصل بأن يقال: إنه تعالى لو شاء لأهلكهم وأبادهم أو يقال: لو شاء لسلب القوى والقدر منهم أو يقال: لو شاء لمنعهم من القتال جبراً وقسراً وإذا كان كذلك فقوله: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ } المراد منه هذه الأنواع من المشيئة، وهذا كما يقال: لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته، ولم تشرب النصارى الخمر، والمراد منه المشيئة التي ذكرناها، وكذا ههنا، ثم أكد القاضي هذه الأجوبة وقال: إذا كانت المشيئة تقع على وجوه وتنتفي على وجوه لم يكن في الظاهر دلالة على الوجه المخصوص، لا سيما وهذه الأنواع من المشيئة متباينة متنافية. والجواب: أن أنواع المشيئة وإن اختلفت وتباينت إلا أنها مشتركة في عموم كونها مشيئة، والمذكور في الآية في معرض الشرط هو المشيئة من حيث إنها مشيئة، لا من حيث إنها مشيئة خاصة، فوجب أن يكون هذا المسمى حاصلاً، وتخصيص المشيئة بمشيئة خاصة، وهي إما مشيئة الهلاك، أو مشيئة سلب القوى والقدر، أو مشيئة القهر والإجبار، تقييد للمطلق وهو غير جائز، وكما أن هذا التخصيص على خلاف ظاهر اللفظ فهو على خلاف الدليل القاطع، وذلك لأن الله تعالى إذا كان عالماً بوقوع الاقتتال، والعلم بوقوع الاقتتال حال عدم وقوع الاقتتال جمع بين النفي والإثبات، وبين السلب والإيجاب، فحال حصول العلم بوجود الاقتتال لو أراد عدم الاقتتال لكان قد أراد الجمع بين النفي والإثبات وذلك محال، فثبت أن ظاهر الآية على ضد قولهم، والبرهان القاطع على ضد قولهم وبالله التوفيق. ثم قال: {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } فقد ذكرنا في أول الآية أن المعنى: ولو شاء لم يختلفوا، وإذا لم يختلفوا لم يقتتلوا، وإذا اختلفوا فلا جرم اقتتلوا، وهذه الآية دالة على أن الفعل لا يقع إلا بعد حصول الداعي، لأنه بين أن الاختلاف يستلزم التقاتل، والمعنى أن اختلافهم في الدين يدعوهم إلى المقاتلة، وذلك يدل على أن المقاتلة لا تقع إلا لهذا الداعي، وعلى أنه متى حصل هذا الداعي وقعت المقاتلة، فمن هذا الوجه يدل على أن الفعل ممتنع الوقوع عند عدم الداعي، وواجب عند حصول الداعي، ومتى ثبت ذلك ظهر أن الكل بقضاء الله وقدره، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله في العبد دفعاً للتسلسل، فكانت الآية دالة أيضاً من هذا الوجه على صحة مذهبنا. ثم قال: {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ } فإن قيل: فما الفائدة في التكرير؟. قلنا: قال الواحدي رحمه الله تعالى: إنما كرره تأكيداً للكلام وتكذيباً لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى. ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله واحتج الأصحاب بهذه الآية على أنه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين، وقالوا: لأن الخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن، ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو الله تعالى، وأيضاً لما دل على أنه يفعل كل ما يريد فلو كان يريد الإيمان من الكفار لفعل فيهم الإيمان، ولكانوا مؤمنين، ولما لم يكن كذلك دل على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم، فكانت هذه الآية دالة على مسألة خلق الأعمال، وعلى مسألة إرادة الكائنات والمعتزلة يقيدون المطلق ويقولون: المراد يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه، وهذا ضعيف لوجوه أحدها: أنه تقييد للمطلق والثاني: أنه على هذا التقييد تصير الآية بياناً للواضحات فإنه يصير معنى الآية أنه يفعل ما يفعله الثالث: أن كل أحد كذلك فلا يكون في وصف الله تعالى بذلك دليلاً على كمال قدرته وعلو مرتبته، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالىٰ: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} قال: «تلك» ولم يقل: ذلك مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة، وهي رفع بالابتداء. و «الرُّسُلُ» نعته، وخبر الابتداء الجملة. وقيل: الرسل عطف بيان، و {فَضَّلْنَا} الخبر. وهذه آية مشكلة والأحاديث ثابتة بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تخيِّروا بين الأنبياء»تفسير : و «حديث : لا تفضِّلوا بين أنبياء الله»تفسير : رواها الأئمّة الثقات، أي لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان. يُقال: خيّر فلان بين فلان وفلان، وفضّل (مشدداً) إذا قال ذلك: وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى؛ فقال قوم: إن هذا كان قبل أن يُوحى إليه بالتفضيل، وقبل أن يعلم أنه سيِّد ولد آدم، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل. وقال ابن قتيبة: إنما أراد بقوله: «حديث : أنا سيد ولد آدم»تفسير : يوم القيامة؛ لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض، وأراد بقوله: «حديث : لا تخيِّروني على موسى»تفسير : على طريق التواضع؛ كما قال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم. وكذلك معنى قوله: «حديث : لا يقل أحد أنا خير من يونس بن مَتّىٰ»تفسير : على معنى التواضع. وفي قوله تعالىٰ: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} تفسير : [القلم: 48] ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه؛ لأن الله تعالىٰ يقول: ولا تكن مثله؛ فدلّ على أن قوله: «لا تفضِّلوني عليه» من طريق التواضع. ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أفضل عملاً منِّي، ولا في البَلْوى والامتحان فإنه أعظم محنة منِّي. وليس ما أعطاه الله لنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم من السُّودَد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله إياه واختصاصه له، وهذا التأويل اختاره المهلّب. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك، لأن الخوض في ذلك ذرِيعة إلى الجدال وذلك يؤدّي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويَقِلّ احترامهم عند المُماراة. قال شيخنا: فلا يُقال: النبيّ أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خَيْرٌ، كما هو ظاهر النهي لما يتوهم من النقص في المفضول؛ لأن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى؛ فإن الله تعالىٰ أخبر بأن الرسُل متفاضلون، فلا تقول: نبينا خير من الأنبياء ولا من فلان النبيّ اجتناباً لما نُهي عنه وتأدّباً به وعملاً بٱعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل، والله بحقائق الأُمور عليم. قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوّة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوّة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأُمور أُخَر زائدةٍ عليها؛ ولذلك منهم رُسُل وأولوا عَزْم، ومنهم مَن أُتّخِذ خليلاً، ومنهم مَن كلّم الله ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالىٰ: {أية : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تفسير : [الإسراء: 55] وقال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}. قلت: وهذا قول حسن، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما مُنِح من الفضائل وأعطَي من الوسائل، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمّداً على الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا: بِم يٱبن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالىٰ قال: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 29]. وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 1، 2]. قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال قال الله تعالىٰ: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} تفسير : [إبراهيم: 4] وقال الله عزّ وجلّ لمحمّد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28] فأرسله إلى الجن والإنس «ذكره أبو محمد الدارميّ في مسنده». وقال أبو هريرة: خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسىٰ ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهم أولو العزم من الرسل، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أُرسل أفضل ممن لم يُرسل، فإنّ من أُرسل فُضِّل على غيره بالرسالة واستووا في النبوّة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أُممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء فيه، إلاَّ أن ابن عطية أبا محمد عبد الحق قال: إن القرآن يقتضي التفضيل، وذلك في الجملة دون تعيين أحد مفضول، وكذلك هي الأحاديث؛ ولذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أكرم ولد آدم على ربي»تفسير : وقال: «حديث : أنا سيد ولد آدم»تفسير : ولم يعيِّن، وقال عليه السَّلام: «حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن مَتّى»تفسير : وقال: «حديث : لا تفضِّلوني على موسى»تفسير : . وقال ابن عطية: وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول؛ لأن يونس عليه السَّلام كان شاباً وتفَسّخ تحت أعْبَاء النبوّة. فإذا كان التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى. قلت: ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالىٰ؛ فإن الله تعالىٰ لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يُبيِّن بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فُضِّلوا بها فقال: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} وقال: {أية : وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تفسير : [الإسراء: 55] وقال تعالىٰ: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} تفسير : [المائدة: 46]، {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الأنبياء: 48] وقال تعالىٰ: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} تفسير : [النمل: 15] وقال: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ}تفسير : [الأحزاب: 7] فعمّ ثم خصّ وبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ظاهر. قلت: وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالىٰ، اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم، وحسبك بقوله الحق: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} تفسير : [الفتح: 29] إلى آخر السورة. وقال: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}تفسير : [الفتح: 26] ثم قال: {أية : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} تفسير : [الحديد: 10] وقال: {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} تفسير : [الفتح: 18] فعمّ وخص، ونفي عنهم الشين والنقص، رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين. قوله تعالىٰ: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} المكلَّم موسى عليه السَّلام، وقد حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبيّ مرسل هو؟ فقال: «نعم نبيّ مكلَّم»تفسير : . قال ابن عطية: وقد تأوّل بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى. وحذفت الهاء لطول الاسم، والمعنى من كلمه الله. قوله تعالىٰ: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} قال النحاس: بعضهم هنا على قول ابن عباس والشعبيّ ومجاهد محمد صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ونصرت بالرعب مسِيرة شهر وأحلت لي الغنائم وأُعطيت الشفاعة»تفسير : . ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وإطعامه الطعام خلقاً عظيماً من تُمَيْرات ودُرُور شاة أمّ مَعْبَد بعد جَفَاف. وقال ابن عطية معناه، وزاد: وهو أعظم الناس أُمّةً وخُتم به النبيون إلى غير ذلك من الخُلُق العظيم الذي أعطاه الله. ويحتمل اللفظ أن يُراد به محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ممن عظمت آياته، ويكون الكلام تأكيداً. ويحتمل أن يريد به رفع أدريس المكان العَليَّ، ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث الإسراء، وسيأتي. وبيِّنات عيسى هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين كما نص عليه في التنزيل. {وَأَيَّدْنَاهُ} قوّيناه. {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} جبريل عليه السَّلام، وقد تقدّم. قوله تعالىٰ: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم} أي من بعد الرسل. قيل: الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع. وقيل: من بعد جميع الرسل، وهو ظاهر اللفظ. وقيل: إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا بعدهم وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبيّ، وهذا كما تقول: اشتريت خيلاً ثم بعتها، فجاز لك هذه العبارة وأنت إنما أشتريت فرساً وبعته ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبيّ فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغياً وحسداً وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالىٰ، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بِسرّ الحكمة في ذلك الفعل لما يريد. وكسرت النون من «وَلَكِن اخْتَلَفُوا» لالتقاء الساكنين، ويجوز حذفها في غير القرآن، وأنشد سيبويه: شعر : فلستُ بآتيه ولا أستَطِيعُه وَلاَكِ ٱسْقني إن كان ماؤُك ذا فَضْلِ تفسير : {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ} «مَنْ» في موضع رفع بالابتداء والصفة.

البيضاوي

تفسير : {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة، أو المعلومة للرسول صلى الله عليه وسلم، أو جماعة الرسل واللام للاستغراق. {فَضَّلْنَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره. {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } تفضيل له، وهو موسى عليه الصلاة والسلام. وقيل: موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، كلم الله موسى ليلة الحيرة وفي الطور، ومحمداً عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى وبينهما بون بعيد، وقرىء {كَلـمَ ٱللَّه} و «كالم الله» بالنصب، فإنه كلم الله كما أن الله كلمه ولذلك قيل كليم الله بمعنى مكالمه. {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ} بأن فضله على غيره من وجوه متعددة، أو بمراتب متباعدة. وهو محمد صلى الله عليه وسلم فإنه خصه بالدعوة العامة والحجج المتكاثرة والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. والإبهام لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين. وقيل: إبراهيم عليه السلام خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب. وقيل: إدريس عليه السلام لقوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً }تفسير : [مريم: 57] وقيل: أولو العزم من الرسل. {وَآتَيْنَا عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} خصه بالتعيين لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، وجعل معجزاته سبب تفضيله لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ } أي هدى الناس جميعاً. {مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم } من بعد الرسل. {مّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } أي المعجزات الواضحة لاختلافهم في الدين، وتضليل بعضهم بعضاً. {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ } بتوفيقه التزام دين الأنبياء تفضلاً. {وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } لإِعراضه عنه بخذلانه. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ } كرره للتأكيد. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } فيوفق من يشاء فضلاً، ويُخذل من يشاء عدلاً. والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض، ولكن بقاطع لأن اعتبار الظن فيما يتعلق بالعمل وأن الحوادث بيد الله سبحانه وتعالى تابعة لمشيئته خيراً كان أو شراً إيماناً أو كفراً.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}تفسير : [الإسراء: 55]، وقال ههنا {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} يعني موسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم وكذلك آدم؛ كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ} كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل، (فإن قيل): فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين فرفع المسلم يده، فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيث؟ وعلى محمد صلى الله عليه وسلم؟ فجاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء»تفسير : وفي رواية: «حديث : لا تفضلوا بين الأنبياء»تفسير : فالجواب من وجوه (أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر (الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع، (الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. (الرابع): لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. (الخامس): ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله عز وجل، وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به. وقوله: {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} يعني: أن الله أيده بجبريل عليه السلام، ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ} أي: كل ذلك عن قضاء الله وقدره، لهذا قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تِلْكَ } مبتدأ {ٱلرُّسُلُ }صفة والخبر {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره {مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } كموسى {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ } أي محمداً صلى الله عليه وسلم {دَرَجَٰت } على غيره بعموم الدعوة وختم النبوّة وتفضيل أمته على سائر الأمم والمعجزات المتكاثرة والخصائص العديدة {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلبَيِّنَٰتِ وأيَّدْنَٰهُ } قوّيناه {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } جبريل يسير معه حيث سار {وَلَوْ شآءَ ٱللَّهُ } هُدىَ الناس جميعاً {مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم } بعد الرسل أي أممهم {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ } لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضاً {وَلَٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ } لمشيئته ذلك {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ } ثبت على إيمانه {وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } كالنصارى بعد المسيح {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ } تأكيد {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } من توفيق من شاء وخذلان من شاء.

الشوكاني

تفسير : قوله: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ } قيل: هو إشارة إلى جميع الرسل، فتكون الألف واللام للاستغراق، وقيل: هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة، وقيل: إلى الأنبياء الذين بلغ علمهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. والمراد بتفضيل بعضهم على بعض: أن الله سبحانه جعل لبعضهم من مزايا الكمال فوق ما جعله للآخر، فكان الأكثر مزايا فاضلاً، والآخر مفضولاً. وكما دلت هذه الآية على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض كذلك دلت الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } تفسير : [الإسراء: 55]. وقد استشكل جماعة من أهل العلم الجمع بين هذه الآية، وبين ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: «حديث : لا تفضلوني على الأنبياء»تفسير : وفي لفظ آخر «حديث : لا تفضلوا بين الأنبياء»تفسير : وفي لفظ «حديث : لا تخيروا بين الأنبياء»تفسير : فقال قوم: إن هذا القول منه صلى الله عليه وسلم كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وقيل: إنه قال صلى الله عليه وسلم ذلك على سبيل التواضع كما قال: «حديث : لا يقل أحدكم أنا خير من يونس بن متى»تفسير : تواضعاً مع علمه أنه أفضل الأنبياء كما يدل عليه قوله: «حديث : أنا سيد ولد آدم»تفسير : ؛ وقيل: إنما نهى عن ذلك قطعاً للجدال، والخصام في الأنبياء، فيكون مخصوصاً بمثل ذلك لا إذا كان صدور ذلك مأموناً، وقيل: إن النهي إنما هو من جهة النبوة فقط؛ لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها، ولا نهي عن التفاضل بزيادة الخصوصيات، والكرامات. وقيل: إن المراد النهي عن التفضيل لمجرد الأهواء، والعصبية. وفي جميع هذه الأقوال ضعف. وعندي أنه لا تعارض بين القرآن، والسنة، فإن القرآن دلّ على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية فيه، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل اتباع نبيّ من الأنبياء بعض مزاياه، وخصوصياته فضلاً عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلاً، وهذا مفضولاً، لا قبل العلم ببعضها، أو بأكثرها، أو بأقلها، فإن ذلك تفضيل بالجهل، وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له، وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك؟ وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن، والسنة بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه، فمن تعرّض للجمع بينهما زاعماً أنهما متعارضان، فقد غلط غلطاً بيناً. قوله: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } وهو موسى، ونبينا سلام الله عليهما. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آدم: «حديث : إنه نبيّ مكلم»تفسير : . وقد ثبت ما يفيد ذلك في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر. قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ } هذا البعض يحتمل أن يراد به من عظمت منزلته عند الله سبحانه من الأنبياء، ويحتمل أن يراد به نبينا صلى الله عليه وسلم لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله، ويحتمل أن يراد به إدريس؛ لأن الله سبحانه أخبرنا بأنه رفعه مكاناً علياً، وقيل: إنهم أولوا العزم، وقيل: إبراهيم، ولا يخفاك أن الله سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع، فلا يجوز لنا التعرّض للبيان له إلا ببرهان من الله سبحانه، أو من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ولم يرد ما يرشد إلى ذلك، فالتعرّض لبيانه هو من تفسير القرآن الكريم بمحض الرأي، وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ذريعة إلى التفضيل بين الأنبياء، وقد نهينا عنه، وقد جزم كثير من أئمة التفسير أنه نبينا، وأطالوا في ذلك، واستدلوا بما خصه الله به من المعجزات، ومزايا الكمال، وخصال الفضل، وهم بهذا الجزم بدليل لا يدل على المطلوب، قد وقعوا في خطرين، وارتكبوا نهيين، وهما: تفسير القرآن بالرأي، والدخول في ذرائع التفضيل بين الأنبياء، وإن لم يكن ذلك تفضيلاً صريحاً، فهو ذريعة إليه بلا شك، ولا شبهة؛ لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع درجات هو النبيّ الفلاني، انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهيّ عنه، وقد أغني الله نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من الفضائل، والفواضل، فإياك أن تتقرّب إليه صلى الله عليه وسلم بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها، فتعصيه، وتسيء، وأنت تظن أنك مطيع محسن. قوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} أي: الآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة من إحياء الأموات، وإبراء المرضى، وغير ذلك. قوله: {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } هو: جبريل، وقد تقدّم الكلام على هذا. قوله: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم } أي: من بعد الرسل، وقيل: من بعد موسى، وعيسى، ومحمد؛ لأن الثاني مذكور صريحاً، والأول، والثالث وقعت الإشارة إليهما بقوله: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } أي: لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا، فمفعول المشيئة محذوف على القاعدة {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ } استثناء من الجملة الشرطية، أي: ولكن الاقتتال ناشيء عن اختلافهم اختلافاً عظيماً حتى صاروا مللاً مختلفة {مِنْهُمْ مّنْ آمن وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ}عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف {مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } لا رادّ لحكمه، ولا مبدّل لقضائه، فهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } قال: اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكلم موسى تكليماً، وجعل عيسى كمثل آدم {أية : خلقه من تراب، ثم قال له كن، فيكون}تفسير : [آل عمران: 59] وهو عبد الله، وكلمته وروحه، وآتى داود زبوراً، وآتى سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه، وما تأخر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن مجاهد في قوله: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ } قال: كلم الله موسى، وأرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عامر الشعبي في قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ } قال: محمداً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم } يقول: من بعد موسى، وعيسى. وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية إذ أقبل عليّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية: «حديث : أتحب علياً؟ تفسير : قال: نعم قال: حديث : إنها ستكون بينكم فتنة هنيهة، تفسير : قال معاوية: فما بعد ذلك يا رسول الله؟ قال: حديث : عفو الله ورضوانه، تفسير : قال: رضينا بقضاء الله، فعند ذلك نزلت هذه الآية: {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }» قال السيوطي: وسنده واهٍ.

الماوردي

تفسير : {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} فيه وجهان: أحدهما: في الآخرة، لتفاضلهم في الأعمال، وتحمل الأثقال. والثاني: في الدنيا بأن جعل بعضهم خليلاً، وبعضهم كليماً، وبعضهم مَلِكاً، وسَخَّر لبعضهم الريح والشياطين، وأحيا ببعضهم الموتى، وأبرأ الأكمه، والأبرص. ويحتمل وجهاً ثالثاً: بالشرائع، فمنهم من شرع، ومنهم من لم يشرع. {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} فيه وجهان: أحدهما: أن أوحى إلى بعضهم في منامه، وأرسل إلى بعضهم الملائكة في يقظته. والثاني: أن بعث بعضهم إلى قومه، وبعث بعضهم إلى كافة الناس. {وَءَاتَينَا عيسَى ابْنَ مَرْيَم الْبَيِّنَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: الحُجَجُ الواضحة، والبراهين القاهرة. والثاني: أن خلقه من ذكر. {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} فيه وجهان: أحدهما: بجبريل. والثاني: بأن نفخ فيه من رُوحه. {وَلَو شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} فيه وجهان: أحدهما: ولو شاء الله ما أمر بالقتال بعد وضوح الحجة. والثاني: ولو شاء الله لاضطرهم إلى الإيمان، ولما حصل فهيم خيار.

ابن عطية

تفسير : {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} {تلك} رفع بالابتداء، و {الرسل} خبره، ويجوز أن يكون {الرسل} عطف بيان و {فضلنا} الخبر، و {تلك} إشارة إلى جماعة مؤنثة اللفظ، ونص الله في هذه الآية على تفضيل بعض الأنبياء على بعض وذلك في الجملة دون تعيين مفضول. وهكذا هي الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإنه قال: "حديث : أنا سيد ولد آدم"تفسير : ، وقال: "حديث : لا تفضلوني على موسى"تفسير : ، وقال: "حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى"تفسير : ، وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول، لأن يونس عليه السلام كان شاباً وتفسخ تحت أعباء النبوءة، فإذا كان هذا التوقف فيه لمحمد وإبراهيم ونوح فغيره أحرى، فربط الباب أن التفضيل فيهم على غير تعيين المفضول، وقد قال أبو هريرة: خير ولد آدم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وهم أولو العزم والمكلم موسى صلى الله عليه وسلم. وقدحديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال نعم نبي مكلمتفسير : ، وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصة موسى، وقول تعالى: {ورفع بعضهم درجات} قال مجاهد وغيره: هي إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه بعث إلى الناس كافة وأعطي الخمس التي لم يعطها أحد قبله، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله، ومن معجزاته وباهر آياته، ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد وغيره ممن عظمت آياته ويكون الكلام تأكيداً للأول، ويحتمل أن يريد رفع إدريس المكان العليّ ومراتب الأنبياء في السماء فتكون الدرجات في المسافة ويبقى التفضيل مذكوراً في صدر الآية فقط، وبينات عيسى عليه السلام هي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وخلق الطير من الطين، و"روح القدس" جبريل عليه السلام، وقد تقدم ما قال العلماء فيه. قوله عز وجل: {ولَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} ظاهر اللفظ في قولهم: من بعدهم يعطي أنه أراد القوم الذين جاؤوا من بعد جميع الرسل، وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي فلف الكلام لفاً يفهمه السامع، وهذا كما تقول: اشتريت خيلاً، ثم بعتها، فجائزة لك هذه العبارة وأنت اشتريت فرساً ثم بعته، ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغياً وحسداً، وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان. ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك. الفعال لما يريد، فاقتتلوا بأن قتل المؤمنون الكافرين على مر الدهر، وذلك هو دفع الله الناس بعضهم ببعض.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ...}. قال (الزمخشري): الإشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت فقط في السّورة، أو التي (ثبت) علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عرفة: بل الإشارة إلى ما قبله يليه وهي الرسل المفهومة من قوله {أية : وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ }. تفسير : قال ابن عرفة: فهذا التفضيل إما مطلقا / أي بعضهم أفضل من بعض (مطلقا)، أو من وجه دون وجه، فبعضهم أفضل من بعض في شيء والمفضول في ذلك أفضل من الفاضل في شيء آخر، فهل هو كالأعم مطلقا أو كالأعم من وجه دون وجه، والظاهر الأول. وما ورد في الحديث: "حديث : لا تفضلوني على موسى ولا ينبغي لأحد أن يقول: أنا أفضل من يونس بن متى"تفسير : فلا يعارض هذا لأن الآية اقتضت تفضيل بعضهم على بعض من غير تعيين الفاضل من المفضول. قيل له: معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق؟ (فقال): بأن ذلك يعتقده (الإنسان) ولا يقوله بمحضر الكفار لئلا يقعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بتنقيص (فيتركه) سدّا للذريعة، أو يجاب بأنه تواضع من النبي صلى الله عليه وسلم، قاله الغزالي كقوله: "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ". تفسير : وأجاب القاضي عياض في الإكمال عن معارضة حديث نوح لحديث "حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى"تفسير : وحديث "حديث : لا تفضلوا بين الأنبياء"تفسير : مع حديث "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ". تفسير : أحدها أن يكون قبل إعلام الله له أنه أفضل ولد آدم أو يكون على طريق الأدب والتواضع، أو المراد: لا تفضّلوا بينهم في النبوة وإنّما تفضيلهم بخصائص خص الله بها بعضهم كما قال {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} الآية. قيل لابن عرفة: (إنّ) ابن عطية أخطأ في قوله هنا لأن يونس عليه السلام كان شابا وتشيخ تحت أعباء النبوة؟ فقال: لا شيء في مثل هذا. قال ابن عرفة: وكون بعض الرسل أوتي ما لم يؤته النبي صلى الله عليه وسلم (لا ينافي كون النبي صلى الله عليه وسلم) أفضل الخلق لأن المفضول قد يختص بفضيلة هي ليست في الفاضل كما قالوا: إن (أفضل) الصحابة أبو بكر مع أن لبعضهم من الخصوصيات ما ليست في أبي بكر، وكذلك كون عيسى (اختص) بإحياء الموتى وموسى بالكلام لا ينافي كون النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منهم، وكذلك قوله في سورة النجم {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}،تفسير : وتكليم الله للرسل ليس بمعجزة، وكذلك رفع الدرجات مشترك بينهم، فلذلك لم يسنده إلى معين (ولما كان إيتاء البينات والتأييد خاصا بروح القدس أسنده إلى عيسى. والكلام هنا المراد به) كلام الرحمة. فإن قلت: وكل رسول أيّد بروح القدس وهو جبريل؟ قلت: عيسى اختص من ذلك بقدر زائد من صغره إلى كبره لتكونه من نفخ جبريل عليه السلام في فرج مريم وتكلّمه في المهد. قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ...}. قال الزمخشري: مشيئته قَصْدٌ وَإلجاءٌ لأنّ العبد عنده يستقل بفعله وفعله بإرادته فيقول: إنّه لا تتعلق إرادة الله تعالى بذلك الفعل. قال ابن عرفة: وفي هذه الآية عندي حجة لمن يقول: إنّ العدم الإضافي تتعلق به القدرة لأن المعنى: ولو شاء الله عدم اقتتالهم. فقيل له: فرق بين الإرادة والقدرة؟ فقال: قد تقدم الخلاف في الإرادة هل هي مؤثرة أو لا؟ والصحيح أنه اختلاف لفظي (وأنَّه) خلاف في حال. فإن كان المقصود بها الإبراز من العدم إلى الوجود فليست مؤثرة، إن أريد به كون الشيء على صفة مخصوصة فهي مؤثرة، وإذا كانت مؤثرة فيه كالقدرة وقد تعلقت هنا بالعدم. قال (السكاكي): ومفعول (شاء) (لا يحذف) إلا إذا كان (عدما) أو أريد به العموم. قوله تعالى: {فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ...}. قدم المؤمن لشرفه وإلاّ فالكافر أكثر وأسبق وجودا. وقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} إما تأكيد، أو المراد بالأول جميع الخلق. (والمراد) بهذا المؤمنون. قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}. صريح في مذهب أهل السنة وهو ينعكس بنفسه، فكل مراد مفعول لقوله ({وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}. وكل مفعول مراد). ولقوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ} فدل على أنه أراد اقتتالهم إذ لو لم يرده لما وقع. انتهى.

الثعالبي

تفسير : قوله سبحانه: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ...} الآية: «تِلْكَ»: رفْعٌ بِالابتداءِ، والرسُل: خبره، ويجوز أنْ يكُونَ «الرُّسُلُ» عطْفَ بيانٍ، و «فَضَّلْنَا»: الخبَر، و «تِلْكَ»: إِشارة إِلى جماعة، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية علَىٰ تفضيل بعْض النَّبيِّين عَلَىٰ بعضٍ من غير تعْيين. وقوله تعالَىٰ: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ}: قال مجاهد وغيره: هي إِشارة إلى نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بعث إِلى الناس كافَّة، وأعطي الخُمُسَ الَّتي لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قبله، وهو أعْظَمُ النَّاس أمَّةً، وختم اللَّه به النبوَّات إِلى غير ذلك ممَّا أعطاه من الخُلُقِ العظيمِ، ومِنْ معجزاتِهِ، وباهرِ آياته، ويَحْتَمِلُ اللفْظُ أن يراد به نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وغيره ممَّن عظُمَتْ آياته، وبيِّناتُ عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ إِحياءُ الموتَىٰ، وإِبراء الأكْمَه، والأبْرَص، وخَلْق الطَّيْر من الطِّين، ورُوحُ القُدُسِ جبريلُ ـــ عليه السلام ـــ وقد تقدَّم ما قال العلماءُ فيه. وقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم...} الآية: معنى الآيةِ: ولو شاء اللَّه ما ٱقتتلَ النَّاس بعد كُلِّ نبيٍّ، فمنهم مَنْ آمَنَ، ومِنْهُمْ مَنْ كفر بغياً وحَسَداً، وعلى حُطَامِ الدنيا، وذلك كلُّه بقضاء، وقَدَرٍ، وإِرادةٍ من اللَّه سبحانه، ولو شاء اللَّه خلافَ ذلك، لكان، ولكنَّه المستأْثِرُ بسرِّ الحكمة في ذلك، وهو الفَعَّال لما يريد سبحانه. * ص *: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ }، قيل: في الكلام حذْفٌ، أي: فٱختلف أممهم، فٱقتَتَلُوا، ولو شاء اللَّهُ، فمفعولُ «شَاءَ» محذوفٌ، أي: «أَلاَّ يَقْتَتِلُوا» انتهى. وقوله: {مَا ٱقْتَتَلُواْ}، أي: بأنْ قاتل المؤمنُونَ الكافرينَ علَىٰ مَرِّ الدهْر، وذلك هو دفَاعُ اللَّه النَّاسَ بعضَهُم ببعض. قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم...} الآيةَ، قال ابن جُرَيْج: هذه الآيةُ تجمعُ الزكاةَ والتطوُّع، أي: وجميعَ وجوهِ البرِّ من سبيلٍ وصلةِ رحمٍ، وهذا كلامٌ صحيحٌ، لكن ما تقدَّم من الآيات في ذكْر القتَالِ يرجِّح أنَّ هذه النفقةَ في سَبيل اللَّه، ويقوِّي ذلك قولُه: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ }، أي: فكافِحُوهم بالقتَالِ بالأنْفُس، وإِنفاقِ الأموال ممَّا رزقْنَاكم، وهذا غاية الإِنعام والتفضُّل منه سبحانه؛ أنْ رَزَق، ثم نَدَب للنفقةِ ممَّا به أنعم، وحذَّر سبحانه من الإِمساك إِلى أنْ يأتي يَوْم لا يمكنُ فيه بيْعٌ، ولا شراءٌ، ولا ٱستدراكُ نفقةٍ في ذاتِ اللَّه تعالَىٰ، إِذ هي مبايعةٌ إِذ البيعُ فديةٌ؛ لأن المرء قد يشتري نفْسَه، ومرادَهُ بماله؛ فكأن معنى الآية أنْ لا فديةَ يوم القيامة، ولا خُلَّةَ نافعة، وأهل التقوَىٰ في ذلك اليَوْمِ بينهم خُلَّة، ولكنَّه غير محتاج إِلَيْها. * ت *: وفي قوله: «غَيْر مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا» قلقٌ، ولا شفاعة يَومَئِذٍ إِلا لِمَنْ أذن له سبحانه، فالمنفيُّ مثل حال الدُّنيا من البَيْع، والخُلَّة، والشَّفاعة؛ بغير إِذْن المَشْفوع عنده، قال عطاءُ بن دِينَار: الحَمْدُ للَّهِ الَّذي قال: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ }، ولم يقلْ: والظَّالمُونَ هم الكافرون.

ابن عادل

تفسير : قال القرطبيُّ: قال "تِلْكَ"، ولم يقل "ذَلِكَ" مراعاةً لتأنيث لفظ الجماعة، وهي رفع بالابتداء، و "الرُّسُلُ" نعته، وخبر الابتداء الجملة وقيل: "الرسل" عطف بيان، و "فضَّلنا" الخبر. فصل في مناسبة الآية لما قبلها قال أبو مسلمٍ: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، ما ذكر في الآية التي قبلها من تسلية الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وهو أنَّه أخبر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بأخبار الأنبياء المتقدّمين، وأقوال أُممهم لهم، كسؤال قوم موسى: {أية : أَرِنَا ٱللهِ جَهْرَةً}تفسير : [النساء:153]، وقولهم: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ}تفسير : [الأعراف:138]. وكقوم عيسى بعد مشاهدة إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، فكذبوه، وراموا قلته، ثم أقام فريقٌ منهم على الكفر به، وهم اليهود، وزعم فريقٌ منهم أنَّهم أولياؤه، وكالملأ من بني إسرائيل الذين حسدوا طالوت، ودفعوا ملكه بعد المسألة، وكذلك ما جرى من أمر النهر، فذكر ذلك كلَّه تسلية للرَّسول صلى الله عليه وسلم عمّا رأى من قومه من التّكذيب والحسد، فقال: هؤلاء الرُّسل الذين كلَّم الله بعضهم، ورفع الباقين درجات، وأيّد عيسى بروح القدس، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه لك من مشاهدة المعجزات، فلا يحزنك ما ترى من قومك، فلو شاء الله لم يختلف أمم أولئك، ولكن ما قضى الله فهو كائن، وما قدَّره، فهو واقع. فصل في المراد من تلك الرُّسل أقوال: أحدها: أنَّ المراد من تقدم ذكرهم من الأنبياء في القرآن كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وموسى وغيرهم - صلوات الله عليهم -. الثاني: أنَّ المراد من تقدّم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل، وداود، وطالوت على قول من يجعله نبيّاً. الثالث: قال الأصمُّ: المراد منه الرُّسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد، وأشار إليهم بقوله: {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } تفسير : قوله تعالى: {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ}: يجوز أن يكون حالاً من المشار إليه، والعامل معنى الإشارة كما تقدَّم، وقال "تلك" ولم يقل أولئك الرُّسل؛ لأنه ذهب إلى معنى الجماعة كأنه قيل: تلك الجماعة، ويجوز أن يكون مستأنفاً، ويجوز أن يكون خبر "تِلْكَ" على أن يكون "الرُّسل" نعتاً لـ "تِلْكَ"، أو عطف بيان أو بدلاً. فصل في تفاضل الأنبياء أجمعت الأمَّة على أنَّ الأنبياء بعضهم أفضل من بعضٍ، وأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من الكلِّ، ويدلُّ على ذلك وجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء:107] فلما كان رحمة للعالمين، لزم أن يكون أفضل من كلِّ العالمين. الثاني: قوله: {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}تفسير : [الشرح:4] قيل فيه لأنه قَرَنَ ذكره بذكره في الشَّهادتين والأذان، والتّشهد، ولم يكن ذلك لسائر الأنبياء. الثالث: أنه تعالى قرن طاعته بطاعته فقال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللهَ}تفسير : [النساء:80] وبيعته ببيعته فقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللهَ}تفسير : [الفتح:10] وعزته بعزته فقال: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ}تفسير : [المنافقون:8] ورضاه برضاه فقال: {أية : وٱللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة:62]، وإجابته بإجابته فقال: {أية : ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم}تفسير : [الأنفال:24]. الرابع: أنَّ معجزات سائر الأنبياء قد ذهبت، ومن بعض معجزاته - عليه الصَّلاة والسَّلام - القرآن، وهو باقٍ إلى آخر الدَّهر. الخامس: قوله تعالى بعد ذكر الأنبياء: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام:90] فأمر محمداً بالاقتداء بهم، وليس هو الاقتداء في أصول الدين؛ لأن شرعه نسخ سائر الشّرائع، فلم يبق إلا أن يكون الاقتداء في محاسن الأخلاق، فكأنه تعالى قال: إنّي أطلعتك على أحوالهم وسيرهم، فاختر أنت أجودها، وأحسنها. فمقتضى ذلك أنه اجتمع فيه من الخصال ما كان متفرقاً فيهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. السادس: أنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - بعث إلى الخلق كلهم، فوجب أن يكون مشقته أكثر من بعث إلى بعضهم، فإذا كانت مشقته أكثر كان أجره أكثر، فوجب أن يكون أفضل. السابع: أن دين محمَّد أفضل الأديان؛ فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. بيان الأول: أنَّ الله تعالى جعل دينه ناسخاً لسائر الأديان، والنَّاسخ أفضل من المنسوخ، قال تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران:110]. وإنَّما نالت الأمة هذه الفضيلة لمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع. الثامن: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ءَادَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ القِيَامَةِ" تفسير : وذلك يدل على أنه أفضل من آدم، ومن كل أولاده، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَنَّا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ النَّبيِّين حَتَّى أَدْخُلَهَا أَنَا، ولا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنَ الأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتي"تفسير : وروى أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أَنَا أَوَّل النَّاسِ خُرُوجاً إِذَا بُعِثُوا، وَأَنا خَطِيبُهُم إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَّا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أيسُوا، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلى رَبِّي وَلاَ فَخْرَ ". حديث : وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جلس ناسٌ من الصَّحابة يتذاكرون فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثهم فقال بعضهم: عجبأ إنَّ الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه. وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "سَمِعْتُ كَلاَمَكُم، وحُجَّتُكُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللهِ وهُوَ كَذَلِك، ومُوسَى نَجِيُّ الله، وَهُوَ كَذلِكَ، أَلاَ وَأَنَا حَبِيبُ اللهِ، وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الحَمْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ ولا فَخْرَ، وَأَنَا أوّل مَنْ يُحَرِّكُ حَلَقَة الجَنَّة فَيُفْتَحُ لي، فَأَدْخُلها، ومَعِي فُقَرَاءُ المُؤْمِنِينَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ وَلاَ فَخْرَ ". تفسير : التاسع: روى البيهقي في "فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ" - رضي الله عنهم - حديث : أنه ظهر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من بعيد؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "هَذَا سَيِّدُ العَرَبِ" فقالت عائشة رضي الله عنها: ألَسْتَ أَنْتَ سَيِّدَ العَرَبِ؟ فقال: "أَنَا سَيِّدُ العَالَمِينَ وهو سيِّدُ العرب ". تفسير : العاشر: جاء في الصحيحين أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ من الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَلاَ فَخْرَ، بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ، والأَسْوَدِ، وكان النَّبي قبل يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ، وجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِداً وطَهُوراً وَنُصِرْتُ بالرُّعْبِ أَمَامِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ ولَمْ تُحَلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وأُعْطِيتِ الشَّفَاعَةَ، فادَّخَرْتُهَا لأُمَّتِي، فهِيَ نائلة إن شاء الله تعالى مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئاً ". تفسير : الحادي عشر: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إِنَّ الله تعالى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ومُوسَى نَجِيّاً وَاتَّخَذَنِي حَبيباً. قال: وعزَّتي لأوثرنّ حبيبي على خليلي ". تفسير : الثاني عشر: أنَّ الله تعالى كلما نادى نبيّاً في القرآن ناداه باسمه قال: {أية : يَاءَادَمُ ٱسْكُنْ}تفسير : [البقرة:35] {أية : يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ}تفسير : [المائدة:116] {أية : يٰنُوحُ ٱهْبِطْ}تفسير : [هود:48] {أية : يٰدَاوُودُ} تفسير : [ص:26] {أية : وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ}تفسير : [الصافات:104] {أية : يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ}تفسير : [طه:11-12] وأما النبي صلى الله عليه وسلم فناداه بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}تفسير : [الأنفال:64] {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ}تفسير : [المائدة:41] وذلك يفيد التفضيل. قال القرطبي رحمة الله عليه: فإن قيل: قد روى الثِّقات أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ وَلاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ"تفسير : ، فأجاب بعض العلماء عن ذلك، فقال: كان هذا قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وقبل أن يعلم أنه سيّد ولد آدم، وأن القرآن ناسخٌ للمنع من التَّفضيل. وقال قوم: إنَّ المنع من التَّفضيل إنما هو من جهة النُّبوة، التي هي خصلة واحدة، لا تفاضل فيها، وإنَّما التَّفاضل في زيادة الأحوال، والكرامات، والألطاف، والمعجزات المتباينة. وأما النُّبوَّة في نفسها، فلا تفاضل فيها، وإنما التَّفاضل في أمورٍ أخر زائدةٍ عليها؛ ولذلك منهم "أُولُو العَزْمِ"، ومنهم من اتُّخِذَ خَليلاً، ومنهم مَنْ كَلَّم اللهُ، ورفع بعضهم درجات. قال القرطبي: وهذا أحسن الأقوال، فإنَّه جمع بين الآي، والأحاديث من غير نسخ، وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى اشتركوا في الصُّحبة، ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب، والوسائل، مع أنَّ الكلَّ شملتهم الصُّحبة والعدالة. قال ابن الخطيب: فإن قيل إنَّ معجزات سائر الأنبياء، كانت أعظم من معجزاته، فإن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - جعل مسجود الملائكة، وإبراهيم ألقي في النَّار العظيمة؛ فانقلبت برداً وسلاماً عليه، وموسى أوتي تلك المعجزات العظيمة من قلب العصا حية تسعى، وتلقفها ما صنعوا، وإخراج اليد البيضاء من غير سوء، وفلق البحر، وفلق الحجر، ومكالمة ربه، وداود ألان له الحديد، وسخّر الجبال يسبحن معه والطّير، وسخر لسليمان الجن، والإنس، والطير والوحوش والرِّياح، وعيسى أنطقه في المهد، وأقدره على إحياء الموتى، ونفخ فيه من روحه، وجعله يبرئ الأكمه، والأبرص، ولم يكن ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى"تفسير : وقال: "حديث : لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْراً مِنْ يَحْيى بين زَكَرِيَّا"تفسير : ، وذكر أنه لم يعمل سيئة قط. فالجواب: أن كون آدم - عليه الصّلاة والسّلام - مسجوداً للملائكة؛ لا يوجب أَنْ يكون أفضل من محمد - صلى الله عليه وسلم - بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لوَائِي يَوْمَ القِيَامَةِ"تفسير : . وقال: "حديث : كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ والطِّينِ"تفسير : ، وروي أَنَّ جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام - أخذ بركاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج، وهذا أعظم من السُّجُود. وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ}تفسير : [الأحزاب:56] - صلى الله عليه وسلم - فصلّى بنفسه على محمَّد، وأمر الملائكة، والمؤمنين بالصَّلاة عليه، وذلك أفضل من سُجُود الملائكة، وأيضاً، فإِنَّ سُجُودَ الملائكة لآدم كان تأديباً، وأمرهم بالصَّلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم - تقريباً، وأيضاً فالصَّلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم - [دائمة إلى يوم القيامة وسجود الملائكة لآدم عليه السَّلام] لم يكن إلا مرَّةً واحدة، وأيضاً فإِنَّ الملائكة، إِنَّما أمروا بالسُّجود لآدم لأجل أَنَّ نور محمد - صلى الله عليه وسلم - في جبهة آدم. قال القرطبي: وقال ابن قتيبة: إِنَّما أراد بقوله: "حديث : أَنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" تفسير : يوم القيامة؛ لأَنَّه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض، وأراد بقوله: "حديث : لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى يُونسَ بن مَتَّى" تفسير : على طريق التواضع، لأنَّ قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ}تفسير : [القلم:48] يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل منه. فإن قيل: إنه تعالى خصّ آدم بالعلم فقال: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة:31] وقال في حقّ محمد - صلى الله عليه وسلم -: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ}تفسير : [الشورى:52] وأيضاً فمعلم آدم هو الله تعالى ومحمد معلمه جبريل كما قال: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ}تفسير : [النجم:5]. فالجواب: أن الله تعالى قال في علم محمَّد - صلى الله عليه وسلم -: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء:113]، وقال: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن:1-2] وقال: {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}تفسير : [طه:114]، وأما قوله: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ}، فذلك بحسب التلقين والمعلم هو الله كقوله: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}تفسير : [السجدة:11] وقال:{أية : اللهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا}تفسير : [الزمر:42]. فإن قيل: قال نوحٌ - عليه الصَّلاة والسَّلام - {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ}تفسير : [هود:29] وذلك خلق منه. وقيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}تفسير : [الأنعام:52]. فالجواب: قد قيل لنوح: {أية : أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [نوح:1] فكان أوَّل أمره العذاب. وقيل لنبينا - صلى الله عليه وسلم -: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء:107]، وعاقبة نوح أن قال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح:26] وعاقبة النّبي - صلى الله عليه وسلم - الشّفاعة. قال تعالى: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}تفسير : [الإسراء:79] فما أوتي نبي آية إلا أُوتي نبينا مثل تلك الآية، وفضل على غيره بآيات مثل انشِقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع على مفارقته، وتسليم الحجر والشّجر عليه، وكلام البهائم، والشَّهادة برسالته، ونبع المَاءِ من بين أصابعه وغير ذلك من المُعجزات، والآيات الَّتي لا تحصى وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السَّماء والأَرض عن الإتيان بمثله. قوله: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللهُ} هذه الجملة تحتملُ وجهين: أحدهما: أَنْ تكونَ لا مَحَلَّ لها من الإِعرابِ لاستئنافها. والثاني: أنها بدلٌ من جملةِ قوله "فَضَّلْنا". والجمهورُ على رفع الجلالة على أنه فاعلٌ، والمفعولُ محذوفٌ وهو عائدُ الموصولِ أي: مَنْ كَلَّمه الله كقوله: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ}تفسير : [الزخرف:71]. وقُرئ بالنصبِ على أنَّ الفاعل ضميرٌ مُستترٌ وهو عائدُ الموصولِ أيضاً، والجلالةُ نَصْبٌ على التَّعظيم. وقرأ أبو المتوكل وابن السَّميفع: "كالَمَ اللهَ" على وزن فاعَلَ، ونصبِ الجلالةِ، و "كَلِيم" على هذا معنى مُكَالِم نحو: جَلِيس بمعنى مُجالِس، وخليط بمعنى مخالطٍ. وفي هذا الكلامِ التفاتٌ؛ لأنه خروجٌ من ضَمِيرِ المتكلّمِ المعظِّم نفسَه في قوله: "فَضَّلْنا" إلى الاسمِ الظَّاهِر الَّذي هو في حُكْمِ الغائِبِ. فصل في كلام اللهِ المسموع اختلفوا في ذلك الكلامِ، فقال الأشعري وأتباعه هو الكلامُ القديم الأزليُّ الذي ليس بحرف، ولا صوت قالوا: كما أَنَّه لم يمتنع رُؤية ما ليس بمكيف، فهكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف. وقال الماتريديُّ: سماع ذلك الكلام محالٌ إِنَّما المَسْموع هو الحرف والصَّوت. فصل في المراد بالمُكلَّم اختلفوا هل المُرادُ بقوله: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللهُ} هل هو موسى وحده أم هو وغيره فقيل: موسى - صلى الله عليه وسلم - وحده، وقيل: بل هو وغيره. قالوا: وقد سمع من قوم موسى السّبعون المختارون، وسمع محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة المِعراج بدليل قوله: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم:10] فإن قيل: قوله تعالى: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللهُ} إِنَّما ذكره في بيان غاية المنقبة والشّرف لأولئك الأَنبياء الذين كلّمهم الله تعالى، وقد جاء في القرآن، مكالمة بين الله، وبين إبليس، حيث قال: {أية : فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}تفسير : إلى آخر الآيات [الحجر:36-38] وظاهرها يدلُّ على مكالمة كثيرة بين اللهِ، وبين إبليس، فإن كان ذلك يوجب غاية الشَّرف، فكيف حصل لإبليس؟ فإن لم يوجب شَرَفاً، فكيف ذكره في معرض التَّشريف لموسى - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: {أية : وَكَلَّمَ ٱللهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}تفسير : [النساء:164]. فالجواب: من وجهين: أحدهما: أَنَّهُ ليس في قِصَّة إبليس ما يدلُّ على أَنَّ الله تعالى قال في تلك الأجوبة معه من غير واسطة، فلعلَّ الواسطة كانت موجودة. الثاني: هَبْ أَنَّهُ كان من غير واسطةٍ، ولكن مكالمة بالطَّرد واللَّعن فإِنَّ الله يكلِّم خاصَّتَهُ بما يحبُّون من التَّقرُّب والإكرام، ويكلّم من يَهينُهُ بالطَّرْدِ واللَّعْنِ والكلام الموحش فإنه وإِن كان منهما مكالمة لكن إحداهما توجب التَّقرُّبَ والتَّشريف والإكرام، والأخرى تُوجِبُ البُعدَ، والإِهانة والطَّرد. قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}. في نصبه ستَّةُ أوجهٍ: أحدها: أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحال. الثاني: أَنَّهُ حالٌ على حذفِ مُضَافٍ، أي: ذوي درجاتٍ. الثالث: أَنَّهُ مفعولٌ ثانٍ لـ "رفع" على أَنَّهُ ضُمِّنَ معنى بلَّغ بعضهم درجات. الرابع: أنه بدلُ اشتمالٍ، أي: رفع درجاتٍ بعضهم، والمعنى: على درجاتِ بعض. الخامس: أنه مصدرٌ على معنى الفعل لا لفظه؛ لأَنَّ الدّرجة بمعنى الرَّفعة، فكأنه قيل: ورَفَع بعضهم رَفعاتٍ. السادس: أنه على إِسْقاط الخافضِ، وذلك الخافضُ يَحْتمل أن يَكُون "عَلَى" أو "فِي"، أو "إلى" تقديره: على درجاتٍ أو في درجاتٍ أو إلى درجات، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجر انتصَبَ ما بعده. فصل في المراد بالدَّرجات في تلك الدَّرجات وجوهٌ: أحدها: أَنَّ المُراد منه بيان أَنَّ مراتِب الرُّسل، ومناصبهم متفاوتة؛ وذلك لأَنَّه تعالى اتَّخَذ إبراهيم خَلِيلاً، ولم تكن هذه الفضيلة لغيره وجمع لِدَاوُد بين المُلْكِ، والنُّبوَّةِ، ولم يحصل هذا لغيره، وسخَّر لِسُليمان الجِنّ والإنس، والطير، والريح، ولم يحصل هذا لأبيه داود، وخصّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - بأَنَّه مبعوث إِلى الجن والإنس، وبِأَنَّ شرعه نسخ سائِرَ الشَّرائع. الثاني: أَنَّ المراد منه المعجزات، فَإِنَّ كل واحد من الأَنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزات على ما يَليقُ بزمانه، فمعجزات موسى هي قلب العصا حيّة، واليد البيضاء، وفلق البحر كان كالشّبيه بما كان أهل ذلك العصر مُتقدّمين فيه، وهو السّحر. ومعجزات عيسى، وهي إِبراءُ الأَكمه، والأَبْرَص، وإِحياء الموتى كالشَّبيه بما كان أهل ذلك العصر مُتقدِّمين فيه، وهو الطِّبُّ. ومعجزة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي القرآن كانت من جنس الفصاحة، والبلاغة والخطَب، والأَشعارِ، وبالجملة فالمعجزاتُ متفاوتةٌ بالقلَّةِ والكثرة وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القُوَّةِ. الثالث: أن المراد بتفاوت الدّرجات ما يتعلّق بالدُّنيا من كثرة الأَتباع والأصحاب وقوَّة الدَّولة، وإذا تَأَمَّلْتَ هذه الوجوه؛ علمت أَنَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان جامعاً لِلْكُلِّ، فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى، وأقوى، وقومه أكثر، ودولتُهُ أعظمُ وأوفر. الرابع: أَنَّ المراد بقوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} هو محمَّد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه هو المفضل على الكُلّ، وإنما قال "وَرَفَعَ بَعْضَهُم" على سبيل الرَّمْزِ، لمن فعل فعلاً عظيماً فيقال له: من فعل هذا الفعل؛ فيقول: أحدكم، أو بعضكم، ويرِيدُ به نفسهُ وذلك أفخمُ من التَّصريح به، وقد سُئِل الحُطَيئَةُ عن أَشعرِ النَّاسِ، فذكر زهيراً، والنَّابغة، ثم قال: "ولو شئت لذكرت الثَّالِث" أراد نفسه. وقيل: المراد إدريس عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}تفسير : [مريم:57] ومراتب الأنبياء في السَّمواتِ. فإن قيل: المفهومُ من قوله {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} هو المفهوم من قوله: {تلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، فما فائدة التكرير؟ فالجواب: أَنَّ قوله: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض، ولكنّه لا يدلُّ على أَنَّ ذلك التّفضيل، حصل بدرجة، أو بدرجات، فبيَّن بالثَّاني أَنَّ التَّفضِيل بدرجات. فإن قيل: قوله: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}] كلام كلي، وقوله بعد ذلك {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللهُ} شروع في تفصيل تلك الجملة وقوله بعد ذلك: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}، إعادة لذلك الكلام الكُلّي، ومعلومٌ أَنَّ إعادَة الكَلاَمِ الكليّ بعد الشُّرُوعِ في تفصيل جُزْئِيَّاتِهِ، يكون تكراراً. فالجواب: أَنَّ فيه زيادة على الأَوَّل بقوله: "دَرَجَات" إذ التفصيل أَعَمُّ درجة ودرجات، فلا تكرار في شيءٍ من ذلك. قوله: {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ}. فيه سؤالان: السُّؤال الأَوَّل: قال في أوَّل الآية: {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [ثمَّ عَدَل عن هذا النَّوع من الكلام إلى المغايبة فقال: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}]، ثم عدل من المغايبة إلى النَّوع الأَوَّل فقال: {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} فما الفائدة في العدول عن المُخاطبة إلى المغايبة، ثم عوده إلى المُخاطبة مرَّة أخرى. والجوابُ: أَنَّ قوله: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللهُ} أهيب وأكثر وَقْعاً من أن يُقال: منهم من كلمنا، ولذلك قال: {وَكَلَّمَ ٱللهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} فلهذا اختَارَ لفظ الغيبة. وأَمَّا قوله {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} فإِنَّما اختار لفظ المخاطبة؛ لأن الضَّمير في قوله "وآتَيْنَا" ضمير التَّعظيم، وضمير تعظيم إحياء الموتى يدلُّ على عظمة الإيتاء. السُّؤال الثاني: لم خصَّ موسى، وعيسى - عليهما الصَّلاة والسَّلام - بذكر معجزاتهما؟ والجواب: سبب التَّخصيص: أنَّ معجزاتهما أبهر، وأقوى من معجزات غيرهما، وأيضاً، فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزَّمان، وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين، فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطَّعن في أمتهما، كأنه قيل هذان الرسولان مع علو درجتهما، وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما لهما، بل نازعوهما وخالفوهما وأعرضوا عن طاعتهما. السُّؤال الثالث: تخصيص عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - بإيتاء البيِّنات يوهم أنه مخصوص بالبيِّنات دون غيره، وليس الأمر كذلك، فإن موسى صلى الله عليه وسلم أوتي أقوى منها، أو مساوٍ. والجواب: أنَّ المقصود من هذا الكلام: التَّنبيه على قبحِ أفعال اليهود، حيث شاهدوا هذه البيِّنات الواضحة الباهرة، وأعرضوا عنها. السُّؤال الرابع: "البيِّنات" جمع قلَّة، وذلك لا يليق بهذا المقام! والجواب: لا نسلِّم أنه جمع قلَّة، لأنَّ جمع السّلامة إنما يكون جمع قلَّة إذا لم يعرَّف بالألف واللام، فأما إذا عرف بهما؛ فإنه يصير للاستغراق، ولا يدلُّ على القلَّة. قوله: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} "القُدُس" تثقله أهل الحجاز، وتخففه تميم. واختلفوا في تفسيره، فقال الحسن: القُدُسُ، هو الله - تعالى - وروحه جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام - والإضافة للتَّشريف. والمعنى أعناه بجبريل في أوَّل أمره، ووسطه، وآخره. أمَّا أوله؛ فلقوله تعالى: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا}تفسير : [التحريم:12]. وأما الوسط، فلأن جبريل علَّمه العلوم، وحفظه من الأعداء. وأما آخر أمره، فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام - ورفعه إلى السَّماء، ويدلُّ على أنَّ روح القدس جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام -؛ قوله تعالى: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ}تفسير : [النحل:102]. ونقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي عيسى عليه السلام به الموتى. وقال أبو مسلم: روح القدس الذي أيَّده به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه وميزه بها عن غيره من المخلوقات ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى. قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللهُ} مفعوله محذوف، فقيل: تقديره: ألاّ تختلفوا وقيل: ألاَّ تقتتلوا. وقيل: ألاَّ تؤمروا بالقتال. وقيل: أن يضطرَّهم إلى الإيمان، وكلُّها متقاربة. و "مِنْ بَعْدِهِمْ" متعلِّقٌ بمحذوفٍ، لأنه صلةٌ، والضَّمير يعود على الرُّسل. وقيل يعود على موسى، وعيسى، والاثنان جمع. قال القرطبيُّ: والأوَّل ظاهر اللَّفظ، وأنَّ القتال إنَّما وقع ممَّن جاءوا بعدهم وليس كذلك، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كلِّ نبي، وهذا كما تقول: "اشتريت خيلاً، ثمَّ بِعْتُهَا". وهذه عبارة جائزة، وأنت إنَّما اشتريت فرساً وبعته ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النَّوازل، إنما اختلف النَّاس بعد كلِّ نبي، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر بغياً وحسداً. و {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ} فيه قولان: أحدهما: أنه بدلٌ من قوله: "مِنْ بَعْدِهِم" بإعادة العامل. والثاني: أنه متعلِّقٌ باقتتل، إذ في البيِّنات - وهي الدلالات الواضحة - ما يغني عن التَّقاتل والاختلاف. والضَّمير في "جَاءَتْهم" يعود على الَّذين من بعدهم، وهم أمم الأنبياء. فصل تعلق هذه الآية بما قبلها: أنَّ الرسل - عليهم الصَّلاة والسَّلام - لما جاءوا بالبيِّنات، وأوضحوا الدَّلائل، والبراهين، اختلف أقوامهم فمنهم من آمن، ومنهم من كفر وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا، وتحاربوا، ولو شاء الله ألاَّ يقتتلوا لم يقتتلوا. واستدلُّوا بهذه الآية على أنَّ الحوادث إنَّما تحدث بقضاء الله وقدره. ثم قال: {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ} وإذا اختلفوا، فلا جرم اقتتلوا. وهذه الآية دالَّةٌ على أنَّ الفعل لا يقع إلاَّ بعد حصول الدَّاعي؛ لأنَّه بيَّن أن الاختلاف مستلزم للتقاتل، والمعنى: أنَّ اختلافهم في الدِّين يدعو إلى المقاتلة، وذلك يدلُّ على أنَّ المقاتلة لا تقع إلا لهذا الدَّاعي، ومتى ثبت ذلك ظهر أن الكلَّ بقضاء الله وقدره؛ لأنَّ الدَّواعي تستند لا محالة إلى داعية خلق الله تبارك وتعالى في العبد دفعا للتَّسلسل، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه أيضاً على صحَّة هذا المذهب. قوله: {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ} وجه الاستدراك واضحٌ، فإنَّ "لَكِنْ" واقعةٌ بين ضدّين، إذ المعنى: ولو شاء الله الاتِّفاق لاتَّفقوا؛ ولكن شاء الاختلاف فاختلفوا. وقال أبو البقاء رحمه الله: "لكنْ" استدراك لما دلَّ الكلام عليه، لأنَّ اقتتالهم كان لاختلافهم، ثم بيَّن الاختلاف بقوله: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ}، فلا محلَّ حينئذٍ لقوله: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ}. وكسرت النُّون من {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ} لالتقاء السَّاكنين ويجوز حذفها في غير القرآن الكريم، وأنشد سيبويه: [الطويل] شعر : 1172- فَلَسْتُ بِآتِيهِ، وَلاَ أَسْتَطِيعُهُ وَلاَكِ اسْقِنِي إِنْ كَانَ مَاؤُكَ ذَا فَضْلِ تفسير : قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ} فيه قولان: أحدهما: أنها الجملة الأولى كرِّرت تأكيداً قاله الزمخشري. وقال الواحدي - رحمه الله - إنما كرَّر ذلك تأكيداً للكلام، وتكذيباً لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء من الله، ولا قدر. الثاني: أنها ليست لتأكيد الأولى، بل أفادت فائدة جديدة، والمغايرة حصلت بتغاير متعلَّقهما، فإنَّ متعلَّق الأولى مغايرٌ لمتعلَّق المشيئة الثانية، والتقدير في الأولى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ أن يحول بينهم وبين القتال بأن يسلبهم القوى والعقول، وفي الثانية: ولو شاء لم يأمر المؤمنين بالقتال، ولكن شاء أمرهم بذلك. قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} من اختلافهم، فيوفق من يشاء، ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله، وهذه الآية دالَّةٌ على أنَّه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين، والخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن. ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو الله تعالى، ولما دلَّت على أنه يفعل ما يريد، فلو كان يريد الإيمان من الكفَّار لفعل فيهم الإِيمان، ولكانوا مؤمنين، ولما لم يكن كذلك، دلَّ على أنَّه تعالى لا يريد الإيمان منهم فدلَّت الآية على مسألة خلق الأعمال وعلى مسألة إرادة الكائنات. وقالت المعتزلة: يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه، وهذا ضعيفٌ لوجهين: أحدهما: أنه تقييدٌ للمطلق. والثاني: أنَّه على هذا التّقييد تصير الآية من باب إيضاح الواضحات؛ لأنه يصير معنى الآية: أنَّه يفعل ما يفعله. سأل رجل عليَّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: يا أمير المؤمنين؛ أخبرني عن القدرِ! فقال: طريقٌ مظلمٌ فلا تسلكه. فأعاد السُّؤال فقال: بحرٌ عميقٌ لا تلِجْه، فأعاد السُّؤال، فقال: "سِرُّ الله في الأَرْضِ، قَد خَفِي عَلَيْكَ، فَلاَ تَفْتِشْهُ".

البقاعي

تفسير : ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل كثيرة وختم هذه الآيات بأنه صلى الله عليه وسلم منهم تشوفت النفس إلى معرفة أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون، فأشار إلى علو مقادير الكل في قوله: {تلك الرسل} بأداة البعد إعلاماً ببعد مراتبهم و علو منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يرام، وجعل الحرالي التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي إشارة المذكر توطئة وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها وقال: يقول فيه النحاة إشارة لجماعة المؤنث وإنما هو في العربية لجماعة ثانية في الرتبة، لأن التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه في المعنى وتقابله في التطرق، قال: ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق عن علامة الثاني في الرتبة وإشارته، ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني وإشارته، ثم قال: ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع كما أنه لما كان الذكر واقعاً في محل إعلاء في آية الأنعام قيل: {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام: 90] ولما كان شأن الاختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال وطأ لهذا الواقع بعد الرسل بأنه ليس من ذلك وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل وإبلاغ البينات لما يشاؤه من أمره - انتهى. ثم أتبع هذه الإشارة حالاً منها أو استئنافاً قوله: {فضلنا بعضهم على بعض} أي بالتخصيص بمآثر لم تجتمع لغيره بعد أن فضلنا الجميع بالرسالة. ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل وأكثر ذلك في أتباع موسى عليه الصلاة والسلام بدأ بوصفه وثنى بعيسى عليه الصلاة والسلام لأنه الناسخ لشريعته وهو آخر أنبيائهم فقال مبيناً لما أجمل من ذلك التفضيل بادئاً بدرجة الكلام لأنها من أعظم الدرجات لافتاً القول إلى مظهر الذات بما لها من جميع الصفات لأنه أوفق للكلام المستجمع للتمام {منهم من كلم الله} أي بلا واسطة بما له من الجلال كموسى ومحمد وآدم عليهم الصلاة والسلام {ورفع بعضهم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم على غيره، ومن فوائد الإبهام الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك الاستنباط أن يقال إنه سبحانه وتعالى قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولاً، ثم بين أنه فضل بعضهم على غيره، وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة لكان تكريراً فوجب أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم، وأسقط الفوقية هنا إكراماً للرسل بخلاف ما في الزخرف فقال معيناً بعض ما اقتضاه التفضيل: {درجات} أي عظيمة بالدعوة العامة والمعجزات الباقية؛ والأتباع الكثيرة في الأزمان الطويلة، من غير تبديل ولا تحريف، وبنسخ شرعه لجميع الشرائع، وبكونه رحمة العالمين، وأمته خير أمة أخرجت للناس، وكونه خاتماً للنبيين الذين أرسلهم سبحانه وتعالى عند الاختلاف مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، فلا نبي بعده ينسخ شريعته، وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مقرراً لشريعته مجدداً لما درس منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة والسلام، ولما كان الشخص لا يبين فضله إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أكثر من آيات من سبقهما خصهما بالذكر إشارة إلى ذلك، فكان فيه إظهار الفضل لنبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه لا نسبة لما أوتي أحد من الأنبياء إلى ما أوتي، وإبهامه يدل على ذلك من حيث إنه إشارة إلى أن إبهامه في الظهور والجلاء كذكره، لأن ما وصف به لا ينصرف إلا إليه. ولما كان الناس واقفين مع الحس إلا الفرد النادر وكان لعيسى صلى الله عليه وسلم من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء والإبراء ما ليس لغيره ومع ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة والسلام قال صارفاً القول إلى مظهر العظمة تهديداً لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك الآيات الكبر: {وءاتينا} بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق والتصوير كيف نشاء وعلى غير ذلك {عيسى} ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا أب له فقال: {ابن مريم} أي الذي خلقناه منها بغير واسطة ذكرٍ أصلاً {البينات} من إحياء الموتى وغيره. قال الحرالي: والبينة ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، وذلك فيما أظهر الله سبحانه وتعلى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله، فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله، فما كان أقرب إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر، وما كان مما يجري نحوه على أيدي خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه {وأيدناه} أي بعظمتنا البالغة {بروح القدس} في إعلامه ذكر ما جعل تعالى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة الروح كما قال سبحانه وتعالى: {أية : فأرسلنا إليها روحنا} تفسير : [مريم: 17] كذلك كان فعله مع تأييده؛ وفي ذلك بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام موازنة ابتدائية، حيث كان أمر موسى من ابتداء أمر التكليم الذي هو غاية سقوط الواسطة، وكان أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى. ذكر شيء مما في الإنجيل من بيناته وحكمه وآياته قال متى: أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح فبماذا يملح! لا يصلح لشيء لكن يطرح خارجاً وتدوسه الناس. وقال لوقا: جيد هو الملح فإن فسد بماذا يملح! لا يصلح للأرض ولا المزبلة لكن خارجاً، من كان له أذنان سامعتان فليسمع. وقال متى: أنتم نور العالم، لا تستطيع مدينة تخفي وهي موضوعة على رأس جبل، ولا يوقد سراج فيوضع تحت مكيال لكن يوضع على منارة و يضيء لكل من في البيت، هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات، لا تظنوا أني جئت لأخل الناموس أو الأنبياء، لم آت لأخل بل لأكمل الحق، أقول لكم إن السماء والأرض تزولان، وخطة واحدة لا تزول من الناموس حتى يكون هذا كله؛ فمن أخل إحدى هذه الوصايا الصغار وعلم الناس هكذا يدعى في ملكوت السماوات صغيراً، والذي يعمل ويعلم هذا يدعى عظيماً في ملكوت السماء؛ ثم قال: وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين، لأنهم يحبون القيام في المجامع وزوايا الأزقة يصلون ليظهروا للناس الحق، أقول لكم: لقد أخذوا أجرهم، وإذا صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك عليك، وصل لأبيك سراً وأبوك يرى السر فيعطيك علانية، وإذا صليتم فلا تكثروا الكلام مثل الوثنيين، لأنهم يظنون أنهم سيسمع لهم لكثرة كلامهم، فلا تتشبهوا بهم، لأن أباكم عالم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه، وهكذا تصلون أنتم: أبانا الذي في السماوات! قدوس اسمك، يأتي ملكوتك، تكون مشيئتك كما في السماء على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا في اليوم، واغفر لنا ما يجب علينا كما غفرنا لمن أخطأ إلينا، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير، لأن لك المجد والقوة إلى الأبد - آمين. وقال مرقس: وإذا قمتم تصلون اغفروا لكل من لكم عليه لكيما أبوكم الذي في السماوات يترك لكم هفواتكم. وقال متى: فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم، وإن لم تغفروا للناس سيئاتهم لم يغفر لكم خطاياكم. وقال لوقا وكان يصلي في قفر فلما فرغ قال واحد من تلاميذه: يا رب! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه، فقال لهم: إذا صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات! يتقدس اسمك، يأتي ملكوتك، تكون إرادتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، اغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير؛ ثم قال لهم: من منكم له صديق يمضي إليه نصف الليل فيقول له: يا صديقي! هبني ثلاث خبزات فإن صديقاً لي جاء إلي من طريق وليس لي ما أقدم إليه، فيجيبه ذلك من داخل ويقول: لا تتعبني قد أغلقت بابي، وأولادي معي على مرقدي ولا أقدر أقوم فأعطيك، أقول لكم: إن لم يقم ويعطيه من أجل الصداقة فيقوم ويعطيه من أجل الحاجة ما يحتاج إليه، وأنا أيضاً أقول لكم: سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، كل من سأل أعطي، ومن طلب وجد، ومن يقرع يفتح له. وقال متى: وإذا صمتم فلا تكونوا كالمرائين لأنهم يعبسون وجوههم ويغيرونها ليظهروا للناس صيامهم، الحق أقول لكم، لقد أخذوا أجرهم، وأنت إذا صمت ادهن رأسك واغسل وجهك لئلا يظهر للناس صيامك. وقال لوقا: من منكم له عبد يحرث أو يرعى فإذا جاء من الحقل يقول له للوقت: اصعد واجلس، أو ليس يقول له: أعد لي ما آكله وشد حقويك، واخدمني حتى آكل وأشرب، ومن بعد ذلك تأكل وتشرب أنت، هل لذلك العبد فضل عند ما فعل ما أمر به! كذلك أنتم إذا فعلتم كل شيء أمرتم به قولوا: إنا عبيد بطالون، إنما عملنا ما يجب علينا؛ وقال أيضاً: فقال له واحد من الجمع: يا معلم! قل لأخي: يقاسمني الميراث، فقال له: يا إنسان! من أقامني عليكم حاكماً أو مقسماً! وقال لهم: انظروا وتحفظوا من كل الشره لأن الحياة ليست للإنسان بكثرة ماله، وقال لهم مثلاً: إنسان غني أخصبت له كورة ففكر وقال: ماذا أصنع إذ ليس لي حيث أضع غلاتي، أهدم أهرائي وأبنيها وأوسعها وأخزن هناك وأقول لنفسي: يا نفس! لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة، استريحي وكلي واشربي وافرحي، فقال له الله سبحانه وتعالى: يا جاهل! في هذه الليلة تنزع نفسك وهذا الذي أعددته لمن يكون هكذا، من يدخر ذخائر وليس هو غنياً بالله. وقال متى: لا تكنزوا لكم كنوزاً في الأرض حيث الآكلة والسوس يفسد ولا ينقب السارقون يتحيلون فيسرقون، اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا آكلة ولا سوس يفسد ولا ينقب السارقون فيسرقون. وقال لوقا: بيعوا أمتعتكم وأعطوا رحمة فاجعلوا لكم أكياساً لا تبلى وكنوزاً في السماوات لا تفنى حيث لا يصل إليه سارق ولا يفسده سوس. وقال متى: لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم، سراج الجسد العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً، فإذا كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام ما هو! ليس يستطيع إنسان يعبد ربين إلا أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يجل الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال، فلهذا أقول لكم: لا تهتموا لنفوسكم بما تأكلون أو بما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون، ألبس النفس؛ وقال قوقا: لأن النفس أفضل من المآكل، والجسد من اللباس، انظروا إلى طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السمائي يقوتها، أليس أنتم بالحريين أن تكونوا أفضل منها؛ وقال لوقا فيكم: أنتم أفضل من الطيور، من منكم يهتم فيقدر أن يزيد على قامته ذراعاً واحداً! فلماذا تهتمون باللباس! اعتبروا بزهر الحقل كيف يتربى ولا يتعب؛ وقال لوقا: تأملوا الزهر كيف ينمو بغير تعب ولا عمل - انتهى. أقول لكم إن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها، فإذا كان زهر الحقل يكون اليوم وفي غد يطرح في التنور يلبسه الله هكذا فيكم أنتم أحرى يا قليلي الإيمان فلا تهتموا وتقولوا: ماذا نأكل ونشرب وماذا نلبس؟ هذا كله يطلبه الأمم البرانية وأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا جميعه، اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذا كله تزادونه، لا تهتموا بالغد، فالغد يهتم بشأنه، ويكفي كل يوم شره؛ وقال لوقا: تكون أوساطكم مشدودة وسرجكم موقودة، كونوا متشبهين بأناس ينتظرون سيدهم متى يأتيهم من العرش لكي إذا جاء وقرع يفتحون له، طوبى لأولئك العبيد الذين يأتي سيدهم فيجدهم مستيقظين! الحق أقول لكم إنه يشد وسطه ويتكئون هم ويقف يخدمهم لذلك، فطوبى لأولئك العبيد! ثم قال: فقال له بطرس: يا رب! من أجلنا تقول هذا المثل أم للجميع؟ فقال: من ترى الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على حشمه يعطيهم طعامهم في حينه؟ فطوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده فيجده فعل هكذا! الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع ماله، فإن قال ذلك العبد الشرير في قلبه: إن سيدي يبطىء قدومه ويأخذ في ضرب عبيد سيده وإمائه ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيده في يوم لا يظن وساعة لا يعلم فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع الغير مؤمنين، فأما العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ويعمل إرادة سيده فيضرب كثيراً، والذي لا يعلم ويعمل ما يستوجب به الضرب يضرب يسيراً، لأن من أعطى كثيراً يطلب كثيراً والذي استودع كثيراً يطلب بكثير؛ وقال في موضع آخر: الأمين في القليل يكون أميناً في الكثير، والظالم في القليل ظالم في لكثير، فإن كنتم غير أمناء في مال الظلم فمن يأتمنكم في الحق! وإن كنتم غير أمناء فيما ليس لكم فمن يعطيكم مالكم! جئت لألقي ناراً في الأرض وما أريد إلا اضطرامها، ولي صبغة أصطبغها، وأنا مُجدّ لتكمل، هل تظنون أني جئت لألقي سلامة في الأرض! أقول لكم: يكون افتراق من الآن، يكون خمسة في بيت، واحد يخالف اثنين واثنان ثلاثةً، يخالف الأب ابنه، والابن أباه، والأم ابنتها، والابنة أمها، والحمأة كنتها، والكنة حمأتها. وقال متى: لا تدينوا لئلا تدانوا، وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم. وقال لوقا: لا تحبوا الحكم على أحد لئلا يحكم عليكم، اغفروا يغفر لكم، أعطوا تعطوا بمكيال صالح مملوء فائض ملقى في حضونكم، لأنه بالكيل الذي تكيلون يكال لكم، هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى! أليس يقعان كلاهما في حفرة! وقال متى: لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك ولا تفطن بالخشبة التي في عينك، وكيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك. وفي عينك خشبة يا مرائي! أخرج أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تنظر أن تخرج القذى من عين أخيك، لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تلقوا جواهركم أمام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتزمنكم، سلوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يطلب يجد، ومن سأل يعط ومن يقرع يفتح له، أيّ إنسان منكم يسأله ابنه خبزاً فيعطيه حجراً! أو يسأله سمكة فيعطيه حية! فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون تمنحون العطايا الصالحة لأبنائكم فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يعطي الخيرات لمن يسأله! وكل ما تريدون أن يفعل الناس افعلوه أنتم بهم؛ فهذا هو الناموس والأنبياء. قال لوقا: وزوال السماء والأرض أسهل من أن يبطل من الناموس حرف واحد؛ وقال أيضاً وقال لهم مثلاً: لكي يصلوا كل حين ولا يملوا؛ قال: كان قاض في مدينة لا يخاف الله تعالى ولا يستحيي من الناس وكان في تلك المدينة أرملة وكانت تأتي إليه وتقول: أنصفني من خصمي، ولم يكن يشاء إلى زمان، وبعد ذلك قال في نفسه: إن كنت لا أخاف الله سبحانه وتعالى ولا أستحيي من الناس لكن من أجل هذه المرأة أحكم لها ولا تعود تعنفني وتأتي إليّ في كل حين لتتعبني! قال الرب سبحانه وتعالى: اسمعوا ما قال قاضي الظلم، أفليس الله أحرى أن ينتقم لمختاريه الذين يدعونه النهار والليل! نعم أقول لكم إنه ينتقم لهم سريعاً. وقال متى: ادخلوا من الباب الضيق، فإن المسلك واسع، والطريق المؤدية إلى الهلاك رحبة، والداخلين فيها كثيرهم، ما أضيق الباب وأكرب الطريق التي تؤدي إلى الحياة! وقليل هم الذين يجدونها احذروا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بلباس الحملان وداخلهم ذئاب خطفة، ومن ثمارهم فاعرفوهم، هل يجمع من الشوك عنب ومن العوسج تين! هكذا كل شجرة صالحة تخرج ثمرة جيدة، والشجرة الرديئة تخرج ثمرة شريرة، لا تقدر شجرة صالحة تخرج ثمرة شريرة، ولا شجرة رديئة تخرج ثمرة جيدة. وقال لوقا: وكل شجرة تعرف من ثمرتها ليس يجمع من الشوك تين، ولا يقطف من العليق عنب، الرجل الصالح من الذخائر التي في قلبه يخرج الصالحات، والشرير من ذخائره الشريرة يخرج الشر، لأن من فضل ما في القلب ينطق الفم. وقال متى: وكل شجرة لا تثمر ثمرة جيدة تقطع وتلقى في النار، فمن ثمارهم تعرفونهم، ليس كل من يقول: يا رب! يا رب! يدخل ملكوت السماوات، لكن الذي يعمل إرادة الذي في السماوات أي أمره، كثيرون يقولون لي في ذلك اليوم: يا رب! يا رب! أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا آيات كثيرة! فحينئذ أعترف لهم أني ما أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم. وقال لوقا: فقال له واحد: يا رب! قليل هم الذين ينجون! فقال: احرصوا على الدخول من الباب الضيق، فإني أقول لكم إن كثيراً يريدون الدخول منه فلا يستطيعون، فإذا قام رب البيت يغلق الباب فعند ذلك يقفون خارجاً ويقرعون الباب ويقولون: يا رب! يا رب! افتح لنا، فيجيب: لا أعرفكم، من أين أنتم؟ فيقولون: أكلنا قدامك وشربنا، فيقول: ما أعرفكم، من أين أنتم؟ تباعدوا عني بأعمال الظلم، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. قال متى: كل من يسمع كلماتي هذه ويعمل بها يشبه رجلاً عاقلاً بنى بيته على الصخرة. وقال لوقا: بنى بيتاً وحفر وعمق ووضع الأساس على صخرة، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فلم يسقط، لأن أساسه ثابت على الصخرة، وكل من يسمع كلماتي هذه ولا يعمل بها يشبه رجلاً جاهلاً بنى بيته على الرمل، فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيماً. وكان لما أكمل يشوع هذه الكلمات بهت الجميع من تعليمه، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كمثل كُتابهم. وفيه مما يمتنع إطلاقه في شرعنا لفظ الأب والرب وسيأتي في آل عمران ما يشفي العليل في تأويل مثل ذلك على تقرير صحته. وكل ما ورد من وصف الأنبياء بالكذبة فالمراد به المدعي للنبوة كذباً. ولما تقدم أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً وأنزل معهم كتباً، وأنهم تعبوا ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على الحق، وأن أتباعهم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه النفس للسؤال عنه سبب اختلافهم، فبين أنه مشيئته سبحانه وتعالى لا غير إعلاماً بأنه الفاعل المختار فكان التقدير: ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساوى بين الرسل في الفضيلة، ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم يختلف عليهم اثنان، ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم يشاهدون البينات، وعطف عليه قوله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم لافتاً القول إلى التعبير بالجلالة إشارة إلى أن الاختلاف مع دلالة العقل على أنه لا خير فيه شاهد للخالق بجميع صفات الجلال والجمال {ولو شاء الله} أي الذي له جميع الأمر. قال الحرالي: وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده وتمحو عن الإقامة ما سواه - انتهى. {ما اقتتل} أي ما تكلف القتال مع أنه مكروه للنفوس {الذين من بعدهم} لاتفاقهم على ما فارقوا عليه نبيهم من الهدى. قال الحرالي: فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال بعد فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد بعد فقد السلامة بعد فقد الوداد بعد فقد المحبة الجامعة للأمة مع نبيها - انتهى {من بعد ما جآءتهم البينات} أي على أيدي رسلهم. قال الحرالي: فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي آثارها إلا بإمضاء كلمة الله فيها - انتهى. {ولكن اختلفوا} لأنه سبحانه وتعالى لم يشأ اتفاقهم على الهدى {فمنهم} أي فتسبب عن اختلافهم أن كان منهم {من آمن} أي ثبت على ما فارق عليه نبيه حسبما دعت إليه البينات فكان إيمانه هذا هو الإيمان في الحقيقة لأنه أعرق في أمر الغيب {ومنهم من كفر} ضلالاً عنها أو عناداً. ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالاً قال تعالى معلماً أن الكل بخلقه تأكيداً لما مضى من ذلك معيداً ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر القتال الكاشف لمن باشره في ضلال عن أقبح الخلال: {ولو شاء الله} الذي لا كفوء له {ما اقتتلوا} بعد اختلافهم بالإيمان والكفر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في الإعلام بعظم المقام {ولكن الله} أي بجلاله وعزّ كماله شاء اقتتالهم فإنه {يفعل ما يريد *} فاختلفوا واقتتلوا طوع مشيئته على خلاف طباعهم وما يناقض ما عندهم من العلم والحكمة. ولما كان الاختلاف على الأنبياء سبباً للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة أتبع ذلك قوله رجوعاً إلى أول السورة من هنا إلى آخرها وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم بالإيمان {أنفقوا} تصديقاً لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من البخل {أية : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}تفسير : [الحشر: 9] ولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال: {مما} أي الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثاً على المبادرة إلى امتثال الأمر وتقبيحاً بحال من أبطأ عنه فقال: {رزقناكم} بما لنا من العظمة، وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا مرة بعد أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس، وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب، فمنع احتجاج المعتزلة بها في أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لكونه مأموراً به، وأتبعه بما يرغب ويرهب من حال يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال: {من قبل أن يأتي يوم} موصوف بأنه {لا بيع فيه} موجود {ولا خلة} قال الحرالي: هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما يقبل التداخل حتى يكون كل واحد خلال الآخر، وموقع معناها الموافقة في وصف الرضى والسخط، فالخليل من رضاه رضى خليله وفعاله من فعاله - انتهى. {ولا شفاعة} والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال، ولا يراعى لصداقة من مساوٍ ولا شفاعة من كبير، لعدم إرادة الله سبحانه وتعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد، وفي الآية التفات شديد إلى أول السورة حيث وصف المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة، وبيان لأن المراد بالإنفاق أعم من الزكاة وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق من جميع المعادن والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك، وسيأتي في الآيات الحاثّة على النفقة ما يرشد إلى ذلك كقوله تعالى {أية : إن تبدوا الصدقات} تفسير : [البقرة: 271] وغيرها وقال الحرالي: فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من {أية : الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} تفسير : [البقرة: 3] إلى قوله {أية : المفلحون} تفسير : [البقرة: 5] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة آي هذه السورة المنتظمة بأولها انتظاماً معنوياً برأس {أية : الم ذلك الكتاب} تفسير : [البقرة: 1 2] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد. فكان أوله حمداً وآخره حمداً ينثني ما بين الحمدين على أوله، كما قال "حمدني عبدي، أثنى عليّ عبدي" فجملته حمد وتفاصيله ثناء - انتهى. ولما حث سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين لكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة لتخليهم من الإيمان وبعدهم عنه وتكذيبهم بذلك اليوم فهم لا ينفقون لخوفه ولا رجائه فقال بدل - ولا نصرة لكافر: {والكافرون} أي المعلوم كفرهم في ذلك اليوم، وهذا العطف يرشد إلى أن التقدير: فالذين آمنوا يفعلون ما أمرناهم به لأنهم المحقون، والكافرون {هم} المختصون بأنهم {الظالمون} أي الكاملون في الظلم لا غيرهم، ومن المعلوم أن الظالم خاسر وأنه مخذول غير منصور، لأنه يضع الأمور في غير مواضعها، ومن كان كذلك لا يثبت له أمر ولا يرتفع له شأن بل هو دائماً على شفا جرف هار، ولأجل ذلك يختم سبحانه وتعالى كثيراً من آياته بقوله {أية : وما للظالمين من أنصار} تفسير : [البقرة: 270] فقد انتفى بذلك جميع أنواع الخلاص المعهودة في الدنيا في ذلك اليوم من الافتداء بالمال والمراعاة لصداقة أو عظمة ذي شفاعة أو نصرة بقوة.

السيوطي

تفسير : و‏أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏فضلنا بعضهم على بعض‏} قال‏:‏ اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكلم موسى تكليماً، وجعل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وهو عبد الله وكلمته وروحه، وآتى داود زبوراً، وآتى سليمان ملكاً لا ينبغى لأحد من بعده، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر‏.‏ وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله ‏ {‏منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات‏} ‏ قال‏:‏ كلم الله موسى، وأرسل محمداً إلى الناس كافة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر هو الشعبي ‏ {‏ورفع بعضهم درجات‏}‏ قال‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ أتعجبون‏؟‏ الخلة لإِبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن المنذر عن الربيع بن خيثم قال‏:‏ لا أفضل على نبينا أحداً، ولا أفضل على إبراهيم خليل الرحمن أحداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات‏}‏ يقول‏:‏ من بعد موسى وعيسى‏.‏ وأخرج ابن عساكر بسندٍ واهٍ عن ابن عباس قال‏:‏ كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، إذ أقبل علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية ‏"حديث : ‏أتحب عليا‏ً؟قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏: إنها ستكون بينكم هنيهة‏.‏ قال‏:‏ معاوية: فما بعد ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال‏: عفو الله ورضوانه‏. قال رضينا بقضاء الله ورضوانه، فعند ذلك نزلت هذه الآية ‏ {‏ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد‏} ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [الآية: 253]. قال أبو بكر الفارسى الصوفىّ: ما خلق الله عز وجل إلا متفاضلاً ومتفاوتاً أقدارهم حتى الرسلُ قال الله تعالى {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ} ليعلم بذلك نقص الخلق وكماله جل وعلا. قوله تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}. وهم الذين حفظهم من وساوس الشيطان لقوله: { أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } تفسير : [الإسراء: 65].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}. جمعتهم الرسالة ولكن تباينوا في خصائص التفضيل، لكل واحدٍ منهم أنوار، ولأنوارهم مطارح، فمنهم من هو أعلى نورا، وأتم من الرفعة وفوراً. فلم تكن فضائلهم استحقاقهم على أفعالهم وأحوالهم، بل حُكْمٌ بالحسنى أدركهم، وعاقبة بالجميل تداركتهم. قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}. ولكنهم مُصَرّفون بالمشيئة الأزلية، ومسلوبون من الاختيار الذي عليه المدار وبه الاعتبار. والعبودية شدُّ نطاق الخدمة وشهود سابق القسمة.

البقلي

تفسير : {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} فضل انبياءه زيادة المقامات والدرجات وايضا حتى لا يركن بعضهم الى بضع فى حقائق المعرفة والمحبة وقال ابو بكر الفارسى الصوفى ما خلق الله شيئا الا هتفا قبل متافوتا اقدراهم حتى الرسل قال الله عز وجل تلك الرسل فضلنا بعضهم ليعلم بذلك نقص الخلق وكما له تعالى عز وجل قوله {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} قطع بما بدأ من وصف الوهيته عن قلوب عباده اسببا العبودية لان العبودية يكون عرفان الربوبية لاجل ذلك ذكر نفسه فى اول اظهار وجوده وايضا كشف عن نفسه بوصفه العبادة حتى اثبتهم بروز سلطنته فى قلوبهم عند خطرات الهجران عند قوله وايضا دعى الخلق بنفسه الى نفسه قبل ذكر الاسباب حتى حيرهم به فيه وايض رسخ اشجار المحبة فى سوافى اسرار اهل المعرفة بذكره الهيته قبل كل شئ ثم ذكر لاحيرهم فى سراب العدم ثم كشف لهم عن جمال القدم وايضا افرد قدمه عن العدم وايضا ضرب سرادق التنزيه على سواحل بحر التوحيد قوله الا هو ازال العلل عن قدس الازل وكشف بالازل عن الازل سئل ابن منصور رحمه الله عليه عن هذه الاية عن هذه الاية فقال لا اله الا الله يقتضى شيئين ازالة العلة عن الربوبية وتنزيه الحق عن الدرك وقال ابن عطا صدق قبول لا اله الا الله الصبر وبه ثبت على ايمانه به ثبت على ايمانه والصدق وبه اجتهد فى الطاعات ربه فى سره واعلانه وانفاقه من ماله مبتغيا به رضاه حتى لا يبقى لنفسه مدخراين خالقه والخلوة بربه فى الاسحار واظهار الافتقار بلسان الاستغفار نادما على عصيانه خائفا من هجرانه وقال ايضا يحتاج مع قائل لا اله الا الله ثلثة انوار نور الهداية ونور الكفاية ونرو العناية فمتى من الله عليه بنور الهداية فهو من خواصه ومتى من عليه بانوار الكفاية وهو معصوم من الكبائر والفواحش ومتى من عليه بانوار العناية فهو محفوظ من الخطرات الفاسدة وقال بعضهم يحتاج قائل لا اله الا الله الى اربع خصال تصديق وتعظيم وحلاوة وحرمة فمن لم يكن له تصديق فهو منافق ومن لم يكن له تعظيم فهو مبتدع ومن لم يكن له حلاوة فهو مرائى ومن لم يكن له حرمة فهو فاسق قيل لابى الحسن النووى لم لا تقول لا اله الا الله قال بل اقول الله ولا ابقى به ضدا وقال بعضهم من قالها وفى قلبه رعبة او رهبة او طمع او رسوال فهو مشرك {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} الحى الذى قامت به الاحياء والقيوم الذى يحيى قيوميته الاموات وايضا الحى الذى يتهمهم به الانفاس و القيوم الذى يقوم بكفايته الاشخاص والحيوة من صفاته الخاصة فى العدم وعامة فيما اوجد الخلق من العدم والقيومية صفته التى لم يزل كان موصوفا بها ويحصلها انه استقبل بنفسه فى ازليته وابديته والحر الذى ليس حيوته اسرار الموحدين فتوحدوا به له والقيوم الذى يربى بتجلى الصفات وكشف الذات ارواح العارفين فقنوا فى ذاته واحترقوا بنور كبريائه وقيل فى قوله الحى القيوم اجعله مراقبا في قيوميته عليك وعلى جميع العالم قيل انه قيوم بحفظ اذكاره على اسرار اهل صفوته وقال سهل القيوم قائم على خلقه بكل شئ واجالهم واعمالهم وارزاقهم وقال الخواص من عرفه بانه الحى القيوم الزمخ معرفته له طلب كل شئ منه وترك القيام بشئ من اموره القيام بها {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} يخوف هبذه الاشارة خواص المراقبين حتى لا تشتغلوا بغيره طرفة عين وايضا اخبر عنه تنزيه ازالة التشبيه عن قلوب المريدين وايضا بنفى السنة عن نفسه نزه نفسه عن الغفلة وبنفى قدم صفاته وقدس عظيم ذاته الا انا مبدع العلات وانا منزه عن صفات المحدثات وقال بغداديون انى تاخذه السنة كان ولا سنة ولوجدا السنة قهر العبادة ارتبط الاشياء باضدادها وانفرد هو عن الاحوال لانه محولها {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ازل حلاوة زهرة الكونين والعالمين عن قلوب اهل الصفوة بقوله له ما فى السموات اى الحوادث الى استاصلها عن مزار وحدانيتى الا وهى الاسرار الموحدين رغبتهم بنفائهم عن الاسباب والعلامات وونج من التفت سره عنه الى ماله لان الالتفات من المنعم الى النعماء شرك بالمعنم {مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} اغرق الشافع والمستشفع فى بحار مننه اذ لا يفرض كلاية عباده الا الى نفسه وايضا قطع اسباب حيل الوسلية عن عناية الازلية وايضا ادب الخلق بهذه الاية حق لا ينبسط اليه الا من غلبه السكر والانبساط والاذن مقام الهيبة عند سرادق العظمة والحكم حال الانبساط فى بساط الالفة والخائفون مراقبون الاذن والعاشقون يريدون ويقتحمون فى الحكم لان صاحب الحكم فى هيجانه ملتبس بسناء التوحيد معتزل عن الاشباح بنعت التفريد اسكرته مشاهدة الحسن واضطرته مكاشفة القدس الى البسط والانبساط وهذين الوصفين يكونان فى العارف من الانبياء والاولياء فالاول نعت تبت والاخر نعت ادنى وقيل جذب به قلوب عباده اليه فى العاجل والاجل قال الواطسى لو جعل الى نفسه وسيلة غير نفسه كان معلول او من تزين باخلاصة ومحبته ورضاه وتوصل بصفاته الى من لا وسيلة له الا به قال الله تعالى من ذا الذى يشفع عنده الا باذنه وقال منصور فاى الشفيع الى من لا يسعه غيره ولا عجبه سواه وقال الواسطى من ذا الذى يدعونى حتى اذن له فى الدعاء ومن ذا الذى يؤمن بى حتى اهديه ومن ذا الذى يطيعنى حتى اوفقه ومن ذا الذى ينتهى عن المعاصى حتى اعصمه {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} اى يعمل ما بين ايدهم من الخطرات وما خلفهم من العثرات وايضا يعيلم ما بين اليهم من المقامات وما خلفهم من الحالات وايضا يعلم منهم قبل ايجادهم ما ابتلاهم به من اسرار الافعال المقرونة بالارادة ويعلم منهم بعد كونهم من درك المعائنات فى مقام العبودية من اسرار علم الازليات وقال ابو القاسم يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم لانه لا يخرج عنه علمه معلوم ولا يلتبس عليه وجود ولا معدوم {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} حجب علم القدم عن ادراك من اوجد من العدم الا ما كاشف لاهل القلوب من معأتنات الغيوب وايضا اى ولا يحطون بشئ مما علمه الله من نفسه من علم الازل الا بما شاء اى الا به لانه لا وسلية الى علمه سواه وقيل ولا يحيطون بشئ من علمه الا بما شاء يغنى من معلوماته واذا تقاصرت العلوم من الاحاطة بمعلوماته الا باذنه فاى طمع لها فى الاحاط بذاته قالها ابو القاسم القشيرى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} كرسيه قلب العارف وهو اوسع من السموات والارض لانه معدن علوم الالوهية وعلم اللدنى الذى لا نهاية له ولا حد له وايضا كرسيه عالم الملكوت وهو مطاف ارواح العارفين الجلال الجبروت وايضا كرسيه وعرشه قبلتان لاهل الحديثان ولا جهة للرحمن ولا يعرفه بنعت التنزيه عن التباس الكون والتصاقه الا اهل كشف العيان وقيل العرض والكرسى اظهار للقدرة لا محلا للذات وقال القاسم خاطبهم على قدره فهمهم والا فانى خطر اللاكوان عند صفاته وجلال قدرته عن التعزز بعرش او كرسى او التجلى بجنى او نسى قيل علمه وقيل الكرسى فى السموات والارض هى منه كدرة {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} اى لا يعجزه ذلك على سعته وكبره وايضا لا يوازيان فى عظمتهم خردلة لانهما فى ملكه وسلطانه اقل من ذرة وايضا قامت السموات والارض به لا علة فى صنعه ولا الة فى فعله منه ظهرت وبه قامت وقيل وصف نفسه بالامتاع عن اعرتضا القواطع العلل.

اسماعيل حقي

تفسير : {تلك الرسل} اشارة الى الجماعة الذين من جملتهم النبى عليه الصلاة والسلام فاللام فى الرسل للاستغراق {فضلنا بعضهم على بعض} بان خصصناه بمنقبة ليست لغيره. واعلم ان الانبياء كلهم متساوون فى النبوة لان النبوة شىء واحد لا تفاضل فيها وانما التفاضل باعتبار الدرجات. بلغ بعضهم منصب الخلة كابراهيم عليه الصلاة والسلام ولم يحصل ذلك لغيره. وجمع لداود بين الملك والنبوة وطيب النعمة ولم يحصل هذا لغيره. وسخر لسليمان الجن والانس والطير والريح ولم يحصل هذا لابيه داود. وخص محمدا عليه وعليهم السلام بكونه مبعوثا الى الجن والانس وبكون شرعه ناسخا لجميع الشرائع المتقدمة. ومنهم من دعا امته بالفعل الى توحيد الافعال وبالقوة الى الصفات والذات. ومنهم من دعا بالفعل الى الصفات ايضا وبالقوة الى الذات. ومنهم من دعا الى الذات ايضا بالفعل وهو ابراهيم عليه السلام فانه قطب التوحيد اذ الانبياء كانوا يدعون الى المبدأ والمعاد والى الذات الاحدية الموصوفة ببعض الصفات الآلهية الا ابراهيم عليه السلام فانه دعا الى الذات الآلهية الاحدية ولذا امر الله نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم باتباعه بقوله {أية : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} تفسير : [النحل: 123]. فهو من اتباع ابراهيم باعتبار الجمع دون التفصيل اذ لا متمم لتفاصيل الصفات الا هو ولذلك لم يكن غيره خاتما فالانبياء وان كانوا متفاوتين فى درجات الدعوة بحسب مشارب الامم الا ان كلهم واصلون فانون فى الله باقون بالله لان الولاية قبل النبوة حيث ان آخر درجات الولاية اول مقامات النبوة فهى تبتنى على الولاية ومعنى الولاية الفناء فى الله والبقاء بالله فالنبى لا يكون الا واصلا محرزا جميع مراتب التوحيد من الافعال والصفات والذات {منهم من كلم الله} اى فضله الله بان كلمه بغير واسطة وهو موسى عليه الصلاة والسلام فهو كليمه بمعنى مكالمه. واختلفوا فى الكلام الذى سمعه موسى وغيره من الله تعالى هل هو الكلام القديم الازلى الذى ليس من جنس الحروف والاصوات. قال الاشعرى واتباعه المسموع هو ذلك الكلام الازلى قالوا كما انه لم تمتنع رؤية ما ليس بمكيف فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف. وقيل سماع ذلك الكلام محال وانما المسموع هو الحروف والصوت {ورفع بعضهم درجات} اى على درجات فانتصابه على نزع الخافض وذلك بان فضله على غيره من وجوه متعددة او بمراتب متباعدة والظاهر انه اراد محمدا صلى الله عليه وسلم لانه هو المفضل عليهم حيث اوتى ما لم يؤته احد من الآيات المتكاثرة المرتقية الى ثلاثة آلاف آية واكثر ولو لم يؤت الا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما اوتى الانبياء لانه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفى الحديث "حديث : فضلت على الانبياء بست اوتيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب واحلت لى الغنائم وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا وارسلت الى الخلق كافة وختم بى النبيون ". تفسير : قال فى التأويلات النجمية اعلم ان فضل كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لان الرفعة فى الدرجات على قدر رفعة الاستعلاء كما قال تعالى {أية : والذين أوتوا العلم درجات} تفسير : [المجادلة: 11]. فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلما ازداد العلم زادت الدرجة فناهيك عن هذا المعنى قول النبى عليه السلام فيما يخبر عن المعراج انه رأى آدم فى السماء الدنيا ويحيى وعيسى فى السماء الثانية ويوسف فى السماء الثالثة وادريس فى السماء الرابعة وهارون فى السماء الخامسة وموسى فى السماء السادسة وابراهيم فى السماء السابعة وعبر النبى عليه السلام حتى رفع الى سدرة المنتهى ومن ثم الى قاب قوسين او ادنى فهذه الرفعة فى الدرجة فى القرب الى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك النور فى استعلاء ضوئه وعلى قدر غلبات انوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الانبياء بعضهم فوق بعض فلما غلب نور الوحدانية على ظلمة انسانية النبى عليه السلام اضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلى صفات الجمال والجلال فكل نبى بقدر بقية ظلمة وجوده بقى فى مكان من اماكن السموات فانه صلى الله تعالى عليه وسلم ما بقى فى مكان ولا فى الامكان لانه كان فانيا عن ظلمة وجوده باقيا بنور وجوده ولهذا سماه الله نورا وقال {أية : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} تفسير : [المائدة: 15]. فالنور هو محمد عليه السلام والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فانك لا تجد هذه المعانى الا ههنا انتهى كلام التأويلات النجمية {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من احياء الموتى وشفاء المرضى وابراء الاكمه والابرص وخلق الطير من الطين والاخبار بالمغيبات والانجيل وجعل معجزاته سبب تفضيله مع ان ايتاء البينات غير مختص بعيسى عليه الصلاة والسلام لانها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره وخص عيسى عليه السلام بالتعيين مع انه غير مختص بايتاء البينات تقبيحا لافراط اليهود فى تحقيره حيث انكروا نبوته مع ما ظهر على يده من البينات القاطعة الدالة عليها ولافراط النصارى فى تعظيمه حيث اخرجوه عن مرتبة الرسالة {وأيدناه} اى قويناه {بروح القدس} اى الروح المطهرة التى نفحها الله فيه فأبانه بها من غيره ممن خلق من اجتماع نطفتى الذكر والانثى لانه عليه السلام لم تضمه اصلاب الفحول ولم يشتمل عليه ارحام الطوامث. فالقدس بمعنى المقدس من قبيل رجل صدق او القدس هو الله وروحه جبريل والاضافة للتشريف والمعنى اعانه بجبريل فى اول امره وفى وسطه وفى آخره اما فى الاول من امره فلقوله {أية : فنفخنا فيه من روحنا} تفسير : [التحريم: 12]. واما فى وسطه فلان جبريل عليه السلام علمه العلوم وحفظه من الاعداء واما فى آخر الامر فحين ارادت اليهود قتله اعانه جبريل ورفعه الى السماء {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} اى من بعد الرسل من الامم المختلفة اى لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بان جعلهم متفقين على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق {من} متعلقة باقتتل {بعد ما جاءتهم} من جهة اولئك الرسل {البينات} المعجزات الواضحة والآيات الظاهرة الدالة على حقيقة الحق الموجبة لاتباعهم الزاجرة عن الاعراض عن سننهم المؤدى الى القتال {ولكن اختلفوا} اى لكن لم يشأ عدم اقتتالهم لانهم اختلفوا اختلافا فاحشا {فمنهم من آمن} اى بما جاءت به اولئك الرسل من البينات وعملوا به {ومنهم من كفر} بذلك كفرا لا ارعواء له فاقتضت الحكمة عدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم فاقتتلوا بموجب اقتضاء احوالهم {ولو شاء الله} عدم اقتتالهم بعد هذه المرة ايضا من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب العادة {ما اقتتلوا} وما نبض منهم عرق التطاول والتعاون لما ان الكل تحت ملكوته {ولكن الله يفعل ما يريد} اى من الامور الوجودية والعدمية التى من جملتها عدم مشيئته عدم اقتتالهم فان الترك ايضا من جملة الافعال اى يفعل ما يريد حسبما يريد من غير ان يوجبه عليه موجب او يمنعه منه مانع. وفيه دليل بين على ان الحوادث تابعة لمشيئته تعالى خيرا كان او شرا ايمانا كان او كفرا وهذا نذير على المعتزلة. قال الامام الغزالى قدس سره المتعالى فى شرح اسمى الضار والنافع هو الذى يصدر منه الخير والشر والنفع والضر وكل ذلك منسوب الى الله تعالى اما بواسطة الملائكة والانس والجمادات او بغير واسطة فلا تظنن ان السم يقتل ويضر بنفسه وان الطعام يشبع وينفع بنفسه وان الملك او الانسان او الشيطان او شيأ من المخلوقات من فلك الكواكب او غيرها يقدر على خير او شر بنفسه او نفع او ضر بل كل ذلك اسباب مسخرة لا يصدر منها الا ما سخرت له وجملة ذلك بالاضافة الى القدرة الازلية كالقلم بالاضافة الى الكاتب فى اعتقاد العامى وكما ان السلطان اذا وقع لكرامة او عقوبة لم يضر ذلك ولا نفعه من القلم بل من الذى القلم مسخر له فكذلك سائر الوسائط والاسباب وانما قلنا فى اعتقاد العامى لان الجاهل هو الذى يرى القلم مسخرا للكاتب والعارف يعلم انه مسخر فى يده لله تعالى وهو الذى الكاتب مسخر له فانه مهما خلق الكاتب وخلق له القدرة وسلط عليه الداعية الجازمة التى لا تردد فيها صدر منه حركة الاصبع والقلم لا محالة شاء ام ابى بل لا يمكنه ان لا يشاء فاذا الكاتب بقلم الانسان ويده هو الله تعالى واذا عرفت هذا فى الحيوان المختار فهو فى الجمادات اظهر. قال صاحب روضة الاخيار المؤثر هو الله تعالى والكواكب اسباب عادية الشمس مظهر اسم الحى والزهرة للمريد وعطارد للمسقط والقمر للقابل ولذا كان بيت العزة فى ملكه والمريخ للقادر والمشترى للعليم وزحل للجواد واصول الاسماء اربعة هى الحياة والعلم والقدرة والارادة واسرافيل مظهر الحياة والاقساط مندرج فيها وجبريل مظهر العلم والقول وباعتبار الاول هو روح القدس وبالثانى الروح الامين ولذا كان حامل الوحى وميكائيل مظهر الارادة والجود مندرج فيها ولذا كان ملك الارزاق وعزرائيل مظهر القدرة ولذا يقهر الجبابرة ويذلهم بالموت والفناء.

ابن عجيبة

تفسير : {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ...} {قلت}: {تلك}: مبتدأ، و {الرسل}: نعت، أو بدل منه، أو بيان، و{فضلنا}: خبر، أو {الرسل} خبر، و {فضلنا}: خبر ثان، والإشارة إلى الجماعة المذكور قَصَصُها في السورة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {تلك الرسل} الذين قصصناهم عليك، وذكرتُ لك أنك منهم، {فضلنا بعضهم على بعض} بخصائص ومناقب لم توجد في غيره. لكن هذا التفضيل إنما يكون في الجملة من غير تعيين المفضول، لأنه تنقيص في حقه وهو ممنوع. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنبِيَاءَ"، "حديث : ولا تفضلوني على يونس بن متى"تفسير : فإن معناه النهي عن تعيين المفضول، لأنه غيبة وتنقيص، وقد صرّح صلى الله عليه وسلم بفضله على جميع الأنياء بقوله:"حديث : أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ"تفسير : . ولكن لا يُعَيِّن أحداً من الأنبياء بالمفضولية؛ لئلا يؤدي إلى نقصه، فلا تعارُضَ ين الحديثين. {منهم مَن كلّم الله} وهو موسى عليه السلام في جبل الطور، وسيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم حين كان قاب قوسين أو أدنى، {ورفع بعضهم درجات} وهو نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه خُصَّ بالدعوة العامة، والحُجَج المتكاثرة، والمعجزات المستمرة، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. والإبهام لتفخيم شأنه، كأنه العلم المشهور المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين. وقيل: إبراهيم، خصه بالخلة التي هي أعلى المراتب. قلت: بل المحبة أعلى منها، وقيل: إدريس لقوله:{أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}تفسير : [مريَم: 57]، وقيل: أولو العزم من الرسل، قاله البيضاوي. {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} أي: الآيات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، {وأيدناه بروح القدس}، أي: جبريل عليه السلام كان معه أينما سار، وخصَّه بالتعيين؛ فإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، فردَّهم إلى الصواب باعتقاده نبوته دون ربوبيته. الإشارة: كما فضَّل الله الرسل بعضهم على بعض، كذلك فضل الأولياء بعضهم على بعض، وإنما يقع التفضيل بكمال اليقين، والتغلغل في علم التوحيد الخاص، ذوقاً وكشفاً، والترقي في المعارف والأسرار، وذلك بخدمة الرجال وصحبة أهل الكمال، والتفرغ التام، والزهد الكامل في النفس والفَلْس والجنْس، فمنهم من تحصل له المشاهدة وتصحبها المكالمة، ومنهم من تحصل له المشاهدة دون المكالمة، ومنهم من تحصل له الكرامات الواضحة، ومنهم من لا يرى شيئاً من ذلك استغناءً عنها بكرامة المعرفة. وما قيل في الرسل من عدم تعيين المفضول، مثله يقال في حق الأولياء، وإلا وقع في الغيبة الشنيعة؛ فإن لحوم الأولياء سموم، فليعتقد الكمال في الجميع، ولا يصرح بتعيين المفضول كما تقدم. والله تعالى أعلم. ولما ذكر الحقّ تعالى أحوال الرسل، وتفاوتهم في العناية، ذكر أحوال أممهم وتفاوتهم في الهداية، فقال: {... وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} قلت: إذا وقع فعل المشيئة بعد {لو} فالغالب حذف مفعوله، كقوله:{أية : وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا}تفسير : [الأعراف: 176]، أي: لو شئنا رفعه لرفعناه بها، وكقوله: {ولو شاء الله ما اقتتل...}، أي: لو شاء هدايتهم ما اقتتلوا، وغير ذلك. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولما بعثتُ الرسلَ، وفضَّلتُ بعضَهم على بعض، اختلفت أممهم من بعدهم فاقتتلوا، وكل ذلك بإرادتي ومشيئتي، {ولو شاء الله} هداية أممهم {ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم} المعجزات الواضحات في تحقيق رسالتهم وصحة نبوتهم، {ولكن اختلفوا} بغياً وحسداً؛ {فمنهم من آمن} بتوفيقه لاتباع دين الأنبياء، {ومنهم من كفر} بمخالفتهم، فكان من الأشقياء، {ولو شاء الله} جَمْعهم على الهدى {ما اقتتلوا}، لكن حكمته اقتضت وجود الاختلاف؛ ليظهر سر اسمه المنتقم والقهار واسمه الكريم والحليم، {ولكن الله يفعل ما يريد} {أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ}تفسير : [الأنبيَاء: 23]. وفي الآية دليل على أن الحوادث كلها بيد الله خيرها وشرها، وأن أفعال العباد كلها بقدرته تعالى، لا تأثير لشيء من الكائنات فيها. وهذا يردُّ قول المعتزلة القائلين بخلق العبد أفعاله، فما أبعدهم عن الله. نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه. الإشارة: اختلاف الناس على الأولياء سُنة ماضية وحكمة أزلية،{أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الأحزَاب: 62]،{أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}تفسير : [هُود: 118]، فمن رأيته من الأولياء اتفق الناسُ على تعظيمه في حياته فهو ناقص أو جاهل بالله؛ إذ الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وهذا هو الغالب، والنادر لا حكم له، فلو كان الاتفاق محموداً لكان على الأنبياء أولى، فلما لم يقع للأنبياء والرسل، لم يقع للأولياء؛ إذ هم على قدمهم، وقائمون بالوراثة الكاملة عنهم. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : إنما ذكر الله تعالى تفضيل بعضهم على بعض، لامور: منها أن لا يغلط غالط منهم، فيسوّي بينهم في الفضل. كما استووا في الرسالة، وثانيها أن يبين أن تفضيل محمد (صلى الله عليه وسلم) كتفضيل من مضى من الأنبياء بعضهم على بعض. وثالثها - أن الفضيلة قد تكون بعد إداء الفريضة. والمراد الفضيلة المذكورة ها هنا ما خص كل واحد منهم من المنازل الجليلة التي هي أعلى من منزلة غيره، نحو كلامه لموسى بلا سفير، وإرساله محمداً (صلى الله عليه وسلم) الى الكافة من الناس المكلفين والجن المتعدين، هذا قول مجاهد. ويحتمل فضلناهم بأعمالهم التي استحقوا بها الفضيلة على غيرهم. والفرق بين الابتداء بالفضيلة وبين المحاباة ان المحاباة اختصاص البعض بالنفع على ما توجبه الشهوة دون الحكمة، وليس كذلك الابتداء بالفضيلة، لأنه قد يكون للمصلحة التي لولاها لفسد التدبير وأدى الى حرمان الثواب للجميع. فمن حسن النظر لهذا الانسان تفضيل غيره عليه إذا كان في ذلك مصلحة له فهذا وجه تدعوا إليه الحكمة وليس كالوجه الأول الذي انما تدعوا إليه الشهوة. وقوله: {وأيدناه بروح القدس} معناه قويناه. والروح: جبريل. والقدس الله - على قول الحسن - وقال ابن عباس: روح القدس: الاسم الذي كان يحيي به الموتى. والضمير في قوله: {من بعدهم} عائد على الرسل. وقال قتادة، والربيع: على عيسى وموسى (ع). وجاز بلفظ الجميع، لأن ذكرهم قد يغني عن ذكر المتبعين لهم. كما يقال: خرج الأمير فانكوا في العدوّ نكاية عظيمة. وقوله: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} إخبار عن قدرته على إلجائهم على الامتناع من الاقتتال، أو بأن يمنعهم من ذاك. هذا قول الحسن وغيره. وجملته انه أخبر انه قادر على أن يحول بينهم، وبين الاقتتال بالالجاء والاضطرار. ومثله {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً} فان جميع ذلك دلالة على قدرته عليهم. ولا يدل قوله {ولو شاء الله ما اقتتلوا} على أنه قد شاء اقتتالهم، لأنه إذا احتمل الكلام وجهين: أحدهما - يجوز عليه والآخر لا يجوز عليه، وجب حمله على ما يجوز عليه، دون ما لا يجوز عليه، فلذلك كان تقدير الكلام ولو شاء الله امتناعهم بالالجاء ما اقتتلوا. ونظيره قول القائل ولو شاء السلطان الاعظم، لم يشرب النصارى الخمر في سلطانه ولا نكحت المجوس الامهات والبنات وليس في ذلك دليل على أنه قد شاءه وإنما كرر قوله: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} لاختلاف المعنى. فمعنى الأول لو شاء الله ما اقتتلوا قتالهم، ويجوز أن يكون لتأكيد البينة على هذا المعنى. وقال قوم: الأول معناه لو شاء الله ما اقتل المحقون، والمبطلون بأن يحول. بينهم، وبينهم. والثاني لو شاء الله ما اقتتل المحقون فيما بينهم والمبطلون فيما بينهم.

الجنابذي

تفسير : {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} جواب لسؤال مقدّر عن حال الرّسل وتساويهم وتفاضلهم وتمهيد لبيان تفضيله (ص) على الآخرين {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} فى منقبة دون منقبة كأكثر الانبياء الّذين لم يكونوا اولى العزم او فى اكثر المناقب كاولى العزم وغيرهم من ذوى الدّرجات منهم او فى الكلّ كخاتم الانبياء (ص) {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} خبر بعد خبر ان جعل تلك الرّسل مبتدأ، او تلك مبتدأ والرّسل خبره، او هو خبر ابتداء ان جعل فضّلنا حالاً او معترضاً، او هو مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او بيان لفضّلنا بعضهم على بعضٍ نظير عطف البيان فى المفردات وهذا بيان للتّفضيل بمنقبةٍ خاصّةٍ {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} بيان للتّفضيل فى مناقب عديده، ودرجات تميز محوّل عن المفعول وليس حالاً ولا قائماً مقام المصدر كما قيل للاحتياج الى كلفة التّأويل حينئذٍ، عن النّبىّ (ص) انّه قال "حديث : ما خلق الله خلقاً افضل منّى ولا اكرم عليه منّى، قال علىّ (ع) فقلت: يا رسول الله افأنت افضل ام جبرئيل؟- فقال: انّ الله فضّل انبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين وفضّلنى على جميع النّبيّين والمرسلين، والفضل بعدى لك يا علىّ وللائمّة من بعدك وانّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا"تفسير : {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} المعجزات الظّاهرة المذكورة فى الكتاب {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} تأييداً خاصّاً غير التّأييد الّذى كان لسائر الانبياء وقد التفت فى الكلام من الغيبة الى التّكلّم ثمّ منه الى الغيبة ثمّ منها الى التّكلّم ثمّ منه الى الغيبة فيما يأتى، والوجه العامّ فى الالتفات ايقاظ المخاطب للتّوجّه الى الكلام توجّهاً اتمّ من التّوجّه السّابق وتجديد نشاطه، ويوجد فى خصوص الموارد بعض الدّواعى الخاصّة {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} عدم الاقتتال عطف على محذوفٍ جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل فما فعل النّاس بعد مجيء الرّسل؟ - فقال: اختلفوا واقتتلوا، ولو شاء الله {مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم} اى الّذين كانوا موجودين من بعد مجيئهم او من بعد وفاتهم فيكون تعريضاً بالاختلاف والقتال الواقع فى زمان محمّد (ص) او بعد وفاته (ص) وتسلية له (ص): ولأوصيائه {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} اى المعجزات او الدّلائل الواضحات او الموضحات {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ} قياس استثنائىّ مشير الى رفع التّالى المستلزم لرفع المقدّم اعنى مشيئة عدم الاقتتال وهو بمفهومه اعمّ من مشيئة الاقتتال لكنّه بحسب الواقع مستلزم له {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ} الفاء سببيّة او عاطفة للتّفصيل على الاجمال والمراد الايمان العامّ الحاصل بالبيعة العامّة {وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ} لمّا نسب الاختلاف اليهم وكذا الايمان والكفر توهّم منها انّهم هم الفاعلون لافعالهم من دون فاعليّة الله تعالى وسببيّة مشيئته فكرّر الشّرطيّة السّابقة دفعاً لهذا التّوهّم وتأكيداً لنسبة الافعال الى المشيئة بل حصراً لنسبة الافعال اليه تعالى من دون استقلال الغير بها او مشاركته ولذلك أتى باستثناء التّالى بحيث يفيد نسبة الافعال اليه تعالى بطريق الحصر فقال: تحقيق الجبر والقدر والامر بين الامرين وتحقيق بعض المطالب {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} لا غيره {يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} وهذا فى موضع لكن اختلفوا فكأنّه قال ولكن اختلفوا وليس الاختلاف منهم ولا بمشاركتهم بل الله فعل الاختلاف فى مظاهرهم وقد اشار تعالى الى كبرى قياس من الشّكل الاوّل مستنبط صغراه من المقدّمات المسلّمة المشهورة وهى كلّ شيءٍ من افعال العباد وصفاتهم وغيرها ممّا له سمة الامكان فهو مراده تعالى لتسليم كلّ من اقرّ بالمبدء الاوّل ان لا شيء فى عالم الامكان الاّ بعلمه ومشيئته وارادته، وكلّ مراده فهو مفعول له لا لغيره لا بالاستقلال ولا بالشّراكة فكلّ شيءٍ من الذّوات والاعراض وافعال العباد مفعول له تعالى لا لغيره فعلى هذا يكون افعال العباد فعل الله لكن فى مظاهر العباد. وتحقيق افعال العباد بحيث لا يلزم من نسبتها الى الله جبرٌ للعباد ولا من نسبتها الى العباد تفويضٌ اليهم ولا تعدّد فى النّسبة يستدعى ذكر مقدّماتٍ: الاولى - انّ الوجود كما تكرّر سابقاً حقيقة واحدة ذات مراتب كثيرة متفاوتة بالشدّة والضّعف والتقدّم والتّاخّر بحيث لا ينثلم بكثرتها وحدة تلك الحقيقة كالنّور العرضىّ فانّه حقيقة واحدة متكثّرة بحسب المراتب القريبة والبعيدة من منبعه وبحسب السّطوح المستنيرة به، فانّ النّور يتكثّر بكثرة السّطوح بالعرض فاذا ارتفع السّطوح وحدود المراتب واعتبارها لم يبق الاّ حقيقة واحدة من دون اعتبار كثرةٍ فيها. والثّانية - أنّ تلك الحقيقة بذاتها تقتضى الوجوب لضرورة اتّصاف الشّيء بذاته وامتناع سلبه عن ذاته. والثّالثة - انّ الوجوب بالذّات يقتضى الاحاطة بجميع انحاء الوجودات ومراتبها بحيث لو كان شيء منها مغايراً للواجب وخارجاً منه تلك الحقيقة لزم تحدّد الحقيقة الواجبة بذلك الشّيء ولزم من التحدّد الامكان فلم يكن حقيقة الوجود حقيقة الوجود بل نحواً من انحائها، ولا الواجب واجباً بل كان ممكناً. والرّابعة - أنّ تلك الحقيقة كما تقتضى الوجوب بذاتها تقتضى الاصالة فى التّحقّق وفى منشأيّة الآثار لاقتضاء الوجوب الاصالة، واقتضاء الاصالة منشأيّة الآثار وكون غيرها من التعيّنات اعتباريّاً. والخامسة - انّ مراتب الوجود وانحاءه بحكم المقدّمة الثّالثة عبارة عن تلك الحقيقة متحدّدة بحدودٍ وتعيّناتٍ وبتلك الحدود وقع التّميز بينها وليست تلك الحقيقة جنساً لها ولا نوعاً. والسّادسة - أنّ الآثار الصّادرة من انحاء تلك الحقيقة صادرة من تلك الحقيقة مقيّدة بحدود تلك الانحاء بحيث يكون التّقييد داخلاً والقيود خارجة وليست صادرة من تلك الحقيقة مطلقة؛ والاّ لاتّحدت ولا من الحدود لأنّها اعدام والعدم لا حكم له الاّ بتبعيّة الوجود فلا منشأيّة له لا للوجودىّ ولا للعدمىّ ولا من المجموع المركّب من تلك الحقيقة والحدود، لانّ الحدود كما لا تكون منشأً للآثار منفردة لا تكون منشأً منضّمة لانّ اعتبار الانضمام لا يفيدها شيئاً لم يكن لها قبل ذلك وما يقال: انّ عدم العلّة علّة لعدم المعلول كلام على سبيل المشاكلة والاّ فالعدم ليس معلولاً ومجعولاً حتّى يحتاج الى علّة وما يتراءى من انّ حدود الآثار واعدامها المنتزعة منها ناشئة من حدود المؤثّرات واعدامها المنتزعة منها وقد تفوّه به بعض الفلاسفة خالٍ عن التّحصيل لانّ حدود الآثار من جملة لوازم وجوداتها وليست من حيث هى مجعولة ومن حيث الجهات المنتزعة هى منها فهى مجعولة بمجعوليّة وجود الآثار وبتبعيّتها لا بجعل آخر حتّى تستدعى علّة اخرى، واذا عرفت ذلك فاعلم انّ افعال العباد الاختياريّة صادرة عنهم بعد تصوّرها والتّصديق بغاياتها النّافعة لهم، وبعد الميل والعزم والارادة والقدرة منهم وهذا معنى كون الفعل اختياريّاً وامّا كون الاختيار بالاختيار والارادة بالارادة فليس معتبراً فى كون الفعل اختياريّاً والفاعل مختاراً، لكن نقول على ما سبق من المقدّمات افعال العباد آثار حقيقة الوجود المحدودة بحدود العباد من غير اعتبار الحدود فيها، والعباد عبارة عن تلك الحقيقة معتبراً معها تلك الحدود فهى منسوبة الى حقيقة الوجود اوّلاً وبالذّات والى العباد ثانياً وبالعرض من غير تعدّدٍ فى النّسبة بالذّات انّما التعدّد والتغاير الاعتبارىّ فى المنسوب اليه وليست الافعال مفوّضة الى العباد كما قالته المعتزلة المدعوّة بمجوس هذه الأمّة لانّ التفويض يستدعى استقلالاً بالفاعليّة فى المفوّض اليه وقد علمت انّ اسم العبد يطلق على حقيقة الوجود باعتبار انضمام حدٍّ عدمىٍّ اليها غير موجود فضلاً عن استقلاله بالوجود والفاعليّة لكن عامّة النّاس وان لم يكونوا مقرّين بالتفويض لساناً قائلون به حالاً مشاركون للمعتزلة فعلاً فانّ المحجوبين عن الوحدة المبتلين بالكثرة المشاهدين للكثرات المتباينة المتضادّة لا يمكنهم تصوّر مبدء واحد لافعال العباد وآثار غيرهم فلا يدركون الاّ استقلال العباد بافعالهم بل لا يتصوّرون تفويضاً ومفوّضاً فى الافعال وهذا من عمدة اغلاط الحواسّ والخيال ولكون الخيال مخطئاً فى ادراكه كان الاولياء العظام يأمرون العباد بالذّكر اللسانىّ او القلبىّ المؤدّى الى الفكر المخصوص المخرج عن دار الكثرة والغيبة والخطاء الى دار الوحدة والشّهود والصّواب، وليس العباد مجبورين فى الفعال لانّ الجبر يقتضى جابراً مغايراً للمجبور ومجبوراً مستقّلاً فى الوجود مريداً مختاراً مسلوباً عنه الاختيار متحرّكاً على حسب ارادة الجابر المخالفة لارادة المجبور وليس هناك جابر مغاير للمجبور ولا مجبور مستقل فى الوجود ولا فى الفعال ولا سلب الارادة المجبور ولا ارادة مستقلّة مغايرة لارادة الجابر فالجبر يقتضى مفاسد التّفويض مع شيءٍ آخر من المفاسد ولذا قيل (مولوى): شعر : در خرد جبر ازقدر رسوا تراست زانكه جبرى حسّ خود را منكراست تفسير : علاوة على نسبة الاستقلال الى العباد وليس الافعال بتسخير الله ايضاً لما ذكر فانّه لا فرق بين التّسخير والجبر الاّ بسلب الارادة وعدمه فانّ المسخّر ارادته باقية تابعة لارادة المسخّر بخلاف المجبور فانّ ارادته تكون مسلوبةً وحركته تكون بارادة الجابر المخالفة لارادة المجبور بل الامر أدقّ وألطف من الجبر والتّسخير ومعنى الامر بين الامرين أنّ نسبة الافعال الى العباد امر اجلّ واعظم من ان يكون بطريق التفويض، وادقّ واخفى من ان يكون بطريق الجبر والتّسخير، واعلى واسنى من ان يكون بطريق التشريك فى الفاعل كما يظنّ، واشرف من ان يكون بطريق توسّط العباد بين الفعل والفاعل كتوسّط الآلات بين الافعال والفاعلين كما يترائى بل الفاعل حقيقة الوجود الظّاهرة بحدود العباد وتوجّه اللّوم والتّعزير والحدّ والامر والنّهى ان كان ذلك ممّا يعاتب به العوامّ فلتخليص الانسانيّة اى تلك الحقيقة عن الحدود المخالفة لحدود الانسانيّة، وان كان ممّا يخاطب به الانبياء (ع) والاولياء (ع) فلتخليص الانسانيّة عن الحدود جملة وايصالها الى الظّهور من غير حدٍّ، ومن هذا يعلم انّ اللّوم واجراء الحدود والامر والنّهى لا يجوز الاّ ممّن له شأنيّة التّخليص بان يكون ممّن خلص نفسه اوّلاً من حدٍّ يريد تخليص الغير منه وأبصر ذلك الحدّ وقوى على التخليص ولوفاته شيءٌ من هذه لم يجز منه ذلك، ولمّا لم يكن الانسان يدرك بنفسه انّ له هذا المقام احتاج الى اجازة البصير المحيط به على انّ الاجازة بها ينعقد قلب المأمور على أمر الآمر ولولا الاجازة لا ينعقد، ولمّا كان الافعال منسوبة الى الله تعالى اوّلاً وبالذّات والى انحاء الوجودات ثانياً وبالعرض صحّ سلب أفعال العباد عنهم واسنادها الى الله مثل قوله تعالى: {أية : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 17]، حيث نفى القتل الصّادر منهم عنهم وأثبته لله بطريق حصر القلب او الافراد، وهكذا قوله تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال:17]، ولمّا كان اقرار اللّسان من دون موافقة الجنان كذباً ومذموماً انكر تعالى على من تفوّه بمثل هذا من غير تحصيل بقوله {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} تفسير : [الأنعام:148] على أنّهم ارادوا بذلك دفع اللّوم عن أنفسهم بتعليق الاشراك والتّحريم على المشيئة وقد علم ممّا سبق انّ التعليق على المشيئة لا يوجب الجبر ولا يدفع اللّوم عن الفاعل ان كان الفعل ممّا يلام عليه ولذا اثبت تعالى بعد الانكار عليهم ما قالوه فقال: {أية : قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الأنعام:149]. واعلم انّ للآثار ثلاثة اعتبارات: اعتبار الاطلاق؛ وبهذا الاعتبار اسنادها الى الحقيقة المطلقة اولى، واعتبار التقييد بالحدود من دون اعتبار الحدود معها؛ وبهذا الاعتبار اسنادها الى الحقيقة المقيّدة اولى، واعتبار التّقييد بالحدود واعتبار الحدود معها؛ وبهذا الاعتبار اسنادها الى الحقيقة المقيّدة المعتبر معها التعيّنات والحدود الّتى هى الموجودات اولى، ولمّا كان الانسان فى طاعاته منسلخاً من انانيّته وحدودها متوجّهاً الى مولاه وامره كان اسناد طاعاته الى الله اولى، ولمّا كان فى معصيته متحدّداً بحدود انانيّته كان نسبة معاصيه الى نفسه اولى كما اشير اليه فى الحديث القدسى، ومن هذا يعلم انّ العابد لو كان غرضه من العبادة انتفاع نفسه ولو بالقرب من الله لم يكن طاعته طاعة حقيقة لانّ قصد انتفاع النّفس ليس الا باقتضاء الانانيّة.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثني [أ، ب: حدثنا] أحمد بن موسى قال: حدثنا مخول قال: حدثنا عبد الرحمان عن علي بن الحزور: عن اصبغ بن نباتة قال: جاء رجُلٌ إلى أمير المؤمنين علي [بن أبي طالب. أ] عليه السلام فقال: بما [ب: بم] نسمى [أ: تسمى. ر: يسمى] هؤلاء القوم الذين تقاتل، الدين واحد والصلاة واحدة والمناسك واحدة، ثم قد نادينا إلى الصلاة فنادوا بمثل ما قد نادينا فبما [ب: فبم] نسميهم قال: نسميهم بما سماهم الله تعالى. قال: فقال الرجل: يا أمير المؤمين ما كل ما قال الله نعلمه [إلا أن تعلمه، قال: فإنا نسميهم بما سماهم الله تعالى به في القرآن فقال الرجل: ما كل القرآن نعلمه. ب، ر] قال أمير المؤمنين عليه السلام {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} إلى قوله {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} فلما وقع الاختلاف [من. أ، ب] مؤمن وكافر كنا نحن أولى بالله وبالنبي وبكتابه وبالقرآن وبالحق [منهم. أ، ب] {ولو شاء الله ما اقتتلوا} قاتلناهم بمشية الله. ر، خ [أ، ب: بمشيته] وإرادته {ولكن الله يفعل ما يريد}. فقال الأصبغ: قال الرجل: يا أمير المؤمنين كفارٌ وربّ الكعبة. قال: فرأيته يحمل بالسيف [أ: السيف] حتى يضرب به الكتيبة.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ الرُّسُلُ} المذكورة العامة فى قوله، وإنك لمن المرسلين، وهذا أولى من أن يجعل المراد الرسل المذكورين فى السورة، أو معلوميه صلى الله عليه وسلم، والاستغراق هكذا بلا نظر إلى ذكرهم فى قوله، لمن المرسلين {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} بخصائل حميدة بمحض فضلنا، فيفضل بالحسنات أيضاً، ومن ذلك أنه شرع لبعض وأجرى بعضاً على شرع من قبله، وليس التخصيص باستعداد وقابلية كما زعم بعض الحكماء {مِّنْهُمْ مَّن كَلمَ اللهُ} موسى ليلة الاختيار وفى الطور، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء على أنه بالجسد، وآدم {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍ} على درجات أو بدرجات، أو فى درجات، أو رفع درجات بعض على التمييز، كذا قيل، أو مفعول مطلق، لأن الدرجة رفعة، كأنه قال: ورفعنا بعضهم رفعات، أو حال، أى ذا درجات، أو مفعول ثان لرفعنا على تضمين معنى بلغنا بشد اللام، وذلك بفتضيله على غيره بمراتب متعددة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، كبعثه صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كلهم، الإنس والجن والملائكة وغيره بعثة لا تنسخ، وتفضيل أمته، وما أوتى نبى إلا أوتى صلى الله عليه وسلم مثلها زيادة على ما خص به، وقد أطلت فى شرح نونية المديح ما شاء الله وأما آدم فأرسل إلى أولاده وأولادهم، لكن لم يكن فى الدنيا سواهم، ولم يرسل إلى الجن، وأما نوح فعم بعد الغرق الناس ولم يبعث للجن، ولم يكن له العموم فى زمان البعثة، وقيل التكليم لموسى خاصة، ولا ينافى أن محمداً أفضل منه، لأنه يوجد فى المفضول ما لم يكن فى الفاضل، وقيل: البعض المرفوع درجات إبراهيم، إذ خص بالخلة، وهى أعلى المراتب، سوى الحبيبة، ومحمد حبيب الله، والحبيبة أعلى رتبة من الخلة، إذ الخليل محب لحاجته، والحبيب محب لا لغرض، والخليل يكون فعله برضاء الله، والحبيب يكون فعله برضاه، والحبيب مرتبته فى مرتبة اليقين، والخليل مرتبته فى حد الطمع، وروى فى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم خليل الله كإبراهيم وأنه حبيب الله أيضاً، وقيل إدريس لقوله تعالى، ورفعناه مكاناً عليّاً، وفى القولين ضعف لجمع الدرجات إلا أن يقال جمعت تعظيماً، أو باعتبار ما يترتب، وقيل أولو العزم، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وزيد، يعقوب ويوسف وأيوب وداود عليهم السلام {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَٰتِ} إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والتنبئة بما يؤكل وما يدخر وسائر آياته {وَأَيَّدْنَٰهُ} قويناه {بِرُوحِ الْقُدُسِ} جبريل، يسير معه حيث سار حتى رفع إلى السماء، وخصه بالذكر لإفراط اليهود فى تحقيره، والنصارى فى تعظيمه، وجعل معجزاته سبب تفضيله، لأنه محسوسات، ولا خوف أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من كل نبى على حدة، وأما أن يكونوا كلهم دفعة دونه ففيه التوقف، وجزم بعض بأنهم دونه لقوله تعالى: فبهداهم اقتده؛ فإنه إذا اقتدى بهم كلهم فقد عمل عملهم كلهم فهو أفضل منهم مجموعين، ويدل له أيضا ما روى أن الملك قال: فلو وزنت به الناس كلهم لرجحهم، ويبحث بأن الأنبياء لم يذكروا كلهم فى الآية، بل بعضهم، وبأنه أمر بالافتداء بهم فى الأصول وما لا يختلف، وكيف يتصور أن يعمل بما تخالفوا فيه، وقيل أفضل من مجموعهم من حيث إن أعمال أمته كلها، ما نووه له وما لم ينووه راجعة إليه صلى الله عليه وسلم مع ما يقصد به من الصلاة والسلام عليه عدد التراب والأنفاس وذرات الأجسام والأعراض وغير ذلك {وَلَوْ شَآءَ اللهُ} قدر بعض، لو شاء الله عدم الاقتتال، وهذا التقدير هو الأنسب بالقاعدة من تقدير مفعول المعيشة بعد لو من جنس جوابها، ويقبل من جهة المعنى تقدير لو شاء الله ألا يختلفوا، أو ألا يؤمروا بالقتال، أو يهتدوا كلهم، وأشكل بأن الأعدام الأزلية لا تتعلق بها الإرادة، وإلا كانت حادثة فلا يقدر لو شاء الله عدم الاقتتال، أو ألا يختلفوا، أو ألا يؤمروا {مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم} بعد الرسل، أى ما اقتتلت كل أمة بعد موت رسولها {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَٰتُ} المعجزات أو الآيات المتلوات، الهاء راجعة للرسل جاءتهم البينات من الله ليعلم الناس أنهم رسل الله عز وجل، أو للذين من بعدهم، أى جاءتهم من جهة الرسل، ومن بعد متعلق باقتتل، أو بدل من قوله، من بعد، والمراد بالاقتتال الاختلاف، لأنه سبب الاقتتل، ولذا قال {وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ} وهذا أولى من رد اختلفوا إلى معنى اقتتلوا، عكس ما مر، أى لم يشأ عدم اقتتالهم، بل شاء اقتتالهم لاختلافهم {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ} ثبت على إيمانه السابق {وَمِنْهُمْ مَّنْ كَفَرَ} كالنصارى بعد المسيح {وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ} تأكيد، وهو من باب البلاغة، أو تأسيس، أى ولو شاء الله عدم اقتتالهم بعد هذه المرتبة من الاختلاف والشقاق والمستتبعين للاقتتال بحسب العادة ما اقتتلوا {وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} من توفيق وخذلان، فاختلفوا إيمانا وكفرا، ونقول من خارج، الله يفعل بإرادته ما يشاء لا بقهر قاهر، وهو مستقبل بالفعل، ولو جعل له أسبابا، وكل شىء مستأنف منه.

الالوسي

تفسير : /{تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} استئناف مشعر بالترقي كأنه قيل: إنك لمن المرسلين وأفضلهم فضلاً، والإشارة لجماعة الرسل الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فيه من معنى البعد ـ كما قيل ـ للإيذان بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم، واللام للاستغراق، ويجوز أن تكون للجماعة المعلومة له صلى الله عليه وسلم أو المذكورة قصصها في السورة، واللام للعهد، واختيار جمع التكسير لقرب جمع التصحيح {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} بأن خصصنا بعضهم بمنقبة ليست تلك المنقبة للبعض الآخر، وقيل: المراد التفضيل بالشرائع فمنهم من شرع ومنهم من لم يشرع، وقيل: هو تفضيل بالدرجات الأخروية ولا يخفى ما في كل، ويؤيد الأول قوله تعالى: {مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} فإنه تفصيل للتفضيل المذكور إجمالاً، والجملة لا محل لها من الإعراب، وقيل: بدل من {فَضَّلْنَا} والمراد بالموصول إما موسى عليه السلام فالتعريف عهدي، أو كل من كلمه الله تعالى عن رضا بلا واسطة، وهم آدم ـ كما ثبت في الأحاديث الصحيحة وموسى وهو الشهير بذلك، ونبينا صلى الله عليه وسلم وهو المخصوص بمقام قاب والفائز بعرائس خطاب ما تعرض بالتعريض لها الخطاب، وقرىء {كَلَّمَ اللهَ} بالنصب وقرأ اليماني (كالم الله) من المكالمة قيل وفي إيراد الاسم الجليل بطريق الالتفات تربية للمهابة ورمز إلى ما بين التكلم والرفع وبين ما سبق من مطلق التفضيل وما لحق من إيتاء البينات والتأييد بروح القدس من التفاوت. {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ } أي ومنهم من رفعه الله تعالى على غيره من الرسل بمراتب متباعدة ومن وجوه متعددة، وتغيير الأسلوب لتربية ما بينهم من اختلاف الحال في درجات الشرف، والمراد ببعضهم هنا النبـي صلى الله عليه وسلم كما ينبىء عنه الإخبار بكونه صلى الله عليه وسلم منهم فإنه قد خص بمزايا تقف دونها الأماني حسرى. وامتاز بخواص علمية وعملية لا يستطيع لسان الدهر لها حصراً. ورقى أعلام فضل رفعت له على كواهله الأعلام وطأطأت له رؤوس شرفات الشرف فقبلت منه الأقدام فهو المبعوث رحمة للعالمين والمنعوت بالخلق العظيم بين المرسلين والمنزل عليه قرآن مجيد {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } تفسير : [فصلت: 42] والمؤيد دينه المؤبد بالمعجزات المستمرة الباهرة والفائز بالمقام المحمود والشفاعة العظمى في الآخرة، والإبهام لتفخيم شأنه وللإشعار بأنه العلم الفرد الغني عن التعيين، وقيل: المراد به إبراهيم حيث خصه الله تعالى بمقام الخلة التي هي أعلا المراتب ولا يخفى ما فيه، وقيل: إدريس لقوله تعالى: {أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}تفسير : [مريم: 57]، وقيل: أولو العزم من الرسل، وفيه ـ كما في «الكشف» ـ أنه لا يلائم ذوق المقام الذي فيه الكلام البتة، وكذا الكلام عندي في سابقه إذ الرفعة عليه حقيقة والمقام يقتضي المجاز كما لا يخفى،/ و ـ درجات ـ قيل: حال من (بعضهم) على معنى ذا درجات، وقيل: انتصابه على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة فكأنه قيل: ورفعنا بعضهم رفعات، وقيل: التقدير ـ على ـ أو ـ إلى ـ أو ـ في ـ درجات فلما حذف حرف الجر وصل الفعل بنفسه، وقيل: إنه مفعول ثان لرفع على أنه ضمن معنى بلغ، وقيل: إنه بدل اشتمال وليس بشيء. {وَءاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي الآيات الباهرات والمعجزات الواضحات كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإخبار بما يأكلون ويدخرون، أو الإنجيل، أو كلما يدل على نبوته، وفي ذكر ذلك في مقام التفضيل إشارة إلى أنه السبب فيه، وهذا يقتضي أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء إذ له من قداح ذلك المعلى والرقيب. {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} قد تقدم تفسيره، وإفراده عليه السلام بما ذكر لرد ما بين أهل الكتابين في شأنه من التفريط والإفراط، والآية ناطقة بأن الأنبياء عليهم السلام متفاوتة الأقدار فيجوز تفضيل بعضهم على بعض ولكن بقاطع لأن الظن في الاعتقاديات لا يغنى من الحق شيئاً. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم} أي جاءوا من بعد كل رسول كما يقتضيه المعنى لا جميع الرسل كما هو ظاهر اللفظ من الأمم المختلفة أي لو شاء الله تعالى عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلهم متفقين على الحق واتباع الرسل الذين جاءوا به فمفعول المشيئة محذوف لكونه مضمون الجزاء على القاعدة المعروفة، ومن قدر ـ ولو شاء الله هدى الناس جميعاً ما اقتتل ـ الخ وعدل عما تقتضيه القاعدة ظناً بأن هذا العدم لا يحتاج إلى مشيئة وإرادة بل يكفي فيه عدم تعلق الإرادة بالوجود لم يأت بشيء {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ} من جهة أولئك الرسل، وقيل: الضمير عائد إلى الذين من قبلهم وهم الرسل، والمجرور متعلق ـ باقتتل ـ وقيل: بدل من نظيره مما قبله {ٱلْبَيِّنَـٰتُ} أي المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة الدالة على حقية الحق الموجبة للاتباع الزاجرة عن الإعراض المؤدي إلى الاقتتال. {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ} استدراك من الشرطية أشير به إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض مقدمها منتج لنقيض تاليها إلا أنه قد وضع فيه الاختلاف موضع نقيض المقدم المترتب عليه للإيذان بأن الاقتتال ناشيء من قبلهم وسوء اختيارهم لا من جهته تعالى ابتداءاً كأنه قيل: ولكن لم يشأ عدم اقتتالهم لأنهم اختلفوا اختلافاً فاحشاً. {فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ} أي بما جاءت به أولئك الرسل وثبت على إيمانه وعمل بموجبه، وهذا بيان للاختلاف فلا محل للجملة من الإعراب {وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ} بذلك كفراً لا ارعواء له عنه فاقتضت الحكمة عدم مشيئته لعدم اقتتالهم فاقتتلوا بموجب ما اقتضته أحوالهم. {وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ} عدم اقتتالهم بعد هذه المرتبة أيضاً من الاختلاف المستتبع للقتال عادة {مَا ٱقْتَتَلُواْ} وما رفعوا رأس التطاول والتعادي لما أن الكل بيد قهره فالتكرير ليس للتأكيد كما ظن بل للتنبيه على أن اختلافهم ذلك ليس موجباً لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم كما يفهم ذلك من وضعه في الاستدراك موضعه بل هو سبحانه مختار في ذلك حتى لو شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا كما يفصح عنه الاستدراك بقوله عز وجل: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} حسبما يريد من غير أن يوجبه عليه موجب أو يمنعه عنه مانع كذا قرره المولى أبو السعود قدس سره وهو من الحسن بمكان إلا أنه قد اعترضه العلامة عبد الباقي البغدادي في «تفسيره» بنحو ما تقدم آنفاً في نظير هذا القياس، وذكر أنه خلاف استعمال (لو) عند أرباب العربية وأرباب الاستدلال/ ولعل الجواب عن هذا هو الجواب عن ذلك مع أدنى تغيير فلا تغفل، وما ذكره من توجيه التكرير مما تفرد به فيما أعلم، والأكثرون على أنه للتأكيد ((إلا أن وراءه سراً خص منه ـ كما ذكره صاحب «الانتصاف» ـ وهو أن العرب متى بنت أول كلامها على مقصد ثم اعترضها مقصد آخر وأرادت الرجوع إلى الأول قصدت ذكره إما بتلك العبارة أو بقريب منها، وذلك عندهم مهيع من الفصاحة مسلوك وطريق معتد، وفي كتاب الله تعالى مواضع من ذلك منها قوله تعالى: {أية : مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَـٰنِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} تفسير : [النحل: 106] وهذه الآية من هذا النمط فإنه لما صدر الكلام بأن اقتتالهم كان على وفق المشيئة ثم لما طال الكلام وأريد بيان أن مشيئة الله تعالى كما نفذت في هذا الأمر الخاص وهو اقتتال هؤلاء فهي نافذة في كل فعل واقع وهو المعبر عنه في قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} طرأ ذكر تعلق المشيئة بالاقتتال لتلوه عموم تعلق المشيئة (ليتناسب الكلام ويقرن) كل بشكله وهذا سر ينشرح لبيانه الصدر ويرتاح (به) السر)) ولعله أحسن من القول بأن الأول بلا واسطة والثاني بواسطة المؤمنين أو بالعكس، هذا وفي الآية دليل على أن الحوادث تابعة لمشيئة الله تعالى خيراً كانت أو شراً إيماناً أو كفراً.

سيد قطب

تفسير : أول ما يواجهنا في هذا الدرس هو ذلك التعبير الخاص عن الرسل: {تلك الرسل}.. لم يقل: هؤلاء الرسل. إنما استهل الحديث عنهم بهذا التعبير الخاص، الذي يشتمل على إيحاء قوي واضح. يحسن أن نقول عنه كلمة قبل المضي في مواجهة نصوص الدرس كله. {تلك الرسل}.. إنهم جماعة خاصة. ذات طبيعة خاصة. وإن كانوا بشراً من البشر.. فمن هم؟ ما الرسالة؟ ما طبيعتها؟ كيف تتم؟ لماذا كان هؤلاء وحدهم رسلاً؟ وبماذا؟ أسئلة طالما أشفقت أن أبحث لها عن جواب! إن حسي ليفعم بمشاعر ومعان لا أجد لها كفاء من العبارات! ولكن لا بد من تقريب المشاعر والمعاني بالعبارات! إن لهذا الوجود الذي نعيش فيه، والذي نحن قطعة منه؛ سنناً أصيلة يقوم عليها. هذه السنن هي القوانين الكونية التي أودعها الله هذا الكون ليسير على وفقها، ويتحرك بموجبها، ويعمل بمقتضاها. والإنسان يكشف عن أطراف من هذه القوانين كلما ارتقى في سلم المعرفة. يكشف عنها - أو يكشف له عنها - بمقدار يناسب إدراكه المحدود، المعطى له بالقدر الذي يلزم لنهوضه بمهمة الخلافة في الأرض، في أمد محدود. ويعتمد الإنسان في معرفة هذه الأطراف من القوانين الكونية على وسيلتين أساسيتين - بالقياس إليه - هما الملاحظة والتجربة. وهما وسيلتان جزئيتان في طبيعتهما، وغير نهائيتين ولا مطلقتين في نتائجهما. ولكنهما تقودان أحيانا إلى أطراف من القوانين الكلية في آماد متطاولة من الزمان.. ثم يظل هذا الكشف جزئياً غير نهائي ولا مطلق؛ لأن سر التناسق بين تلك القوانين كلها. سر الناموس الذي ينسق بين القوانين جميعها. هذا السر يظل خافياً، لا تهتدي إليه الملاحظة الجزئية النسبية، مهما طالت الآماد.. إن الزمن ليس هو العنصر النهائي في هذا المجال. إنما هو الحد المقدور للإنسان ذاته، بحكم تكوينه، وبحكم دوره في الوجود. وهو دور جزئي ونسبي. ثم تجيء كذلك نسبية الزمن الممنوح للجنس البشري كله على وجه الأرض وهو بدوره جزئي ومحدود.. ومن ثم تبقى جميع وسائل المعرفة، وجميع النتائج التي يصل إليها البشر عن طريق هذه الوسائل، محصورة في تلك الدائرة الجزئية النسبية. هنا يجيء دور الرسالة. دور الطبيعة الخاصة التي آتاها الله الاستعداد اللدني لتتجاوب في أعماقها - بطريقة ما نزال نجهل طبيعتها وإن كنا ندرك آثارها - مع ذلك الناموس الكلي، الذي يقوم عليه الوجود.. هذه الطبيعة الخاصة هي التي تتلقى الوحي؛ فتطيق تلقيه، لأنها مهيأة لاستقباله.. إنها تتلقى الإشارة الإلهية التي يتلقاها هذا الوجود؛ لأنها متصلة اتصالاً مباشراً بالناموس الكوني الذي يصرّف هذا الوجود.. كيف تتلقى هذه الإشارة؟ وبأي جهاز تستقبلها؟ نحن في حاجة - لكي نجيب - أن تكون لنا نحن هذه الطبيعة التي يهبها الله للمختارين من عباده! و{أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته}تفسير : .. وهي أمر عظيم أعظم من كل ما يخطر على البال من عظائم الأسرار في هذا الوجود. كل الرسل قد أدركوا حقيقة "التوحيد" وكلهم بعثوا بها. ذلك أن إيقاع الناموس الواحد في كيانهم كله، هداهم إلى مصدره الواحد الذي لا يتعدد - لا يتعدد وإلا لتعددت النواميس وتعدد إيقاعها الذي يتلقونه - وكان هذا الإدراك في فجر البشرية، قبل أن تنمو المعرفة الخارجية، المبنية على الملاحظة والتجربة، وقبل أن تتكشف بعض القوانين الكونية، التي تشير إلى تلك الوحدة. وكلهم دعا إلى عبادة الله الواحد.. دعا إلى هذه الحقيقة التي تلقاها وأمر أن يبلغها.. وكان إدراكهم لها هو المنطق الفطري الناشيء من إيقاع الناموس الواحد في الفطرة الواصلة. كما كان نهوضهم لتبليغها هو النتيجة الطبيعية لإيمانهم المطلق بكونها الحقيقة؛ وبكونها صادرة إليهم من الله الواحد، الذي لا يمكن - وفق الإيقاع القوي الصادق الملزم الذي تلقته فطرتهم - أن يتعدد! وهذا الإلزام الملح الذي تستشعره فطرة الرسل يبدو أحياناً في كلمات الرسل التي يحكيها عنهم هذا القرآن، أو التي يصفهم بها في بعض الأحيان. نجده مثلاً في حكاية قول نوح - عليه السلام - لقومه: {أية : قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله. وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم، ولكني أراكم قوماً تجهلون. ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم؟ أفلا تذكرون؟ }.. تفسير : ونجده في حكاية قول صالح - عليه السلام -: {أية : قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة، فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير }.. تفسير : ونجده في سيرة إبراهيم - عليه السلام - {أية : وحاجه قومه. قال: أتحاجوني في الله وقد هدان؟ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً. وسع ربي كل شيء علماً. أفلا تتذكرون؟ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ }... تفسير : ونجده في قصة شعيب - عليه السلام -: {أية : قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت. وما توفيقي إلا بالله. عليه توكلت وإليه أنيب }.. تفسير : ونجدها في قول يعقوب - عليه السلام - لبنيه: {أية : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون }.. تفسير : وهكذا وهكذا نجد في أقوال الرسل وأوصافهم أثر ذلك الإيقاع العميق الملح على فطرتهم، والذي تشي كلماتهم بما يجدونه منه في أعماق الضمير! ويوماً بعد يوم تكشفت للمعرفة الإنسانية الخارجية ظواهر تشير من بعيد إلى قانون الوحدة في هذا الوجود. واطلع العلماء من البشر على ظاهرة وحدة التكوين ووحدة الحركة في هذا الكون العريض وتكشف - في حدود ما يملك الإنسان أن يعلم - أن الذرة هي أساس البناء الكوني كله، وأن الذرة طاقة.. فالتقت المادة بالقوة في هذا الكون ممثلة في الذرة. وانتفت الثنائية التي تراءت طويلاً. وإذا المادة - وهي مجموعة من الذرات - هي طاقة حين تتحطم هذه الذرات، فتتحول إلى طاقة من الطاقات!.. وتكشف كذلك - في حدود ما يملك الإنسان أن يعلم - أن الذرة في حركة مستمرة من داخلها. وإنها مؤلفة من إلكترونات - أو كهارب - تدور في فلك حول النواة أو النويات وهي قلب الذرة. وأن هذه الحركة مستمرة ومطردة في كل ذرة. وأن كل ذرة - كما قال فريد الدين العطار - شمس تدور حولها كواكب كشمسنا هذه وكواكبها التي ما تني تدور حولها باستمرار! وحدة التكوين ووحدة الحركة في هذا الكون هما الظاهرتان اللتان اهتدى اليهما الإنسان.. وهما إشارتان من بعيد إلى قانون الوحدة الشامل الكبير. وقد بلغت اليهما المعرفة البشرية بمقدار ما تطيق الملاحظة والتجربة البشرية أن تبلغ.. أما الطبائع الخاصة الموهوبة، فقد أدركت القانون الشامل الكبير كله في لمحة؛ لأنها تتلقى إيقاعه المباشر، وتطيق وحدها تلقيه. إنهم لم يجمعوا الشواهد والظواهر على تلك الوحدة عن طريق التجارب العلمية. ولكن لأنهم وهبوا جهاز استقبال كاملاً مباشراً، استقبلوا إيقاع الناموس الواحد استقبالا داخلياً مباشراً؛ فأدركوا إدراكاً مباشراً أن الإيقاع الواحد لا بد منبعث عن ناموس واحد، صادر من مصدر واحد. وكان هذا الجهاز اللدني في تلك الطبائع الخاصة الموهوبة أدق وأشمل وأكمل، لأنه أدرك في لمسة واحدة ما وراء وحدة الإيقاع من وحدة المصدر، ووحدة الإرادة والفاعلية في هذا الوجود. فقرر - في إيمان - وحدة الذات الإلهية المصرفة لهذا الوجود. وما أسوق هذا الكلام لأن العلم الحديث يرى أنه قد أدرك ظاهرة أو ظاهرتين من ظواهر الوحدة الكونية. فالعلم يثبت أو ينفي في ميدانه. وكل ما يصل إليه من "الحقائق" نسبي جزئي مقيد؛ فهو لا يملك أن يصل أبداً إلى حقيقة واحدة نهائية مطلقة. فضلاً على أن نظريات العلم قُلَّب، يكذب بعضها بعضاً، ويعدِّل بعضها بعضاً. وما ذكرت شيئاً عن وحدة التكوين ووحدة الحركة لأقرن اليهما صدق الاستقبال لوحدة الناموس في حس الرسل.. كلا.. إنما قصدت إلى أمر آخر. قصدت إلى تحديد مصدر التلقي المعتمد لتكوين التصور الصادق الكامل الشامل لحقيقة الوجود. إن الكشف العلمي ربما يكون قد اهتدى إلى بعض الظواهر الكونية المتعلقة بحقيقة الوحدة الكبرى.. هذه الوحدة التي لمست حس الرسل من قبل في محيطها الواسع الشامل المباشر. والتي أدركتها الفطرة اللدنية إدراكاً كاملاً شاملاً مباشراً. وهذه الفطرة صادقة بذاتها - سواء اهتدت نظريات العلم الحديث إلى بعض الظواهر أو لم تهتد - فنظريات العلم موضع بحث ومراجعة من العلم ذاته. وهي ليست ثابتة أولاً. ثم إنها ليست نهائية ولا مطلقة أخيراً. فلا تصلح إذن أن تقاس بها صحة الرسالة. فالمقياس لا بد أن يكون ثابتاً وأن يكون مطلقاً. ومن هنا تكون الرسالة هي المقياس الثابت المطلق الوحيد. وينشأ عن هذه الحقيقة حقيقة أخرى ذات أهمية قصوى.. إن هذه الطبائع الخاصة الموصولة بناموس الوجود صلة مباشرة، هي التي تملك أن ترسم للبشرية اتجاهها الشامل. اتجاهها الذي يتسق مع فطرة الكون وقوانينه الثابتة وناموسه المطرد. هي التي تتلقى مباشرة وحي الله. فلا تخطىء ولا تضل، ولا تكذب ولا تكتم. ولا تحجبها عوامل الزمان والمكان عن الحقيقة؛ لأنها تتلقى هذه الحقيقة عن الله، الذي لا زمان عنده ولا مكان. ولقد شاءت الإرادة العليا أن تبعث بالرسل بين الحين والحين، لتصل البشرية بالحقيقة المطلقة، التي ما كانت ملاحظتهم وتجربتهم لتبلغ إلى طرف منها إلا بعد مئات القرون. وما كانت لتبلغ إليها كلها أبداً على مدار القرون. وقيمة هذا الاتصال هي استقامة خطاهم مع خطى الكون؛ واستقامة حركاتهم مع حركة الكون؛ واستقامة فطرتهم مع فطرة الكون. ومن ثم كان هنالك مصدر واحد يتلقى منه البشر التصور الصادق الكامل الشامل لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني. ولغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنساني. ومن هذا التصور يمكن أن ينبثق المنهج الوحيد الصحيح القويم، الذي يتطابق مع حقيقة تصميم الكون وحقيقة حركته، وحقيقة اتجاهه. ويدخل به الناس في السلم كافة. السلم مع هذا الكون، والسلم مع فطرتهم وهي من فطرة هذا الكون، والسلم مع بعضهم البعض في سعيهم ونشاطهم ونموهم ورقيهم المهيأ لهم في هذه الحياة الدنيا. مصدر واحد هو مصدر الرسالات، وما عداه ضلال وباطل، لأنه لا يتلقى عن ذلك المصدر الوحيد الواصل الموصول. إن وسائل المعرفة الأخرى المتاحة للإنسان، معطاة له بقدر. ليكشف بها بعض ظواهر الكون وبعض قوانينه وبعض طاقاته. بالقدر اللازم له في النهوض بعبء الخلافة في الأرض، وتنمية الحياة وتطويرها. وقد يصل في هذا المجال إلى آماد بعيدة جداً. ولكن هذه الآماد لا تبلغ به أبداً إلى محيط الحقيقة المطلقة التي هو في حاجة إليها ليكيف حياته - لا وفق الأحوال والظروف الطارئة المتجددة فحسب، ولكن وفق القوانين الكونية الثابتة المطردة التي قام عليها الوجود، ووفق الغاية الكبرى للوجود الإنساني كله. هذه الغاية التي يراها خالق الإنسان المتعالي عن ملابسات الزمان والمكان. ولا يراها الإنسان المحدود المتأثر بملابسات الزمان والمكان. إن الذي يضع خطة الرحلة للطريق كله، هو الذي يدرك الطريق كله. والإنسان محجوب عن رؤية هذا الطريق. بل هو محجوب عن اللحظة التالية. ودونه ودونها ستر مسبل لا يباح لبشر أن يطلع وراءه! فأنى للإنسان أن يضع الخطة لقطع الطريق المجهول؟! إنه إما الخبط والضلال والشرود. وإما العودة إلى المنهج المستمد من خالق الوجود. منهج الرسالات. ومنهج الرسل. ومنهج الفطر الموصولة بالوجود وخالق الوجود. ولقد مضت الرسالات واحدة إثر واحدة، تأخذ بيد البشرية وتمضي بها صعداً في الطريق على هدى وعلى نور. والبشرية تشرد من هنا وتشرد من هناك؛ وتحيد عن النهج، وتغفل حداء الرائد؛ وتنحرف فترة ريثما يبعث إليها رائد جديد. وفي كل مرة تتكشف لها الحقيقة الواحدة في صور مترقية؛ تناسب تجاربها المتجددة حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة كان عهد الرشد العقلي قد أشرق. فجاءت الرسالة الأخيرة تخاطب العقل البشري بكليات الحقيقة كلها؛ لتتابع البشرية خطواتها في ظل تلك الخطوط النهائية العريضة. وكانت خطوط الحقيقة الكبرى من الوضوح بحيث لا تحتاج بعد إلى رسالة جديدة. ويحسبها المفسرون المجددون على مدار القرون. وبعد فإما أن تسير البشرية داخل هذا النطاق الشامل الذي يسعها دائماً، ويسع نشاطها المتجدد المترقي، ويصلها بالحقيقة المطلقة التي لا تصل إليها عن أي طريق آخر. وإما أن تشرد وتضل وتذهب بدداً في التيه! بعيداً عن معالم الطريق! {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض. منهم من كلم الله. ورفع بعضهم درجات. وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس. ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات. ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر. ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد}.. هذه الآية تلخص قصة الرسل والرسالات - كما أنها أفردت جماعة الرسل وميزتها من بين الناس - فهي تقرر أن الله فضل بعض الرسل على بعض؛ وتذكر بعض أمارات التفضيل ومظاهره. ثم تشير إلى اختلاف الذين جاءوا من بعدهم من الأجيال المتعاقبة - من بعد ما جاءتهم البينات - وإلى اقتتالهم بسبب هذا الاختلاف. كما تقرر أن بعضهم آمن وبعضهم كفر. وأن الله قد قدر أن يقع بينهم القتال لدفع الكفر بالإيمان، ودفع الشر بالخير.. وهذه الحقائق الكثيرة التي تشير إليها هذه الآية تمثل قصة الرسالة وتاريخها الطويل. {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}.. والتفضيل هنا قد يتعلق بالمحيط المقدر للرسول. والذي تشمله دعوته ونشاطه. كأن يكون رسول قبيلة، أو رسول أمة، أو رسول جيل. أو رسول الأمم كافة في جميع الأجيال.. كذلك يتعلق بالمزايا التي يوهبها لشخصه أو لأمته. كما يتعلق بطبيعة الرسالة ذاتها ومدى شمولها لجوانب الحياة الإنسانية والكونية.. وقد ذكر النص هنا مثالين في موسى وعيسى - عليهما السلام - وأشار إشارة عامة إلى من سواهما: {منهم من كلم الله - ورفع بعضهم درجات - وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس}.. وحين يذكر تكليم الله لأحد من الرسل ينصرف الذهن إلى موسى - عليه السلام - ومن ثم لم يذكره باسمه. وذكر عيسى بن مريم - عليه السلام - وهكذا يرد اسمه منسوباً إلى أمه في أغلب المواضع القرآنية. والحكمة في هذا واضحة. فقد نزل القرآن وهناك حشد من الأساطير الشائعة حول عيسى - عليه السلام - وبنوته لله - سبحانه وتعالى - أو عن ازدواج طبيعته من اللاهوت والناسوت. أو عن تفرده بطبيعة إلهية ذابت فيها الطبيعة الناسوتية كالقطرة في الكأس! إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي غرقت الكنائس والمجامع في الجدل حولها؛ وجرت حولها الدماء أنهاراً في الدولة الرومانية! ومن ثم كان هذا التوكيد الدائم على بشرية عيسى - عليه السلام - وذكره في معظم المواضع منسوباً إلى أمه مريم.. أما روح القدس فالقرآن يعني به جبريل - عليه السلام - فهو حامل الوحي إلى الرسل. وهذا أعظم تأييد وأكبره. وهو الذي ينقل الإشارة الإلهية إلى الرسل بانتدابهم لهذا الدور الفذ العظيم، وهو الذي يثبتهم على المضي في الطريق الشاق الطويل؛ وهو الذي يتنزل عليهم بالسكينة والتثبيت والنصر في مواقع الهول والشدة في ثنايا الطريق.. وهذا كله التأييد أما البينات التي آتاها الله عيسى - عليه السلام - فتشمل الإنجيل الذي نزله عليه، كما تشمل الخوارق التي أجراها على يديه، والتي ورد ذكرها مفصلة في مواضعها المناسبة من القرآن. تصديقاً لرسالته في مواجهة بني إسرائيل المعاندين! ولم يذكر النص هنا محمداً - صلى الله عليه وسلم - لأن الخطاب موجه إليه. كما جاء في الآية السابقة في السياق: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين.. تلك الرسل.. إلخ}. فالسياق سياق إخبار له عن غيره من الرسل. وحين ننظر إلى مقامات الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - من أية ناحية نجد محمداً - - صلى الله عليه وسلم - في القمة العليا. وسواء نظرنا إلى الأمر من ناحية شمول الرسالة وكليتها، أو من ناحية محيطها وامتدادها، فإن النتيجة لا تتغير.. إن الإسلام هو أكمل تصور لحقيقة الوحدة - وهي أضخم الحقائق على الإطلاق - وحدة الخالق الذي ليس كمثله شيء. ووحدة الإرادة التي يصدر عنها الوجود كله بكلمة: "كن". ووحدة الوجود الصادر عن تلك الإرادة. ووحدة الناموس الذي يحكم هذا الوجود. ووحدة الحياة من الخلية الساذجة إلى الإنسان الناطق. ووحدة البشرية من آدم - عليه السلام - إلى آخر أبنائه في الأرض. ووحدة الدين الصادر من الله الواحد إلى البشرية الواحدة. ووحدة جماعة الرسل المبلغة لهذه الدعوة. ووحدة الأمة المؤمنة التي لبت هذه الدعوة. ووحدة النشاط البشري المتجه إلى الله وإعطائه كله اسم "العبادة". ووحدة الدنيا والآخرة داري العمل والجزاء. ووحدة المنهج الذي شرعه الله للناس فلا يقبل منهم سواه. ووحدة المصدر الذي يتلقون عنه تصوراتهم كلها ومنهجهم في الحياة... ومحمد - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أطاقت روحه التجاوب المطلق مع حقيقة الوحدة الكبرى؛ كما أطاق عقله تصور هذه الوحدة وتمثلها؛ كما أطاق كيانه تمثيل هذه الوحدة في حياته الواقعة المعروضة للناس. كذلك هو الرسول الذي أرسل إلى البشر كافة، من يوم مبعثه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ والذي اعتمدت رسالته على الإدراك الإنساني الواعي دون ضغط حتى من معجزة مادية قاهرة، ليعلن بذلك عهد الرشد الإنساني. ومن ثم كان هو خاتم الرسل. وكانت رسالته خاتمة الرسالات. ومن ثم انقطع الوحي بعده؛ وارتسمت للبشرية في رسالته تلك الوحدة الكبرى؛ وأعلن المنهج الواسع الشامل الذي يسع نشاط البشرية المقبل في إطاره؛ ولم تعد إلا التفصيلات والتفسيرات التي يستقل بها العقل البشري - في حدود المنهج الرباني - ولا تستدعي رسالة إلهية جديدة. وقد علم الله - سبحانه - وهو الذي خلق البشر؛ وهو الذي يعلم ما هم ومن هم؛ ويعلم ما كان من أمرهم وما هو كائن.. قد علم الله - سبحانه - أن هذه الرسالة الأخيرة، وما ينبثق عنها من منهج للحياة شامل، هي خير ما يكفل للحياة النمو والتجدد والانطلاق. فأيما إنسان زعم لنفسه أنه أعلم من الله بمصلحة عباده؛ أو زعم أن هذا المنهج الرباني لم يعد يصلح للحياة المتجددة النامية في الأرض؛ أو زعم أنه يملك ابتداع منهج أمثل من المنهج الذي أراده الله.. أيما إنسان زعم واحدة من هذه الدعاوى أو زعمها جميعاً فقد كفر كفراً صراحاً لا مراء فيه؛ وأراد لنفسه وللبشرية شر ما يريده إنسان بنفسه وبالبشرية؛ واختار لنفسه موقف العداء الصريح لله، والعداء الصريح للبشرية التي رحمها الله بهذه الرسالة، وأراد لها الخير بالمنهج الرباني المنبثق منها ليحكم الحياة البشرية إلى آخر الزمان. وبعد فقد اقتتل أتباع {تلك الرسل}. ولم تغن وحدة جماعة الرسل في طبيعتهم، ووحدة الرسالة التي جاءوا بها كلهم.. لم تغن هذه الوحدة عن اختلاف اتباع الرسل حتى ليقتتلون من خلاف: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم - من بعد ما جاءتهم البينات - ولكن اختلفوا: فمنهم من آمن ومنهم من كفر. ولو شاء الله ما اقتتلوا. ولكن الله يفعل ما يريد}.. إن هذا الاقتتال لم يقع مخالفاً لمشيئة الله. فما يمكن أن يقع في هذا الكون ما يخالف مشيئته - سبحانه - فمن مشيئته أن يكون هذا الكائن البشري كما هو. بتكوينه هذا واستعداداته للهدى وللضلال. وأن يكون موكولاً إلى نفسه في اختيار طريقه إلى الهدى أو إلى الضلال. ومن ثم فكل ما ينشأ عن هذا التكوين وإفرازاته واتجاهاته داخل في إطار المشيئة؛ وواقع وفق هذه المشيئة. كذلك فإن اختلاف الاستعدادات بين فرد وفرد من هذا الجنس سنة من سنن الخالق، لتنويع الخلق - مع وحدة الأصل والنشأة - لتقابل هذه الاستعدادات المختلفة وظائف الخلافة المختلفة المتعددة المتنوعة. وما كان الله ليجعل الناس جميعاً نسخاً مكررة كأنما طبعت على ورق "الكربون" على حين أن الوظائف اللازمة للخلافة في الأرض وتنمية الحياة وتطويرها منوعة متباينة متعددة.. أما وقد مضت مشيئة الله بتنويع الوظائف فقد مضت كذلك بتنويع الاستعدادات ليكون الاختلاف فيها وسيلة للتكامل. وكلف كل إنسان أن يتحرى لنفسه الهدى والرشاد والإيمان. وفيه الاستعداد الكامن لهذا، وأمامه دلائل الهدى في الكون، وعنده هدى الرسالات والرسل على مدار الزمان. وفي نطاق الهدى والإيمان يمكن أن يظل التنوع الخير الذي لا يحشر نماذج الناس كلهم في قالب جامد! {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر}.. وحين يصل الاختلاف إلى هذا المدى، فيكون اختلاف كفر وإيمان، يتعين القتال. يتعين لدفع الناس بعضهم ببعض. دفع الكفر بالإيمان. والضلال بالهدى، والشر بالخير. فالأرض لا تصلح بالكفر والضلال والشر. ولا يكفي أن يقول قوم: إنهم أتباع أنبياء إذا وصل الاختلاف بينهم إلى حد الكفر والإيمان. وهذه هي الحالة التي كانت تواجهها الجماعة المسلمة في المدينة يوم نزل هذا النص.. كان المشركون في مكة يزعمون أنهم على ملة إبراهيم! وكان اليهود في المدينة يزعمون أنهم على دين موسى. كما كان النصارى يزعمون أنهم على دين عيسى.. ولكن كل فرقة من هؤلاء كانت قد بعدت بعداً كبيراً عن أصل دينها، وعن رسالة نبيها. وانحرفت إلى المدى الذي ينطبق عليه وصف الكفر. وكان المسلمون عند نزول هذا النص يقاتلون المشركين من العرب. كما كانوا على وشك أن يوجهوا إلى قتال الكفار من أهل الكتاب. ومن ثم جاء هذا النص يقرر أن الاقتتال بين المختلفين على العقيدة إلى هذا الحد، هو من مشيئة الله وبإذنه: {ولو شاء الله ما اقتتلوا}.. ولكنه شاء. شاء ليدفع الكفر بالإيمان؛ وليقر في الأرض حقيقة العقيدة الصحيحة الواحدة التي جاء بها الرسل جميعاً فانحرف عنها المنحرفون. وقد علم الله أن الضلال لا يقف سلبياً جامداً، إنما هو ذو طبيعة شريرة. فلا بد أن يعتدي، ولا بد أن يحاول إضلال المهتدين، ولا بد أن يريد العوج ويحارب الاستقامة. فلا بد من قتاله لتستقيم الأمور. {ولكن الله يفعل ما يريد}.. مشيئة مطلقة. ومعها القدرة الفاعلة. وقد قدر أن يكون الناس مختلفين في تكوينهم. وقدر أن يكونوا موكولين إلى أنفسهم في اختيار طريقهم. وقدر أن من لا يهتدي منهم يضل. وقدر أن الشر لا بد أن يعتدي ويريد العوج. وقدر أن يقع القتال بين الهدى والضلال. وقدر أن يجاهد أصحاب الإيمان لإقرار حقيقته الواحدة الواضحة المستقيمة؛ وأنه لا عبرة بالانتساب إلى الرسل من اتباعهم، إنما العبرة بحقيقة ما يعتقدون وحقيقة ما يعملون. وأنه لا يعصمهم من مجاهدة المؤمنين لهم أن يكونوا ورثة عقيدة وهم عنها منحرفون.. وهذه الحقيقة التي قررها الله للجماعة المسلمة في المدينة حقيقة مطلقة لا تتقيد بزمان. إنما هي طريقة القرآن في اتخاذ الحادثة المفردة المقيدة مناسبة لتقرير الحقيقة المطردة المطلقة. ومن ثم يعقب السياق على ذكر الاختلاف والاقتتال بنداء {الذين آمنوا}، ودعوتهم إلى الإنفاق مما رزقهم الله. فالإنفاق صنو الجهاد وعصب الجهاد: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة. والكافرون هم الظالمون}.. إنها الدعوة بالصفة الحبيبة إلى نفوس المؤمنين، والتي تربطهم بمن يدعوهم، والذي هم به مؤمنون: {يا أيها الذين آمنوا}.. وهي الدعوة إلى الإنفاق من رزقه الذي أعطاهم إياه. فهو الذي أعطى، وهو الذي يدعو إلى الإنفاق مما أعطى: {أنفقوا مما رزقناكم}.. وهي الدعوة إلى الفرصة التي إن أفلتت منهم فلن تعود {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة}.. فهي الفرصة التي ليس بعدها - لو فوّتوها على أنفسهم - بيع تربح فيه الأموال وتنمو. وليس بعده صداقة أو شفاعة ترد عنهم عاقبة النكول والتقصير. ويشير إلى الموضوع الذي يدعوهم إلى الإنفاق من أجله. فهو الإنفاق للجهاد. لدفع الكفر. ودفع الظلم المتمثل في هذا الكفر: {والكافرون هم الظالمون}.. ظلموا الحق فأنكروه. وظلموا أنفسهم فأوردوها موارد الهلاك. وظلموا الناس فصدوهم عن الهدى وفتنوهم عن الإيمان، وموهوا عليهم الطريق، وحرموهم الخير الذي لا خير مثله. خير السلم والرحمة والطمأنينة والصلاح واليقين. إن الذين يحاربون حقيقة الإيمان أن تستقر في القلوب؛ ويحاربون منهج الإيمان أن يستقر في الحياة؛ ويحاربون شريعة الإيمان أن تستقر في المجتمع.. إنما هم أعدى أعداء البشرية وأظلم الظالمين لها. ومن واجب البشرية - لو رشدت - أن تطاردهم حتى يصبحوا عاجزين عن هذا الظلم الذي يزاولونه؛ وأن ترصد لحربهم كل ما تملك من الأنفس والأموال.. وهذا هو واجب الجماعة المسلمة الذي يندبها إليه ربها ويدعوها من أجله بصفتها تلك؛ ويناديها ذلك النداء الموحي العميق.. وبمناسبة الاختلاف بعد الرسل والاقتتال، والكفر بعد مجيء البينات والإيمان.. بهذه المناسبة تجيء آية تتضمن قواعد التصور الإيماني، وتذكر من صفات الله سبحانه ما يقرر معنى الوحدانية في أدق مجالاته، وأوضح سماته. وهي آية جليلة الشأن، عميقة الدلالة، واسعة المجال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم. له ما في السماوات وما في الأرض. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤوده حفظهما. وهو العلي العظيم}.. وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية. ومع أن القرآن المكي في عمومه كان يدور على بناء هذا التصور، فإننا نلتقي في القرآن المدني كذلك في مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل الهام. الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله، ولا يستقيم هذا المنهج في الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس، ويتضح ويتحول إلى حقائق مسلمة في النفس، ترتكن إلى الوضوح واليقين. ولقد تحدثت فيما سبق عند تفسير سورة الفاتحة في أول الجزء الأول من هذه الطبعة من الظلال، عن الأهمية البالغة لوضوح صفة الله - سبحانه - في الضمير الإنساني. بما أن الركام الذي كان يرين على هذا الضمير من تصورات الجاهلية كان معظمه ناشئاً من غموض هذه الحقيقة، ومن غلبة الخرافة والأسطورة عليها؛ ومن الغبش التي يغشيها حتى في فلسفة أكبر الفلاسفة.. حتى جاء الإسلام فجلاها هذا الجلاء، وأنقذ الضمير البشري من ذلك الركام الثقيل، ومن ذلك الضلال والخبط في الظلماء! وكل صفة من هذه الصفات التي تضمنتها هذه الآية تمثل قاعدة يقوم عليها التصور الإسلامي الناصع، كما يقوم عليها المنهج الإسلامي الواضح. {الله لا إله إلا هو}.. فهذه الوحدانية الحاسمة التي لا مجال فيها لأي انحراف أو لبس مما طرأ على الديانات السابقة - بعد الرسل - كعقيدة التثليث المبتدعة من المجامع الكنسية بعد عيسى - عليه السلام - ولا لأي غبش مما كان يرين على العقائد الوثنية التي تميل إلى التوحيد، ولكنها تلبسه بالأساطير، كعقيدة قدماء المصريين - في وقت من الأوقات - بوحدانية الله، ثم تلبيس هذه الوحدانية بتمثل الإله في قرص الشمس! ووجود آلهة صغيرة خاضعة له! هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي؛ والتي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها. فعن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى الله وحده بالعبودية والعبادة. فلا يكون إنسان عبداً إلا لله، ولا يتجه بالعبادة إلا لله، ولا يلتزم بطاعة إلا طاعة الله، وما يأمره الله به من الطاعات. وعن هذا التصور تنشأ قاعدة: الحاكمية لله وحده. فيكون الله وحده هو المشرع للعباد؛ ويجيء تشريع البشر مستمداً من شريعة الله. وعن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلها من الله؛ فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان الله، ولا شرعية لوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف عن منهج الله.. وهكذا إلى آخر ما ينبثق عن معنى الوحدانية من مشاعر في الضمير أو مناهج لحياة الناس في الأرض على السواء. {الحي القيوم}.. والحياة التي يوصف بها الإله الواحد هي الحياة الذاتية التي لم تأت من مصدر آخر كحياة الخلائق المكسوبة الموهوبة لها من الخالق. ومن ثم يتفرد الله - سبحانه - بالحياة على هذا المعنى. كما أنها هي الحياة الأزلية الأبدية التي لا تبدأ من مبدأ ولا تنتهي إلى نهاية، فهي متجردة عن معنى الزمان المصاحب لحياة الخلائق المكتسبة المحددة البدء والنهاية. ومن ثم يتفرد الله - سبحانه - كذلك بالحياة على هذا المعنى. ثم إنها هي الحياة المطلقة من الخصائص التي اعتاد الناس أن يعرفوا بها الحياة. فالله - سبحانه - ليس كمثله شيء، ومن ثم يرتفع كل شبه من الخصائص التي تتميز بها حياة الأشياء، وتثبت لله صفة الحياة مطلقة من كل خصيصة تحدد معنى الحياة في مفهوم البشر.. وتنتفي بهذا جميع المفهومات الأسطورية التي جالت في خيال البشر! أما صفة {القيوم} فتعني قيامه - سبحانه - على كل موجود. كما تعني قيام كل موجود به فلا قيام لشيء إلا مرتكناً إلى وجوده وتدبيره.. لا كما كان أكبر فلاسفة الإغريق - أرسطو - يتصور أن الله لا يفكر في شيء من مخلوقاته، لأنه تعالى أن يفكر في غير ذاته! ويحسب أن في هذا التصور تنزيهاً لله وتعظيماً؛ وهو يقطع الصلة بينه وبين هذا الوجود الذي خلقه.. وتركه.. فالتصور الإسلامي تصور إيجابي لا سلبي. يقوم على أساس أن الله - سبحانه - قائم على كل شيء وأن كل شيء، قائم في وجوده على إرادة الله وتدبيره.. ومن ثم يظل ضمير المسلم وحياته ووجوده ووجود كل شيء من حوله مرتبطا بالله الواحد؛ الذي يصرّف أمره وأمر كل شيء حوله، وفق حكمة وتدبير، فيلتزم الإنسان في حياته بالمنهج المرسوم القائم على الحكمة والتدبير؛ ويستمد منه قيمه وموازينه، ويراقبه وهو يستخدم هذه القيم والموازين. {لا تأخذه سنة ولا نوم}.. وهذا توكيد لقيامه - سبحانه - على كل شيء، وقيام كل شيء به. ولكنه توكيد في صورة تعبيرية تقرب للإدراك البشري صورة القيام الدائم. في الوقت الذي تعبر فيه هذه الصورة عن الحقيقة الواقعة من مخالفة الله - سبحانه - لكل شيء.. {ليس كمثله شيء}.. وهي تتضمن نفي السنة الخفيفة أو النوم المستغرق، وتنزهه - سبحانه - عنهما إطلاقاً.. وحقيقة القيام على هذا الوجود بكلياته وجزئياته في كل وقت وفي كل حالة.. حقيقة هائلة حين يحاول الإنسان تصورها، وحين يسبح بخياله المحدود مع ما لا يحصيه عد من الذرات والخلايا والخلائق والأشياء والأحداث في هذا الكون الهائل؛ ويتصور - بقدر ما يملك - قيام الله - سبحانه - عليها؛ وتعلقها في قيامها بالله وتدبيره.. إنه أمر.. أمر لا يتصوره الإدراك الإنساني. وما يتصوره منه - وهو يسير - هائل يدير الرؤوس. ويحير العقول، وتطمئن به القلوب.. {له ما في السماوات وما في الأرض}.. فهي الملكية الشاملة. كما أنها هي الملكية المطلقة.. الملكية التي لا يرد عليها قيد ولا شرط ولا فوت ولا شركة. وهي مفهوم من مفاهيم الألوهية الواحدة. فالله الواحد هو الحي الواحد، القيوم الواحد، المالك الواحد وهي نفي للشركة في صورتها التي ترد على أذهان الناس ومداركهم. كما أنها ذات أثر في إنشاء معنى الملكية وحقيقتها في دنيا الناس. فإذا تمحضت الملكية الحقيقية لله، لم يكن للناس ملكية ابتداء لشيء. إنما كان لهم استخلاف من المالك الواحد الأصلي الذي يملك كل شيء. ومن ثم وجب أن يخضعوا في خلافتهم لشروط المالك المستخلف في هذه الملكية. وشروط المالك المستخلف قد بينها لهم في شريعته؛ فليس لهم أن يخرجوا عنها؛ وإلا بطلت ملكيتهم الناشئة عن عهد الاستخلاف، ووقعت تصرفاتهم باطلة، ووجب رد هذه التصرفات من المؤمنين بالله في الأرض.. وهكذا نجد أثر التصور الإسلامي في التشريع الإسلامي، وفي واقع الحياة العملية التي تقوم عليه. وحين يقول الله في القرآن الكريم: {له ما في السماوات وما في الأرض}.. فإنه لا يقرر مجرد حقيقة تصورية اعتقادية؛ إنما يضع قاعدة من قواعد الدستور للحياة البشرية ونوع الارتباطات التي تقوم فيها كذلك. على أن مجرد استقرار هذه الحقيقة في الضمير.. مجرد شعور الإنسان بحقيقة المالك - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض.. مجرد تصور الإنسان لخلو يده هو من ملكية أي شيء مما يقال: إنه يملكه؛ ورد هذه الملكية لصاحبها الذي له ما في السماوات وما في الأرض.. مجرد إحساسه بأن ما في يده عارية لأمد محدود، ثم يستردها صاحبها الذي أعارها له في الأجل المرسوم.. مجرد استحضار هذه الحقائق والمشاعر كفيل وحده بأن يطامن من حدة الشره والطمع، وحدة الشح والحرص، وحدة التكالب المسعور. وكفيل كذلك بأن يسكب في النفس القناعة والرضى بما يحصل من الرزق؛ والسماحة والجود بالموجود؛ وأن يفيض على القلب الطمأنينة والقرار في الوجدان والحرمان سواء؛ فلا تذهب النفس حسرات على فائت أو ضائع؛ ولا يتحرق القلب سعاراً على المرموق المطلوب! {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟}.. وهذه صفة أخرى من صفات الله؛ توضح مقام الألوهية ومقام العبودية.. فالعبيد جميعاً يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية؛ لا يتعدونه ولا يتجاوزونه، يقفون في مقام العبد الخاشع الخاضع؛ الذي لا يقدم بين يدي ربه؛ ولا يجرؤ على الشفاعة عنده، إلا بعد أن يؤذن له، فيخضع للإذن ويشفع في حدوده.. وهم يتفاضلون فيما بينهم، ويتفاضلون في ميزان الله. ولكنهم يقفون عند الحد الذي لا يتجاوزه عبد.. إنه الإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الألوهية الجليلة العلية. يزيد هذا الإيحاء عمقاً صيغة الاستفهام الاستنكارية؛ التي توحي بأن هذا أمر لا يكون؛ وأنه مستنكر أن يكون. فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ وفي ظل هذه الحقيقة تبدو سائر التصورات المنحرفة للذين جاءوا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، فزعموا لله - سبحانه - خليطاً يمازجه أو يشاركه بالبنوة أو بغيرها من الصور في أي شكل وفي أي تصور، أو زعموا له - سبحانه - انداداً يشفعون عنده فيستجيب لهم حتماً. أو زعموا له - سبحانه - من البشر خلفاء يستمدون سلطانهم من قرابتهم له.. في ظل هذه الحقيقة تبدو تلك التصورات كلها مستنكرة مستبعدة لا تخطر على الذهن؛ ولا تجول في الخاطر، ولا تلوح بظلها في خيال! وهذه هي النصاعة التي يتميز بها التصور الإسلامي؛ فلا تدع مجالاً لتلبيس أو وهم، أو اهتزاز في الرؤية! الألوهية ألوهية. والعبودية عبودية. ولا مجال لالتقاء طبيعتهما أدنى التقاء. والرب رب، والعبد عبد. ولا مجال لمشاركة في طبيعتهما ولا التقاء. فأما صلة العبد بالرب، ورحمة الرب للعبد، والقربى والود والمدد.. فالإسلام يقررها ويسكبها في النفس سكباً؛ ويملأ بها قلب المؤمن ويفيضها عليه فيضاً؛ ويدعه يعيش في ظلالها الندية الحلوة. دون ما حاجة إلى خلط طبيعة الألوهية وطبيعة العبودية. ودون ما حاجة إلى الغبش والركام والزغللة والاضطراب الذي لا تتبين فيه صورة واحدة واضحة ولا ناصعة ولا محددة! {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}.. وهذه الحقيقة بطرفيها تساهم كذلك في تعريف المسلم بإلهه، وفي تحديد مقامه هو من إلهه. فالله يعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم. وهو تعبير عن العلم الشامل الكامل المستقصي لكل ما حولهم. فهو يشمل حاضرهم الذي بين أيديهم؛ ويشمل غيبهم الذي كان ومضى والذي سيكون وهو عنهم محجوب. كذلك هو يشمل ما يعلمونه من الأمور وما يجهلونه في كل وقت. وهو على العموم تعبير لغوي يفيد شمول العلم وتقصيه.. أما هم فلا يعلمون شيئاً إلا ما يأذن لهم الله أن يعلموه.. وشطر الحقيقة الأول.. علم الله الشامل بما بين أيديهم وما خلفهم.. من شأنه أن يحدث في النفس رجة وهزة. النفس التي تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها الذي يعلم ما بين يديها وما خلفها. يعلم ما تضمر علمه بما تجهر. ويعلم ما تعلم علمه بما تجهل. ويعلم ما يحيط بها من ماض وآت مما لا تعلمه هي ولا تدريه.. شعور النفس بهذا خليق بأن يحدث فيها هزة الذي يقف عرياناً بكل ما في سريرته أمام الديان؛ كما أنه خليق بأن يسكب في القلب الاستسلام لمن يعرف ظاهر كل شيء وخافيه. وشطر الحقيقة الثاني.. أن الناس لا يعلمون إلا ما شاء الله لهم أن يعلموه.. جدير بأن يتدبره الناس طويلاً. وبخاصة في هذه الأيام التي يفتنون فيها بالعلم في جانب من جوانب الكون والحياة. {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}.. إنه - سبحانه - هو الذي يعلم وحده كل شيء علماً مطلقاً شاملاً كاملاً. وهو - سبحانه - يتأذن فيكشف للعباد بقدر عن شيء من علمه؛ تصديقاً لوعده الحق: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}.. ولكنهم هم ينسون هذه الحقيقة؛ ويفتنهم ما يأذن الله لهم فيه من علمه. سواء كان هذا الذي أذن لهم فيه علم شيء من نواميس الكون وقوانينه؛ أو رؤية شيء من غيبه في لحظة عابرة وإلى حد معين.. يفتنهم هذا كما يفتنهم ذاك؛ فينسون الإذن الأول الذي منحهم الإحاطة بهذا العلم. فلا يذكرون ولا يشكرون. بل يتبجحون وقد يكفرون. إن الله سبحانه وهب الإنسان المعرفة مذ أراد إسناد الخلافة في الأرض إليه. ووعده أن يريه آياته في الآفاق وفي الأنفس ووعده الحق. وصدقه وعده فكشف له يوماً بعد يوم، وجيلاً بعد جيل، في خط يكاد يكون صاعداً أبداً، عن بعض القوى والطاقات والقوانين الكونية التي تلزم له في خلافة الأرض، ليصل بها إلى أقصى الكمال المقدر له في هذه الرحلة المرسومة. وبقدر ما أذن الله للإنسان في علم هذا الجانب وكشف له عنه، بقدر ما زوى عنه أسراراً أخرى لا حاجة له بها في الخلافة.. زوى عنه سر الحياة وما يزال هذا السر خافياً، وما يزال عصياً، وما يزال البحث فيه خبطاً في التيه بلا دليل! وزوى عنه سر اللحظة القادمة. فهي غيب لا سبيل إليه. والستر المسدل دونها كثيف لا تجدي محاولة الإنسان في رفعه.. وأحياناً تومض من وراء الستر ومضة لقلب مفرد بإذن من الله خاص؛ ثم يسدل الستر ويسود السكون؛ ويقف الإنسان عند حده لا يتعداه! وزوى عنه أسراراً كثيرة.. زوى عنه كل ما لا يتعلق بالخلافة في الأرض.. والأرض هي تلك الذرة الصغيرة السابحة في الفضاء كالهباءة.. ومع ذلك يفتن الإنسان بذلك الطرف من العلم، الذي أحاط به بعد الأذن. يفتن فيحسب نفسه في الأرض إلهاً! ويكفر فينكر أن لهذا الكون إلهاً! وإن يكن هذا القرن العشرون قد بدأ يرد العلماء حقاً إلى التواضع والتطامن. فقد بدأوا يعلمون أنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً! وبقي الجهال المتعالمون الذين يحسبون أنهم قد علموا شيئاً كثيراً! {وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يؤوده حفظهما}.. وقد جاء التعبير في هذه الصورة الحسية في موضع التجريد المطلق؛ على طريقة القرآن في التعبير التصويري، لأن الصورة هنا تمنح الحقيقة المراد تمثيلها للقلب قوة وعمقاً وثباتاً. فالكرسي يستخدم عادة في معنى الملك. فإذا وسع كرسيه السماوات والأرض فقد وسعهما سلطانه. وهذه هي الحقيقة من الناحية الذهنية. ولكن الصورة التي ترتسم في الحس من التعبير بالمحسوس أثبت وأمكن. وكذلك التعبير بقوله: {ولا يؤوده حفظهما} فهو كناية عن القدرة الكاملة. ولكنه يجيء في هذه الصورة المحسوسة. صورة انعدام الجهد والكلال. لأن التعبير القرآني يتجه إلى رسم صور للمعاني تجسمها للحس، فتكون فيه أوقع وأعمق وأحس. ولا حاجة بنا إلى كل ما ثار من الجدل حول مثل هذه التعبيرات في القرآن، إذا نحن فقهنا طريقة القرآن التعبيرية؛ ولم نستعر من تلك الفلسفات الأجنبية الغريبة التي أفسدت علينا كثيراً من بساطة القرآن ووضوحه. ويحسن أن أضيف هنا أنني لم أعثر على أحاديث صحيحة في شأن الكرسي والعرش تفسر وتحدد المراد مما ورد منها في القرآن. ومن ثم أوثر أن لا أخوض في شأنها بأكثر من هذا البيان. {وهو العلي العظيم}.. وهذه خاتمة الصفات في الآية، تقرر حقيقة، وتوحي للنفس بهذه الحقيقة. وتفرد الله سبحانه بالعلو، وتفرده سبحانه بالعظمة. فالتعبير على هذا النحو يتضمن معنى القصر والحصر. فلم يقل وهو عليّ عظيم، ليثبت الصفة مجرد إثبات. ولكنه قال: {العلي العظيم} ليقصرها عليه سبحانه بلا شريك! إنه المتفرد بالعلو، المتفرد بالعظمة. وما يتطاول أحد من العبيد إلى هذا المقام إلا ويرده الله إلى الخفض والهون؛ وإلى العذاب في الآخرة والهوان. وهو يقول: {أية : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً}.. تفسير : ويقول عن فرعون في معرض الهلاك: {أية : إنه كان عالياً }.. تفسير : ويعلو الإنسان ما يعلو، ويعظم الإنسان ما يعظم، فلا يتجاوز مقام العبودية لله العلي العظيم. وعندما تستقر هذه الحقيقة في نفس الإنسان، فإنها تثوب به إلى مقام العبودية وتطامن من كبريائه وطغيانه؛ وترده إلى مخافة الله ومهابته؛ وإلى الشعور بجلاله وعظمته؛ وإلى الأدب في حقه والتحرج من الاستكبار على عباده. فهي اعتقاد وتصور. وهي كذلك عمل وسلوك.. وعندما يصل السياق بهذه الآية إلى إيضاح قواعد التصور الإيماني في أدق جوانبها، وبيان صفة الله وعلاقة الخلق به هذا البيان المنير.. ينتقل إلى إيضاح طريق المؤمنين وهم يحملون هذا التصور؛ ويقومون بهذه الدعوة؛ وينهضون بواجب القيادة للبشرية الضالة الضائعة: {لا إكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. والله سميع عليم. الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور؛ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. إن قضية العقيدة - كما جاء بها هذا الدين - قضية اقتناع بعد البيان والإدراك؛ وليست قضية إكراه وغصب وإجبار. ولقد جاء هذا الدين يخاطب الإدراك البشري بكل قواه وطاقاته. يخاطب العقل المفكر، والبداهة الناطقة، ويخاطب الوجدان المنفعل، كما يخاطب الفطرة المستكنة. يخاطب الكيان البشري كله، والإدراك البشري بكل جوانبه؛ في غير قهر حتى بالخارقة المادية التي قد تلجىء مشاهدها الجاء إلى الإذعان، ولكن وعيه لا يتدبرها وإدراكه لا يتعقلها لأنها فوق الوعي والإدراك. وإذا كان هذا الدين لا يواجه الحس البشري بالخارقة المادية القاهرة، فهو من باب أولى لا يواجهه بالقوة والإكراه ليعتنق هذا الدين تحت تأثير التهديد أو مزاولة الضغط القاهر والإكراه بلا بيان ولا إقناع ولا اقتناع. وكانت المسيحية - آخر الديانات قبل الإسلام - قد فرضت فرضاً بالحديد والنار ووسائل التعذيب والقمع التي زاولتها الدولة الرومانية بمجرد دخول الإمبراطور قسطنطين في المسيحية. بنفس الوحشية والقسوة التي زاولتها الدولة الرومانية من قبل ضد المسيحيين القلائل من رعاياها الذين اعتنقوا المسيحية اقتناعاً وحباً! ولم تقتصر وسائل القمع والقهر على الذين لم يدخلوا في المسيحية؛ بل إنها ظلت تتناول في ضراوة المسيحيين أنفسهم الذين لم يدخلوا في مذهب الدولة؛ وخالفوها في بعض الاعتقاد بطبيعة المسيح! فلما جاء الإسلام عقب ذلك جاء يعلن - في أول ما يعلن - هذا المبدأ العظيم الكبير: {لا إكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي}.. وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان؛ واحترام إرادته وفكره ومشاعره؛ وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه.. وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني.. التحرر الذي تنكره على الإنسان في القرن العشرين مذاهب معتسفة ونظم مذلة؛ لا تسمح لهذا الكائن الذي كرمه الله - باختياره لعقيدته - أن ينطوي ضميره على تصور للحياة ونظمها غير ما تمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية، وما تمليه عليه بعد ذلك بقوانينها وأوضاعها؛ فإما أن يعتنق مذهب الدولة هذا - وهو يحرمه من الإيمان باله للكون يصرف هذا الكون - وإما أن يتعرض للموت بشتى الوسائل والأسباب! إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق "الإنسان" التي يثبت له بها وصف "إنسان". فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء.. ومع حرية الاعتقاد حرية الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة.. وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة. والإسلام - وهو أرقى تصور للوجود وللحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء - هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين؛ وهو الذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين.. فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المعتسفة وهي تفرض فرضاً بسلطان الدولة؛ ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟! والتعبير هنا يرد في صورة النفي المطلق: {لا إكراه في الدين}.. نفي الجنس كما يقول النحويون.. أي نفي جنس الإكراه. نفي كونه ابتداء. فهو يستبعده من عالم الوجود والوقوع. وليس مجرد نهي عن مزاولته. والنهي في صورة النفي - والنفي للجنس - أعمق إيقاعاً وآكد دلالة. ولا يزيد السياق على أن يلمس الضمير البشري لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهدى، وتهديه إلى الطريق، وتبين حقيقة الإيمان التي اعلن أنها أصبحت واضحة وهو يقول: {قد تبين الرشد من الغي}.. فالإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخاه ويحرص عليه. والكفر هو الغي الذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه ويتقي أن يوصم به. والأمر كذلك فعلاً. فما يتدبر الإنسان نعمة الإيمان، وما تمنحه للإدراك البشري من تصور ناصع واضح،، وما تمنحه للقلب البشري من طمأنينة وسلام، وما تثيره في النفس البشرية من اهتمامات رفيعة ومشاعر نظيفة، وما تحققه في المجتمع الإنساني من نظام سليم قويم دافع إلى تنمية الحياة وترقية الحياة.. ما يتدبر الإنسان نعمة الإيمان على هذا النحو حتى يجد فيها الرشد الذي لا يرفضه إلا سفيه، يترك الرشد إلى الغي، ويدع الهدى إلى الضلال، ويؤثر التخبط والقلق والهبوط والضآلة على الطمأنينة والسلام والرفعة والاستعلاء! ثم يزيد حقيقة الإيمان إيضاحاً وتحديداً وبياناً: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}.. إن الكفر ينبغي أن يوجه إلى ما يستحق الكفر، وهو {الطاغوت}. وإن الإيمان يجب أن يتجه إلى من يجدر الإيمان به وهو {الله}. والطاغوت صيغة من الطغيان، تفيد كل ما يطغى على الوعي، ويجور على الحق، ويتجاوز الحدود التي رسمها الله للعباد، ولا يكون له ضابط من العقيدة في الله، ومن الشريعة التي يسنها الله، ومنه كل منهج غير مستمد من الله، وكل تصور أو وضع أو أدب أو تقليد لا يستمد من الله. فمن يكفر بهذا كله في كل صورة من صوره ويؤمن بالله وحده ويستمد من الله وحده فقد نجا.. وتتمثل نجاته في استمساكه بالعروة الوثقى لا انفصام لها. وهنا نجدنا أمام صورة حسية لحقيقة شعورية، ولحقيقة معنوية.. إن الإيمان بالله عروة وثيقة لا تنفصم أبداً.. إنها متينة لا تنقطع.. ولا يضل الممسك بها طريق النجاة.. إنها موصولة بمالك الهلاك والنجاة.. والإيمان في حقيقته اهتداء إلى الحقيقة الأولى التي تقوم بها سائر الحقائق في هذا الوجود.. حقيقة الله.. واهتداء إلى حقيقة الناموس الذي سنه الله لهذا الوجود، وقام به هذا الوجود. والذي يمسك بعروته يمضي على هدى إلى ربه؛ فلا يرتطم ولا يتخلف ولا تتفرق به السبل ولا يذهب به الشرود والضلال. {والله سميع عليم}.. يسمع منطق الألسنة، ويعلم مكنون القلوب. فالمؤمن الموصول به لا يُبخس ولا يظلم ولا يخيب. ثم يمضي السياق يصور في مشهد حسي حي متحرك طريق الهدى وطريق الضلال؛ وكيف يكون الهدى وكيف يكون الضلال.. يصور كيف يأخذ الله - ولي الذين آمنوا - بأيديهم، فيخرجهم من الظلمات إلى النور. بينما الطواغيت - أولياء الذين كفروا - تأخذ بأيدهم فتخرجهم من النور إلى الظلمات! إنه مشهد عجيب حي موح. والخيال يتبع هؤلاء وهؤلاء، جيئة من هنا وذهاباً من هناك. بدلاً من التعبير الذهني المجرد، الذي لا يحرك خيالاً ولا يلمس حساً ولا يستجيش وجداناً ولا يخاطب إلا الذهن بالمعاني والألفاظ. فإذا أردنا أن ندرك فضل طريقة التصوير القرآنية، فلنحاول أن نضع في مكان هذا المشهد الحي تعبيراً ذهنياً أياً كان. لنقل مثلاً: الله ولي الذين آمنوا يهديهم إلى الإيمان. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يقودونهم إلى الكفران.. إن التعبير يموت بين أيدينا، ويفقد ما فيه من حرارة وحركة وإيقاع! وإلى جانب التعبير المصور الحي الموحي نلتقي بدقة التعبير عن الحقيقة: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}.. إن الإيمان نور.. نور واحد في طبيعته وحقيقته.. وإن الكفر ظلمات.. ظلمات متعددة متنوعة. ولكنها كلها ظلمات. وما من حقيقة أصدق ولا أدق من التعبير عن الإيمان بالنور، والتعبير عن الكفر بالظلمة. إن الإيمان نور يشرق به كيان المؤمن أول ما ينبثق في ضميره. تشرق به روحه فتشف وتصفو وتشع من حولها نوراً ووضاءة ووضوحاً.. نور يكشف حقائق الأشياء وحقائق القيم وحقائق التصورات، فيراها قلب المؤمن واضحة بغير غبش، بينة بغير لبس، مستقرة في مواضعها بغير أرجحة؛ فيأخذ منها ما يأخذ ويدع منها ما يدع في هوادة وطمأنينة وثقة وقرار لا أرجحة فيه.. نور يكشف الطريق إلى الناموس الكوني فيطابق المؤمن بين حركته وحركة الناموس الكوني من حوله ومن خلاله؛ ويمضي في طريقه إلى الله هيناً ليناً لا يعتسف ولا يصطدم بالنتوءات، ولا يخبط هنا وهناك. فالطريق في فطرته مكشوف معروف. وهو نور واحد يهدي إلى طريق واحد. فأما ضلال الكفر فظلمات شتى منوعة.. ظلمة الهوى والشهوة. وظلمة الشرود والتيه. وظلمة الكبر والطغيان. وظلمة الضعف والذلة. وظلمة الرياء والنفاق. وظلمة الطمع والسعر. وظلمة الشك والقلق... وظلمات شتى لا يأخذها الحصر تتجمع كلها عند الشرود عن طريق الله، والتلقي من غير الله، والاحتكام لغير منهج الله.. وما يترك الإنسان نور الله الواحد الذي لا يتعدد. نور الحق الواحد الذي لا يتلبس. حتى يدخل في الظلمات من شتى الأنواع وشتى الأصناف.. وكلها ظلمات..! والعاقبة هي اللائقة بأصحاب الظلمات: {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. وإذ لم يهتدوا بالنور، فليخلدوا إذن في النار! إن الحق واحد لا يتعدد والضلال ألوان وأنماط.. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وقبل أن ننتقل من هذا الدرس يحسن أن نقول كلمة عن قاعدة: {لا إكراه في الدين} إلى جوار فرضية الجهاد في الإسلام، والمواقع التي خاضها الإسلام. وقوله تعالى في آية سابقة: {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}تفسير : .. إن بعض المغرضين من أعداء الإسلام يرمونه بالتناقض؛ فيزعمون أنه فرض بالسيف، في الوقت الذي قرر فيه: أن لا إكراه في الدين.. أما بعضهم الآخر فيتظاهر بأنه يدفع عن الإسلام هذه التهمة؛ وهو يحاول في خبث أن يخمد في حس المسلم روح الجهاد؛ ويهون من شأن هذه الأداة في تاريخ الإسلام وفي قيامه وانتشاره. ويوحي إلى المسلمين - بطريق ملتوية ناعمة ماكرة - أن لا ضرورة اليوم أو غداً للاستعانة بهذه الأداة! وذلك كله في صورة من يدفع التهمة الجارحة عن الإسلام!.. وهؤلاء وهؤلاء كلاهما من المستشرقين الذين يعملون في حقل واحد في حرب الإسلام، وتحريف منهجه، وقتل إيحاءاته الموحية في حس المسلمين، كي يأمنوا انبعاث هذا الروح، الذي لم يقفوا له مرة في ميدان! والذي أمنوا واطمأنوا منذ أن خدروه وكبلوه بشتى الوسائل، وكالوا له الضربات الساحقة الوحشية في كل مكان! وألقوا في خلد المسلمين أن الحرب بين الاستعمار وبين وطنهم ليست حرب عقيدة أبداً تقتضي الجهاد! إنما هي فقط حرب أسواق وخامات ومراكز وقواعد ومن ثم فلا داعي للجهاد! لقد انتضى الإسلام السيف، وناضل وجاهد في تاريخه الطويل. لا ليكره أحداً على الإسلام ولكن ليكفل عدة أهداف كلها تقتضي الجهاد. جاهد الإسلام أولا ليدفع عن المؤمنين الأذى والفتنة التي كانوا يسامونها؛ وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم. وقرر ذلك المبدأ العظيم الذي سلف تقريره في هذه السورة - في الجزء الثاني - {أية : والفتنة أشد من القتل}تفسير : .. فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها، وفتنة أهلها عنها أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها. فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وفق هذا المبدأ العظيم. وإذا كان المؤمن مأذوناً في القتال ليدفع عن حياته وعن ماله، فهو من باب أولى مأذون في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه.. وقد كان المسلمون يسامون الفتنة عن عقيدتهم ويؤذون، ولم يكن لهم بد أن يدفعوا هذه الفتنة عن أعز ما يملكون. يسامون الفتنة عن عقيدتهم، ويؤذون فيها في مواطن من الأرض شتى. وقد شهدت الأندلس من بشاعة التعذيب الوحشي والتقتيل الجماعي لفتنة المسلمين عن دينهم، وفتنة أصحاب المذاهب المسيحية الأخرى ليرتدوا إلى الكثلكة، ما ترك اسبانيا اليوم ولا ظل فيها للإسلام! ولا للمذاهب المسيحية الأخرى ذاتها! كما شهد بيت المقدس وما حوله بشاعة الهجمات الصليبية التي لم تكن موجهة إلا للعقيدة والإجهاز عليها؛ والتي خاضها المسلمون في هذه المنطقة تحت لواء العقيدة وحدها فانتصروا فيها؛ وحموا هذه البقعة من مصير الأندلس الأليم.. وما يزال المسلمون يسامون الفتنة في أرجاء المناطق الشيوعية والوثنية والصهيونية والمسيحية في أنحاء من الأرض شتى.. وما يزال الجهاد مفروضاً عليهم لرد الفتنة إن كانوا حقاً مسلمين! وجاهد الإسلام ثانياً لتقرير حرية الدعوة - بعد تقرير حرية العقيدة - فقد جاء الإسلام بأكمل تصور للوجود والحياة، وبأرقى نظام لتطوير الحياة. جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشرية كلها؛ ويبلغه إلى أسماعها وإلى قلوبها. فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولا إكراه في الدين. ولكن ينبغي قبل ذلك أن تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافة؛ كما جاء من عند الله للناس كافة. وأن تزول الحواجز التي تمنع الناس أن يسمعوا وأن يقتنعوا وأن ينضموا إلى موكب الهدى إذا أرادوا. ومن هذه الحواجز أن تكون هناك نظم طاغية في الأرض تصد الناس عن الاستماع إلى الهدى وتفتن المهتدين أيضاً. فجاهد الإسلام ليحطم هذه النظم الطاغية؛ وليقيم مكانها نظاماً عادلاً يكفل حرية الدعوة إلى الحق في كل مكان وحرية الدعاة.. وما يزال هذا الهدف قائماً، وما يزال الجهاد مفروضاً على المسلمين ليبلغوه إن كانوا مسلمين! وجاهد الإسلام ثالثاً ليقيم في الأرض نظامه الخاص ويقرره ويحميه.. وهو وحده النظام الذي يحقق حرية الإنسان تجاه أخيه الإنسان؛ حينما يقرر أن هناك عبودية واحدة لله الكبير المتعال؛ ويلغي من الأرض عبودية البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها. فليس هنالك فرد ولا طبقة ولا أمة تشرع الأحكام للناس، وتستذلهم عن طريق التشريع. إنما هنالك رب واحد للناس جميعاً هو الذي يشرع لهم على السواء، وإليه وحده يتجهون بالطاعة والخضوع، كما يتجهون إليه وحده بالإيمان والعبادة سواء. فلا طاعة في هذا النظام لبشر إلا أن يكون منفذاً لشريعة الله، موكلاً عن الجماعة للقيام بهذا التنفيذ. حيث لا يملك أن يشرع هو ابتداء، لأن التشريع من شأن الألوهية وحدها، وهو مظهر الألوهية في حياة البشر، فلا يجوز أن يزاوله إنسان فيدعي لنفسه مقام الألوهية وهو واحد من العبيد! هذه هي قاعدة النظام الرباني الذي جاء به الإسلام. وعلى هذه القاعدة يقوم نظام أخلاقي نظيف تكفل فيه الحرية لكل إنسان، حتى لمن لا يعتنق عقيدة الإسلام، وتصان فيه حرمات كل أحد حتى الذين لا يعتنقون الإسلام، وتحفظ فيه حقوق كل مواطن في الوطن الإسلامي أيا كانت عقيدته. ولا يكره فيه أحد على اعتناق عقيدة الإسلام، ولا إكراه فيه على الدين إنما هو البلاغ. جاهد الإسلام ليقيم هذا النظام الرفيع في الأرض ويقرره ويحميه. وكان من حقه أن يجاهد ليحطم النظم الباغية التي تقوم على عبودية البشر للبشر، والتي يدعي فيها العبيد مقام الألوهية ويزاولون فيها وظيفة الألوهية - بغير حق - ولم يكن بد أن تقاومه تلك النظم الباغية في الأرض كلها وتناصبه العداء. ولم يكن بد كذلك أن يسحقها الإسلام سحقاً ليعلن نظامه الرفيع في الأرض.. ثم يدع الناس في ظله أحراراً في عقائدهم الخاصة. لا يلزمهم إلا بالطاعة لشرائعه الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والدولية. أما عقيدة القلب فهم فيها أحرار. وأما أحوالهم الشخصية فهم فيها أحرار، يزاولونها وفق عقائدهم؛ والإسلام يقوم عليهم يحميهم ويحمي حريتهم في العقيدة ويكفل لهم حقوقهم، ويصون لهم حرماتهم، في حدود ذلك النظام. وما يزال هذا الجهاد لإقامة هذا النظام الرفيع مفروضاً على المسلمين: {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}.. فلا تكون هناك ألوهة للعبيد في الأرض، ولا دينونة لغير الله.. لم يحمل الإسلام السيف إذن ليكره الناس على اعتناقه عقيدة؛ ولم ينتشر السيف على هذا المعنى كما يريد بعض أعدائه أن يتهموه! إنما جاهد ليقيم نظاماً آمناً يأمن في ظله أصحاب العقائد جميعاً، ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته. وكانت قوة الإسلام ضرورية لوجوده وانتشاره واطمئنان أهله على عقيدتهم، واطمئنان من يريدون اعتناقه على أنفسهم. وإقامة هذا النظام الصالح وحمايته. ولم يكن الجهاد أداة قليلة الأهمية، ولا معدومة الضرورة في حاضره ومستقبله كما يريد أخبث أعدائه أن يوحوا للمسلمين!.. لا بد للإسلام من نظام ولا بد للإسلام من قوة، ولا بد للإسلام من جهاد. فهذه طبيعته التي لا يقوم بدونها إسلام يعيش ويقود. {لا إكراه في الدين}.. نعم ولكن: {أية : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم. وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم }. تفسير : وهذا هو قوام الأمر في نظر الإسلام.. وهكذا ينبغي أن يعرف المسلمون حقيقة دينهم، وحقيقة تاريخهم؛ فلا يقفوا بدينهم موقف المتهم الذي يحاول الدفاع؛ إنما يقفون به دائما موقف المطمئن الواثق المستعلي على تصورات الأرض جميعاً، وعلى نظم الأرض جميعاً، وعلى مذاهب الأرض جميعاً.. ولا ينخدعوا بمن يتظاهر بالدفاع عن دينهم بتجريده في حسهم من حقه في الجهاد لتأمين أهله؛ والجهاد لكسر شوكة الباطل المعتدي؛ والجهاد لتمتيع البشرية كلها بالخير الذي جاء به؛ والذي لا يجني أحد على البشرية جناية من يحرمها منه، ويحول بينها وبينه. فهذا هو أعدى أعداء البشرية، الذي ينبغي أن تطارده البشرية لو رشدت وعقلت. وإلى أن ترشد البشرية وتعقل، يجب أن يطارده المؤمنون، الذين اختارهم الله وحباهم بنعمة الإيمان، فذلك واجبهم لأنفسهم وللبشرية كلها، وهم مطالبون بهذا الواجب أمام الله..

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية موقع الفذلكة لما قبلها والمقدمة لما بعدها. فأما الأول فإنّ الله تعالى لما أنبأ باختبار الرسل إبراهيم وموسى وعيسى وما عرض لهم مع أقوامهم وختم ذلك بقوله: {تلك ءايت اللَّه نتلوها عليك بالحق} جمع ذلك كلّه في قوله: {تلك الرسل} لَفْتاً إلى العبر التي في خلال ذلك كلّه. ولما أنهى ذلك كلّه عَقَّبه بقوله: { أية : وإنّك لمن المرسلين } تفسير : [البقرة: 252] تذكيراً بأنّ إعلامه بأخبار الأمم والرسل آية على صدق رسالته. إذ ما كان لمثله قِبَلٌ بعلم ذلك لولا وحي الله إليه. وفي هذا كلّه حجة على المشركين وعلى أهل الكتاب الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فموقع اسم الإشارة مثل موقعه في قول النابغة: شعر : بني عمه دنيا وعمِرو بن عامر أولئك قومٌ بأسهم غير كاذب تفسير : والإشارة إلى جماعة المرسلين في قوله: {وإنّك لمن المرسلين}. وجيء بالإشارة لما فيها من الدلالة على الاستحضار حتى كأنّ جماعة الرسل حاضرة للسامع بعد ما مرّ من ذكر عجيب أحوال بعضهم وما أعقبه من ذكرهم على سبيل الإجمال. وأما الثاني فلأنّه لما أفيض القول في القتال وفي الحثّ على الجهاد والاعتبار بقتال الأمم الماضية عقب ذلك بأنّه لو شاء الله ما اختلف الناس في أمر الدين من بعد ما جاءتهم البيّنات ولكنّهم أساؤوا الفهم فجحدوا البيّنات فأفضى بهم سود فهمهم إلى اشتطاط الخلاف بينهم حتى أفضى إلى الاقتتال. فموقع اسم الإشارة على هذا الاعتبار كموقع ضمير الشأن، أي هي قصة الرسل وأممهم، فضّلنا بعض الرسل على بعض فحسدت بعض الأمم أتباع بعض الرسل فكذّب اليهود عيسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام وكذب النصارى محمداً صلى الله عليه وسلم وقرن اسم الإشارة بكاف البعد تنويهاً بمراتبهم كقوله: { أية : ذٰلك الكتٰب } تفسير : [البقرة: 2]. واسم الإشارة مبتدأ والرسل خبر، وليس الرسل بدلاً لأنّ الإخبار عن الجماعة بأنّها الرسل أوقع في استحضار الجماعة العجيب شأنهم الباهر خبرهم، وجملة «فضّلنا» حال. والمقصود من هذه الآية تمجيد سمعة الرسل عليهم السلام، وتعليم المسلمين أنّ هاته الفئة الطيّبة مع عظيم شأنها قد فضّل الله بعضها على بعض، وأسباب التفضيل لا يعلمها إلاّ الله تعالى، غير أنّها ترجع إلى ما جرى على أيديهم من الخيرات المُصلِحة للبشر ومن نصر الحق، وما لقوه من الأذى في سبيل ذلك، وما أيَّدُوا به من الشرائع العظيمة المتفاوتة في هدى البشر، وفي عموم ذلك الهديِ ودوامهِ، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : لأنْ يهدي الله بك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس »تفسير : ، فما بالك بمن هدى الله بهم أمماً في أزمان متعاقبة، ومن أجل ذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرّسل. ويتضمن الكلام ثناء عليهم وتسلية للرسول عليه السلام فيما لقي من قومه. وقد خصّ الله من جملة الرسل بعضاً بصفات يتعيّن بها المقصود منهم، أو بذكر اسمه، فذكر ثلاثةً إذ قال: منهم من كلَّم اللَّهُ، وهذا موسى عليه السلام لاشتهاره بهذه الخصلة العظيمة في القرآن، وذَكَر عيسى عليه السلام، ووسط بينهما الإيماءَ إلى محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه، بقوله: {ورفع بعضهم درجات}. وقوله: {ورفع بعضهم درجات} يتعيّن أن يكون المراد من البعض هنا واحداً من الرسل معيّناً لا طائفة، وتكون الدرجات مراتبَ من الفضيلة ثابتة لذلك الواحد: لأنّه لو كان المراد من البعض جماعة من الرسل مُجملاً، ومن الدرجات درجات بينهم لصار الكلام تكراراً مع قوله فضّلنا بعضهم على بعض، ولأنّه لو أريد بعضٌ فُضِّل على بعض لقال، ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما قال في الآية الأخرى: { أية : ورفع بعضكم فوق بعض درجات } تفسير : [الأنعام: 165]. وعليه فالعدول من التصريح بالاسم أو بالوصف المشهور به لقصد دفع الاحتشام عن المبلِّغ الذي هو المقصود من هذا الوصف وهو محمد صلى الله عليه وسلم والعرب تعبّر بالبعض عن النفس كما في قول لبيد: شعر : تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أرْضَها أوْ يعْتَلِقْ بعضَ النّفوسِ حِمَامُها تفسير : أراد نفسه، وعن المخاطب كقولي أبي الطيّب: شعر : إذا كان بعضُ النّاس سيفاً لِدَوْلَةٍ ففي النّاسِ بُوقات لها وطُبُول تفسير : والذي يعيِّن المراد في هذا كلّه هو القرينة كانطباق الخبر أو الوصف على واحد كقول طرفة: شعر : إذا القَوْم قالوا مَنْ فتًى خِلْتُ أنّني عُنِيْتُ فلم أكسل ولم أتَبَلَّدِ تفسير : وقد جاء على نحو هذه الآية قوله تعالى: { أية : وما أرسلنٰك عليهم وكيلاً وربّك أعلم بمن في السمٰوات والأرض ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض } تفسير : [الإسراء: 54، 55] عَقب قوله: { أية : وإذا قرآتَ القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا } تفسير : إلى أن قال { أية : وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } تفسير : إلى قوله { أية : ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض } تفسير : [الإسراء: 45، 55]. وهذا إعلام بأن بعض الرسل أفضل من بعض على وجه الإجمال وعدممِ تعيين الفاضل من المفضول: ذلك أنّ كل فريق اشتركوا في صفةِ خيرٍ لا يخلُونَ من أن يكون بعضهم أفضل من بعض بما للبعض من صفات كمال زائدة على الصفة المشتركة بينهم، وفي تمييز صفات التفاضل غموض، وتطرق لتوقّع الخطإ وعروض، وليس ذلك بسهلٍ على العقول المعرّضة للغفلة والخطإ. فإذا كان التفضيل قد أنبأ به ربّ الجميع، ومَنْ إليه التفضيل، فليس من قدْر النّاس أن يتصدّوا لوضع الرسل في مراتبهم، وحسبهم الوقوف عندما ينبئهم الله في كتابه أو على لسان رسوله. وهذا مورد الحديث الصحيح « حديث : لا تُفضّلوا بين الأنبياء » تفسير : يعني به النهى عن التفضيل التفصيلي، بخلاف التفضيل على سبيل الإجمال، كما نقول: الرسل أفضل من الأنبياء الذين ليسوا رسلاً. وقد ثبت أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الرّسل لما تظاهر من آيات تفضيله وتفضيل الدين الذي جاء به وتفضيل الكتاب الذي أنزل عليه. وهي متقارنة الدلالة تنصيصاً وظهوراً. إلاّ أنّ كثرتها تحصل اليقين بمجموع معانيها عملاً بقاعدة كثرة الظواهر تفيد القطع. وأعظمها آية { أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا آتيناكم من كتاب وحكمةٍ ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنُنّ به ولتنصُرنَّه } تفسير : [آل عمران: 81] الآية. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم حديث : "لا يقولَنّ أحَدُكُم أنا خير من يونس بن مَتَّى" يعني بقوله: "أنا" نفسه على أرجح الاحتمالين، وقوله: "لا تُفَضِّلوني على مُوسَى" تفسير : ، فذلك صدر قبل أن يُنبئَه اللَّهُ بأنّه أفضل الخلق عنده. وهذه الدرجات كثيرة عرَفْنَا منها: عمومَ الرسالة لكافة الناس، ودوامَها طُولَ الدهر، وختمها للرسالات، والتأييد بالمعجزة العظيمة التي لا تلتبس بالسحر والشعْوذة، وبدوام تلك المعجزة، وإمكان أن يشاهدها كل من يؤهّل نفسه لإدراك الإعجاز، وبابتناء شريعته على رعي المصالح ودرء المفاسد والبلوغ بالنفوس إلى أوج الكمال، وبتيسير إدانة معانديه له، وتمليكه أرضهم وديارَهم وأموالَهم في زمن قصير، وبجعل نقل معجزته متواتراً لا يجهلها إلاّ مُكابر، وبمشاهدة أمته لقبره الشريف، وإمكان اقترابهم منه وائتناسهم به صلى الله عليه وسلم وقد عطف ما دل على نبيئنا على ما دل على موسى ــــــ عليهما السلام ــــــ لشدة الشبه بين شريعَتَيْهما، لأنّ شريعة موسى عليه السلام أوسع الشرائع، ممّا قبلها، بخلاف شريعة عيسى عليه السلام. وتكليمُ الله موسى هو ما أوحاه إليه بدون واسطةِ جبريل، بأن أسمعه كلاماً أيقن أنّه صادر بتكوين الله، بأن خلق الله أصواتاً من لغة موسى تضمنت أصول الشريعة، وسيجيء بيان ذلك عند قوله تعالى: { أية : وكلَّم الله موسى تكليماً } تفسير : [النساء: 164] في سورة النساء. وقوله: {وأتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} البينات هي المعجزات الظاهرة البيّنة، وروح القدس هو جبريل، فإنّ الروح هنا بمعنى المَلَك الخاص كقوله: { أية : تنزل الملائكة والروح فيها } تفسير : [القدر: 4]. والقُدُس بضم القاف وبضم الدال عند أهل الحجاز وسكونها عند بني تميمَ بمعنى الخلوص والنزاهة، فإضافة روح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة، ولذلك يقال الروحُ القدس، وقيل القُدُس اسم الله كالقدّوس فإضافة روح إليه إضافة أصلية، أي روح من ملائكةِ الله. وروح القدس هو جبريل قال تعالى: { أية : قل نزله روح القدس من ربك بالحق } تفسير : [النحل: 102]، وفي الحديث: « حديث : إنّ رُوح القدس نفث في رُوعي أنّ نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها » تفسير : وفي الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان: « حديث : اهجُهُم ومَعَك روحُ القدس » تفسير : . وإنّما وصف عيسى بهذين مع أنّ سائر الرسل أيّدوا بالبيّنات وبروح القدس، للرد على اليهود الذين أنكروا رسالته ومعجزاته، وللرد على النصارى الذين غلَوْا فزعموا ألوهيته، ولأجل هذا ذكر معه اسم أمه ــــــ مهما ذكر ــــــ للتنبيه على أنّ ابن الإنسان لا يكون إلهاً، وعلى أنّ مريم أمة الله تعالى لا صاحبة لأنّ العرب لا تذكر أسماء نسائِها وإنّما تكنى، فيقولون ربّة البيت، والأهل، ونحو ذلك ولا يذكرون أسماء النساء إلا في الغزل، أو أسماء الإماء. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}. اعتراض بين الفذلكة ــــــ المستفادة من جملة تلك الرسل إلى آخرها ــــــ وبين الجملة { أية : يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } تفسير : [البقرة: 254]، فالواو اعتراضية: فإنّ ما جرى من الأمر بالقتال ومن الأمثال التي بَيّنَتْ خصال الشجاعة والجبن وآثارهما، المقصود منه تشريعاً وتمثيلاً قتالُ أهلِ الإيمان لأهللِ الكفر لإعلاءِ كلمة الله ونصر الحق على الباطل وبث الهُدى وإزهاق الضلال. بيّن اللَّه بهذا الاعتراض حجة الذين يقاتلون في سبيل الله على الذين كفروا: بأن الكافرين هم الظالمون إذ اختلفوا على ما جاءتهم به الرسل، ولو اتّبعوا الحق لسلموا وسالموا. ثم يجوز أن يكون الضمير المضاف إليه في قوله: {من بعدهم} مراداً به جملة الرسّل أي ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعد أولئك الرسل من الأمم المختلفة في العقائد مثل اقتتال اليهود والنصارى في اليمن في قصة أصحاب الأخدود، ومقاتلة الفلسطينيَّين لبني إسرائيل انتصاراً لأصنامهم، ومقاتلة الحبشة لمشركي العرب انتصاراً لبيعة القليس التي بناها الحبشة في اليَمن، والأمم الذين كانوا في زمن الإسلام وناوَوْه وقاتلوا المسلمين أهلَه، وهم المشركون الذين يزعمون أنّهم على ملة إبراهيم واليهودُ والنصارى، ويكون المراد بالبيّنات دلائلِ صدق محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الآية بإنحاء على الذين عاندوا النبي وناووا المسلمين وقاتلوهم، وتكون الآية على هذا ظاهرة التفرّع على قوله: { أية : وقٰتلوا في سبيل الله واعلموا } تفسير : [البقرة: 244] إلخ. ويجوز أن يكون ضمير «مِنْ بعدهم» ضميرَ الرسل على إرادة التوزيع، أي الذين من بعد كل رسول من الرسل، فيكون مفيداً أنّ أمة كل رسول من الرسل اختلفوا واقتتلوا اختلافاً واقتتالاً نشَآ من تكفير بعضهم بعضاً كما وقع لبني إسرائيل في عصور كثيرة بلغت فيها طوائف منهم في الخروج من الدِّين إلى حد عبادة الأوثان، وكما وقع للنصارى في عصور بلغ فيها اختلافهم إلى حد أن كفَّر بعضهم بعضاً، فتقاتلت اليهود غير مرة قتالاً جرى بين مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل، وتقاتلت النصارى كذلك من جرّاء الخلاف بين اليعاقبة والمَلَكية قبل الإسلام، وأشهر مقاتلات النصارى الحروب العظيمة التي نشأت في القرن السادس عشر من التاريخ المسيحي بين أشياع الكاثوليك وبين أشياع مذهب لوثير الراهب الجرماني الذي دعا الناس إلى إصلاح المسيحية واعتبار أتباع الكنيسة الكاثوليكية كفّاراً لادّعائهم ألوهية المسيح، فعظمت بذلك حروب بين فرَانسا وأسبانيا وجرمانيا وإنكلترا وغيرها من دول أوروبا. والمقصود تحذير المسلمين من الوقوع في مثل ما وقع فيه أولئك، وقد حَذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تحذيراً متواتراً بقوله في خطبة حجة الوداع: « حديث : فَلاَ ترجعوا بعدي كُفّاراً يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعض » تفسير : ، يحذّرهم ما يقع من حروب الردَّة وحروب الخوارج بدعوى التكفير، وهذه الوصية من دلائلِ النبوءة العظيمة. وورد في «الصحيح» قوله: حديث : "إذا التقَى المسلمان بسيْفَيْهِما فالقاتلُ والمقتولُ في النار" قيل يا رسول الله هذا القاتلُ، فما بالُ المقتول، قال: "أمَا إنَّه كان حريصاً على قتل أخيه" تفسير : ، وذلك يفسّر بعضه بعضاً أنّه القتالَ على اختلاف العقيدة. والمراد بالبينات على هذا الاحتمال أدلة الشريعة الواضحة التي تفرق بين متبع الشريعة ومعاندها والتي لا تقْبل خطأ الفهم والتأويل لو لم يكن دأبهم المكابرة ودحض الدين لأجل عَرض الدنيا، والمعنى أن الله شاء اقتتالهم فاقتتلوا، وشاء اختلافهم فاختلفوا، والمشيئة هنا مشيئة تكوين وتقديرِ لا مشيئة الرضا لأن الكلام مسوق مساق التمني للجواب والتحسير على امتناعه وانتفائه المفاد بلَوْ كقول طرفة: شعر : فلو شاء ربي كنتُ قيس بن خالد ولو شاء ربي كنتُ عَمْرو بن مرثد تفسير : وقوله: {ولكن اختلفوا} استدراك على ما تضمنه جواب لو شاء الله: وهو ما اقتتل، لكن ذكر في الاستدراك لازم الضد لِجواب لوْ وهو الاختلاف لأنهم لما اختلفوا اقتتلوا ولو لم يختلفوا لَمَا اقتتلوا. وإنما جيء بلازم الضد في الاستدراك للإيماء إلى سبب الاقتتال ليظهر أن معنى نفي مشيئة الله تَرْكَهم الاقتتال، هو أنه خلَق داعية الاختلاف فيهم، فبتلك الداعية اختلفوا، فجرهم الخلاف إلى أقصاه وهو الخلاف في العقيدة، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فاقتتلوا لأن لزوم الاقتتال لهذه الحالة أمر عرفي شائع، فإن كان المراد اختلاف أمة الرسول الواحد فالإيمان والكفر في الآية عبارة عن خطإ أهل الدين فيه إلى الحد الذي يفضي ببعضهم إلى الكفر به، وإن كان المراد اختلاف أممِ الرسل كلٍ للأخرى كما في قوله: { أية : وقالت اليهود ليست النصٰرى على شيء } تفسير : [البقرة: 113]، فالإيمان والكفر في الآية ظاهر، أي فمنهم من آمن بالرسول الخاتم فاتّبعه ومنهم من كفر به فعاداه، فاقتتل الفريقان. وأياما كان المراد من الوجهين فإن قوله: {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} ينادي على أن الاختلاف الذي لا يبلغ بالمختلفين إلى كفر بعضهم بما آمن به الآخر لا يبلغ بالمختلفين إلى التقاتل، لأن فيما أقام الله لهم من بينات الشرع ما فيه كفاية الفصل بين المختلفين في اختلافهم إذا لم تغلب عليهم المكابرة والهوى أو لم يُعْمِهم سوء الفهم وقلة الهدى. لا جرم أن الله تعالى جعل في خلقة العقول اختلاف الميول والأفهام، وجعل في تفاوت الذكاء وأصالة الرأي أسباباً لاختلاف قواعد العلوم والمذاهب، فأسباب الاختلاف إذَنْ مركوزة في الطباع، ولهذَا قال تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} ثم قال: {ولكن اختلفوا} فصار المعنى لو شاء الله ما اختلفوا، لكنّ الخلاف مركوز في الجبلة. بيد أن الله تَعالى قد جعل ــــــ أيضاً ــــــ في العقول أصُولاً ضرورية قطعية أو ظنّية ظناً قريباً من القطع به تستطيع العقول أن تعيِّن الحق من مختلف الآراء، فما صرف الناس عن اتباعه إلا التأويلاتُ البعيدة التي تحمِل عليها المكابرةُ أو كراهيةُ ظهور المغلوبيّة، أو حُب المدحة من الأشياع وأهلِ الأغراض، أو السعي إلى عَرَض عاجل من الدنيا، ولو شاء الله ما غَرز في خلقة النفوس دواعي الميل إلى هاته الخواطر السيئة فما اختلفوا خلافاً يدوم، ولكن اختلفوا هذا الخلافَ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، فلا عذر في القتال إلا لفريقين: مؤمن، وكافر بما آمن به الآخر، لأن الغضب والحمية الناشئين عن الاختلاف في الدين قد كانا سبب قتال منذ قديم، أما الخلاف الناشيء بين أهل دين واحد لم يبلغ إلى التكفير فلا ينبغي أن يكون سبب قتال. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : من قال لأخيه يا كافر فقد باء هو بها » تفسير : لأنّه إذا نسب أخاه في الدين إلى الكفر فقد أخذ في أسباب التفريق بين المسلمين وتوليد سبب التقاتل، فرجع هو بإثم الكفر لأنّه المتسبب فيما يتسبب على الكفر، ولأنّه إذا كان يرى بعضَ أحوال الإيمان كفراً، فقد صار هو كافراً لأنّه جعل الإيمان كفراً. وقال عليه الصلاة والسلام: «فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، فجعل القتال شعار التكفير. وقد صم المسلمون عن هذه النصيحة الجليلة فاختلفوا خلافاً بلغ بهم إلى التكفير والقتال، وأوّله خلاف الردة في زمن أبي بكر، ثم خلاف الحرورية في زمن عليّ وقد كفَّروا علياً في قبوله تحكيم الحكمي، ثم خلاف أتباع المقنَّع بخراسان الذي ادعى الإلاهية واتخذ وجهاً من ذهب، وظهر سنة 159 وهلك سنة 163، ثم خلاف القرامطة مع بقية المسلمين وفيه شائِبة مِن الخلاف المذهبي لأنّهم في الأصل من الشيعة ثم تطرفوا فكفَروا وادّعوا الحلول ــــــ أي حلول الرب في المخلوقات ــــــ واقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة وذهبوا به إلى بلدهم في البحرين، وذلك من سنة 293. واختلف المسلمون أيضاً خلافاً كثيراً في المذاهب جَرّ بهم تارات إلى مقاتلات عظيمة، وأكثرها حروب الخوارج غير المكفِّرين لبقية الأمة في المشرق، ومقاتلات أبي يزيد النكارى الخارجي بالقيروان وغيرها سنة 333، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بالقيروان سنة 407، ومقاتلة الشافعية والحنابلة ببغداد سنة 475، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بها سنة 445، وأعقبتها حوادث شر بينهم متكررة إلى أن اصطلحوا في سنة 502 وزال الشر بينهم، وقتال الباطنية المعروفين بالإسْمَاعِيلية لأهل السنة في سَاوَة وغيرها من سنة 494 إلى سنة 523. ثم انقلبت إلى مقاتلات سياسية. ثم انقلبوا أنصاراً للإسلام في الحروب الصليبية، وغير ذلك من المقاتلات الناشئة عن التكفير والتضليل. لا نذكر غيرها من مقاتلات الدول والأحزاب التي نخرت عظم الإسلام. وتطرّقت كل جهة منه حتى البلدِ الحرام. فالآية تنادي على التعجيب والتحذير من فعل الأمم في التقاتل للتخالف حيث لم يبلغوا في أصاله العقول أو في سلامة الطوايا إلى الوسائللِ التي يتفادون بها عن التقاتل، فهم ملومون من هذه الجهة، ومشيرة إلى أنّ الله تعالى لو شاء لخلقهم من قبل على صفة أكمل مما هم عليه حتى يستعدّوا بها إلى الاهتداء إلى الحق وإلى التبصّر في العواقب قبل ذلك الإبّان، فانتفاء المشيئة راجع إلى حكمة الخلقة، واللوم والحسرة راجعان إلى التقصير في امتثال الشريعة، ولذلك قال: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} فأعاد {ولو شاء الله ما اقتتلوا} تأكيداً للأول وتمهيداً لقوله: {ولكن الله يفعل ما يريد} ليعلَمَ الواقف على كلام الله تعالى أنّ في هدى الله تعالى مقنعاً لهم لو أرادوا الاهتداء، وأنّ في سعة قدرته تعالى عصمة لهم لو خلقهم على أكملَ من هذا الخَلق كما خلق الملائكةِ. فالله يخلق ما يشاء ولكنّه يكمل حال الخلق بالإرشاد والهدى، وهم يفرّطون في ذلك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}. لم يبين هنا هذا الذي كلمه الله منهم وقد بين أن منهم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقوله: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164] وقوله: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} تفسير : [الأعراف: 144]. قال ابن كثير منهم من كلم الله يعني موسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم، وكذلك آدم كما ورد في الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه قال مقيده - عفا الله عنه - تكليم آدم الوارد في صحيح ابن حبان يبينه قوله تعالى: {أية : وَقُلْنَا يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [البقرة: 35] وأمثالها من الآيات فإنه ظاهر في أنه بغير واسطة الملك، ويظهر من هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه، فهو رسول إليها بذلك قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} [البقرة: 253] ما نصه: وقد حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال: نعم نبي مكلمتفسير : ، قال ابن عطيه: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى اهـ وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} تفسير : [البقرة: 38] في سورة البقرة ما نصه: لأن آدم كان هو النَّبي صلى الله عليه وسلم أيام حياته، بعد أن أهبط إلى الأرض، والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنياً وهو - الرسول صلى الله عليه وسلم - بقوله: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} تفسير : [البقرة: 38] أي: رسل اهـ محل الحجة منه بلفظه. وفيه وفي كلام ابن كثير المتقدم عن صحيح ابن حبان التصريح بأن آدم رسول وهو مشكل مع ما ثبت في حديث الشفاعة المتفق عليه من أن نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أول الرسل ويشهد له قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} تفسير : [النساء: 163] والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين: الأول: أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة، ونوح أول رسول أرسل في الأرض، ويدل لهذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، ويقول "حديث : ولكن ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"تفسير : . الحديث فقوله إلى أهل الأرض لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض، لكان ذلك الكلام حشوا، بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا. ويتأنس له بكلام ابن عطية الذي قدمنا نقل القرطبي له. الوجه الثاني: أن آدم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه، ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [يونس: 19] الآية. أي: على الدين الحنيف أي حتى كفر قوم نوح، وقوله: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} تفسير : [البقرة: 213] الآية. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}. أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمداً صلى الله عليه وسلم كقوله: {أية : لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} تفسير : [الإسراء: 79] أو قوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28] الآية. وقوله: {أية : إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} تفسير : [الأعراف: 158] وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1] وأشار في مواضع أخر إلى أن منهم إبراهيم كقوله: {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} تفسير : [النساء: 125] وقوله: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} تفسير : [البقرة: 124] إلى غير ذلك من الآيات وأشار في موضع آخر إلى أن منهم داود وهو قوله: {أية : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تفسير : [الإسراء: 55] وأشار في موضع آخر إلى أن منهم إدريس وهو قوله: {أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} تفسير : [مريم: 57] وأشار هنا إلى أن منهم عيسى بقوله: {أية : وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} تفسير : [البقرة: 87] الآية. تنبيه: في هذه الآية الكريمة أعني: قوله تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [البقرة: 253] الآية. إشكال قوي معروف. ووجهه: أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله" تفسير : وثبت أيضاً في حديث أبي سعيد المتفق عليه "حديث : لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة" تفسير : الحديث، وفي رواية "حديث : لا تفضِّلوا بين أنبياء الله"تفسير : ، وفي رواية "حديث : لا تخيروني من بين الأنبياء"تفسير : . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: وهذه الآية مشكلة، والأحاديث ثابتة بأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تخيروا بين الأنبياء ولا تفضلوا بين انبياء الله"تفسير : ، رواها الأئمة الثقاة، أي: لا تقولوا فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان اهـ. قال ابن كثير في الجواب عن هذا الإشكال ما نصه: والجواب من وجوه. أحدها أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر. الثاني: أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع. الثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية، الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله عز وجل، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به اهـ منه بلفظه وذكر القرطبي في تفسيره أجوبة كثيرة عن هذا الإشكال، واختار أن منع التفضيل في خصوص النبوة، وجوازه في غيرها من زيادة الأحوال والخصوص والكرامات فقد قال ما نصه: قلت وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات. وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل وأولو عزم ومنهم من اتخذ خليلاً ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات. قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تفسير : [الإسراء: 55] قلت: وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطى من الوسائل وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال إن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 29] وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّر} تفسير : [الفتح: 1-2] قالوا فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} تفسير : [إبراهيم: 4] وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28] فأرسله إلى الجن والإنس، وذكره أبو محمد الدارمي في مسنده، وقال أبو هريرة خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وهم أولو العزم من الرسل وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل. فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة، واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء به اهـ. محل الغرض منه بلفظه. واختار ابن عطية كما نقله عنه القرطبي أن وجه الجمع جواز التفضيل إجمالاً كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر" تفسير : ولم يعين ومنع التفضيل على طريق الخصوص كقوله: "حديث : لا تفضلوني على موسى" تفسير : وقوله: "حديث : لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" تفسير : ونحو ذلك والعلم عند الله تعالى، قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 262] يفهم من هذه الآية أن من اتبع إنفاقه المن والأذى لم يحصل له هذا الثواب المذكور هنا في قوله: {أية : لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 262] وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} تفسير : [البقرة: 264] الآية.

الواحدي

تفسير : {تلك الرسل} أَيْ: جماعة الرُّسل {فضلنا بعضهم على بعض} أَيْ: لم نجعلهم سواءً في الفضيلة وإن استووا في القيام بالرِّسالة {منهم مَنْ كلَّم الله} وهو موسى عليه السَّلام {ورفع بعضهم درجات} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أُرسل إلى النَّاس كافَّةً {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} مضى تفسيره، {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} أَيْ: من بعد الرُّسل {من بعد ما جاءتهم البينات} من بعد ما وضحت لهم البراهين {ولكن اختلفوا فمنهم مَنْ آمن} ثبت على إيمانه {ومنهم مَنْ كفر} كالنَّصارى بعد المسيح اختلفوا فصاروا فِرقاً، ثمَّ تحاربوا {ولو شاء الله ما اقتتلوا} كرَّر ذكر المشيئة باقتتالهم تكذيباً لمن زعم أنَّهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، لم يجرِ به قضاءٌ من الله {ولكنَّ الله يفعل ما يريد} فيوفِّقُ مَنْ يشاء فضلاً، ويخذل من يشاء عدلاً. {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ممَّا رزقناكم} أَي: الزَّكاة المفروضة، وقيل: أراد النَّفقة في الجهاد {من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه} يعني: يوم القيامة. يعني: لا يؤخذ في ذلك اليوم بدَلٌ ولا فداءٌ {ولا خلة} ولا صداقةٌ {ولا شفاعة} عمَّ نفي الشَّفاعة لأنَّه عنى الكافرين بأنَّ هذه الأشياء لا تنفعهم، ألا ترى أنَّه قال: {والكافرون هم الظالمون} أَيْ: هم الذين وضعوا أمر الله في غير موضعه. {الله لا إله إلاَّ هو الحي} الدَّائم البقاء {القيوم} القائم بتدبير أمر الخلق في إنشائهم وأرزاقهم {لا تأخذه سنة} وهي أوَّل النُّعاس {ولا نوم} وهو الغشية الثَّقيلة {له ما في السموات وما في الأرض} مِلكاً وخلقاً {مَنْ ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه} أَيْ: لا يشفع عنده أحدٌ إلاَّ بأمره، إبطالاً لزعم الكفَّار أنَّ الأصنام تشفع لهم {يعلم ما بين أيديهم} من أمر الدُّنيا {وما خلفهم} من أمر الآخرة. {ولا يحيطون بشيء من علمه} أَيْ: لا يعلمون شيئاً من معلوم الله تعالى: {إلاَّ بما شاء} إلاَّ بما أنبأ الله به الأنبياء وأطلعهم عليه {وسع كرسيه السموات والأرض} أي: احتملهما وأطاقهما. يعني: ملكه وسلطانه. وقيل: هو الكرسيُّ بعينه، وهو مشتمل بعظمته على السَّموات والأرض. وروي عن ابن عباس أنَّ كرسيه علمه. {ولا يَؤُوْدُهُ} أَيْ: لا يُجهده ولا يُثقله {حفظهما} أَيْ: حفظ السَّموات والأرض {وهو العليُّ} بالقدرة ونفوذ السُّلطان عن الأشباه والأمثال {العظيم} عظيم الشَّأن.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تلك الرسل: أولئك الرسل الذين قص الله تعالى على رسوله بعضاً منهم وأخبره أنه منهم في قوله {أية : وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [البقرة: 252] في الآية قبل هذه. من كَلَّم الله: كموسى عليه السلام. ورفع بعضهم درجات: وهو محمد صلى الله عليه وسلم حيث فضله تفضيلاً على سائر الرسل. البينات: المعجزات الدالة على صدق عيسى في نبوته ورسالته. روح القدس: جبريل عليه السلام كان يقف دائماً إلى جانب عيسى يسدده ويقويه إلى أن رفعه الله تعالى إليه. اقتتلوا: قتل بعضهم بعضا. أنفقوا مما رزقناكم: النفقة الواجبة وهي الزكاة، ونفقة التطوع المستحبة. لا بيع فيه: لا يشتري أحد نفسه بمال يدفعه فداءً لنفسه من العذاب. ولا خُلة: أي صداقة تنفع صاحبها. ولا شَفاعة: تقبل إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. والكافرون: بمنع الزكاة والحقوق الواجبة لله تعالى ولعباده هم الظالمون. معنى الآيتين: بعد أن قص الله تبارك وتعالى على رسوله قصة ملأ بني إسرائيل في طلبهم نبيهم شمويل بأن يعين لهم ملكاً يقودهم إلى الجهاد، وكانت القصة تحمل في ثناياها أحداثا من غير الممكن أن يعلمها أميّ مثل محمد صلى الله عليه وسلم بدون ما يتلقَّاها وحياً يوحيه الله تعالى إليه وختم القصة بتقرير نبوته ورسالته بقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : أخبر تعالى أن أولئك الرسل فضل بعضهم على بعض، منهم من فضله بتكليمه كموسى عليه السلام ومنهم من فضله بالخلّة كإبراهيم عليه السلام ومنهم من رفعه إليه وأدناه وناجاه وهو محمد صلى الله عليه وسلم ومنهم من آتاه الملك والحكمة وعلمه صنعة الدروع كداود عليه السلام، ومنهم من أتاه الملك والحكمة وسخر له الجن وعلمه منطق الطير كسليمان عليه السلام، ومنهم من آتاه البينات وأيده بروح القدس وهو عيسى عليه السلام. فقال تعالى: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} كنبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذ فضله بعموم رسالته وبختم النبوات بنبوته، وبتفضيل أمته، وبإدخاله الجنة في حياته قبل مماته وبتكليمه ومناجاته مع ما خصه من الشفاعة يوم القيامة. ثم أخبر تعالى أنه لو يشاء هداية الناس لهداهم فلم يختلفوا بعد رسلهم ولم يقتتلوا من بعد ما جاءتهم البينات وذلك لعظيم قدرته، وحرّية إرادته فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. هذا بعض ما أفادته الآية الأولى [253] أما الآية الثانية [254] فقد نادى الله تعالى عباده المؤمنين وأمرهم بالانفاق في سبيل الله تقربّاً إليه وتزوداً للقائه قبل يوم القيامة حيث لا فداء ببيع وشراء، ولا صداقة تجدي ولا شفاعة تنفع، والكافرون بنعم الله وشرائعه هم الظالمون المستوجبون للعذاب والحرمان والخسران. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- تفاضل الرسل فيما بينهم بحسب جهادهم وصبرهم وما أهلهم الله تعالى له من الكمال. 2- صفة الكلام لله تعالى حيث كلّم موسى في الطور، وكلم محمداً في الملكوت الأعلى. 3- الكفر والإِيمان والهداية والضلال، والحرب والسلم كل ذلك تبع لمشيئته تعالى وحكمته. 4- ذم الإختلاف في الدين وأنه مصدر شقاء وعذاب. 5- وجوب الإنفاق في سبيل الله مما رزق الله تعالى عبده. 6- التحذير من الغفلة والأخذ بأسباب النجاة يوم القيامة حيث لا فداء ولا خلّة تنفع ولا شفاعة ومن أقوى الأسباب الإِيمان والعمل الصالح وإنفاق المال تقرباً إلى الله تعالى في الجهاد وغيره.

القطان

تفسير : هؤلا ء الرسل المشار اليهم بقوله: {وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} فضّلنا بعضهم على بعض في مراتب الكمال، ومع انهم كلَّهم رسل الله، وهم جديرون ان يقتدى بهم، ويهتدى بهديهم ـ فقد امتاز بعضهم عن بعض بخصائص: في انفسهم، وفي شرائعهم وأممهم. فمنهم من كلّمه الله مثل موسى، ومنهم من رفعه الله الى درجات الكمال والشرف مثل محمد، الذي اختص بعموم الرسالة، وكمال الشريعة وختم الرسالات. وآتينا عيسى بن مريم البيّنات، وأمددناه بالمعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأيدناه بروح القُدس. وقد جاء هؤلاء الرسل بالهدى ودين الحق. وكان مقتضى هذا ان يؤمن الناس جميعا، ولا يختلفوا ولا يقتتلوا. ولو شاء الله ما فعلوا، ولكن الله لم يشأ ذلك. لهذا اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر. والله يفعل ما يريد لحكمة قدّرها.

د. أسعد حومد

تفسير : {دَرَجَاتٍ} {وَآتَيْنَا} {ٱلْبَيِّنَاتِ} {وَأَيَّدْنَاهُ} {ٱلْبَيِّنَاتُ} {آمَنَ} (253) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّ الرُّسُلَ الذِينَ ذَكَرَهُم قَدْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي مَرَاتِبِ الكَمَالِ وَالشَّرَفِ، فَخَصَّ بَعْضَهُمْ بِمَآثِرَ جَلِيلةٍ خَلاَ عَنْها غَيْرُهُ مَعَ اسْتِوائِهِمْ جَمِيعاً فِي اخْتِيارِهِ تَعَالَى لإِبْلاغِ رِسَالَتِهِ، وَهدايَةِ خَلْقِهِ. فَمِنْهُم مُوسَى الذِي كَلَّمَهُ اللهُ مِنْ غَيْرِ سَفِيرٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَهُ اللهُ مَرَاتِبَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَيُؤَيِّدُهُ السِّيَاقُ أيْضاً. وَمِنْ هذِهِ الدَّرَجَاتِ مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأخْلاَقِهِ الشَرِيفَةِ فَقَالَ تَعَالَى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكِتَابِهِ وَشَرِيعَتِهِ {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : ، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُؤْتَ مِنَ المُعْجِزَاتِ أَعْظَمَ مِنَ مُعْجِزَةِ القُرآنِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأمَّتِهِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}تفسير : . {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : . (وَرُوِيَ عَن الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ: "حديث : فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِياءِ بِسِتٍّ: أوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَجُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، وَأرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ"تفسير : ). وَفَضَّلَ اللهُ تَعَالَى عِيسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ بِأنْ آتَاهُ البَيِّنَاتِ (وَهِيَ مَا يُتََبَيَّنُ بِهِ الحَقُّ مِنَ الآيَاتِ وَالدَّلاَئِلِ)، وَأيَدَّهُ بِرُوحِ القُدْسِ، (وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيهِ السَّلاَمُ) وَقَدْ خَصَّ اللهُ عِيسَى بِإِيْتَاءِ البَيِّنَاتِ تَقْبِيحاً لإِفْرَاطِ اليَهُودِ فِي تَكْذِيبِهِ وَانْتِقَاصِهِ، وَلإِفْراطِ النَّصَارَى فِي تَعْظِيمِهِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مِنْ مَرْتَبَةِ الرِّسَالَةِ إلى مَرْتَبَةِ الأُلُوهِيَّةِ. وَكَانَ مِنْ مُقْتَضَى ذَلِكَ أنْ يُؤْمِنَ النَّاسُ جَمِيعاً، وَألاَّ يَخْتَلِفُوا وَلاَ يَقْتَتِلُوا. وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَلاَّ يَقْتتِلَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الرُّسُلُ بِالآيَاتِ الوَاضِحَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الحَقِّ، لَمَا حَدَثَ اقْتِتَالٌ وَلاَ اخْتِلاَفٌ. وَلَكِنْ لَمْ يَشَأِ اللهُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ. وَقَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى المُسْلِمينَ عَنِ الاخْتِلافِ وَالتَّفَرُّقِ، وَأمَرَهُمْ بِالاتِّحَادِ وَالوِئَامِ، فَامْتَثَلُوا أمْرَهُ ثُمَّ عَادُوا إلى الاخْتِلاَفِ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ جَمْعَهُمْ عَلَى الحَقِّ، لَفَعَلَ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ لِحِكْمَةٍ لا يُقَدِّرُهَا إلاّ هُوَ. بِرُوحِ القُدسِ - جِبْرِيلُ، عَلَيهِ السَّلامُ.

الثعلبي

تفسير : {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ}، قال الأخفش: أي كلّمه الله لقوله: {أية : فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ} تفسير : [فصلت: 31] وزان {أية : مَا تَشْتَهِيهِ} تفسير : [الزخرف: 71]. {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} الربيع بن الهيثم قال: لا أُفضّل على نبيّنا أحداً ولا أفضّل بعده على إبراهيم أحداً. {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم} أي من بعد الرسل {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ} ثبت على إيمانه {وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ} فتهوّد وتنصّر وكانوا يعقوبيّة ونسطوريّة وملكائيّة ثم تحاربوا {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} فيوفّق من يشاء عدلاً ويخذل مَنْ يشاء عدلاً. وعن الحرث الأعور قال: قام رجل إلى عليّ (رضي الله عنه) فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال: طريق مظلم لا تسلكه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال: بحر عميق لا تلجه، قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال: سرّ الله قد خفي عليك فلا تفشه، قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، فقال عليّ عليه السلام: أيُّها السائل إن الله خلقك كما شاء أو كما شئت؟. فقال: كما شاء. قال: فيبعثك يوم القيامة كما شاء أو كما شئت؟. قال: كما شاء. قال: أيّها السائل ألك مع الله مشيئة أو فوق الله مشيئة أو دون الله مشيئة؟ فإن زعمت أن لك دون الله مشيئة فقد أكتفيت عن مشيئة الله، وإن زعمت أنّ لك فوق الله مشيئة فقد زعمت أن مشيئتك غالبة على مشيئة الله، وإن زعمت أن لك مع الله مشيئة فقد أدعيت الشركة، ألست تسأل ربّك العافية؟ قال: بلى. قال: فمن أي شيء تسأله، أمن البلاء الذي ابتلاك به، أم من البلاء الذي ابتلاك به غيره؟. قال: من البلاء الذي ابتلاني به. قال: ألست تقول: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله؟ قال: بلى. قال: فتعلّم تفسيرها؟ قال: لا، علّمني يا أمير المؤمنين مما علمك الله. قال: تفسيرها: أن العبد لا يقدر على طاعة الله ولا يكون له قوّة على معصية الله في الأمرين جميعاً إلاّ بالله، أيّها السائل إن الله عزّ وجلّ [يصح ويداوي، منه الداء ومنه الدواء] أعقلت عن الله أمره. قال: نعم. قال علي (رضي الله عنه): الآن أسلم أخوكم قوموا فصافحوه. ثم قال: لو وجدت رجلاً من القدرية لأخذت برقبته فلا أزال أطأ عنقه حتى أكسرها فإنّهم يهود هذه الأمّة ونصاراها ومجوسها. وقال المزني: سمعت الشافعي يقول: شعر : وما شئتَ كانَ وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم} يعني صدقة التطوّع والنفقة في الخير {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} [...] {وَلاَ خُلَّةٌ} ولا صداقة {وَلاَ شَفَاعَةٌ} إلاّ بإذن الله، قرأها كلّها بالنصب ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وقرأ الباقون كلّها بالرفع والتنوين، وكلا الوجهين سائغ في [العربيّة]. {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} لأنّهم وضعوا العبادة في غير موضعها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق سبحانه وتعالى يشير إلى الرسل بقوله: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} [البقرة: 253] و"الرسل" هي جمع لمفرد هو "رسول". والرسول هو المكلف بالرسالة. والرسالة هي الجملة من الكلام التي تحمل معنى إلى هدف. وما دام الرسل جماعة فلماذا لم يقل الحق "هؤلاء الرسل" وقال "تلك الرسل"؟ ذلك ليدلك القرآن الكريم على أن الرسل مهما اختلفوا فهم مرسلون من قبل إله واحد وبمنهج واحد. وكما عرفنا من قبل أن الإشارة بـ"تلك" هي إشارة لأمر بعيد. فعندما نشير إلى شيء قريب فإننا نقول: "ذَا"، وعندما نستخدم صيغة الإشارة مع الخطاب نقول: "ذاك". وعندما نشير إلى مؤنث فنقول: "تِ" وعندما نشير إلى خطاب مؤنث: "تيك". و"اللام" كما عرفنا هنا للبعد أو للمنزلة العالية. إذن فقوله الحق: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} [البقرة: 253] هو إشارة إلى الرسل الذين يَعْلَمُهُم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، أو الرسل الذين تقدموا في السياق القرآني. والسياق القرآني الذي تقدم تحدث عن موسى عليه السلام، وعن عيسى عليه السلام، وتكلم السياق عن أولي العزم من الرسل. إن أردت الترتيب القرآني هنا، فهو يشير إلى الذي تقدم في هذه السورة، وإن أردت ترتيب النزول تكون الإشارة إلى من عَلِمَهُ الرسول من الرسل السابقين، والمناسبة هنا أن الحق قد ختم الآية السابقة بقوله هناك: "وإنك لمن المرسلين"، ولما كانت "وإنك لمن المرسلين" تفيد بعضيته صلى الله عليه وسلم لكلية عامة، كأنه يقول: إياكم أن تظنوا أنهم ما داموا قد اتفقوا في أنهم مرسلون أو أنهم رسل الله، أنهم أيضاً متساوون في المنزلة، لا، بل كل واحد منهم له منزلته العامة في الفضلية والخاصة في التفضيل. إنهم جميعاً رسل من عند الله، ولكن الحق يعطي كل واحد منهم منزلة خاصة في التفضيل. فلماذا كان قول الله: {أية : وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [البقرة: 252] يؤكد لنا أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الرسل فلا تأخذ هذا الأمر على أساس أن كل الرسل متساوون في المكانة، وتقول إنهم متماثلون في الفضل. لا. إن الله قد فضل بعضهم على بعض. وما هو التفضيل؟ إن التفضيل هو أن تأتي للغير وتعطيه ميزة، وعندما تعطي له مزية عمن سواه قد يقول لك إنسان ما "هذه محاباة"، لذلك نقول لمن يقول ذلك: الزم الدقة، ولتعرف أن التفضيل هو إيثار الغير بمزية بدافع الحكمة، أما المحاباة فهي إيثار الغير بمزية بدافع الهوى والشهوة، فمثلاً إذا أردنا أن نختار أحداً من الناس لمنصب كبير، فنحن نختار عدداً من الشخصيات التي يمكن أن تنطبق عليهم المواصفات ونقول: "هذا يصلح، وهذا يصلح، وهذا يصلح" و"هذا فيه ميزات عن ذاك" وهكذا، فإن نظرنا إليهم وقيمناهم بدافع الحكمة والكفاءة فهذا هو التفضيل، ولكن إن اخترنا واحداً لأنه قريب أو صهر أو غير ذلك فهذا هو الهوى والمحاباة. إن التفضيل هو أن تؤثر وتعطي مزية ولكن لحكمة، وأما المحاباة فهي أن تؤثر وتعطي مزية، ولكن لهوى في نفسك. فمثلاً هب أنك اشتريت قارباً بخارياً وركبته أنت وابنك الصغير، ومعك سائق القارب البخاري، وأراد ابنك الصغير أن يسوق القارب البخاري، وجلس مكان السائق وأخذ يسوق. ولكن جاءت أمواج عالية واضطرب البحر فنهضت أنت مسرعاً وأخذت الولد وأمرت السائق أن يتولى القيادة، وهنا قد يصرخ الولد، فهل هذه محاباة منك للسائق؟ لا، فلو كانت محاباة لكانت لابنك، لكنك أنت قد آثرت السائق لحكمة تعرفها وهي أنه أعلم بالقيادة من الولد الصغير. إذن إذا نظرت إلى حيثية الإيثار وحيثية التمييز لحكمة فهذا هو التفضيل، ولكن في المحاباة يكون الهوى هو الحاكم. وكل أعمال الحق سبحانه وتعالى تصدر عن حكمة؛ لأنه سبحانه ليس له هوى ولا شهوة، فكلنا جميعاً بالنسبة إليه سواء. إذن هو سبحانه حين يعطي مزية أو يعطي خيراً أو يعطي فضلية، يكون القصد فيها إلى حكمة ما. وحينما قال الحق: {أية : وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [البقرة: 252] جاء بعدها بالقول الكريم: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} [البقرة: 253] وأعطانا نماذج التفضيل فقال: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} [البقرة: 253]. وساعة تسمع {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} [البقرة: 253] يأتي في الذهن مباشرة موسى عليه السلام، وإلا فالله جل وعلا قد كلم الملائكة. وبعد ذلك يقول الحق: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]. ثم قال: {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 253] إنه سبحانه قد حدد أولاً موسى عليه السلام بالوصف الغالب فقال: {كَلَّمَ ٱللَّهُ} [البقرة: 253] وكذلك حدد سيدنا عيسى عليه السلام بأنه قد وهبه الآيات البينات. وبين موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام قال الحق {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] والخطاب في الآيات لمحمد عليه الصلاة والسلام. إذن ففيه كلام عن الغير لمخاطب هو محمد صلى الله عليه وسلم. وساعة يأتي التشخيص بالاسم أو بالوصف الغالب، فقد حدد المراد بالقضية، ولكن ساعة أن يأتي بالوصف ويترك لفطنة السامع أن يرد الوصف إلى صاحبه فكأنه من المفهوم أنه لا ينطبق قوله: "ورفعنا بعضهم درجات" بحق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم وحده. وجاء بها سبحانه في الوسط بين موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت في الوسط، وإنما جاء آخر الأنبياء، ولكنك تجد أن منهجه صلى الله عليه وسلم هو الوسط. فاليهودية قد أسرفت في المادية بلا روحانية، والنصرانية قد أسرفت في الروحانية بلا مادية، والعالم يحتاج إلى وسطية بين المادية والروحية، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم، فكأن محمداً صلى الله عليه وسلم قطب الميزان في قضية الوجود. وإذا أردنا أن نعرف مناطات التفضيل، فإننا نجد رسولاً يرسله الله إلى قريته مثل سيدنا لوط مثلاً، وهناك رسول محدود الرسالة أو عمر رسالته محدود، ولَكِنْ هناك رسول واحد قيل له: أنت مرسل للإنس والجن، ولكل من يوجد من الإنس والجن إلى أن تقوم الساعة إنّه هو محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا كان التفضيل هو مجال العمل فهو لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا نظرنا إلى المعجزات التي أنزلها الله لرسله ليثبتوا للناس صدق بلاغهم عن ربهم، نجد أن كل المعجزات قد جاءت معجزاته كونية، أي معجزات مادية حسية الذي يراها يؤمن بها، فالذي رأى عصا موسى وهي تضرب البحر فانفلق، هذه معجزة مادية آمن بها قوم موسى، والذي رأى عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه والأبرص فقد شهد المعجزة المادية وآمن بها، ولكن هل لهذه المعجزات الآن وجود غير الخبر عنها؟ لا ليس لها وجود. لكن محمد صلى الله عليه وسلم حينما يشاء الله أن يأتيه بالمعجزة لا يأتي له بمعجزة من جنس المحَسات التي تحدث مرة وتنتهي، إنه سبحانه قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة، فرسالته غير محدودة، ولابد أن تكون معجزته صلى الله عليه وسلم غير محسة وإنما تكون معقولة؛ لأن العقل هو القدر المشترك عند الجميع، لذلك كانت معجزته القرآن. ويستطيع كل واحد الآن أن يقول: محمد رسول الله وتلك معجزته. إن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم هي واقع محسوس. وفي مناط التطبيق للمنهج نجد أن الرسل ما جاءوا ليشرعوا، إنما كانوا ينقلون الأحكام عن الله، وليس لهم أن يشرعوا، أما الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو الرسول الوحيد الذي قال الله له: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..}تفسير : [الحشر: 7]. فهو صلى الله عليه وسلم قد اختصه الله بالتشريع أيضاً، أليست هذه مزية؟ إن المراد من المنهج السماوي هو وضع القوانين التي تحكم حركة الحياة في الخلافة في الأرض، وتلك القوانين نوعان: نوع جاء من الله، وفي هذا نجد أن كل الرسل فيه سواء، ولكنْ هناك نوع ثانٍ من القوانين فوض الله فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع من التشريع ليلائم ما يرى، وهذا تفضيل للرسول صلى الله عليه وسلم. إذن حين يقول الله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] فهذا لا ينطبق إلا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا أكثر من التصريح بالاسم. وأضرب هنا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت أعطيت لولدك قلماً عادياً، ولولدك الثاني قلماً مرتفع القيمة، ولولدك الثالث ساعة، أما الولد الرابع فاشتريت له هدية غالية جداً، ثم تأتي للأولاد وتقول لهم: أنا اشتريت لفلان قلماً جافاً، ولفلان قلم حبر، واشتريت لفلان ساعة، وبعضهم اشتريت له هدية ثمينة. فـ"بعضهم" هذا قد عُرف بأنه الابن الرابع الذي لم تذكر اسمه، فيكون قد تعين وتحدد. {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} [البقرة: 253] وحين تقول كلم الله إياك أن تغفل عن قضية كلية تحكم كل وصف لله يوجد في البشر، فأنا أتكلم والله يتكلم، لكن أكلامه سبحانه مثل كلامي؟ إن كنت تعتقد أن وجودي مثل وجوده فاجعل كلامي ككلامه، وإن كان وجودي ليس كوجوده فكيف يكون كلامي ككلامه؟ ربما يقول أحد: إن الكلام صوت وأحبال صوتية وغير ذلك، نقول له: لا، أنت لا تأخذ ما يخص الله سبحانه إلا في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] ونحن نأخذ كل وصف يرد عن الله بواسطة الله، ولا نضع وصفاً من عندنا، وبعد ذلك لا نقارنه بوصف للبشر. فلله حياة ولك حياة. لكن أحياة أي منا كحياته سبحانه؟ لا، إن حياته ذاتية، وحياة كل منا موهوبة مسلوبة، فليست مثل حياته. وعندما يقول الحق: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ}تفسير : [السجدة: 4]. فهل جلوس الحق كجلوس الخلق؟ أو هل يكون كرسي الخالق ككرسي المخلوق؟ طبعاً لا. ونحن المؤمنين نأخذ كل صفة عن الله في نطاق التنزيه: سبحان الله وليس كمثله شيء، فليس استواء الله مثل استواء البشر، وليس جلوس الحق مثل جلوس الإنسان. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد - هب أن صاحباً لك دعاك لتأكل عنده، ثم دعاك أحد كبراء القوم لتأكل عنده، لابد أنك تجد الطعام متفاوتاً في جودته وأصنافه بين كل مائدة من موائد من دعوك، فإذا كان البشر أنفسهم تتفاوت بينهم الأمور الوصفية تبعاً لمقاماتهم وقدراتهم وإمكاناتهم، فإذا ما ترقيت بالصفة إلى خالق كل الأشياء أيقنت أنه سبحانه مُنزه عن كل من سواه، وليس كمثله شيء. إذن "كلم الله" تعني أنه أعلم رسوله بأي وسيلة من وسائل الإعلام. {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} [البقرة: 253] والحق سبحانه وتعالى يؤكد دائماً في الكلام عن سيدنا عيسى - أنّ عيسى ابن مريم مؤيد بروح القدس - لأن المسائل التي تعرض لها سيدنا عيسى تتطلب أن تكون روح القدس دائماً معه، ولذلك يقول الحق سبحانه عنه: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}تفسير : [مريم: 33]. ففي الميلاد سيدنا عيسى تعرض لمشكلة؛ لأنه ولد على غير طريقة ميلاد الناس، واتهمت فيها أمه، وجاء القرآن فنزهها، وبرأها، ووضع الأمر في نصابه الحق، وأيضاً في موته عندما أرادوا أن يقتلوه. وحين ننظر إلى الرسل نجد أن مقتضى أن يرسل الله رسلاً إلى العالم هو أنه سبحانه قد خلق الخلق غير مكرهين على فعل، ولا مسخرين كما تسخر بقية الأجناس في الكون، ودونه مباشرة الحيوان الذي ينقص عنه العقل، وبعد الحيوان يأتي جنس النبات الذي ينقص عنه الحس والحركة، وبعد ذلك الجماد الذي ينقص عن النبات، تلك هي أجناس الوجود. والإنسان هو سيد هذه الأجناس. والسيادة جاءت له من ناحية أن الأجناس كلها مسخرة لخدمته لا بالاختيار، ولكن بالقهر والقسر. فالشمس لم تجيء مرة لتقول: لم يعد الخلق يعجبونني لذلك لن أشرق لهم اليوم، ولا الهواء امتنع عن أن يهب، ولا المطر امتنع عن أن ينزل، ولا الأرض امتنعت عن أن تعطي النبات عناصر غذائه، إن الإنسان يركب الدابة ويسيرها كما يحب وكما يريد، لا شيء يتأبى أبداً على الإنسان. وأنت أيها الإنسان الجنس الوحيد الذي وهبك الله الاختيار لتمارس مهمتك في الوجود، فإن شئت فعلت كذا، وإن شئت لم تفعل كذا. ولكن الله لم يدعك هكذا على إطلاقك، بل إنّ فيه أموراً تصير برغم أنفك وأنت مسخر فيها، لا تستطيع ـ مثلاً ـ أن تتحكم في يوم ميلادك، ولا في يوم وفاتك، ولا فيما ينزل عليك من الأحداث الخارجة عنك، ولا فيما يدور من الحركة في بدنك، كل ذلك أنت مسخر فيه فلا تنفلت من قبضة ربك. ولكنك مختار في أشياء. ونعرف أنه سبحانه وتعالى قهر أجناساً على أن تكون كما يريد، وكما يحب، وتلك صفة القدرة؛ لأن صفة القهر تفيد السيطرة. فإذا ما ترك جنساً يختار أن يؤمن، ويختار ألا يؤمن، وإن آمن يختار أن يطيع ويختار أن يعصي، فهذه تثبت المحبوبية لله سبحانه وتعالى لمن اختار وآثر طاعة الله على المعصية. ونحن نعرف أن القهر يخضع القوالب لكنه لا يخضع القلب. فأنت تستطيع أن تهدد إنساناً بمسدس وتقول له: "اسجد لي" فيسجد لك، لكنك لا تستطيع أن تقول له - وهو تحت التهديد - "أحبني". فالحق سبحانه وتعالى يترك لنا الإيمان بالاختيار، ويترك لنا الطاعة والمعصية اختياراً، ليعلم من يأتيه حباً ومن يأتيه قهراً. والعالم كله يأتي لله قهراً. وأنت أيها الإنسان في ذاتك أشياء أنت مقهور فيها. ومن هنا ثبتت لله تعالى القدرة. وبقى أن تثبت له الحب. والعبد الصالح هو الذي يطيعه عن حب. ونحن قد سبق لنا أن ضربنا مثلاً - ولله المثل الأعلى - وقلنا إن إنساناً عنده خادمان واحد اسمه سعد والآخر اسمه سعيد، سعد قيده صاحبه بحبل ويَجُرُّه قائلاً: "يا سعد" فهل لسعد ألا يجيء؟ لا. لكن صاحب العبدين ترك لسعيد الحرية، وعندما يناديه فهو يأتيه. إذن، أيهما يحبه، الذي جاء بالحبل أم الذي جاء بالمحبة؟ إذن، فمن كرامة الإنسان أن يثبت لله صفة المحبة إن آمن بالله؛ لأنه سبحانه وتعالى لو شاء أن يهدي الناس جميعاً ما استطاع أي واحد منهم أن يكفر به، ولو شاء أن يكون مطاعاً دائماً ما استطاع واحد أن يعصيه أبداً. ولذلك قلنا: إن إبليس كان عالماً حينما قال أمام الله تعالى:{أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82]. أقسم الشيطان لله بعزته سبحانه عن خلقه، وكأنه قال: أنت يا رب لو كنت تحتاج عبادك فأنا لا أستطيع أن آخذهم، ولكن لأنك عزيز عليهم، إن أرادوا أن يؤمنوا آمنوا، وإن أرادوا ألا يؤمنوا لم يؤمنوا؛ فهذا هو المدخل الذي سأدخل منه. ولذلك استثنى الشيطان بعضاً من العباد لأنه لن يستطيع أن يجد لوسوسته لديهم مدخلاً:{أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 83]. أي إن الذي يريد الله أن يستخلصه لنفسه فلن يستطيع الشيطان أن يقترب منه. إذن فإبليس ليس داخلاً في معركة مع الله تعالى، ولكنه في معركة معنا نحن. ولقد أوضح الحق ذلك حين جاء على لسان إبليس في القرآن:{أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 82-83]. إذن لو أراد الله أن نكون طائعين جميعاً، أيستطيع واحد أن يعصي؟ لا يستطيع. ولو أرادنا مؤمنين جميعاً، أيستطيع واحد أن يكفر؟ لا يستطيع. إنما شاء الله تعالى لبعض الأمور والأفعال أن يتركها لاختيارك؛ لأنه يريد أن يعرف من الذي يأتيه طوعاً وليظل العبد بين الخوف والرجاء؛ ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ". تفسير : ولهذا فإن مطلوب الارتفاع الإيماني، والارتفاع اليقيني أن تحب الله لذات الله. وهو سبحانه يجري عليك من الأحداث ما يشاء، وتظل تحبه فيباهي الله بك الملائكة فتقول الملائكة: يا رب يحبك لنعمتك عليه فيقول لهم: وأسلب نعمتي ولا يزال يحبني، ويسلب الحق النعمة لكن العبد لا يزال يحب الله، فهو يحب الله ولا يحب نعمته لأنه سبحانه ذات تُحَب لذاتها بصرف النظر عن أنه يعطينا النعم. إذن الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل يحملون منهج الله لمَنْ يريد أن يعلن حبه لله، وأن يكون خليفة في الأرض بحق، وأن يُصلح في الكون ولا يفسده. ونعرف أن الإصلاح له مرتبتان: أن تترك الصالح بطبيعته فلا تفسده، أو أن تزيد الصالح صلاحاً. فلا تأتي على عين الماء التي تتدفق للناس وتردمها، ولكنك تتركها على صلاحها إن لم تستطع أن تزيدها إصلاحاً. وقد تستطيع أن تزيد عين الماء صلاحاً؛ فبدلاً من أن يذهب الناس متعبين إلى العين ويحملون منها الماء، قد تصنع لهم مضخة عالية لها خزان ترفع إليه الماء وتمد "المواسير" وتوصل المياه إلى منازلهم. فأنت بذلك تزيد الأمر الصالح صلاحاً، وهذه خلافة وعمارة في الوجود. فإن لم تستطع أن تزيد الصالح صلاحاً فجنبنا شر إفسادك، ودع الحال كما هي عليه، واقعد كما أنت عالة في الكون. ولو أن الإنسان كان منصفاً في الكون لسأل نفسه: مَنْ الذي اهتدى إلى صناعة الرغيف الذي نأكله الآن؟ وسيعرف أنه قد أخذ تجارب الناس من أول آدم حتى وصل إلى صناعة هذا الرغيف، فهناك إنسان زرع القمح، وهناك إنسان آخر هداه الله أن يطحن هذا القمح، وهو سبحانه هدى الإنسان أن يصنع منخلاً ليفصل الدقيق عن النخالة، ثم هداه أن يعجن الدقيق حتى يجد له طعماً أفضل. ولاشك أنه ترك مرة قطعة من العجين ثم شُغل عنها بأي شاغل أو بأي سبب ثم رجع لها مرة أخرى فوجدها متخمرة، فلما خبزها خرج له العيش أفضل طعماً، إنه سبحانه قدر فهدى، وإلا كيف تأتي هذه التجربة الطويلة؟ ومثال آخر: إن الإنسان حين ينظف ثوبه، لو أنه استعرض أعمال من سبقوه في هذا الموضوع منذ آدم، لعلم أن كل واحد سبقه في الوجود أعطاه مرحلة من النفعية إلى أن وصل للغسالة الكهربائية التي تغسل له بدون تعب، كل هذه الأشياء جاءت له بهدايات من الله. وقد قلت مرة: لماذا طبخت الناس "الكوسة" ولم تطبخ "الخيار"؟ إن هذا دليل على أن هناك تجارب كثيرة مرت على الإنسان حتى يميز طعم الكوسة المطبوخة عن الخيار، وكذلك طبخ الناس الملوخية ولم يطبخوا النعناع، مع أن النعناع أحسن منها، حدث ذلك؛ لأن هناك تجارب وصلتنا بأن النعناع لا يُستساغ طعمه مطبوخاً. وأنت لو نظرت إلى أي شيء تستفيد به اليوم، وقدرت الأعمال التي تداولته من يوم أن وُجد، ستجد أن الحق قد قدر لكل إنسان عملاً ومجالاً، وظل يخدمك أنت. وما دمت قد خُدمتَ بهؤلاء الناس كلهم من أول آدم وحتى اليوم، فلا بد أن تنظر لترى ماذا ستقدم لمن يأتي من بعدك، فلا تكن كسولاً في الحياة؛ تأخذ خير غيرك كله في الوجود، وبعد ذلك لا تعطي أي شيء، بل لابد أن يكون لك عطاء، فكما أخذت من بيئتك لابد أن تعطي هذه البيئة، ولو لم يوجد هذا لما ارتقت الحياة؛ لأن معنى ارتقاء الحياة أن إنساناً أخذ خبرة من سبقوه، وحاول أن يزيد عليها، أي أن يأخذ أكبر ثمرة بأقل مجهود. فلو قدر الناس جهد الإنسان الذي ابتكر "العجلة" مثلاً التي تسير عليها السيارة لكان عليهم أن يستغفروا الله له بمقدار ما أراحهم، فبعد أن كان الإنسان يحمل على أكتافه قصارى ما يحمل، وَفَّر عليه مَن اخترع هذا أن يحمل ويتعب، وجعله يحمل أكبر كمية وينقلها بأقل مجهود. إذن لابد أن تنظر إلى النعم التي تستفيد بها الآن وترى كم مرحلة مرت بها، وهل صنعها الناس هكذا أم تعبوا وكدوا واجتهدوا منذ بدأ الوجود على الأرض، وعرف الإنسان جيلاً بعد جيل كيفية تطوير تلك الأشياء، وقد يحدث خطأ في مرحلة معينة فيبدأ الإصلاح أو التحسن وهكذا. فأنت عندما تجد أن العالم قدم لك كل هذه المنتجات، لابد أن تسأل نفسك: ما الذي ستقدمه أنت لهذا العالم، وبذلك تظل الحلقة الإنسانية مرتقية ومتصلة. والحق سبحانه وتعالى يرسل الرسل ويضع المنهج: "افعل كذا" و"لا تفعل كذا"، حتى تستقيم حياة الناس على الأرض، لكن الناس غلبت عليهم الغفلة عن أمر المنهج؛ ولذلك تظهر في الوجود فسادات بقدر الغفلة، وعندما يزداد الفساد يبعث الحق سبحانه رسولاً جديداً يذكرهم بالمنهج مرة أخرى، وعندما يأتي الرسول يؤمن به بعض من الناس ويحاربون معه، وينتصر الرسول وتستقر مبادئ الله في الأرض، ثم تمر فترة وتأتي الغفلة فيحدث الخلاف، فهناك أناس يتمسكون بمنهج الله، وأناس يفرطون في هذا المنهج، ويحدث الخلاف وتقوم المعارك. ولو كان الحق سبحانه وتعالى يريد الكون بلا معارك بين حق وباطل لجعل الحق مسيطراً سيطرة تسخير. لكن الله تعالى أعطانا تمكيناً، وأعطانا اختياراً؛ لذلك نجد مَنْ ينشأ مؤمناً، ومَنْ ينشأ كافراً، نجد الطائع، ونجد العاصي، هذا فريق، وهذا فريق. وإياك أن تفهم أن وجود الكافرين في الأرض، أو وجود العصاة في الكون دليل على أنهم غير داخلين في حوزة الله، لا. بل إن الله تعالى هو الذي أعطاهم هذا الاختيار، ولو شاء الله أن يجعل الناس أمة واحدة لما استطاع إنسان أن يخرج على مراد الله. وفي الآية التي نحن بصددها جاء الحق بأولي العزم من الرسل: سيدنا موسى عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيدنا عيسى عليه السلام وبعد ذلك يقول سبحانه: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253]. إذن ما الذي جعل الناس تقتتل فيما بينها؟ إنه الاختلاف بين الناس، لقد اختلفوا فاقتتلوا. لكن ألا يمكن أن يكونوا قد اختلفوا ولم يقتتلوا؟ إن ذلك لو حدث لكان إجماعاً على الفساد. والحق سبحانه لا يريد أن يحدث الإجماع على الفساد، فإن لم يسيطر الخير على أمور البشر فلا أقل من أن يظل عنصر الخير موجوداً، ويأتي واحد ليجد عنصر الخير وينميه. إن الحق سبحانه لا يمحو في أزمنة الباطل معالم الخير والأفعال الحسنة، بل يستبقي - سبحانه - معالم الخير والأفعال الحسنة ليذهب إليها أي إنسان يريد الخير، وقد يكون الخير ضعيفاً، ولكن الله لا يمحوه؛ لأنه يعطي به دفعة جديدة لمؤمنين جدد يرفعون راية الحق، وإن بدأوا ضعفاء. ولذلك نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : لولا عباد لله ركع وصبية رُضّع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا ". تفسير : إن الرسول صلى الله عليه وسلم ينبهنا ألا ننظر إلى الضعفاء على أنهم عالة وأننا أقوياء لمجرد أنهم يعيشون في أكنافنا. بل قد يكونون سياج لطف ورحمة كما في الحديث السابق. إن الله سبحانه وتعالى رفع عنا العذاب من أجل وجود الضعفاء بيننا، لأن في الضعاف يوجد شيء من الخير، ولتظل في الوجود خلية من الخير حتى إذا ما أراد الوجود أن يفيق إلى الرشد فإنه سيجد من الخير ما يرشده. إذن لولا الاقتتال لعم الفساد، وانتهت المسألة. لكن الناس اختلفت فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ} [البقرة: 253] أي لظلوا على منهج واحد من الكفر أو من الفساد، لكن الله يفعل ما يريد. وفي الاقتتال - كما نعرف - هناك تضحيات بالنفس، وتضحيات من أجل أن تظل القيم السماوية على الأرض. وتقتضي التضحية إما أن يجود الإنسان بنفسه وإما أن يجود بماله، ولذلك فمن المناسب هنا أن نتكلم عن النفقة وهي الجود بالمال، وخاصة أنه في الزمن القديم كان المقاتل هو الذي يجهز عدة قتاله: فرسه، رمحه، سيفه، سهامه، لذلك فهو يحتاج إلى إنفاق، ويتكلم الحق عن هذه المسألة لأن الأمر بصدد استبقاء خلية الإيمان المصورة في المنهج السماوي الذي جاء به الرسل؛ ليظل هذا المنهج في الأرض حتى يفيء إليه الناس إن صدمهم الشر أو صدمهم الباطل فيقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة اصطفاء طالوت على بني إِسرائيل، وتفضيل داود عليهم بالملك والنبوّة ثم خاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه من المرسلين، وكان ظاهر اللفظ يقتضي التسوية بين الرسل، ذكر في هذه الآية أنّ المرسلين ليسوا في درجة واحدة بل بعضهم أفضل من بعض كما يكون التفاضل بين البشر. اللغَة: {دَرَجَاتٍ} جمع درجة وهي المنزلة الرفيعة السامية. {ٱلْبَيِّنَاتِ} المعجزات. {وَأَيَّدْنَاهُ} قويناه من التأييد بمعنى التقوية. {رُوحِ ٱلْقُدُسِ} القدس: الطهارة وروح القدس جبريل عليه السلام وقد تقدم. {خُلَّةٌ} الخُلَّة: الصداقة والمودة سميت بذلك لأنها تتخلل الأعضاء أي تدخل خلالها ومنه الخليل. {شَفَاعَةٌ} مأخوذة من الشفع بمعنى الضم، والشفاعة الانضمام إِلى آخر ناصراً له وسائلاً عونه. التفسِير: {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي أولئك الرسل الكرام الذين قصصنا عليك من أنبائهم يا محمد هم رسل الله حقاً، وقد فضّلنا بعضهم على بعض في الرفعة والمنزلة والمراتب العالية {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} أي منهم من خصّه الله بالتكليم بلا واسطة كموسى عليه السلام {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} أي ومنهم من خصّه الله بالمرتبة الرفيعة السامية كخاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم فهو سيد الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة، وكأبي الأنبياء إِبراهيم الخليل {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} أي ومنهم من أعطاه الله المعجزات الباهرات كإِحياء الموتى وإِبراء الأكمه والأبرص والإِخبار عن المغيبات {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} أي قويناه بجبريل الأمين وهو عيسى بن مريم {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} أي لو أراد الله ما اقتتل الأمم الذين جاءوا بعد الرسل من بعد الحجج الباهرة والبراهين الساطعة التي جاءتهم بها رسلهم، فلو شاء الله ما تنازعوا ولا اختلفوا ولا تقاتلوا، ولجعلهم متفقين على اتباع الرسل كما أنّ الرسل متفقون على كلمة الحق {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ} أي ولكنَّ الله لم يشأ هدايتهم بسبب اختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وأهوائهم، فمنهم من ثبت على الإِيمان ومنهم من حاد وكفر {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} أي لو شاء الله لجعل البشر على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون ولكنّ الله حكيم يفعل ما فيه المصلحة، وكلُّ ذلك عن قضاء الله وقدره فهو الفعال لما يريد {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم} أي أنفقوا في سبيل الله من مال الله الذي منحكم إِيّاه، ادفعوا الزكاة وأنفقوا في وجوه الخير والبر والصالحات {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} أي من قبل مجيء ذلك اليوم الرهيب الذي لا تستطيعون أن تفتدوا نفوسكم بمالٍ تقدمونه فيكون كالبيع، ولا تجدون صديقاً يدفع عنكم العذاب، ولا شفيعاً يشفع لكم ليحط عنكم من سيئاتكم إِلا أن يأذن الله ربّ العالمين {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} أي لا أحد أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافراً، والكافر بالله هو الظالم المعتدي الذي يستحق العقاب. البَلاَغَة: 1- {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} الإِشارة بالبعيد لبعد مرتبتهم في الكمال. 2- {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ...} الآية تفصيلٌ لذلك التفضيل ويسمى هذا في البلاغة: التقسيم وكذلك في قوله {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ} وبين لفظ "آمن" و "كفر" طباقٌ. 3- الإِطناب وذلك في قوله: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ} حيث كرر جملة {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ}. 4 - {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قصر الصفة على الموصوف، وقد أكدت بالجملة الإسمية وبضمير الفصل. فَائِدَة: روي عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: {وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} ولم يقل: "والظالمون هم الكافرون" ومراده أنه لو نزل هكذا لكان قد حكم على كل ظالم بالكفر فلم يخلص منه إِلا من عصمه الله. تنبيه: يحتمل أن يراد بالكفر المعنى الحقيقي أو المجازي فيكون المراد بالكافر تارك الزكاة كما ذهب إِليه الزمخشري حيث قال: أراد والتاركون للزكاة هم الظالمون، وإِيثاره عليه للتغليظ والتهديد كما في آية الحج {أية : وَمَن كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 126] مكان "ومن لم يحج" ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله {أية : وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [فصلت: 6 - 7].

الجيلاني

تفسير : {تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} المخصوص بالوحي والإلهمام والإنزال {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} بأنواع الفضائل والكمالات {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ} معه، وهو موسى صلوات الله عليه {وَ} منهم من {رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} وهم ما ذكرهم الله سبحانه في كتابه بقوله في مواضع: أية : وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}تفسير : [مريم: 57] ورفعناه كذا في وصف أنبيائه فعليك استقصاؤها، {وَآتَيْنَا} من نبيهم {عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحة الدالة على نبوته {وَ} مع ذلك {أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} المنزه عن رذائل الأغيار مطلقاً، وهو الذات البحث الخالص عن جميع الاعتبارات. وكم بيَّن فضيلة عيسى عليه السلام، وفضل نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ قال سبحانه في حقه: {أية : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}تفسير : [البقرة: 87] وفي شأنه صلى الله عليه وسلم في مقام الامتنان له: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1] أيها المظهر الكامل بذاتها، المقدس عن السوى مطلقاً: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}تفسير : [الشرح: 2] أي: هويتك التي بها انفصالك عنا {أية : ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ}تفسير : [الشرح: 3] قبل انكشافك بذاتنا، كما أنقض ظهور جميع المخلوقات الباقية وراء الحجاب وبعد ذلك {أية : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}تفسير : [الشرح: 4] أي: إن وصلت إليها ورفعت الاثنينية بنا لذلك قلت: "حديث : من أطاعني فقد أطاع الله"تفسير : ، وقلت أيضاً: "حديث : من رآني فقد رأى الحق"تفسير : وقلنا لك: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح: 10] وغير ذلك من الرموز والإشارات الواردة في القرآن والحديث. ولم يقدر أحد من الأنبياء أن يتفوه عن الرؤية سوى نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه يقول: "حديث : رأيت ربي في ليلة المعراج"تفسير : ، لذلك نزل في شأنه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3] وقوله عليه السلام: "حديث : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"تفسير : ، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشعرة للتوحيد الذاتي، المسقط للإضافات والاعتبارات مطلقاً. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} الهادي للكل هداية جميع الناس {مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ} آمنوا لهم {مِن بَعْدِهِم} خصوصاً {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} الموضحة لهم طريق الرشاد والمستخلفة فهم بين أممهم لإرشادهم، ولكن جرت عادة الله وسنته أن يختلفوا ويقتتلوا بحسب اقتضاء أوصافه المتقابلة لذلك {وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ} بنبي بُعث إليهم {وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ} هدايتهم {مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} الفاعل المختار {يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] لا يُسأل عن فعله، إنه حكيم حميد. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانكم قطع العلائق عما سوى الله الحق خصوصاً عن مزخرفات الدنيا المانعة من الميل الحقيقي {أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم} ابتلاءً لكم {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} ولا معاوضة ولا تجارة حتى يحصلوا فيه ما فوتم لأنفسكم {وَلاَ خُلَّةٌ} حتى تتعاونوا بها وتستظهروا {وَلاَ شَفَاعَةٌ} مقبولة من أحد حتى تستشفعوا منه {وَ} بالجلمة: {ٱلْكَٰفِرُونَ} الساترون هوية الحق بهوياتهم الباطلة، المضيفون نعم الله إليها {هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [البقرة: 254] المتجاوزون عن حدود الله عناداً واستكباراً المعتقدون أصالتهم في الوجود واستقلالهم في الآثار الصادرة عنهم، مع كونهم هالكين مستهلكين في وجود الحق وهويته إذ:

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال السديدة والنفع العام، فمنهم من كلمه الله كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم من رفعه على سائرهم درجات كنبينا صلى الله عليه وسلم الذي اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، وجمع الله له من المناقب ما فاق به الأولين والآخرين { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } الدالات على نبوته وأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه { وأيدناه بروح القدس } أي: بالإيمان واليقين الذي أيده به الله وقواه على ما أمر به، وقيل أيده بجبريل عليه السلام يلازمه في أحواله { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات } الموجبة للاجتماع على الإيمان { ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر } فكان موجب هذا الاختلاف التفرق والمعاداة والمقاتلة، ومع هذا فلو شاء الله بعد هذا الاختلاف ما اقتتلوا، فدل ذلك على أن مشيئة الله نافذة غالبة للأسباب، وإنما تنفع الأسباب مع عدم معارضة المشيئة، فإذا وجدت اضمحل كل سبب، وزال كل موجب، فلهذا قال { ولكن الله يفعل ما يريد } فإرادته غالبة ومشيئته نافذة، وفي هذا ونحوه دلالة على أن الله تعالى لم يزل يفعل ما اقتضته مشيئته وحكمته، ومن جملة ما يفعله ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من الاستواء والنزول والأقوال، والأفعال التي يعبرون عنها بالأفعال الاختيارية. فائدة: كما يجب على المكلف معرفته بربه، فيجب عليه معرفته برسله، ما يجب لهم ويمتنع عليهم ويجوز في حقهم، ويؤخذ جميع ذلك مما وصفهم الله به في آيات متعددة، منها: أنهم رجال لا نساء، من أهل القرى لا من أهل البوادي، وأنهم مصطفون مختارون، جمع الله لهم من الصفات الحميدة ما به الاصطفاء والاختيار، وأنهم سالمون من كل ما يقدح في رسالتهم من كذب وخيانة وكتمان وعيوب مزرية، وأنهم لا يقرون على خطأ فيما يتعلق بالرسالة والتكليف، وأن الله تعالى خصهم بوحيه، فلهذا وجب الإيمان بهم وطاعتهم ومن لم يؤمن بهم فهو كافر، ومن قدح في واحد منهم أو سبه فهو كافر يتحتم قتله، ودلائل هذه الجمل كثيرة، من تدبر القرآن تبين له الحق، ثم قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 319- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}: [الآية: 253]، قال: هو جبريل عليه السلام.